فلسفة الاقتصاد الإسلامي

20 أبريل 2018
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
198 زيارة

فلسفة الاقتصاد الإسلامي

القواعد الفلسفية والبنيويّة

د. السيد حسين مير معزّي(*)

ترجمة: وسيم حيدر

مقدّمة ــــــ

يمكن تقسيم فلسفة الاقتصاد إلى قسمين عامّين، وهما: فلسفة علم الاقتصاد؛ وفلسفة النظام الاقتصادي.

أما فلسفة علم الاقتصاد فإنها تتحدّث عن ماهية علم الاقتصاد. وإن المسائل التي تساعد على بيان ماهية علم الاقتصاد عبارةٌ عن: الهدف، والموضوع، والمسائل، والمبادئ التصوّرية والتصديقيّة، والأسلوب والمنزلة (علاقة علم الاقتصاد بالعلوم الأخرى).

وفي فلسفة النظام الاقتصادي نتحدّث حول ماهية النظام الاقتصادي، وتتمّ الإجابة عن أسئلة من قبيل: ما هو موضوع أو عناصر النظام الاقتصادي؟ ما هي أهدافه؟ ما هي أسسه وقواعده؟ وما هو الارتباط القائم بين النظام الاقتصادي وسائر الأنظمة المندرجة تحت النظام العام؟ وما إلى ذلك من الأسئلة. في فلسفة النظام الاقتصادي يتمّ التعريف بأن كلّ نظام اقتصادي يقوم على قواعد خاصّة، ونطلق على هذه القواعد مصطلح (الأسس الفلسفية للنظام الاقتصادي).

يمكن للمعتقد أن يكون بشرياً أو دينياً. والعقيدة الدينية عبارة عن تفسير الدين ورؤيته للكون والوجود، وتشتمل على مجموع القضايا التي يتمّ بيانها من خلال «الكينونة» أو «العدم»، وموضوعها هو الله والإنسان والمجتمع والعالم المادي والعالم الأخروي.

في الأسس والقواعد الفلسفية للنظام الاقتصادي يتمّ البحث في تلك المجموعة من المسائل الاعتقادية المؤثّرة في النظم الاقتصادية. فعلى سبيل المثال: يتمّ في الرؤية الاعتقادية البحث في الوجود وصفات الذات وصفات فعل الله، وأما في الأسس الفلسفية للنظام الاقتصادي فإنما يقتصر بحثنا على صفات فعل الله فقط، من قبيل: تدبيره ورازقيّته، ممّا هو مؤثِّر في النظام الاقتصادي.

إن بحث الأسس والقواعد الفلسفية يحظى بأهمية خاصّة؛ إذ إن لهذه الأسس تأثيراً ملحوظاً وهامّاً في فلسفة النظام الاقتصادي، وفلسفة علم الاقتصاد. ولذلك سنبحث في هذه المقالة المباني والأسس الفلسفية للنظام الاقتصادي في الإسلام.

إن المراد من النظام الاقتصادي في الإسلام هو «مجموعة من النماذج السلوكية والعلاقات الاقتصادية في حقل الإنتاج والتوزيع والاستهلاك، وهي الحقول الثلاثة التي نستنبطها من نصوص الآيات والروايات، من خلال الاستعانة بالتحليل العقلي. إن هذه النماذج تعمل على ربط المساهمين في بناء النظام الاقتصادي من (المنتجين والمستهلكين والدولة وما إلى ذلك) ببعضهم، وبالمصادر الاقتصادية، وتأخذ بالمجتمع نحو الأهداف الاقتصادية المنشودة في الإسلام»([1]).

يتمّ بيان الأسس الفلسفية للنظام الاقتصادي في الإسلام ضمن المحاور الأربعة التالية:

1ـ التوحيد (العلاقة القائمة بين الله وعالم الطبيعة والإنسان).

2ـ الكون (ونريد به عالم الطبيعة والمادة).

3ـ الإنسان (ماهيّة الإنسان وخصائصه).

4ـ المجتمع (المجتمع الإنساني وقوانينه).

