طبيعة العلاقة بين حقوق الإنسان المعنوية والشرعية

4 يونيو 2018
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
952 زيارة

طبيعة العلاقة بين حقوق الإنسان المعنوية والشرعية

في ضوء الفقه الشيعي

د. فاطمة قدرتي(*)

الخلاصة

إن طبيعة ومفهوم «الحقّ الشرعي» يُعَدّ أحد أهمّ المفاهيم الأساسية في علم الفقه، وكذلك علاقته بسائر «أنواع الحكم الشرعي» هي الأخرى من جملة المسائل التي غالباً ما تكون محطّة للبحث والدراسة في الميادين الفقهية والقانونية. وفي هذا السياق، وعند ملاحظة حقوق الإنسان المعنوية، التي تُعَدّ من جملة الحقوق الذاتية والأساسية والطبيعية للبشر، نجد اختلاف وجهات النظر بين الفقهاء والباحثين حول إمكانية جعلها في مصافّ الحقوق الشرعية وأحد أفرادها، وهل سينتهي ذلك إلى جريان أحكام وخصائص الحقّ الشرعي في حقّها، أو يصعب جريان ذلك فيها؟

وفي هذه الدراسة نحاول في خطوةٍ أولى، من خلال مراجعة الكتب والدراسات القانونية والفقهية، وبأسلوبٍ وصفي تحليلي، مراجعة الأقوال والتعاريف المختلفة لفقهاء الإمامية في تعريف وتوصيف مفردة «الحقّ»، ومن ثم تفسيرها، ونقدها، وتسليط الضوء على التعريف المختار منها. ونسعى من خلال هذا التعريف إلى تشخيص المكوّنات وتحديد العناصر التي تنتج السلطنة والملكية المتفرعتان عن مفهوم الحقّ، لنصل إلى رؤية مختلفة في بيان علاقة معاني مفردة واصطلاح الحقّ بالحكم.

وفي الخطوة الثانية نعكف على بحث مكانة حقوق الإنسان المعنوية، ودورها في تبلور التعريف المصطلح الذي اخترناه، والمقارنة بين مزايا الحقوق المعنوية والشرعية، وتحديد خصائصهما.

وفي الختام سنتعرّف على أن الحق المعنوي ليس من الموارد التي تساق ضمن الحقوف القانونية أو المبتكرات الشرعية، بل هو حقّ تكويني ليس إلاّ، وعلى الرغم من كونه حقاً مشروعاً يبدو عدم إمكانية جعله جزءاً من الحقوق الشرعية، ولا من مصاديق مفردة الحقّ في إطار الاصطلاح الفقهي، لتنطبق عليه أحكام وضوابط الحق الشرعي.

شرح موضوع الدراسة

إن حقيقة الحقّ وهويته من اللحاظ الفقهي، وخصوصاً عند البحث والكلام عن تمييز هذه المفردة عن الحكم، قد يكون من أبهم وأعقد المباحث التي طال الحديث الفقهي فيها بين الفقهاء والمهتمين بالجانب الشرعي. وقد أفرزت تلك النقاشات والحوارات الفقهية جملة من الآراء والمباني المختلفة، التي سوف نشير إليها في نهاية هذا البحث. وتضمنت هذه المباحث تمايزاً كلياً وتغايراً شاملاً بين الحق كمفردة وبين الحكم كسياق شرعي. وانعكس هذا التباين على أهم المميزات التي امتاز بها كلّ واحد منهما. وسيتضح أن ذلك قد تجاوز ما يعتقد به البعض من أن الحكم والحق مفردتان ولفظان لمعنىً واحد، كلّ واحد منهما يلحظه من زاوية معينة. وقد تجلّى ذلك في اعتقاد طائفة أخرى من الفقهاء بتغاير مفهومي الحقّ والحكم، وقالوا بأن الحق يختلف عن الحكم، فهو يرادف السلطنة([1])، أو أنهم يعرفون الحقّ بأنه نوعٌ من الملك الذي يجري في العين والدين والمنفعة([2]). وفي المقابل هناك عددٌ من الفقهاء اعتبروا، بعد الموافقة على التشابه الكلي أو الجزئي بين الحكم والحق من الناحية المفهومية، اعتبروا الأخير إما واحداً من أنواع الحكم أو مرادفاً له بالقياس إلى سائر أنواعه([3]).

وإلى جانب خلافات الفقهاء المتعلقة بتشخيص المعاني الواسعة للحق، وتحديد ملامحه، فإن دور ومكانة الحقوق المعنوية في هذا المفهوم تُعَدّ جزءاً من الموضوعات كجزءٍ من البحث حول هذا الموضوع، والتي ستكون مؤثّرة في الكثير من الأحكام الفقهية المتعلّقة بالحقوق المعنوية، من قبيل: الميراث، وقابلية هذه الحقوق للنقل والانتقال، وإسقاطها، ونحو ذلك. لماذا؟ لأن الكثير من الفقهاء؛ حيث لم يعتبروا الحقوق المعنوية حقاً شرعياً أساساً، لم تَجْرِ في مثل هذه الحقوق أحكام الحق وخصوصياته ومزاياه([4])، فهم إما أن يكونوا اعتبروها جزءاً من مصاديق الحكم أو لم يعدّوها جزءاً من المفهوم الشرعي والفقهي أساساً ـ لا في دائرة وحدود الحقّ، ولا في إطار الحكم ـ، وعليه لم تكن تلك الحقوق ذات معانٍ ومفاهيم شرعية، ليتم تناولها في البحث الفقهي([5]).

وفي هذا السياق، وحينما يتمّ الالتفات إلى الأحكام والقواعد المختلفة لدى الكثير من الفقهاء المتعلّقة بالحكم والحق من حيث قابلية الإسقاط، والإرث، ونقله أو التصرّف به، ونحو ذلك، يمكن أن نكتشف كخطوةٍ أولى فرقاً دقيقاً ومائزاً محدداً بين معنى ومفهوم كلتا المفردتين، يحظى بأهمّية كبيرة؛ لأن التشخيص الصحيح والتطبيق الصحيح للأحكام والضوابط المتعلقة بالحق والحكم سيتيح لنا بيانهما بشكلٍ صريح وواضح. وفي الخطوة الثانية، وعندما نبحث في ماهية حقوق الإنسان المعنوية، ومكانة هذه الفئة من الحقوق، وتحديد التعريف المختار من مفردة الحقّ، سوف يكون الطريق ميسراً في تحديد دائرة الأحكام ونطاق الآثار الشرعية للحقوق المعنوية.

كذلك فإن إشباع التعريف بحقوق الإنسان من خلال تشخيص معاني المفاهيم في إطار علم الحقوق والقانون، وكذا مكانة حقوق الإنسان المعنوية كأحد أبرز حقوقه المعنوية، مع نقد وتحليل المدارس المختلفة لفلسفة الحقوق، يمكن أن يحظى بأهمّية كبيرة من الناحية العلمية والتنفيذية، الأمر الذي يحتاج إلى كتابة مقالة أخرى، رغم أننا قد تطرّقنا لهذا الأمر وبحثناه بشكلٍ عشوائي في هذه المقالة.

وتجدر الإشارة إلى أنه، وعلى الرغم من أهمية هذا البحث، لم يتمّ كتابة بحث مستقلّ عن هذا الموضوع. وبشكلٍ عام فإنّ تناول هذا الموضوع في بعض الفتاوى الفقهية، وكذلك في بعض الأبواب القانونية والحقوقية لبعض مدارس فلسفة الحقوق، كان مقتضباً ومجملاً.

1ـ مفردة الحقّ لدى علماء اللغة

ذكرت الكتب اللغوية المختلفة معاني متفاوتة لمفردة الحقّ، والتي يمكن وضعها في مجموعة من التطبيقات، وهي:

أـ التطبيق المصدري: لقد جاءت كلمة الحقّ في اللغة بمعنى الثبوت، والتحقق، والوجوب، واليقين([6]). وقال بعض أهل اللغة بالتفكيك في بعض الموارد، على نحو لو كان الحقّ مصدر فعل الحقّ يحُقّ (بضمّ الحاء) كان بمعنى اليقين، ولو كان مصدر فعل الحقّ يحِقّ (بكسر الحاء) كان بمعنى الثبوت([7]).

ب ـ التطبيق الوصفي: إن الحق بمعنى ما ثبت وتحقق في نفس الأمر والواقع([8]). وكلما ثبت يقيناً وكان مطابقاً للواقع فهو من معاني الاسم المصدري للحق([9]). وعلى ضوء ذلك استخدمت مفردة الحق في الكثير من الكتب اللغوية ضدّ أو نقيض الباطل([10]). وقال الخواجة نصير الدين الطوسي، تعقيباً على كلام الشيخ الرئيس، مشيراً إلى هذا المعنى، ما يلي: «الحقّ‏ هاهنا اسم فاعل في صيغة المصدر، كالعدل، والمراد به ذو الحقيقة…»([11]).

ج ـ التطبيق الاسمي: لا ينفصل المعنى الحقيقي في كتب اللغة عن المعنى المجازي. من هنا جاءت مجموعة من المعاني الاسمية لمفردة الحقّ، ويبدو أنها متفاوتة، من قبيل: الملك والسلطنة والحظّ والنصيب([12])، وهو خلاف الباطل، وما وجب وامتاز عن غيره([13])، والموت([14])، وواجب الوجود، والعدل، والإسلام([15]). ومع الالتفات إلى ما يخصّ وجه المناسبة لبيان هذه المعاني يمكن الوصول إلى النتيجة التالية: إن مجموع هذه المعاني تعود إلى معنى الأمر الثابت والمطابق للواقع، كما ذهب إلى ذلك ابن الأثير في وجه تسمية الذات المقدّسة بالحق، حيث أرجع ذلك إلى ثبوته وتحقّقه، فقال: «الحقُّ: من أسماء الله تعالى… هو الموجودُ حقيقةً، المتحقِّقُ وجودُه وإلهيته»([16]).

وأما في ما يتعلق بالمعنى الحقيقي لمفردة الحق، وعلى ضوء ما تمّ بيانه من معانٍ، فقد اعتقد البعض أن تلك المعاني تعود إلى مفهوم الثبوت والثابت([17])؛ واعتبر البعض الآخر أن معناها الحقيقي والأساسي هو المطابقة مع الواقع([18]). وعند تحليل كلام المعنيين السابقين، والإمعان فيهما، يبدو أن مطابقة الواقع هو لازم للثبوت والتحقق؛ وذلك لأن ما هو مطابق للواقع سيكون ثابتاً وراسخاً لا يتزعزع، مضافاً إلى ذلك فإن بعض المعاني الاسمية تعكس حقيقة مفردة الحق بشكلٍ أكثر، وتشير إليها بنحو أقرب، من قبيل: معنى السلطنة والملك والنصيب والفوز والاختصاص، فهي ناظرةٌ بشكلٍ أقرب إلى معنى الثبات والتحقق، حتّى معنى المطابقة والصحة والمشروعية. من هنا قال بعض أهل اللغة في مقام جمع كلا النظرين ما يلي: «وإنّ الأصل الواحد في هذه المادّة هو الثبوت مع المطابقيّة للواقع، فهذا القيد مأخوذٌ في مفهومها في جميع المصاديق»([19]).

ومضافاً إلى ذلك فإن أبرز الفقهاء، وعلى الرغم من اختلاف نظرهم في المعنى الاصطلاحي لمفردة الحق، قد اتفقوا بشكلٍ عامّ على معناه اللغوي، وهو الثبوت والتحقق([20]). وفي هذا الصدد يقول السيد الخوئي، تَبَعاً لما ذكره أستاذه المحقق الإصفهاني، ما يلي: «إن لفظ (الحقّ) في اللغة بمعنى الثبوت. ولذا يصحّ إطلاقه على كل أمر متقرّر في وعائه المناسب له، سواء أكان تقرراً تكوينياً أم اعتبارياً. وهو بهذا المعنى قد استعمل في عدّة موارد من الكتاب العزيز»([21]).

وذكر الغروي الإصفهاني أيضاً في وجه تسمية الباري تعالى بالحقّ، الذي يُعَدّ من أسمائه الحسنى: إن الثبوت في الحقّ تعالى أسمى درجات الثبوت الممكنة، وأضاف: بحَسَب التعبير الفسلفي إن هذا المعنى لا يختلط مع العدم إطلاقاً([22]).

