تنظيرات الشهيد مطهري

2 أغسطس 2017
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
191 زيارة

تنظيرات الشهيد مطهري

لأيديولوجيا التأسيس للحركات الإسلامية

أ. د. عبد الأمير كاظم زاهد(*)

 

المبحث الأول: تمهيدات البحث التاريخية

لقد عرف تاريخ التجربة الإسلامية فكرة الجماعات الأيديولوجية منذ عصر الرسالة الأول، وكان أول اختبار للمؤمنين الأوائل بالرسالة أنهم وضعوا أمام اختيار الإمام الذي يحكم الدولة، ويحمي الدين بعد رسول الله|، ذلك الاختبار الذي تصرف فيه الأغلبية ضمن المفهوم الثلاثي التركيب (الكتلة ـ الأيديولوجيا ـ المصلحة)، ونتج عنه سلوك سياسيّ خاصّ.

ويُراد بمفهوم الكتلة (مجموعة من الناس) تمتلك أيديولوجيا ناتجة عن (فهم النصوص داخل المنظومة الفكرية الإسلامية)، أو هي عبارة عن نواتج تحليلات وتفسيرات للنصوص أو الوقائع التاريخية المتحولة إلى مستند ديني أو شبه مستند ديني، لإنضاج موقف إزاء قضية أو عدّة قضايا ضاغطة في عصرهم، شرط أن تعبِّر هذه الأيديولوجيا عن مصالح الكتلة، سواء أكانت المصالح الدنيوية ـ وهي في الغالب الأكثر ظهوراً ـ أو المصالح الأخروية([1]).

وقد أطلعنا التاريخ على أن السقيفة (سنة 11هــ) كانت مسرحاً لتجليات الكتلة السياسية الأولى في التجربة الإسلامية، فقد تحالف المهاجرون على تنوُّعاتهم القبلية مقابل تحالف الأنصار على تنوُّعاتهم ضمن أيديولوجيا (الإجماع) بما يحقِّق مصالحهم([2])، وتداخلوا سياسياً بغطاءٍ ديني لإنتاج موقف من الخلافة.

وفي زمن عثمان تجلّى هذا المركب في (جماعة الثوّار)، الذين تجمَّعوا من بلدان متعدِّدة لهدفٍ واحد، فكوَّنوا كتلةً لها أيديولوجيا ومصالح.

وفي زمن عليٍّ× كان الخوارج والأمويون وأصحاب الجمل كتلاً سياسية([3]) مؤسَّسة على المركب الثلاثي المتقدِّم.

ويلاحظ الدارسون أن تكوُّن الكتلة (الفكرية ـ السياسية) يجيء مرّة استجابة لمصالح فئة؛ ويجيء أخرى استجابةً لضاغط أو تحدٍّ فكري للنمط السائد، أو الاستجابة لمصالح مرتقبة، أو استجابة لمنهج فكريّ يوجد تحدّياً فكرياً جديداً، مثل: الموقف من ترجمة علوم اليونان إلى العربية وانتشارها، عندئذٍ يتداعى الناس بعد الاطّلاع عليها إلى تشكيل عناصر (الكتلة السياسية) فكرياً، وذلك مثل: كتل المعتزلة والأشاعرة والمرجئة وأهل الحديث، مقابل الكتلة الملتزمة بمنهج آل البيت([4])، التي تعاملت مع الموضوع تعاملاً بديلاً، لا يتَّسم بالحزبية، بل يميل إلى الصيغة التيارية.

لقد كان من المفترض أن يكون الموقف من المنطق الأرسطي والثقافة اليونانية هو مناط الخلاف، لكنّ الذي حلَّ محلَّه ظهور موقف سياسي مرتبط بالأيديولوجيا، وهو الموقف الشرعي من مرتكب الكبائر، وبذلك تحوَّل الصراع من حوارٍ فكري إلى صراعٍ سياسي بغطاء ديني.

لقد أنتجت الصدمة الحضارية الأولى في جانبها المنهجي (في القرن الثاني الهجري) إشكالاً جديداً لم يظهر إلاّ بعد قرنٍ من نزول النصّ، وهو الموقف من المنطق الأرسطي، وكان ظهور الإشكال غير معمق، ثمّ توالَتْ على نقد المنطق الأرسطي النظريّات، فتحوَّل إلى نظرية كلية عند الغزالي، هدفها تنقية العقائد؛ وعند عموم الأشاعرة هدفها رسم المنهج؛ ولتشكيل رؤية فلسفية للدين كما عند إخوان الصفا، لكنّ النمط السياسي المتخيل كان هو المائز الواضح بين الكتل السياسية الإسلامية التي ظلَّتْ فاعلةً حتّى نهاية العصر العباسي الأول.

نستخلص من هذه المقدّمة السريعة والموجزة أن الإرهاصات الأولى للحركة السياسية الإسلامية في عصور الإسلام الأولى قد وضعت أهدافها والوسائل الممكنة لتحقيقها والآليات العامّة المتَّبعة على وفق متطلبات معادلة (الكتلة ـ الأيديولوجيا ـ المصلحة).

لقد عرف العالم الإسلامي تشكيل قوى سياسية بعد ذلك، ومنها: ظهور تيار الشيعة بوصفهم (تيار معارضة سياسية وعقائدية)، ولكن ظهوره كان على شكل مدرسة فكرية لها جناحان: الجناح العقدي؛ والجناح الفقهي. ورغم الضبط الفكري والمنهجي في هذه المدرسة فقد حصلت داخلها كتل لها اجتهادات سياسية، مثل: الكتلة الزيدية (أوائل القرن الثاني الهجري) وما تشقَّق منها، وكتلة الواقفة والفطحية…، إلخ. لكنّ المدرسة الفكرية الشيعية ظلَّت تصحِّح من الداخل انقساماتها، باحتواء هذه الكتل، وتحديد مرادها، وتصحيح بوصلتها، في الوقت الذي تقاوم فيه سياسات الاستئصال المعتمدة من القوى الحاكمة. يقول مطهري: إن الحركات الشيعية كانت ذات أهداف إصلاحية، فقد ظلَّت على الدوام تطالب بالعدالة([5]). وقد وضعت العدل أصلاً من أصول العقيدة.

ومن الحركات التي حولت أصلاً دينياً إلى أيديولوجيا سياسية ما ظهر عند الحنابلة من فِرَق، وخاصّة تلك التي مارست مهمات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في القرن الرابع والخامس الهجري([6])، وما حصل في بغداد منها من حوادث كثيرة قبل وبعد سقوط بغداد.

لقد كان ذلك هو التحدّي الأكبر للعقل الإسلامي على مدى القرون اللاحقة، بحيث كان من استجابات ذلك التحدّي ظهور ابن تيمية منظِّر المدرسة السلفية الثاني، الذي رسم أساسيات الاتجاه الحديثي المتشدد، وارتبط في ذات الوقت بالمماليك من سلاطين (الشام)، وراح يتعقَّب مَنْ لا يتَّفق معهم بالتعاون مع السلطة، كالعلويين، والصوفية، بالقتل والتشريد.

