غسيل الأموال

15 ديسمبر 2017
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1٬819 زيارة

غسيل الأموال

المشكلة، الآثار، سبل المكافحة

فقهاً وقانوناً

د. الشيخ حسن آقا نظري(*)

أ. ماجد كماش ديوان(**)

مقدّمة

البحث عن ظاهرة غسيل الأموال من المباحث المرتبطة بالنظام المالي العام، ويسلط الضوء فيه على ظاهرة مستحدثة، لها آثارها الخطيرة على مستوى الأفراد والمجتمعات والدول، وتشكل أحد الأخطار المهددة للنظام القانوني، والاقتصادي، والمالي، والاجتماعي، والديني، والأخلاقي. ومن أجل ذلك جرَّمها القانون، وحرمتها الشريعة الإسلامية.

تعريف عملية غسيل الأموال

عملية غسيل الأموال هي مجموعة من العمليات المتداخلة، تهدف إلى إخفاء أو تمويه طبيعة الأموال المكتسبة من مصادر غير مشروعة، وإظهارها في صورة أموال مكتسبة من مصدر مشروع([1]).

وتتألف من ثلاثة عناصر، هي: الغاسل، وهو صاحب الأموال غير المشروعة؛ والغسول، وهو المؤسّسة أو المصرف الذي يقوم بالإجراءات المخالفة للقانون، ويلحق بهم فئات السماسرة والعملاء والوسطاء والمساعدين؛ والمغسول، وهو عبارة عن الأموال أو المتحصلات أو غيرها.

وهي جريمة متكاملة الأركان، فلها ركنٌ مفترض، وركن مادّي، وآخر معنوي. وتمر بثلاثة مراحل: الإيداع؛ والتمويه؛ والإدماج. ويمكن دمج هذه المراحل بمرحلةٍ واحدة.

بالإضافة إلى أن أغلب مصادرها من تجارة المخدّرات والسلاح وتهريب النفط والتهرب الضريبي والإرهاب، والفساد المالي والإداري والاتّجار بالبشر وغير ذلك.

 وهناك دوافع وأسباب عديدة أدّت إلى انتشارها، منها: إخفاء المال الحرام؛ والتهرب الضريبي؛ وضعف الجوانب الدينية والأخلاقية؛ وإشكالية السرّية المصرفية؛ وغيرها.

وتتميز بأنها من الجرائم الاقتصادية المنظّمة ذات الطابع الدولي، التي تتفاوت فيها أساليب الغسيل ـ مصرفية أم غير مصرفية ـ بين البساطة الشديدة والتعقيد الكبير، وتتنوّع بين الحداثة والتقليد.

ولظاهرة غسيل الأموال آثار سلبية مركبة. فهي ليست محدّدة بنشاطٍ أو حالة أو حدود جغرافية، بل ذات أبعاد تأثيرية متنوّعة على التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية والأخلاقية والدينية، في حاضر المجتمع أو مستقبله.

وقد قامت الهيئات الدولية بالعديد من الجهود التي تهدف إلى مجابهة غسيل الأموال، من خلال إبرام العديد من الاتفاقيات والوثائق وبرامج العمل والندوات والمؤتمرات. وتنوّعت هذه الجهود إلى: جهود عالمية مختلفة؛ وجهود إقليمية ووطنية.

كما وأن الشريعة الإسلامية قد حرَّمتها جملةً وتفصيلاً؛ لأنّ أغلب مصادرها محرمة، ولأن المال المكتسب منها سحتٌ، وأكل للمال بالباطل. مضافاً إلى ما لها من آثار خطيرة وجسيمة على الفرد والمجتمع والدولة. وقد حرم الشرع والعقل العمل بغسيل الأموال؛ لما فيه من الإعانة على ارتكاب هذه الجريمة والإثم. والإعانة على الإثم من المحرمات الشرعية والعقلية. كما أنها تعدّ خروجاً على القِيَم والمبادئ، وانتهاكاً صارخاً لحرمات وحدود الله، ومن ثمَّ فهي لا تعدو كونها من الحيل الشيطانية، التي يُراد من خلالها نهب الأموال، وخلخلة النظام الاقتصادي العام.

لعلاج ومكافحة هذه الجريمة من الناحية الشرعية طرقٌ وسبل عديدة، منها: التمسُّك بالقيم والنظم الإسلامية؛ وإغلاق أبواب الكسب الحرام؛ وتقوية الشعور بالرقابة الإلهية؛ وبناء الرقابة الذاتية والاجتماعية؛ والتحلّي بصفات الأمانة والبُعْد عن الخيانة.

 كما أنه على وليّ الأمر والحاكم الإسلامي أن يسعى للمنع والحدّ من هذه الجريمة، فيعاقب مرتكبها بما يردعه، ويزجر غيره عن مثل ذلك. ومع ذلك ـ على سبيل العلاج ـ باب التوبة مفتوحٌ أمام الجناة؛ ليصحِّحوا خطأهم، وليتوبوا من وزر ما جنَتْ أيديهم.

الجذور التاريخية

من الصعوبة بمكانٍ الجزم بزمان أو مكان حدوث أوّل عملية غسيل أموال في التاريخ البشري. ومع ذلك فإن البعض يُرجع ظهور هذه الظاهرة إلى حقب تاريخية سحيقة، إلى ما قبل ألفي سنة من الميلاد.

أما في العصر الحديث فقد ظهرت هذه العمليات لأوّل مرة في أمريكا، خلال الفترة من 1920 إلى 1930م، حينما لجأت عصابات المافيا إلى إنشاء محال غسيل الملابس الأتوماتيكية؛ من أجل استثمار الأموال التي حصلت عليها بطريقٍ غير شرعي من تجارة المخدرات؛ بغية إخفاء أصل هذه الأموال.

