طهارة الإنسان في الإسلام – قراءة نقدية في نظرية نجاسة غير المسلم

11 أغسطس 2014
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: 2
2٬989 زيارة

طهارة الإنسان في الإسلام – قراءة نقدية في نظرية نجاسة غير المسلم

المقدمة

مدخل في أهمية دراسة موضوعة طهارة الإنسان في الفقه الإسلامي

طهارة الإنسان من المسائل المهمة التي لا تزال محلاً للبحث والنقد لدى الفقهاء، وقد اختلفت فيها الأقوال بين من يحكم بنجاسة الكافر مطلقاً بحيث يشمل أهل الكتاب، وهو ما عليه معظم المتقدّمين، وبين من يستثني أهل الكتاب، وهو ما عليه بعض المتقدّمين والمتأخرين. وفي المقابل بدأنا اليوم نسمع بعض الأصوات تتعالى وتقول بالطهارة الذاتية للإنسان مطلقاً، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليد الواحدة.

أما الحوافز التي تدفع لدراسة هذا الموضوع فهي متعدّدة، منها أهمية هذه المسألة وحساسيتها، وما يمكن أن يترتب عليها من نتائج وآثار، خاصة بالنسبة للمكلّفين الذين يكثر اختلاطهم بأهل الكتاب، وتربطهم بهم علاقات عملٍ ونسب، إلى جانب إمكان سوء استغلال هذا المفهوم الفقهي إعلامياً ودعائياً من جانب أعداء الإسلام الحنيف للحطّ من قيمه الإنسانية العليا، إلى جانب الفضول العلمي للاطلاع على الأسباب التي تكمن وراء إعراض العلماء عن العمل بالروايات الدالة على طهارة الإنسان؛ فهذه الجوانب الاجتماعية والسياسية والعلمية تدفع الباحث لقراءة هذا الموضوع؛ ويقف ـ أيضاً ـ على المسبّب الرئيس في اختلاف نظريات العلماء هنا.

وبدايةً، نسلّط الضوء على مفردات لغوية بالغة الأهمية في هذه الدراسة؛ كي تكون مفتاحاً لنا في معالجة النصوص الدينية في هذا المجال.

النجاسة والشرك، تحليل لغوي واصطلاحي مقارنبحوث تمهيدية

يهدف تحليل معنى كلمة الشرك والنجس لغةً وموارد استعمال لفظ النجس في الروايات، إلى الوقوف على ثبوت النجاسة المصطلحة فقهياً وعدمه في زمن نزول الآية الكريمة القادمة المستدلّ بها على نجاسة المشرك، أو ثبوت استعماله في القذارة الباطنية؛ وعليه فهناك جهات ثلاث من البحث:

أ ـ المعنى اللغوي للشرك

يقول الفراهيدي: الشركة مخالطة الشريكين، واشتركنا بمعنى تشاركنا، والجمع شركاء وأشراك([1])، وذكر الجوهريأن الاسم الشرك([2]). وذكر ابن فارس أن للشرك معنيين: أحدهما يدلّ على مقارنة وخلاف انفراد ومنه الشركة، وهو أن يكون الشيء بين اثنين لا ينفرد به أحدهما، ويقال: شاركت فلاناً في الشيء إذا صرت شريكه، وأشركت فلاناً إذا جعلته شريكا لك، قال الله جل ثناؤه في قصّة موسى: {وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي}، ويقال في الدعاء: اللهم أشركنا في دعاء المؤمنين، أي اجعلنا لهم شركاء في ذلك، وشركت الرجل في الأمر أشركه. والآخر يدل على امتداد واستقامة، ومنه الشرك منهج الطريق وهو شراكه أيضاً، وشراك النعل مشبه بهذا، ومنه شرك الصائد سمي بذلك لامتداده([3]). وفي لسان العرب: الشرك هو النصيب، كما يقال قسم وأقسام، وأشرك بالله جعل له شريكاً في ملكه، تعالى الله عن ذلك، والشرك: أن يجعل لله شريكاً في ربوبيته تعالى الله عن الشركاء والأنداد([4]).

وملخص ما تقدم أن الشرك هو النصيب والسهم في مقابل سائر الأسهم والحصص، وهو يتحقق في العبادة وغيرها، والاسم الشرك، وله جمعان: أشراك وشركاء، كما أنّ له معنى آخر يدل على الامتداد والاستقامة.

ب ـ المعنى اللغوي للنجس

قال الخليل الفراهيدي: النجس الشيء القذر حتى من الناس، وكل شيء قذرته فهو نجس.. والنجس والنجس اتخاذك عوذة للصبي والفاعل منجس. والناجس والنجيس: اللذان لا يبرآن من دائهما، ومصدر النجس النجاسة. والتنجيس شىء كانت تفعله العرب كالعوذة تدفع بها العين؛ ومنه قول الشاعر: وعلق أنجاساً علي المنجس([5]). وجاء في معجم مقاييس اللغة أن النجس أصل صحيح يدل على خلاف الطهارة([6])، وقد ذكر ابن منظور([7]) أنّه يقال: ونجس الشيء بالكسر ينجس نجساً فهو نجس ونجس… الجمع أنجاس. وقال أبو الهيثم في قوله: إنما المشركون نجس، أي أنجاس أخباث. وفي الحديث عن الحسن في رجل زنى بامرأة تزوجها فقال: هو أنجسها وهو أحقّ بها. والنجس: اتخاذه عودة للصبي، وقد نجس له ونجسه عوذه… والنجس: الدنس. وداء نجس وناجس ونجيس وعقام: لا يبرأ منه، وقد يوصف به صاحب الداء.

وخلاصة ما تقدم، أن للنجس معاني أربعة: 1 ـ القذارة الخبثية. 2 ـ خبث السريرة، كما في قوله: هو أنجسها. 3 ـ المرض غير القابل للشفاء، والمريض، كما في قوله: داء نجس وعقام. 4 ـ التعوذ والتحرز.

ج: استعمال لفظ النجس في الروايات

لم نعثر على رواية استعمل فيها لفظ النجس بالمعنى الشرعي، أي النجاسة الظاهرية، وإذا وجد فهو نادر جداً، وقد ذهب السيد الخوئي ـ كما سيأتي ـ إلى القول بعدم العلم بتشريع أصل النجاسة، لكن حيث وردت الكثير من الروايات التي يستفاد من لفظ النجس فيها معنى النجاسة الباطنية، فسنتعرّض في المبحثين الآتيين لاستعمال لفظ النجس في النجاسة الباطنية عند كل من السنّة والشيعة.

1 ـ استعمال لفظ النجس في روايات أهل السنّة

1 ـ رواية أبي بكر، عن أبي هريرة: أن النبي لقيه في بعض طريق المدينة وهو جنب، فانخَنَسْتُ منه، فذهب فاغتسل ثم جاء فقال: أين كنت يا أبا هريرة؟ قال: كنت جنباً فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة، فقال: سبحان الله! إن المؤمن لا ينجس([8])؛ فإن المراد من لفظ النجس في قول النبي القذارة الباطنية لا الظاهرية كما هو واضح؛ إذ من المعلوم أن المؤمن يتنجّس بالنجاسة الظاهرية، والنبي يريد القول: إن طهارة الإيمان لا تجتمع معها النجاسة الباطنية.

2 ـ رواية أبي قتادة قال: قال رسول الله: إنها (الهرة) ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات([9]).

3 ـ رواية أنس قال: لما فتح رسول الله خيبر أصبنا حمراً خارج القرية فطبخناها فنادى منادٍ: ألا إن رسول الله ينهاكم عنها؛ فإنها رجس من عمل الشيطان، فأُكفِئَت القدور بما فيها، وإنها لتفور بما فيها([10]). ومثلها رواية محمد بن سيرين عن أنس أيضاً، وزاد فيها: «فإنها نجس..»، وهذه الزيادة تفسر معنى النجس الوارد في الرواية السابقة، وتبين أن المراد منه القذارة المعنوية والباطنية.

4 ـ خبر يحيى بن عمير قال: إن النبي قال: إذا كان الماء قدر قلتين لم يحمل نجساً ولا خبثاً([11]). وقد استعمل فيها لفظ النجس بالمعنى الشرعي كما هو واضح، فإنّ فيها التفصيل المعهود في كيفية التطهير من بول الأنثى والولد.

وينبغي الإشارة إلى أن إثبات الحقيقة الشرعية من خلال هذه الروايات أو استعمال لفظ النجس في المعنى الشرعي أو اللغوي يتوقف على تمامية أسانيدها، ولا تكفي في المقام وثاقة الراوي المباشري (أي الذي يروي بلا واسطة عن النبي) ـ كما يفهم من كلام السيد محمد محسن الطهراني([12]) في تعليقه على رواية أبي هريرة المتقدمة ـ لأنه وإن صدق أبو هريرة في نقله عن رسول الله أن المؤمن لا ينجس، أي نفي النجاسة الباطنية عن المؤمن، لكننا نحتمل كذب أحد الرواة الواقعين في السند قبل أبي هريرة، وبعد نزول آية: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} (التوبة: 28).

2 ـ استعمال لفظ النجس في روايات الشيعة

1 ـ خبر السكوني عن أبي عبد الله(ع) قال: قال رسول الله(ص): طهّروا أولادكم يوم السابع ؛ فإنه أطيب وأطهر وأسرع لنبات اللحم، وإن الأرض تنجس من بول الأغلف أربعين صباحاً([13]). ولا يحتمل إرادة النجاسة الشرعية من قوله: إن الأرض تنجس، لما هو المعلوم بكفاية تطهيره بالماء مرة أو مرتين، بل إن سياق الرواية هو الإرشاد إلى الآثار الروحية والباطنية، كما تقدم في صدرها: فإنه أطيب وأطهر.

2 ـ رواية معاذ بن جبل، أن رسول الله(ص) قال: إن الله عز وجل خلقني وعلياً وفاطمة والحسن والحسين قبل أن يخلق الدنيا بسبعة آلاف عام.. قلت: على أيّ مثال؟ قال: أشباح نور، حتى إذا أراد الله عز وجل أن يخلقنا صورنا صيّرنا عمود نور، ثم قذفنا في صلب آدم، ثم أخرجنا إلى أصلاب الآباء وأرحام الأمهات، ولا يصيبنا نجس الشرك ولا سفاح الكفر([14])؛ فإن هذه الرواية تدلّ على أن نجاسة الشرك هي نجاسة روحية وباطنية، وقد طهّر الله تعالى أهل البيت منها.

3 ـ موثقة عبد الله بن أبي يعفور عن الإمام الصادق(ع): وإياك أن تغتسل من غسالة الحمام ففيها يجتمع غسالة اليهودي والنصراني والمجوسي والناصب لنا أهل البيت، وهو شرّهم ؛ فإن الله تبارك وتعالى لم يخلق خلقاً أنجس من الكلب، وإنّ الناصب لنا أهل البيت أنجس منه([15]). وليس المراد من قوله: «وإن الناصب لنا أهل البيت أنجس منه» النجاسة الظاهرية؛ لأن مفهوم النجاسة ليس مشكّكاً، بل ينطبق على جميع مصاديقه على حدّ سواء، وإنما اختلاف كيفية التطهير ناتج عن خصوصية في نفس المصاديق التي ينطبق عليها؛ وعليه فالمفارقة بين الناصبي وغيره إنّما هي في درجة الاختلاف من حيث القذارة الروحية والباطنية.

4 ـ خبر محمد بن علي بن الحسين: كان رسول الله(ص) إذا أراد دخول المتوضأ قال: اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم([16]).

5 ـ إن أمير المؤمنين(ع) قال: أمرني رسول الله(ص) إذا دخلت الكنيف أن أقول: اللهم إني أعوذ بك من الخبث المخبث النجس الرجس الشيطان الرجيم([17]).

وهاتان الروايتان استعمل فيهما لفظ النجس في القذارة الباطنية؛ لأن الشيطان ذو قذارة باطنية؛ لكفره بالله تعالى، لا ظاهرية.

نظرية نجاسة الكافر، قراءة في المستندات

1 ـ المستند القرآني، وقفات تحليليّة ونقدية

استدلّ الفقهاء على نجاسة المشرك بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (التوبة: 28).