واللافت المهمّ في حركة ابن تيمية أنه أدار البوصلة والاتجاه من الدعوة إلى الإسلام عند أمم الدعوة إلى حصر جهده وجهد أتباعه في التنقية العقائدية الداخلية (النزعة التطهيرية)، مستخدماً العنف كوسيلةٍ من وسائل بناء الأنموذج العقائدي([7]) ضدّ المسلمين أنفسهم.

ومن استجابات العالم الإسلامي ما عرف بالنزعات الصوفية، التي شكَّلت كتلاً (سياسية رخوة) مارست عملية التهذيب النفسي والرؤى والكرامات والتمسُّك بالموروث العقيدي، تاركةً الدويلات السلفية تتركَّز وتتنامى، وإنْ كانت جزءاً من معارضة سياسية محسوب حسابها.

هذه هي استجابات العالم الإسلامي لتحدّي الصدمة الحضارية الأولى، فقد كانت استجابات متعدّدة عقلية تمثَّلت بالمعتزلة، وسلفية تمثَّلت بأهل الحديث، وصوفية تمثَّلت بالجماعات المتصوِّفة، على تعدُّد طرقها.

 

الصدمة الثانية في التاريخ الحديث

أما الصدمة الثانية قد عرفها العالم الإسلامي في أواخر القرن التاسع عشر (1880) وأوائل القرن الرابع عشر الهجري، وهي صدمة حضارية عولمية، كان العالم الإسلامي فيه يسير بحركةٍ وئيدة، بعد غلق الاجتهاد وتحريم المنطق، وتحريم الاشتغال بالفلسفة، وقمع الاتجاهات العقلية، وتنامي التفكير الخرافي، وضمور النزاعات النقدية… وكانت هذه السمات قد امتدَّتْ في أعماق الحركة المجتمعية الإسلامية، ولا سيَّما بعد سقوط بغداد عام 656هـ حتّى نهايات القرن الثالث عشر، أي من (1258م ـ 1880م)، أي قرابة ستّة قرون.

لقد كان العنصر البارز في هذه الفترة صدام المملكتين العثمانية والإيرانية صداماً جيوسياسياً مزوداً بغطاءٍ (ديني ـ مذهبي)، انقسم المسلمون فيه إلى قوى تابعة لإحدى المملكتين، وحسب معادلة (الكتلة + الأيديولوجيا + المصالح)، وبذلك اختفت المشروعات النهضوية، حتّى مجيء الاحتلال الغربي لبعض بلدان العالم الإسلامي (الهند، الجزائر، ليبيا، الشام، العراق، مصر). وجلب الغربيّون مع احتلالهم تكنولوجيا الغرب ومدنيته، وطريقته في التفكير والتحليل، متضمِّنة (نزعة صليبية ـ توراتية) لها موقفها من التراث المشرقي عامّة، والإسلامي خاصة، فاصطدم العالم الإسلامي معها صدمة حضارية جديدة، تعدّ الصدمة الثانية في التاريخ بعد صدمة ترجمة علوم اليونان، إلاّ أنّه في الصدمة الأولى كان فريق الفلاسفة المسلمين هم النخبة التي استوعبت تلك الثقافة وحلَّلتها، ووجهت لها نقداً، وأعادت إنتاجها، مثل: الكندي، وابن رشد، وأبدعت في التصدّي لها مدرسة الأسفار والحركة الجوهرية للملاّ صدرا، لكن في الصدمة الثانية كانت الكتل تقترب من علوم الغرب وفلسفته الإحيائية ـ ما بعد البروتستانتية ـ، لكنّها تنتقدها لأنها جاءت مقترنةً باحتلال عسكري ظهر في الهند ومصر وشمال أفريقيا، حتى قبل سقوط الخلافة العثمانية 1918م.

 

المبحث الثاني: الحركات الإسلامية المعاصرة، النشأة والتأسيس

في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي جاء الغرب بآلته الحربية، وتكنولوجيا المدنية الغربية، والعقل التوراتي، والنزعة البروتستانتية؛ لاحتلال عامّة بلدان العالم الإسلامي، حاملاً رؤيته المنهجية للعالم، وموقفه من الدين عامّة، وتوظيفه للمادة والنزعة التجريبية، إلى جانب نزعةٍ عدائية ترتكز على الأحقاد الصليبية مرّةً، وعلى الموقف السلبي من الدين عامّةً، على ما بينهما من تناقضٍ. فاستيقظ العالم الإسلامي وهو محمَّلٌ بآثار غلق الاجتهاد، وتعاقب نظم الاستبداد، وتفشّي الفساد والظلم، وغياب النقد والتنوير، استيقظ على وقع هذه المتغيِّرات التي تحوَّلت إلى واقعٍ وتحدٍّ، وتحوّل تفكيك الامبراطورية العثمانية إلى واقعٍ تجزيئي جديد، لا قدرة للمسلمين على إلغائه، ولا قدرة لهم على مواجهته مواجهة حاسمة لتغير ذلك الواقع لصالح المسلمين، لذلك كانت الصدمة الحضارية المدعومة باحتلالٍ أجنبي دافعاً لبناء مواقف فكرية، فانقسمت النخب الفكرية إلى أربع فئات:

أـ القوى التقليدية التي لم تتعامل مع الأزمة (تكوين الموقف الضدّ).

ب ـ الراديكاليون الوهابيّون (وتأسيس الدولة السعودية)، وتأسيس البنية العقائدية التطهيرية، بحيث بدَتْ كأنها حركة إصلاحية.

ج ـ الإصلاحيون الإسلاميون (مدرسة الأفغاني ـ محمد عبده ـ رشيد رضا، مدرسة المدنية الإصلاحية).

د ـ الإصلاحيون المدنيون (الطهطهاوي، الكواكبي، النائيني، مدرسة المدنية الإنسانية).

ويصل المتتبِّع إلى أنه لم تقدِّم الفئة الأولى ـ بحَسَب التوصيف ـ نموذجاً للمواجهة الحضارية، ولا نموذجاً لمقاومة الاحتلال، وظلَّت تتعامل مع الواقع الجديد بآليات قديمة، بحيث لم تعد تشكِّل استجابة معتدّاً بها واقعياً([8]). في حين قدَّمت (الراديكالية الوهابية) نفسها كحركةٍ تصحيحية للعقائد السائدة، على خلفية تشوُّه الفكر العقائدي عند المسلمين، واعتباره سبب الضعف، لكنَّها استعملت العنف لإخضاع مجتمع الحجاز ونجد. وكان مجمل ما اعتمدت عليه:

أـ اعتمادها أنموذج السلف أنموذجاً معيارياً مسحوباً من الأزمنة الأولى حتّى عصر المواجهة مع الغرب، تحت عنوان فهم السلف، وعقيدة السلف، وفقه السلف.