التوحيد ــــــ

إن للوجود والتوحيد والصفات الذاتية والفعلية لله سبحانه وتعالى مسائل وأبحاث واسعة يتمّ تناولها في علم الكلام.

والذي نبحثه في هذه المقالة هو بيان علاقتين فقط، وهما:

أـ علاقة الله بعالم الطبيعة.

ب ـ علاقة الله بالإنسان.

وفي الحقيقة إننا بصدد البحث في صفات فعل الله ضمن هذه المساحة، وهي بطبيعة الحال صفات الأفعال التي تؤثِّر بنحوٍ من الأنحاء في حقل الاقتصاد والنظام الاقتصادي.

أـ علاقة الله بعالم الطبيعة ــــــ

1ـ علاقة الخالقية ــــــ

يُنظر إلى الله سبحانه وتعالى في منظار العقيدة الإسلامية بوصفه خالقاً لكلّ شيء. قال تعالى في محكم كتابه الكريم: ﴿ذَلِكُمْ اللهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ﴾ (الأنعام: 102).

2ـ العلاقة الربوبية ــــــ

لقد تمّ بيان هذه العلاقة في أكثرمن ألف آيةٍ من آيات القرآن الكريم. ومن ذلك ـ على سبيل المثال ـ: قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (الأنعام: 164).

إن الربّ في اللغة من التربية، ويستعمل للدلالة على المربّي على سبيل الاستعارة. ومن هنا فإن إطلاق كلمة الربّ على الله سبحانه وتعالى بمعنى أنه هو الذي يعمل على تربية جميع الأشياء، وأنه يتصرّف في الكون ويشرف عليه باستمرار. كما نرى في آياتٍ أخرى معاني من قبيل: «ربّ العالمين»، و«ربّ السماوات والأرض»، و«ربّ العرش»، و«ربّ المشارق والمغارب»، وربّ السماوات السبع»، و«ربّ الناس»، و«ربّ الفلق»، وجميع هذه الاستعمالات تدلّ على ذات المعنى المتقدّم.

3ـ علاقة المالكية ــــــ

قال تعالى: ﴿وَللهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ (آل عمران: 109).

وبطبيعة الحال فإن المراد من هذه المالكية هي المالكية الحقيقية، وليس المالكية الوضعية والاعتبارية. فكما يمتلك الإنسان قواه العقلية يمتلك الله سبحانه وتعالى جميع ما في الوجود.

4ـ علاقة الحفظ ــــــ

يرى القرآن الكريم أن الله سبحانه وتعالى هو الحافظ للكون، وجميع الوجود؛ إذ يقول في بعض آياته في هذا الشأن: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ (هود: 57).

5ـ علاقة الإحاطة ــــــ

إن للربّ إحاطةٌ علمية بجميع الكائنات، كما له إحاطةٌ وجودية أيضاً. ويمكن تشبيه هذه الإحاطة بإحاطة روح الإنسان بكلّ أنشطته. قال تعالى في محكم كتابه الكريم، في معرض بيان هذه الإحاطة: ﴿وَللهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً﴾ (النساء: 126).

6ـ علاقة القيّومية ــــــ

طبقاً لهذه العلاقة يكون قوام الكون من الله سبحانه وتعالى، بمعنى أن الله هو الذي يقيم التوازن والنظام في العالم، كما تعمل روح الإنسان على إقامة الجسد. قال تعالى في محكم كتابه الكريم: ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (البقرة: 255). والقيوم في هذه الآية يعني القائم بذاته، والمقيم لغيره.

ب ـ علاقة الله بالإنسان ــــــ

بالإضافة إلى العلاقة القائمة بين الله وعالم الوجود، الذي يشكِّل الإنسان جزءاً منه، بوصفه من جملة المخلوقات في هذا الكون، هناك علاقةٌ خاصة قائمة بين الله والإنسان أيضاً.