2ـ مفرد الحقّ لدى فقهاء الإمامية

في البداية ينبغي الإشارة إلى أن المعاني الوفيرة لمفردة الحقّ تشير لدى فقهاء الإمامية في الواقع إلى دائرة الحقوق الشرعية للإنسان، أي إن جملة الحقوق التي تحتوي على ملامح الحقّ في الاصطلاح الفقهي، من حيث قابليته للإسقاط والنقل والانتقال، والتي تتضمّن ضمان الإجراء الشرعي في إطار أحد الأحكام الوضعية أو التكليفية حتّى يلتزم الآخرون برعاية ذلك، ولكنْ ما تجدر الإشارة إليه هنا هو أن الفقهاء اختلفوا فيما بينهم في تحديد خصائص ومزايا الحق الشرعي. من هنا نشاهد بعضهم، كالسيد الحكيم& في نهج الفقاهة، والسيد اليزدي في حاشية المكاسب، مثلاً، اعتبرا أن من أهم خصائص الحق وملامحه، عند مقارنتها بسائر الاختيارات الشرعية، كالحكم التكليفي بالإباحة أو الحكم الوضعي الترخيصي أو التنزيهي، هي قبوله للإسقاط على يد ذي الحقّ باختيار هو بملء إرادته، «مع أن الحق من أحكامه السقوط بالإسقاط للقاعدة المقرّرة بين العقلاء من أن لكلّ ذي حقٍّ إسقاط حقه، كما ذكر المصنف& في مسقطات خيار المجلس، وليس كذلك الحكم، فإن سقوطه إنما يكون بإسقاط الجاعل له، ولا يكون بإسقاط المحكوم عليه ضرورةً»([23]).

وفي هذا السياق جاء في التعليقات الفقهية لبعضهم على كتاب المكاسب: إن للحق سلطنتين: إحداهما: السلطنة على الشيء؛ والثانية: السلطنة على تلك السلطنة. أما من حيث الحكم فهنا سلطنةٌ واحدة، وتلك السلطنة هي السلطنة المتعلِّقة بنفس العمل([24]). في حين ذهب البعض ممَّنْ خالف في وجود هذه الخصائص والمزايا للحقوق إلى أن الحق لم يكن اصطلاحاً شرعياً أساساً، واستعماله في الفقه إنما هو بمعناه اللغوي بمعنى الثبوت والثابت. من هنا فقد جعلوا مفهوم الحقّ قابلاً للسريان في جميع الأحكام التكليفية والوضعية، من دون الالتفات إلى ملاك قابلية الإسقاط في الحق، على اعتبار أن جميع اعتبارات الشارع له كانت على نحو الثبوت والتحقق، غاية ما في الأمر أنهم اعتبروا أن هذا الحق قابلٌ للإسقاط في الأحكام الوضعية والترخيصية أيضاً، وليس ملاك القابلية للإسقاط هذه إلاّ لأجل كثرة استعمال الحق في مثل هذه الأحكام، ولا يعود لملاكٍ يميز الحقّ عن الحكم واقعاً([25]).

وذهب السيد بحر العلوم إلى أن الحقوق تنقسم إلى قسمين: حقوق قابلة للإسقاط؛ وحقوق ليست كذلك. وعليه تكون لفظة الحق شاملة لموارد تقبل الإسقاط وأخرى غير قابلة له. وفي تبرير هذا التقسيم ذكر «أن الموجب للحق إمّا أن يكون علة تامة، فيستحيل انفكاكه عنه بسقوطٍ أو انتقال؛ لاستحالة تخلف المعلول عن علّته التامة، كولاية الآباء والأقارب، والحاكم ومنصوبه. وانعزال المنصوب بالعزل إخراجٌ له عن الموضوع، لا إسقاط للحقّ مع بقاء منشأ انتزاعه؛ وإما أن يكون من قبيل: المقتضي، فيمكن فيه التخلف بحَسَب ما يوجبه من السقوط أو النقل أو الانتقال، إلا إذا كان المنع عنه من جهة قصور في كيفيته بحَسَب الجعل، كأنْ يكون الحق متقوّماً بشخص خاص أو عنوان خاص، كحقّ التولية في الوقف إلى المتولّي الخاص أو الحاكم، فلا يجوز العدول إلى غير المجعول له بجعل الواقف من الشخص أو أفراد عنوان آخر، وكذا حق الوصاية المجعول من الموصي لشخصٍ خاصّ من حيث هو هو، أو كان مختصاً له بالشرط، كحقّ الخيار المجعول لصاحبه بشرط مباشرته للفسخ بنفسه، فإن أمثال هذه الحقوق إنما هي متقومة بذوات مخصوصة أو عناوين خاصة، فلا تنتقل إلى غيرها؛ لعدم التقوُّم إلاّ بها، وإن جاز إسقاطها؛ لعدم كون الموجب لها من العلة التامة»([26]).

ومضافاً إلى ذلك ذهب المحقّق اليزدي والمحقّق النائيني إلى تفسيرٍ آخر لمعنى الحق، فهما يعتقدان أن هناك معنيين آخرين لمفردة الحق:

الأوّل: إن الحق يطلق على عنوان عام، وهذا العنوان يشمل الحكم والعين والمنفعة والحقّ بمعناه الخاص. ومن وجهة نظرهما فإن إطلاق لفظ الحق على حكم الإباحة والأحكام الترخيصية هو إطلاق شائع.

الثاني: يطلق الحق بمعناه الخاص في مقابل هذه المفاهيم الثلاثة (الحكم والعين والمنفعة)([27]).

وجاء هذا الرأي لكلا العَلَمين في إطار توجيه آخر للآثار الشرعية للحق وخصائصه وملامحه المميزة له، من قبيل: النقل، ووقوعه ثمناً للمثمن في المبايعات المطروحة؛ لأن الشيخ الأنصاري في جانب من قسم البيع وفي مبحث شروط العوضين تعرّض بعد ذلك إلى طبيعة حكم العين والمنفعة فيما لو كانت ثمناً أو مثمناً، فقال في المورد المتعلق بالحقّ فيما لو كان بمعناه الخاصّ ثمناً ما يلي: «أمّا الحقوق الأُخَر فإنْ لم يقبل المعاوضة»([28]). وهذه العبارة دعت شرّاح المكاسب والباحثين في مسائلها إلى توجيه كلام الشيخ، ليقولوا: إن قيد الأُخَر هنا يعني العين والمنفعة، إذ تدخل في المعنى العام للحق، وبهذا القيد بحث المصنِّف معنى الحقّ الخاص بشكلٍ مستقلّ.

ولكنْ يبدو أن هذا التوجيه، كما أشار إلى ذلك بعض الفقهاء، غير صحيح؛ لان قيد الأُخَر جاء في بعض النسخ فقط، وهناك احتمالٌ قويّ أنه حصل جراء التصحيف في النسخ واستنساخها. مضافاً إلى أن وضع العين والمنفعة كجزءٍ من الحقوق بالمعنى الأعمّ غير صحيح أيضاً؛ لأن كلَيْهما لم يكن حقّاً، بل هما متعلقان للحق([29]).

واعتقد صاحب جامع المدارك، حينما انتقد ما ذكره المحقق النائيني، عدم صحة ما يقال من أن الحق بمعناه العام له عنوان شامل للمجعولات الشرعية، من قبيل: الحكم والعين، في مقابل الحق بمعناه الأخصّ؛ لأنه مما هو مفروغ عنه أن العين والمنفعة ليستا من المجعولات الشرعية، بل من متعلّقات الحكم الشرعي([30]).

وتجدر الإشارة إلى أن تحديد مفهوم الحق الشرعي ونطاق مصاديقه فيه رؤية ونظرة خاصة، والتي غالباً ما تنسب للسيد الخوئي&، الذي يرى عدم وجود الفرق، وتجريد ذلك من أيّ تفاوت ماهوي بين الحق والأحكام الشرعية، وهو يعتقد بعدم جعل اصطلاح شرعي خاصّ لمفردة الحقّ، فقال: «إن المجعولات الشرعية على ستة أقسام:

1ـ التكليفي الإلزامي، كالواجبات والمحرمات.

2ـ التكليفي غير الإلزامي، كالمستحبات والمكروهات والمباحات.

3ـ الوضعي اللزومي الذي يقبل الانفساخ، كالبيع والإجارة والصلح ونحوها، فإنها وإنْ كانت لازمة في نفسها، ولكنها تنفسخ بالإقالة ونحوها.

4ـ الوضعي اللزومي الذي لا يقبل الانفساخ، كالزواج، فإنه لا ينفسخ إلاّ في موارد خاصّة.

5ـ الوضعي الترخيصي الذي يقبل الإسقاط، كحقّ الشفعة وحقّ الخيار، فلصاحب الحقّ أن يرفع يده عن حقّه ويسقطه.

6ـ الوضعي الترخيصي الذي لا يقبل الإسقاط، كالجواز في الهبة، فإنه حكمٌ مجعول للشارع، ولا يرتفع بالإسقاط.

وهذه الأمور الاعتبارية وإنْ اختلفت من حيث الآثار اختلافاً واضحاً، ولكنها تشترك في أن قوامها بالاعتبار المحض، إذن فلا وجه لتقسيم المجعول الشرعي أو العقلائي إلى الحق والحكم؛ لكي نحتاج إلى بيان الفارق بينهما، بل كلّها حكم شرعي، أو عقلائي قد اعتُبر لمصالح خاصّة، بناء على مسلك العدلية من تبعية الأحكام للملاكات الواقعية. نعم، تختلف هذه الأحكام في الأثر ـ كما أشرنا إلى ذلك قريباً ـ اختلافاً ظاهراً؛ فبعضها يقبل الإسقاط؛ وبعضها لا يقبله. والسر في هذا الاختلاف هو أن زمام تلك الأمور بيد الشارع حدوثاً وبقاءً، فقد يحكم ببقائها، كما كان قد حكم بحدوثها، وقد يحكم بارتفاعها، ولو كان ذلك باختيار أحد المتعاملين أو كلَيْهما. نعم، المتَّبع في ذلك ـ في مقام الإثبات ـ هو الأدلة الشرعية.

وعلى الجملة: إن الجواز واللزوم الوضعيين كالجواز واللزوم التكليفيين، فإن جميعها من الأحكام الشرعية، ولا تفاوت في ماهيتها وذواتها، وإنْ اختلفت آثارها. فاعطف نظرك، هل ترى فارقاً بين جواز قتل المشرك ـ الذي يسمّى حكماً شرعياً ـ وبين سلطنة وليّ الدم على قتل القاتل الذي يسمّى حقاً شرعياً؛ لقبوله الإسقاط؟! ثم أرجع البصر كرتين، هل ترى فارقاً بين حق الحضانة والأبوة والولاية وأشباهها ممّا لا يقبل الإسقاط وبين حقّ الشفعة وحقّ الخيار القابلين للإسقاط. فافهم واغتنم»([31]).

ورؤية سماحته هذه بنفسها قابلةٌ للتأمّل. فعلى ضوء ما ذكره من نظر يكون الحقّ أحد المجعولات الشرعية، وليس هو اصطلاحاً خاصاً إلى جانب الحكم. ولو سلمنا بذلك سوف يكون معنى ملاك قابلية الإسقاط في تقسيم الحقوق على نحو تكون بعض حقوق الإنسان الشرعية قابلةً للإسقاط وبعضها الآخر ليس كذلك، مضافاً إلى ذلك فإن الحقوق الذاتية والطبيعية للإنسان، التي تُعَدّ حقوقاً عامة وكلية، من جملة مصاديق الحق المعنوي ـ الذي سيأتي تعريفه لاحقاً إنْ شاء الله ـ، كحقّ الحياة وحق الأمن وحق التعليم والتعلم وحقّ الكرامة وحقّ الزواج ونحو ذلك، التي تقوم على الأحكام التكوينية والأحكام العقلية، فهي على الرغم من عدم قبولها للإسقاط في الكثير من الموارد، وهي قابلةٌ للإسقاط بشكلٍ جزئي فقط، ولكنْ مع الالتفات إلى أن من جملة الاعتبارات الشرعية، والتي أيدها ودعمها العقل، إلى جانب الشرع، توضع ضمن مصاديق الحق الشرعي في إطار هذا المعنى.

ولكنْ ينبغي أن لا يتمّ غضّ الطرف عن أن الحق لو لاحظناه على ضوء ما ذكره الإمام الخميني بعنوانه مفهوماً عرفياً وارتكازاً عقلائياً فإن ملاك قابليته للإسقاط وعدم الإلزام والإكراه على ما يتعلق به مبنيّ على كونه اعتباراً مستقلاًّ في الحقوق مقارنة بالأحكام. وفي هذا الصدد يقول الشيخ جوادي الآملي، في بيان أن هناك تعارضاً بين عدم جواز الإسقاط في الحقوق مع إعمال الحق لصاحب الحق، فيقول: «يمكن لصاحب الحق، بالإضافة إلى قدرته على تركه والتصرف به وتسلطه عليه، يمكنه إسقاط ذلك الحقّ أيضاً»([32]). وكذا ما ذكره الإمام الخميني&، من أن الحق من دون وجود الأثر، وهو قابليته للإسقاط، ليس حقّاً (أي إنه عديم الأثر الشرعي، وخالٍ من المزايا الخاصة بالحقّ الشرعي)([33]). وبعبارته في بحث تقسيم الحقوق على أساس قابليته للإسقاط: إن الحقوق منها قابلة للإسقاط؛ ومنها غير قابلة له. وفي أصل الحق تردد. فقد تردد في الحقوق غير القابلة للإسقاط([34]). وذهب الميرزا النائيني إلى أن جميع أقسام الحق قابلةٌ للإسقاط، وما هو غير قابل لذلك ما كان من قبيل: الأبوة وولاية الحاكم وحقّ الاستمتاع في النكاح، التي لا تُعَدّ حقوقاً أساساً، ويجب أن تكون ضمن سائر الصلاحيات الشرعية ذات أحكام خاصة([35]).