ب ـ تشكيل قوّة دينية متحالفة مع (سلطة ابن سعود السياسية)؛ لغرض صناعة الأنموذج السياسي السلفي على الجزيرة العربية بتحالفٍ ديني ـ قبلي.

ج ـ بناء الدولة الجديدة على أساس المشاركة والتداخل بين السلطة السياسية والسلطة الدينية، واقتسام السلطة والثروة، على أن يتبقّى البناء الأيديولوجي من مهامّ السلطة الدينية.

ورغم أن مفهوم عقيدة السلف وفقه السلف، الذي نقل من كونه مفهوماً زمنياً لمرحلةٍ ما إلى مفهوم أيديولوجي، لم يتمتَّع بسماتٍ منهجية واضحة ومستقرّة، فقد بقي أيديولوجيا محدودة، ولم يتحوَّل إلى مصافّ المذاهب الأربعة([9]) والعقائد الممنهجة، فظلّ رؤيةً، بل أصبح الإطار النظري للراديكالية الوهّابية بمراحلها الثلاث، وكان من أبرز معطياتها السياسية النزعة الإقصائية، على خلفية مفهوم الفرقة الناجية أو مفهوم الطائفة المنصورة.

أما الفئة الرابعة، وهي فئة الإصلاحيين الإسلاميين، فتمثَّلت في مدرستين مهمتين: الأولى: مدرسة جمال الدين الأفغاني؛ والثانية: مدرسة الميرزا حسين النائيني. وقد ركز الشهيد مطهري على تجربة جمال الدين الأفغاني، منطلقاً من تحديد المفهوم السياسي للإصلاح، الذي توافق مع ما أطلقنا عليه (أيديولوجيا الحركة)، إذ الإصلاح رؤية نقدية للماضي، وتصحيحية للحاضر، ومستشرفة للمستقبل، وعلى هذا التوصيف يمكن تقييم الجهد المدرسي لنهج الأفغاني.

أما الإصلاح عند مطهري فهو جهدٌ استثنائي لدراسة معوّقات النهوض، واكتشاف البدائل، وتحقيق النهوض. ولاحظ أن الأمر بالمعروف كان أعمّ من الإصلاح الذي هو نوعٌ منه، وهو مغايرٌ للخدمة الاجتماعية؛ إذ هو (جهدٌ للتغيير الاجتماعي)، كما هو رأي الشهيد مطهري.

إن الإشكالية التي تلاحقها هذه الدراسة هي طبيعة الاستجابات الفكرية لتحدّي صدمة الغرب الحضارية، والمؤسسة فيما بعد للحركات الإسلامية المعاصرة.

والغموض الذي تريد الدراسة تفسيره هو عدم قدرة الرؤى الإسلامية التأسيسية على اكتشاف المعادلة التي تمكِّن المسلمين من إلغاء الفارق الحضاري مع الغرب مع الحفاظ على الهوية الدينية، فقد كان قلق تلك الرؤى إبان عصر الأفغاني هو قلق التقدُّم، وكان التساؤل: لماذا تقدَّم الغربيّون وتخلَّف المسلمون؟ وكيف يحقِّق المسلمون مدنية جديرة بالتقدُّم منسجمة مع عقيدتهم الإسلامية؟ وهل المدنية تؤدّي إلى إهمال الهوية الدينية (نواة الهوية الحضارية)، كما أهملت الحركات الإسلامية فيما بعد القلق على التقدُّم وصناعة المدنية، وغرقت في معالجة القلق على الهوية الدينية؟

وهناك مَنْ يرى أن النزاعات التأسيسية لم تضَعْ خارطة طريق لتجاوز الإرث الاستبدادي والخرافي لعصور ما بعد غلق الاجتهاد، ولا سيَّما مع رفض محاكاة الغرب رفضاً مطلقاً تحت وطأة الخلط في تخيُّل الغرب كلِّه (عقيدته ـ وعدوانه ـ وتجربته الحضارية) من دون فصل بين هذه المكوِّنات.

ورغم تثمين الدارسين للسيد جمال الدين الأفغاني ومدرسته واعتباره واضع الحجر الأساس لمواجهة الانغلاق المعرفي والجهل والخزافة([10])، لقد كان عداء الأفغاني للاستعمار مركَّباً من (نظرية + حركة + فعل)، وكان للسياسة نصيبٌ كبير في حياته، وقد اتَّجه للدين ليخدم أهدافه السياسية، فقد أخرج المعرفة الدينية من اللاهوت التقليدي.

ويرى المرعشلي أن الأفغاني قدَّم فلسفة التعاليم الدينية على المعرفة الدينية، ودفع بها إلى محرّك مجتمعي، ودافع سياسي، فلقد فهم السلفية المتداولة آنذاك فهماً خاصّاً؛ لأنه قال بالحرّية([11])، وأوجد مقاربة مع الأيديولوجيا بعد أن قرب الدين من العلوم الإنسانية، وتجسَّد هذا بمحاولته إخراج نظرية اقتصادية وسياسية من تخوم المعرفة الدينية([12])، وحوَّل اللاهوت إلى علمٍ إنساني. لقد كان معجباً بالإصلاح البروتستانتي.

لقد كان الأفغاني مسكوناً بتحقيق المدنية الإسلامية، وكان يرى أن العقل ركيزة التقدُّم، وكان مؤمناً بأن المسلمين قادرون على استئناف دورهم الحضاري باعتماد العلم وتطبيقاته الصحيحة ـ كما فعلت أوروبا ـ، لكنه بحاجة إلى نظرية للتقدُّم، ونظامٍ قيمي له… ومن هنا كانت دعوته إلى شراكةٍ بين الحاكم والفيلسوف (نموذج الفارابي)، وتتَّضح عليه ركائز الرشدية في دعوته إلى الدولة القائمة على العقل والوحي.

لكنّ الأفغاني لم يفكّ التشابه الجوهري بين الفكر الديني بتنوُّعاته المنهجية، ولم يبطل دعوى استحالة المصالحة بين الدين والفلسفة.

ويُقال: إنّه أخفق في عدّة قضايا أساسية:

أـ فهو لم يقدِّم لائحة شورية بديلة للنظم الاستبدادية، التي اعتاد عليها المسلمون، وإنْ رفضها الأفغاني، واعتبرها سبب البلاء. ولم تتحوَّل نظرية الشورى عنده إلى نظرية حكم، ولا سيَّما مع تعدُّد التصوُّرات الإسلامية في نظرية الحكم. فلم يتعدَّ القول: إن هناك سلطتين: إحداهما: زمنية؛ والأخرى: روحية، والقول بنظرية المستبدّ العادل.