وإن من متفرّعات هذه العلاقة الخاصّة التي تؤثِّر على حقل الاقتصاد ما يلي:

1ـ علاقة الهداية ــــــ

بالإضافة إلى الهداية التكوينية الشاملة لجميع الكائنات، فقد خصّ الله الإنسان بهدايةٍ خاصّة، هي التي نطلق عليها مصطلح «الهداية التشريعية». إن الهداية التكوينية تعني إيصال الكائنات إلى غاية كمالها الوجودي، وتفعيل ما هي مستعدّة له، مثل: استعداد النطفة في رحم الأمّ لتتحوّل إلى إنسان، وإن الله يمكّن هذه النطفة ويرسم لها مراحل التحوُّل إلى إنسانٍ كامل. وقد صرّح الله تعالى في القرآن الكريم بهذه الهداية التكوينية على لسان نبيِّه موسى بن عمران×؛ إذ يقول: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ (طه: 50). وإن التعبير بـ «كلّ شيء» في هذه الآية يشمل الإنسان وغير الإنسان أيضاً، وعليه يكون المراد من الهداية في هذه الآية هو الهداية التكوينية.

وأما الهداية التشريعية ـ التي تعني بيان الطريق الذي يوصل الإنسان إلى الكمال والسعادة ـ فيختصّ بالإنسان فقط. فالإنسان هو الذي يحتاج إلى الهداية التشريعية، ولو لم يعمل الله على بيان طريق السعادة له، من خلال إرسال الأنبياء، لسار الناس في طريق الضلالة والضياع. قال الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ (الجمعة: 2).

إن هذه الآية تثبت ضرورة الوحي، وعدم كفاية العقل، في الوصول إلى الكمال؛ وأن كمال الإنسان رهنٌ بوصوله إلى مقام العبوديّة والقرب من الله؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56).

كيف نقيم نظامنا الاقتصادي، بحيث يخلق الأرضية لحركة الإنسان باتّجاه هذا الغاية السامية؟

إنّ الإجابة عن هذا السؤال خارجةٌ عن حدود طاقة العقل؛ لأن الغاية هنا معنوية. أجل، لو كان هَدَف الإنسان وغايته هي الوصول إلى الرَّفاه المادي ـ بمعناه الغربي ـ ربما أمكن للعقل أن يتكفَّل بتقديم نظامٍ اقتصادي ناجع، ولكنْ حيث كانت الغاية معنوية، بحيث يمهّد له الطريق للسير باتجاه هذه الغاية، كانت الهداية التشريعية ضرورية لبناء النظام الاقتصادي. من هنا نقول: إن النظام الاقتصادي في الإسلام نظام وحياني، لا بُدَّ من اكتشافه من خلال تضاعيف الآيات والروايات.

2ـ علاقة الرزّاقية ــــــ

هناك الكثير من الآيات التي تثبت أن تقدير معاش الإنسان ورزقه بيد الله سبحانه وتعالى، ومنها:

ـ ﴿قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (آل عمران: 26 ـ 27).

وعبارة «بغير حساب» في هذه الآية لا تعني عدم قيام الأمور على نظام الأسباب والمسبّبات؛ لأن الله سبحانه وتعالى إنما يُجري القضاء والقَدَر على الأسباب القائمة في الكون والعالم. كما أن هذه العبارة لا تعني الكثرة المنفلتة؛ لأن الله تعالى يقول في آيةٍ أخرى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (القمر: 49). وإنّما المراد بـ «غير حساب» هو العطاء الذي لا يطلب عليه العوض والبدل؛ لأننا لا ندفع إلى الله بدلاً بإزاء النِّعَم التي يمنّ بها علينا. وبطبيعة الحال فإنّ كلّ شخصٍ يبذل جهوداً من أجل الحصول على الرزق، إلاّ أننا لا نستطيع عدّ هذا المجهود بدلاً عن الرزق؛ لأن ذلك الجهد والقدرة على العمل هي من الله أيضاً([2]).

ـ ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ (الزمر: 52).

ـ ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ (الشورى: 12).

وهناك الكثير من الآيات الأخرى التي تدلّ على هذا المعنى أيضاً، من قبيل: الآية الثالثة عشرة من سورة غافر، والآية الثامنة والخمسين من سورة الذاريات، والآيتين الرابعة والعشرين والتاسعة والثلاثين من سورة سبأ.