وفي النهاية، وبعد تتبُّع كلمات الفقهاء الشيعة، يمكن وضع جملة الآراء التي ذكرت حول المعاني العديدة للحق الشرعي، وخصائصه، وتحديد مصاديقه، في عدد من الرؤى، ونظمها في أقوال أساسية. وبعد بحث ودراسة وتحليل ونقد كلّ رؤية يمكن أن تعود إلى جملة من الاختلافات والتشابهات بين الحق الشرعي والملكية والأحكام الترخيصية والجواز في العقود وحكم الإباحة التكليفي. ويتّضح أن جميعها لو جعلت إلى جانب الحقّ فإنها لا تعني سوى السلطنات والصلاحيات الشرعية المجعولة.

وعلى هذا الأساس، وفي ضوء ديمومة البحث في رؤى الفقهاء، وفي خطوة جديدة في رسم سياق هذا البحث، نتناول ذلك في خمس نظريات؛ للحصول على مزايا وخصائص مميِّزة للحقّ، ومن ثم مقارنتها مع أنواع الحقوق المعنوية، ومن ثم بيان أحكام هذه الخصائص:

أـ إن الحقّ هو نفسه الحقّ والسلطنة

فقد ذهب مشهور الفقهاء الإمامية إلى أن الحق بمعنى القدرة على التصرُّف والسلطنة على الفعل، أعمّ من تعلُّقه بالعين أو العقد أو الشخص أو غير ذلك، إلاّ أن البعض أضاف قيد الفعلية، واعتبر أن الحق هو السلطنة الفعلية([36])، لتكون السلطنة بهذا المعنى مقابلة للملك([37]).

وقد وردت على هذا التعريف جملةٌ من الانتقادات:

 1ـ إنه في الموارد التي يكون فيها الحقّ غير قابل للإسقاط لا يمكن أن يكون الحق بمعنى السلطنة([38]).

 2ـ لو كان الحق هو السلطنة سوف لن يكون مَنْْ فقد السلطة من الأفراد ـ أعمّ من الصغير والمجنون والغائب ومفقود الأثر ومَنْْ فقد الوعي والإرادة والحرّية والاستقلال ـ محقّاً، في حين أن الأمر ليس كذلك.

 3ـ إن السلطنة من أحكام ومقتضيات العقد، وليست نفسه([39]).

 4ـ إن الحق هو السلطنة على الفعل، وليس على الأعمّ منه، كالعين والعقد والشخص، من هنا فإن حق الولاية هي التسلُّط على أموال المولّى عليه، وليس شخصه. وكذا حقّ التحجير، فهو وإنْ كان يعني السلطنة على العين بحَسَب الظاهر، ولكن يمكن إرجاع هذه السلطنة إلى الفعل أيضاً([40]).

 5ـ صحيح أن الحق سلطنة، ولكنّها نوعٌ من السلطنة الاعتبارية، وليست السلطنة التكليفية؛ لأن الأخيرة تشمل موارد جواز الفسخ وإمضاء العقود، ولا تشمل حقوق المحجورين (مع وجود عدم السلطة والجواز التكليفي في موارد الحقّ الشرعي)([41])، وذكر في بيان ماهية هذه السلطنة الاعتبارية ما يلي: «والمراد بالسلطنة الاعتبارية اعتبارها كاعتبار الملك في مورده، لا السلطنة الانتزاعية؛ لما يرد عليه ما أوردنا على انتزاعية الملك الشرعي أو العرفي حرفاً بحرفٍ»([42]).

ب ـ إن المقصود من الحقّ هنا هو الحقّ والملكية

ويتّخذ هذا المعنى شكلين:

الأوّل: ما اعتبره البعض من أنه نوعٌ من الملك([43])، الذي يكون في مقابل العين والدَّيْن والمنفعة([44])؛ فيقولون مالكية الدين ومالكية العين ومالكية المنفعة ومالكية الحقّ.

الثاني: وافترض البعض المالكية على مراتب ودرجات، واعتبر الحقّ ملكية ضعيفة أو ملكية ناقصة من مراتب المالكية تلك، في مقابل نوع آخر من الملك، وهو الملك الذي يساوي السلطنة القوية([45]). وبحَسَب تصريح بعض الفقهاء فإن الكثير من الأمور العرفية والشرعية يكون وجود الملكية فيها اعتباريّاً، وليس وجوداً حقيقيّاً وخارجياً([46]).

وتَرِدُ بعض الإشكالات على هذين التعريفين، منها:

 1ـ لا معنى لتضادّ الحقّ مع العين والمنفعة في التعريف الأول؛ لأن العين والمنفعة متعلّقان للاعتبارات الشرعية، وأما نفس الحقّ فهو اعتبار شرعي([47]).

 2ـ لو كنّا قد اعتبرنا السلطنة في الحقّ هي نفسها الملك في موارد من قبيل: حق القصاص وحق القسم ونحو ذلك كان إطلاق السلطنة صحيحاً، ولكنْ لا يصحّ إطلاق الملكية، أو يكون الملك صادقاً في بعض الموارد، إلاّ أن الحق لا معنى له فيها، مثل: المالكية على الشيء المفقود، وكذا ما هو خارجٌ عن متناول اليد([48]).

 3ـ إن متعلَّق الحقّ هو الفعل، وأمّا الملكية فهي تقع على العين والمنفعة أيضاً([49]).

 4ـ لو اعتبرنا الحقّ أحد مراتب الملك يجب أن نقبل أن تكون السلطة الحاكمة على عنوان الحق هي سلطة ضعيفة، وسلطنة المحجور والسفيه الحاكمة على عنوان الملك هي سلطة قوية، في حين أن السفيه والمحجور لا يمكنه القيام بأيّ تصرف.

ج ـ إن معنى الحقّ هنا هو الاختصاص

على ضوء إحدى الرؤى التي اهتمت بموضوع الحق فإن هذه المفردة تعني نوعاً من أنواع الاختصاص، وضرورة وجود ذلك نابعٌ من إدراك ما يلي: إن المشاركة في ما ينتفع به مَنْ قُصِد اختصاصه بالحقّ ممنوعةٌ، ومعنى الاختصاص بلحاظ مالي هو بمعنى الملك، وبغيره بمعنى الحق([50])، وأما ما يمتاز به عن غيره الذي يُعَدّ أحد المعاني اللغوية للحق فهو مشتقٌّ من الميزة، والتي تعني الخصوصية والخصلة والمزية، فهي قريبةٌ من مفهوم الاختصاص بهذا المعنى.

د ـ هو نفسه الحقّ والحكم الشرعي

وقد طرح هذا المعنى في إطار أربعة مصاديق متفاوتة لبيان مفردة الحقّ، وهي على صور:

الصورة الأولى: إن الحق هو عنوان خاص من الأحكام الوضعية (مشترك معنوي)، وعليه يكون الحق على ضوء هذا التعريف هو ماهية مستقلّة اعتبارية عقلائية أو شرعية، تختلف عن اعتبار الملكية والسلطنة، ويصبح معنى الحق في جميع موارده ومصاديقه بمعنىً واحد (مشترك معنوي)، وما هو محطّ الاختلاف والتفاوت هو متعلق الحق. وقد انفرد الإمام الخميني& بهذا المعنى والتعريف لمفردة الحق([51]).

وبحَسَب هذا الطرح، وحين الالتفات إلى مصاديق الحقّ، التي ليست جزءاً من مصاديق الملك، كحقّ السبق مثلاً، يكون الحقّ ماهية اعتبارية تختلف عن ماهية الملك، وليست السلطة عنصراً ذاتياً فيه أيضاً([52]).

الصورة الثانية: الحقّ بمعنى الحكم الوضعي الترخيصي الذي يقبل التنازل والإسقاط. فقد لاحظ البعض ما يتميز به الحكم الوضعي في مقابل الخطابات التكليفية، وبذلك اعتبر أن الحقّ نوعٌ من الحكم الوضعي الترخيصي([53]).

ومن خلال طرح جملة من المباحث من قبيل: لزوم وجواز العقد والحقّ، وملاك تشخيص الحقّ وتمييزه عن سائر الأحكام الوضعية الترخيصية، يمكن معرفة قابليته للإسقاط([54]). مضافاً إلى ذلك فإن البعض اعتبر، وعلى ضوء الرأي القائل: إن الحكم الوضعي منتزع من الحكم التكليفي، أنّ الحقّ بهذا المعنى لا يُعَدّ اعتباراً شرعياً مستقلاًّ، واعتقدوا أنه أمر انتزاعي([55]).

وفي صدد نقد هذا التعريف قالوا: إن حيثية جواز الحكم الوضعي والحق متفاوتان، فإن الترخيص في الحكم الوضعي لا يوجد أي مزية أو خصوصية للفرد المكلف، ولكنّ الحقوق إنما جعلت أساساً بهدف حفظ المنافع الخاصة أو الارتقاء بإرادة الأفراد، وبمعية المزية المتعلقة بذي الحق وجواز الحق وقبوله للإسقاط يعود أيضاً إلى هذا الباب([56])، وقد عبَّر بعض الفقهاء عن هذه الخصوصية في الحقوق بـ «نحو من الأولوية»([57]).

ولكنْ يبدو أن هذا الإشكال غير وارد؛ لأنه يمكن القول: إن الأحكام الوضعية الترخيصية يمكن أن تكون على نحوين:

النحو الأوّل: أن تكون مجعولة للمصلحة العامة على نحوٍ يؤخذ فيها سلطنتان للمكلَّف: إحداهما على نفس العمل؛ والأخرى على سلطنته على السلطنة، لذا يمكن لصاحب الحق أن يسلب حقّه من نفسه.

والنحو الآخر: أن يكون لنفس الجعل والإيجاد دورٌ في وجود المصلحة، وهو من الأهمية بمكانٍ، بحيث إن إرادة الأفراد في السلطنة غير مؤثّرة في وجود أو عدم وجود ذلك الدور.

الصورة الثالثة: أن يكون الحق مرادفاً للأحكام الوضعية والتكليفية الترخيصية. فقد ذهب البعض إلى هذا المبنى، وهو عدم وجود تفاوت ماهوي بين الجواز الوضعي والجواز التكليفي ـ وكلاهما اعتباريان، ويكون الفعل والترك باختيار المكلف وإرادته، رغم اختلافهما في الآثار والنتائج. وعلى ضوء ذلك يكون الحقّ شاملاً للأحكام الوضعية الترخصية والأحكام الترخيصية التكليفية([58]).

وعلى هذا الأساس اعتقدوا أن فروع الحق وتقسيماته تشمل الحقوق غير القابلة للإسقاط أيضاً([59])، وأما ما يتعلق بالاعتراض على هذا البيان فإن الذين قالوا بقبول الحق للإسقاط ذهبوا إلى أن ماهية الاعتبار في الأحكام التكليفية تختلف عن الأحكام الوضعية([60])، وقالوا: إن عدم القول بقبول الحق للإسقاط يتعارض مع فرض السلطنة في استخدام الحقّ والتصرُّف به، وبذلك بيَّنوا أنّ «لكل ذي حقٍّ أن يسقط حقّه»([61]).

الصورة الرابعة: الحقّ المرادف لجميع الأحكام العقلية والشرعية. اعتقد طيفٌ آخر من الفقهاء عدم وجود الفرق بين الحق وكلٍّ من الأحكام الشرعية، ولا يوجد أي اختلاف ماهوي، ولا فصل بين الحق والحكم، وفي النهاية أنكروا وجود اصطلاح شرعي يميِّز الحقّ عن غيره، وعليه فإن الشارع قد وضع الجميع لتكون مجعولات شرعية، سواء كانت تكاليف إلزامية أم غيرها، أو مجعولات وضعية، سواء كانت لزومية أم ترخيصية، قابلة للفسخ أم لا، وسواء قبلت الإسقاط أم لا، وسواء كانت تلك الأحكام شرعية أم عقلية. غاية ما في الأمر أن تفاوتها واختلافها يعود إلى التفاوت في الآثار والنتائج الناشئة من طبيعة الجعل والاعتبار الشرعي المستند إلى المصالح وملاكات الأحكام الواقعية. ومن هنا لا فرق أو اختلاف ماهوياً بين حقّ الحضانة وحق الولاية، وحق الخيار وحق ولي الدم على القصاص، بل إنها كلها تعود إلى لحاظ حكم شرعي، وتصدر من جهة حقّ واحدة، مع أنه يمكن إطلاق اصطلاح معين على عددٍ من الأحكام، كأن يطلق على أحكام قابلة للإسقاط مفردة الحق([62]).