ثمّ استخدم هذا المصطلح لأوّل مرة في اللغة الإنجليزية عام 1973م، وذلك عندما نشرت الصحف الأمريكية تقريراً عن فضيحة «ووتر جيت»، والتي لم تكن مجرد فضيحة سياسية، بل تعدّ حالةً نموذجية لعمليات غسيل الأموال في العصر الحديث.

ولكنّ الظهور القانوني لهذا المصطلح تحقَّق في أوّل دعوى أمام القضاء الأمريكي عام 1982م. ومنذ ذلك الوقت شاع الاصطلاح للدلالة على أنشطة إسباغ المشروعية على الأموال القذرة المتحصِّلة من مصادر غير مشروعة، عن طريق إدخالها في عمليةٍ تتّخذ مراحل متعدّدة، وأشكال عديدة، تؤدّي بالنتيجة إلى إظهار المال وكأنّه ناتج عن مصدرٍ مشروع([2]).

أركان غسيل الأموال([3])

وتتمثّل أركان غسيل الأموال في: الركن المادي؛ والركن المعنوي؛ إضافة إلى ركن مفترض، وهو محلّ الجريمة. وبيان ذلك:

1ـ الركن المفترض: يشمل جميع الأموال المحصَّلة من جرائم تجارة المخدّرات، والأسلحة، والدعارة،، والتهرُّب الضريبي، والإرهاب، وغير ذلك.

2ـ الركن المادي: هو مجموعة من العناصر المادية التي تتّخذ مظهراً خارجياً تلمسه الحواس على وجهٍ من الوجوه. فالقوانين لا تعاقب على النوايا والأفكار، بل تتطلّب فعلاً أو نشاطاً مادّياً تتحقّق منه نتيجة الاعتداء على مصلحةٍ يحميها القانون. فلا جريمة بغير ركنٍ مادي. وهو يتكوَّن من ثلاثة عناصر: سلوك؛ ونتيجة؛ وعلاقة سببية.

فجريمة غسيل الأموال، شأنها شأن كافة الجرائم، يقوم ركنها المادي على توافر هذه العناصر. فهي تتطلّب من حيث الأصل وقوع فعل إجرامي معين، وتحقق نتيجة إجرامية معينة، وعلاقة سببية بين الفعل والنتيجة.

3ـ الركن المعنوي: لا يكفي لقيام البنيان القانوني للجريمة توافر الركن المادّي فيها، بل لا بُدَّ، إلى جانب ماديات الجريمة، من وجود العناصر النفسية التي يتطلّبها لقيام الجريمة، في ما يُسمّى بـ (الركن المعنوي للجريمة)، وهو «علاقة تربط بين ماديات الجريمة وشخصية الجاني. وتتمثّل فيها سيطرة الجاني على الفعل وآثاره. وجوهر هذا الركن هو الإرادة والعلم، بأن يكون الفعل قد ارتكب عمداً وعن قصد.

وأما طبيعة العلم بنشاط غسيل الأموال فهو العلم المستخلص ضمناً من بعض الظروف الموضوعية والواقعية، والملابسات التي لا ترقى إلى حدّ ابتناء العلم اليقيني بمصدر هذه الأموال. وهذا ما ذهبت إليه التوصية السادسة من التوصيات الأربعين للجنة العمل الدولية (fata)، فقد توسَّعت نصوصها في نشاط غسيل الأموال، وأخذت بمفهوم موسَّع للعلم كأحد عناصر القصد الجنائي، ولا سيَّما في ظلّ الالتزامات الملقاة على عاتق المصرف بالتثبت في بعض الحالات من مشروعية مصدر الأموال المودعة، بل وثمّة مبدأ مصرفي سائد، وهو «اعرف عميلك».

مراحل غسيل الأموال([4])

يرى غالبية فقهاء القانون أن عملية غسيل الأموال تمرّ بثلاث مراحل مختلفة، تتمثّل في الإيداع (التخلّص المادي من الأموال)، ثم التعتيم (التمويه) بوضع العراقيل أمام أيّ مؤسسة، سواء عقابية أم اقتصادية؛ لعدم كشف أصول هذه الأموال، وأخيراً الإدماج في الاقتصاد المشروع والنظيف.

ولكنْ يلاحظ أنه من الممكن أن تتمّ كلّ مرحلة بشكلٍ مستقلّ عن الأخرى، كما يمكن حصولها مرّةً واحدة.

المرحلة الأولى: مرحلة التوظيف (الإيداع)

 وهي التي يبدأ بها غاسلو الأموال بمحاولة إدخال الأموال النقدية المتأتية من نشاط غير مشروع إلى النظام المصرفي والمؤسسات المالية؛ بهدف التخلص من كمية النقود الكبيرة أو الصغيرة من يد مالكيها.

المرحلة الثانية: التعتيم

وتسمّى مرحلة التغطية، حيث يتمّ طمس علاقة تلك الأموال مع مصادرها غير المشروعة، من خلال القيام بالعمليات المالية والمصرفية المتتالية. ومن أهم الوسائل المستخدمة: تكرار التحويل من حسابٍ بنكي إلى حسابٍ بنكي آخر؛ وكذا التحويل عبر الوسائل الإلكترونية.

المرحلة الثالثة: مرحلة الإدماج

حيث يتمّ خلالها دمج الأموال المغسولة في الاقتصاد، بحيث يصبح من الصعوبة التمييز بينها وبين الأموال من مصادر مشروعة، وذلك من خلال دمج هذه الأموال في الدورة الاقتصادية، وخلطها في بوتقة الاقتصاد الكلّي، بحيث يصعب معها التمييز بين الثروة ذات المصدر المشروع وغيرها من الثروات ذات المصادر غير المشروعة. وتتميّز هذه المرحلة بمحاولة إضفاء الطابع القانوني على أعمالها، حيث يتمّ دفع الضرائب عنها، ويتمّ ذكرها في المركز المالي للمشروع وحسابات الإيرادات والمصروفات والأرباح والخسائر وحسابات التشغيل والمتاجرة، وبذلك تدخل هذه الأموال في قنوات مشروعة بصورةٍ كاملة.