ب ـ ولم يوقف العداء السني (الموروث والمتوارث) ضدّ الشيعة، ولا سيَّما من متعصِّبي المدارس الأخرى، حتّى بقي ذلك جزءاً أساسياً من عقائد أهل السنة. وكان يمكنه أن يضع مشروعاً معرفياً جامعاً وبرهانياً لدراسة العقيدة الإسلامية على أساس المشتركات، بَيْدَ أنه تجنَّب الخوض تماماً في الخلافيات (عقائد + فقه)، وركز على مفهوم الوحدة.

ج ـ عوَّل كثيراً على الإجمال في التأطير الأيديولوجي، دون رسم التفاصيل والآليات، فلقد كان أقرب إلى الفلاسفة منه إلى المتكلِّمين.

وعلى الرغم من ذلك يقول عنه الشهيد مطهري: «وقد وجد أن من الحلول الناجحة الكفاح ضدّ المستبدّين بالتسلُّح بالعلوم والفنون الجديدة، والرجوع إلى الإسلام الأصيل، ومحاربة الخرافات، ووحدة المسلمين». ويصفه مطهري أنه أوّل مَنْ رفع شعار وحدة الصف، وبثّ روح المجابهة في نفوس المسلمين، بدل الانهزامية([13]).

ولم يُعِرْ الشهيد مطهري جوانب الإخفاق السالفة أيّ اهتمام، إلى جانب ما يذكره دارسوه من أنه لم يضع علاجاً أو رأياً لمعالجة النظام الإقطاعي السائد آنذاك، ولم يضَعْ نظرية واضحة حول نظام الأسرة والنظام التعليمي الذي ينبغي أن يتَّبع.

واعتقادي أن الشهيد مطهري كان على درايةٍ بهذه الثغرات في مشروع الأفغاني، لكنه يعتذر له بأنّ تحدِّيات عصره لم تسمح له بأن يتفرَّغ لهذه القضايا النظرية. ولعل اعتذار مطهَّري له كان منطلقاً من أنه يرى أنّ الأفغاني كان يريد أن يحقِّق الهدف المركزي، وهو تخليص العالم الإسلامي من الاستعمار والاستبداد فقط، فإذا تخلَّص العالم من الاستبداد السياسي الموروث عندئذٍ يعرف المسلمون ماذا يجب أن يفعلوا بعد ذلك.

لقد تطرَّق الشهيد مطهري إلى قضيةٍ مهمّة تناولها بالعرض والتحليل، وهي سبب الانفتاح عند الأفغاني على الثقافات الأخرى، فقد كانت كما يراها ناتجاً عن مواهبه الخارقة، ودراساته المتعدِّدة للمدارس، ومعرفته بثقافات عصره وتنوُّعاتها، وإتقانه اللغات الأخرى. وهذا في ظنّي مدعاةٌ لكي نعتبره عامل تحليل أساسيّ ومهمّ في كلّ الشخصيات التنويرية في عالمنا الحديث والمعاصر، وربما يتحوَّل إلى قاعدةٍ أو ضابطة منهجية لدى دراستنا المعاصرة. لقد حاول كتّابٌ معاصرون استثمار نجاحات جمال الدين الأفغاني النسبية في التاريخ الحديث، للترويج لفكرة أن حركة جمال الدين الأفغاني قد تأثَّرت بالدعوة الوهّابية، أو كانت من نتاجاتها، لا لشيءٍ إلاّ لأن الأفغاني دعا أيضاً إلى العودة إلى المنابع الأولى للإسلام([14])، بَيْدَ أن تمحيص هذا الترويج لا يدعه من دون أن يوقف القائلين به على نقاط عدّة:

1ـ لم يدع الأفغاني إلى (ذات المرجعية السلفية الوهابية) التي دعا إليها ابن عبد الوهاب، بل كانت دعوته للإسلام الشمولي. وهذا واضحٌ من عدد غير قليل من أدبيات العروة الوثقى (تراث جمال الدين الأفغاني)، فلقد كان يرى أن دعوة ابن عبد الوهّاب دعوة دينية محضة.

2ـ لم تنطلق حركة الأفغاني من إدانة الناس الذين وقعوا بالانحراف العقائدي من جرّاء بعض سلوكهم، بل انطلقت من أن مدنية جديدة تعمل على إزاحة المدنية الإسلامية القابلة للاستئناف الحضاري، فقد كان هدفه استنهاض القيم المدنية في الإسلام، بينما كان هدف الوهّابية (تصحيح) عقائد الناس، من خلال تركيزها على (تعاليم تصحيحية) من خلال القوّة والقتل والإرهاب، في حين كانت فلسفة الأفغاني إحياء الشعور الإسلامي الداخلي، وتحويله إلى دافع لسلوكٍ اجتماع مدني مقاوم لنظرية الإزاحة الغربية للمدنية الإسلامية والتراث والفكر الإسلامي.

3ـ لم يقسم الأفغاني المسلمين إلى: مؤمنين؛ ومنحرفين، كما فعل ابن عبد الوهّاب، وإنما سعى إلى مخاطبة تنوُّعاتهم كافّةً بخطابٍ واحد وتوحيدي.

4ـ لا تقف المحاولة التصحيحية عند الأفغاني على جعل السلوك العبادي للمسلمين في خدمة الدين، إنّما أكّد على البعد الإنساني في الدين، في حين كانت المحاولة الوهابية محاولةً نصوصية انتقائية.

5ـ لم يَسْعَ الأفغاني إلى إعادة الخلافة العثمانية؛ (لأنها مارست الاستبداد)، ولم يعلن أمارة دينية قبلية، إنما دعا إلى أنموذج جديد (لوحدة المسلمين بنظامٍ جديد)، في حين كوَّنت الوهابيّة دولةً متكوِّنة من تحالفٍ قبلي ديني في الجزيرة، ولم تقدِّمْ مشروعاً عالمياً.

فطبيعة المشروع الوهّابي إذن طبيعة ماضوية، بينما طبيعة المشروع الأفغاني طبيعة مدنية إنسانية لديها رؤية مستقبلية([15]).

ويعدّ الشيخ محمد عبده الامتداد الطبيعي لمدرسة الأفغاني، وقد سمّاه الشهيد مطهَّري رجل الفكر والاعتدال، ويرى أنه اهتمّ بصورةٍ خاصّة بأزمة الفكر الديني، وعدم تحقُّق حاجة المسلمين العصرية التي ظهرت بعد المواجهة الحضارية الثانية، فكان مسكوناً بمسألة الإسلام والحاجات العصرية، وكان يحاول حلّ التقاطع بين الفكر الديني وقضية التقدُّم والتنمية المجتمعية، فاعتمد استراتيجية تطوير النظام التربوي، والتفكير بفلسفة التقدُّم، ومحاولة وضع اللوائح الحقوقية الإسلامية على أساس الفقه الإسلامي، وحاول أن يطوِّر مفهوم الشورى؛ لكي يعتمد أصلاً صالحاً للحكم. ويقارن مطهَّري بين الأفغاني والشيخ محمد عبده، فيذهب إلى أنّ الأفغاني اعتمد وسيلة التغيير الثوري، بينما جنح محمد عبده إلى التغيير التدريجي.