3ـ جمع كلّ التعاريف التي تعرّض لها فقهاء الإمامية، وبيان التعريف المختار

في ما يتعلق بما ذكر من التعاريف والبيانات لمفردة الحق أو الحكم الشرعي تجدر الإشارة إلى أن كلاًّ من الصورة الأولى والثانية كانت تتعلق ببيان مفردة الحق كمصداقٍ للحكم، وهو هنا الحكم الوضعي، في مقابل النوع الآخر من الأحكام، وهو الحكم التكليفي؛ أما الصورة الثالثة والرابعة فكان الحقّ فيهما عنواناً للحكم التكليفي. والبعض قال بتفكيك هذا المبنى لتعريف الحقّ، بتقريب أن الحكم بمعناه العامّ شامل للحق أيضاً؛ لأن الحقّ حكمٌ وضعي، ولكنْ أحياناً يطلق الحقّ على حكم الشارع (الحكم التكليفي) أيضاً، وعليه يكون في مقابل الحقّ بمعناه الخاص([63]).

وعلى ضوء ما ذكروه من عبائر فإنهم يعتقدون أن مفهوم الحق في الاصطلاح الفقهي هو نفسه الحق بالمعنى الخاص.

ويبدو أنه نظر صحيح؛ لماذا؟ لأنه في الوقت الذي يكون معنى الحق هو المعنى اللغوي، ومرادفاً لكل ما وضعه الشارع، واستعمل في جميع ما استخدمه من أحكام، فلا شَكَّ أنّه يستعمل في أعمّ من الحكم التكليفي والوضعي([64]). وكذلك في الوقت الذي يكون لفظ الحق مشتركاً لفظياً ومفهوماً اعتبارياً مستقلاًّ يلتقي بالمعنى في مصاديقه بجملة من المعاني، فعلى ضوء ما يرى الفقهاء يمكن أن يكون حكماً وضعياً أو تكليفياً أو مصدراً آخر للانتزاع([65]).

ومن هنا في الموارد التي يكون الحق إحدى المشتركات المعنوية تتّحد معانيه بمفهوم واحد (حكم وضعي، مقابل الملكية التي لا تكون السلطنة أحد عناصرها الذاتية([66])، أو يكون مرادفاً لها، أو من مراتبها (حكم وضعي لازم قابل للفسخ)([67])، أو كان معناه مرادفاً للسلطنة (حكم وضعي ترخيصي قابل للإسقاط، والتي تكون السلطنة فيه من العناصر الذاتية)([68])، ففي مثل هذه الموارد يكون الحقّ عنواناً للحكم للوضعي، في مقابل الحكم التكليفي، ويستعمل بمعناه الفقهي الخاص. وفي هذه الحالة، وبما أنه يستعمل مقابل الحكم التكليفي، أمكن البحث في شبهه بالحكم التكليفي، واختلافه عنه.

وفي بيان نقاط المماثلة والمشابهة يمكن القول:

 1ـ إن كليهما حكمٌ شرعي اعتباري متعلِّقٌ بأفعال المكلَّفين.

 2ـ يبدو عدم وجود تفاوت واختلاف ماهوي بين لزوم وجواز الحكم الوضعي والتكليفي، رغم وجود التفاوت بينهما في بعض الموارد، من قبيل: وجود الاستعداد فيهما للإسقاط. مثلاً: عدم وجود التفاوت بين جواز قتل المشرك (حكم الإباحة التكليفي) مع سلطان وليّ الدم وبين قتل الجاني (الحكم الوضعي الترخيصي) من جهة اختيار المكلَّف وعدم إلزامه؛ أو بين لزوم البيع (حكم وضعي لازم قابل للفسخ) ووجوب النفقة (الحكم التكليف اللازم) من جهة عدم التفاوت بينهما في الالتزام به.

3ـ إن العلاقة المتينة بين الأحكام الوضعية والتكليفية عادةً ما تتجلى فيها معيّة كل حكم وضعي لحكمٍ تكليفي واحد أو أكثر أيضاً (كالزوجية، المرافق لإباحة الاستمتاع ووجوب النفقة و…)([69]). ونفس هذا المعنى يصدق في مورد الحقّ، وفي مقابل الحقّ يكون التكليف أيضاً، الأمر الذي يعني عدم المانع والتمكين في مقابل التصرف بالحق.

ومصدر التفاوت هنا يتعلَّق بطبيعة اعتبار اللزوم وسنخ الجواز في الأحكام الوضعية والتكليفية، والتي من آثارها قابلية الحقوق للإسقاط والفسخ. وفي هذا السياق يقول المحقّق الإصفهاني: «التحقيق أنّ سنخ الأحكام التكليفية مع سنخ الاعتبارات الوضعية متفاوتان، فإنّ البعث والزجر، سواء كانا منبعثين عن مصلحة ومفسدة ملزمة أو غير ملزمة، يكونان مقدّمة لتحقّق الفعل أو عدم تحقّقه، فما لم يتحقق مقتضاهما لا يعقل سقوطهما إلاّ بفوات موضوعهما، فليس للشارع أيضاً إسقاطهما.

ولذا قلنا بأنّ النسخ الحقيقي قبل حضور وقت العمل غير معقول؛ لأنّ المفروض إنْ كان اشتمال الفعل في وقته على مصلحة باعثة على البعث فلماذا رفع البعث؟! وإنْ لم يكن كذلك فلماذا جعله؟! مع أنّ البعث إلى الفعل في وقتٍ؛ لجعل الداعي إليه في ظرفه، مع رفعه في ظرفه، متنافيان، فهذا سنخ حكم يترقّب منه الفعل أو الترك، فلا يسقط إلاّ بالفعل أو الترك، وليس هذا الملاك متحققاً في اعتبار الملكية أو الحقية، فهو طبعاً لا يأبى عن الرفع، غاية الأمر أنّ ثبوته كما كان بالتسبُّب إليه بما جعله الشارع سبباً لوضع اعتباره، كذلك لا بُدَّ في سقوطه من التسبُّب إليه بما جعله الشارع سبباً لرفع اعتباره. ولذا قلنا بأنّ الإعراض عن الملك لا يوجب سقوط الملكية أو سقوط المملوك عن الملكية، فإنّ السقوط، كالثبوت، يحتاج إلى سببٍ جعليّ…([70]).

كذلك فإن الحقّ، وعلى خلاف الحكم التكليفي، يمتاز بكونه حكماً وضعياً غير مشروط بشروط التكليف أو القدرة والتمكن([71]). وعند الالتفات إلى جملة التعاريف المتقدّمة، والمناقشات التي دارت حولها، والانتقادات التي وجهت لكلّ قراءة أو رؤية فيها، وبعد جمع وسبر نتائج تلك الآراء، يمكن الوصول إلى ما يلي: إن مفردة الحقّ لدى فقهاء الإمامية تعني ما يلي: «إن الحق جزء من الخصوصيات والمزايا الاعتبارية ضمن الأحكام الوضعية الترخيصية المرافقة للسلطنة والنفع، القابلين للإسقاط»([72]). وهذا هو التعريف المختار.

وهذا التعريف قريبٌ من تعريف المشهور للحقّ، الذي عبّر عنه بالسلطنة، وهو مطابق للرؤية القائلة: إن الحق هو حالة اعتبارية ترادف الأحكام الوضعية الترخيصية القابلة للإسقاط.

4ـ دور الحقّ المعنوي في صياغة التعريف المختار للحقّ في الفقه الإمامي

أـ التعريف المعنوي للحقّ

رغم أن عبارة الحق المعنوي تبدو سهلةً إلى حدٍّ بعيد، بعد وردودها في اللغات والأدب الفقهي والقانوني المعاصر، ولكنْ حتّى الآن لم تبين بشكلها الصحيح. وبشكلٍ عام يتمّ التعبير عن هذا الحقّ وإبداء الرأي فيه بعد الالتفات إلى المرتكزات العقلائية في ما يتعلق بمصاديقه. فقد دار البحث لدى بعض فقهاء أهل السنة حول أن هذا الحق هل هو قسم من الحق العيني أو قسيم له؟ واختلفوا إزاء ذلك، وقد أشير إلى هذا الخلاف في كتاب «الوسيط في شرح القانون المدني» وبعض الكتب الأخرى([73]). وعند الالتفات إلى أن ما هو موجود في الأقسام الحقوقية هو أن الحق العيني يقابل الحق الديني، فلو كان الحق المعنوي من أقسام الحق العيني وجب أن يكون الحق المعنوي حقاً مالياً تبعياً ومقيداً بمنافع العين ومصالحها (المنافع والمزايا غير التابعة وغير المالية غير داخلة في هذه المعادلة). كذلك فإن متعلق الحق العيني مادي هنا، في حين اعتبر البعض ضرورة أن يكون متعلق الحق المعنوي اعتبارياً غير مادي([74]). ولو اعتبرنا أن الحق المعنوي قسيم للحق العيني فستخرج الكثير من الحقوق المعنوية وغير المالية عن هذه الدائرة، وكذلك لا تُعَدّ الكثير من الحقوق الدينية جزءاً من الحقوق المعنوية، في حين لم يقُلْ أحدٌ بذلك، وإن الفقهاء القائلين بأن الحق المعنوي هو نوعٌ من أنواع الحق المالي يعتبرونه قسيماً للحق العيني والديني، وهو قسم ثالث من الحقوق، إلى جانب القسمين المتقدّمين، ولا يعتبرون الحق المعنوي مقابلاً للحق العيني([75]). لذلك يبدو أن جعل الحق المعنوي قسماً من أقسام الحق العيني لا يخلو من إشكال.

وأحياناً يعتبر بعض المحقّقين أن متعلق الحقّ المعنوي لا بُدَّ أن يكون اعتبارياً غير مادي، من هنا فهو قسيم للحقّ المادي([76]). وبعبارةٍ أخرى: إنه على ضوء ما ذُكر يكون الحق العيني والديني أحد أقسام الحق المالي المرادف للحقوق المادية، ويكون الحق المعنوي قسيماً لهما، فيطرح بعنوانه حقاً غير مادي وغير مالي. وتجدر الإشارة إلى أن تقسيم الحق إلى: مالي وديني وعيني هو تقسيم متَّبع في كلّ الأنظمة الحقوقية والقانونية، تبعاً للقوانين والأنظمة الغربية وبعض دول الشرق([77]).

وذهب بعض الباحثين أيضاً إلى أن الحق المعنوي مفهومٌ ذهني ومعطىً عقلي يرادف الحقّ الفكري. وفي بعض الموارد يكون الحق المعنوي هو الحقّ الأخلاقي، وعلى ضوء الآراء المختلفة في باب المفهوم الأخلاقي، التي تعرضت لها المذاهب الفلسفية والقانونية عند تناول هذا المفهوم ومصاديق الحقّ المعنوية المتعلقة بهذا المعنى([78]). فقد جاء في بعض توضيحات الحقّ المعنوي أن معناه هو ما يقارب مفهوم الحقوق المتعلقة بالمحافظة على الشخصية وصيانة الذات، جاء ذلك تحت عنوان جملة من الحقوق التي تصون الأبعاد المختلفة لشخصية وذات الإنسان منذ مطلع حياته، ويطلق على هذه الحقوق عندما تكون متعلقة بالحكومة وواجبات الدولة إزاء الأفراد (حقوق الإنسان)، وعندما تكون متعقلة بالنزعات والميول النفسية الخاصة بين الأفراد يطلق عليها (الحقوق الفردية)([79]).

ويبدو أن هذا التعريف أكثر شمولاً قياساً بسائر التعاريف الأخرى، فيلاحظ أن الحق المعنوي بهذا المعنى أعم من الحق الأخلاقي والفكري. مضافاً إلى ذلك فقد يظهر من الأصول والمواد القانونية أيضاً أن عبارة الحق المعنوي تستعمل بهذا المعنى أيضاً، مثال ذلك: ما جاء في المادة 21 من الدستور: إن «الحكومة مسؤولة عن توفير الأرضية التي تساعد على نموّ وتربية شخصية المرأة واستعادة الحقوق المادية والمعنوية الخاصة بها»؛ أو ما ورد في المادة 1 من قانون حماية الأطفال والفتيان الفاقدين للإعالة أو الذين يعانون منها: أن «يؤسس إلى تنظيم حياة الصغار والفتيان الذي فقدوا المعيل؛ بهدف تأمين مسلتزماتهم المادية والمعنوية، على ضوء أمر السيد القائد، وطبقاً لبنود هذا القانون»؛ وفي المادة 3 من قانون حماية الكتّاب والمؤلِّفين جاء اصطلاح الحق المعنوي بهذا المعنى أيضاً، وقد أشار إلى حق شخصية صاحب الكتاب كذلك([80]).

