تبعيّة الأخلاق للدين

9 فبراير 2018
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1٬107 زيارة

تبعيّة الأخلاق للدين

ـ القسم الأوّل ـ

د. أبو القاسم فنائي(*)

ترجمة: حسن علي مطر

«لا مال أعْوَدُ من العقل»([1]). (النبيّ الأكرم|)

1ـ مدخلٌ

نخوض في هذا القسم من الكتاب في بحث «أخلاق التشريع» أو «أخلاق التقنين»([2]). إن المحور الرئيس لأبحاث هذا القسم يتلخص في بيان العلاقة بين الدين والأخلاق في مقام التشريع وسنّ القوانين. وينبغي البحث عن المصادر الرئيسة للاختلاف في أوجه النظر بين أتباع الأخلاق الدينية وأنصار الأخلاق العلمانية في اختلاف رؤية هاتين الجماعتين في ما يتعلّق بالأخلاق في مقام التشريع أو التقنين. وبعبارةٍ أخرى: إن بعض أهمّ التقريرات المطروحة في باب الأخلاق الدينية والأخلاق العلمانية المتوفّرة بين أيدينا تتمثَّل في الحقيقة بالعلاقة بين الدين والأخلاق في مقام التشريع وسنّ القوانين.

تكمن الأهمية الحيوية للبحث والتحقيق بشأن أخلاق التشريع أو أخلاق التقنين في أن امتلاك نظرية واضحة ومنقَّحة بشأن الأخلاق يمثِّل واحداً من المقدّمات والفرضيات الضرورية لفهم وإدراك الدين ومعرفته بشكلٍ صحيح (أخلاق المعرفة الدينية). وبعبارةٍ أخرى: إن فهم وتفسير الدين بشكلٍ صحيح يرتبط ارتباطاً كاملاً بإدراك ومعرفة وكشف خصائص «المقنِّن والمشرِّع المثالي»، وإن المشرِّع والمقنِّن المثالي هو الذي يعمل في مقام التشريع بأخذ آداب هذا المقام بنظر الاعتبار، ويتَّبع الأخلاق الناظرة إلى هذا المقام، ويراعي قواعد وضوابط هذه الأخلاق في مقام بيان وجعل قوانينه وتشريعاته الخاصة.

هناك فرقٌ كبير بين:

(1) أن يكون المشرِّع المنشود لنا موجوداً مستبدّاً، لا تخضع قراراته وأحكامه وإقالاته وتنصيباته للضوابط والملاكات والمعايير،

و(2) بين أن يكون تابعاً للمصالح والمفاسد،

أو (3) تكون قراراته وأحكامه وعزله وتنصيبه تابعاً للحقّ (القِيَم الأخلاقية).

وإن المؤمنين بالله إنما ينشدون الله من خلال اتّباع واحد من هذه التصوُّرات الثلاثة عن المقنِّن والمشرِّع المثالي، وفي ضوء واحدٍ من هذه النظريات يخوض في فهم وتفسير النصوص الدينية.

إن العلاقة بين الدين والأخلاق أعمق وأوضح وأوثق من أن تُنْكَر. وعليه فإن السؤال المفهوم الوحيد الذي يمكن طرحه بهذا الشأن، والبحث عن جوابه، هو السؤال عن نوع وكيفية هذا الارتباط وهذه العلاقة([3])؟ وبعبارةٍ أخرى: إن السؤال المعقول والحاسم الجدير بالطرح في هذا الشأن يقول: «هل هناك من علاقة بين الدين والأخلاق بنحوٍ من الأنحاء أم لا؟»، بل السؤال يقول: «هل الأخلاق تقوم بنحوٍ ما على الدين وتابعة له؟». وإذا كان الجواب موجباً «ما هي كيفية هذا القيام وتلك التبعية؟»؛ وإنْ كان سلباً «هل الدين قائمٌ بنحوٍ من الأنحاء على الأخلاق وتابع لها؟»؛ وإذا كان الجواب موجباً «ما هي كيفية هذا القيام وهذه التبعية؟».

سوف نقتصر في هذا الفصل على تناول بعض الإجابات المقدّمة عن الأسئلة (2) و(3)، ونوكل البحث بشأن سائر الأسئلة الأخرى إلى الفصول القادمة.

كما تُعَدّ «الشارعية» و«الحاكمية» و«التقنين» بالنسبة إلى الله، وثبوت حق الطاعة له على العباد، ووجوب اتّباع إرادته وأوامره، من ذاتيّات الأديان الإبراهيمية، فإن التسليم لله يُعَدّ جزءاً لا ينفك عن الصورة التي تقدِّمها هذه الأديان لأتباعها عن الحياة الأخلاقية الصالحة. ويتمّ التأكيد على هذه النقطة في الدين الإسلامي بشكلٍ أشدّ؛ لأن الإسلام يعني التسليم المطلق لإرادة الله، وتقديم إرادته على إرادة الإنسان. وإن هذا التسليم يشمل جميع أبعاد حياة الفرد المسلم. إن أصل التوحيد ـ الذي هو من أهمّ تعاليم الأديان الإبراهيمية ـ يقول: إن الله هو المرجع الأول والأخير والمطلق والوحيد في ما يتعلَّق بالتكوين والتشريع، حيث لا شريك له في الخَلْق والأمر، فهو مصدر الوجود، ومصدر القِيَم، ومنشأ الكينونة والوجود، كما هو منشأ الوجوب والحرمة أيضاً.

وعلى هذا الأساس فإن التسليم أمام الله يعني الرضا والسعادة بالمصير والتقدير الناشئ عن الإرادة التكوينية لله، كما يعني اتّباع الأوامر الإلهية المنبثقة عن إرادة الله التشريعية أيضاً. ومضافاً إلى ذلك فإن الكثير من الأديان تصف الله بصفاتٍ هامّة، من قبيل: «الهادي» و«المرشد» و«المربّي» أو «المهذِّب»، وإن الهداية والتوجيه والتربية من قِبَل الله لعباده تشمل الهداية والتوجيه على المستوى العملي أيضاً.

وعلى الرغم من ذلك كلِّه فإن الاعتقاد بالتوحيد في العبودية والحاكمية والمرجعية المطلقة والنهائية لله في مقام التشريع وسنّ القوانين يؤدي إلى مفارقة الأخلاق الدينية: إذا كانت القيم الأخلاقية مستقلة عن الإرادة التشريعية لله (ومتقدِّمة عليها) ففي هذه الصورة يمكن طرح الأسئلة التالية:

1ـ كيف يكون الله المرجع «النهائي» للمعايير والقِيَم؟

2ـ كيف يمكن الجمع بين مرجعية الله ومرجعية العقل والإرادة والاختيار الأخلاقي للإنسان؟

أما إذا كانت القيم الأخلاقية تنشأ عن إرادة الله التشريعية فعندها يمكن القول:

3ـ كيف يتَّصف الله بالصفات الأخلاقية؟

4ـ كيف يمكن تبرير حقّ إطاعة الله، أو وجوب إطاعته؟

5ـ كيف يتمّ بيان دور وموقع العقل والتجربة والوجدان في معرفة القِيَم الأخلاقية وتبرير العقائد الأخلاقية؟

إن حلّ مفارقة الأخلاق الدينية متوقِّفٌ على دراسة أنواع العلاقات الممكنة والمتصوَّرة بين الدين والأخلاق. وقد سبق أن ذكرنا أن جوهر الأخلاق الدينية عبارة عن الادعاء القائل: «إن القِيَم الأخلاقية تابعةٌ بنحوٍ من الأنحاء إلى الدين ومرتبطة به». ولكنْ يمكن لنا الحصول من هذا الادعاء الواحد والمجمل على العديد من القراءات، أو يمكن لنا إقامة أدلة متعدّدة لصالحه، أو يمكن طرح مختلف المباني «الأنطولوجية» و«المفهومية» و«النفسية» و«العقلانية» بشأنه. وبعبارةٍ أخرى: يمكن لدعوى تبعيّة الأخلاق للدين أن تتجلّى من خلال الصور التالية:

1ـ ادّعاء في ما يتعلّق بالارتباط «التاريخي» بين الأخلاق والدين.

2ـ ادّعاء «لغوي» في باب تعريف المفردات والمفاهيم الأخلاقية.

3ـ ادّعاء «وجودي» في باب ميتافيزيقا الأخلاق.

4ـ ادّعاء «منطقي» و«معرفي» بشأن المعرفة الأخلاقية، طبيعة الاستدلال الأخلاقي، وأسلوب تبرير المعتقدات الأخلاقية.

5ـ ادعاء «نفسي» في ما يتعلّق بالدافع الأخلاقي.

6ـ ادعاء في ما يتعلّق بـ «عقلانية» التعهُّد والالتزام الأخلاقي.

أو أن تقترن بكلّ واحدةٍ من هذه الادعاءات، ويتم تأييدها وتعزيزها من خلالها. ومن هنا تتجلّى ضرورة البحث المستقلّ لهذه العلاقات([4]).

والفصل الراهن يتكفّل ببيان قراءات وروايات الأخلاق الدينية المرتبطة بشكلٍ مباشر بـ «أخلاق التشريع»([5]).

والسؤال المحوري في هذا الفصل يقول: «هل الأخلاق مرتبطةٌ بالدين بواحد من هذه الأنحاء المتقدّمة؟».

والفقرة (2) تدرس العلاقة «التاريخية» بين الدين والأخلاق.

والفقرة (3) تدرس الروايات «اللغوية» بشأن الأخلاق الدينية. إن هذه الروايات تدّعي تبعية الأخلاق اللغوية أو المفهومية أو التعريفية والتصوّرية إلى الدين.

والفقرة (4) تبحث في روايات (المعرفة الأنطولوجية) للأخلاق الدينية التي تدّعي تبعية الأخلاق الميتافيزيقية للدين.

والفقرة (6) تبحث في التحقيق بشأن روايات الأخلاق الدينية التي تدّعي تبعية الأخلاق العقلانية للدين.

وأما سبب تبعية الأخلاق «المنطقية» و«المعرفية» للدين في كتاب (أخلاق المعرفة الدينية)؛ فلأن هذا النوع الخاصّ من التبعية يفترض أوّلاً: تبعية الأخلاق الأنطولوجية أو اللغوية أو العقلانية للدين؛ وثانياً: يرتبط بأخلاق المعرفة الدينية أو أخلاق البحث والتفكير الديني أو أخلاق القانون، لا بأخلاق التشريع والتقنين.

وأما تبعية الدين للأخلاق فهو موضوعٌ سنبحثه في الفصل القادم.

2ـ العلاقة التاريخية بين الدين والأخلاق

يبدو أن لا شبهة أو نقاش في العلاقة التاريخية بين الدين والأخلاق. إنما الإبهام يكمن في أن «هذه العلاقة التاريخية بين الدين والأخلاق هل تستلزم سائر أنواع العلاقات الأخرى، وخاصة العلاقة المنطقية منها، أيضاً أم لا؟». إن لبعض المفاهيم الأخلاقية جذوراً ضاربة في أعماق الدين. كما تعدّ بعض مكارم الأخلاق من جملة التعاليم الأخلاقية في الأديان، من قبيل: «الإحسان» و«حبّ الخير للآخرين» و«الجود» و«المساواة» و«الصفح»، ناهيك عن بعض المكارم والفضائل الأخلاقية، من قبيل: «الأمل» و«مساعدة الآخرين»، مما يُعَدّ من «الفضائل الإلهية».

واستناداً إلى مقدّمات مختلفة يسعى (آنسكومب) و(مك إنتاير) إلى إثبات أن العلاقة التاريخة بين الدين والأخلاق تستلزم العلاقة المنطقية بينهما أيضاً، والقول بأن للأخلاق الناظرة للعمل أو القواعد الحديثة والمفاهيم السائدة في هذه الأخلاق علاقة وثيقة بالعقيدة المسيحية وما قبلها، وبذلك تفقد هذه الأخلاق مفاهيمها وقواعدها المعقولة في العالم الجديد.

يرى (آنسكومب) ضرورة أن نهجر المفاهيم الأخلاقية التي هي من قبيل: «الإلزام» و«التكليف» و«الوجوب» و«الصلاح» و«عدم الصواب»، وأن لا نواصل استعمالها بعد الآن؛ لأن هذه المفاهيم إنما تكون معقولة ويكون لها مفهوم إذا آمنا بوجود «الإله الشارع».

وقد ذهب (آنسكومب) إلى الاعتقاد بأن استعمال هذه المفاهيم في مرحلة ما قبل الحداثة كان معقولاً ومبرَّراً؛ حيث كانت الثقافة الغربية والدينية لدى الغربيين يسودها الاعتقاد بالإله الشارع. أمّا حالياً فلا يزال هناك من الغربيين مَنْ يستعمل هذه المفاهيم، رغم أن الكثير منهم لا يؤمن بوجود هذا الإله، في حين أنه يزعم أن هذه المفاهيم لا تلعب أيّ دور في الشأن الأخلاقي أبداً. ويرى أن استعمال هذه المفاهيم خارج إطارها الفكري الأوّل ـ أي الاعتقاد بوجود الإله المشرِّع والمقنِّن ـ يفرغها من معناها ومحتواها.

يذهب (آنسكومب) إلى الاعتقاد بأن نبذ هذه المفاهيم عن البحث الأخلاقي لن يخلق مشكلةً أو أزمة حادّة، وأنّ بالإمكان أن تكون لدينا أخلاقٌ وأن نحيا حياة أخلاقية حتّى من دون هذه المفاهيم، كما كان الحال بالنسبة إلى أرسطوطاليس أيضاً([6]).