وبعد أن ذكرنا هذه الآيات الدالّة على أن الله هو الذي بيده الرزق قد يتساءل شخصٌ: إذا كان الله هو الذي يقدِّر أرزاق الناس فما هو دور العمل والسعي وتدبير الإنسان في الحصول على الرزق؟ فهل يعني تقدير المعاش من قبل الله تعالى أن رزق كلّ شخصٍ قد تمّ تعيينه مسبقاً، وأن رزقه سيصله حتّى إذا لم يبذل جهداً في ذلك؟

لا شَكَّ في أن الجواب عن هذا السؤال هو النفي. فإن تقدير المعاش وتقدير الرزق من قبل الله لا يتنافى مع بذل الإنسان جهده وسعيه وتدبيره في الحصول على الرزق المقدَّر له؛ لأن الله إنما قدَّر رزق الإنسان من طريق نظام الأسباب الذي وضعه للوجود، ولا يُبطل النظام القائم على العلّية والمعلولية أبداً([3]).

روي عن الإمام الصادق× أنه قال في هذا الشأن: «أبى الله أن يجري الأشياء إلاّ بالأسباب؛ فجعل لكلّ سببٍ شرحاً، وجعل لكلّ شرحٍ علماً، وجعل لكلّ علمٍ باباً ناطقاً، عرفه مَنْ عرفه، وجهله مَنْ جهله، ذلك رسول الله| ونحن»([4]).

وعن أمير المؤمنين× أنه قال: «لكل شيءٍ سببٌ»([5]).

وبطبيعة الحال لا بُدَّ من الالتفات إلى أن الأسباب في المنظور الإسلامي لا تنحصر في العلل المادية، بل هناك نظامان علّيان: مادّي؛ ومعنوي. وكما أن بعض العلل المادية والمحسوسة تُبطل بعض العلل الأخرى في بعض الموارد، تعمل العلل المعنوية في بعض الموارد الخاصّة على تعطيل الأسباب المادّية أيضاً. في الرؤية المادّية تعدّ الأسباب المادّية وحدها المؤثِّرة في الرزق والمعاش، وأما في الرؤية الإلهية فإن للعناصر والعوامل المعنوية دوراً بمقدار العلل المادّية، وربما أكثر منها، في التأثير على رزق الإنسان. فعلى سبيل المثال: إن الدعاء والصَّدَقات وطاعة الله من الأسباب المؤثِّرة جدّاً في زيادة الرزق. وإن الآيات والروايات تثبت أن الأسباب المعنوية لا تقتصر في تأثيرها على زيادة رزق الإنسان فحَسْب، بل تؤثِّر حتّى في تغيير مصيره أيضاً.

الاختلاف بين الإسلام والليبرالية في التوحيد ــــــ

إن مبنى التوحيد في النظام الاقتصادي الرأسمالي الليبرالي إما ربوبيّ([6])؛ أو لاأَدْري؛ أو شكّي([7]). والربوبية لم تظهر في القرن السابع عشر أو الثامن عشر، بل قال بها اليهود قبل ذلك بقرونٍ طويلة. وقد شجب القرآن عبر بيانه البديع ذهاب اليهود إلى هذا الاعتقاد، حيث قال: ﴿وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ (المائدة: 64).

إن الله سبحانه في رؤية القرآن ليس مجرّد خالق ومالك للكون فحَسْب، بل هو بالإضافة إلى ذلك حافظٌ ومدير ومدبِّر له. فهو محيطٌ بجميع ذرّات الكون والوجود إحاطة وجودية وعلمية، وهو الذي يقيم ويبقي كلّ شيء. فالله علّة الكون وجوداً وبقاءً، وإن بيده الهداية التكوينية لجميع الأشياء، كما بيده هداية الإنسان التشريعية. وهو الذي يقدِّر أرزاق المخلوقات من طريق الأسباب المادية وغير المادية.

إن هذه الصورة عن الله تختلف بالكامل عن صورة المعمار المتقاعد التي تعطيها الليبرالية عن الله.