وفي هذا نظرٌ؛ فلعل إدراك عبده للصعوبات الكبرى من جرّاء (الجمود الموروث والوجود الأجنبي) جعل عبده أكثر واقعية، لكنَّهما في الأصل كانا ينطلقان معاً من قاعدة الإصلاح الذي يبدأ من القاعدة التي تقول: إن خلق المجتمع المتكامل وبنائه القويم يؤدّي إلى قيام دولة قويمة، وليس العكس. ويرى مطهَّري أن الأفغاني أَوْلى مسألة قلع جذور الفساد السياسي أهمّية خاصّة، بينما ركَّز عبده على التربية والتعليم.

ويذكر الشيخ مطهَّري رأي حميد عنايت، الذي يجعل تركيز الأفغاني على مسألة الحرِّية بأبعادها كافّة، بينما يركز الشيخ محمد عبده على التربية والتعليم والأخلاق وتهذيب النفس. ويرى عنايت أن دائرة اهتمام الشيخ محمد عبده تراجعت إلى (داخل حدود مصر)، بينما كانت دائرة الأفغاني تتَّسع لعموم العالم الإسلامي، بَيْدَ أنه من الجدير بالذكر أن إعادة إنتاج الفكر الديني على أساس عقلي ومنطقي من الأفغاني كان دعوةً فلسفية، وكانت دعوة محمد عبده دعوةً لممارسة عملية. فكان تجديد الفكر الديني مهمّة حضارية عند الأفغاني، وبالوسائل التربوية عند الشيخ محمد عبده، تلك التي تتجانس مع الفكر، وتجنّب التفرقة المذهبية، وتدعو إلى استئناف الاجتهاد في الفقه.

أما الفئة الثالثة فكانت المدرسة الإصلاحية المدنية، الذي كان رائدها الكواكبي المفكِّر السوري، الذي بدأ صحفياً جنَّد قلمه لمكافحة الفساد والاستبداد، ودعا إلى النهوض والتقدُّم، وتشكيل نوادي التثقيف. وكان ممّا دعا إليه خلافة عربية على أنقاض السلطنة التركية، محمِّلاً التجربة التركية مسؤولية ممارسة الاستبداد.

ويعدّ كتابه الشهير (طبائع الاستبداد) من أجلّ الكتب التي أشاعت وَعْياً جديداً مطلع القرن الماضي، فقد دعا فيه إلى الوعي السياسي، ودعا إلى مراقبة الناس لأعمال الحكّام، وإلى خلق مناخات الحرِّية.

ويدافع محمد عمارة عن الكواكبي، فيرى أنه دعا إلى دولة إسلامية، ولكنْ بإطارٍ ومضمون مدني؛ لاعتقاده بأن الاسلام هو الضدّ النوعي لكلّ سلطة ثيوقراطية؛ لأنه يحرِّر الضمائر، وهو صاحب الدعوة التاريخية لسلطةٍ مدنية بقرارٍ من الشرع. ولعل اختلافه مع رشيد رضا، الذي خرج عن خطّ مدرسته، متأثِّراً بالوهّابية التي كانت ترى أن الخروج على طاعة السلطان الديني تمرُّد على الإسلام([16]). وهذا يتعارض تماماً مع أصلٍ مهمّ من أصول فلسفة الكواكبي، وهي (الحرِّية). ويذكر الشهيد مطهَّري أن الكواكبي كان يرى أنّ الاستبداد لا يخاف من كتب اللغة وكتب العلوم المتعلِّقة بالآخرة، لكنه يخاف من الكتب في علوم الحياة والفلسفة والحقوق والاجتماع.

ومن الملفت للنظر أن الشهيد مطهَّري تناول الأنموذج الرابع من الروّاد، وهو محمد إقبال. ولعل ما يميِّز الأربعة الذين ذكرهم مطهَّري أنهم نهلوا من العلوم المتاحة لهم في عصرهم بلغاتٍ متعدِّدة. وهذه قاعدةٌ ناتجة عن استقراء؛ لأن تفتح الذهن والدعوة إلى التجدُّد ناتجة عن تعدُّدية مصادر المعرفة ومناهجها المتنوِّعة.

فإقبال رحل إلى أوروبا، وحصل على درجة دكتوراه من جامعة ميونخ في ألمانيا، ومارس الأدب والسياسة، وصار زعيماً لحزب العصبة الإسلامية في الهند، وهو من مؤسِّسي دولة باكستان، وله عشرون كتاباً في الاقتصاد والسياسة والفلسفة.

صحيحٌ أن معرفة إقبال بالثقافة الغربية لم تزلزل عقيدته الدينية، وفلسفته الوجدانية؛ لأنه كان على وَعْيٍ بثقافته، ممّا جعله يشخِّص الخلل في كلا الثقافتين. ولأن أزمة المسلمين في شبه القارّة الهندية كانت ضاغطاً كبيراً فقد دعَتْه أن يفكِّر بعمقٍ، فلقد كان من آرائه الدعوة إلى استئناف الاجتهاد، ودعوته لممارسة التلذُّذ بالعرفان والشهودية. وكانت أبرز أفكاره فلسفة العودة إلى الذات، ومراده منها استعادة الإيمان في داخل النفوس، لكنّ موضوعية البحث ـ كما يرى الشهيد مطهري ـ تضطرّه إلى نقد إقبال عندما رأى أن البهائية أو الأتاتوركية كانتا حركات إصلاحية([17]).

وهنا علينا ان نقيِّم خصائص رؤية إقبال إزاء التحدّي الحضاري الغربي:

1ـ إيقاد الروح النقدية كمقوِّم للروح الناهضة، وهي ماهيّة وسيلة التغيير.

2ـ إن الإسلام جمع بين خصوصيتين: ختم الرسالات الإلهية؛ واستمرارية الاجتهاد. وهذه النظرة في غاية الأهمّية.

3ـ كان يرى أن الفقه الإسلامي لم يتمتَّعْ بدرجة كافية من النقد والتمحيص.

4ـ إن على المسلمين أن يقدِّموا الإسلام إلى العالم المعاصر كرسالة حضارية، وليس رؤية إقصائية.

5ـ إن الإسلام لا يكون خصيماً للتطوُّر؛ لأنه ليس رؤيةً ماضوية.