ولكنّنا مع ذلك نرى عدم تمامية كلام (آنسكومب)؛ إذ يمكن القول: إن المقنِّن الذي يجب افتراضه لإثبات معقولية المفاهيم الأخلاقية المذكورة ليس هو «الإله الشارع»، وإنما هو «الشاهد المثالي»([7]). وعلى الرغم من أن الشاهد المثالي طبقاً للرؤية الدينية هو الله، ولكنْ يمكن لعقل الإنسان ووجدانه الأخلاقي أن يفي بدور الشاهد المثالي أيضاً([8]). وعليه فإن إنكار وجود الله أو إنكار تشريعه لا يستوجب أن تفقد المفاهيم الأخلاقية المذكورة معناها ومضمونها.

ومن ناحيةٍ أخرى يذهب (مك إنتاير) إلى القول بأن أخلاق ما قبل الحداثة، أي الأخلاق الإغريقية والأخلاق المسيحية، كانت تتمتَّع بإطار جوهري لم يَعُدْ موجوداً في العالم الحديث. وإن هذا الإطار الجوهري عبارةٌ عن الجبلّة والفطرة الخاصة للإنسان، والسعادة والكمال اللذين خلق لهما.

يرى (مك إنتاير) أن الإنسان المعاصر قد فقد إحساسه وفهمه للغاية المنشودة له، وبدأ يفتقر إلى كماله الطبيعي والعقلاني.

إن الإطار الذي يحدِّده (مك إنتاير) لأخلاق ما قبل الحداثة يشتمل على الأركان الثلاثة التالية:

1ـ الإنسان كما هو.

2ـ الإنسان كما ينبغي أو يجب أو يمكن أن يكون، إذا قام بتطوير وتنمية طبيعته وفطرته الخاصة.

3ـ الأخلاق بوصفها علماً يرشد الإنسان إلى الانتقال ممّا هو عليه إلى ما ينبغي أو يجب أن يكون عليه.

يرى (مك إنتاير) أن الركن الثاني من هذه الأركان قد اضمحلّ، ولم يَعُدْ له من وجودٍ في العالم الحديث، وإن الأخلاق العملية قد حلَّتْ محلّ أخلاق الفضيلة، ومن هنا فقدت الأخلاق مضمونها ومعقوليتها السابقة. يقول (مك إنتاير): إن الطريق الممكن والوحيد لإعادة الأخلاق إلى مكانتها ومنزلتها السابقة يكمن في العمل على إعادة إحياء هذا الركن المنسيّ([9]). وإن إحياء هذا الركن المنسيّ يكمن في العودة إلى أخلاق الفضيلة.

ويبدو بالنسبة لنا أن (مك إنتاير) لم يلتفت إلى الفرق بين رؤية الإنسان المعاصر والإنسان التقليدي إلى دور الأخلاق. فإن الأخلاق في العالم الحديث مقولةٌ اجتماعية ناظرة إلى تنظيم علاقة الناس فيما بينهم، وعلاقتهم مع المؤسسات الاجتماعية، من قبيل: الدولة والحكومة، وإن هذه الأخلاق قبل أن تتوقّف على تصوّر «الإنسان الكامل» أو «الإنسان المثالي» تتوقَّف على تصوُّر «المجتمع المثالي». في حين أن الأخلاق في مرحلة ما قبل الحداثة كانت مقولةً فردية، وناظرة إلى كمال الفرد وسعادته، ومن هنا كانت تدور مدار الفضيلة. ليس هناك من شَكٍّ في أن الأخلاق الفردية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بتصوُّر الفرد للإنسان الكامل والمثالي، ومن دون وجود مثل هذا التصوُّر ستفقد الأخلاق مضمونها ومعناها، إلاّ أن مفهوم الأخلاق الاجتماعية لا ربط له بمعقولية ومضمون الأخلاق الفردية، حيث تمرّ من خلال أقنية وأطر مختلفة. وإن الأخلاق الاجتماعية لا تدور مدار الفضيلة بالضرورة.

وبعبارةٍ أخرى: لقد اكتسبت الأخلاق الاجتماعية في العالم المعاصر دوراً بارزاً، وإن إطار هذه الأخلاق يشبه الشيء الذي ذكره (مك إنتاير) للأخلاق الفردية في العالم القديم، ويختلف عنه في الوقت نفسه. وإنّ هذا الإطار عبارةٌ عن:

1ـ المجتمع كما هو (المجتمع الراهن)

2ـ المجتمع كما يجب أن يكون (المجتمع المنشود والمثالي).

3ـ الأخلاق بوصفها علماً يرشد الإنسان إلى كيفية نقل مجتمعه ممّا هو عليه إلى ما يجب عليه أن يكون.

وعليه فإن الاختلاف بين الأخلاق الحديثة والأخلاق التقليدية لا يكمن في إطار هذين النوعين من الأخلاق، وإنما يكمن في اجتماعية الأخلاق الحديثة وفردانية الأخلاق التقليدية. وبطبيعة الحال فإن الوصف الذي نحصل عليه من المجتمع المثالي والمنشود يعكس الفضائل والرذائل الاجتماعية أيضاً، بَيْدَ أن الخصائص المعيارية لمثل هذا المجتمع يمكن التعبير عنها وبيانها في إطار الواجب والمحظور والاستفادة من سائر المفاهيم والمعاني الأخلاقية أيضاً.

إن نقد (آنسكومب) و(مك إنتاير) للأخلاق الحديثة ينطوي في الحقيقة على دعوة إلى العودة إلى الأخلاق التي تدور مدار الفضيلة، وليست بالضرورة دعوة إلى الأخلاق الدينية، وإنْ كان بالإمكان اعتبار الأخلاق الدينية قراءةً خاصّة لأخلاق الفضيلة. ومهما كان فإنّ مقالة (آنسكومب) والأعمال اللاحقة لـ (مك إنتاير) تصبّ في إحياء أخلاق الفضيلة في العالم المعاصر.

3ـ تبعية الأخلاق اللغوية للدين

تُعَدّ العلاقة بين لغة الدين ولغة الأخلاق أو الشأن الديني والشأن الأخلاقي واحدةً من أنواع العلاقات والنِّسَب التي يمكن افتراضها بين الدين والأخلاق. وإنّ النظرية التي يختارها الشخص في هذا المجال في الواقع نظرية لغوية في باب المعنى أو وظيفة الألفاظ والمفاهيم والعبارات الأخلاقية. وبعبارةٍ أخرى: إن أحد معاني دينية الأخلاق يمكن أن يكون بمعنى أن لغة الأخلاق لغة دينية، وإن أحد معاني علمانية الأخلاق أو العلمانية الأخلاقية يمكن أن يعني أن لغة الأخلاق مستقلّةً عن لغة الدين. وعليه يمكن اعتبار اختلاف الأخلاق الدينية عن الأخلاق العلمانية اختلافاً في طبيعة الأخلاق أو الشأن الأخلاقي ومفهوم أو وظيفة الألفاظ والمفاهيم والعبارات الأخلاقية.

إن النظريات الموجودة حول ارتباط لغة الدين ولغة الأخلاق تندرج ضمن المقولات الثلاثة التالية:

1ـ تبعية لغة الأخلاق المطلقة للغة الدين.

2ـ تبعية لغة الأخلاق النسبيّة للغة الدين.

3ـ الاستقلال الكامل للغة الأخلاق عن لغة الدين.

وإن المقولة الأولى والمقولة الثانية من هذه المقولات على التوالي تشتملان على الروايات المتطرّفة والروايات المعتدلة عن الركن أو المبنى اللغوي للأخلاق الدينية؛ والمقولة الثالثة تعكس الركن اللغوي للأخلاق العلمانية.

وسوف نتناول هذه النظريات بالبحث والنقد على التوالي.

ولكنْ قبل ذلك لا بُدَّ من أن نقدِّم بحثاً توضيحياً حول مضمون النظريات اللغوية في ما يتعلَّق بالأخلاق. ولو أردنا الاهتمام بهذه النظريات من الناحية الفلسفية وجب أن تستوفي الشرطين التاليين:

1ـ يجب أن لا تكون بشأن التعريف اللغوي للألفاظ والمفاهيم الأخلاقية.

2ـ يجب أن لا تكون توصية للأفراد بشأن كيفية توظيف الألفاظ والمفاهيم الأخلاقية.

إن التعريف اللغوي للألفاظ الأخلاقية من مهامّ اللغويين؛ إذ هو غير «التحليل الفلسفي»([10]) لهذه الألفاظ. إن فلاسفة الأخلاق عندما يقدِّمون نظرية بشأن ماهية أو وظيفة لغة الأخلاق، إنما يكونون بصدد بيان شيءٍ أعمق أو غير المعنى اللغوي للألفاظ الأخلاقية. إن إحدى النظريات الفلسفية في ما يتعلَّق بلغة الأخلاق تقدِّم تعريفاً وتحليلاً فلسفياً لمعنى ووظيفة الألفاظ والعبارات الأخلاقية، وتقول لنا أيّ فعل هو «الفعل القولي»([11]) الذي يتحقَّق من خلال الاستفادة من العبارات الأخلاقية. وبطبيعة الحال فإن الفلاسفة حتّى إذا كانوا مختلفين في طبيعة التعريف والتحليل الفلسفي، إلاّ أنهم مجمعون على أن التعريف والتحليل الفلسفي أيّاً كان هو شيءٌ أكثر من التعريف والتحليل اللغوي، أو هو غيره.

ومضافاً إلى ذلك فإن النظريات اللغوية في ما يتعلَّق بلغة الأخلاق إذا أرادت أن تكون على مستوى النقد والبحث الفلسفي فيجب أن تكون «وصفية»([12])، لا «توجيهية»([13])، بمعنى أنها يجب أن تحكي عن المعنى والوظيفة الواقعية للغة الأخلاق، وأن تعمل على وصف هذه اللغة كما هي، لا أن توجِّهنا إلى كيفية استعمال هذه الألفاظ والعبارات الأخلاقية، أو أن تحدِّد ما هو المعنى الذي يجب علينا استعمالها فيه.

ومن هذه الناحية فإن الطريق الوحيد إلى نقد ودراسة هذه النظريات، والمعيار الوحيد لرفضها أو قبولها، يكون من خلال عرضها على ميزان «الشهود ما بعد الأخلاقي»([14]) المتوفِّر عندنا في باب لغة الأخلاق، وفي مفهوم ووظيفة هذه اللغة. وهذا الشهود لا يَعْدُو أن يكون هو ذات «المرتكزات»([15]) المحيطة بالألفاظ الأخلاقية، وإذا استعمل شخصٌ هذه الألفاظ في معنىً أو بشكلٍ يتنافى وهذا الشهود أو الارتكاز اللغوي دلَّ ذلك على عدم مهارته في فهم واستعمال اللغة. وبعبارةٍ أخرى: إن شأن النظريات ما بعد الأخلاقية في ما يتعلَّق بالأخلاق عبارةٌ عن «تنسيق» و«تنقيح» و«تنظيم» الشهادات المتوفِّرة لدينا في هذه اللغة. وحيث إن الأمر كذلك كان الطريق الوحيد للوقوف على صحّة أو سقم هذه النظريات يكمن في مقارنتها بالشهادات اللغوية ما وراء الأخلاقية. وهذا هو ما اشتغل عليه فلاسفة الأخلاق على الدوام، منذ عصر أرسطو وإفلاطون فما بعد.

وعليه فإن أفضل نظرية في ما يتعلَّق بلغة الأخلاق هي النظرية الأكثر انسجاماً مع أكبر عددٍ من الشهادات اللغوية، والتي تقدِّم عن هذه الشهادات تنسيقاً أفضل، وشمولاً أوسع، وتنظيماً أدقّ، من بين سائر النظريات الأخرى. ولذلك يمكن الادّعاء بأن اختلاف القائلين بالأخلاق الدينية والقائلين بالأخلاق العلمانية في ما يتعلَّق بلغة الأخلاق إنما هو في الحقيقة اختلافٌ بشأن أيٍّ من هذه النظريات الدينية أو العلمانية في مجال هذه اللغة أكثر انسجاماً وتناغماً مع الشهادات المتوفِّرة لدينا بشأن المعنى ووظيفة هذه اللغة وخصائصها.

أـ تبعية الأخلاق المطلقة للغة الدين

إن من بين تقريرات نظرية الأخلاق الدينية، أو أحد الأدلّة التي يمكن بيانها لصالح دينيّة الأخلاق، هي رؤية في معنى الألفاظ الأخلاقية أو تعريف المفاهيم الأخلاقية. يذهب القائلون بتبعية لغة الأخلاق للدين إلى الاعتقاد بأن الألفاظ والمفاهيم الأخلاقية، من قبيل: «الحُسْن» و«القُبْح»؛ و«الصواب» و«الخطأ»؛ و«العدل» و«الظلم»، إنما يتمّ تعريفها في قالب الألفاظ والمفاهيم الدينية، من قبيل: «إرادة» و«كراهة» أو «أمر» و«نهي» الله. وإن معنى كون «الفعل حسناً من الناحية الأخلاقية، أو أنه صحيح أو واجب»، هو أن «إرادة الله التشريعية قد تعلَّقت به»، أو «أن الله قد أمر به». وإن معنى كون «الفعل قبيحاً أو غير صحيح أو محظوراً من الناحية الأخلاقية» هو أن «إرادة الله التشريعية قد تعلَّقت بتركه»، أو «أن الله قد أمر بترك ذلك الفعل».

وعليه فبغضّ النظر عن إرادة الله المشرِّع وكراهته أو أمره ونهيه ـ طبقاً لهذه الرؤية ـ لا يمكن لنا أن نكوِّن أيّ تصوُّر عن الحُسْن والقبح، أو العدل والظلم. وإن المنزلة والخصوصية الأخلاقية لجميع الأمور إنما تدور على الدوام مدار إرادة الله وكراهته وأمره ونهيه. وإن أصحاب هذه النظرية يستنتجون من هذه الدعوى عادةً نتيجة معرفية، إذ يقولون: إن الطريق الوحيد لمعرفة إرادة الله وكراهته، أو أمره ونهيه، يمرّ عبر الرجوع إلى الوَحْي والنقل. ومن دون العودة إلى النصوص الدينية لا يمكن الحكم بعدالة أو ظلم، أو حسن أو قبح، أو صوابية أو خطأ، أيّ شيء من الأشياء. وإن إرادة الله وكراهته، أو أمره ونهيه، لا يمكن التعرُّف عليها من طرق أخرى، مثل: العقل والوجدان والشهود والتجربة.