معرفة الكون ــــــ

في ما يتعلّق بارتباط الله سبحانه وتعالى بالكون تحدَّثنا عن العلاقة بالخالقية والربوبية والمالكية والحفظ والقيّومية. وعليه فإن الكون من وجهة النظر الإسلامية ملكٌ لله، ويُدار بعنايته ومشيئته، وإن قيامه وبقاءه في كلّ لحظةٍ لحظة رهنٌ بإرادته. وأما الخصائص الأخرى للعالم من وجهة نظر الإسلام فهي على النحو التالي:

أـ الهدفية ــــــ

إن الكون لم يُخْلَق عبثاً. وهناك الكثير من الآيات الدالّة على هذا المعنى، ومنها:

ـ ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (الدخان: 38 ـ 39).

ـ ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ النَّارِ﴾ (ص: 27).

ب ـ المسار إلى الله سبحانه ــــــ

كما أن الكون صادرٌ عن الله فإنه صائرٌ وعائد إليه أيضاً. قال الله تعالى: ﴿صِرَاطِ اللهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلاَ إِلَى اللهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ (الشورى: 53).

كما تدلّ على هذا الأمر آياتٌ أخرى، من قبيل: الآية التاسعة بعد المئة من سورة آل عمران، والآية السادسة والخمسين من سورة يونس، والآية الثالثة والعشرين بعد المئة من سورة هود أيضاً.

ج ـ إيجاد الخلق من أجل الإنسان ــــــ

إن الهدف والغاية من خلق المصادر الطبيعية والكائنات على الأرض هي تلبية حاجة الإنسان. وهذا ما يثبته الانسجام القائم بين الطبيعة وحاجة البشر.

وهناك العديد من الآيات الدالة على هذا المعنى، من قبيل:

ـ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ (البقرة: 29).

ـ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا للهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 22).

ـ ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمْ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمْ الأَنهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمْ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَار * وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ (إبراهيم: 32 ـ 34).

كما تدل على هذه الحقيقة آياتٌ أخرى بوضوحٍ كامل أيضاً، كما في الآيات التاسعة عشرة إلى الثالثة والعشرين من سورة الحجر، والآيات الخامسة إلى الخامسة عشرة من سورة النحل، والآيات العاشرة إلى الثانية عشرة من سورة الرحمن.

د ـ التمتُّع بخزائن الغيب ــــــ

إن عالَم الغيب هو العالَم الذي لا تطاله حواسنا الظاهرية، حيث يكمن خلف ستار المحسوسات. وهناك الكثير من الآيات التي تدلّ على وجود مثل هذا العالم، ومنها:

ـ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (البقرة: 3).

ـ ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ﴾ (الأنعام: 59).

ـ ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِير﴾ (الأنعام: 73).

وقد اعتمد فلاسفة المسلمين على هذا التعبير القرآني، فأطلقوا على عالَم الطبيعة مصطلح (عالَم الشهادة)، وأطلقوا على عالَم الملكوت مصطلح (عالَم الغيب).

إن بعض آيات القرآن يثبت أن جميع الأشياء المادية، ومنها: مصادر هذا العالم المتوفّرة بشكلٍ مقدّر ومحدود، لها في عالم الغيب وجودٌ مجرَّد وثابت وغير محدود، وأن الله سبحانه وتعالى قد أنزل تلك الوجودات المجرّدة على شكل صور ماديّة ومحدودة إلى عالم الطبيعة. وبعبارةٍ أخرى: إن القرآن الكريم قد دعا خلق الأشياء المادية إنزالاً لتلك الوجودات المجرَّدة واللامحدودة على صور مادّية ومحدودة. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ (الحجر: 21).

قال العلامة الطباطبائي& في تفسير الميزان: «ذلك أن ظاهر قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ﴾ على ما به من العموم؛ بسبب وقوعه في سياق النفي، مع تأكيده بـ (مِنْ)، كلّ ما يصدق عليه أنّه شيءٌ، من دون أن يخرج منه إلاّ ما يخرجه نفس السياق»([8]).