ويمكن الاستخلاص أن هذه الشخصيات الأربعة هي رموز الاستجابة للتحدّي الحضاري الكبير المزدوج (معرفياً ـ وسياسياً). لكنّ الشهيد مطهري لم يلفت الأنظار إلى الميرزا النائيني في العراق، الذي قدَّم استجابةً في غاية الأهمّية، فكلّ مَنْ تقدَّم الحديث عنهم كانوا يحومون حول فكرة الدولة وبناء الدولة (الأفغاني، عبده، الكواكبي)، لكنَّهم لم يقدِّموا خارطة طريقٍ فعّالة لبناء الدولة، ولم يتجاوزوا مألوف الناس إلاّ بالنقد الإجمالي السلبي، دون اكتشاف البديل الذي اكتشفه النائيني. لقد بذل النائيني جهداً بارعاً لتخطّي السائد العقائدي والمعرفي، الذي يغلق الباب على مجرّد التفكير بالدولة والسلطة وبناء الكيان، محتجّاً بأنها من مسؤولية الإمام الغائب، ولأنه بذل جهداً أكثر براعةً حين خطط جدول الصلاحيات ونطاق الحقوق من منابع الفقه الإسلامي، وجعلها من ضروريات الإسلام، فدعا إلى وجود دستور لكن من رؤية دينية إسلامية متحضِّرة وحقوقية، بحيث أماط اللثام عن أخطر قضيه اجتهادية، وهي الموقف من المسكوت عنه من جهه النصّ، فكانت نظرية النائيني أخطر استجابة إزاء المستجدات الحضارية. وبالمجمل فإن كتاب تنزيه الملّة لا يقلّ تنويراً وتأثيراً عن مقالات الأفغاني في العروة الوثقى، أو آراء محمد عبده في تفسير المنار، أو تجديد الفكر الديني أو طبائع الاستبداد، ففي كلّ صفحةٍ من كتابه كان يتحدّى فيها بقوّةٍ التصوُّرات الخاطئة عن الإسلام، التي تبرِّر الاستبداد والحكم المطلق([18]).

لقد أسَّست جهود الميرزا النائيني قواعد جديدة لشرعية السلطة في الفكر السياسي الشيعي، فلقد قبل الفكر السني الجمود والإقصائية الموروثة، وبالتنزيه يكون النائيني قد فتح عهداً جديداً، كانت من معطياته الجمهورية الإسلامية في إيران([19]).

ما هي نتائج دعوة الأفغاني في العالم الإسلامي فيما بعد 1979م؟ وكيف صار شاهد الحركات الإسلامية بعد الثورة؟

لقد أنجبت مدرسة الأفغاني الشيخ الإمام محمد عبده، الذي سار مع تطوُّر طفيف على رؤية فلسفية وسياسية وتربوية للأفغاني لا تزال تحمل قدراً من الخصوبة الفكرية. وجاء بعده تلميذه السيد محمد رشيد رضا، الذي تأثَّر أوّلاً بالحركة الأتاتوركية، وحاول أن ينقل رؤية الاتحاد والترقّي إلى عالم العرب، فأيَّد الشريف حسين في دعوته لدولةٍ عربية يحكمها هو بوصفه شريف مكّة، معتبراً أن الحجاز هي المؤهَّلة للخلافة الإسلامية، ثمّ ما لبث أن تخلّى عن الأسرة الهاشمية لينحاز إلى عبدالعزيز آل سعود والحركة الوهّابية؛ لأنها كما يرى تحمل عقيدة سنّية صرفة، وأن منهجها هو منهج المسلمين الأوائل، على حدّ قوله في (المنار). وعليه فإن رشيد رضا يعدّ الشخص الأساسي في بروز تنظيرات الفكر السياسي السني, وهو عنصرٌ مهمّ من عناصر المتغيِّرات في بوصلة التفكير التأسيسي للحركات الإسلامية المعاصرة التي انغمست تماماً في مهمة إصلاح عقائد المسلمين، وليس في بناء العقل الإسلامي الموحّد، فكانت دعوة سلفية تستعيد مقولات ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهّاب، وكان من تلاميذه حسن البنّا، وجماعة أنصار السنّة بقيادة الشيخ الفقي. ولدى تحقّق النظر التاريخي فإن الباحث يجد تناسلاً فكرياً للحركات المتشدِّدة الذي بدأ عند الشيخ ابن تيمية، مروراً بالوهّابية، ثم بالمودودي وسيد قطب، الذي صار كتابه معالم في الطريق لائحة كوّنت ثقافة جهادية أدَّتْ إلى ظهور كتاب (رسالة الإيمان) لصالح سرية، وكتاب (الفريضة الغائبة)، لمحمد عبد السلام فرج، وتوالت بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران كتب الخطّ المتطرِّف السلفي، فصدر (ميثاق العمل الإسلامي)، الذي يعدّ دستوراً لعمل الجماعات، وكتاب (أصناف الحكّام وأحكامهم)، للشيخ عمر عبد الرحمن، وكتاب (حكم قتال الطائفة الممتنعة على شرائع الإسلام)، و(حتمية المواجهة)، و(فلسفة المواجهة)، وكتاب (أإلهٌ مع الله؟!)، وقد كونت هذه الكتب تراثاً سلفياً (جهادياً) متواصلاً مع جذوره من القرن السابع الهجري حتّى الوضع الراهن.

لقد تحوَّلت هذه الثقافة المتشدِّدة من رؤيةٍ نظرية إلى (حركية قتالية)، كان من تجسُّداتها الطليعة المقاتلة (لمروان حديد) في سوريا، والسلفيون الجهاديون بقيادة (مصطفى بو يعلى) في الجزائر، و (فريق عبدالكريم مطيع) في المغرب، وفي السعودية جماعة (جهيمان العتيبي) الذي سيطر على الحرم المكي في محرم 1979. وبتوافر هذه الجماعات  استغلت أمريكا هذا الغليان، وشجعته على بدء (الجهاد) ضدّ النظام الموالي للاتحاد السوفياتي في أفغانستان، ثمّ استخدمته لمواجهة القوات السوفياتية، فصارت أفغانستان أرضاً استقطبت كلّ (الجهاديين) في أنحاء العالم، فظهرت آراء وأدبيات عبد الله عزّام، والظواهري، وابن لادن، وأبي محمد المقدسي، وأبي قتادة الفلسطيني، والزرقاوي، وأبي مصعب السوري، وأبي بصير الطرسوسي، وغيرهم. وهكذا اغتنمت أمريكا الفرصة لتقويض الاتحاد السوفياتي وتفكيكه عبر أزمة أفغانستان, وأنتجت مراكز الأبحاث الأمريكية فكرة (الحزام المحمدي)، الذي يطوِّق الاتحاد السوفياتي، ويهيِّئ لـ (لجهاديين) التجمُّع والقتال (من باكستان إلى الشيشان). وصدَّرت بعض الدول فائض العنف الجهادي إلى هذه المنطقة، وتخلصت منه، فكان في تورا بورا أربعة عشر فصيلاً مقاتلاً في أفغانستان، تحولت جميعاً بعد انتهاء حكومة طالبان عن مقاتلة العدوّ البعيد إلى قتال المسلمين؛ بحجة عدم التزامهم بالشرع باستراتيجية قتال العدو القريب، ونضجت فيما بعد الأبحاث المعمَّقة في الولاء والبراء، وخطر الإرجاء، ونواقض الإيمان والطائفة المنصورة…، إلخ. وبعد انسحاب السوفيات من أفغانستان، وسقوط الحكومة الموالية لهم، تمّ تفكيك الاتحاد السوفياتي، وأضحَتْ هذه الجماعات التي تلقَّت عنايةً كبيرة من أمريكا والدول الحليفه لها عبئاً على النظام الدولي، وعلى الحكومات الموالية لأمريكا، فاختارت الولايات المتحدة سياسة الاحتواء، وضبط المجال الجيوسياسي لمناطق اشتغال هذه الجماعات، وصارت تحرِّكها باتجاه ضمان الأمن الجيوستراتيجي للكيان الصهيوني، وتحركها باتّجاه تصعيد الخطاب الطائفي ضدّ العقلانيّات الإسلامية الممثَّلة بالاتجاهات الإسلامية المتحضِّرة والعقلانية كافّة، وضدّ العرفانيات الإسلاميّة ممثَّلة بالتصوُّف.