إلاّ أن هذه النتيجة من الناحية المنطقية لا يمكن استنتاجها من صُلْب هذه المقدّمات؛ إذ حتى لو سلَّمنا أن الألفاظ والمفاهيم الأخلاقية يتمّ تعريفها من خلال إرجاعها إلى إرادة الله وكراهته، أو أمره ونهيه، إلاّ أن هذا الادّعاء لا يستلزم في حدّ ذاته القول بأن الطريق الوحيد إلى معرفة إرادة الله وكراهته، أو أمره ونهيه، وتبعاً لذلك معرفة القِيَم والضرورات والمحظورات الأخلاقية، هو الوَحْي والنقل فقط، بل يمكن لله أن يُلْهِم إرادتَه وكراهته، أو أمره ونهيه، العقلَ والوجدان أيضاً. فليس هناك من دليلٍ يثبت أن الهداية الأخلاقية لله تنحصر بالوَحْي والنقل فقط. بل الأمر على العكس من ذلك تماماً، حيث يوجد الكثير من الأدلّة التي يمكن إقامتها على أن الهداية الأخلاقية لله تشمل الهداية العقلانية والوجدانية أيضاً.

نعم، إذا كانت إرادة الله وكراهته، وأمره ونهيه، لا تخضع لمعيارٍ أو ميزان أمكن القول في مثل هذه الحالة باستحالة الكشف عن إرادة الله وكراهته، وأمره ونهيه، وعدم إمكان الوصول إلى ذلك من طريق العقل الاستدلالي بالمعنى الأرسطي للكلمة. ولكنْ يمكن القول، حتّى في مثل هذه الحالة، باستحالة التعرُّف على إرادة الله وكراهته، وأمره ونهيه، من طريق النقل أيضاً، بمعنى أن النصوص الدينية على هذه الفرضية ستفقد دلالتها في بيان المراد الجدّي والواقعي لله؛ لأن مثل هذا الإله يمكنه أن يكذب أو يخدع الناس، وأن يتكلَّم معهم بشكلٍ مغاير لمراده الجدّي والواقعي، فيستنبط منه خلاف مراده([16]).

إن هذه القراءة لنظرية الأمر الإلهي تُعَدّ بالمقارنة إلى سائر القراءات أكثر تطرُّفاً من عدّة جهات:

فأوّلاً: إن هذه النظرية تشمل جميع الألفاظ والمفاهيم الأخلاقية.

وثانياً: إن هذه القراءة لا تقصر بيان معاني الألفاظ الأخلاقية على عُرْف المؤمنين فقط. إن أنصار هذه القراءة لنظرية الأمر الإلهي يدَّعون بأن الألفاظ الأخلاقية لا تتضمن في الأساس غير هذا المعنى.

وثالثاً: إن تبعية الأخلاق المفهومية للدين تستلزم تبعية الأخلاق للدين من سائر الجهات الأخرى أيضاً. ولو أن الصفات الأخلاقية كانت على المستوى المفهومي وبلحاظ المعنى مرادفة للمحمولات الكلامية (أو الفقهية) ففي مثل هذه الحالة ستكون الأخلاق تابعة للدين من الناحية الأنطولوجية والمعرفية والنفسية والعقلانية أيضاً، في حين لا يمكن لعكس هذا الادّعاء أن يكون صادقاً، بمعنى أن تبعية الأخلاق للدين على المستوى الأنطولوجي أو المعرفي أو النفسي أو العقلاني لا تستلزم تبعية الأخلاق للدين على المستوى اللغوي.

ب ـ نقد نظرية تبعية لغة الدين المطلقة للغة الأخلاق

يمكن مناقشة هذه النظرية والإشكال عليها من عدّة جهات:

الإشكال الأوّل: إن هذه النظرية لا تنسجم مع الشهادات اللغوية؛ إذ إن بإمكاننا أن نتصوَّر حُسْن أو قُبْح شيء، أو صحّته وخطأه، واتّصافه بالعدل أو الظلم، دون أن نلتفت إلى أمر الله المشرِّع ونهيه في هذا المجال. في حين لو كان الحُسْن أو القبح، أو الصحّة والخطأ، أو العدل والظلم، مرادفاً من الناحية المفهومية لـ «ما أمر به الله أو أراده»، و«ما كرهه الله أو نهى عنه»، لما أمكن لنا مثل هذا التصوُّر.

الإشكال الثاني: إن هذه النظرية تستلزم اللغوية. فعندما يُبرز شخص حكماً أخلاقياً، مثل: «إن الصدق حَسَنٌ»، ثم يضيف قائلاً: «لقد أمر الله بالصدق»، لا تكون إضافته هذه تكراراً عبثياً لا فائدة منه. في حين لو كان مضمون هاتين الجملتين شيءٌ واحد لما اشتملت الجملة الثانية على معنىً جديد، ولم تُضِفْ شيئاً إلى معلوماتنا السابقة، وكانت مجرَّد حَشْوٍ([17]) وتكرار أو تلاعب في الألفاظ([18]).

وبعبارةٍ أفضل: يمكن ردّ هذه النظرية من خلال برهان مور، المعروف بـ «برهان السؤال المفتوح»، والذي يقول في هذا الشأن: إذا كان الحُسْن الأخلاقي من الناحية المفهومية مرادفاً «لما أمر الله به» فعندها سيكون السؤال القائل: «هل ما أمر الله به حَسَنٌ من الناحية الأخلاقية؟» سؤالاً مغلقاً وفاقداً للمعنى. في حين أن هذا السؤال مفتوحٌ دائماً، ولا يكون طرحه فاقداً للمعنى أو غير معقول، الأمر الذي يثبت أن تعابير من قبيل: «هذا حَسَنٌ من الناحية الأخلاقية» و«ما أمر الله به» ليست مترادفةً، أو يمكن حملها على ذات المضمون. كما يصدق هذا الادّعاء بشأن سائر الألفاظ والمفاهيم الأخلاقية أيضاً([19]).

الإشكال الثالث: إن هذه النظرية لا تنسجم مع التجارب الحسّية والمشاهدات الإنسانية. فهناك الكثير من الذين لا يؤمنون بوجود الإله المشرِّع، أو لا يعيرون اهتماماً لأوامره، ومع ذلك يعتقدون ويلتزمون بحُسْن وقُبْح، وصحّة وخطأ، الكثير من الأمور على المستوى الأخلاقي، دون أن يقعوا في وَرْطة التناقض من الناحية النظرية أو العملية. وهذه الحقيقة تثبت الاستقلال المفهومي والمضموني للغة الأخلاق عن لغة الدين.

الإشكال الرابع: يُعتبر الحوار بين المتديِّنين والملحدين، وكذلك الحوار بين أتباع الأخلاق الدينية وأتباع الأخلاق العلمانية في الموضوعات الأخلاقية، ظاهرةً شائعة ومألوفة وطبيعية، الأمر الذي يثبت أن كلا طرفي الحوار يتمتَّع في هذا المورد بفهم ورؤية واحدة بشأن وظيفة ومفهوم لغة الأخلاق، رغم اختلافهما في مورد الحكم الأخلاقي لموضوع بحثنا. وإلاّ كان النزاع والاختلاف الأخلاقي بينهما سالبةً بانتفاء الموضوع.

فمثلاً: عندما يتحدّث المسيحي أو المسلم مع فيلسوفٍ في الأخلاق العلمانية بشأن الحكم الأخلاقي للإجهاض، وادّعى أحدهما بأن الإجهاض جائز وصحيح من الناحية الأخلاقية، وادّعى الآخر بأن الاجهاض غير جائز، بل هو خاطئ من الناحية الأخلاقية، يكون اختلافهما اختلافاً أخلاقياً، وليس لغوياً. وهذا يدلّ على أن فهمهما للمعنى الأخلاقي لكلماتٍ ومفردات من قبيل: «جائز» و«صحيح» فهمٌ واحد ومشترك، وإلاّ وجب علينا القول بأنهما غير مختلفين أساساً؛ لأنهما يتحدَّثان عن أمرين مختلفين لا ربط لأحدهما بالآخر.

وقد يمكن للقائلين بتبعية لغة الأخلاق للدين الدفاع عن نظريتهم في مواجهة هذا الإشكال بالقول: إن الذين لا يؤمنون بوجود الإله المشرِّع، أو لا يعيرون اهتماماً لأوامره وتعاليمه، إنما يستعملون الألفاظ والعبارات الأخلاقية جَرْياً على مألوف الاستعمال الشائع، وعلى شكل «نقل كلام الآخرين» في واقع الأمر، أو أنهم يستعملونها في المعنى «المجازي». وعلى أيّ حال فإنهم لا يستعملون هذه الألفاظ في المعنى الأخلاقي، ولذلك فإن مجرّد شيوعها بينهم واستخدامها من قبلهم لا يثبت استقلالية اللغة الأخلاقية عن الدين.

إلاّ أن هذا الجواب هو نوعٌ من المصادرة على المطلوب؛ إذ إن الحكم بأن هذه الألفاظ والعبارات الأخلاقية في هذه الموارد مستعملةٌ على نحو الجَرْي على وفق الاستعمالات السائدة، وترديداً لكلمات الآخرين، أو استعمالها في المعاني المجازية، يتوقَّف على أن يفترض الشخص ـ في مرحلةٍ سابقة ـ التعريف الديني لهذه الألفاظ والعبارات بوصفها معاني حقيقية واستعمالاتها الأخلاقية.

هذا مضافاً إلى بقاء إشكال السالبة بانتفاء الموضوع بالنسبة إلى النزاعات الأخلاقية على حاله.

الإشكال الخامس: إن القول بهذه النظرية يفضي إلى تفريغ صفات الله الأخلاقية من المعنى والمحتوى، فإن بعض صفات الله هي صفاتٌ أخلاقية، فإذا افترضنا مفهوم «العدالة» و«الرحمة» و«الكرم» أو «الحُسْن» و«الضرورة» الأخلاقية مساوقاً لما «أراده الله»، أو «ما أمر به الله»، سيكون اتّصاف الله بهذه الصفات أمراً غير معقول وفاقداً للمعنى؛ لأن وصف الله بهذه الصفات يتوقَّف على امتلاك معيار مستقلّ ومتقدِّم على الدين لتحديد مصداق هذه الصفات.

وبعبارةٍ أوضح: عندما نقول: «إن الله عادل» نريد بذلك أن الله في مقام التشريع وجعل الأحكام وإصدار الأمر والنهي يراعي العدالة. ولذلك كي نتمكَّن من الحكم بشأن عدالة الله حكماً أخلاقياً نحتاج إلى معيارٍ مستقل لتحديد قانون وحكم العدل. في حين إذا أخذت إرادة الله المشرِّع، أو أمره ونهيه، في تعريف العَدْل، والحُسْن والقُبْح، والصواب والخطأ الأخلاقي، لن يكون لدينا مثل هذا المعيار، وتبعاً لذلك سيكون الحكم الأخلاقي بشأن الله، أو وصفه بالصفات الأخلاقية، مفتقراً إلى المعنى وفاقداً للمضمون.

مضافاً إلى أننا طبقاً لهذه الحالة لن يكون لدينا أيُّ دليلٍ لصالح الادّعاء القائل بأن الله متَّصف بالصفات الأخلاقية.

فعلى سبيل المثال: إن اتّصاف الله بالعدالة إنما يكون له معنىً ومفهومٌ إذا أمكن تحديد أن هذا الفعل الخاصّ هو مصداقٌ للظلم حتّى إذا صدر عن الله.

الإشكال السادس: إن هذه النظرية لا تنسجم مع ظاهر النصوص الدينية، بمعنى أن الادّعاء القائل بأن جميع الصفات والمفاهيم الأخلاقية يتمّ تعريفها من خلال إرجاعها إلى إرادة الله وكراهته، أو أمره ونهيه، لا تتناغم مع ظاهر بعض النصوص الدينية.

فعلى سبيل المثال: جاء في القرآن: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ (النحل: 90)، حيث يدلّ المعنى الظاهري لهذه الآية على أن العدل والإحسان والفحشاء والمنكر ـ وهي من المفاهيم الأخلاقية ـ قابلةٌ للتعريف والتشخيص بغضّ النظر عن أمر ونهي الله المشرِّع. وهي بكلمةٍ واحدة علّةٌ أو دليل ومبنى أمر ونهي هذا الإله، بمعنى أن أمر الله المشرِّع ونهيه تابعٌ للعدل والإحسان والفحشاء والمنكر، دون العكس، وإن للعدل والإحسان والفحشاء والمنكر طبيعةٌ وماهية مستقلة ومتقدِّمة على الدين، وهي متعيِّنة حتى قبل صدور الأمر والنهي من الله، وإن تعيُّنها لا يتوقَّف على أمر الله المشرِّع ونهيه. وقال في القرآن أيضاً: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ (الأعراف: 28 ـ 29).

ج ـ تبعية لغة الأخلاق النسبية للغة الدين

تسعى بعض التقريرات الجديدة للأخلاق الدينية إلى إصلاح وبيان دعوى تبعية لغة الأخلاق إلى لغة الدين، بحيث تسلم من الإشكالات المتقدِّمة.

من ذلك أن (روبرت ماثيو آدمز)، وهو من أبرز المدافعين عن الأخلاق الدينية في المرحلة المعاصرة، تقدَّم بتقريرٍ معدَّل عن نظرية الأمر الإلهي.