وذلك أنّ المراد من النجس هنا هو المعنى الشرعي الذي هو النجاسة الظاهرية الذاتية؛ وذلك لثبوت الحقيقة الشرعية فيه، فيحكم بنجاسة الكافر وكل ما يباشره مع الرطوبة المسرية.

وقد نوقش الاستدلال بهذه الآية بعدة مناقشات:

المناقشة الأولى: إن كلمة النجس مصدر، ولا يصحّ حمله على الذات إلا بعد تقدير وإضافة لفظ (ذو)، وهذه الإضافة متصورة فيما لو أريد من النجس النجاسة العرضية وذلك لكثرة ملاقاتهم لها، فيصبح المعنى المشركون ذوو نجاسة.

وقد أجيب عن هذه المناقشة بجوابين:

أولاً: لا مانع من حمل المصدر على الذات إذا كثرت معانيه في الذات، وهو من قبيل زيد عدل، فيكون وارداً على نحو المبالغة، كما في وصف الخنساء للناقة: (فإنما هي إقبال وإدبار)، وعليه فتنحصر حقيقتهم في النجاسة. وما دام لفظ النجس مطلقاً فيدور الأمر بين عناية التقدير وعدمها، وعدم التقدير أولى؛ لأن الحذف خلاف الأصل؛ عليه فيحمل على النجاسة الذاتية الثابتة حتى في فرض عدم ملاقاة النجاسة العرضية.

ثانياً: حتى على تقدير عدم صحّة حمل المصدر على الذات، لا يتعين الحمل على النجاسة العرضية؛ لإمكان أن يكون لفظ النجس صفة مشبّهة بالفعل، مثل زيد حسن المنظر.

لكنّ الإنصاف أن عناية التقدير وكون الحمل على أحد المعنيين أكثر بلاغة لا يعتبران قرينة على تحديد المراد؛ لاحتمال عدم إرادته من قبل المولى؛ وعليه لابد من قرينة أخرى لتعيين أحدهما، وإلا بقيت الآية مجملة من هذه الناحية.

المناقشة الثانية: إن الاستدلال بالآية يتوقف على أصل تشريع النجاسة الشرعية في زمن نزول الآية؛ لأن الأحكام كانت تبيّن على شكل تدريجي، فمن المحتمل عدم تشريع النجاسة إلى ذلك الوقت([18]).

وقد أجيب عنه بأن الروايات([19]) قد دلّت على أن الناس في المدينة كانوا يستنجون بالحجارة أو الماء، وكان البراء بن معرور الأنصاري أول من استنجى بالماء، فأنزل الله فيه: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} (البقرة: 222)، والنجس ضدّ الطاهر كما يذكر أهل اللغة، فإذا كانت الطهارة قد شرّعت فهذا يعني تشريع النجاسة.

لكن يردّ هذا الكلام بأنّه صحيحٌ أن النجس ضدّ الطاهر، لكنّ هذا في اللغة، أما الطاهر الشرعي فليس ضداً للنجس الشرعي؛ فقد توجد طهارة ولا توجد نجاسة، كالوضوء على الوضوء؛ فإنه طهارة ومطلوب لكنه غير مسبوق بالنجاسة، وإنما يحقّق مرتبةً من الكمال. كما أن الطهارة من القذارة يمكن أن تكون مطلوبةً في نفسها، لكن في حال المخالفة لا يترتب عليها آثار النجاسة التي هي آثار وضعية.

المناقشة الثالثة: ذهب الشهيد الثاني([20]) إلى أن الاستدلال بالآية يتوقف على ثبوت الحقيقة الشرعية أو العرفية في النجس زمن الخطاب، وهما غير متحقّقان في المقام، والنجس لغةً يطلق على كل مستقذر، والمستقذر أعم من المعنى المصطلح وغيره، فقد جاء في الحديث: «اتقوا هذه القاذورة التي نهى الله عنها»، وأراد بها فعل القبيح مطلقاً، وتطلق على الدنيا مطلقاً ولفظ السوء. ولما رجم ماعز بن مالك قال رسول الله3: «اجتنبوا هذه القاذورة» يعني الزنا، فإذا كان النجس أعم فيمكن أن يراد منه معنى آخر غير المدّعى.

وقد أجيب عن هذه المناقشة بثلاثة أجوبة:

الجواب الأول: ما ذهب إليه الشيخ الأنصاري من أن إثبات المدّعى لا يتوقف على ثبوت الحقيقة الشرعية، بل يكفي إثبات استعمال لفظ النجس في المعنى الشرعي. وإثبات ذلك من وجهين:

الأول: مع التسليم بأن النجس استعمل في المعنى اللغوي فإن ذلك لن يضرّ بالمدعى؛ لأن مفهوم النجاسة الشرعية هو نفس مفهوم النجاسة اللغوية ـ لأن الشارع لم ينقله عن معناه ـ أي القذارة، ولكن القذارة التي يراها الشارع هي القذارة التي أمر بالتجنّب عنها، وليست إلا الأجسام النجسة لا الطاهرة.

الثاني: هناك قرينة على إرادة المعنى الشرعي، وهي تفريع حرمة قربهم من المسجد؛ فإن الإجماع قام على عدم تجنيب المساجد عن غير النجس الشرعي.

لكنّ المحقق الهمداني لم يرتض هذا الجواب بكلا وجهيه، أما بالنسبة للوجه الأول فقال بأنه لا يمكن الالتزام بحصر القذر لدى المولى بما أوجب التجنّب عنه، لوجود بعض القذارات الشرعية التي لا يجب التجنب عنها لقصور المقتضي أو لوجود المانع. وأما بالنسبة للوجه الثاني ـ وهو قرينية التفريع على النجس الشرعي ـ فقد ردّه بنحوين:

أ ـ النقض بوجود بعض القذارات المعنوية التي يجب تجنيب المسجد منها، كالجنابة والحيض وغيرهما، ومن الشائع إطلاق لفظ النجس عليها؛ وعليه فمن المحتمل أن يراد من لفظ النجس في الآية القذارة المعنوية المتحقّقة بسبب الشرك الذي هو أشدّ أنواع القذارات المانعة من دخول المساجد.

ب ـ إن دعواه الإجماع على كون القذارة الخارجية (أي الذاتية) علّة تامة منحصرة في منع المشركين من المسجد الحرام مدفوعة؛ لأن من ضروريات الدين والإسلام منعهم منه حتى في فرض طهارتهم الخارجية؛ وإلا لو انحصر المانع بالقذارة الخارجية للزم تقييده بوجود الرطوبة المسرية؛ لعدم المانع من إدخال النجاسة غير المتعدّية.

أقول: ما أفاده المحقق الهمداني هو الصحيح؛ فلو كان المحذور من دخول المسجد الحرام لمنعت الحائض والمجنب أيضاً، والتالي باطل فالمقدم مثله، وهذا النحو من التعبير وهو (فلا تقربوا) لم نعهد من الشارع مثله عندما يتناول النجاسات الظاهرية وينهى عن تدنيس المساجد بها، بل أكثر ما يتناسب هذا اللسان مع النجاسة المعنوية، وهي الشرك الذي لا يغفره الله تعالى، وهو أشدّ أنواع القذارات المعنوية، فكيف يرضى تعالى بدخوله إلى قعر داره وساحة قدسه وحريم أقدس وأطهر مكان لديه، وهو البيت الذي يحجّ إليه العباد ليتطهروا من أقذارهم وسيئاتهم، وليكتسبوا منه المراتب الروحية والمعنوية؟ فالله تعالى أراد تطهير بيته والمسجد الحرام من نجاسة الشرك المتمثلة في المشركين والأصنام، لكونه مكاناً مختصاً بالعبادة. وهذا من قبيل ما ورد في الكتاب: {وَعَهِدْنَا إلى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} (البقرة: 125)، و{وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} (الحج: 26)، وقد ذهب السيد الطباطبائي ([21]) إلى أن بيت الله مختصّ بالعبادة، وتطهير بيت العبادة بما هو بيت للعبادة لا يكون إلا من أدناس الشرك ومظاهره.

الجواب الثاني: ما ذكره المحدث البحراني([22]) من أنه بعد التسليم بعدم ثبوت الحقيقة الشرعية، يمكن إثبات المدّعى بطريقة أخرى، مفادها أن عرف الأئمة قائم على استعمال النجس في المعنى الشرعي، ومتى ما دار الأمر بين العرف الخاص وعرف اللغة يقدّم الأول، ولا يقال: إن عرف الأئمة متأخر زماناً عن عرف نزول الآية، لرجوع عرفهم في الأحكام الشرعية وأوامرهم ونواهيهم إلى النبي باعتبارهم نقلةً عنه وحفظة لشرعه وتراجمة لوحيه، كما تشهد الأخبار بذلك.

لكنّ ما ذكره البحراني غير تام لأمرين:

أ ـ إنه لا شاهد في الروايات على ما ذكره، بل لا نكاد نتصوّر وجه الملازمة بين كون الأئمة نقلةً عن النبي وحفظةً لشرعه وتراجمة لوحيه وبين رجوع عرفهم في الأحكام الشرعية وأمرهم ونهيهم إليه’؛ لإمكان التفكيك بينهما وعدم وجود المانع من ذلك. وهو عين ما ذهب إليه المحقق الهمداني([23]) في الرد عليه أيضاً.

ب ـ إنّ هذه الطريقة في فهم الكلام الصادر من شخص واحد ولو بالتنزيل في زمانين متباعدين، ليست عرفية؛ فإن للغة العربية قوانين وأساليب معينة يعمل أهلها على مراعاتها، فهم يفهمون اللفظ في ضوء القرائن المحيطة به حال صدوره لا القرائن التي ستحصل في المستقبل، وظاهر حال المولى هو الجري على وفق الأساليب العرفية؛ لأنه لم يتخذ طريقةً خاصة في تفهيم مراداته واستعمالاته.

الجواب الثالث: ما ذكره المحقق النجفي([24])حيث ادعى وجود قرائن متعددة على إرادة النجاسة الشرعية، واقتصر على ذكر واحدة منها، وهي أن تفريع عدم قربهم من المسجد لا ينسجم إلا مع النجاسة الاصطلاحية، وأما النجاسة العرفية ـ مضافاً إلى أنها أمر تكويني وليس من وظيفة الشارع الإخبار عنها ـ لا يتصف بها الأغنياء منهم، بل يتصف بها بعض المسلمين أيضاً، وأما احتمال إرادة النجاسة الباطنية من لفظ النجس فلا معنى له لعدم معهوديته لديهم.

ويلاحظ على هذا الكلام أنه قد تقدّم الجواب على القرينة المدّعاة، وعدم العلم بثبوت تشريع النجاسة، وتقدم أيضاً موارد متعددة استعمل فيها النجس في النجاسة الباطنية، وهذا يعني أنها كانت معهودة لديهم، فإذا انتفى احتمال إرادة النجاسة العرفية ـ أي القذارات والأوساخ ـ والنجاسة الشرعية تعيّن إرادة النجاسة الباطنية.

المناقشة الرابعة: ما أورده جماعة ـ منهم السيد محمد العاملي([25])ـ بأن الدليل أخصّ من المدعى؛ لأنه على فرض التسليم بأن المراد من النجس المعنى الاصطلاحي فإنّ الآية تختصّ بالمشرك، والمدعى أعم منه؛ لشموله للكتابي أيضاً، ومن المعلوم أن بعض أفراد الكافر ليس بمشرك.

وأجيب عن هذه المنافشة بأن اليهود والنصارى مشركون أيضاً، لقوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا… سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} (التوبة: 30 ـ 31)، فالله تعالى وصفهم بالمشركين، وعليه فالآية تدلّ على نجاسة أهل الكتاب لصدق عنوان الشرك عليهم.

لكنّ هذا الجواب غير تام لأمور ثلاثة:

1 ـ يترتب على ذلك الحكم بنجاسة كلّ من يصدق عليه عنوان الشرك من أهل الكتاب وغيرهم، أما لو وجدنا بينهم من لم يشرك بالله فلا يمكن الالتزام بنجاسته لارتفاع الحكم بارتفاع موضوعه.

2 ـ ما استظهره السيد الخوئي([26]) وجزم به السيد محمد محسن الطهراني([27]) من أنّ القرآن الكريم لم يطلق على أهل الكتاب لفظ المشرك على نحو اسم الفاعل، وإنما أطلقه على سائر الأصناف الأخرى كعبدة النجم والقمر والشمس. وهذا ما يظهر من الآيات التالية:

أ ـ {مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} (البقرة: 105).