مصادر المال المنوي غسله([5])

 1ـ تجارة المخدّرات: تعتبر تجارة المخدرات المصدر الرئيس لغسيل الأموال؛ نظراً للمردود الضخم الذي تدرّه هذه التجارة غير المشروعة.

2ـ التهرب الضريبي: يعتبر التهرُّب من دفع الضرائب من أكثر المصادر التي يمكن أن تؤدّي إلى جني أموال طائلة تكون هدفاً لعمليات غسيل الأموال.

3ـ الاتّجار بالبشر: وقد بدأت هذه الظاهرة بالانتشار في أوروبا بعد انهيار النظام الشيوعي. وتعتبر فرنسا مركزاً هامّاً للاتّجار بالنساء، وفتح بيوت الدعارة.

4ـ جرائم البيئة: جرائم تصدير التلوُّث، حيث يتمّ دفن النفايات النووية والمواد المشعّة المستنفدة في الدول الفقيرة، وبيع المعدات والآلات الملوثة للبيئة، بل والمحظور استعمالها.

5ـ الفساد الإداري والمالي: وذلك عن طريق الاختلاسات من الأموال العامة، أو تقاضي عمولات ورشاوى وهدايا مقابل تمرير صفقات محددة،أو صفقات تجارية كبيرة، كالأسلحة والسلع الرأسمالية، أو الحصول على التكنولوجيا المتقدمة، أو أنشطة الجاسوسية الدولية، والتجسُّس الصناعي المتفشّي بين الشركات وبين الحكومات، وهو ما يسمّى بجرائم أصحاب الياقات البيضاء.

6ـ التهريب: التهريب عبر الحدود للنفط الخام ومشتقّاته، وتهريب السلاح والآثار أو السلع والمنتجات المستوردة دون دفع الرسوم أو الضرائب الجمركية المقرَّرة، مثل: تهريب السلع من المناطق الحُرّة.

7ـ الإرهاب([6]): قامت المخابرات الأمريكية، عن طريق بنك الاعتماد والتجارة الدولي، بتمويل عمليات سرّية في دول العالم، منها: أفغانستان، والتي تشكّل منها تنظيم القاعدة وحركة طالبان الأفغانية. ومصادر تمويلهما هي من خلال خطف السياح وطلب الفدية والسطو والاتّجار بالمخدّرات والبشر.وحدّدت شبكة «سي إن إن» أن مصادر تمويل حركة «داعش» الإرهابية هي الابتزاز والفدية والمخدرات والخطف وغسل الأموال وبيع البترول، وهي تدرّ على التنظيم الإرهابي ميزانيات ضخمة، بالإضافة إلى تهريب الآثار، والنهب والسرقة لأموال الدولة والناس.

إلى غير ذلك من المصادر المتعدِّدة والكثيرة، التي لا يسع المجال لذكرها.

حجم المال المنوي غسله([7])

 يعتبر نشاط غسيل الأموال ثالث أكبر نشاط اقتصادي على المستوى العالمي بعد تجارة العملات ومبيعات النفط. ولا توجد إحصائيات دقيقة عن حجم الأموال المغسولة؛ لأنها من جرائم الاقتصاد الخفي الذي لا يظهر حجمه ضمن الدخل القومي؛ وذلك لتعقيد الأساليب المستخدمة في عمليات الغسيل، وكذلك توزيعها بين قطاعات اقتصادية مختلفة، وفي أنشطة متعدّدة، مما يجعلها غير قابلة للحصر.

وأظهر آخر تقرير لمنظمة النزاهة المالية العالمية حول غسيل الأموال، في 16/12/2014م، أن أموالاً بلغت 991 مليار دولار غادرت 151 اقتصاداً نامياً وناشئاً في 2012م، بزيادة نحو 5% عن العام السابق.

الدوافع والأسباب التي أدّت إلى تنامي عمليات غسيل الأموال([8])

 1ـ التجارة في المحرّمات والكسب غير المشروع، والبحث عن الأمان واكتساب الشرعية؛ خشية المطاردة القانونية.

2ـ غياب القِيَم الأخلاقية، التي تعتبر من أهمّ وسائل الرقابة الذاتية للفرد أمام الله، ثم المجتمع.

3 ـ انفتاح الأسواق المالية الدولية لجذب الاستثمارات الأجنبية، وتحرير الأسواق المالية في إطار منظّمة التجارة العالمية؛ لإحداث المزيد من الإنعاش والنموّ الاقتصادي، بغضّ النظر عن مخاطر تزايد عمليات غسيل الأموال.

4ـ انتشار الفساد المالي والإداري في العديد من الدول النامية والمتقدّمة، وما يتّصل به من جرائم الرشوة، والاختلاس، والإضرار بالأموال العامة.

5ـ تشجيع بعض الدول لعمليات غسيل الأموال؛ حيث ترحِّب كثير من الدول النامية باستثمار أموال سائلة في اقتصادها، نظراً للوضع الاقتصادي الضعيف، غير عابئةٍ بمصدرها.

6ـ السرّية المصرفية: إن الإصرار على الاحتفاظ بمبدأ السرّية المصرفية في كثير من الدول بالنسبة للإيداعات وأصحابها والمستندات والسجلاّت المصرفية يسهِّل عمليات الغسيل.

7ـ تباين التشريعات وقواعد الإشراف والرقابة بين الدول المختلفة يتيح الفرصة لوجود بعض الثغرات، التي يمكن أن تنفذ منها هذه الأموال.

8ـ ظهور متخصّصين ومحترفين يبتكرون طرقاً وأساليب، ويتفنَّنون في إخفاء الأصل غير المشروع للأموال.

9ـ انتشار التهرُّب الضريبي: إنّ ارتفاع معدّلات الضرائب والرسوم على الأنشطة الاقتصادية يؤدّي إلى التهرُّب من هذا العبء الضريبي، باعتماد طرق غير مشروعة، كغسيل الأموال.