5ـ دور الحقوق المعنوية في التعريف الاصطلاحي للحقّ

أـ بيان الآراء في المسألة

في ما يتعلق بهذه المجموعة من الحقوق، التي تُعَدّ من جملة الحقوق الطبيعية والتكوينية (وهي تُعَدّ حقوقاً غير اعتبارية وذاتية للإنسان)، والتي تتجلى في حقّ الحياة وحقّ الكرامة وحقّ الحرية وحقّ الأمن والاستقرار وحقّ السكن، والخصوصية الذاتية. وهذه الفئة من الحقوق التي تشير إلى الغرائز التكوينية والذاتية للإنسان تغاير مفهوم الحقّ لدى الفقهاء؛ لأن الفقهاء في تعريفهم للحق عادة ما يعتبرونه مفهوماً اعتبارياً، وليس أمراً ذاتياً وتكوينياً. وهذا الاختلاف أدّى إلى تحقُّق التفاوت بينه وبين الحقوق الذاتية والمعنوية والتكوينية في موردين:

1ـ بعض الباحثين أنكروا ـ وبشكلٍ صريح ـ وجود الحقوق الطبيعية كجزء من الحقوق الشرعية، ببيان أن «لكل ذي حقٍّ أن يسقط حقه»، في حين أن الحقوق الطبيعية والتكوينية للإنسان غير قابلة للإسقاط والسلب([81]). ويمكن استنباط مثل هذه الرؤية من كلام بعضهم أيضاً([82]).

2ـ لم يعتبر بعض الباحثين أيضاً الحقوق الفطرية والطبيعية حقّاً مجعولاً في الشرع، لكنّهم عدُّوه من جملة الأحكام التكوينية للشارع، وهو جزءٌ من الحقوق العقلائية التي أمضاها الشرع المقدَّس بشكلٍ رسمي (وعلى ضوء هذه الرؤية فإن هذا الحقّ محترمٌ من قِبَل الشارع؛ بلحاظ عدم قابليته للإسقاط والنقل ونحوه)([83]).

وفي صدد توضيح مبنى الرؤية الأخيرة يمكن الإشارة إلى نظرية الشهيد مطهري في ما يتعلَّق بضرورة الحقوق الطبيعية بعنوانها رصيد الحقوق الموضوعة، أعمّ من الشرعية والقانونية، فهو يعتقد أن قبول واقع الحقوق الفطرية للبشر يعني اعتبار جعلها حقوق معقولة ومقبولة عقلياً بشكلٍ رسمي بالنسبة للإنسان؛ لأن الحقوق الطبيعية في الواقع هي نفسها القوانين والضوابط الطبيعية التي تنظم الأشياء في هذه الحياة، فقانون العقل والنظام العقلائي في سلوك البشر والقيمة والحرّيات هي التي تلازم طبيعة الإنسان([84])، وقبل تشريع القوانين العامة والقوانين الدينية، فقد خلق الله الإنسان على نحوٍ جعل له نظام الحقوق بطريقة كونه محتاجاً ومحتاجاً إليه، وهداه لسبل وطرق تلك الحقوق. من هنا، وعلى ضوء الحقوق الطبيعية، يمكن معرفة فلسفة ولغز الكثير من تعاليم الشريعة، أو على ضوء ذلك يمكن الكشف عن الحقوق المستحدثة والطارئة وبيانها. والواقع أن فهم حقيقة القوانين والتعاليم الإسلامية وروح الأوامر الدينية في ظلّ هذه النظرية كالحقوق الثابتة والمتغيِّرة التي نعرفها، حيث تولد الحقوق المتغيرة من الثابتة، وعند الالتفات إلى تبدُّل وتحوُّل الشروط والأوضاع تطرح هذه المسألة، فعلى ضوء الحقوق الفطرية يمكن معرفة الحقوق المتغيرة والحقوق المتحولة([85]).

وفي النهاية يمكن الإشارة إلى آراء الفقهاء المختلفة المتعلقة بالحقّ الفكري (كحق النشر وحق نسبة الكتاب وحق تصحيح وتغيير المحتوى ونحو ذلك)، والذي يُعَدّ أحد أنواع الحقوق المعنوية، والذي وقع محلّ خلاف وتباين في آراء الفقهاء المعاصرين بالنسبة إلى أحكام هذا الحق وتفاصيل مسائله، بمعنى أن بعضهم لم يعتبر هذا الطيف من الحقوق جزءاً من الحقوق الشرعية أساساً، وفي النتيجة لم يطبِّق في حقه أحكام الحق الشرعي؛ لأنه غير قابل لذلك([86])؛ وقال البعض بمشروعية مثل هذه الحقوق، ولكن ليس بعنوانها جزءاً من المخترعات الشرعية أو كونها مجعولة للشارع، بل إن الحق الفكري هو أحد الحقوق الطبيعية والتكوينية، فيكون حقاً عقلائياً ممضى من قبل الشارع المقدَّس. وسوف نقوم الآن ببيان هذه الرؤية بشكلٍ أكثر تفصيلاً، كما يلي:

1ـ القائلون بخلوّ الحقّ الفكري من آثار ومزايا الحقّ الشرعي

السيد السيستاني: «لا مشروعية لحقّ الطبع في نفسه، إلا أن يكون قانونياً وممضىً من الحاكم الشرعي»([87]).

وقد أكد الشيخ صافي الكلبايكاني على ذلك أيضاً، وذهب إلى أن عدم مشروعية هذه الحقوق هو مقتضى الأدلة الأوّلية، وذكر في إحدى فتاواه المبينة لذلك ما يلي: «إن حق الطبع وحق التأليف وحق الاختراع يعتبر من القوانين والقضايا الجديدة والموضوعات المستحدثة، فيرتِّبون عليها جملةً من الآثار والنتائج، ولكنْ لا يمكنني تطبيق الأحكام الإسلامية وقواعدها على تلك الموضوعات، وهي ليست من العقود والمعاملات حتّى أستطيع أن أقول: إنها داخلةٌ في إطلاقات أو عمومات بعض الأدلة، مثل: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، فقد كان التأليف والاختراع والابتكار سائداً في زمن الشارع المقدس، ولكنْ لم يحسب حقٌّ للمؤلف أو المبتكر أو المخترع أو المحقق، وحتّى الشارع لم يصرِّح له بحقٍّ إزاء ذلك، وبعبارةٍ أخرى: على ضوء عدم الاعتبار فإنه كلما ذكرت مشروعية الحقوق المذكورة لم تكن ثابتةً بالنسبة إلينا»([88]).

وقد تعرّض الشيخ بهجت& لهذه المسألة في باب قاعدة لا ضرر بشكلٍ تفصيلي في الموارد التي يوجب استنساخ الكتب فيها الضرر، معتبراً عدم جواز القيام بذلك. وفي الإجابة على سؤالٍ حول حق الطبع في الكتب والمجلات وحق الاستنساخ عبر الأدوات الصوتية والتصويرية، وعن وجهة النظر الشرعية إزاء ذلك، ذكر أن الاستنساخ يشكل لو أدّى إلى الضرر([89]).

وقال السيد الخوئي& في كتاب المسائل والردود، عندما تعرض لجملةٍ من الحقوق: «لا تعتبر تلك من الحقوق الشرعية اللازمة المراعاة على السائرين، والله العالم»([90]).

وربما تكون أوضح مخالفة لمشروعية الحقوق الفكرية ما جاء في آراء وفتاوى الإمام الخميني&، فقد ذكر حول ذلك ما يلي: «الثالث: ما يسمّى عند بعض بحقّ الطبع ليس حقاً شرعياً، فلا يجوز سلب تسلط الناس على أموالهم بلا تعاقد وتشارط، فمجرد طبع كتاب والتسجيل فيه بأن حق الطبع والتقليد محفوظٌ لصاحبه لا يوجب شيئاً، ولا يُعَدّ قراراً مع غيره، فجاز لغيره الطبع والتقليد، ولا يجوز لأحدٍ منعه عن ذلك. الرابع: ما تعارف من ثبت صنعة لمخترعها ومنع غيره عن التقليد والتكثير ‌لا أثر له شرعاً، ولا يجوز منع الغير عن تقليدها والتجارة بها، وليس لأحدٍ سلب سلطنة غيره عن أمواله ونفسه. الخامس: ما تعارف من حصر التجارة في شي‌ءٍ أو أشياء بمؤسّسة أو تجّار نحوهما لا أثر له شرعاً، ولا يجوز منع الغير عن التجارة والصنعة المحللتين وحصرهما في أشخاص»([91]).

والملفت هنا أن هذا الطيف من الفقهاء يتحدّثون أحياناً عن الحقوق المعنوية بنحوٍ آخر. مثال ذلك: ما يتعلق بخصوص حق نسبة النظرية والمذهب إلى صاحبها، فهم على الرغم من اعتقادهم بعدم لزوم نسبة الكتاب لصاحبه وطبعه باسمه، وعدم وجوب إرجاع كل قضية إلى مراجعها ومصادرها (فهم لا يقولون بالحق الشرعي هنا لصاحب الكتاب أو المصدر)، ولكن يذهبون إلى عدم شرعية وعدم جواز نسبة أثر أو كتاب إلى غير صاحبه ومصنفه، فيتناولون ذلك على النحو التالي: «إن شريعة الإسلام تحرم نسبة كلام الآخرين وأحاديثهم إلى المتحدِّث، كما يحرم نسبة كلام الشخص إلى فرد آخر، فإن الدين الإسلامي يلزم المسلمين بضرورة إرجاع كل حديث أو كلام أو مقال إلى صاحبه، ويجعل الجزاء أو الثواب مرهوناً بصاحبه فقط([92]). كما ذكر الإمام الخميني عدم وجوب ذكر المصدر، ولكنْ على نحوٍ لا يستلزم الكذب والخداع في المصادر([93]).

وفي مقام تحليل ودراسة ما جاءت به هاتين الطائفتين من الآراء، والبحث عن سبيل للجمع بين ما ذكر من كلمات، يمكن القول: إن الموافقة على مشروعية واعتبار الشخصية المعنوية للإنسان من جهة وجوب صيانتها والمحافظة عليها من الأذى يختلف عن الموافقة على الحقوق المتعلقة بالشخصية، كحقوق شرعية على ضوء المعطيات التي تمّ بيانها للحقوق الشرعية، فتكون أعمال من قبيل: تحريف كتب الآخرين ووثائقهم، والكذب في محتوياتها، غير جائزة؛ للدليل التالي، وهو: إن مثل هذه الأعمال تؤدّي إلى هتك حرمة صاحب الكتاب، وبسببها يلحق شخصية الإنسان المعنوية والفكرية الضرر والأذى، ويُعَدّ ذلك هَتْكاً لحرمته ومقامه، وهو أمرٌ مذموم وقابل للتوبيخ. وعليه فإن معرفة نوع الاستحقاق الذي يجدر بالمؤلِّف من جملة الأمور التي كانت محطّ اهتمام هذا الطيف من الفقهاء؛ للحيلولة دون إلحاق التحريف والتزوير بالنصّ الذي يؤدّي إلى الضرر بصاحبه، ولكنْ يمكن أن تكون طبيعة الاستحقاق والاستمتاع بالحقّ الشرعي على النحو التالي: أن يلتزم بإسقاطه، أو يعتبر هذا الحق قابلاً للانتقال إلى الغير، أو يتم حصر العوائد المالية الحاصلة من النقل والانتقال بفردٍ معين، ونحو ذلك، إلاّ أن هذا موضوع آخر.

2ـ القائلون بالحقّ الفكري كحقٍّ عقلائي ممضىً من قبل الشارع

يقول الشيخ فاضل اللنكراني: «إن حق الطبع من الحقوق الثابتة عقلائياً ومنحصر بالمؤلِّف والناشر، من هنا فإن استنساخه من دون إذن صاحبه غير جائز»([94]).

ويقول الشيخ ناصر مكارم الشيرازي: «إن حق التأليف هو حقٌّ عقلائي يعترف به عقلاء العالم بشكلٍ رسمي، ويعتبرون التجاوز عليه لوناً من ألوان الظلم والعدوان، ويمنعون التعدّي عليه»([95]).

ب ـ دراسة ونقد الآراء السابقة

بعد استعراض ما تقدّم من مفهوم الحقّ لدى الفقهاء، واختيار المعنى الذي أشرنا إليه سابقاً، يمكن القول: إن الفقهاء اعتبروا الحق مفهوماً اعتبارياً، وبذلك غضّوا الطرف عن الحقّ كمفهوم طبيعي وتكويني يتضمن الحقّ المعنوي للإنسان، في حين أن الكثير من الآيات والروايات أعطَتْ المشروعية لجملةٍ من الحقوق الطبيعية ودعمتها، مثال ذلك: ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (الإسراء: 70)، والآيات الكريمة التي جاءت في سورة الهمزة، التي أدانت الهمز واللمز والانتقاص من الآخرين.

وفي ما يتعلَّق بالحق الشخصي أشار تعالى إليه بقوله: ﴿وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ (الحجرات: 12)، وكذا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (النور: 27 ـ 28).