ب ـ {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ}(البينة: 1).

ج ـ {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ}(البينة: 6).

وهذا يعني أن القرآن الكريم يستعمل عنوانين متقابلين هما: المشرك وأهل الكتاب، ومن ثم يخلص إلى أن أهل الكتاب لا تشملهم الآية المستدل بها قطعاً؛ لأنهم لا يدخلون في دائرة المشركين من الأساس.

3 ـ إن مفهوم المشرك عند العرف والمتشرعة في المجتمع الإسلامي هو اصطلاح خاص كان يطلق على فئة محدّدة من الناس وهم الوثنيون، فعند إطلاق كلمة المشرك ـ كما في الآية المذكورة ـ يحصل انصراف إليهم لا محالة، ولا ينفع هنا كون أهل الكتاب مشركين في العبادة ليشملهم الحكم بالنجاسة ما لم تقم قرينة على ذلك. ومما يشهد لذلك ما ورد في ذيل الآية: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}؛فإن العيلة التي سيخاف منها المسلمون إنما هي بسبب عدم مجيء المشركين الوثنيين؛ لأنهم كانوا يأتون في عام الحج مع تجارتهم التي كان المسلمون يعتمدون عليها، كما أن الآية نزلت في السنة التاسعة للهجرة، وقد نادى أمير المؤمنين× بالبراءة من المشركين خاصّة دون أهل الكتاب، وإلا فلو كانوا مشمولين لمفاد الآية لعمّتهم البراءة، ومن المعلوم أنّ أهل الكتاب لا يحجّون إلى البيت ولا يدخلون إلى المسجد الحرم، وهذا يكشف عن أنّ الآية ناظرة إلى غير أهل الكتاب. حتى أن الشيخ الأنصارينفسه([28]) بعد أن ذكر وجهين لإرادة المعنى الشرعي استدرك قائلاً: إن من الأولى الاستدلال بالروايات عوضاً عن الآية؛ وذلك لظهورها في خصوص المشركين.

وقد اتضح مما سبق الردُّ على من تمسّك بإطلاق لفظ «نجس» ليشمل النجاسة الظاهرية أيضاً؛ حيث أن الإطلاق إنما يصلح شاهداً على عموم المراد الجدي بعد الفراغ عن إحراز المراد الاستعمالي، وقد مرّ الكلام في المراد الاستعمالي من لفظ نجس حيث لم يحرز المراد الاستعمالي منه.

وخلاصة القول: إن الفقهاء استدلوا على نجاسة أهل الكتاب والمشركين بالآية المذكورة، وهم بين من يدّعي ثبوت الحقيقة الشرعية في النجس، ومن يحاول الاستعانة بالحقيقة المتأخرة زماناً عن الخطاب بعد أن أعوزته الحاجة، والاستعانة بضمائم متعدّدة لتتميم دلالة الآية، إلا أن ذلك كلّه لا يقوى أمام النقض والمناقشة، ومن ثمّ لا تدل الآية على نجاسة المشركين الملحدين ولا غيرهم، فضلاً عن دلالتها على نجاسة أهل الكتاب.

2 ـ المستند الحديثي، تعليقات ومناقشات

نركّز بحثنا هنا ـ بعد الفراغ عن البحث القرآني ـ على أهم الروايات المستند إليها لنجاسة أهل الكتاب وطهارتهم، ونعقب ذلك بالحديث عن كيفية علاج التعارض المتصوّر بين الأحاديث؛ لذا سيكون حديثنا في محاور ثلاثة:

1 ـ 2 ـ روايات نجاسة الكافر، قراءة نقدية

وهي روايات متعدّدة نذكر أهمها:

1 ـ حسنة سعيد الأعرج: سألت أبا عبد الله(ع) عن سؤر اليهودي والنصراني. فقال: «لا»([29])؛ إذ الظاهر من السؤال هو الاستفسار عن حكم تناول سؤرهما، والإمام نهى عنه، وما ذلك ـ بحسب الارتكاز العام لدى المتشرعة ـ إلا لنجاستهما، وقد اعتبر السيد الخوئي([30]) هذه الرواية تامة في دلالتها على النجاسة؛ لظهورها في السؤال عن حكم أنحاء التصرفات بسؤر اليهودي والنصراني التي منها الأكل والشرب، كما صرّحت بذلك أيضاً رواية أخرى لسعيد الأعرج([31]).

لكنّ الاستدلال بها غير تام؛ لانتفاء الملازمة بين النهي عن أكل سؤره وشربه وبين نجاسته؛ لأننا نحتمل وجود ملاك آخر للنهي، كما لو كان فيه مبغوضية للشارع وحزازة معنوية، وهذا من قبيل ما ورد في النهي عن سؤر الحائض وابن الزنا والناصبي، فهل يلتزم أحد بنجاسة سؤر الحائض، كما أن هناك روايات متعدّدة تحث على سؤر المؤمن لما فيه من الفوائد، فنحتمل أن الراوي إنما طرح سؤاله على هذا المنوال، وإلا فلو كان يريد الطهارة والنجاسة فمن الأولى أن يسأل عن حكم ذات اليهودي والنصراني، لا عن سؤرهما.

2 ـ صحيحة علي بن جعفر، عن أخيه موسى(ع) قال: «سألت عن مؤاكلة المجوسي في قصعة واحدة وأرقد معه على فراش واحد وأصافحه، فقال: لا»([32])؛ وذلك أنّها ظاهرة في النجاسة؛ لأن الإمام إنما حرّم هذه الأمور لانفعالها بمباشرتهم لها مع الرطوبة، ولا تحمل المؤاكلة على وجود النجاسة العرضية؛ لإطلاق النهي عن المؤاكلة.

وقد ذهب الإمام الخميني([33]) إلى عدم دلالة هذه الرواية على النجاسة، بل قوّى احتمال ورودها في مرجوحية نفس هذه العناوين الثلاثة؛ لأن النهي يشمل نفس المؤاكلة والمصافحة حتى في فرض اليبوسة، مع أنه لا مقتضي لانتقال النجاسة، وهذا يكشف عن أن المحذور ليس هو النجاسة، كما أنّها واردة في سياق النهي عن الرقود على الفراش الذي لا يحتمل حرمته.

وما أفاده الإمام الخميني هو الظاهر من الرواية، بل نضيف إلى ما ذكره أنّ استفادة النجاسة من الرواية يتوقف على فرض وجود الرطوبة، وهذا حملٌ للرواية على الفرض النادر، ويكفينا احتمال الخصوصية في هذه العناوين لتكون الرواية مجملةً من هذه الناحية. بل يمكن دعوى أن هذه العناوين ـ بحسب ما يفهمه العرف ـ كناية عن إرادة السائل لمعرفة جواز معاشرتهم ومصادقتهم كغيرهم من المسلمين دون النظر إلى النجاسة والطهارة؛ وإلا ماذا بقي من الأفعال حتى يسأل عن حكمه؟ وهل هذه أفعال غير أفعال الصديق؟ وهل يحتمل السائل اختلاف الحكم بين هذه الأفعال ليسأل عنها جميعاً؟ فمن خلال ذلك تعلم أن السائل يسأل عن أمر واحد وهو المعاشرة.

3 ـ صحيحة محمد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر(ع) عن آنية أهل الذمة والمجوس؟ فقال: «لا تأكلوا في آنيتهم، ولا من طعامهم الذي يطبخون، ولا في آنيتهم التي يشربون فيها الخمر»([34])؛ على أساس أنّ الإمام أمر بالتجنّب عن أوانيهم وطعامهم الذي يطبخونه، وهذا ظاهر في تنجّس ما يلاقونه بالرطوبة، وإلا فما الموجب لتقييد طعامهم المنهي عنه بالمطبوخ؟

لكنّ السيد الخوئي([35]) اعتبر هذه الرواية أظهر في دلالتها على الطهارة منها على النجاسة؛ لأنهم لو كانوا نجسين ذاتاً فلا معنى للتفصيل بين الأواني ولحكم بنجاستها جميعاً حتى التي يشرب منها الماء، فضلاً عن التي يطبخون فيها ويشربون منها الخمر، ومن ثم ذكر وجه النهي عن طعامهم المطبوخ، وهو عدم انفكاك طعامهم المطبوخ عن لحم الخنزير وشحمه ولتنجس آنيتهم بلحمه وعدم تطهيرها على الوجه الشرعي.

وهذا الكلام الذي ذكره الخوئي صحيح؛ باعتبار أن الإمام(ع) في مقام بيان أحكام جميع الأواني، كما يظهر من السؤال والتفصيل في الجواب، وهذا يدلّ على أن القيود التي افترضها قيودٌ احترازية، وهذا مطابق لما استظهره الشهيد الثاني أيضاً([36]).

4 ـ صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله (ع): في رجل صافح رجلاً مجوسياً، فقال: «يغسل يده ولا يتوضأ»([37])؛ والاستدلال بها واضح من خلال ظهور أمره بغسل اليد في نجاسة المجوسي بحسب الارتكاز العام لدى المتشرعة.

إلا أن الاستدلال بها غير تام لشمول الأمر بالغسل لحالة عدم وجود الرطوبة المسرية، وهذا يكشف عن أن النجاسة ليست هي مناط الغسل، وحمل الرواية على فرض الرطوبة حمل على الفرض النادر، كما ذهب جمعٌ من الأعلام فحملوها على استحباب غسل اليد بشهادة رواية القلانسي، قلت لأبي عبد الله(ع): ألقى الذمي فيصافحني، قال: امسحها بالتراب وبالحائط([38])؛ حيث من المعلوم أنّ المسح بالتراب ليس من المطهّرات المعهودة في مثل هذه الموارد.

ومن الملاحظ أن لسان الرواية لا يتلاءم مع محذور النجاسة؛ لأن فيه نوعاً من التشديد، بل يتلاءم أكثر مع مطلوبية النفور منهم والابتعاد عنهم كي لا يُتأثر بسوء عقيدتهم وأخلاقهم، أو فقل: من باب الإشارة إلى انحطاطهم.

5 ـ صحيحة زرارة عن أبي عبد الله(ع)، أنه قال في آنية المجوس: «إذا اضطررتم إليها فاغسلوها بالماء»([39])، فهي ظاهرة ـ من خلال الأمر بالغسل ـ في النجاسة بحسب المرتكزات المتشرعية.

والإنصاف أن هذه الرواية تامة الدلالة، ودعوى أن التعبير بالاضطرار لا يناسب الظهور في النجاسة مدفوعة بأدنى تأمل.

6 ـ صحيحة علي بن جعفر: أنه سأل أخاه موسى(ع) عن النصراني يغتسل في الحمام، قال: «إذا علم أنه نصراني اغتسل بغير ماء الحمام، إلا أن يغتسل وحده على الحوض فيغسله ثم يغتسل»([40]). وهذه الرواية ظاهرة في دلالتها على النجاسة؛ فإن اختصاص الأمر بالغسل بغير ماء الحمام الذي اغتسل به النصراني وغسل الحوض لا موجب له إلا نجاسته الذاتية، وإلا لو كان المانع النجاسة العرضية الطارئة على جسمه لشمل المسلم أيضاً.

هذه هي الروايات التي استُدل بها على نجاسة أهل الكتاب، ولم يسلم من المناقشة إلا روايتان دلّتا على النجاسة على مستوى الظهور، وهي كافية في الدلالة على المدّعى، مع قطع النظر عن روايات الطهارة، وأكثرها على الطهارة كان أدلّ منه على النجاسة.

إلا أن في المقابل روايات متعدّدة أظهر منها في الدلالة على الطهارة، وهي ما سنتعرض له قريباً.

2 ـ 2 ـ روايات طهارة الكافر، دراسة وتحليل

وهي روايات كثيرة بلغت حدّ الاستفاضة، وأسانيدها قوية؛ فمنها الصحيح والموثق، وإليك أهمها:

1 ـ ما ورد في ذيل صحيحة علي بن جعفر: وسألته عن اليهودي والنصراني يدخل يده في الماء أيتوضأ منه للصلاة ؟ قال: «لا، إلا أن يضطر إليه»([41])؛ فإنّ الاستثناء عند الاضطرار يدلّ على طهارتهما الذاتية، وإلا لو تنجّس الماء بالملاقاة لما جاز الوضوء به، بل تعيّن التيمم.