10ـ النشاط الصهيوني الخفيّ في الاقتصاد العالمي، حيث يقوم خبراء الاقتصاد من اليهود بدورٍ رئيس في عملية غسل الأموال.

مميّزات عملية غسيل الأموال([9])

أوّلاً: إنها ذات بعد دولي. أدَّت التكنولوجيات الحديثة المستخدمة في المعاملات المالية إلى زيادة خطورة عمليات غسيل الأموال، وإعطائها بُعْداً دولياً؛ لأن الغالب فيها وقوع الجريمة الأصلية مصدر المال غير المشروع في إقليم دولةٍ ما، بينما يتوزّع غسيل الأموال على إقليم دولة أخرى، فتتبعثر الأركان المكوّنة لها.

ثانياً: إنّها من الجرائم الاقتصادية؛ نظراً لضخامة الأموال والمخاطر الناتجة عنها، ما جعلها جريمةً اقتصادية بامتيازٍ، بل هي من الجرائم الاقتصادية الكبيرة لما فيها من آثار اقتصادية خطيرة وسيئة على الاقتصاد القومي للدولة والمواطن.

ثالثاً: إنّ جريمة غسيل الأموال من الجرائم المنظّمة: يعتبر غسيل الأموال ضرورةً لكلّ التنظيمات الإجرامية؛ لأن الغرض الرئيس للجريمة المنظّمة إنما هو التقليل من المخاطر الأمنية والتجارية، وتجميع أكبر قدر ممكن من الأموال غير المشروعة، ولا يتم ذلك إلاّ من خلال إضفاء الصفة المشروعة على عوائدها الإجرامية.

أساليب غسيل الأموال([10])

أوّلاً: الأساليب التقليدية

 1ـ الأساليب المصرفية

أـ الإيداع والتحويل عن طريق البنوك.

ب ـ إعادة الاقتراض.

ج ـ الغسل بواسطة الاعتمادات المستندية.

د ـ التحويلات الرأسمالية والتدفّقات الخاصة بالاستثمار الأجنبي.

هـ ـ الدين الوهمي.

 

2ـ استخدام المؤسسات المالية غير المصرفية في الغسل

أـ الغسل من خلال أسواق المال.

ب ـ شركات التأمين.

ج ـ الشركات الوهمية أو شركات الدمى.

د ـ السوق العقارية.

هـ ـ الغسل عن طريق تجارة المعادن النفيسة والمقتنيات.

 و ـ تهريب العملة.

إلى ذلك من الأساليب المختلفة والمتنوّعة، ممّا لا يسع المجال لذكرها.

ثانياً: الأساليب التكنولوجية الحديثة

وتتمثَّل في:

أـ البطاقات البنكية.

ب ـ النقود الإلكترونية.

ج ـ الشيكات الإلكترونية.

د ـ البطاقات الذكية.

هـ ـ بنوك الإنترنت.

آثار غسيل الأموال

الآثار الاقتصادية([11])

إن أحد الأبعاد الأكثر وضوحاً، الذي تظهر فيه الآثار المركّبة من غسيل الأموال، هو النشاط الاقتصادي.

1ـ في مجال الدَّخْل القومي: تساهم في زيادة معدّلات الاستهلاك بشكلٍ يفوق الدخل السنوي، محدثة نقصاً في الادّخار، دون حدوث زيادة مماثلة في الإنتاج المحلي الإجمالي.

2ـ في مجال الاستثمار: تقترن هذه العمليات بهروب رأس المال إلى البنوك الخارجية، دون أن توجّه إلى قنوات استثمار داخل البلاد.

3ـ ارتفاع معدلات التضخُّم: عملية غسيل الأموال تؤدّي إلى تزايد معدّلات التضخُّم وتنامي الاستهلاك البذخي.

4ـ في مجال المتغيّرات النقدية: عمليات غسيل الأموال تؤثّر على المتغيرات النقدية، مثل: سعر الصرف، وسعر الفائدة، والقاعدة النقدية، ممّا يؤدّي إلى الحدّ من قدرة السياسة المالية للدولة.

5ـ في مجال النشاط المصرفي والأسواق المالية: من خلال تفشّي ظاهرة الفساد داخل البنوك، وتجاوز قواعد الائتمان المصرفي، وانهيار المؤسّسات المالية والبنوك، وتشويه صورة الأسواق المالية.

6ـ زيادة العجز في ميزان المدفوعات: تقود عمليات غسيل الأموال إلى زيادة العجز في ميزان المدفوعات، وضآلة الموارد المالية للدولة، وارتفاع المديونية الخارجية، وزيادة الإنفاق الأمني.

الآثار الاجتماعية لعملية غسيل الأموال([12])

1ـ البطالة: يؤدّي تهريب الأموال إلى خارج البلاد إلى نقل جزءٍ كبير من الدخل القومي إلى الدول الأخرى، ومن ثم تعجز الدول عن الإنفاق على الاستثمارات اللازمة لتوفير فرص العمل للمواطنين، وفي ظلّ الزيادة السنوية في أعداد الخرّيجين، فضلاً عن الباحثين عن العمل من غير المتعلِّمين، ممّا يؤدّي إلى تفاقم مشكلة البطالة.

2ـ تزايد الضغوط المعيشية والاقتصادية للمجتمع: تؤدي زيادة عجز الموازنة العامة إلى اضطرار الدولة إلى زيادة معدّلات الضرائب القائمة، ممّا يؤدي إلى زيادة معاناة الفئات محدودة الدخل، وخاصة عندما تفرض الدولة ضرائب غير مباشرة على السلع والخدمات الأساسية، ممّا يرفع أسعارها، ويؤدّي إلى تآكل الدخول الحقيقية.

3 ـ زعزعة الروابط الاجتماعية: إنّ عملية غسيل الأموال وتبييضها تؤدّي إلى خلخلة في القِيَم والأعراف السائدة، وطغيان قِيَم الشرّ والعدوان على قِيَم الخير والفضيلة، والخروج عن القوانين الاجتماعية التي تنظِّم العلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع.