إن رواية آدمز في الحقيقة تُعَدّ نظرية في طبيعة أو منشأ «الإلزام الأخلاقي».

وقد عمد آدمز إلى إصلاح وتعديل نظرية الأمر الإلهي من ثلاث جهات؛ حيث قام أوّلاً بتحديد دائرة هذه النظرية بـ «الصواب» و«الخطأ»، إذ قبل بالاستقلالية اللغوية للأخلاق عن الدين لسائر الأوصاف والمفاهيم الأخلاقية، من قبيل: «الحُسْن» و«القُبْح»، و«العدل» و«الظلم».

وثانياً: عرَّف «الخطأ» الأخلاقي لا بـ «ما نهى الله عنه»، وإنما بـ «ما قام الله المحبّ للإنسان بالنهي عنه»، بمعنى أنه لا يجعل أمر ونهي أيِّ إله معياراً لتحديد الصواب والخطأ، فهو يرى أن المأخوذ في تعريف الصواب والخطأ الأخلاقي هو أمر ونهي خصوص الإله الذي يحبّ البشر.

وثالثاً: يرى آدمز أن هذا المعنى من الصواب والخطأ إنما يمثِّل مجرّد جزء من المعنى الذي يقصده المؤمنون من هذه الألفاظ، بمعنى أن نظريّته مجرّد نظرية في باب معنى الصواب والخطأ الأخلاقي في «عُرْف المؤمنين»([20]).

د ـ نقد نظرية تبعية لغة الأخلاق النسبية للغة الدين

ويمكن نقد ومناقشة هذه النظرية بدورها والإشكال عليها من عدّة جهات:

الإشكال الأوّل: علينا أن نفرّق بين المعنى «الأخلاقي» لألفاظ من قبيل: الحُسْن والقُبْح، والصواب والخطأ، والوظيفة والمسؤولية من جهةٍ، والمعنى «الشرعي» و«العُرْفي» و«الحقوقي» لهذه الألفاظ من جهةٍ أخرى. إن الذي نراه في عُرْف المؤمنين هو أنهم إنما يعتبرون بعض الأمور حَسَنة أو قبيحة، أو صحيحة أو خاطئة؛ لأن الله حكم بذلك، ويرَوْن أن الامتثال لهذه الأمور أو تركها واجباً أو تكليفاً عليهم. وإذا سئل أحدهم: لماذا تفعل هذه الأمور؟ أو لماذا تؤمن بحُسْن وقُبْح، وصحّة وخطأ، هذه الأمور؟ لن يأتي على ذلك بدليلٍ غير أمر الله.

إن هذه الظاهرة بحاجةٍ إلى بيانٍ. إلاّ أن البيان الذي يقدِّمه آدمز عنها غير صحيح؛ لأن الجاري في عُرْف المؤمنين في هذا الشأن لا يختصّ بالصواب والخطأ فقط، وإنما يشمل الحُسْن والقُبْح وسائر الصفات الأخلاقية الأخرى أيضاً، بمعنى أن الأفعال من وجهة نظر المؤمنين تنقسم إلى قسمين: حَسَن؛ وقبيح، وصائب؛ وخاطئ. وإن معيار هذا التقسيم أحياناً في الحدّ الأدنى هو إرادة الله وكراهته، أو أمره ونهيه.

وبعبارةٍ أخرى: في ما يتعلَّق بالشأن المعياري والقِيَمي السائد في عُرْف المؤمنين تستعمل جميع الألفاظ الأخلاقية في معانٍ مختلفة. أي كما يوجد هناك صوابٌ وخطأ وإلزام شرعي لدينا حُسْن وقُبْح شرعي أيضاً. وإذا كان هناك من غموضٍ فيكمن في السؤال القائل: «هل هذا المعنى للصواب والخطأ، والإلزام، والحُسْن والقُبْح، هو ذات المعنى الأخلاقي لهذه الألفاظ أيضاً أم لا؟»([21]).

ربما أمكن الادّعاء بأن المتديِّنين يستعملون هذه الألفاظ في معنيين مختلفين:

المعنى الأوّل: هو ذات المعنى الأخلاقي لهذه الألفاظ، حيث يشترك المتدينون والملحدون في هذه المعاني. وإن هذا الاشتراك المفهومي هو الذي يجعل الحوار والتفاهم بين المتدينين والملحدين ممكناً.

بَيْدَ أن لهذه الألفاظ معاني شرعية أيضاً، وهي لا تستعمل إلاّ في عُرْف المؤمنين فقط.

وبطبيعة الحال فإن هذين المعنيين ليسا أجنبيّين عن بعضهما تماماً، بمعنى أن الحُسْن والقُبْح، والصواب والخطأ، يطلق في الحقيقة على معنىً واحد، وإن قيوداً من قبيل: «الشرعي» و«الأخلاقي» و«العقلي» و«العُرْفي» تعمل على تقسيم المعنى العامّ والمشترك لهذه الألفاظ إلى مختلف الأنواع والأقسام.

إن بين الحُسْن والقُبْح، والصواب والخطأ، الشرعي والحُسْن والقُبْح، والصواب والخطأ، الأخلاقي علاقةً وثيقة من وجهة نظر المؤمنين، بمعنى أن إرادة وكراهة، أو أمر ونهي الله، ليست مجرّد منشأ للحُسْن والقُبْح، والصواب والخطأ، الشرعي فحَسْب، بل هي كذلك منشأٌ للحُسْن والقُبْح، والصواب والخطأ، الأخلاقي أيضاً، رغم اختلاف المؤمنين بشأن ما إذا كانت الإرادة والكراهة، أو الأمر والنهي، الإلهي وحده هو المنشأ للحُسْن والقُبْح، والصواب والخطأ، الأخلاقي أم هناك ـ بالإضافة إلى ذلك ـ أمورٌ أخرى تلعب دَوْراً في اتّصاف الأفعال بالحُسْن والقُبْح، والصواب والخطأ، الأخلاقي.

وعلى أيّ حال فممّا لا شَكَّ فيه أن المؤمنين، بالإضافة إلى الزاوية الأخلاقية التي يشترك فيها جميع الناس، يعملون ـ في ما يتعلَّق بالأمور التي تشكِّل موضوعاً للحكم الأخلاقي ـ على إصدار الأحكام والتقييمات من الزاوية الدينية (الشرعية) أيضاً، مستخدمين في بيان أو إبراز قيمة أحكامهم الدينية ذات التعابير والمصطلحات السائدة في المجال الأخلاقي، بمعنى أننا في المجتمعات الدينية التي تؤمن بالإله الشارع والمقنِّن نشهد نوعين من المباني الأخلاقية، أو أننا ـ بعبارةٍ أدقّ ـ نواجه نظامين معياريين مختلفين ومتمايزين: أحدهما: النظام المعياري الذي هو في الحقيقة الأخلاق الدينية (الفقه)، والذي هو لا شَكَّ ضاربٌ بجذوره في أعماق الشريعة، وأمر الله ونهيه، ولا خلاف في تبعيته الكاملة والتامّة للدين؛ والآخر: الأخلاق ما وراء الدينية، أو العلمانية، وهناك الكثير من الآراء المختلفة بشأن منشئه ومصدره([22]).

الإشكال الثاني: لا يقدِّم آدمز أيَّ دليل على مدَّعاه. فهو يكتفي بمجرَّد بيان أن المؤمنين يستعملون مفردات الصواب والخطأ في معانٍ خاصة، إلاّ أن دعوى أن يكون هذا المعنى هو ذات المعنى الأخلاقي لهذه المفردات هي بحاجةٍ إلى دليلٍ مستقلّ، وهو ما لا نشاهد له أثراً في مؤلَّفات آدمز.

الإشكال الثالث: في نظرية آدمز لا يتمّ التفكيك والفصل بين «مفهوم» الصواب والخطأ الأخلاقي و«منشأ انتزاعه»، بمعنى أنه يمكن الادّعاء ـ ويبدو أن هذا هو الحقّ أيضاً ـ بأن الصواب والخطأ الأخلاقي هو دائماً ولدى جميع الناس بمعنىً واحد، وإذا كان هناك من تفاوت فهو يكمن في أن المتديِّنين والملحدين ينتزعون هذه الصفات من أمور ومناشئ مختلفة ومتفاوتة، ويحملونها على مختلف الأمور. فإذا كان هذا الادّعاء صحيحاً فإنه سيعني استقلال لغة الأخلاق عن لغة الدين بشكلٍ كامل، وإنْ كان وصف الخطأ الأخلاقي من وجهة نظر المؤمنين (في بعض الموارد) تابعاً في وجوده للدين، وإن اتصاف (بعض) الأفعال بهذا الوصف رهنٌ بتعلُّق نهي الإله الشارع بتلك الأفعال. وفي الحقيقة فإنّ رؤية آدمز لا تمثِّل نظريةً في مجال لغة الأخلاق، وإنما هي نظرية في مجال ميتافيزيقا وصف الخطأ الأخلاقي.

إن موضوع بحثنا هو بيان دور أمر ونهي الإله المشرِّع في اتصاف الموضوعات الأخلاقية بصفاتٍ عامة، من قبيل: الحُسْن والقُبْح، والصواب والخطأ.

ويبدو لنا أن أمر ونهي الإله المشرِّع يلعب دوراً في هذا المورد من جهتين أو على نحوين مختلفين. في النحو الأول يعمل أمر ونهي الإله المشرِّع على تبرير وتسويغ انتزاع هذه الصفات من الموضوع، واتّصاف ذلك الموضوع بهذه الصفات؛ وفي نفس الوقت فإن معنى هذه الصفات غير المعنى الذي تشتمل عليه هذه الصفات في المجال الأخلاقي المشترك بين المتديِّنين والملحدين. وفي هذا الفرض يكون الحُسْن والقُبْح، والصواب والخطأ، بمعنى الحُسْن والقُبْح، والصواب والخطأ، «الشرعي».

فعلى سبيل المثال: عندما يُقال في مثل هذه الحالة: «إن الصدق حَسَنٌ» يكون المراد منه: «أن الصدق حَسَنٌ شرعاً». ومن الواضح أن انتزاع الحُسْن أو الصواب من الصدق، ووصف الصدق بالحُسْن أو الصحّة، في هذا الفرض سوف يتوقَّف بشكلٍ كامل على تعلُّق أمر الإله المشرِّع بالصدق، ولذلك فإن الذين لا يؤمنون بوجود الإله المشرِّع، أو يرَوْن أن هذا الإله لم يأمر بالصدق، لا يكون لهم مثل هذا الحكم. وعليه فمن وجهة نظر المؤمنين يعتبر تعلُّق أمر ونهي الإله المشرِّع بفعلٍ هو من الخصائص الصانعة والموجدة للحُسْن والقُبْح، والصواب والخطأ، على المستوى الشرعي.

وأما في الحالة الثانية فإن أمر ونهي الإله المشرِّع يبرِّر ويجوِّز انتزاع المفاهيم الأخلاقية من الموضوع مورد البحث، ووصف ذلك الموضوع بالأوصاف الأخلاقية، ولكنْ بذات المعنى الموجود لهذه الأوصاف في الدائرة الأخلاقية المشتركة بين المتديِّنين والملحدين. وإن القول بهذا المدَّعى رهنٌ باعتبار أمر ونهي الإله المشرِّع بوصفه واحداً من الخصائص، أو بوصفه الخصيصة الوحيدة الصانعة للحُسْن أو القُبْح، أو الصانعة للصواب أو الخطأ، على المستوى الأخلاقي، وإن لدى المؤمنين مختلف الأدلّة على مثل هذا الفهم. وإن هذه الأدلة في الحقيقة هي ذات الأدلة التي يمكن إقامتها لصالح حقّ الطاعة لله أو وجوب إطاعته.

بَيْدَ أن أكثر هذه الأدلة هي أدلّة أخلاقية، وهذا يعني:

1ـ إن أمر ونهي الإله المشرِّع لا يصحِّح الانتزاع وحمل الصفات الأخلاقية على موضوع هذه الصفات على نحوٍ حصريّ وبشكلٍ مطلق.

2ـ إن أمر ونهي الإله المشرِّع في حدِّ ذاته (أوّلاً وبالذات) لا يلعب دوراً في الحكم الأخلاقي للموضوع، وإنما يكتسب هذه الخصوصية والتأثير من خلال الانضمام إلى أحد العناوين والمقاييس ذات الصلة الأخلاقية، والتي يكون لها دورٌ في المنزلة الأخلاقية للموضوع (ثانياً وبالعرض).

وإن لهذين الأمرين تداعيات حاسمة ومصيرية في بيان العلاقة القائمة بين الدين والأخلاق، كما سنشير إلى ذلك في المستقبل.

وبعبارةٍ أوضح: إذا أراد المؤمنون القول بأن مجرّد تعلُّق أمر الإله المشرِّع بفعلٍ يستوجب صيرورة ذلك الفعل حَسَناً أو صائباً، أو أنه سيتحوّل إلى تكليف، ويكتسب الضرورة، على المستوى الأخلاقي، وجب عليهم إثبات أن الأمر والنهي الصادر عن الإله المشرِّع يعدّ واحداً من الملاكات والمعايير التي تلعب دوراً في الحُسْن والقُبْح، أو الصواب والخطأ، أو الوجوب والحرمة، الأخلاقية. في حين لو كان ادّعاء المؤمنين مجرّد القول بأن تعلُّق أمر الإله المشرِّع بفعل يستوجب أن يكون ذلك الفعل حَسَناً أو صحيحاً أو تكليفاً شَرْعاً لم يكن إثبات هذا الادّعاء بحاجةٍ إلى دليلٍ مستقلّ؛ لوضوح تبعية الحُسْن والقُبْح الشرعي، أو الصواب والخطأ الشرعي، أو التكليف الشرعي، لأمر ونهي الإله المشرِّع، دون توقُّف ذلك على دليلٍ مستقلّ؛ لأن ذات الدليل الذي يدلّ على تعلق أمر الإله المشرِّع ونهيه بفعلٍ سيدلّ بنفسه على الحُسْن والقُبْح، أو الصواب والخطأ، الشرعي لذلك الفعل أيضاً.