وقد جاء تناول حقّ الحرّية بمعنى حقّ الإنسان بالصحة النفسية وراحة البال واطمئنان الروح على لسان الإمام الصادق× بقوله: «طلبتُ فراغ القلب فوجدتُه في قلّة المال»([96]).

وفي روايةٍ عن رسول الله| قال فيها: «حقُّ الولد على الوالد أن يحسن اسمه» يمكن أن يفهم منها حقّ الاسم والنسب.

وكذلك يمكن العثور على موارد عديدة من مصادر الحقوق التكوينية والطبيعية في ملاكات نظام التشريع واستنباط الحكم، بعد الالتفات إلى ارتكاز عالم التشريع على عالم التكوين في الفقه الإمامي، فقد ذكر الشيخ النائيني عند تعرضه إلى أصل الإباحة وحرّية الإرادة ما يلي: «قبل أن تشيع تعاليم وقوانين الشرع تعارف لدى بني البشر الحرّية وممارسة الإرادة الإنسانية إزاء الأشياء الموجودة في الطبيعة»([97]).

ومن النماذج الأخرى هو اعتبار جميع الأحكام الاضطرارية قائمة على صيانة الحقوق الذاتية والطبيعة حين الاضطرار، فإن صيانة حياة الإنسان أو المحافظة على أحد حقوقه الذاتية والضرورية الأخرى هو أمر ضروري، من قبيل: الكرامة وماء الوجه، أو تلك الحقوق المنوطة بأداء فعلٍ منهيّ عنه بمقدار رفع الضرورة.

وبعبارةٍ أخرى: إن الفقهاء، سواء كانوا إمامية أو من فقهاء أهل السنّة، يقولون بوجود المصالح والمفاسد الـ (نفس أمرية) في الحقوق والأحكام، وهم يعتقدون أن المصالح الضرورية للإنسان التي جاءت نتيجة الاستقراء في الشريعة هي خمس مصالح، وليست الحقوق الذاتية والتكوينية في الواقع إلاّ عبارة أخرى عن تلك المصالح الخمسة، وأما سائر الحقوق الاعتبارية والوضعية فقد جاءت للمحافظة على هذه المصالح الضرورية وصيانتها، وهذه المصالح الخمسة هي: 1ـ مصلحة الدين والاعتقادات الطائفية، 2ـ المحافظة على النفس والسلامة البدنية والروحية،             3ـ الكرامة وماء الوجه، 4ـ القوّة العاقلة والمرتكزات العقلية، 5ـ مصلحة مال الإنسان وممتلكاته. يشار إلى أن البعض أضاف مصلحة أخرى إلى هذه المصالح، وهي: مصلحة المحافظة على استمرار الأجيال اللاحقة([98]).

ومن الملاحظ أن طائفةً من هذه المصالح مرتبطة بالبعد المادي للوجود (مثل: مصلحة حفظ المال، ومصلحة حفظ الجيل، ومصلحة سلامة البدن)؛ وطائفة أخرى متعلق بالبعد غير المادي (مثل: المصلحة في المحافظة على كرامة الإنسان وماء وجهه، والمحافظة على سلامة العقل ومسلَّماته البديهية الفكرية، والحفاظ على الدين وعقائده الأساسية، وضرورة العناية بالبُعْد الروحي والنفسي ونقاء الباطن)، وهي نفسها التي ستكون حقوق الإنسان المعنوية في مقابل الحقوق المادية التي أُشير إليها عند تعريف الحقّ المعنوي.

وجاء في المصادر الإسلامية جملة من الآيات والروايات التي حثَّتْ على صيانة هذه المصالح التي استقرئت من جملة المصالح العامة، وأقرّت بوجود حق الحياة المعنوي([99])، بمعنى المحافظة على النشأة الروحانية في هذا العالم، وحق الكرامة الذاتية والنسبية([100])، وحقّ العبودية. ولكنْ في مقام بيان هذه المسألة لم يتعرَّض الفقه لشرحها بشكلٍ مستقلّ، ولم يجعل للحق الذاتي والتكويني بحثاً منفصلاً. ويمكن إرجاع ذلك إلى سببين ذُكرا في نظرية الحقوق الفطرية للأستاذ مطهري، وهما:

السبب الأوّل: بعد أن لاحظ البعض رسالة الفقه اعتقد أن الحقوق التكوينية والفطرية، رغم علاقتها بالفقه، فإن بحثها يقع على عاتق فلسفة الإسلام الاجتماعية، وليس على عاتق الفقه([101]). وهذا اللون من الفسلفة يهتمّ بطبيعة رؤية الدين وفهمه لقواعد الحياة الاجتماعية، والتي من جملتها: منظومة الحقوق المعنوية والطبيعة والأساسية للبشر، على أساس جملةٍ من القواعد الرصينة والأصول العقلائية ـ والتي منها: أصالة الغائية ـ كجزءٍ من الموضوعات المحورية التي تبحثها هذه الفلسفة، وبعبارةٍ أخرى: يمكن القول عند مقارنة هذه الفلسفة بالفلسفة المادية لدى الغرب: إن فلسفة الإسلام الاجتماعية تقوم على أساس الحقوق الفطرية ببيان المنطق الرباني، والفلسفة الاجتماعية في الإسلام تتيح لكل إنسان تطأ قدمه هذا العالم الحقّ، ولو بالقوة.

إن الله فاعل من دون غرضٍ وغاية، بل غايته ذاته ونفسه. أجل، ما هو معلل إنما هو فعله الذي ينتهي لغايةٍ وهدف، والحقوق الإلهية صادرة من الإرادة التكوينية للباري تعالى، وهي ليست موضوعةً للميدان والمجال التشريعي. ومعلومٌ أن مجال بحث الحقوق التشريعية هو الفقه. من هنا فإن الحقوق الإلهية لا تكون في مقابل الحقوق الفطرية، بل هي عين الحقوق الطبيعية والتكوينية، وبعبارةٍ أخرى: إن الغائية الإلهية تختلف عن الغائية البشرية، من هنا فإن فلسفة الغرب المادية، ورغم إشارتها إلى الحقوق الفطرية للإنسان؛ ولكن بسبب عدم معرفتها واعتقادها بأصل غائية وقصدية القادر تعالى، لم تصل إلى تفسيرٍ صحيح لها؛ لأن الفلسفة المادية معنية بتفسير وبيان العلاقة الفاعلية، إلاّ أن فلسفة الإسلام الاجتماعية، وبالإضافة إلى عنايتها بالعلاقة الفاعلية، تهتمّ بالعلاقة الغائية أيضاً([102]).

ومن هنا عندما يدور الحديث حول الحقّ المعنوي في العلوم والقضايا الدينية، سواء كانت في باب الحكمة النظرية أم العملية، فيمكن أن يتصور له معنيان: الأوّل: معناه التكويني، وما يتعلَّق بالقضايا التكوينية للعالم؛ والثاني: ما يتعلق بالقضايا القِيَمية والاعتبارية، الأمر الذي أشار إليه الباري تعالى بقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ (التغابن: 3)، وقوله: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 42)، وكذا ما ورد في معنى الحقّ التكويني، في الآية 53 من سورة يونس، وقوله تعالى كذلك: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (الذاريات: 19).

السبب الثاني: إن طبيعة العلاقة والارتباط بين نظام التشريع والتكوين بحيث يطلق عنوان الحقّ بالنسبة إلى الحقوق التكوينية والتشريعية على نحوٍ يشبه الاشتراك اللفظي، وليس على نحو الحقيقة أو الاعتبار([103])، بمعنى أن الحقين ليسا في عرض واحد حتّى يلاحظا في علم الفقه بنحوٍ واحد؛ لأنه وعلى ضوء الحقوق الطبيعية يمكن أن تكتشف الفلسفة الكثير من ضوابط وأسرار الشريعة، وبذلك يمكنها من خلال الوقوف على قواعدها تبيين الحقوق المستحدثة.

مثال ذلك: البحث في الأصول المهمّة، مثل: قاعدة لا ضرر، وتطويعها من خلال مراجعة الحقوق الطبيعية والفطرية؛ وذلك لأنه على ضوء قواعد الحقوق الطبيعية لقاعدة: «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام» يمكن الرجوع إلى الفطرة وإمضاء الحقوق الفطرية([104])، ولا سيَّما عند ملاحظة عدم الحقّ لأي أحد أن يسلب الحقوق الفطرية أو يلغيها، أو يتم من خلال هذه القاعدة التضييق على مَنْ يسبِّب ضرر المسلمين ومزاحمتهم، كما ورد التقييد الذي حصل لسمرة بن جندب جرّاء ما فعله في إضرار الرجل الأنصاري.

من هنا يلاحظ أنه لم يتمّ تناول نفس الحقوق التكوينية بعيداً عن الحقوق التشريعية في الفقه، ولكنّ هذا لا يعني أن هناك تضارباً مع مشروعية هذه الحقوق وبيان أحكامها وحدودها في الفقه. كذلك فإن منع قتل النفس أو حظر المثلية أو المنع من سلب عامّة حقوق الاستمتاع وخصوصية السكن والقضايا الشخصية وأحكام إهداء الأعضاء والزواج والكثير من الأحكام الفقهية هي في صدد بيان الحدود وجزئيات الحقوق الطبيعية، وفي موارد أخرى يكون الشارع في صدد تقييد وتقويض حقوق الفرد التكوينية؛ بسبب سوء سلوكه في تجاوزه على الحقوق الذاتية للآخرين، من قبيل: حق القصاص وحق القذف وحق اللعان وحق الإيلاء ومشروعية حقّ الدفاع ونحوه.

ولكنْ يمكن الاعتماد على قاعدة الإلزام بالعهد التي تعتمد عليها جميع العقود والمواثيق المتعلقة، وملاحظتها في الحقوق الطبيعية بشكلٍ أَوْلى، واعتبار الحقوق الذاتية والتكوينية جزءاً من الحقوق الاعتبارية، غاية ما في الأمر أنه في الحقوق غير الذاتية يكون المعتبر هو نفس الحقّ (سواء كان من قبل الشارع أو من قبل المقنِّن)، وأما في الحقوق الذاتية يكون موضوع الحقّ هو مجعول الطبيعة وعالم التكوين.

وعلى هذا المبنى سوف لا يكون ما ذهب إليه البعض([105])، من أن التلازم بين الحقّ والتكليف إنما يقع في الحقوق الاعتبارية القابلة للتصوُّر، وأن الحقّ التكويني غير مستلزم للتكليف، صحيحاً.

لذلك يبدو بعد الالتفات إلى اختلاف الحق الماهوي في الفقه، الذي يمثِّل دائرة الإرادة التشريعية للباري تعالى، عن الحقوق الذاتية والتكوينية أنّه لا يمكن أن تكون الأخيرة من الحقوق المعنوية، ومن ثم جزءاً من الحقوق الذاتية والأساسية للبشر، ومعنى أن تكون حقّاً شرعياً هو أن تكون جزءاً من الحقوق الشرعية المتداولة والمبينة والمقبولة في علم الفقه.

ولكنْ من المؤكَّد أن الحقوق المعنوية، بعد ملاحظة ابتناء عالم التشريع على عالم التكوين، تتمتع بتبرير شرعي ومشروعية تامّة. كما أشارت إلى هذه الطائفة من الحقوق التعاليم الدينية. من هنا فقد حظيت هذه الطائفة بالعناية والاهتمام من خلال جملة من الأحكام الفقهية، كما أشير إلى ذلك. ولكنْ يبدو أنه ليس من الضروري أن تنطبق عليها جميع أحكام وخصوصيات الحق الشرعي، والتي منها قابليتها للإسقاط والنقل والإرث ونحو ذلك.

وهنا يمكن القول: مع ملاحظة التقسيم الذي ذكر في ذيل الحقوق المعنوية في تصنيف هذا الطيف من الحقوق فإنّ منها الحقوق المعنوية، التي تنقسم بدورها إلى: حقوق ذاتية؛ وحقوق تبعية. وعلى ضوء ذلك يمكن تطبيقها بشكلٍ تفصيلي، وليس بشكلٍ مطلق على الحقوق المعنوية، على نحو أن المجموعة التي تُعَدّ جزءاً من الحقوق المعنوية الذاتية غير قابلة للإسقاط، ودائرة إسقاطها إنما تتشخّص من قبل الشارع في إطار تشخيص أحكام القصاص والقتل، والقذف واللعان والإيلاء والقضايا الشخصية، ومنع المثلية، والحيلولة دون السلب الكلي لحقوق الاستمتاع، ومشروعية حقّ الدفاع.

وأما مجموعة الحقوق المعنوية التَّبَعية، التي تكون خصوصياتها خصوصيات إثباتية ووضعية، فستكون قابلةً للإسقاط. وهذه الحقوق يمكن تقسيمها إلى:

1ـ مخترعات شرعية، كحقّ القسم، وحقّ الاستحلاف، وحقّ الحضانة (على مبنى مَنْ يقول بأنه حقّ وقابلٌ للإسقاط)، وحق الخيار، وحق الشفعة (على مبنى مَنْ يقول: إن متعلَّق كلا الحقين ليس هو العين، بل إنهما من جملة الحقوق المعنوية، وهما نوع من الحقوق التبعية([106]))، وحق المشاورة في العقد، وحق حبس الزوجة (على مبنى مَنْ يرفض كون ذلك من الأعيان([107])).