4ـ تهميش أصحاب الكفاءات العلمية: إنّ سيطرة هذه الفئة من المجرمين المجرّدين من الدين والأخلاق والعلم والمعرفة تتحكّم في إدارة الدولة، ويمنعون أصحاب الكفاءات من الوصول إلى المراكز العليا.

5ـ تدنّي مستوى المعيشة: إن عمليات غسيل الأموال تؤثّر في توزيع الدخل الوطني على أفراد المجتمع بشكلٍ سيّئ، وزيادة أعباء الفقر، واتّساع الفجوة بينهم وبين الأغنياء، وخلق عدم التوازن الاجتماعي في المجتمع.

7ـ انتشار الأوبئة: بسبب انخفاض مستوى الخدمات الصحية في مجال الصرف الصحي ومعالجة المياه، وخلافه.

الآثار السياسية والأمنية لغسيل الأموال([13])

1ـ السيطرة على النظام السياسي: السيطرة على أعلى المراكز والمناصب السياسية في الدولة، وذلك بفضل ما لديهم من إمكانات مادية، وكذلك اختراق وإفساد هياكل بعض الحكومات.

2ـ الاضطرابات السياسية: تؤدّي إلى زعزعة الأمن واستقرار المجتمع، ونشوب حروب أهلية.

3ـ تأثيره على السياسة الخارجية: تؤثر عملية غسيل الأموال على السياسة الخارجية مع الدول الأخرى والمنظّمات الدولية والإقليمية.

4ـ تدخُّل المخابرات والتجسُّس: غسيل الأموال قد يساعد على التعاون مع أجهزة المخابرات والتجسُّس.

5ـ زعزعة الأمن وزيادة الجريمة: غسيل الأموال يزعزع الأمن، ويزيد حجم معدل الجريمة، ويشجّع على تفشي الجرائم الاجتماعية.

6ـ انتهاك المراكز القانونية: وذلك بالتعدّي على النصوص القانونية والأنظمة الداخلية التي تسير عليها الدولة.

7ـ إفساد الجهازين الإداري والقضائي: فهو يرفع معدّلات رشوة رجال إنفاذ القانون والضبط الجنائي ورجال القضاء.

8 ـ علاقة غسيل الأموال بالإرهاب: والإجرام المنظّم، من ناحية تمويل الجماعات الإرهابية من الأموال المغسولة.

الآثار الدينية والأخلاقية لغسيل الأموال([14])

1ـ الآثار الدينية: أـ سلب البركة؛ ب ـ عدم قبول العبادة؛ ج ـ ظلمة القلب وكسل الجوارح عن الطاعة؛ د ـ عدم استجابة الدعاء؛ هـ ـ عدم قبول الأعمال الصالحة وضياعها؛ و ـ غضب الجبار ودخول النار، وغير ذلك من الآثار.

2ـ الآثار الأخلاقية([15]): أـ تدمير الأخلاق في المجتمع؛ ب ـ فقدان الأمن الاجتماعي؛ ج ـ هلاك الأمم وزوالها؛ د ـ تضييع الأمانة؛ هـ ـ الإخلال بميزان العدالة؛     و ـ ضياع كرامة الإنسان؛ ز ـ انتشار الأخلاق السيئة ومظاهر الانتهازية؛ ح ـ نشر الفساد والانحلال الأخلاقي.

موقف القانون الدولي من غسيل الأموال([16])

 قامت الهيئات الدولية بالعديد من الجهود التي تهدف إلى مجابهة غسيل الأموال، من خلال إبرام العديد من الاتّفاقيات والوثائق، وبرامج العمل، والندوات والمؤتمرات. وتنوَّعت هذه الجهود إلى: جهود عالمية مختلفة؛ وجهود إقليمية ووطنية.

1ـ أهمّ هذه الاتفاقيات الدولية لمكافحة غسيل الاموال

أـ اتفاقية فيينا 1988م.

ب ـ قانون المبادئ الصادر عن لجنة بازل 1988م.

ج ـ لجنة العمل المالي الدولية (fatf) 1989م.

د ـ هيئة الأيروبل للمعلومات 1995م.

هـ ـ إدارة فوباك التابعة للإنتربول الدولي 1993م.

و ـ مؤتمر نابولي/إيطاليا عام 1994م.

ز ـ مجموعة إيجمونت 1995م.

ح ـ القانون النموذجي للأمم المتحدة عام 1995م.

ط ـ معاهدة باليرمو ـ إيطاليا عام 2000م.

2ـ التشريعات الاقليمية على المستوى العام

أـ اتفاقية المجلس الأوروبي لعام 1990م.

ب ـ اتّفاقية المجلس الأوروبي لعام 1990م.

ج ـ إعلان كنجستون في جامايكا عام 1992م.

د ـ منظمة الدول الأمريكية.

هـ ـ تقرير مجموعة إفريقيا الغربية والجنوبية باريس 1999م.

و ـ إعلان باريس لمكافحة غسيل الأموال 2002م.

ز ـ الاتّفاقية العربية لمكافحة الاتّجار غير المشروع بالمخدّرات والمؤثرات العقلية 1994م.

ح ـ القانون العربي النموذجي الاسترشادي لمكافحة غسل الأموال 2002م.

ط ـ مجموعة العمل المالي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا (مينافاتف) لمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب 2004.

 

3ـ أبرز الدول العربية والإسلامية التي جرّمت غسيل الأموال

أـ البحرين / 2001م؛ ب ـ لبنان / 2001م؛ ج ـ الإمارات / 2002م؛ د ـ الكويت / 2002م؛ هـ ـ مصر / 2002؛ و ـ قطر / 2002م؛ ز ـ السودان / 2003م؛ ح ـ السعودية / 2003م؛ ط ـ سوريا / 2003م؛ ي ـ العراق / 2004م؛ ك ـ الجزائر/ 2004م؛ ل ـ الأردن / 2007م؛ م ـ إيران/ 2008م.