ولكنّ السؤال المطروح هنا: «كيف يمكن إثبات أن أمر ونهي الإله الشارع يلعب دَوْراً في الحكم والوصف الأخلاقي؟». وهذا السؤال هو سؤالٌ «معياري» أو «وجودي»، وليس سؤالاً «لغوياً»، وهو مرتبطٌ بميتافيزيقا الأخلاق، دون اللغة الأخلاقية.

الإشكال الرابع: يبدو أن التعريف الذي يقدِّمه آدمز عن الخطأ الأخلاقي تعريف «توجيهي»، وليس تعريفاً «توصيفياً»؛ إذ يأخذ قيد «المحبّ للإنسان» بوصفه قيداً لله في تعريف الخطأ الأخلاقي، في حين لو أمكن لنا أن ننسب هذا التعريف لعُرْف المؤمنين لما أمكن القول بأن جميع المؤمنين يأخذون هذا القيد في تعريف الخطأ الأخلاقي. فلو قبلنا بأصل هذا الادّعاء القائل بأن المؤمنين يستعملون الخطأ الأخلاقي في مفهوم مختلف لما أمكن الادّعاء بأن جميع المؤمنين يعتبرون الفعل الخاطئ أخلاقياً مفهوماً مساوياً للفعل الذي نهى عنه الإله المحبّ للإنسان. فإنّ إله بعض المؤمنين إله مستبدّ ومتجبِّر وغضوب، لا يعرف من الحبّ والرحمة شيئاً، وإنّ الذين يعبدون مثل هذا الإله لا يمكنهم أخذ هذا القيد في تعريف الخطأ الأخلاقي. لقد عمد آدمز إلى أخذ هذا القيد في تعريف الخطأ الأخلاقي؛ لرفع بعض إشكالات القراءة التقليدية لنظرية الأمر الإلهي، ولكنّه لم يلتفت إلى أن أخذه لهذا القيد يحوِّل تعريفه إلى تعريف توجيهي وإرشادي.

الإشكال الخامس: إن الصيغة المعدَّلة لنظرية الأمر الإلهي لا تفصل بين المفاهيم الأخلاقية «الموسَّعة» أو «ذات المحتوى المغلَّظ»([23]) وبين المفاهيم الأخلاقية «المضيَّقة» أو «ذات المحتوى المخفَّف»([24]).

إن معضلة الأخلاق الدينية لا تكمن فقط في استعمال المؤمنين لمفاهيم من قبيل: «الصواب» و«الخطأ» الأخلاقي في معانٍ مختلفة، أو انتزاعهم هذه المفاهيم من موضوعاتٍ مختلفة. إنما المشكلة الأعمق تكمن في أن المؤمنين ـ على ما يبدو ـ يستعملون مفاهيم، من قبيل: «العدل» و«الجور» و«الجريمة» و«العنف» في معانٍ أخرى أيضاً، أو أنهم ينتزعون هذه المفاهيم من أمور أخرى.

فلو أن الله ـ على فرض المحال ـ أمر بفعلٍ يعتبره الناس في الوقت الراهن ظلماً لن يقول المؤمنون: «إن الله قد أمر بالظلم»، وإنما يقولون: «من الآن فصاعداً لا يعود هذا الفعل مصداقاً للظلم، بل هو مصداقٌ للعدل». ولو عرَّفنا الظلم والعدل في إطار الوفاء وعدم الوفاء بالحقّ أمكن لنا القول: إن الفكرة الكامنة وراء هذه الرؤية هي أن الحقوق «الطبيعية»([25]) غير موجودة، وإن جميع الحقوق «اعتبارية»([26]) و«وضعية»([27])، وحيث يذهب (بعض) المؤمنين إلى القول بأن جميع الحقوق تنبثق عن إرادة الله لن يكون الصواب والخطأ وحدهما هما التابعان لإرادة الله فقط، بل حتّى العدل والظلم سيكونان تابعين لإرادة الله أيضاً، ولو أن الله تجاهل في حكمه ما يعتبره الناس حقّاً فسوف يكون معنى هذا الحكم من وجهة نظر المؤمنين أن هذا الحقّ لم يكن موجوداً، أو أنه غير معتبر من قبل الله.

فعلى سبيل المثال: إن حقّ الحياة يعتبر واحداً من حقوق البشر الثابتة. ولكنْ لو أمر الله بقتل إنسانٍ بريء لن يقول المؤمنون: إن هذا الأمر ظلم، بل سيقولون: إن ذلك الشخص ليس له حقّ الحياة في هذا المورد؛ إذ يرى المؤمنون أن حقّ الإنسان في الحياة يجب أن يُعْطى للشخص من قبل الله، أو أن يتمّ إمضاؤه والاعتراف به من قبله، وإن حكم الله بقتل شخصٍ يعني أنه لا يعترف له بهذ الحقّ، وحيث لا يمتلك شخصٌ حقَّ الحياة في هذا المورد فسوف لا يكون قتله ظلماً، ولن يكون أمر الله بقتله أمراً بالظلم([28]).

الإشكال السادس: إن الرواية المعدّلة لنظرية العدل الإلهي لا تقدِّم جواباً عن السؤال القائل: «هل نحن ملزمون من الناحية الأخلاقية بإطاعة الأوامر الإلهية؟»، أو السؤال القائل: «هل تُعَدّ إطاعة الله عملاً صائباً من الناحية الأخلاقية؟»([29])، بمعنى أنه لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال في إطار نظرية الأمر الإلهي.

إن إطاعة أمر الله فعلٌ اختياري من شأنه أن يتّصف بالصواب والخطأ على المستوى الأخلاقي. وعلى هذا الأساس فإن الصيغة المعدَّلة لنظرية الأمر الأخلاقي لا تفترض مجرَّد استقلال الحُسْن والقُبْح الأخلاقي عن الدين فحَسْب، بل هي مضطرّة إلى افتراض استقلالية الصواب والخطأ الأخلاقي عن الدين أيضاً، وهذا يعني التخلّي عن نظرية الأمر الإلهي.

بالإضافة إلى أننا إذا استثنينا مورداً من هذه النظرية سيُفتح الباب أمام استثناء الموارد الأخرى أيضاً، ويمكن القول بعدم وجود خصوصية لهذا المورد، وكما أدركنا صوابية إطاعة الأوامر الإلهية، وخطأ مخالفتها، بالاستقلال عن أمره بإطاعته ونهيه عن مخالفته، ندرك صوابية وخطأ الكثير من الأمور الأخرى، أو نستطيع إدراكها أيضاً.

وعليه إنما يمكن حلّ هذا الإشكال من خلال عدم اعتبار الصواب والخطأ مساوقاً لموافقة ومخالفة الأمر الإلهي، والقول بأن الصواب والخطأ، وكذلك الحُسْن والقُبْح، الأخلاقي يُنتزع من مختلف الأمور، وما إرادة الله وأمره إلاّ واحدٌ من تلك الأمور. وفي هذه الحالة يمكن القول: إن الإطلاق أو الاستعمال العلماني أو ما وراء الديني لهذه المفاهيم يتقدَّم من الناحية المنطقية على إطلاقها واستعمالها الديني، وإن استعمالها الديني مُحاطٌ ومؤطَّر باستعمالها العلماني وما وراء الديني([30]).

هـ ـ الاستقلال التامّ للغة الأخلاق عن لغة الدين

إن الاستقلال التامّ للغة الأخلاق عن لغة الدين يُشكِّل ركناً من أركان النظريات العلمانية في ما يتعلَّق بالأخلاق. ولكنْ حيث يمكن الجمع بين هذا الاستقلال وبين تبعية الأخلاق إلى الدين من سائر الجهات فإن بعض النظريات الدينية في مجال طبيعة الأخلاق يمكنها أيضاً أن تنسجم مع الاستقلال التامّ للغة الأخلاق عن لغة الدين. وعلى أيّ حال فإن الاستقلال التامّ للغة الأخلاق عن لغة الدين عبارةٌ عن دعوى أن لا شيء من المفردات والمفاهيم الأخلاقية قابلٌ للتعريف في إطار الألفاظ والمفاهيم الدينية، ومن خلال الإرجاع إلى إرادة أو أمر الإله المشرِّع. وإن المؤمنين وغير المؤمنين والمتدينين والملحدين عندما يستعملون الألفاظ والعبارات الأخلاقية في «مقام الحكم الأخلاقي» يريدون معنىً واحداً، ويقصدون بيان مفهومٍ واحد.

إن الآراء العلمانية في مجال لغة الأخلاق لا تُنكر إمكان أن يكون للألفاظ والعبارات الأخلاقية معانٍ ومقاصد أخرى أيضاً، وأنها قد تستعمل في غير دائرة الأخلاق أيضاً، وأن بإمكان المؤمنين وغير المؤمنين أن يختلفوا حول المعاني والمقاصد غير الأخلاقية لهذه الألفاظ والعبارات. إن استقلال لغة الأخلاق عن لغة الدين يعني مجرّد أن الألفاظ والعبارات الأخلاقية عندما تستعمل لبيان موقفٍ أو صدور حكم أخلاقي فإنها تشتمل على معنىً واحد مشترك بين المؤمنين وغير المؤمنين.

فمثلاً: قد يمكن للمسلم أو المسيحي أن يقول: «إن الإجهاض غير صحيح»، ويكون مراده من هذا التعبير أن هذا الأمر غير صحيح من الناحية الشرعية، وعندما نطلب منه تعريفَ عبارة: «غير صحيح من الناحية الشرعية» سيقول: «إن الأمر الذي لا يعدّ صحيحاً من الناحية الشرعية هو الأمر الذي يكره الله ارتكابه من قبل المكلَّف، أو أنه نهى عن فعله». إن النزاع بين أنصار الأخلاق الدينية وأنصار الأخلاق العلمانية في مجال لغة الأخلاق ليس بشأن أن مفردة «الخطأ» هل تشتمل على هذا المعنى أو الاستعمال أم لا؟ وإنما الخلاف بينهما يدور حول أن هذا المعنى أو الاستعمال هل هو ذات المعنى أو الاستعمال الأخلاقي لهذه المفردة أو أنه يختلف عنه؟([31]).

ويمكن إظهار الاستقلال التامّ للغة الأخلاق عن لغة الدين بالرجوع إلى الشهادات ما وراء الأخلاقية التي تحيط بالمفاهيم الأخلاقية واستعمال الألفاظ الأخلاقية. إن هذه الشهادات، التي هي ذات المرتكزات اللغوية، تقول لنا: إن لغة الأخلاق مستقلّةٌ عن لغة الدين، ولا يمكن تعريف العبارات الأخلاقية في إطار العبارات الدينية. وقد سبق أن أشرنا ـ ضمن نقدنا لنظريات الخصوم ـ إلى بعض هذه الشهادات، فلا نرى حاجة إلى الإعادة والتكرار.

 

4ـ تبعية الأخلاق الأنطولوجية أو المعيارية للدين

إن النوع الآخر من أنواع العلاقة بين الدين والأخلاق هي العلاقة الأنطولوجية([32]) أو المعيارية([33]).

والمراد من علاقة الأخلاق الأنطولوجية بالدين أن المعايير والقيم الأخلاقية من الناحية الوجودية تابعة لأمر الله ونهيه، وأنها تنشأ من إرادته التشريعية.

ويجدر بنا الفصل بين نوعين من العلاقات الأنطولوجية الممكنة بين الدين والأخلاق. ونطلق على هذين النوعين من العلاقات ـ على التوالي ـ تسمية: العلاقات العلّية أو الترتُّبية؛ والعلاقة التلازمية. ومرادنا من العلاقة العلّية أو الترتُّبية أن الصفات الأخلاقية من الناحية الأنطولوجية إما هي عين الصفات الدينية، أو مترتِّبة عليها. ومرادنا من العلاقة التلازمية بين الدين والأخلاق أن الصفات الدينية والأخلاقية من الناحية الأنطولوجية والمعيارية مستقلّة عن بعضها، وفي الوقت نفسه متلازمة فيما بينها. وكما سيأتي فإن التلازم بين الدين والأخلاق يمكن أن يجتمع مع علمانية الأخلاق، ولا يستلزم صيرورة الأخلاق دينية.

يمكن للقائلين بتبعية الأخلاق الأنطولوجية أو المعيارية للدين أن يذعنوا بتبعية الأخلاق اللغوية للدين، والقول بوجود تصوُّر وتعريف للمفاهيم الأخلاقية بغضّ النظر عن إرادة الله وأمره، ولكنّهم في الوقت ذاته يقولون: إن المعايير والقِيَم الأخلاقية مدينة في وجودها وتحقُّقها الخارجي لإرادة وكراهة، أو أمر ونهي، الإله المشرِّع، وأنه قبل أمره ونهيه، وبغضّ النظر عنه، لا وجود لأيّ صفةٍ أخلاقية، بمعنى أن الأفعال والأفراد والأنظمة والمؤسّسات الاجتماعية في حدّ ذاتها، وبغضّ النظر عن أمر الإله المشرِّع ونهيه، لا تتّصف بالحُسْن والقُبْح، والصواب والخطأ، وإن منزلتها وقيمتها الأخلاقية تستند تماماً إلى الأمر والنهي الصادر عن هذا الإله، بمعنى أن نهي وأمر الإله المشرِّع هو العلّة التامة لتحقق وعروض الصفات الأخلاقية على الموضوعات الأخلاقية.