ومن عبارة: ﴿عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ ندرك أن لجميع الأشياء خزائن عند الله، هي فوق عالمنا المحسوس. وقال الله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللهِ بَاقٍ﴾ (النحل: 96). وعندما نقرن الآية الحادية والعشرين من سورة «الحجر» مع الآية السادسة والتسعين من سورة «النحل» نستنتج من ذلك أن لهذه الخزائن وجوداً مجرَّداً وثابتاً ومستمرّاً عند الله.

ومن عبارة: ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ ندرك أن هذه الخزائن قبل أن تنزل إلى العالم المادّي بشكلٍ محدود كان لها وجودٌ غير محدود. من هنا تقول الآية: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾. إن وجود هذه الخزائن هو وجود مجرَّد وثابت وغير محدود، وإن الله يوجد الأشياء المادّية والمحدودة في عالمنا المحسوس من هذه الخزائن. وبطبيعة الحال فإننا نُطلق على هذا النوع من الإيجاد والخلق «الإنزال»؛ لأن هذه الخزائن؛ بسبب وجودها المجرّد وغير المحدود عند الله، تحظى بالعلوّ، وحيث تتلبّس بالمادّة تتنزّل مرتبتها الوجودية.

قال العلاّمة الطباطبائي: لهذا السبب يُسمِّي الله خلق الأنعام والأشياء الأخرى، من قبيل: الحديد، إنزالاً، وذلك كما في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنْ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ (الزمر: 6)، وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ (الحديد: 25).

إن من الاختلافات الجوهرية والأساسية بين الأسس الفلسفية للاقتصاد الإسلامي والاقتصاد الرأسمالي أن الأسس الفلسفية للاقتصاد الرأسمالي تنكر كلّ ما لا يقبل التجربة الحسيّة، ولذلك يرى أتباع هذه الأسس في عالم الغيب ـ حيث لا تطاله الحواس الظاهرية ـ أمراً وَهْمياً. ومن هنا يرَوْن المصادر المتوفّرة في الطبيعة محدودة، ولا تقبل الزيادة، ويقولون في تعريف علم الاقتصاد: «إن الاقتصاد هو حُسْن توزيع المصادر المحدودة على الاحتياجات اللامحدودة».

إن المصادر الطبيعيّة ـ من وجهة نظر القرآن الكريم ـ مهما بَدَتْ محدودة فإنّها قابلةٌ للازدياد؛ إذ يمكن لله تعالى أن يُضيف من خزائن غيبه على هذه المصادر، أو أن يمنع عن العصاة خيراته. وفي ذلك يقول الإمام عليّ×: «إِنَّ اللهَ يَبْتَلِي عِبَادَهُ عِنْدَ الأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ، بِنَقْصِ الثَّمَرَاتِ وَحَبْسِ الْبَرَكَاتِ، وَإِغْلاقِ خَزَائِنِ الْخَيْرَاتِ؛ لِيَتُوبَ تَائِبٌ، وَيُقْلِعَ مُقْلِعٌ، وَيَتَذَكَّرَ مُتَذَكِّرٌ، وَيَزْدَجِرَ مُزْدَجِرٌ. وَقَدْ جَعَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ الاسْتِغْفَارَ سَبَباً لِدُرُورِ الرِّزْقِ وَرَحْمَةِ الْخَلْقِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً﴾. فَرَحِمَ اللهُ امْرَأً اسْتَقْبَلَ تَوْبَتَهُ، وَاسْتَقَالَ خَطِيئَتَهُ، وَبَادَرَ مَنِيَّتَهُ»([9]).

لقد قال الإمام عليّ× هذا الكلام في سنةٍ مجدبة، سأل فيها الله إنزال المطر من شآبيب رحمته.

إن فتح أبواب خزائن الغيب الإلهي ـ الذي يتمّ التعبير عنه بـ «الإمدادات الغيبيّة» ـ رهنٌ بالأسباب التي تمّ التصريح بها في الآيات والروايات، ومنها: التوبة والإنابة والاستغفار من الذنوب، التي دلَّت عليها خطبة أمير المؤمنين×.