ويُلاحظ أن جميع قوانين جرائم غسيل الأموال، سواء في البلاد الأوروبية أو الولايات المتحدة الأمريكية أو في المنطقة العربية والإسلامية، حديثة الصدور.

 

سبل المكافحة والعلاج في ضوء القوانين الدولية([17])

1ـ تطوير الأنظمة القانونية الوطنية لمكافحة غسيل الأموال، وذلك من خلال:

أـ تجريم غسيل الأموال.

ب ـ تقرير المسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوية.

ج ـ معالجة مشكلة الدول التي ليس لديها قوانين لمكافحة غسيل الأموال.

 2ـ دور النظام المالي والمصرفي في مكافحة غسيل الأموال:

أـ اعرف عميلك.

ب ـ الاحتفاظ بالسجلاّت.

ج ـ التبليغ عن المعاملات المشبوهة.

د ـ الرقابة على المؤسسات المالية والمصرفية.

هـ ـ الحدّ من مبدأ السرّية المصرفية.

3ـ تعزيز التعاون الدولي في مكافحة غسيل الأموال في المجالات التالية:

أـ تبادل المعلومات.

ب ـ المساعدة القانونية المتبادلة.

ج ـ تسليم المجرمين.

د ـ تبادل المساعدة في الأمور الجنائية.

4ـ دور منظّمة الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول) في مكافحة غسيل الأموال: لا تستطيع أيّ دولة بمفردها القضاء على الجريمة أو الحدّ منها، ولا سيَّما إذا كانت عابرة للحدود، ترتكب من قبل أفراد أو جماعات منظّمة في إقليم دولة معينة، ثم تنتقل إلى دولة أخرى، ممّا يقلِّل من فرص تعقُّبها، وإلقاء القبض على مرتكبيها، ومعاقبتهم. وتمثّل منظمة الشرطة الجنائية الدولية أقدم صور التعاون الدولي ضدّ الجريمة، وخاصّة الجريمة المنظَّمة. فملاحقة مرتكبي هذه الجرائم، وتقديمهم للمحاكمة، وتنسيق الجهود بين الأجهزة المكلَّفة بحفظ الامن، هذا الدور عهد به المجتمع الدولي إلى منظمة الشرطة الجنائية.

المعوّقات والصعوبات([18])

يعترض سبيل مكافحة غسيل الأموال صعوبات عديدة، أهمّها:

المعوّقات التشريعية، وضعف التعاون الدولي:

أـ عدم كفاية التشريعات الخاصة بغسيل الأموال.

ب ـ إشكالية التكييف القانوني لنشاط غسيل الأموال.

ج ـ ازدواجية المعايير.

د ـ ضعف أجهزة الرقابة.

المعوّقات المصرفية لمكافحة جريمة غسيل الأموال:

أـ إشكالية السرّية المصرفية.

ب ـ عدم الالتزام بالمراقبة الجادّة.

ج ـ ضعف تأهيل موظّفي البنوك.

د ـ عدم وجود أنظمة معلوماتية متطوّرة.

المعوّقات والصعوبات بصورةٍ عامّة:

أـ ضعف الجوانب الأخلاقية والتربوية.

ب ـ الفساد الإداري والمالي.

ج ـ تطور أساليب التبييض، وتعقيدها.

د ـ التوسُّع الكبير الذي وصل إليه الاتّجار بالمخدّرات.

ومن المعوّقات التي ذكرتها لجنة العمل المالي الدولية (فاتف): معايير تصنيف الدول والأقاليم غير المتعاونة في محاربة غسيل الأموال.

سبل مكافحة غسيل الأموال في ضوء الشريعة الإسلامية

1ـ أما بالنسبة إلى المال المنوي غسله فحكمه تكليفاً ووضعاً هو حرمته شرعاً([19])، وسقوطه عن المالية، فيكون الثمن بإزائه محرّماً، وإذا حرم الشيء حرم ثمنه، فتكون المعاملة عليه باطلة وضعاً.

2ـ وأما بالنسبة إلى عملية غسيل الأموال فقد حرّمتها الشريعة أيضاً؛ لعدّة وجوه:

أـ إنّه من السحت. وقد دلّت الآيات والروايات على حرمته. ففي قوله تعالى ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ (المائدة: 42)، وقول الصادق×: «السُّحْتُ ثَمَنُ الْمَيْتَةِ وثَمَنُ الْكَلْبِ وثَمَنُ الْخَمْرِ ومَهْرُ الْبَغِيِّ والرِّشْوَةُ فِي الْحُكْمِ وأَجْرُ الْكَاهِنِ»([20])، دلالةٌ على حرمة السحت بكلّ أشكاله وأنواعه، من دون حصره بمصداقٍ معين؛ إذ ما ذكرته الرواية إنما هو على سبيل المثال، لا الحصر([21]). وبما أنّ مصادر الأموال غير المشروعة أغلبها أموال محرّمة فتكون داخلة تحت عنوان السحت، وتكون عملية غسيل الأموال معاملة محرّمة في نفسها.

ب ـ إنّه أكلٌ للمال بالباطل. وقد دلّت على حرمة أكل المال بالباطل صريح الآيات والروايات، ومنها: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (النساء: 29)، فإنها تحكي عن قاعدة فقهية وقانون عام تشريعي، تشمل جميع أبواب الفقه الإسلامي في دائرة المعاملات التجارية والمالية والاقتصادية، ولذا نلاحظ أنّ الفقهاء تمسَّكوا بهذه الآية في مواضع كثيرة في الفقه الإسلامي([22]).