لكنّ الشيخ الطوسي حمل الاضطرار على التقية، ووافقه المحقق السبزواري([42])، بينما حمل المحقق الحلي([43]) الوضوء على التحسين، والحر العاملي حمل الماء على كونه كراً أو معتصماً بالمادة.

ويلاحظ عليهم أن حمل الاضطرار على التقية بعيد، كما ذهب إليه الشيخ الأنصاري([44])، بل الظاهر من الاضطرار ما كان بسبب انحصار الماء فيه وعدم وجدان غيره، وما إذا كان الماء قليلاً أيضاً؛ لعدم صدق الاضطرار على استعمال الماء الكثير والمعتصم لأنهما لا ينفعلان بالملاقاة. وأما حمل الوضوء على التحسين للصلاة فلا معنى له، لأنه سيؤدي إلى تنجيس أعضاء الوضوء. لكن على فرض حمل الاضطرار على التقية يترتب عليه الالتزام بطهارة اليهودي والنصراني في خصوص مورد التقية؛ وذلك لظهور الرواية في الاكتفاء بهذا الوضوء للصلاة، وليس فيها ما يدل على إعادته بماء آخر. فهل يلتزمون بأن التقية ترفع الآثار الوضعية كما ترفع الآثار التكليفية؟! ولا مانع من تقييد النجاسة بعدم التقية؛ لأن نجاسة الكتابي اعتبارية من قبل ا لمولى والاعتبار سهل المؤونة، هذا فيما لو بقينا مع هذه الرواية، إلا أنه سيظهر فيما بعد طهارة الكتابي من خلال الجمع العرفي بين الروايات، ما يكشف أن منشأ الاضطرار هو العسر والحرج لا التقية.

وهل يعتبر هذا الذيل قرينة متصلة تصرف ظهور الصدر عن النجاسة، وذلك لأنهما من قبيل الجمع في المروي لا في الرواية فلا يصلح اللاحق للقرينية على السابق؟

2 ـ صحيحة إسماعيل بن جابر قال: «قلت لأبي عبد الله(ع): ما تقول في طعام أهل الكتاب؟ فقال: لا تأكله، ثم سكت هنيهة ثم قال: لا تأكله، ولا تتركه تقول: إنه حرام، ولكن تتركه تتنزّه عنه، إن في آنيتهم الخمر ولحم الخنزير»([45])؛ فهي واضحة في طهارة أهل الكتاب؛ لظهور ذيلها في كون الخمر ولحم الخنزير علّة تامة منحصرة للتنزه عن طعامهم، بل لو كانت نجاستهم ذاتيةً لتنجس الطعام بسبب ملاقاتهم له بأيديهم عند تحضيره مع الرطوبة المسرية كما هو الأعم الأغلب، بل احتمال ملاقاتهم للطعام أكثر بكثير من احتمال وجود لحم الخنزير في آنيتهم، ومن ثم فالسكوت عن حكم هذا الفرد يكشف عن طهارتهم الذاتية، وإلا كان سكوتاً عن حكم الفرد الأخفى، وهو خلاف الحكمة، وهذه الصحيحة تصلح شاهداً للجمع بين الروايات كما سيأتي.

وقد ذكر الشهيد الثاني أن تعليل النهي بوجود الخمر ولحم الخنزير دال على طهارتهم الذاتية، وإلا لو كانت نجاستهم ذاتية لم يحسن من الإمام التعليل بالنجاسة العرضية التي قد لا تتحقّق.

لكنّ السيد الحكيم([46]) ذكر أن تكرار النهي يكشف عن مزيد من الاهتمام وهو لا يناسب إلا التحريم.

ويلاحظ عليه أن تكرار النهي لا يدل إلا على الاهتمام الشديد بالترك، لكن هل يصل إلى مرتبة الإلزام أم لا؟ فهذا شيء آخر؛ لانسجامه مع الكراهة الشديدة والحرمة معاً، نعم تكرار النهي يحمل على الحرمة في حال عدم قيام قرينة على الكراهية، كيف والحال أن الإمام × في المقام صرّح بعدم كون طعامهم محرماً وأن الترك تنزيهي، حيث قال: ولا تتركه تقول: إنه حرام ولكن تتركه تتنزه عنه.

وقد رأى الشيخ البهائي([47]) أن ذيل الرواية ظاهر في العلية التامة لنجاستهم، وهذا يدل على طهارتهم الذاتية، إلا أنه رمى المتن بالضعف، معلّلاً ذلك بأن نهيه وسكوته عدة مرات ثم أمره بالتنزه يشعر بكونه متردداً في إصدار الحكم، وبأنه يحكم على سبيل الظن، وهذا مخالف لعقيدتنا بهم؛ فهم معصومون عن الخطأ، ويعلمون بالأحكام الشرعية، فكيف يتصوّر في حقّهم التردد؟

ويلاحظ عليه أن تكرار النهي والتوقف وإتباعه بالأمر بالتنزه لا يدل على التردّد الناشئ من عدم العلم بالحكم والعياذ بالله، وإنما يدلّ على زيادة اهتمام الإمام(ع) بالترك، ولذلك عندما استشعر الإمام بكون تكرار النهي موجباً لتوهم التحريم صرّح بكون النهي تنزيهياً.

3 ـ حسنة الكاهلي قال: سأل رجل أبا عبد الله وأنا عنده: قوم مسلمون حضرهم رجل مجوسي أيدعونه إلى طعامهم ؟ فقال: «أما أنا فلا أدعوه ولا أواكله، وإني لأكره أن أحرم عليكم شيئاً تصنعونه في بلادكم»([48])؛ فهذه الرواية صريحة([49]) أو ظاهرة في عدم نجاستهم؛ لأن الإمام لم يحرم مؤاكلة المجوسي سواء في قصعة واحدة أم لا، كما هو مقتضى السؤال والجواب، فلو كانت نجاستهم ذاتية لتنجّس الطعام لأن من لوازم المؤاكلة تنجّسه لغلبة الملاقاة مع الرطوبة المسرية، وعليه فعدم تحريم المؤاكلة يكشف عن طهارتهم.

لكن هذا الكلام غير تام؛ حيث نسلم بأن المؤاكلة لا تخلو من الملاقاة مع الرطوبة المسرية، لكن هذا لا ينفع في المقام؛ لأن الرواية ظاهرة بأن متعلّق السؤال والجواب هو نفس الدعوة والمؤاكلة لا غير، وليس الإمام(ع) في مقام البيان من جهة الطهارة وعدمها، بل يكفينا الشك في ذلك.

4 ـ صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما  قال: «سألته عن آنية أهل الكتاب، فقال: لا تأكلوا في آنيتهم إذا كانوا يأكلون فيه الميتة والدم ولحم الخنزير»؛ فهذه الرواية تدلّ على طهارة أهل الكتاب بمفهوم الشرط؛ لأن الشرط له مفهوم وخاصة في مثل هذا المورد الذي تأخر فيه الشرط على الجزاء، والمعنى كلوا في آنيتهم إذا لم يأكلوا فيها النجاسات المذكورة، فهي تدل على جواز الأكل حتى من الطعام الذي يساوروه بأيديهم مع الرطوبة كما هو الأعم الأغلب.

ولم يرتض بعض العلماء ـ كالسيد محسن الحكيم([50]) ـ الاستدلال بالشرطية على الطهارة لأنها لا مفهوم لها، بدعوى أنها سيقت لبيان موضوع الحكم، فتكون من قبيل القضية الحملية، والمعنى لا تأكلوا في الآنية التي تكون فيها الميتة وشبهها.

والصحيح هو ما أفاده السيد الحكيم؛ لما قرّر في الأصول من أن الشرطية التي سيقت لبيان الموضوع لا مفهوم لها.

5 ـ موثقة عمار الساباطي، عن أبي عبد الله(ع) قال: >سألته عن الرجل هل يتوضأ من كوز أو إناء غيره إذا شرب منه على أنه يهودي ؟ فقال: نعم، فقلت: من ذلك الماء الذي يشرب منه ؟ قال: نعم<([51])؛ فالإمام هنا حكم بجواز الوضوء من الماء الذي يباشره اليهودي وهذا يدل على طهارته؛ إذ لو كان نجساً لانفعل الماء بمباشرته له، ومن ثمّ ما جاز الوضوء به لاشتراط الطهارة في ماء الوضوء كما هو معلوم.

لكنّ الشيخ الطوسي([52]) حمل هذا الحديث على أحد أمرين: إما على من ظنّ بكونه كافراً، أو على من كان يهودياً فأسلم، بينما جعله المحقق النراقي([53])ظاهراً في الاحتمال الأول، وأضاف الفاضل الهندي([54]) احتمالين هما: كثرة الماء وغسل الإناء. وهناك احتمال آخر وهو أنّ جواز الوضوء إنما كان بسبب عدم انفعال الماء القليل بملاقاة النجاسة لا غير.

لكنّ هذه الاحتمالات خلاف الظاهر من الرواية ولا شاهد عليها، نعم لابد من الوقوف عند الاحتمال الأخير؛ إذ يمكن القول بانضمام هذه الموثقة إلى جملة الروايات الواردة في سياق الدلالة على عدم انفعال الماء القليل بملاقاة النجس والمتنجّس.

وقد أجاب السيد الشهيد الصدر على ذلك بإمكان تتميم دلالة الرواية على الطهارة بضميمة قيام الأدلة على انفعال الماء القليل بالملاقاة. وهو جواب مقبول حيث إنهم يلتزمون بانفعال الماء القليل، وهذا مصداق من مصاديق الملاقاة، فلماذا التوقف عنده؟

6 ـ صحيحة العيص بن القاسم، قال: سألت أبا عبد الله(ع) عن مؤاكلة اليهودي والنصراني والمجوسي، فقال: «إذا كان من طعامك وتوضأ فلا بأس»([55]). فهي ظاهرة في طهارة أهل الكتاب؛ حيث لا معنى لتقييد جواز المؤاكلة بطعام المسلم أو بوضوئهم إذا كانت نجاستهم ذاتية، باعتبار أن الطعام سيتنجّس على كل حال بسبب مساورتهم له بأيديهم مع الرطوبة المسرية، ولن ينفعهم. ومن خلال مفهوم الجملة الشرطية ـ وهو إذا لم يكن من طعامك أو لم يتوضأ ففيه بأس ـ نستفيد أن المحذور يرجع إلى نجاسة طعامهم أو النجاسة العارضة على أيديهم. وأما التقييد بالوضوء ـ أي غسل اليدين ـ فإنما هو لرفع محذور النجاسة العرضية المحتملة، باعتبارهم يباشرون النجاسة ولا يغسلونها بالطريقة الشرعية.

وحيث ذهب المشهور إلى نجاسة الكتابي، حملوا هذه الرواية على المؤاكلة في الأجسام الجامدة، أو على تعدّد الأواني، والوضوء برأيهم إنما هو لرفع القاذورات التي تسبّب نفور الطبع والميل إلى التهوّع والتقيّؤ، أو لأنه من آداب المائدة. لكن ذلك كلّه خلاف الظاهر، وتأويلات تبرعية لا شاهد عليها.

7 ـ صحيحة إبراهيم بن أبي محمود، قال: قلت للرضا×: الجارية النصرانية تخدمك وأنت تعلم أنها نصرانية لا تتوضأ ولا تغتسل من جنابة، قال: «لابأس، تغسل يديها»([56]). ولا إشكال في دلالتها على الطهارة الذاتية؛ إذ لو كانت النصرانية نجسةً ذاتاً فلا معنى لأن تغسل يديها؛ لأن الأمر سيزداد سوءاً، نعم تتصور الفائدة فيما لو كانت النجاسة عرضية لارتفاعها بالغسل.

وقد حمل السيد الحكيم ([57]) القضية على كونها خارجية؛ لأنه استظهر من قوله: (الجارية النصرانية تخدمك) السؤال عن جارية معينة كانت تخدم الإمام، وعليه فمن المحتمل أن الإمام كان مجبوراً على استخدامها من قبل السلطان، فتكون الرواية صادرة على نحو التقية، ومنشأ هذا الاستظهار أن القضية لو كانت كلّية لكان الأنسب أن يطرح السؤال بنحو آخر، كأن يقول: الجارية تخدم الإنسان، أو تخدمني، وحينئذ لا يمكن الاستدلال بالرواية لإجمال هذه الواقعة.