إن تحوُّل فكر الجماعات المتعصِّبة من نقد الغرب الصليبي التوراتي إلى نقد التشيُّع، فكراً وممارسة، صار من الأهداف الأساسية التي قامت لأجلها الحركة الإسلامية في مطلع القرن العشرين، ولم تكن المسألة المذهبية من المسائل التي تعنى بها الحركات الجهادية، وقد أخذت جانب التفكير الجادّ بتوحيد وتقريب المذاهب الإسلامية، لذلك صوبت جهدها الدموي باتّجاه:

أـ ضرب التجربة الإسلامية الحضارية العقلانية المجتمعية، أو تجربة الدولة المدنية الإسلامية.

ب ـ تصعيد وتأجيج الخطاب الطائفي الإقصائي ضدّ الشيعة والصوفية والحركات الإسلامية ذات النهج التسامحي الحضاري المتفاعل مع المدنيات الإنسانية.

ج ـ ضرب حزام دعم المقاومة ضدّ الكيان الصهيوني الغاصب، وتأمين المجال الدولي له.

د ـ استهداف المدنيين من الشيعة والسنّة معاً، وتبرير ذلك بذرائع من التراث الإسلامي، مثل: قضايا التترُّس والتبييت، وبعث القتلى على نيّاتهم.

إنّ الظنّ الغالب أن المقاربة الاستشراقية لصموئيل هنتنغتون في صدام الحضارات أرادت أن تجعل من أمريكا الطرف الآخر في حرب جديدة أطرافها (متشددو اليمين الأمريكي) من جهةٍ و(الجماعات الجهادية) من جهةٍ أخرى؛ لتتم البرهنة على أن الإسلام هو قوام القوى الظلامية في العالم؛ بسبب نزوع هذه الجماعات نحو العنف (كهدفٍ ونظرية عمل)، وليس جزءاً من برنامج إنمائي شامل([20]) تقدِّمه هذه الجماعات للمجتمع الإسلامي. وبعد تجربة أفغانستان، وتجربة طالبان، خرجت هذه الجماعات من النطاق الإقليمي، وتمَّتْ عولمة الحركات (الجهادية)؛ لتكون المبرِّر لاستراتيجية الحرب الأمريكية المفتوحة، زماناً ومكاناً، على دول العالم الإسلامي. لقد أعطت خطابات السلفية الجهادية في التصريح بحربها المزعومة ضدّ الصليبية الذريعة لحرب اليمين الأمريكي على العالم الإسلامي بمضمونٍ ديني.

ومجمل التشخيص أن الأفكار والتصوُّرات التي أنتجتها السلفية الجهادية تستند إلى قراءةٍ تجزيئية للتراث، وقراءةٍ دوغماتية لواقعٍ تلعب فيه الأحادية المرجعية، واستحضار الواقع التاريخي، وتحويله إلى مستند مرجعي للنظرية الجهادية، وإعطائه دوراً مهمّاً.

وتفترق هذه القراءة كثيراً، بل تبتعد في المنطلقات والآفاق والأدلة، عن الفكر الإصلاحي الذي وصفه الشهيد مطهَّري بأنه الصحوة([21])، الذي افترض فيه تأسيس منظومة فكرية إسلامية، قوامها الجوار، وشرعية الاختلاف، وبناء فكرٍ تداولي محرِّر، على شروط العقلانية التي تقيها آفات العنف والتطرُّف([22]).

 

 المبحث الثالث: مستقبل الحركات الإسلامية في عصر ما بعد الثورة الإسلامية في إيران

لا يغالي مَن يقسِّم تاريخ المنطقة إلى: (ما قبل ثورة إيران)؛ و(ما بعدها)؛ لأن الثورة عام 1979 أضحَتْ حَدَثاً عالميّاً ذا أبعاد مهمّة ومؤثِّرة في مسار التاريخ الإنساني كله، فقد كان له دورٌ في رسم العلاقات الأممية والدولية:

1ـ رصد بعض الباحثين أن الثورة الإسلامية في إيران قد نقلت تطلُّعات المسلمين من الحلم إلى الواقع بإقامة دولة شورية حقَّقت التقدُّم الاجتماعي، والاكتفاء الذاتي، وصارت دولةً قوية ذات منعة، وهي تمارس دورها السِّلمي في الدعوة إلى الله. بينما لم تحقِّق الحركات الجهادية أيَّ نجاحٍ سياسي يذكر بعد الثورة الإيرانية، سوى (تدمير قوى المنطقة).

2ـ ويرصد المتابعون أن الفوضى الخلاّقة (استراتيجية القرن الحادي والعشرين)، التي بدأت بعنوان الربيع العربي في تونس، حصلت لتطوِّق البلدان المحيطة بالكيان الصهيوني (العراق، سوريا، مصر)، ثمّ تدميرها نهائياً. وهذه الاستراتيجية قد أتاحت للقوى الإسلامية أن تمارس فيها دوراً سياسياً، ولا سيَّما في ليبيا ومصر. وإن فشل هذا الدور، واستبدال المصريين نظام حكم الإخوان بنظام آخر، يُعَدُّ تخلُّصاً من أزمة (فجوة الواقع مع عصر الاجتهاد). ولا تزال ليبيا مثلاً تمرّ بأكثر ممارسات الفوضى سوءاً.

3ـ إن إحياء الخلافة الإسلامية عبارة عن استعادة التجربة التاريخية، فهي ليست من الثوابت، ودونها النظام الدولي الحالي. وهنا تكمن إشكالية التفكير بالمتاح واللامتاح، وأهمِّية الموازنات، ممّا يؤثِّر فقدانها على فقه الأولويات.