وعليه يكون غسيل الأموال مشمولاً لهذه القاعدة، وداخلاً ضمن مصاديقها، وخصوصاً إذا قارنّا بين مصادر المال المنوي غسله وبين المصاديق التي ذكرها المفسِّرون والفقهاء لهذه القاعدة، حيث نجدها من سنخٍ واحد…

ج ـ قاعدة (لا ضرر، ولا ضرار). فالإسلام قد «حرَّم جميع الأنشطة الاقتصادية والمالية التي فيها ضرر، أو يجيء منها الضرر، كبيع وشراء الأشياء المضرّة، سواء كان ضررها جسمياً أو أخلاقياً أو اجتماعياً أو غير ذلك»([23])، ومن قبيل: «بيع وشراء المخدّرات والأشياء النجسة والملوّثة، وكلّ شيء يسبب تلوّثاً وفساداً وضرراً في المجتمع»([24])، كما هو الحال في عملية غسيل الأموال التي يلزم منها الضرر البليغ، وتترتّب عليه آثار خطيرة وجسيمة على الفرد والمجتمع والدولة.

د ـ الاستدلال بما ورد في رواية تحف العقول. فعن الإمام الصادق×: «…أو شيء يكون فيه وجهٌ من وجوه الفساد… فهذا كلُّه حرامٌ محرّم…؛ لما فيه من الفساد، فجميع تقلُّبه في ذلك حرام…»([25]). وعملية غسيل الأموال وإنْ لم نقُلْ بأنّها كلّها فساد ـ وكلُّها فسادٌ ـ، فلا أقلّ من أنها تشتمل على جهاتٍ عديدة من الفساد، فتكون بمقتضى إطلاق هذه الرواية محرّمة بجميع حالاتها وتقلُّباتها.

هـ ـ الاستدلال بقوله تعالى: ﴿يَسْـألُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ للنّاس وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾؛ فإنّ الأضرار التي تحدث للحياة الإنسانيّة الفرديّة والاجتماعيّة في جميع مجالاتها من خلال عمليات غسيل وتبيض الأموال أكبر من المنافع الحاصلة منها (إنْ كانت منافع)، فإذا كانت المضارّ أكبر من المنافع، كما هو الواقع، فمن الطبيعيّ أن يحرِّمها الله، وينهى عن تداولها والعمل بها، لا أن يحلِّلها([26]).

و ـ إنّه من التحايل المحرَّم، وقد قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْت…الآيات﴾ (الأعراف: 163 ـ 166). فهناك نوعٌ من التشابه بين ما أورده المفسِّرون في تفاسيرهم في قضية أصحاب السبت حول صفة متجذِّرة عند اليهود، وهي التحايل، فاليهود يستخدمون مختلف الأساليب والطرق للتحايل وكسب المال الحرام([27])، وبين موضوع بحثنا، وهو غسيل الأموال. فالقائمون على عمليات غسيل الأموال يستخدمون مختلف الوسائل والأساليب في سبيل إخفاء مصادر الأموال المحرّمة، وإظهارها بعد ذلك بصورة الأموال المشروعة، فيكون محرَّماً من باب التحايل المحرَّم.

 3ـ حكم الجهة والأشخاص الذين يمارسون عمليات غسيل الأموال

 يمكن القول بحرمة التصدّي لعمليات غسيل الأموال مطلقاً، من الأشخاص أم من الجهات؛ وذلك:

أـ من باب حرمة الإعانة على الإثم والمعصية([28])؛ فإنّ الذين يمارسون عمليات غسيل الأموال بوسائل غير مشروعة وغير قانونية، سواء كانوا أفراداً أم عصابات منظمة أم مؤسّسات تكون ممرّاً لهذه العمليات كلّها، يكونون مصداقاً لعنوان الإعانة على الإثم والعدوان.

ب ـ من باب الاحتيال المحرَّم، الذي تقدَّم ذكره. غايته أنه ناظرٌ إلى العملية من جهة القائمين عليها، بينما كان هناك ناظراً إلى نفس عملية غسيل الأموال وتبييضها.

ج ـ من باب حكم العقل بقبح القيام بعملية غسيل الأموال؛ لما يترتَّب من الفساد على هذه العملية؛ ولما يترتَّب عليها من الآثار الخطيرة المخلّة بالنظام العام، بناء على القول: إنه إذا حرم الشيء يجب عقلاً أن يحرم ما يتوصّل به إليه([29]).

طرق الوقاية والعلاج

وهي متعدِّدةٌ، نذكر منها:

أـ إغلاق أبواب الكسب الحرام، كإجراءٍ وقائي احترازي. فلا تكون هناك أموال محرمة، وبالتالي لا تكون هناك حاجةٌ إلى ممارسة غسيل لهذه الأموال، وتبييض لها. وهذا ما تهدف إليه الشريعة، وهو من قبيل: الوقاية للفرد والمجتمع في الجانب الاقتصادي والمالي.

ب ـ تقوية الشعور بالرقابة الإلهية، وبناء الرقابة الذاتية والاجتماعية التي يشعر المسلم من خلالها أن الله مُطَّلع عليه، ولا يغفل عنه طرفة عين، ممّا يستلزم الخشية منه تعالى، والخوف من عقابه، وتبعث فيه الحرص على أن يكون مأكله ومشربه وملبسه و… من الطرق المشروعة والأموال الحلال.

ج ـ إشراف وليّ الأمر على النشاط العام([30])، وتدخّل الدولة لحماية المصالح العامة وحراستها، وأن يعاقب مرتكبها بما يردعه، ويزجر غيره عن مثل ذلك.

د ـ التحلّي بصفة الأمانة يعتبر سبيلاً من سبل العلاج، الذي حثَّ عليه الشرع الحنيف، من باب ضمان الأمن المالي والاقتصادي والأخلاقي للفرد والمجتمع على حدٍّ سواء.

هـ ـ التوبةُ من الأموال المحرّمة المكتسبة من غسيل الأموال تكون بالتخلُّص منها، بإعادة الأموال المحرَّمة إلى أصحابها إنْ كانوا معروفين، أو إلى ورثتهم، أو الرجوع إلى الحاكم الشرعي، ليعطي حكمه في هذه الأموال المحرَّمة([31]).