وأما القسم الآخر من أسباب فتح أبواب الخزائن الغيبيّة فهو عبارةٌ عن:

أـ النصر الإلهي ــــــ

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: 7).

إن نصر الله يتحقّق من خلال الخدمة والعمل الصالح، والجهاد الخالص في سبيل إسعاد الناس. وفي هذه الآية جعل الله نصره للمؤمنين ـ الذي هو من جملة الإمدادات الغيبية ـ مشروطاً بنصر المؤمنين له.

ب ـ الجهاد في سبيل الله ــــــ

قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت: 69).

إن البعض الآخر من أسباب النصر الإلهي والإمدادات الغيبية ـ التي هي في الغالب ذات صبغةٍ اقتصادية ـ سيأتي بحثه في السنن التي تحكم المجتمعات. إن هذه المسألة ستمنح الاقتصاد الإسلامي شكلاً خاصّاً، وسوف يكون هناك اختلافٌ جوهري بين هذا النظام والنظام الاقتصادي الرأسمالي.

ج ـ المختبر ــــــ

إن تقسيم الوجود إلى: عالم الدنيا؛ وعالم الآخرة من الأركان الرئيسة في العقيدة الإسلامية. وقد سبق أن ذكرنا أن عالم الطبيعة مرتبة نازلة من عالم الغيب، وإن عالم الغيب يُعتبر صانعاً ومدبّراً لهذا العالم، بَيْدَ أن عالم الآخرة متأخِّرٌ عن هذا العالم، وإن الإنسان سائرٌ إليه. إن عالم الغيب هو العالم الذي قدمنا منه، وإن عالم الآخرة هو العالم الذي سنصير إليه. وهذا هو معنى كلمة الإمام عليّ×، التي يقول فيها: «رحم الله امرأً علم من أين؟ وفي أين؟ وإلى أين؟»([10]).

إن الإنسان في عالم الآخرة يرى نتيجة أعماله الصالحة والطالحة في هذه الدنيا، فيثاب أو يعاقب عليها. وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ مَا سَعَى * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى * فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (النازعات: 34 ـ 41).

في الرؤية الإسلامية تعتبر الدنيا بمثابة المنزل الذي يسكن فيه الإنسان لفترةٍ من الزمن، ويجري فيه اختباراً، ليتركه بعد ذلك، وينتقل إلى منزل الآخرة؛ ليرى نتيجة أدائه واختباره في المنزل الأوّل. وإن الإنسان قد خلق للحياة الخالدة في عالم الآخرة، وما عالم الدنيا إلاّ مرحلة استعداد للحياة في عالم الآخرة، وتلك الدار التي أرادها الله للمتَّقين. رُوي عن الإمام أمير المؤمنين× أنه قال: «أخرجوا من الدنيا قلوبكم، قبل أن تخرج منها أبدانكم، ففيها اختبرتم، ولغيرها خُلقتم»([11]).

إن الدنيا مزرعة الآخرة([12]). والإنسان في هذه الدنيا خُلق للعمل، وفي الآخرة يتمّ النظر في نتيجة عمله([13]). إن مثل هذا الاعتقاد بالعالَم الآخر من شأنه أن يحلّ المشكلة الاقتصادية الكبرى التي تواجه المجتمعات، والمتمثِّلة بالجَشَع المطلق لدى الكثير من الناس. وتكمن هذه المشكلة في أن الإنسان يسعى دائماً وراء مصالحه ومنافعه الشخصية. وهذا ينشأ بدوره من حبّ الذات، التي تعتبر من أكبر الخصائص الكامنة في وجود الإنسان منذ بدء خلقه. ومن جهةٍ أخرى نشهد في الكثير من الأحيان تضارباً بين مصالح الأفراد، دون أن يكون هناك مَنْ يبدي استعداداً للتضحية بمصالحه من أجل ضمان مصالح الآخرين، بحيث حتّى لو توقَّفت مصلحة الكثير من أفراد المجتمع على تخلّي ذلك الفرد الواحد عن مصلحته لا يُبدي استعداداً للقيام بمثل تلك التضحية والإيثار وتقديم مصالح الآخرين على مصلحته. وفي هذه الحالة إذا سعى كلّ شخصٍ إلى الحصول على مصالحه الشخصية سيحدث التزاحم والصدام والتعارض بين المصالح لا محالة، وبالتالي فإن الذين يتمتَّعون بالسلطة والقوّة والسطوة سيحصلون على مصالحهم، وأما الضعاف والمستضعفون فسوف يُحْرَمون من حقوقهم. وفي النظام الاقتصادي الرأسمالي الليبرالي، الذي لا تتدخل فيه الدولة، من الطبيعي أن يحظى الرأسماليّون بفرصٍ لتحقيق النجاح، والحصول على مصالحهم، بينما يرزح سائر الناس في الفقر والحرمان المدقع.