أما السيد الخوئي([58]) فلم يفرق في تمامية دلالة الصحيحة على المدّعى بين أن تكون القضية خارجية أو كلية، فلو كانت قضية خارجية فمن البعيد أن يسأل الراوي ـ وهو من كبار الرواة ـ عن حكم الاستخدام؛ لأن فعل الإمام(ع) وقوله يدلان على الحكم، فكيف يرى الإمام يستخدم النصرانية ومع ذلك يسأله عن الجواز؟! وعليه فالمتعين أنه يسأل عن وجه الجواز، فيكون قول الإمام: تغسل يديها، جملةً خبرية. أما على افتراض أنها قضية كلية ـ وهو الأظهر لأن السؤال يطرح على نحو الفرض والتقدير أو يفترض السائل نفسه مبتلى بالواقعة أو يفترض المسؤول هو الغائب ـ فيكون قوله: تغسل يديها، جملة إنشائية، وعلى كلا الاحتمالين فالصحيحة تدل على الطهارة.

وهنا نقول: أولاً: إن ما استظهراه من السؤال غير تام؛ لأننا لا نستطيع تعيين نوع القضية طالما يصحّ طرحها على نحو من الأنحاء الثلاثة سواء كانت خارجية أم كلية، وكثرة الاستعمال وإن سُلِّمت في أحدهما فلا توجب حجية الظهور المسبّب عنها كما هو معلوم، وما ذكره السيد الحكيم من إلزام الإمام بتعبير معيّن لا معنى له كما رأيت.

ثانياً: لا مانع من الالتزام بممارسة الإمام للتقية حتى في وجه الحكم، وذلك للحفاظ على مواليه خصوصاً في مثل هذا المورد، كما سنتعرض له بالتفصيل فيما يأتي. وبناء عليه تبقى الرواية مجملة من جهة صدورها على نحو التقية وعدمه.

في المقابل، رأى الشهيد الصدر أن كون القضية خارجية قرينةٌ على عدم صدورها تقية، فقال: «ولو فرضنا القضية خارجية فإن الرواية حينئذ أدلّ على الطهارة؛ لاقتران الفعل بالقول، واحتمال التقية منفي بالأصول العقلائية العامة، ولو ثبت كون وجود النصرانية عند الإمام(ع) اضطرارياً وبسبب التقية فلا يعني ذلك أن بيانه مبني على التقية، فأصالة الجدّ في بيانه جارية على كل حال»([59]).

وما ذكره من جريان أصالة الجدّ لنفي الشك في جهة صدور الرواية في فرضي القضية غير تام؛ فإن أصالة الجدّ أصل عقلائي، والسيرة العقلائية دليل لبي لا إطلاق فيه عند وجود المقتضي وهو الحمل على التقية، ويكفينا القول بأننا لا نحرز انعقاد السيرة بل يمكن دعوى أن العقلاء لا يجرون الأصل في مثل هذا المورد، وعليه فلا مناص من الالتزام بحمل الرواية على التقية لإجمال الواقعة.

ويرى السيد الكلبايكاني([60]) أن الأقوى كون مورد السؤال هو استخدام النصرانية بما هي نصرانية، ومع قطع النظر عن كونها لا تغتسل ولا تتوضأ، وإنما ذكر هذه الأمور لإظهار مزيد من التنفر ولتقريب عدم الجواز بنظره، فأجابه الإمام(ع) بأنها تغسل يديها فترتفع النجاسة العرضية، ولا يؤثر تنجّس ما لامسته لإمكان تطهيره. بل نحمل الرواية على الاستخدام في غير ما لا يتنجس كالكنس وغيره.

ويلاحظ عليه أولاً: أن استخدام أهل الكتاب كان أمراً شائعاً بين المسلمين وبالتالي لا معنى للشك في جوازه، خصوصاً إذا كان السائل إبراهيم بن أبي محمود وهو من أجلاء الرواة؛ فكيف يتصور خفاء الأمر على مثله؟! وعلى فرض كون القضية خارجية لا نحتمل في حقه السؤال عن أصل الجواز كما تقدم طالما أنه يرى بأم عينيه أن الإمام(ع) يستخدمها، ومن المعلوم أن فعل الإمام وقوله واحد من جهة دلالته على الحكم الشرعي.

ثانياً: لا نسلّم أصلاً بظهور الرواية في كون موردها هو استخدام النصرانية بما هي نصرانية، بل هي ظاهرة في أن السؤال يدور مدار العلم بكونها نصرانية لا تغسل ولا تتوضأ ؛ لأن الواو في قوله: (وأنت تعلم) حالية والتقدير والحال أنك تعلم… ومما يؤكّد ذلك جواب الإمام، حيث نفى البأس ورفع المانع المتصوّر فقط.

8 ـ صحيحة ابن سنان، قال: سأل أبي أبا عبد الله(ع) وأنا حاضر: إني أعير الذمي ثوبي وأنا أعلم أنه يشرب الخمر ويأكل لحم الخنزير فيردّه علي، فأغسله قبل أن أصلي فيه ؟ فقال أبو عبد الله(ع): «صلّ فيه ولا تغسله من أجل ذلك، فإنك أعرته إياه وهو طاهر ولم تستيقن أنه نجسه، فلا بأس أن تصلّي فيه حتى تستيقن أنه نجسه»([61]). فالإمام حكم على الثوب الذي استعاره الذمي بالطهارة مع أنهم عادة ما يتعرّقون، وهذا يعني طهارتهم الذاتية. وقد اعتبر الشيخ النجفي([62]) هذه الرواية أقوى ظهوراً في دلالتها ـ من جهة تقرير الإمام ـ على الطهارة من صحيحة إبراهيم المتقدّمة.

لكنّ هذا التقريب مندفع بوجهين:

الأول: إن احتمال الملاقاة مع الرطوبة الناشئة من البدن أو من الخارج لا يصل عادةً إلى حدّ الاطمئنان بحصولها فضلاً عن العلم، بحيث يرتفع موضوع الأصل ـ أي استصحاب الطهارة ـ ومما يشهد لذلك قيام سيرة المتشرعة عادةً على جريان استصحاب الطهارة في مثل هذا المورد عند الشك.

الثاني: إن الثوب المستعار يكون ثوباً خارجياً، يخرج به أمام الناس ويلبس تحته الثياب الداخلية الساترة لكل البدن، والعرب في تلك الأيام كانوا يرتدون الثوب فوق الثوب، وبناء على ذلك ليس من المعلوم أن تتجاوز رطوبة البدن الثوبَ الخارجي المستعار. اللهم إلا أن يقال: إن الثوب المستعار يتسخ عادة وخاصة في تلك الأيام، فمن البعيد أن يعيده إليه دون أن يغسله ومن ثمّ سيتنجس بملاقاته له، لكن الظاهر أن متعلّق السؤال والجواب هو تنجّس الثوب من جهة شرب الخمر وأكل لحم الخنزير لاحتمال تساقطهما على الثوب.

ويمكن تقريب الاستدلال بهذه الرواية بأن الطهارة الذاتية مرتكزة في ذهن السائل؛ لذلك تراه ركّز سؤاله على النجاسات العرضية كشرب الخمر وأكل لحم الخنزير، وإلا لكان الدافع وراء سؤاله هو احتمال النجاسة الذاتية.

3 ـ 2 ـ معالجة ظاهرة التعارض بين أحاديث الطهارة والنجاسة

مقتضى الجمع العرفي بين الروايات المتقدّمة أن تحمل أخبار النجاسة على الكراهة؛ لأن الروايات الأولى ظاهرة في النجاسة بينما الروايات الثانية أظهر منها في دلالتها على الطهارة، بل تكاد تكون صريحة؛ فيكون الجمع من قبيل حمل الظاهر على الأظهر، والشاهد على ذلك صحيحة إسماعيل: لا تأكله ولا تتركه تقول: إنه حرام ولكن تتركه تتنزه عنه؛ فالترك تنزيهي غير واجب.

وقد اختار هذا الجمع الشهيد الثاني([63])والسبزواري([64])والسيد محمد العاملي([65]). لكنّ معظم الأصحاب لم يعملوا بهذا الجمع، وإنما قدّموا روايات النجاسة على روايات الطهارة ـ مع كثرتها ـ لمبرّرات ثلاثة، كما صرّح المحقق البحراني([66]):

المبرّر الأوّل: موافقتها لظاهر الكتاب الكريم، وهو قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ..}(التوبة: 28).

المبرّر الثاني: موافقة أخبار الطهارة لمذاهب أهل السنّة؛ لهذا حملوها على التقية، وأقاموا بعض الشواهد رغم التزام بعضهم بأظهرية أخبار الطهارة وإمكان الجمع العرفي.

المبرّر الثالث: مخالفة روايات الطهارة للشهرة العظيمة، إذ لم يخالف من العلماء إلا نزر قليل لا يعبؤ بقوله كابن الجنيد وغيره.

وقد جعل هؤلاء حسنة الكاهلي شاهد جمعٍ بينها؛ على أساس ظهورها في أن الإمام(ع) يريد القول: إن مؤاكلة اليهود محرمة من الله، ولكن لا أحرمها عليكم لشيوعها في بلادكم، بادّعاء أن التقية هي العلة الوحيدة لعدم التحريم، لتعليل ذلك بشيوع الارتكاب، وإلا فالرواية تدل على كون أصل التحريم من الله.

لكن أجاب المحقق الهمداني([67]) بأن التقية لا تقتضي كراهة تحريم ما حرّمه الله، وأضاف أن الرواية ظاهرة في النظر إلى نفس عنوان الدعوة والمؤاكلة ومع غض النظر عن نجاستهم وطهارتهم؛ لأن نفس مودّتهم ومعاشرتهم قد تكون ممقوتة ومبغوضة من المولى، فكره الإمام نهيهم عن مؤاكلتهم لكي لا يقعوا في ضيق وحرج؛ ومن ثمّ ليس فيها شهادة على أن الروايات التي دلّت على الطهارة قد وردت تقيةً.

ويمكن مناقشة كلامه بإمكان حمل الرواية على التقية؛ بأن يقال: إن الإمام(ع) لم يكره من الأساس تشريع هذا الحكم كما لم يكره الحكم الواقعي بالحرمة، وإنما كره تطبيق هذا الحكم في مورد التقية. فهل يريد القول: إن التقية ليست علةً منحصرة لكراهية التحريم أو لا اقتضاء لها على الإطلاق؟ فإن كان يريد المعنى الأول ـ كما هو ظاهر الرواية ـ فصحيح ؛ لأننا نحتمل وجود علة أخرى للكراهية. وإن كان يريد المعنى الثاني ـ كما هو ظاهر عبارته ـ فذلك غير تام، لإمكان تعلّق الكراهية بالتحريم فيصير المعنى: وأكره أن أكلّفكم بالحكم الواقعي ـ وهو الترك لنجاستهم الذاتية ـ كي لا تتعرّضوا للتنكيل لأنكم تفعلونه في بلادكم، فإذا تركتم مؤاكلتهم فسيعلمون بتشيّعكم. وبعبارة مختصرة: إنّ الإمام يكره أن يكلّفهم بالحكم الواقعي في مورد التقية.

مناقشة مقولة ضعف روايات الطهارة بإعراض المشهور

قد يقال: إن إعراض المشهور عن العمل بها من شأنه أن يوهنها سنداً ودلالة؛ لأنّ إعراضهم عنها ـ مع وضوح دلالتها وقوّة سندها ـ كاشف عن احتفافها ببعض القرائن الموجبة لإسقاطها عن الاعتبار إلا أنها لم تصل إلى المتأخرين أو خافية عنهم، وكما يقال: كلما ازدادت الروايات قوة ووضوحاً ازدادت بالإعراض ضعفاً ووهناً.