2ـ الاعتبارات المحضة القائمة على المصالح الاجتماعية والأعراف وسيرة العقلاء، من قبيل: حق حذف اسم الزوج من البطاقة الشخصية للمطلَّقة البكر، وحق إذن الزوجة الأولى في تعدُّد الزوجات، وحقّ إجازة النساء الحوامل واستمتاعها بالخدمات المقرّرة، ونحو ذلك.

النتيجة

عند البحث عن خصائص الحق وبيان مميزاته وتشابهاته مع الحكم، وبعد عرض جملة من التفاسير والانتقادات الفقهية، يمكن تناولها في ثلاث أنواع من المعاني: 1ـ الحقّ في مقابل الحكم التكليفي، 2ـ الحقّ الأعم من التكليفي والوضعي، 3ـ الحقّ المنتزع من الحكم التكليفي أو الوضعي. ومن بين هذه المعاني يمكن القول: إن المعنى الأول، وهو بيان الحق باعتباره جزءاً من الأحكام الوضعية الترخيصية في مقابل الحكم التكليفي، هو الأقرب من سائر المعاني الأخرى، وله أن ينطبق على الأحكام والخصائص التي تقدمت حول مفردة ولفظ الحق.

في جميع البيانات الفقهية التي تقدّم استعراضها اعتبر الفقهاء الحق أمراً اعتبارياً. وهذا واضح من التعريف المختار، الذي اعتبر الفقهاء الحق فيه أمراً اعتبارياً، وهو نوعٌ من الأحكام الوضعية الترخيصية وغير اللزومية، وهو يفيد نوعاً من التسلُّط، ويعود بالنفع لصاحبه، على نحو قابليته للإسقاط والتنازل. وأما في ما يتعلق ببيان المعاني التي ذكرت للحقوق المعنوية يمكن القول: إنها مجموعة من الحقوق التي تأتي لصيانة الشخصية والمحافظة عليها في أبعاد مختلفة، تولد مع الإنسان من بزوغ حياته، وهي حينما تكون متعلِّقة بالحكومة يطلق عليها حقوق الإنسان، وحينما تتعلق بالغرائز والميول الشخصية يطلق عليها الحقوق الشخصية، وأما لو كان الملاحظ فيها الهدفية والغاية فيمكن أن تنقسم إلى قسيمن: الأوّل: الحقوق المعنوية الذاتية؛ والثاني: الحقوق المعنوية التبعية.

وفي صدد بيان دور ومنزلة الحقوق المعنوية في تناول الحقّ الشرعي عند ملاحظة أنواع الحقوق المعنوية يمكن القول: إن هذه الطائفة من الحقوق المعنوية، والتي تُعَدّ جزءاً من الحقوق التبعية والوضعية والاعتبارية ليست محلاًّ للبحث؛ وذلك لأن ما هو المتيقَّن منها هو أنها جزءٌ من الحقوق الشرعية، وينطبق علها آثار وأحكام الحق، كحقّ القسم وحق القذف وحق خيار الاستشارة (استشارة شخص ثالث) ونحو ذلك من الحقوق التي تُعَدّ من المجعولات الشرعية، أو من قبيل: حق المرأة في الاقتراع ومشاركتها في مجالس الشورى (المادة الثامنة من الأصل الثالث من الدستور) والمنع من إفشاء أسرار الناس (المادة 648 ق. م. ا المقرّ عام 1375هـ.ش) ونحو ذلك من الحقوق التي تحسب حقوقاً قانونية. ولكنْ في ما يتعلَّق بتلك الطائفة من الحقوق المعنوية، التي تُعَدّ جزءاً من الحقوق الذاتية والتكوينية للبشر، عند ملاحظة الاختلاف الماهوي لموضوعة الحق في الفقه، والتي تشكِّل دائرة القصد التشريعي للباري تعالى، بمعية الحقوق التكوينية والذاتية، لا يمكن أن تنضوي هذه الطائفة من الحقوق تحت طائلة الحقوق الشرعية بآثارها وأحكامها الخاصة وقابليتها لجميع الخصوصيات المتعلقة بها. ولكنْ من المؤكَّد أنها حقوق معنوية، وخصوصاً عند ملاحظة نهوض الأحكام التشريعية في إطار الأحكام والظروف التكوينية التي تتمتع بمشروعية وتبرير فقهي، بمعنى أنها حقوقٌ جديرة بالاهتمام والعناية، وسيكون الأفراد ملتزمين برعايتها، كما إشارت إلى ذلك التعاليم الدينية في هذه الفئة من الحقوق، ولكنْ ليس بمعنى الالتزام بجميع أحكام وخصائص الحق الشرعي، والتي من جملتها: قابليته للإسقاط وانطباقه عليه، كالنقل والإرث ونحو ذلك.

 

الهوامش

(*) أستاذٌ مساعد في جامعة ياسوج ـ قسم الإلهيّات.

([1]) مرتضی الأنصاري، المكاسب 3: 20 ـ 16، قم، المؤتمر العالمي لتكريم الشيخ الأعظم؛ محمد علي الأراكي، كتاب البيع 1: 10، قم، مكتبة إسماعيليان؛ محمد بحر العلوم، بلغة الفقيه: 33، طهران، نشر محمد تقي آل بحر العلوم.

([2]) محسن الحكيم، نهج الفقاهة 1: 6، قم؛ موسى النجفي الخوانساري، منية الطالب في شرح المكاسب (تقريرات النائيني) 1: 105، قم، مؤسّسة النشر الإسلامي؛ محمد جعفر الجزائري (مروج)، هدی الطالب في شرح المكاسب 1: 86، مؤسّسة دار الكتاب، قم.

([3]) انظر: روح الله الخميني، البيع 1: 40، قم، مؤسسة إسماعيليان، ط4؛ محمد علي التوحيدي، مصباح الفقاهة في المعاملات (تقريرات الخوئي) 2: 339 ـ 342، 46، 6، بيروت، دار الهادي؛ بحر العلوم، بلغة الفقيه 1: 18 ـ 17.

([4]) انظر: الفتاوى الخاصة بمجموعةٍ من الفقهاء المعاصرين، كالخميني والخوئي والسيستاني والتبريزي وصافي الكلبايكاني، المتعلقة بحق التأليف والترجمة والطبع والنشر والحقوق المشابه لذلك، التي تُعَدّ حقاً فكرياً وجزءاً من الحقوق المعنوية للإنسان.

([5]) انظر: محمد جعفر جعفري اللنگرودي، مقدّمه عمومي علم حقوق: 85، تهران، گنج دانش.

([6]) ابن منظور، لسان العرب 2: 940، بيروت، دار إحياء التراث العربي؛ الفيومي، المصباح المنير 1: 197، قم، مؤسسة دارالهجرة، ط1.

([7]) ابن سيده، المخصّص 4: 366، تحقيق: خليل إبراهم جفال، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط1.

([8]) الراغب الإصفهاني، المفردات في غريب القرآن 3: 7، قم، دارالهجرة، ط1.

([9]) الجرجاني، التعريفات: 72، بيروت، دار إحياء التراث العربي.

([10]) الطريحي، مجمع‌ البحرين 5: 146، طهران، المكتبة المرتضوية، ط3؛ ابن منظور، لسان العرب 10: 49؛ 3: 256 ـ 255؛ ابن فارس، معجم مقاييس اللغة 2: 17 ـ 15، قم، منظمة التبليغ الإسلامي.

([11]) أبو علي سينا، الإشارات والتنبيهات 3: 9، طهران، المطبعة الحيدرية.

([12]) ابن منظور، لسان العرب 2: 941؛ محمد رواس قلعه جي، معجم لغة الفقهاء (عربي إنجليزي فرنسي) 1: 11، بيروت، دار النفائس، ط1.

([13]) الفيومي، المصباح المنير 1: 19.

([14]) مسعود جبران، معجم ألفبايي الرائد 1: 689، ترجمه: رضا أترابي نجاد، مشهد، ط2.

([15]) الفيروزأبادي، القاموس المحيط 3: 214، بيروت، دار إحياء التراث العربي؛ الزبيدي، تاج العروس من جواهر القاموس 25: 166 ـ 167، بيروت، دار الهداية.

([16]) ابن‌ الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر 1: 414، تحقيق: محمود محمد الطناحي، قم، مؤسسة إسماعيليان، ط4.

([17]) الفيومي، المصباح المنير 1: 55؛ ابن فارس، معجم مقاييس اللغة 2: 81، 15.

([18]) الراغب الإصفهاني، المفردات في غريب القرآن 3: 125.

([19]) حسن المصطفوي، التحقيق في ‌كلمات القرآن الكريم ‌2: 261، طهران، وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي.

([20]) الحكيم، نهج الفقاهة 1: 8.

([21]) التوحيدي، مصباح الفقاهة 2: 47.

([22]) انظر: محمد حسين الغروي الإصفهاني، حاشية المكاسب 1: 38، قم، پايه دانش.

([23]) الحكيم، نهج الفقاهة 1: 8؛ محمد كاظم اليزدي، حاشية المكاسب 1: 55، قم، مؤسسة‌ إسماعيليان.

([24]) علي الإيرواني، حاشية كتاب المكاسب 2: 2، قم، طبع: باقر الفخّار الاصفهاني.

([25]) انظر: أبو القاسم گرجي، مقاله حق وحكم وفرق ميان آنها، فصلنامه مطالعات حقوقي وقضائي، العدد 1: 29 ـ 38.

([26]) بحرالعلوم، بلغة الفقيه 1: 18 ـ 17.

([27]) النجفي الخوانساري، منية الطالب في شرح المكاسب (تقريرات النائيني) 1: 106 ـ 105؛ الجزائري، هدی الطالب في شرح المكاسب 1: 86؛ اليزدي، حاشية المكاسب 1: 55.

([28]) الأنصاري، المكاسب 1: 223.

([29]) انظر: الغروي الإصفهاني، حاشية المكاسب 1: 36 ـ 27.

([30]) أحمد الخوانساري، جامع المدارك في‌ شرح المختصر النافع 3: 69، طهران، مكتبة الصدوق، ط3؛ ناصر مكارم الشيرازي، أنوار الفقاهة: 31 ـ 30، قم، مكتبة الإمام أمير المؤمنين.

([31]) انظر: التوحيدي، مصباح الفقاهة ۲: ۳۳۹ ـ 342.

([32]) جوادي الآملي، حقّ وتكليف در إسلام: 25، قم، انتشارات إسراء، ط2.

([33]) الخميني، البيع 1: 49 ـ 4.

([34]) انظر: أبو الفضل موسويان، ماهيّت حقّ: 68، مؤسسه تنظيم ونشر آثار إمام خميني.

([35]) النجفي الخوانساري، منية الطالب في شرح المكاسب (تقريرات النائيني) 1: 42.

([36]) الأنصاري، المكاسب 3: 16 ـ 20.

([37]) انظر: الأراكي، كتاب البيع 1: 10؛ بحر العلوم، بلغة الفقيه: 33.

([38]) النجفي الخوانساري، منية الطالب في شرح المكاسب (تقريرات النائيني) 1: 42.

([39]) الخميني، البيع 4: 202.

([40]) ناصر مكارم الشيرازي، أنوار الفقاهة: 28.

([41]) الغروي الإصفهاني، حاشية المكاسب 1: 41.

([42]) المصدر نفسه.

([43]) الحكيم، نهج الفقاهة 1: 6.

([44]) انظر: النجفي الخوانساري، منية الطالب في شرح المكاسب (تقريرات النائيني) 1: 105؛ 19. الجزائري، هدی الطالب في شرح المكاسب 1: 86.

([45]) اليزدي، حاشية المكاسب 1: 55؛ بحر العلوم، بلغة الفقيه ۱: ۱۳ ـ ۱4.

([46]) اليزدي، حاشية المكاسب 1: 55؛ الآخوند الخراساني، حاشية المكاسب: 4، طهران، وزارة الثقافة الاسلامية، ط1.

([47]) أحمد الخوانساري، جامع المدارك في‌ شرح المختصر النافع 3: 69.

([48]) الخميني، البيع 1: 45 ـ 41؛ الأنصاري، المكاسب: 79.

([49]) ناصر مكارم الشيرازي، أنوار الفقاهة: 28.

([50]) محمد حسين الطباطبائي، أصول الفلسفة والمنهج الواقع 2: 212، طهران، صدرا.

([51]) انظر: الخميني، البيع 1: 40.

([52]) الخميني، البيع 1: 44.

([53]) انظر: التوحيدي، مصباح الفقاهة 2: 6.

([54]) التوحيدي، مصباح الفقاهة: 52.