4ـ لقد تحوَّلت تجربة طالبان في أفغانستان إلى تجربة موتٍ، بدل أن تكون تجربة إسلامية تنموية إنسانية ناهضة، وصارت مصنعاً لتخريج مجموعات القتل والتدمير في بلدان العالم الإسلامي، والجماعات المنتشرة في العالم لتدمير قواها الاستراتيجية.

5ـ تحوَّلت الحركات الإسلامية (الجهادية) إلى قوى طائفية، جعلت من أغلب أهدافها مقاتلة المسلمين الذين يختلفون معهم في الفكر والاجتهاد، وقد رفعوا ما نطاقه الاجتهاد إلى مستوى النصّ والثوابت، وبالتالي سيغرق العمل السياسي الإسلامي في حروب أهلية طائفية وعرقية ومذهبية.

6ـ افتقدت الحركات الإسلامية الجهادية المعاصرة إلى علمٍ شرعي صحيح وعميق. فهذه المجموعات ليس لديها فقه نظري شمولي، إنما لديها بيانات (انتقائية) أيديولوجية ذات أبعاد سياسية تعلو على المقاصد الدينية.

7ـ لم يتبين أن التيّارات السلفية قد استوعبت التحوُّل الهائل في العالم، بدلالة عدم اعتبار المتغيِّرات في أدبيات الفكر السلفي. وعليه فليس هناك مؤشِّرات كافية على أن هذه الحركات يمكن أن تدير حرب البقاء مع قوى العالم الصاعدة وتجاربها السياسية والعسكرية.

8ـ لا يزال التفكير السلفي تفكيراً منحصراً في نطاق التجربة التاريخية، ولا يزال فشل هذه التيارات واضحاً تماماً في رصد المستقبل؛ لأنها لم تتمكَّن من قراءة الواقع التاريخي والراهن.

9ـ لم تقدِّم التيارات السلفية إطاراً فكرياً يتطابق مع الإطار الشرعي في وضعه السليم. ففي أحيان كثيرة يتجاوز الإطار الفكري الإطار الشرعي، وتلجأ إلى التبريرات والذرائع.

10ـ تبدو التيارات الإسلامية السلفية تيارات نمطية، ويُلاحظ فيها توظيف فكرة العدوّ الخارجي بشكلٍ مضخَّم، ويكون عنصراً مؤثِّراً في القرارات، وتنتج عن ذلك حالات متعدِّدة من التعصُّب، بحيث تصنع بيئة خلافية في الوسط الإسلامي.

11ـ لقد شكَّلت الحركة السلفية الجهادية المعاصرة قطيعةً مع الفكر الإسلامي الإصلاحي الذي تبلور في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي، وامتدّ إلى ما بعد منتصف القرن العشرين، كما يرى د. فهمي جدعان في كتابه (أسس التقدُّم عند مفكِّري الإسلام)([23]). فقد تشبَّعت تلك الحركات بأفكار راديكالية. وأهمّ أولويّاتها حصر التغيير بأداة قتالية واحدة، هي الجهاد، وحوَّلته من منظومة دفاعية إلى مفهومٍ أو نظرية عمل تغييرية، تهدف إلى إقامة الدولة أوّلاً؛ لتقيم هي المجتمع فيما بعد. بينما كانت الأطروحات الإصلاحية تطالب بالوصول إلى تطبيق عصري للشريعة تدريجياً، بالاعتماد على منهج سلمي هدفه صناعة المجتمع الملتزم؛ ليصنع بدوره الدولة الملتزمة.

ويرى منير شفيق أن هذه الحركات الجهادية انشغلت بالتغيير بالوسائل الحادّة، دون أن تولي موضوع الدولة عناية كافية، وهو عين المشكل الذي أطاح بالثورة في الاتحاد السوفياتي([24]).

 

الهوامش

(*) رئيس قسم الدراسات العليا في كلّية الفقه، ومدير مركز الدراسات في جامعة الكوفة. من العراق.

([1]) أحمد فهمي، مستقبل السلفيين في مصر: 6.

([2]) ابن هشام، السيرة النبوية 2: 656 ـ 660.

([3]) الطبري، تاريخ الرسل والملوك 3: 82.

([4]) الشهيد مطهري، الحركات الإسلامية في القرن الرابع عشر الهجري.

([5]) الشهرستاني، الملل والنحل 1: 39.

([6]) صائب عبدالحميد، ابن تيمية: حياته، وعقائده: 35.

([7]) الكثيري، السلفية بين أهل السنّة والإمامية: 86.

([8]) كانت حملة نابليون على مصر (1798م)، وفرنسا على الجزائر (1830م)، وبريطانيا على عدن (1839م)، وفرنسا على تونس (1881م)، وبريطانيا لمصر والسودان (1882 ـ 1899م)، وكانت الحرب الأولى (1914 ـ 1918م)، وأعقبتها اتفاقية سايكس بيكو. (انظر: نقد الفكر الديني عند الشهيد مطهري).

([9]) فؤاد إبراهيم، السلفية الجهادية في السعودية: 24؛ د. محمد رمضان سعيد البوطي، السلفية مرحلة زمنية: 18.

([10]) الشهيد مطهري، الحركات الإسلامية في القرن الرابع عشر الميلادي: 8.

([11]) د. صباح كريم رياح، جمال الدين الأفغاني: 174، أطروحة دكتوراه، جامعة الكوفة.

([12]) الشهيد مطهري: الحركات الإسلامية: 19.

([13]) المصدر نفسه.

([14]) المصدر نفسه.

([15]) انظر: علي نايف الشحود، موسوعة الخطب والدروس 1/ 213؛ جمعة محمد كمال، دعوة بن عبد الوهّاب خارج الجزيرة: 60.

([16]) انظر: ألبرت حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة: 144.

([17]) الشهيد مطهري، الحركات الإسلامية في القرن الرابع عشر؛ وانظر: محمد إقبال، تجديد الفكر الديني: 1 ـ 15، ترجمة: عباس محمود.

([18]) محمد عمارة، عبد الرحمن الكواكبي، الأعمال الكاملة 1: 130، 132.

([19]) الشيخ محسن كَدِيوَر، نظريات السلطة والحكم في الفقه الشيعي: 132.

([20]) جمعة محمد كمال، انتشار دعوة ابن عبد الوهّاب خارج الجزيرة: 63.

([21]) مجموعة مؤلِّفين، الحركات الإسلامية في العالم العربي 1: 98، 99.

([22]) تحوُّلات الخطاب السلفي: 71، 93، 94.

([23]) انظر: فهمي جدعان، أسس التقدُّم: 118؛ ألبرت حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة: 67.

([24]) منير شفيق، الدولة والثورة: 25؛ عبد الإله بلقزيز، الدولة في الفكر الإسلامي: 56.