إن تبعية الأخلاق الأنطولوجية أو المعيارية للدين ستؤدّي بدورها إلى تبعية الأخلاق المعرفية للدين، بمعنى أن المعايير والقيم الأخلاقية إذا كانت مدينةً في وجودها وتحقُّقها إلى إرادة وأوامر الإله المشرِّع ونهيه، فإن معرفة وتوجيه المتبنيات والأحكام الأخلاقية وتحديد مصداق الحُسْن والقُبْح، والصواب والخطأ، والعدل والظلم والإحسان، سيتوقَّف على معرفة إرادة وأمر ونهي الإله المشرِّع أيضاً. رغم أن هذا التوقُّف والارتهان ـ على ما تقدَّم ـ لا يقصر طريق معرفة وتوجيه المتبنيات والأحكام الأخلاقية على الوَحْي والنقل فقط.

إن تبعية الأخلاق الأنطولوجية للدين تعني أنه بغضّ النظر عن أمر ونهي الإله المشرِّع لا يمكن الحكم بحُسْن أو قُبْح شيء، أو صحّته وخطئه، أو عدله وظلمه؛ إذ قبل أمر ونهي الإله المشرِّع لا وجود للحُسْن والقُبْح، والصواب والخطأ، والعدل والظلم، أساساً. وفي مقام النقد والتقييم وإصدار الحكم الأخلاقي لا بُدَّ من التريُّث والانتظار ريثما نرى كيف يحكم الإله المشرِّع. فإنْ أصدر الإله المشرِّع نهيه عن أمر كان ذلك الأمر قبيحاً وخاطئاً وظالماً من الناحية الأخلاقية، وإذا أمر بذات ذلك الأمر كان ذلك الأمر حسناً وصائباً وعادلاً من الناحية الأخلاقية. ولو أن الإله المشرِّع أباح امتلاك الرقيق كان امتلاك الرقيق حَسَناً وصحيحاً وعادلاً، وإنْ أمر بالأمور القبيحة والمذمومة، من قبيل: القتل والنهب والعنف والسرقة والكذب والغيبة والبهتان والغشّ والخداع والاستبداد والدكتاتورية وما إلى ذلك، تجرَّدت هذه الأمور من قبحها، وتحوَّلت إلى أمور حَسَنة وممدوحة. وإنّ قبح هذه الأمور في الظروف الراهنة إنما يعود إلى نهي الإله المشرِّع عنها([34]).

يمكن تصوُّر تبعية الأخلاق الأنطولوجية للدين على صيغتين:

الأولى: القول بأن الصفات الأخلاقية في وجودها عين الصفات الدينية.

الثانية: القول بأن الصفات الأخلاقية عارضة بالواسطة، بمعنى أن عروضها على الموضوع مترتِّب على عروض الصفات الدينية على ذلك الموضوع، ومتوقِّف على تعلُّق أمر ونهي الإله المشرِّع بذلك الموضوع في مرتبةٍ سابقة([35]).

ومن بين الأدلة التي أُقيمت لصالح هذه الرؤية القول بأن الأمر والنهي الأخلاقي يشتمل على خصائص تميِّزه من الأمر والنهي البشري. وبعبارةٍ أخرى: إن القواعد والأصول الأخلاقية تعبِّر عن الأوامر والتكاليف الأخلاقية، وإذا أريد للأمر أن يكون نافذاً ومعتبراً ولازم الاتباع بحقّ المأمور فإنه سيحتاج إلى آمرٍ ومُلزم يتمتَّع بالسلطة و«الولاية»([36]) عليه. إن الأوامر والتكاليف الأخلاقية تتجاوز مطالبنا ومطالب سائر الناس، وتطالبنا بمقاومة رغباتنا ورغبات الآخرين، وأن نقوم بما يخالف ميولنا وميول الآخرين، أو أن نعمل على ترك ما يلبّي مطالبنا ومطالب الآخرين، ولكنْ ليس لأحد السلطة والولاية على نفسه وعلى الآخرين، ولذلك لا يمكن القول: إن الأوامر والتكاليف الأخلاقية تنشأ من مصادر بشرية. وعليه لا بُدَّ من القول بأن للأخلاق مصدراً ميتافيزيقياً يفوق البشر؛ ليكون دستوره فوق جميع الدساتير البشرية، وتكون إطاعته واجبة على الجميع. وليس هذا المصدر غير الإله المشرِّع.

ومضافاً إلى ذلك، حيث إن «الاعتبارات الأخلاقية»([37]) تتقدَّم على سائر الاعتبارات الأخرى، يحتاج الناس ـ في اتّباعهم للقواعد والأصول الأخلاقية التي تحكي عن الاعتبارات الأخلاقية ـ إلى دافعٍ وحافز يتغلَّب على جميع الدوافع والوساوس التي تدعوهم إلى التمرُّد على الأصول والقواعد الأخلاقية. ومثل هذا الدافع لا يكتب له التحقُّق إلاّ في ظلّ الإيمان بوجود إلهٍ مريد وقادر على مكافأتنا عند إطاعته ومعاقبتنا عند معصيته، بحيث تطغى مكافآته وعقوباته على جميع أنواع المحروميات والمكافآت في هذا العالم. ونتيجة ذلك هي أن الأخلاق، من حيث المبدأ والمنشأ، ومن حيث المنتهى والضمانة التنفيذية، رهنٌ بالإرادة التشريعية لله، وباختصار: إن الأوامر الأخلاقية هي أوامر الإله المشرِّع.

وعلى هذا الأساس فإن الأمر الأخلاقي هو ذات أمر الإله المشرِّع، وإن الحُسْن والقُبْح، والصواب والخطأ، وكذلك الوجوب والحَظْر، الأخلاقي إنما ينتزع من الفعل الذي تعلَّق به أمر الإله المشرِّع ونهيه، بمعنى أن تعلُّق أمر ونهي الإله المشرِّع بشيءٍ يخلق فيه هذه الأوصاف والخصائص الأخلاقية، ويبرِّر اتّصاف ذلك الشيء بهذه الأوصاف.

وطبقاً لهذه الرؤية ليس لهذه الخصائص والأوصاف الأخلاقية أيّ منشأ انتزاع آخر، بمعنى أنه لا يوجد أيّ خصيصةٍ أخرى يؤدّي وجودها أو عدمها إلى عروض الصفات الأخلاقية على فعلٍ ما، وإن كون الشيء متعلَّقاً لأمر ونهي الإله المشرِّع يمثِّل الخصيصة الأخلاقية الوحيدة لجعل الشيء حَسَناً أو قبيحاً، أو صائباً أو خاطئاً. وعليه تكون الأخلاق في وجودها تابعةً للدين، وإنْ كانت مستقلّةً عنه من الناحية اللغوية.

وكما تقدّم أن ذكرنا يمكن بيان تبعية الأخلاق الأنطولوجية والمعيارية للدين وقراءته بأشكال مختلفة.

حيث تذهب القراءة المتطرِّفة في هذا الشأن إلى توقُّف عروض جميع الصفات الأخلاقية على موضوعاتها على تعلُّق أمر ونهي الإله المشرِّع بتلك الموضوعات.

في حين تذهب القراءة المعتدلة إلى أن ذلك لا يكون إلاّ بالنسبة إلى عروض بعض الصفات الأخلاقية على موضوعاتها.

فعلى سبيل المثال: يمكن لأتباع الرؤية الثانية أن يفرِّقوا بين الحُسْن والقُبْح الأخلاقي من جهةٍ، وبين الصواب والخطأ الأخلاقي من جهةٍ أخرى. واعتبار وجود وعروض واحد من هذين القسمين من الأوصاف الأخلاقية متوقِّفاً على تعلُّق أمر ونهي الإله المشرِّع بالموضوع.

كما يمكن لشخص أن يقول بأن أمر ونهي الإله المشرِّع يكون واسطة في عروض الصفات الأخلاقية على الموضوع بشكلٍ مطلق؛ ويمكن لشخصٍ آخر أن يدّعي بأن هذه الوساطة إنما تكون في «عُرْف المؤمنين» فقط، بمعنى أن الأمر والنهي الصادر عن الإله المشرِّع إنما يكون واسطة في عروض الصفات الأخلاقية على موضوعها من وجهة نظر الذين يؤمنون بالإله المشرِّع فقط([38]).

ومن الضروري التذكير بأن الأخلاق العلمانية يمكنها أن تلتزم باعتبار أمر ونهي الإله المشرِّع بوصفه واحداً من الخصائص الصانعة للحُسْن والقُبْح، أو الصواب والخطأ، على المستوى الأخلاقي، وإن الآراء العلمانية المعتدلة في مجال الأخلاق إنما تنفي حصر هذه الخصائص في أمر ونهي، أو إرادة وكراهة، الإله المشرِّع.

أـ نقد نظرية تبعية الأخلاق الأنطولوجية للدين

يمكن نقد دعوى تبعية الأخلاق الأنطولوجية للدين والإشكال عليها من عدّة جهات:

الإشكال الأوّل: إن أهم إشكال يتوجَّه إلى هذا الادّعاء هو أنه لا ينسجم مع المشهادات الأخلاقية وما وراء الأخلاقية. فإن هذه النظرية تخفض الأصول والقواعد الأخلاقية إلى أصلٍ واحد جوهري. وهذا لا ينسجم مع مشاهداتنا الأخلاقية وما وراء الأخلاقية من عدّة جهات.

إن الأصل الأخلاقي الذي يُعتبر في هذه النظرية بمثابة الأسّ لسائر الأصول والقواعد الأخلاقية يمكن تنسيقه على النحو التالي:

1ـ «الفعل الحسن من الناحية الأخلاقية هو الفعل الذي يأمر الله المشرِّع به».

أو

2ـ «الفعل الصائب من الناحية الأخلاقية هو الفعل الذي يأمر الله المشرِّع به».

وإن هذا الادّعاء إنما يصدق إذا كان أمر ونهي الإله المشرِّع مشتملاً على الخصوصيتين التاليتين:

1ـ أن يكون هو الخصوصية الوحيدة المرتبطة أخلاقاً، بمعنى أنه الخصوصية الوحيد الصانعة للحُسْن والقُبْح، أو الصواب والخطأ، على المستوى الأخلاقي.

2ـ أن يتمكَّن من جعل فعل حَسَناً أو قبيحاً، أو صائباً أو خاطئاً، بشكلٍ مطلق، ومن دون قيد أو شرط.

إلاّ أن هذا الادّعاء لا ينسجم مع مشاهداتنا الأخلاقية وما بعد الأخلاقية في مجال الخصائص التي تمثِّل واسطة في عروض الصفات الأخلاقية على موضوع الحكم الأخلاقي؛ لأن هذه الشهادات تقول لنا:

1ـ إن الخصائص الصانعة لـ «الحُسْن» و«القبيح»، و«الصواب» و«الخطأ»، وكذلك الخصائص الصانعة لـ «التكليف» و«الإلزام»، متكثِّرة في ذاتها، ولا يمكن إرجاعها وتحويلها إلى خصيصةٍ عامّة وجَذْرية.

2ـ إن أمر ونهي الإله المشرِّع ليس واحداً من هذه الخصائص في حدِّ ذاته وبشكلٍ مطلق، وإنما هو بعد ضمّ بعض القيود والشروط يقف في هامش أو في طول بعض هذه الخصائص، وبذلك يؤثِّر في الوصف والحكم الأخلاقي للفعل.

الإشكال الثاني: إننا نحكم بشأن حُسْن وقُبْح، أو صوابية وخطأ، الكثير من الأمور دون الالتفات إلى أمر ونهي الإله المشرِّع في هذا المجال.

الإشكال الثالث: إن أفعال الإله المشرِّع، بما فيها تقنينه وتشريعه، مشمولة للتقييم الأخلاقي، وهي في معرض النقد الأخلاقي، رغم أن هذا التقييم من وجهة نظر المؤمنين هو تقييم إيجابي دائماً، إلاّ أن معيار التقييم بشأن المنزلة والقيمة الأخلاقية لأفعال الإله المشرِّع لا يمكن أن يكون من أمره ونهيه.

الإشكال الرابع: إن هذه النظرية لا تمثِّل التبيين الوحيد الذي يمكن تقديمه عن المشاهدات الأخلاقية وما وراء الأخلاقية. وهناك تبييناتٌ منافسة أخرى. ومن دون رفض هذه التبيينات، أو بيان أفضلية هذا التبيين عليها، لا يمكن تبرير الالتزام بها. وبعبارةٍ أخرى: إن أنصار هذه النظرية؛ لكي يتمكنوا من الدفاع عن تمسُّكهم بها، لا بُدَّ لهم من إثبات أن هذه النظرية تمثِّل أفضل تبيين متوفِّر بين أيدينا بشأن «الظاهرة الأخلاقية»، أو المشاهدات الأخلاقية وما وراء الأخلاقية.

الإشكال الخامس: على أساس هذه النظرية لا يمكن الإجابة أخلاقياً عن السؤال القائل: «لماذا تجب إطاعة الإله المشرِّع؟»، أو «لماذا تجب عبادة الإله المشرِّع؟». أما وجوب عبادة الإله المشرِّع ووجوب إطاعته فليست بديهيةً. وإن هذا السؤال هو سؤال مفتوح، وإنّ طرحه معقولٌ، ويتطلَّب جواباً مقنعاً؛ لأن عبادة وإطاعة الإله المشرِّع عمل إرادي واختياري خاضعٌ للتقييم والحكم الأخلاقي. إن وجوب إطاعة الإله المشرِّع يمكن أن يكون وجوباً أخلاقياً، وهذا الأمر يُثبت أن أمر ونهي الإله المشرِّع ليسا في حدِّ ذاتهما من الخصائص الصانعة لـ «الحَسَن» و«القبيح»، أو «الصواب» و«الخطأ»، أو «الوظيفة»، من الناحية الأخلاقية على نحوٍ مطلق، وبشكلٍ حصري، وإن تأثيرهما في الحكم الأخلاقي للموضوع يتمّ بواسطة عناوين أخرى ذات صلة على المستوى الأخلاقي، وتلعب دَوْراً في الحكم الأخلاقي للموضوع. وعليه يمكن لنا أن نستنتج أن الأخلاق ليست تابعةً للدين من الناحية الأنطولوجية([39]).