([55]) محمد جواد فاضل اللنكراني، رسائل في الفقه والأصول: 355، قم، تحقيق ونشر مركز الأئمة الأطهار.

([56]) جواد التبريزي، إرشاد الطالب إلی التعليق على المكاسب 2: 13، قم، مكتبة إسماعيليان؛ وانظر كذلك: الحائري، فقه العقود 1: 137 ـ 136.

([57]) جواد التبريزي، المصدر السابق.

([58]) مثلاً: لا فرق بين جواز قتل المشرك (كحكم تكليفي) بسلطان وليّ الدم وبين قتل الجاني (كحق وضعي شرعي)، سوى أن الأول غير قابل للإسقاط، والثاني قابل له.

([59]) انظر: التوحيدي، مصباح الفقاهة 2: 46؛ بحر العلوم، بلغة الفقيه 1: 18 ـ 17.

([60]) بحر العلوم، بلغة الفقيه 1: 19.

([61]) جوادي الآملي، حقّ وتكليف در إسلام: 25.

([62]) التوحيدي، مصباح الفقاهة 2: 339 ـ 342.

([63]) محمد هادي الطهراني، رساله إي حقّ وحكم، فصلنامه مفيد، العدد 4: 171، تصحيح: نعمة الله صفري فروشاني.

([64]) التوحيدي، مصباح الفقاهة: 339 ـ 342.

([65]) الآخوند الخراساني، حاشية المكاسب: 4؛ الغروي الإصفهاني، حاشية المكاسب: 10.

([66]) الخميني، البيع 1: 40.

([67]) اليزدي، حاشية المكاسب 1: 55؛ بحر العلوم، بلغة الفقيه 1: 13 ـ 14؛ النجفي الخوانساري، منية الطالب في شرح المكاسب (تقريرات النائيني) 1: 106؛ علي الإيرواني، حاشية كتاب المكاسب 1: 22.

([68]) الأنصاري، المكاسب 3: 20 ـ 16؛ الأراكي، كتاب البيع 1: 10: «إنّ الحقّ عبارة عن السلطنة المتعلقة بالمال، وليس بمال…»؛ بحر العلوم، بلغة الفقيه: 33: «وأما الحق فهو يطلق مرّةً في مقابل الملك؛ وأخرى ما يرادفه…».

([69]) محمد باقر الصدر، المعالم الجديدة للأصول 1: 100، النجف، ﻣﻄﺒﻌﺔ ﺍﻟﻨﻌﻤﺎﻥ، ط3؛ عبد الهادي الفضلي، دروس في أصول فقه الإمامية 2: 397، قم، مؤسسة أم القرى، ط4.

([70]) الغروي الإصفهاني، رسالة في تحقيق الحق والحكم: 46، قم، أنوار الهدى؛ وانظر كذلك: الحكيم، نهج الفقاهة: 8، اليزدي، حاشية المكاسب ‌1: 55.

([71]) محمد حسين آل كاشف الغطاء، تحرير المجلة 2: 141، قم، مكتبة الفيروزأبادي.

([72]) الغروي الإصفهاني، رسالة في تحقيق الحق والحكم: 46.

([73]) انظر: أحمد السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني 8: 278، ط2، بيروت، منشورات الحلبي‌ الحقوقية؛ عبد السلام داوود العبادي، الملكية في الشريعة الإسلامية: طبيعتها ووظيفتها وقيودها 1: 142، بيروت، مؤسسة الرسالة.

([74]) انظر: محمود الهاشمي الشاهرودي، موسوعة الفقه الإسلامي طبقاً لمذهب أهل البيت 3: 340، ط1، مؤسسة دائرة معارف الفقه الإسلامي على مذهب أهل البيت^، قم.

([75]) أحمد السنهوري، مصادر الحق في الفقه الإسلامي 1: 19، بيروت، الدراسات الإسلامية.

([76]) محمود الهاشمي الشاهرودي، موسوعة الفقه الإسلامي طبقاً لمذهب أهل البيت 3: 340.

([77]) السنهوري، مصادر الحق في الفقه الإسلامي 1: 19.

([78]) مثال ذلك: انظر: لطف الله الصافي الگلپايگاني، ‌معارف دين 2، بعد سؤال 24، ‎نشر آثار صافي گلپايگاني؛ لطف الله الصافي الگلپايگاني، حقوق مالكيت‌هاي فكري، فصلنامه رهنمون، العدد 2 ـ 3: 207 ـ 209.

([79]) أبو القاسم نقيبي، نظريه جبران خسارت به حقوق معنوي كودك، فصلنامه فقه وحقوق خانواده، العدد 33: 88 ـ 115.

وتجدر الإشارة إلى أن القوانين في إيران لا تستخدم عبارة الحقوق المتعلقة بالفرد، ولكنْ جاء هذا الاصطلاح في أدب وتراث القوانين والحقوق الإيرانية (انظر: صفايي، ‌1388، 15؛ أميري قائم مقامي، 1378، 1، 29 ـ 35؛ سلطاني‌ نژاد، 1380، 63؛ پروين، 1380، 20 ـ 28). وقد أشير إلى بعض أهم مصاديق القوانين المتعلقة بالشخصية بمفردات من قبيل: النفس أو الروح والسلامة أو الصحة والحرية والحيثية والشهرة التجارية.

([80]) للاطّلاع أكثر يمكن مراجعة ما جاء في تفصيل الآراء المتعلقة بمقالات أخرى دوّنها الكاتب واخرون: علي قراملكي، فاطمه قدرتي، سعيد نظري توكلي، معناشناسي حق معنوی در گفتمان حقوقي إسلام وإيران، العدد 9: 161 ـ 190.

([81]) انظر: جوادي الآملي، حقّ وتكليف در إسلام: 25؛ جعفری اللنگرودی، مقدمه عمومي علم حقوق: 85.

([82]) انظر: اليزدي، حاشية المكاسب ۱: 56؛ علي الإيرواني، حاشية كتاب المكاسب ۱: ۲۲.

([83]) انظر: نظريه حقوق فطري شهيد مطهري في: مرتضى مطهري، بررسي إجمالي مباني اقتصاد إسلامي: 278، ط1، طهران، انتشارات حكمت؛ مرتضى مطهري، ياد داشت هاي أستاد مطهري 3: 239، ط2، طهران، انتشارات صدرا مظهر؛ كذلك انظر بالنسبة إلى آراء الفقهاء المتعلقة بحقوق الطباعة والنشر: فاضل لنكراني، جامع المسائل 1، س 1419؛ مكارم شيرازي، استفتاءات 1، السؤالان 1697 و1624.

([84]) انظر: محمد حسين الطباطبائي، أصول فلسفه وروش رئاليسم (أصول الفسلفة والمنهج الواقعي) 3: 251 ـ 250، 264 ـ 262.

([85]) انظر: مطهري، بررسی إجمالي مباني اقتصاد إسلامي: 27، 42، 278؛ مطهري، ياد داشتهاي أستاد مطهري 3: 239.

([86]) جوادي الآملي، حقّ وتكليف در إسلام: 25؛ الخميني، البيع: 49 ـ 4؛ أبو الفضل موسويان، ماهيّت حق: 68.

([87]) الموقع الرسمي للسيد السيستاني؛ وفي هذا السياق يمكن مطالعة رأي الشيخ التبريزي، انظر: التبريزی، 1422، ج5، س 706.

([88]) انظر: ضميمة فصلنامة رهنمون، مدرسة عالي شهيد مطهري، 1371، العدد 2 ـ 3: 208 ـ 209؛ حميد آيتي، حقوق آفرينشهاي فكري: 71 ـ 72، طهران، نشر حقوقدان.

([89]) مكتب الشيخ بهجت، نقلاً عن:

http://www.tebyan.net/newindex.aspx?pid=150146

([90]) الخوئي، المسائل والردود: 123.

([91]) الخميني، تحرير الوسيلة 2: 625 ـ 626، فرع 3، 4، 5، نجف، مطبعة الآداب.

([92]) انظر: محمد موسوي بجنوردي، «ميزگرد پيرامون حقوق مالكيت‏هاي فكري»، صحيفة همشهري، العدد 595: 11، الثلاثاء 20 دي؛ ضميمه فصلنامه رهنمون، 1371: 208 ـ 209؛ محمد عثمان شبير، المعاملات المالية المعاصرة في الفقه الإسلامي: 45، الأردن، دار النفائس.

([93]) انظر: الخميني، تحرير الوسيلة 2: 625 ـ 626، قم، دارالمكتبة العلمية.

([94]) فاضل اللنكراني، جامع المسائل 1، س 1419.

([95]) مكارم الشيرازي، استفتاءات 1، س 1697 و1624.

([96]) حسين النوري، مستدرك الوسائل 12: 174، ح13810، ط2، بيروت، موسسه آل البيت.

([97]) محمد علي الكاظمي الخراساني، فوائد الاصول 3: 119. قال الشيخ الطوسي والأخباريون وأهل السنة (الظاهرية) والشيعة والأشاعرة، بعد ملاحظة القواعد الكلامية الخاصة بهم، قالوا بالتوقف في أصل الحرية والإرادة، ونظرية أصالة الوقف في مقابل أصالة الإباحة، انظر: (محمد أمين الإسترآبادي، الفوائد المدنية: 18، 78، 82؛ يوسف البحراني، الدرر النجفية: 25؛ ابن حزم الأندلسي، الإحكام في أصول الأحكام 1: 47 فما بعد؛ 2: 870). وقد نسب بعض علماء الحنفية هذا الرأي إلى الحنفية أيضاً (ابن نجيم، الأشباه والنظائر علی مذهب أبي حنفية: 66).

([98]) انظر: الهاشمي الشاهرودي، موسوعة الفقه الإسلامي طبقاً لمذهب أهل البيت 11: 372؛ أحمد الجندي، أصول الإجراءات الجزائية في الإسلام 7: 86، جامعة القاهرة، مصر.

([99]) أشارت الآية 67 من سورة النحل والآية 154 من سورة البقرة إلى أن الانسان يتمتع بنوعين من الحق في الحياة: مادي؛ ومعنوي.

([100]) إن الكرامة الذاتية على ضوء ما يرى الإسلام هي موهبة من طرف الباري تعالى، كنعمة العقل والوجدان: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (الإسراء: 70، الحجر: 29). والكرامة النسبية تتعلق بالمؤمنين التي ترتبط بمنازل القرب من الله. يقول الإمام علي×: «إن المومن أعظم حرمة عند الله وأكرم علواً من ملك مقرب» (المجلسي، بحار الأنوار 67: 72)، ويقول الإمام الصادق×: «المؤمن أعظم حرمة من الكعبة» (بحار الأنوار 67: 71)، وجاء في الآية 13 من سورةالحجرات: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾، وفي كتاب 53 من نهج البلاغة يخاطب الإمام علي× مالك الأشتر معتبراً التقوى هي المائز بين الرعية وأبناء الوطن الواحد.

([101]) مطهري، بررسي إجمالي مباني اقتصاد إسلامي: 240 ـ 238.

([102]) للاطّلاع أكثر في القواعد والأصول النظرية للحقوق الطبيعية في الفلسفة الاجتماعية للإسلام انظر: محمد حسين الطالبي، منشأ وخاستگاه حقّ بشر، فصلنامه معرفت فلسفي، العدد 16: 193 ـ 218؛ مطهري، بررسي إجمالي مباني اقتصاد إسلامي؛ سيد أمر الله الحسيني، أصول نظريه حقوق فطري در أنديشه أستاد مطهري، مجله فقه أهل بيت، العدد 52: 139 ـ 106.

([103]) مطهري، بررسي إجمالي مباني اقتصاد إسلامي: 240 ـ 238.

([104]) انظر: مطهري، ياد داشت هاي أستاد مطهري 3: 252.

([105]) سيد محمود نبويان، حق وچهار پرسش بنيادين: 215، طهران، نشر موسسه آموزشی پژوهشي إمام خميني.

([106]) انظر: الحكيم، نهج الفقاهة 1: 6؛ وكذا مستمسك العروة الوثقی 4: 52 ـ 46؛ 14: 554 ـ 14؛ اليزدي، حاشية المكاسب 2: 80؛ محمد حسين الغروي الإصفهاني، كتاب الإجارة: 115.

([107]) ذهب بعض الفقهاء والحقوقيين إلى أن حق الحبس هو نوعٌ من الحق العيني. انظر: الزرقاء، المدخل إلى نظرية الالتزام العامة في الفقه الإسلامي: 48؛ وهبة مصطفى الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلّته 4: 415؛ في مقابل مَنْ يقول بعدم كون هذا الحق من الأعيان، انظر: ناصر كاتوزيان، حقوق مدني، قواعد عمومي قراردادها 4: 105؛ علي آراد، مهريه: 69؛ ولمطالعة الدراسات المتعلقة بعينية حق الحبس أو دينيته انظر: محمد رضا قنبري، مجموعه مقالات حقوقي: 106.