وهذه الدعوى مدفوعة؛ لأن هذه القرائن ولو أفادتهم القطع بالحكم فإننا نتساءل عن ماهية هذه القرائن وطبيعتها، فإنها قد لا توجب القطع بالنسبة لنا. وقد ذكر المحقق الهمداني([68]) والسيد الصدر([69]) أن روايات الطهارة أجلّ من أن يعتريها الضعف لتظافرها وصحّة أسانيدها وقوة دلالتها. فالأسانيد متظافرة في كثرتها ومعتضدٌ بعضها ببعض، بل يمكن دعوى الجزم بصدور أكثرها على الأقل، هذا مضافاً إلى أنه لم يصدر من الأصحاب ما يدلّ على القدح بأسانيدها، بل اكتفوا في مقام التعليق عليها بتأويلها والتشكيك في جهة صدورها، لا أصل صدورها.

بل إنهم استدلّوا ببعضها على مطلوبهم في عدة موارد، فالشيخ الطوسي عمل برواية العيص ـ كما صرّح المحقق الحلي([70]) ـ عندما قال: «يكره أن يدعو الإنسان من الكفار إلى طعامه فيأكل معه…» واستدل أيضا على النجاسة برواية علي بن جعفر في ماء الحمام..

مناقشة مقولة التقيّة في روايات طهارة الكافر

وفي حال تعذر الجمع العرفي، هل يمكن حمل روايات الطهارة على التقية لموافقتها لأهل السنّة ومن ثم تقديم روايات النجاسة؟ ذهب المحقق الهمداني([71])إلى استبعاد ذلك؛ لأن التقية تتصوّر في مقامي: بيان الحكم والعمل؛ أما الأول بمعنى أن يتقي الإمام في بيان الحكم الواقعي، فهو بعيد عن مصبّ الروايات. وأما الثاني بأن يريد من مواليه العمل بما يوافق أهل السنّة، فهو أيضاً بعيد لمحذور الآثار الوضعية، أي بطلان العبادات التي تتوقف صحّتها على الطهارة، إلا أن يكون تجنّبهم مما يؤدي للعسر والحرج. وقد زاد على ذلك السيد الخوئي([72]) أن التقية في الحكم تستدعي وجود من يتقى منه في جميع هذه الموارد وهو بعيد.

ويلاحظ عليهما أنه لا مانع من الاتقاء في بيان الحكم؛ وذلك حفاظاً منه على حياة مواليه، بل قد يستدعي الأمر التوكيد عليه وإيهامهم بأنه الحكم الواقعي وهو أعلى درجات التقية.

وخلاصة الكلام: أن شيئاً من الأدلّة المتقدمة لم يدل على نجاسة الكافر بأنواعه بمن فيهم المشرك والملحد وغيره فضلاً عن أهل الكتاب، وقد ظهر إمكان الجمع العرفي بين الأدلّة بحمل روايات النجاسة على الكراهة، ومن ثم يحكم من خلال الأدلة الظاهرة في الطهارة بطهارة أهل الكتاب وغيرهم، وإلا إذا لم يُصر إلى هذا الجمع فيتعيّن حمل روايات الطهارة على التقية، ويكفينا في المقام جريان أصل الطهارة عند الشك في نجاستهم، وعليه فالمختار في المسألة هو الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان.

3 ـ دليل الإجماع على نجاسة الكافر، مطالعة نقدية فاحصة في عناصر الضعف

بلغت دعوى الإجماع على نجاسة الكافر حدّ الاستفاضة في كلمات الفقهاء، كالسيد المرتضى والشيخ الطوسي وابن زهرة وابن إدريس والمحقق الحلي وغيرهم؛ فهذا الرعيل من العلماء هم حملة علم أهل البيتوحماة الدين وأكثر الناس إحاطة به واطلاعاً عليه، فإذا ادّعوا الإجماع على النجاسة ولم نعثر على مخالف معتدّ به مع وجود المقتضي لذلك، وهو الروايات الواضحة في دلالتها على الطهارة، وكانت على مرأى ومسمع منهم، وأضفنا إلى ذلك ارتكاز النجاسة لدى الأجيال المتعاقبة، كان ذلك كلّه كاشفاً عن إجماع تعبدي على النجاسة قد تلقوه يداً بيد وكابراً عن كابر وطبقة عن طبقة عن الجيل المعاصر لأصحاب الأئمة الذين تلقوه منهم مباشرة.

لكنّ حجية الإجماع ليس ذاتية، بل بمقدار كشفه عن الارتكاز المتشرعي المعاصر للمعصومين؛ لهذا كان لا بد من الوقوف عند المضعفات والمعززات التي من شأنها التأثير سلباً أو إيجاباً في كاشفيته عن الارتكاز المدعى، وفي المقام سنقتصر على ذكر الأهم منها:

المضعف الأول: عدم تداول بحث نجاسة الكافر عند القدماء

لو تأملنا بعض الكتب الفقهية القديمة لوجدنا أن نجاسة الكافر بأنواعه بما فيه أهل الكتاب، لم تكن محلّ بحث لديهم، والسرُّ في ذلك أن الروايات لم تتعرّض لبيان حكم ذات الكافر، وإنما تعرّضت لبيان حكم سؤره، فأمرت بغسل الثوب والبدن والأواني الملاقية له، وانسحب ذلك على فتاوى الفقهاء الذين كانت عادتهم ـ كما ذكر الشيخ الطوسي في مقدمته على المبسوط([73]) ـ الاقتصار في مقام الإفتاء على متون الروايات مع حذف أسانيدها، لذا بحثوا سؤر الكافر ـ تبعاً لتبويب الروايات ـ تحت عنوان الأسآر في باب المياه وتحت عنوان تطهير الثياب والأواني، بل نجد أن الشيخ الطوسي الذي ادّعى الإجماع على نجاسة الكافر بحثه في باب المياه.

وهذا ما انسحب أيضاً على دعاوى الإجماع؛ حيث ادعى السيد المرتضى الإجماع على نجاسة سؤر الكافر وغيره، فعدم كون نجاسة الكافر محلاً للبحث وإفتاؤهم بمضمون الروايات يلقيان بظلالهما على دعوى الإجماع؛ لأن ذلك يولد فينا ميلاً إلى الاعتقاد بأنّ دعواهم كانت حدسية؛ إذ نحتمل أنّ من يدعي الإجماع قد استوحى الحكم بالنجاسة الذاتية من حكمهم بنجاسة سؤره والنهي عن الوضوء به وغيره؛ لاعتقاده الملازمة، وهو احتمال مشروع ومبرّر وله نظير، فنجد أن بعض العلماء يرى مورداً ما مجرى للاستصحاب، والجميع يرون حجية الاستصحاب، فيدعي إجماعهم على ذلك المورد.

المضعف الثاني: وجود القائلين بالطهارة

لو استقرأنا عبارات الفقهاء حول نجاسة الكافر لوجدنا أن هناك اختلافاً بينهم في الجملة، وسنكتفي بنقل أهم هذه المواقف:

1 ـ ما نسبهالشهيد الثاني([74]) من القول بطهارة سؤر الكتابي إلى ابن أبي عقيل العماني وابن الجنيد، ونقل عن الأخير كلامه من كتابه الأحمدي: ولو تجنّب من أكل ما صنعه من ذبائحهم وفي آنيتهم، وكذا ما صنع في أواني مستحلّي الميتة ومؤاكلتهم، ما لم يتيقن طهارة أوانيهم وأيديهم، كان أحوط.

لكنّ الشيخ الأنصاري([75])وغيره من القائلين بالنجاسة، يدّعون أن ابن الجنيد إنما يقول بطهارة سؤر الكتابي لا لكونه طاهراً ذاتاً، بل لأنه مبني على رأي واجتهاد خاصّ به في الماء القليل؛ وهو عدم انفعاله بالنجاسة والمتنجّس، وفي المقابل يرى الشهيد الثاني أن منشأ قوله هو اختلاف الروايات، حيث عقّب قولهما على اختلاف الروايات: «وأما الأخبار فسيأتي أنها مختلفة، ومن ثم ذهب ابن الجنيد..»([76]).

ويلاحظ عليه أن ابن الجنيد لا يقول بطهارة سؤر الكتابي بناءً على رأيه في عدم انفعال الماء القليل بالنجاسة، بل لأنه يبني على طهارتهم الذاتية فضلاً عن طهارة سؤرهم؛ والشاهد على ذلك ما ذكره في آخر كلامه وهو: (ما لم يتيقن طهارة أوانيهم وأيديهم كان أحوط) فهو يصرّح بأن الاحتياط مبني على عدم اليقين بطهارة أوانيهم وأيديهم، ومفهوم كلامه أنه إذا تيقّن بطهارة أوانيهم وأيديهم فلا احتياط، فهذا يعني أن أيديهم تكون طاهرة، فيثبت المطلوب.

وأما ابن أبي عقيل، فقد كان يقال عنه وعن ابن الجنيد: إنّهما يميلان إلى العمل بالقياس، وفتاواهما غالباً ما تطابق فتاوى أهل السنّة لكونهما متأثرين بهم؛ لذا لم يعوّل الأصحاب على آرائهما وكتبهما، وبناءً عليه فمخالفتهما غير ضائرة في الإجماع المذكور. أمّا اليوم فأصبحنا نسمع بعض الأصوات ترتفع وترى أنّ لهما الفضل الكبير في فتح باب الاجتهاد على مصراعيه، إذ غاية ما كانا يفعلانه هو تنقيح مناط علل الأحكام ومن ثم تعميمها، وهذا لم يكن مألوفاً لدى الأصحاب، فكان ذلك سبباً للتشنيع عليهما ورميهما بالقياس وهجران قولهما([77]).

2 ـ ما نقله المحقق الحلي عن الشيخ المفيد بأن له في حكم اليهود والنصارى قولين؛ حيث قال: «وأما اليهود والنصارى فالشيخ قطع في كتبه بنجاستهم.. وللمفيد قولان: أحدهما النجاسة ذكره في أكثر كتبه، والآخر الكراهية ذكره في الرسالة الغرية»([78]).

لكنّ هنا سؤالٌ يطرح نفسه، وهو كيف يمكن أن يكون للشيخ المفيد قول بالطهارة ومع ذلك يدّعي تلميذاه ـ المرتضى والطوسي ـ الإجماع على النجاسة دون أن يطّلعا عليه؟ من هنا استبعد العلماء ذلك عنه، وحملوا الكراهة على المعنى اللغوي بقرينة اختياره النجاسة في سائر كتبه. إلا أنّ بالإمكان تصوير ذلك، بأن يقال: إن الشيخ حكم بالطهارة في بداية اجتهاده بسبب تأثره بأستاذيه ـ ابن الجنيد والإسكافي ـ اللذين كانا يقولان بالطهارة، لكن من خلال الاطلاع والتدريس ـ وخاصة إذا كان تلامذته من أمثال الطوسي والمرتضى ـ نضج فكره وتراكمت خبراته، ومن ثم عدل عن رأيه، لكن بما أن تلميذيه يرونه قولاً مخالفاً للإجماع، ولم يبق عليه أستاذهما إلا مدة وجيزة؛ لذا لم ينقلاه تنزيهاً له.

بل ولمَ كل هذا التعجب والاستغراب طالما أنه قد وقع ما هو أغرب منه؟ وخير دليل على الإمكان الوقوع، فنرى السيد المرتضى يدّعي إجماع الطائفة على عدم حجية خبر الواحد، فيما يدّعي الشيخ الطوسي في مقابله إجماع الطائفة أيضاً على حجيّته، هذا مع أنهما متعاصران؛ لأنهما تلميذان للمفيد، بل لقد تلمّذ الطوسي بعد وفاة أستاذه المفيد على يد المرتضى عدة سنين.

ودعوى ظهور كلام المفيد في الكراهة الاصطلاحية فيها نوع من المجازفة لعدم إمكان إثباتها، فإن للمناقشة في كل كلمة مجالاً، كما لو قال: لا بأس أو فيه ضرر أو غير جائز؛ لأن في الكراهية الاصطلاحية ضرراً وبأساً بدرجة ما. ومما يسهل الخطب أن محل كلام الشيخ المفيد هو سؤر الكافر لا ذاته.

ومنها ما ذكره الشيخ الطوسي في تفسير الآية الكريمة: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} (المائدة: 5)، من أن أكثر أصحابنا قالوا: إن طعام أهل الكتاب الحبوب، وأما ذبائحهم وما ساوروه بالرطوبة فغير جائز([79])؛ فإن كلامه ظاهر في أنّ بعض الأصحاب ـ في مقابل الأكثر ـ يجوّزون ذبائح أهل الكتاب وما ساوروه بالرطوبة. نعم هناك احتمال في أن تكون الجملة الثانية استئنافية، لكنه احتمال في مقابل الظهور.