وأما القول بأن الإنسان لا يمكن أن تكون له الولاية على نفسه فهو بدَوْره ادّعاء غير صحيح، وخاصّة بالالتفات إلى التعاليم الدينية التي ترى للإنسان «نفسين» أو «شخصيتين». يمكن القول بأن الأوامر والنواهي الأخلاقية تنشأ من الأنا العلوية أو النفس اللوّامة للإنسان، وتتجاوز ميول ورغبات الأنا السفلية والنفس الأمارة والعقل المصلحي، وتطالبه بمقاومة الوساوس النفسية والتغلُّب عليها. من هنا، على الرغم من وجود سلطة للناس على بعضهم، إلاّ أن لعقل كلّ شخصٍ أو وجدانه اللوّام الولاية والسلطة على نفسه، وتكون أوامره فوق أوامر النفس الأمّارة. وبطبيعة الحال فإن تشخيص أوامر العقل الأخلاقي والنفس اللوّامة وتمييزها من أوامر العقل المصلحي والنفس الأمّارة بحاجةٍ إلى منهج، وإن هذا المنهج في الحقيقة هو ذات النظرية التي تضعها فلسفة الأخلاق بين أيدينا. وبعبارةٍ أخرى: إن الوظائف والتكاليف الأخلاقية من اللوازم المعيارية لـ «الإنسان المثالي»، وإن للإنسان المثالي الولاية على «الإنسان الموجود».

ب ـ قاعدة التلازم بين حكم الشرع وحكم العقل

هناك من بين علماء الشيعة مَنْ يذهب إلى القول بالملازمة بين ما يحكم به الشرع وما يحكم به العقل، حيث تقول هذه القاعدة: «كلّ ما حكم به الشرع حكم به العقل». ويمكن اعتبار بعض التفسيرات الممكنة في بيان العلاقة بين الدين والأخلاق ـ التي تقدَّم ذكرها في هذا الفصل ـ بوصفها تفسيراً لمضمون هذه القاعدة. وفي هذا القسم سوف نكتفي بمجرَّد دراسة الناحية الأنطولوجية من هذه القاعدة، ونترك دراسة الناحية المعرفية منها إلى بحثٍ آخر. يرى القائلون بقاعدة التلازم بين حكم الشرع وحكم العقل أن العقل لو تمكَّن من الإحاطة بمبادئ حكم الشرع ـ أي المصالح والمفاسد الغيبية والحقيقية ـ فلا شَكَّ في أنه سيؤيِّد حكم الشرع ويُمضيه. ولو أنه في الوقت الراهن لم يُصْدِر حكماً في المورد فلأنه حتّى الآن لم يُحِطْ إحاطةً علمية بتلك المصالح والمفاسد. وطبقاً لهذه الرؤية يمكن للعقل أن يصل من طريق العلم بالعلّة ـ التي تمثِّل هنا المصالح والمفاسد الغيبية والحقيقية ـ إلى العلم بالمعلول، الذي يعني الحكم الشرعي. ولكنْ حيث إنه في الظروف الراهنة لا علم له بالعلّة فإنه لن يحصل على علم بالمعلول أيضاً.

ولكنْ في الوقت نفسه؛ حيث إن الظن بالمعلول ـ أي الحكم الشرعي ـ يستلزم الظنّ بالعلة ـ أي المصالح والمفاسد الذاتية ـ يمكن الظنّ بحكم العقل من طريق الحكم الظنّي للشرع؛ لأن الظنّ بحكم الشرع يستلزم الظنّ بحكم العقل، وحيث يكون هذا الظنّ مستنداً إلى النقل يكون معتبراً. وعلى هذا الأساس يمكن من خلال الحكم الظنّي للشرع الكشف عن حكم العقل، وإنْ كنّا لا نستطيع الكشف عن حكم الشرع من خلال حكم العقل الظني.

ج ـ نقد الرؤية المشهورة في باب التلازم بين حكم الشرع وحكم العقل

إن هذا التفسير لقاعدة التلازم بين حكم الشرع وحكم العقل قد أدّى ـ من وجهة نظرنا ـ إلى تنزيل الأخلاق إلى الشريعة، وإحلال «علم الفقه» محلّ «علم الأخلاق» في الثقافة الشيعية([40]).

نحن نعتقد بعدم وجود هذه الملازمة بين حكم الشرع وحكم العقل؛ إذ لا حكم الشرع يتبع المصالح والمفاسد الغيبية دائماً، ولا حكم العقل هو كذلك على الدوام، بمعنى أنه لا يجب على الله أن يحكم دائماً على طبق المصالح والمفاسد (الغيبية الواضحة)، وكذلك لا يجب على العقل أن يحكم دائماً على طبق حكم الشرع. إن الاستدلال على هذا الادّعاء يتوقَّف على دراسة أنواع العقلانية من جهةٍ، وعلى دراسة مناشئ ومصادر الحكم الشرعي من جهةٍ أخرى. وقد بحثنا الموضوع الأول في الفصل الثالث من أخلاق المعرفة الدينية([41])، أما الموضوع الثاني فسوف نبحثه لاحقاً.

ـ يتبع ـ

الهوامش

(*) أستاذٌ في جامعة المفيد، وأحد الباحثين البارزين في مجال الدين وفلسفة الأخلاق، ومن المساهمين في إطلاق عجلة علم الكلام الجديد وفلسفة الدين.

([1]) الكليني، الكافي 1: 26 (طهران، دار الكتب الإسلامية).

([2]) the ethics of legislation.

([3]) Berg, J. (1991) «How Could Ethics Depend on Religion?» in Peter Singer (ed.) A Companion to Ethics, (Oxford: Blackwell Publishers), p. 525.

([4]) لقد عمل الفلاسفة الذين بحثوا في العلاقة بين الدين والأخلاق على تبويب أنواع العلاقات الممكنة بين هذين المفهومين بصيغ مختلفة. فقد عمد وليم فرنكنا (Frankena, W. K. (1981)) في كتابه (««Is Morality Logically Dependent on Religion?) إلى الفصل بين ثلاثة أنواع من الروابط والعلاقات التي تفصل بين الدين والأخلاق، وهي: 1ـ «التاريخية» أو «العلية»؛ 2ـ «النفسية» أو «التحفيزية»؛ 3ـ «المنطقية» أو «التبريرية». ثم تعرّض لدراسة أدلة تبعية الأخلاق المنطقية للدين وعمل على ردّها. وقدّم جوناثان بيرغ (Berg, J. (1991)) في (««How Could Ethics Depend on Religion?) تبويباً أشمل لأنواع العلاقات الممكنة بين الدين والأخلاق. وإن هذه العلاقات عبارة عن: 1ـ العلاقة «الأنطولوجية»؛ 2ـ العلاقة «المفهومية» أو «اللغوية»؛ 3ـ علاقة «التلازم»؛ 4ـ العلاقة «المعرفية»؛         5ـ العلاقة «النفسية». وأما تبويبنا فهو في الواقع تلفيق من هذين التبويبين مع إضافة بعض الإصلاحات والتدقيقات.

([5]) في ما يتعلق بـ «أخلاق التشريع» أو «أخلاق التقنين» انظر:

صالح پور، «إمام خميني: فقيه دوران گذار، أز فقه جواهری تا فقه المصلحة»، كيان: 28 ـ 30.

([6]) Anscombe, G. E. M. (1958) «Modern Moral Philosophy,» Philosophy, 33 (124), 1 – 19.

([7]) the ideal observer.

([8]) للمزيد من التوضيح بشأن الدور الفريد والحصري للشاهد المثالي انظر: مقالتنا في هذا الصدد.

([9]) MacIntyre, A. (1985) After Virtue: a Study in Moral Theory (London: Dukworth(.

([10]) philosophical analysis.

([11]) speech act.

([12]) descriptive.

([13]) prescriptive.

([14]) metaethical intuitions.

([15]) platitudes.

([16]) وحتى أولئك الذين يقولون: (إن إرادة الله تابعة للمصالح والمفاسد، وإن الحسن والقبح الأخلاقي ينشأ عن المصالح والمفاسد) يواجهون هذا الإشكال أيضاً؛ إذ طبقاً لهذا المبنى يمكن لله أن يخدع الناس أو يعمل على تضليلهم، أو أن يُخفي عنهم مراده الحقيقي والواقعي، لوجود مصلحة غيبية، بل حتى أن يرسل الصالحين إلى جهنم، أو يدخل الكفار والمسيئين والطالحين إلى الجنة؛ لوجود مصلحة غيبية في ذلك. من هنا يمكن الادّعاء بأن الإله الذي ينطلق في أفعاله على أساس المصلحة لا يختلف عن الإله المستبدّ.

([17]) tautology.

([18]) يمكن القول: إن اختلاف هاتين الجملتين يعود إلى الإجمال والتفصيل. وكان هذا حلاًّ يبديه القدماء للتغلُّب على مفارقة التعريف، إلاّ أن هذا الحلّ لا يبدو مقنعاً. وقد بحثنا حول مفارقة التعريف والحلّ المقبول لها في الفصل الثاني من كتابنا (أخلاق التفكير الأخلاقي). وانظر أيضاً:

– Smith, M. (1997) The Moral Problem, chap. 2, (Oxford: Blackwell Publishers).

([19]) كان مور يستخدم هذا البرهان في سياق إبطال (النـزعة الطبيعية في الأخلاق)، وتأييد (النـزعة الشهودية في الأخلاق). إلا أن النـزعة الطبيعية مورد البحث تشمل النظريات ما وراء الطبيعية أو الميتافيزيقية، ومن بينها بعض الروايات النظرية في الأمر الإلهي أيضاً. إن برهان السؤال المفتوح ليس برهاناً بالمعنى الاصطلاحي للكلمة، بل هو نوعٌ من الاستدلال الشهودي والتجربة الذهنية التي تؤدّي إلى الشهود. وقد تعرَّضنا إلى نقد ومناقشة آراء مور في مجال معرفة الأخلاق، وطبيعة الاستدلال الأخلاقي، والنـزعة الطبيعية في الأخلاق، وبرهان السؤال المفتوح في الفصل الرابع من كتابنا: (أخلاق التفكير الأخلاقي). وانظر أيضاً:

– Moore, G. E. (1993) Principia Ethica, (Cambridge: Cambridge University Press).

([20]) في ما يتعلق بقراءة آدمز بشأن نظرية الأمر الإلهي، انظر:

– Adams, R. M. (1981) «A Modified Divine Command Theory of Ethical Wrongness», in Paul Helm (ed.) Divine Command and Morality (Oxford University Press), pp. 83 – 108.

– Adams, R. M. (1999) Finite and Infinite Goods: A Framework for Ethics (Oxford University Press).

([21]) إن دعوى وجود الحُسْن والقُبْح الشرعي هو غير دعوى شرعية الحُسْن والقُبْح الأخلاقي. فالادّعاء الأول ينسجم مع الاعتقاد بوجود الحُسْن والقُبْح الأخلاقي، واستقلاله عن الحُسْن والقُبْح الشرعي، في حين أن الادعاء الثاني يعني إنكار وجود الحُسْن والقُبْح الأخلاقي، وإنكار استقلاله عن الحُسْن والقُبْح الشرعي.

([22]) إن القائلين بنظرية تبعية الأخلاق المطلقة للدين ينكرون تقسيم الأخلاق إلى قسمين أو نوعين: دينية؛ وما وراء دينية، ويعملون على خفض الثانية إلى مستوى الأولى، بمعنى أنهم يعتقدون أن الأخلاق في ذاتها وجوهرها دينية. بل هناك جماعةٌ من هؤلاء يذهبون حتّى إلى الاعتقاد بأن منظومة القيم والمعايير التي تستنبط من النصوص الدينية تمثِّل بديلاً ومنافساً لمنظومة القيم والمعايير الموجودة في المجتمعات العلمانية. وعلى المقلب الآخر نجد أنصار نظرية الاستقلال الكامل للأخلاق عن الدين ينكرون بدورهم تقسيم الأخلاق إلى القسمين والنوعين الآنفين أيضاً، ويعتقدون بأن الأخلاق في ذاتها تفوق الدين. ولكنْ يمكن لنا أن نبدي نظرية ثالثة أيضاً، وذلك بأن نقول إن الأخلاق على قسمين أو نوعين، وهما: الأخلاق الخارجة عن النطاق الديني (ما وراء دينية)؛ والأخلاق الدينية. وإن الأخلاق من النوع الأول لا ربط لها بالدين. أما القسم أو النوع الثاني فهو تابعٌ للدين، بمعنى أن الأخلاق في ذاتها ما وراء دينية، ولكن إرادة الله وحكمه بالنسبة إلى الذين يؤمنون بوجوده وتشريعه يتحوَّل موضوع بعض القيم الأخلاقية ما وراء الدينية إلى الفعلية. وفي هذا الشأن يعتبر الموضوع الهامّ الذي يجب التحقيق بشأنه هو تحديد الربط والنسبة بين هذين القسمين أو النوعين من الأخلاق، وخاصّة في ظرف التعارض. والسؤال هنا: هل الأخلاق الدينية بديلٌ عن الأخلاق العلمانية أم هي تابعة لها؟ هذا ما سوف نبحثه في الفصول القادمة إنْ شاء الله.

([23]) thick.

([24]) thin.

([25]) natural.

([26]) conventional.

([27]) positive.