الخاتمة

ومن هنا فإن جميع القوانين، المحلية والعالمية، التي صدرت ضدّ غسيل الأموال بهذا المعنى توافق الشريعة الإسلامية، التي سبقت جميع القوانين والنظم إلى تحريم ذلك، وتجريم فاعله.

 وقد تجلَّى لنا أن الشريعة الإسلامية نظرت إلى عملية غسيل الأموال على أنها محرَّمة، وأن المال المكتسب منها سحتٌ، وأكل للمال بالباطل، ويلزم منها الضرر البليغ، وتترتَّب عليها آثار خطيرة وجسيمة على الفرد والمجتمع والدولة. ولذلك فهي محرَّمةٌ بكلّ المقاييس؛ لما يترتَّب عليها من الفساد والآثار الخطيرة المخلّة بالنظام العام. فالعملية برمّتها محرّمة شرعاً وقانوناً.

الهوامش

(*) أستاذٌ في الحوزة والجامعة، وعضو الهيئة العلمية في مركز بحوث الحوزة والجامعة. متخصِّصٌ في الاقتصاد الإسلامي.

(**) طالب دكتوراه.

([1]) انظر: محمد محيي الدين عوض، جرائم غسل الأموال: 15، جامعة نايف للعلوم الأمنية، ط1، 1425هـ.

([2]) انظر: صالحة العمري، مجلة الاجتهاد القضائي، العدد الخامس، جريمة غسيل الأموال وطرق مكافحتها: 182.

([3]) انظر: مفيد الدليمي، غسيل الأموال في القانون الجنائي: 135، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان الأردن، 2006.

([4]) فريد علواش، جريمة غسل الأموال، المراحل والأساليب، مجلّة العلوم الإنسانية، العدد 12: 250، جامعة بسكرة.

([5]) انظر: ريتا سيدة، تبييض الأموال الناجمة عن الاتّجار بالمخدرات، ط1، لبنان، 2010م؛ صلاح الدين حسن السيسي، جرائم الفساد: 90، دار الكتاب الحديث، ط1، 2013م؛ صالحة العمري، المصدر السابق: 186. وانظر: الصباح برس، خبر أموال داعش:

http://www.assabah.press.ma

([6]) للمزيد انظر: فاطمة السكري، جريدة الدستور، الاثنين 23 يونيو 2014:

http://www.dostor.org/633556

([7]) أحمد سفر، المصدر السابق: 58. وانظر: موقع رويترز عربي، بتاريخ: 16/12/2014م:

ra.reuters.com Tue Dec

([8]) عبد المولى شوربجي. وانظر: محيي الدين عوض، المصدر السابق: 115.

([9]) انظر: د. كوركيس يوسف داوود، الجريمة المنظّمة: 59، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمّان، 2001.

([10]) انظر: السيسي، المصدر السابق: 90 وما بعدها. وانظر: علواش، المصدر السابق: 257 ـ 258.

([11]) انظر: سيلان العبيدي، غسيل الأموال وآثاره الاقتصادية ودور الجهاز المصرفي، المجلة العربية للدراسات الأمنية والتدريب، المجلد 21، العدد 41. وانظر: شوربجي، المصدر السابق: 338.

([12]) الدليمي، المصدر السابق: 73. وانظر: سيدة، المصدر السابق: 86.

([13]) هاني السبكي وهاني عيسوي، غسيل الأموال: 166، دار الثقافة، عمان، ط1، 2015. وانظر: عوض، المصدر السابق: 77.

([14]) الكليني، الفروع من الكافي 5: 126؛ محمد الريشهري، ميزان الحكمة 2: 597، مؤسّسة دار الحديث، 1419هـ.

([15]) خلال تتبُّعنا لبحث غسيل الأموال وجدنا أن لغسيل الأموال آثار أخلاقية خطيرة، لها تأثيرها على الفرد والمجتمع.

([16]) سيدة، المصدر السابق: 94. وانظر: الدليمي، المصدر السابق: 207؛ السبكي، وعيسوي، المصدر السابق: 208؛ أحمد سفر، المصدر السابق: 72. وانظر: موقع خبر وكالة (نادي المراسلين) العالمية للأنباء.

http://www.yjc.ir/fa/news/4225890

([17]) انظر: الدليمي، المصدر السابق: 209. وانظر: نجاة صالحي، المصدر السابق: 55.

([18]) انظر: السبكي، المصدر السابق: 188. انظر: سيدة، المصدر السابق: 159.

([19]) انظر: الخامنئي، كتاب أجوبة الاستفتاءات، ج2؛ مكارم الشيرازي، الفتاوى الجديدة، ج3. وانظر: السيستاني، استفتاءات حول أموال الدولة وحول المخدّرات:

http://www.sistani.org/arabic/qa/0297/page/5

([20]) الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 17: 93.

([21]) انظر: طيب عبد الحسين، أطيب البيان في تفسير القرآن 4: 317، انتشارات الإسلام، طهران، 1378هـ.ش.

([22]) انظر: مكارم الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنـزل 3: 179.

([23]) انظر: مكارم الشيرازي، الخطوط الأساسية للاقتصاد الإسلامي: 176.

([24]) انظر: الخامنئي، المرجع السابق 2: 109.

([25]) ابن شعبة الحرّاني، تحف العقول، جامعة المدرّسين، قم، 1404هـ.

([26]) انظر: فضل الله، من وحي القرآن في تفسير القرآن ‏4: 225 (البقرة: 219 ـ 220).

([27])انظر: مكارم الشيرازي، تفسير الأمثل ‏4: 273.

([28]) المائدة: 2.

([29]) انظر: جعفر السبحاني، أصول الفقه المقارن في ما لا نصّ فيه: 222، مؤسّسة الإمام الصادق×، ط1.

([30]) انظر: محمد باقر الصدر، المصدر السابق: 284. وانظر: الخميني، بدائع الدرر في قاعدة نفي الضرر.

([31]) الشريف الرضي، نهج البلاغة (خطب الإمام علي بن أبي طالب×)، الحكمة رقم 417.