3 ـ ظاهر كلام الشيخ الطوسي حيث قال: «يكره أن يدعو الإنسان أحداً من الكفار على طعامه فيأكل معه، فإذا دعاه فليأمره بغسل يديه ثم يأكل معه إن شاء»([80])؛ فإن كلامه ظاهر في طهارة الكفار، وهذا ما استظهره من تأخر عنه أيضاً، ولذلك اشتهر بالقول بالطهارة.

لكن يجب رفع اليد عن هذا الظهور؛ لأن الشيخ صرّح بنجاستهم قبل أسطر قليلة من هذا الجملة، حيث قال: «ولا تجوز مؤاكلة الكفار على اختلاف مللهم ولا استعمال أوانيهم إلا بعد غسلها بالماء، وكل طعام تولاه بعض الكفار بأيديهم وباشروه بنفوسهم لم يجز أكله، لأنهم أنجاس ينجس الطعام بمباشرتهم إياه»؛ ولذلك اعتذر له ابن إدريس([81])بأنها رواية شاذة أوردها الشيخ إيراداً لا اعتقاداً.

والعجيب أن السيد محمد محسن الحسيني الطهراني أصرّ ـ بعد أن استعرض عبارتي الطوسي السابقتين وتوجيه المحقّق في كتاب النكت ـ على أن مراد الطوسي طهارة أهل الكتاب لا غير، معللاً ذلك بأنّ كلمة «يكره» أقرب إلى النصّ في دلالتها على الطهارة، وأضاف بأنّه لا معنى للأمر بغسل اليد مع نجاستها عيناً([82])، بل إنما الغسل لرفع النجاسة العرضية؛ فإنّنا لو بقينا والكلام الثاني للطوسي لنسبنا إليه القول بالطهارة، لكن من خلال الجمع العرفي بين هذه الفتوى وما صرح به سابقاً نتوصل لمعرفة مراده منها وهو نجاستهم، هذا مضافاً إلى أنه في كلامه الثاني يتكلّم عن نفس المؤاكلة مع غض النظر عن نجاستهم الذاتية وغيره، فإن السيد الطهراني تعامل مع عبارة الشيخ الطوسي كمعاملته للرواية، وكأن الشيخ لم يصرّح برأيه في المسألة.

4 ـ عبارة ابن البراج حيث قال: «وهو إذا كان كافراً وتيمّم أو توضأ ثم أسلم هل يكون تيمّمه أو وضوؤه صحيحا ؟»([83])، فنفى صحة تيمّمه ووضوئه لكونهما عبادة تتوقف صحتها على صدور النية، ولا يمكن أن يتمشى قصد القربة من الكافر، فقد يدعى أن ابن البراج يرى طهارة الكافر لأنه لو كان يبني على نجاسته لعلّل بطلان عمله بنجاسة أعضائه وتنجس الماء.

لكنّ الصحيح أنه ليس في مقام البيان من جهة طهارة الكافر وعدمها؛ لأنّ له عبارة أخرى ذكرها في المسألة 34 يصرّح فيها بنجاسته وهي: «إذا عمل الكافر.. ثوباً أو صبغه أو غسله هل تجوز الصلاة فيه؟ الجواب: هذا الثوب يكون نجساً فلا تجوز الصلاة فيه حتى يغسل؛ لأن الكافر نجس».

5 ـ دعوى ابن زهرة الإجماع المركّب على نجاسة مطلق الكافر كما فهمه السيد الصدر([84]) من كلامه، وهو ما يلي: «التفرقة بين نجاسة المشرك وغيره خلاف الإجماع»([85])وقرّب ذلك بأنه لو كان يعتقد بوجود الإجماع البسيط على نجاسة مطلق الكافر فمن الأولى أن يستدل به.

ويلاحظ عليه أن ابن زهرة لم يدّع الإجماع المركب على مطلق الكافر، وإليك نصّ كلامه: «والثعلب والأرنب نجسان بدليل الإجماع والكافر نجس بدليله أيضاً وبقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ}(التوبة: 28)… وهذا نصّ في المطلوب، وكل من قال بذلك في المشرك قال به فيمن عداه من الكفار، والتفرقة بين الأمرين خلاف الإجماع»([86]). فهو يريد القول أنّ من استدل بالإجماع البسيط على نجاسة الكافر المشرك استدل به أيضاً على نجاسة غير المشرك، وبعبارة أخرى إن دليله في كلا الموردين واحد، وأما أن يقال بعدم انعقاد الإجماع على نجاسة غير المشرك فهو خلاف الإجماع البسيط.

6 ـ ما نسبه السيد الصدر([87]) إلى المحقّق الحلي عندما قسّم الكفار إلى قسمين: المشرك وأهل الكتاب حيث ادّعى الإجماع على نجاسة المشرك، بينما بالنسبة لأهل الكتاب اكتفى بذكر أسماء بعض العلماء الذين يقولون بالنجاسة، وقرّب ذلك بأنه لو كان يعتقد بقيام الإجماع على نجاستهما معاً لادّعاه في الموردين.

أقول: من خلال تتبع كلام المحقق الحلي يتبين أنه يدّعى الإجماع المدركي على نجاسة المشرك، حيث يقول: «وأما الكفار فقسمان: يهود ونصارى ومن عداهما، فالأصحاب متفقون على نجاستهم سواء كان كفرهم أصلياً أو ارتدادياً؛ لقوله: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ}، ولقوله تعالى: {كَذَلِكَيَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ} (الأنعام: 125)… ومن ثم يذكر الروايات التي استدلوا بها على النجاسة»([88])؛ فقد استعرض الأدلة التي اعتمدها الأصحاب في حكمهم بالنجاسة على الكافر الأصلي والارتدادي ولم يذكر من بينها الإجماع، ومضافاً إلى ذلك جعل المحقق في عداد الذين ادعوا الإجماع، نعم غاية ما يمكن أن يقال: إنه نقل الخلاف في حكم الكتابي.

المضعف الثالث: شوائب دعاوى الإجماع

ثمة شوائب مختلفة تعتري دعاوى الإجماع التي نقلها المتقدّمون، وسوف نتناول ثلاثاً منها:

الدعوى الأولى: ما ذكره السيد المرتضى: «إن مما تفرّدت به الإمامية القول بنجاسة سؤر اليهودي والنصراني وكل كافر، وخالف جميع الفقهاء في ذلك»([89]). فلا يخفى ما في إجماعات السيد المرتضى، فقد ادعى الإجماع في موارد متعددة رغم وجود الخلاف الواضح فيها، كدعواه الإجماع على انفعال البئر مع مخالفة جملة من الفقهاء، ومن بينهم الشيخ الطوسي([90])في أحد قوليه وابن الغضائري، ودعواه الإجماع على حرمة ذبائح الكتابي مع أن الشيخ المفيد صرّح بأن في المسألة خلافاً، حيث قال: «وقد ذهب جمهور فقهاء الشيعة الإمامية إلى الحكم بحرمة ذبائح أهل الكتاب»([91])، ومن بينهم مثلاً الشيخ الصدوق([92]) حيث جوز ذبائحهم بشرط أن يذكروا اسم الله عليها. نعم للمرتضى نظرية خاصّة في تخريج حجية الإجماع؛، فإن ملاك حجيته لديه هو كون الإمام(ع) أحد المجمعين، وهذا المبنى قابل للمناقشة كبرى وصغرى.

وشائبة هذه الدعوى أن معقد الإجماع المدعى هو نجاسة سؤر الكافر لا نجاسة ذاته، وفرق بين الأمرين لعدم الملازمة بينهما لدى بعض المتقدمين، فقد يقال بنجاسة السؤر رغم طهارة الذات، وكذلك العكس كما ذهب الشيخ الطوسي([93]) في بعض كتبه وكذلك ابن إدريس([94]).

الدعوى الثانية: عبارة الشيخ الطوسي حيث قال: «أجمع المسلمون على نجاسة المشركين والكفار إطلاقاً»([95]). وشائبة هذه الدعوى أن الشيخ يدّعي إجماع المسلمين على نجاسة المشركين والكفار مع مخالفة فقهاء أهل السنّة في ذلك، وفي المقابل نرى المرتضى يجعل القول بالنجاسة مما تفرّدت به الإمامية. ولهذا لا بد أن نحمل عبارته على غير ظاهرها، كأن نقول: إنه يريد النجاسة في الجملة، أي الأعم من النجاسة الذاتية والحكمية، باعتبار أنّ أهل السنّة يقولون بالنجاسة الحكمية.

الدعوى الثالثة: عبارة ابن زهرة حيث قال: «والثعلب والأرنب نجسان بدليل الإجماع المذكور، والكافر نجس بدليله أيضاً، وبدليل قوله تعالى: {إنما المشركون نجس}([96])، وشائبة هذه الدعوى اقترانها بدعوى الإجماع على نجاسة الأرنب والثعلب، مع أن نجاستهما مورد اختلاف بين الفقهاء، بل نرى نوعاً من الاضطراب في كلماتهم، فللمرتضى قولان ثانيهما الطهارة، حيث نراه ينفي البأس عن أسآر جميع حشرات الأرض وسباع ذوات الأربع ويستثني الكلب والخنزير، وهذا يكشف عن قوله بطهارة ما عداهما من الثعلب والأرنب وغيرهما، وقد قال الشيخ بمثله أيضاً([97]). ومع هذا الاختلاف الواضح كيف يدّعي ابن زهرة الإجماع؟ من هنا تظهر قيمة الإجماع الذي ادعاه على نجاسة الكافر؛ فإنه لا يزيد عن سابقه شأناً وقيمة.

المضعف الرابع: اقتران فتوى النجاسة بفتوى ما لا يلتزم بنجاسته

ونذكر هنا عدة أمثلة:

المثال الأول: عبارة الصدوق في الهداية: «ولا يجوز الوضوء بسؤر اليهودي والنصراني وولد الزنا والمشرك وكل من خالف الإسلام»([98]). فهو لم يتعرّض لحكم الكافر ولا لولد الزنا إلا في هذا المورد من كتبه، وإن عطف حكم ولد الزنا على الأمور الأخرى إنما يدل على طهارتهم فيما لو كان موافقاً للمشهور في الحكم على ولد الزنا بالطهارة. والعلماء بدورهم اختلفوا في فهم المراد من هذه العبارة، حيث نسب العلامة([99])القول بكفر ابن الزنا إلى الصدوق، والمحقق السبزواري([100])استفاد النجاسة لذكره مع المشرك وغيره، بينما الهمداني([101])اعتبر أنها لا تدل إلا على النجاسة؛ لأن عدم جواز الوضوء بسؤره أعم من كفره.

وما أفادوه ليس صحيحاً؛ فإن هذا التعبير مطابق لمضمون الروايات، ولا شاهد فيها على دوران ملاك النهي بين النجاسة والكفر على سبيل الحصر، ليقال: متى ارتفع احتمال أحدهما تحقق الآخر، لاحتمال وجود ملاك آخر للنهي في المقام، كوجود حزازة معنوية فيه للشارع ومبغوضية، وهذا من قبيل ما ورد عن رسول الله’: «الماء الساخن لا تتوضؤا به ولا تغسلوا به؛ فإنه يورث البرص»([102])، فهل يحتمل أحد أن النهي عن الوضوء بالماء الساخن قرينة على نجاسته؟!

المثال الثاني:عبارة أبي الصلاح الحلبي: «ما يؤثر التنجيس على ثلاثة أضرب: أحدها يؤثر بالمخالطة، وثانيها بالملاقاة، وثالثها بعدم الحياة. فالأول أبوال كل ما لا يؤكل لحمه، والثاني أن يماسّ الماء وغيره حيوان نجس كالكلب… والكافر»([103]).

المثال الثالث: ما ذكره سلار: «وإزالة النجاسة على أربعة أضرب: أحدها بالمسح على الأرض والتراب… والآخر بالشمس… والآخر برش الماء على ما مسّه كمس الخنزير والكلب والفارة والوزغة وجسد الكافر إذا كان كل ذلك يابساً… والآخر ما عدا ما ذكرناه من النجاسات فإنه لا يزول إلا بالماء…»([104]).