([28]) إن أحد أفضل طرق نقد هذا الادّعاء أن نتساءل: (ما هو منشأ حق الطاعة لله؟)، و(هل هذا الحق هو حق وضعي واعتباري وشرعي أم هو حقّ طبيعي وعقلي؟). لا شَكَّ في أن هذا الحق هو حق طبيعي. وفي هذه الحالة يأتي السؤال القائل: كيف يمكن لنا وما هي الوسيلة والطريقة إلى معرفة وإحراز هذا الحق الطبيعي وبيان حدوده؟ إنْ قلنا: إن الطريق إلى ذلك يكون عبر الوحي والنقل سنواجه مشكلة، وسوف نضطرّ بعد ذلك إلى القول بأن الطريق إلى ذلك هو العقل أو الوجدان أو الشهود. غير أن الكلام يدور حول أن هذا العقل أو الوجدان أو الشهود الذي يدرك هذا الحق الطبيعي، ويصدّق به، يدرك ويصدِّق بالحقوق الطبيعية للبشر أيضاً، وإن ذات هذا العقل والشهود والوجدان يقول: إن الناس يمتلكون هذه الحقوق الطبيعية، وإن الحقوق الطبيعية هي الحقوق التي لا يمكن سلبها حتى من قبل الله.

([29]) كما يمكن طرح مثل هذا السؤال بشأن حُسْن إطاعة الأوامر الإلهية أيضاً، ولذلك يَرِدُ هذا الإشكال على الروايات والتقريرات التقليدية لنظرية الأمر الإلهي التي تعمل على تعريف الحُسْن الأخلاقي من خلال إرجاعه إلى أمر الإله المشرِّع أيضاً.

([30]) ولكنْ على هذه الفرضية نصل إلى نتيجة هامّة لا تروق أنصار الأخلاق الدينية، وهي أن الأوامر الإلهية منسجمة مع القيم الأخلاقية وتابعة لها، ولو أصدر الله ـ على فرض المحال ـ حكماً منافياً للأخلاق كان ذلك الحكم خاطئاً من الناحية الأخلاقية، ولا تجب إطاعته.

([31]) إن للاختلاف المفهومي أو التطبيقي لمفردة (الخطأ) ونظائرها في دائرة الأخلاق وسائر الدوائر الكثير من الشواهد. فعلى سبيل المثال: إن تعبيرات من قبيل: (إن هذا الفعل خاطئ شرعاً وأخلاقاً)، أو (إن هذا الأمر خاطئ شرعاً وعقلاً وعُرْفاً)، في عُرْف المسلمين تعبيرات شائعة ومتداولة. وإنْ كنتُ أرى من الأفضل القول: إن هذه الألفاظ والتعبيرات عامة، وإنّ لها معنى واحداً في الأخلاق وغير الأخلاق، وإن هذا المعنى الواحد ينقسم من خلال تقييده بقيود من قبيل: (أخلاقاً)، و(شرعاً)، و(عُرْفاً)، و(عقلاً)، و(وجداناً)، وما إلى ذلك، إلى أقسام مختلفة. فمثلاً: إن مفردة (الخطأ) لها معنى واحد على الدوام، رغم أن الخصوصية أو الخصائص الأخلاقية التي تجعل الفعل خاطئاً قد تختلف عن الخصوصية أو الخصائص الشرعية أو العُرْفية التي تجعل الفعل خاطئاً. وعليه يمكن القول: إن الاختلاف بين الأخلاق الدينية والأخلاق العلمانية في واقع الأمر ليس بشأن لغة الأخلاق وحول معنى الألفاظ الأخلاقية، بل هو نزاع في المعرفة الأنطولوجية في الأخلاق، وحول الخصوصية أو الخصائص التي تصنع الحُسْن والقُبْح، أو التي تصنع الصواب والخطأ، من الناحية الأخلاقية. إن أنصار الأخلاق الدينية يقولون: إن هذه الخصيصة أو الخصائص هي ذات الخصيصة أو الخصائص التي تصنع الحُسْن والقُبْح، أو التي تصنع الصواب والخطأ، من الناحية الشرعية، ويذهب أنصار الأخلاق العلمانية إلى القول بأن هذه الخصيصة أو الخصائص هي غير تلك الخصيصة أو الخصائص، أو أنها أعمّ منها.

([32]) ontological.

([33]) normative.

إن العلاقة الأنطولوجية أو المعيارية بين الدين والأخلاق قابلةٌ للقراءة، بمعنى أنه حتّى في مثل هذا المورد يمكن أن التفكيك بين القراءات المتطرِّفة والقراءات المعتدلة بشأن نظرية الأمر الإلهي. إن النظريات المتطرّفة بشأن هذه العلاقة تدّعي أن جميع الصفات الأخلاقية من حيث الوجود والتحقُّق أو عروضها تابعة للدين، في حين تذهب النظريات المعتدلة إلى القول بأن بعض الصفات الأخلاقية تابعة للدين من الناحية الوجودية. فعلى سبيل المثال: يمكن لهذه النظريات أن تفصل بين صفة الحُسْن والقُبْح من جهةٍ، وصفة الصواب والخطأ من جهةٍ أخرى، معتبرةً مجرّد وجود وتحقُّق أو عروض صفة الصواب والخطأ منوطاً بالإرادة التشريعية أو أمر الإله المشرِّع. كما يصدق هذا التفكيك والفصل بشأن سائر أنواع العلاقات بين الدين والأخلاق أيضاً، بمعنى أنه في مورد الأنواع الأخرى من الارتباط والعلاقة يمكن الفصل بين الروايات المتطرِّفة والروايات المعتدلة.

([34]) إن الذين يدّعون أن كلّ شيء يحتوي على: ما هو ديني؛ وغير ديني، أو ما هو إسلامي؛ وغير إسلامي، إنما يتبعون في واقع الأمر قراءةً خاصة عن الأخلاق الدينية. فهؤلاء مثلاً يدَّعون أن الديمقراطية الدينية هي غير الديمقراطية العلمانية، أو الديمقراطية الليبرالية، ومرادهم الحقيقي هو أن الأخلاق الدينية (الفقه) غير الأخلاق العلمانية (والليبرالية). وقد تناولنا هذا الادّعاء ونظائره بالنقد والبحث والشرح المسهب في كتابنا (أخلاق المعرفة الدينية).

([35]) يبدو من الجدير هنا التذكير بأمرين: الأمر الأول: على الرغم من أن الأحكام الشرعية أمور اعتبارية، وقوام الأمور الاعتبارية رهن بإرادة المعتبر، إلاّ أن ذات الاعتبار أو إرادة المعتبر واقعية عينية وذاتية قابلة لأن تعرف، وأن يتمّ اعتناقها. وهكذا فإن العبارات التي تبرز الحكم الشرعي هي عبارات أمرية، إلاّ أن العبارات التي تخبر عن صدور وجعل الحكم الشرعي، وعن أمر ونهي الشارع، عبارات خبرية ومعرفية، يمكن أن تتّصف بالصدق والكذب. إن إرادة المعتبر وجعل القانون من قبل المقنِّن والمشرِّع واقعية عينية يمكن الإخبار عنها، وأخذ الأخبار منها، وإن العبارات الناظرة إلى هذه الواقعية العينية قضايا خبرية ومعرفية قابلة للاتّصاف بالصدق والكذب. فلو أن الله حرَّم فعلاً ونهى عنه حقيقة، وقال شخصٌ: إن هذا الفعل حلال، وليس حراماً شرعاً، سيكون كلامُه كاذباً. وعليه فإن ذات الاعتبار ليس اعتبارياً، بل هو فعلٌ من أفعال المعتبر، وحقيقة وواقعية عينية يمكن الإخبار عنها وأخذ الأخبار منها، وأن يكون لنا علمٌ أو اعتقاد مبرّر بها أو لا يكون لنا علمٌ أو اعتقاد بها. كما يصدق هذا الكلام بشأن القواعد الأخلاقية أيضاً، بمعنى أن اعتبارية القيم والواجبات والمحظورات الأخلاقية في حدِّ ذاتها لا تستوجب تحوُّل لغة الأخلاق إلى لغةٍ غير معرفية، وأن تفقد العبارات الأخلاقية قابليتها على الصدق والكذب بالمرّة، أو أن تغدو كاذبة دائماً. واللازم المنطقي لهذا الادّعاء هو أن لغة الأخلاق تنقسم إلى: لغة إنشائية؛ وإخبارية، أو معرفية؛ وغير معرفية.

الأمر الآخر: إن ادعاء تبعية الأخلاق الأنطولوجية للدين، وادّعاء توسط أمر ونهي الإله المشرِّع في عروض الصفات الأخلاقية على موضوعاتها، لا يتوقَّف على فرضية الوجود العيني للصفات الأخلاقية في العالم الخارجي. ويمكن القول: إن الصفات الأخلاقية اعتبارية، ويُدَّعى في الوقت نفسه أن اعتبارها رهنٌ بتعلُّق أمر ونهي الإله المشرِّع بالفعل في مرتبةٍ سابقة. طبقاً لهذه الرؤية يقوم أمر ونهي الإله المشرِّع بتصحيح وتبرير اعتبار الصفات الأخلاقية، وإن الاعتبارات الأخلاقية تابعةٌ للاعتبارات الشرعية ومترتِّبة عليها. إن مرادنا من تبعية الأخلاق الأنطولوجية للدين معنى عامّ ينسجم مع اعتبارية القيم والضرورات والمحظورات الأخلاقية. وسواء اعتبرنا الصفات والقيم الأخلاقية حقيقية أو اعتبارية فعلا كلا الوجهين يعتبر السؤال القائل: (هل الأخلاق من الناحية الأنطولوجية والمعيارية تابعة للدين أم لا؟) يعتبر سؤالاً معقولاً ومفهوماً ومفتوحاً. فلو اعتبرنا القيم الأخلاقية صفات حقيقية وعينية سيكون معنى السؤال المذكور هو: (هل القيم الأخلاقية مَدينةٌ في وجودها العيني لإرادة وأمر الإله المشرِّع أم لا؟). وأما إذا قلنا بأن هذه القيم اعتبارية سيكون معنى هذا السؤال هو: (هل القيم الأخلاقية مَدينةٌ في وجودها الاعتباري لإرادة وأمر الإله المشرِّع أم لا؟)، أو (هل اعتبار القيم الأخلاقية أو صحّة مثل هذا الاعتبار رهنٌ بإرادة وأمر الإله المشرِّع أم لا؟).

([36]) authority.

([37]) moral considerations.

([38]) إن العنصر المشترك بين جميع هذه الآراء عبارةٌ عن هذا الادّعاء القائل بأن أمر ونهي الإله المشرِّع يشكّل حصراً واسطةَ عروض جميع أو بعض الصفات الأخلاقية على ما يتّصف بهذه الصفات. من هنا يمكن بيان مدّعى الأخلاق العلمانية بشأن العلاقة الأنطولوجية بين الدين والأخلاق على صيغة أن أمر ونهي الإله المشرِّع لا يشكِّل واسطة في عروض أيٍّ من الصفات الأخلاقية على موضوعاتها. ولكنْ يمكن المزج بين هاتين الرؤيتين أيضاً، أي يمكن القول بأن تعلُّق أمر ونهي الإله المشرِّع بالأفعال إنّما هو واحدٌ من الخصائص التي تجعل الأمر حَسَناً وقبيحاً، أو صائباً وخاطئاً، وهناك خصائص أخرى أيضاً في طول أو عرض أمر ونهي الإله المشرِّع تسهم بدورها في جعل أمرٍ ما حَسَناً وقبيحاً، أو صائباً وخاطئاً، أيضاً. وبطبيعة الحال فإن الإيمان بأن أمر ونهي الإله المشرِّع يمكنه أن يلعب مثل هذا الدور على المستوى العملي يتوقَّف على القول بمتبنيات دينية متعدّدة، إلاّ أن القول بأصل هذا الادّعاء لا يتوقَّف على الإيمان بالتعاليم والمتبنيات الدينية؛ إذ يمكن تبويب أصل هذا الادّعاء في قالب قضية شرطية أيضاً، ولذلك يمكن حتّى لأولئك الذين لا يؤمنون بوجود الإله المشرِّع والمقنِّن أن يؤمنوا بأنه لو كان مثل هذا الإله موجوداً يمكن لأمره ونهيه أن يكون ـ في طول أو في عرض الخصائص الأخرى ـ واسطةً في عروض الصفات الأخلاقية على موضوع هذه الصفات. وعلى أيّ حال فإن القول بأن أمر ونهي الإله المشرِّع يعتبر من الناحية الأخلاقية أمراً هامّاً ليس بديهياً، بل هو بحاجةٍ إلى دليل وبرهان. وسوف نعمد إلى استعراض الأدلة المطروحة في هذا الشأن بالنقد والتمحيص.

([39]) يمثِّل النقد والبحث التفصيلي للأدلة الأخلاقية وغير الأخلاقية لوجوب إطاعة الله واحداً من موضوعات دراسة أخرى لنا.

([40]) تمّ نقد ودراسة هذا الادّعاء في الفصل الأول من كتاب أخلاق المعرفة الدينية بالتفصيل.

([41]) انظر: الفصل الثالث من كتاب أخلاق المعرفة الدينية. ومن الجدير بالذكر أن فقهاء الشيعة يلتزمون أيضاً بقاعدةٍ أخرى، وهي (قاعدة التلازم بين حكم العقل وحكم الشرع). وإن هذه القاعدة تبيِّن في الحقيقة نوعاً من تبعية الدين للأخلاق. من هنا فإن دراسة هذه القاعدة تتناسب مع عنوان آخر. وسوف نترك دراسة الناحية المعنوية من قاعدة التلازم بين حكم الشرع وحكم العقل إلى الفصل الأول من كتاب (أخلاق المعرفة الدينية).