المثال الرابع: عبارة ابن حمزة: «فما تجب إزالة قليله وكثيره أربعة أضرب: أحدها يجب غسل ما مسّه إن كانا رطبين، أو كان أحدهما رطباً. والثاني يجب رش الموضع الذي مسّه يابس بالماء إن كان ثوباً. والثالث: يجب مسحه بالتراب إن مسّه البدن يابسين. والرابع يجب غسل ما أصابه بالماء على كل حال. فالأول والثاني والثالث تسعة أشياء: الكلب، والخنزير، والثعلب، والأرنب، والفأرة، والوزغة، وجسد الذمي، والكافر، والناصب. والرابع: واحد وعشرون، وعدّ منها بول ما لا يؤكل لحمه، وذرق الدجاج والخمر، وكل شراب مسكر ولعاب الكافر…»([105]).

وكما ترى فإن هؤلاء الفقهاء المذكورين حكموا على أمور متعدّدة بالنجاسة، ومن بينها الكافر. لكنّ السيد الصدر قال: إن ورود الكافر في عداد النجاسات المذكورة كالفأرة وذرق الدجاج والوزغة والثعلب والأرنب التي لا يلتزم أحد بنجاستها يكشف عن عدم قيام الارتكاز على نجاسته.

ويمكن أن يلاحظ عليه أن قائمة النجاسات التي ورد فيها الكافر وإن كانت مما لا يلتزم بنجاستها أحد الآن إلا أن أكثر الأصحاب المتقدمين ذهبوا إلى نجاستها، فالمفيد([106])مثلاً صرّح بنجاسة ذرق الدجاج، وكذلك الطوسي حيث قال: «كل ما يؤكل لحمه من الطيور والبهائم بوله وذرقه وروثه طاهر لا ينجس منه الثوب إلا ذرق الدجاج خاصّة فإنه نجس»([107]).

المضعف الخامس: فقدان دليل النجاسة في العصر النبوي

لو لم تكن مسألة طهارة الكفار في زمن الرسول(ص) موجودة في الشريعة لشاع الحكم المقابل لها في ذلك الزمن، وذلك لوجود عاملين مهمّين، وهما توفر دواعي الانتشار وانتفاء موانع الإخفاء.

أما الأول: فإنّ المعايير التي كانت تحكم العلاقات الاجتماعية بين المسلمين والمشركين كانت واسعة النطاق كما لا يخفى على المتتبع لحركة نشوء وتطوّر الإسلام في مكة والمدينة حيث يكثر المشركون، مثل الروابط الرحمية والنسبية والمولوية والمخالطة اليومية والتجارية، فلو أن النبي(ص) حكم بنجاسة الكفار لانعكس ذلك في أسئلتهم الكثيرة، ولاحتاج ذلك إلى بذل جهد كبير من النبي، وذلك بسبب الظروف الاجتماعية التي تحيط بهذه المسألة.

أما الثاني: فإن دواعي الإخفاء منتفية؛ لأن الإسلام آنذاك كان قوياً فلا مجال للتقية.

وبما أن التاريخ لم ينقل شيئاً من ذلك ـ مع تحقّق مقتضيات انتشار الحكم بالنجاسة وانتفاء موانع الإخفاء ـ والتاريخ لم يقصِّر في نقل بسائط الأمور خصوصاً في زمن النبي، فإن هذا يولّد عندنا اطمئناناً بالطهارة.

وقد ظهر مما تقدّم عدم قيام إجماع على نجاسة أهل الكتاب؛ لكونها مورد خلاف بين الفقهاء كما صرح المحقق الحلي، وعلى فرض تحققه فلا قيمة له من الناحية العلمية لوجود ارتكاز بالطهارة لدى المتشرعة المعاصرين للأئمة^؛ لافتراضهم في جميع أسئلتهم النجاسة العرضية وهذا يعني أنها هي الداعي الوحيد وراء أسئلتهم، وإلا كان من الطبيعي أن يعلّلوا أسئلتهم بالنجاسة الذاتية، كما في مكاتبة محمد بن عبد الله الحميري لصاحب العصر والزمان×: >عندنا حاكة مجوس يأكلون الميتة ولا يغتسلون من الجنابة وينسجون لنا الثياب فهل تجوز الصلاة فيها من قبل أن تغسل؟ فكتب إليه الجواب: لا بأس بالصلاة فيها<([108]). فالرواة ما زالوا يسألون الأئمة ويفترضون النجاسة العرضية.

وأما بالنسبة للإجماع على نجاسة المشرك وغيره، فلا يخلو من ضعف كما تقدم، لكن لو أغمضنا النظر عن ذلك فأقلّ ما يمكن القول فيه إنه محتمل المدركية؛ لأننا نحتمل استناد المجمعين في مقام الفتوى بالنجاسة إلى الآية الكريمة، أو أنهم قدّموا روايات النجاسة على روايات الطهارة لبعض الوجوه الاجتهادية، وهي كثيرة، من قبيل حمل روايات الطهارة على التقية، أو ترجيح روايات النجاسة لموافقتها للكتاب، أو افتراض التساقط بين الطائفتين في الكتابي والرجوع إلى الآية كعموم فوقاني.

الخاتمة

بعد أن استعرضنا الأدلة من القرآن والحديث والإجماع على نجاسة الكافر، وتبيّن عدم دلالة أيّ منها على ذلك، فالقرآن دال على النجاسة الباطنية لا الظاهرية، والأحاديث متعارضة يصعب ترجيح روايات النجاسة منها بالخصوص، والإجماع فيه مشاكل عديدة تاريخياً ومنهجياً ومدركياً، بعد ذلك كلّه نخلص إلى القول بطهارة الإنسان الذاتية مطلقاً ـ المشركون وأهل الكتاب وغيرهم ـ لعدم الدليل على النجاسة ولمقتضى جريان الأصل.

وقد حاولنا في هذا البحث الاختصار قدر المستطاع وعدم التطويل والتوسعة. وينبغي الإشارة إلى أن ضيق المجال لم يسمح لنا بالتعرّض لبعض الأدلة التي ادعي دلالتها على الطهارة، كالروايات التي دلّت على جواز إرضاع الكتابية أطفالَ المسلمين، والرخصة في الزواج من أهل الكتاب، وجواز الأكل من طعامهم، وجواز تغسيل الكتابية المرأةَ المسلمة الميتة؛ لذا نتركه إلى مجال آخر.

الهوامش

(*) باحث، في الحوزة العلمية، من لبنان.

([1]) كتاب العين 5: 293.

([2]) الصحاح 4: 1593.

([3]) ابن فارس، معجم مقاييس اللغة 3: 265.

([4]) لسان العرب 7: 99 ـ 100.

([5]) يراجع: كتاب العين 6: 54 ـ 55.

([6]) معجم مقاييس اللغة 5: 339.

([7]) لسان العرب 14: 53 ـ 55.

([8]) صحيح البخاري 1: 74.

([9]) مسند ابن حنبل5: 303.

([10]) البيهقي، السنن الكبرى 9: 331.

([11]) المصدر نفسه 1: 264.

([12]) الطهراني، طهارة الإنسان: 44.

([13]) الكليني، الكافي، 6: 35.

([14]) الصدوق، علل الشرائع1: 208.

([15]) المصدر نفسه: 292.

([16]) الحر العاملي، وسائل الشيعة 1: 307، ح5.

([17]) المجلسي، بحار الأنوار 77: 188.

([18]) الخوئي، التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 39.

([19]) وسائل الشيعة 1: 354، باب 34، ح3، 5، 6.

([20]) الشهيد الثاني، مسالك الأفهام 12: 65 ـ 66.

([21]) الطباطبائي، الميزان 14: 369.

([22]) يراجع: الحدائق الناضرة 5: 165 ـ 166.

([23]) يراجع: الهمداني، مصباح الفقيه 1: 557.

([24]) انظر: النجفي، جواهر الكلام 3: 296.

([25]) العاملي، مدارك الأحكام 2: 295.

([26]) التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 40.

([27]) طهارة الإنسان: 61 ـ 63.

([28]) كتاب الطهارة: 349.

([29]) وسائل الشيعة 1: 229، ح1.

([30]) يراجع: التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 40 .

([31]) وسائل الشيعة 24: 210، ح1.

([32]) المصدر نفسه 3: 423، ح6.

([33]) كتاب الطهارة 3: 304.

([34]) وسائل الشيعة 3: 517، ح2.

([35]) يراجع: التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 41.

([36]) مسالك الأفهام 12: 89.

([37]) وسائل الشيعة 3: 419، ح3.

([38]) المصدر نفسه: 420، ح4.

([39]) المصدر نفسه: 422، ح12.

([40]) المصدر نفسه: 421، ح9.

([41]) المصدر نفسه، ح9.

([42]) مصباح الفقيه 3: 304.

([43]) المحقق الحلي، المعتبر 1: 97.

([44]) كتاب الطهارة: 349.

([45]) وسائل الشيعة 24: 210، ح4.

([46]) الحكيم، مستمسك العروة الوثقى 1: 373.

([47]) البهائي، الحبل المتين: 99.

([48]) وسائل الشيعة 24: 208، ح2.

([49]) البجنوردي، القواعد الفقهية 5: 344.

([50]) مستمسك العروة الوثقى 1: 373.

([51]) وسائل الشيعة 1: 229، ح3.

([52]) الطوسي، تهذيب الأحكام 1: 18.

([53]) النراقي، مستند الشيعة 1: 47.

([54]) الهندي، كشف اللثام 1: 40.

([55]) وسائل الشيعة 3: 479، ح1.

([56]) المصدر نفسه: 422، باب 11، ح14.

([57]) مستمسك العروة الوثقى 1: 373.

([58]) التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 46 ـ 47.

([59]) الصدر، بحوث في شرح العروة الوثقى 3: 350.

([60]) نتائج الأفكار 1: 84.

([61]) وسائل الشيعة 3: 521، ح1.

([62]) جواهر الكلام 2: 348.

([63]) مسالك الأفهام 12: 87 ـ 89.

([64]) ذخيرة المعاد: 150.

([65]) مدارك الأحكام 2: 294 ـ 298.

([66]) الحدائق الناضرة 5: 172.

([67]) مصباح الفقيه 7: 252.

([68]) المصدر نفسه: 256.

([69]) بحوث في شرح العروة الوثقى3: 355.

([70]) نكت النهاية 3: 107.

([71]) مصباح الفقيه 1: 561.

([72]) التنقيح 3: 48.

([73]) الطوسي، المبسوط في فقه الإمامية، ج1.

([74]) مسالك الأفهام 12: 66.

([75]) يراجع: كتاب الطهارة 2: 394.

([76]) مسالك الأفهام 12: 66.

([77]) السيستاني، الرافد في علم الأصول: 10.

([78]) المعتبر 1: 96.

([79]) الطوسي، التبيان 3: 444.

([80]) النهاية: 589 ـ 590.

([81]) ابن إدريس، السرائر 3: 123.

([82]) طهارة الإنسان: 120 ـ 121.

([83]) ابن البراج، جواهر الفقه: 13، المسألة 23.

([84]) الصدر، بحوث في شرح العروة الوثقى 3: 305.

([85]) ابن زهرة الحلبي، غنية النـزوع: 44.

([86]) المصدر نفسه.

([87]) المصدر نفسه.

([88]) المعتبر 3: 96.

([89]) المرتضى، الانتصار: 88.

([90]) تهذيب الأحكام 1: 232.

([91]) ذبائح أهل الكتاب: 6.

([92]) يراجع: المقنع: 41؛ والهداية: 79.

([93]) المبسوط 1: 10.

([94]) السرائر 1:85.

([95]) تهذيب الأحكام1: 223، ذيل الحديث 637.

([96]) غنية النزوع: 44.

([97]) النهاية: 52.

([98]) الهداية: 68.

([99]) مختلف الشيعة 1: 231.

([100]) ذخيرة المعاد 1: 231.

([101]) مصباح الفقيه 2: 231.

([102]) وسائل الشيعة 1: 207، ح2.

([103]) الكافي: 131.

([104]) سلار، المراسم العلوية: 55.

([105]) ابن حمزة، الوسيلة: 77 ـ 78.

([106]) المفيد، المقنعة: 68.

([107]) الطوسي، الخلاف 1: 485.

([108]) وسائل الشيعة 3: 73، ح9.