إن حلّ هذه المعضلة في النظام الإسلامي يكمن في الاعتقاد بوجود عالمٍ وراء هذا العالم، يحصل فيه الإنسان على جزاء أعماله. وهذا الاعتقاد يربط مصلحة الفرد بمصلحة المجتمع. فالإنسان في ظلّ هذا الاعتقاد ـ القائل بأن الإيثار وتقديم الفرد مصالح المجتمع على مصلحته الشخصية يؤدّي به إلى الحصول على النِّعَم الخالدة في الفردوس ـ يتشجَّع على التخلّي عن المتع والمصالح المادية العابرة، بل يضحّي حتّى بنفسه من أجل مصالح المجتمع.

وبذلك يكتسب معنى الربح والخسارة الشخصية مفهوماً جديداً، حيث تعدّ الخسارة المادية ـ إذا أفضَتْ إلى سعادة ونفع المجتمع، أو حتّى أحد أفراده ـ منفعة شخصية([14]).

ومضافاً إلى ذلك فإن الاعتقاد بالآخرة يضمن تطبيق الأحكام الشرعية، وقيام الحكومة الإسلامية أيضاً.

و ـ التمتُّع بنظام العلّية المتقن ــــــ

إن للكون نظاماً متقناً يقوم على الأسباب والمسبَّبات. وإن الفيض الإلهي والقضاء والقَدَر يقوم على الأسباب الخاصّة([15]).

في ظل هذا النظام تحكم العالم سنن وقوانين ثابتة لا تتغيَّر. وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ * الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعْ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُور * ثُمَّ ارْجِعْ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ (الملك: 1 ـ 4).

إن التفاوت يعني عدم الانسجام بين حلقات السلسلة الواحدة؛ بفعل سقوط بعض حلقاتها، وبذلك تحول دون وصول سائر الحلقات إلى مقاصدها. يقول الله تعالى: لا ترى في ما خلق الله من تفاوتٍ أبداً، بمعنى أنه لم يسقط شيءٌ من موضعه الذي أراده الله له، وإنّ كل شيء مستقرّ في مكانه. رُوي عن الإمام الصادق× أنه قال للمفضَّل في بعض كلامه: «أوّل العبر والدلالة على الباري ـ جلّ قدسه ـ تهيئة هذا العالم وتأليف أجزائه ونظمها على ما هي عليه، فإنك إذا تأمّلت العالم بفكرك، وخبرته بعقلك، وجدته كالبيت المبنيّ المُعَدّ فيه جميع ما يحتاج إليه عباده، فالسماء مرفوعة كالسقف، والأرض ممدودة كالبساط، والنجوم مضيئة كالمصابيح، والجواهر مخزونة كالذخائر، وكلّ شيء فيها لشأنه معدّ»([16]).

في المباني الفلسفية للاقتصاد الرأسمالي يكون النظام الطبيعي معبّراً عن نظام العالم، بَيْدَ أن هناك اختلافين بين نظام العالم من وجهة نظر القرآن والنظام الذي شرحناه في فلسفة الاقتصاد الرأسمالي:

1ـ يذهب المادّيون إلى القول بأن منشأ هذا النظام هو الطبيعة، ويقال في القواعد الفلسفية للنظام الاقتصادي الرأسمالي القائم على الدين الطبيعي([17]): إن ما يقوم به الله هو مجرّد إيجاد هذا النظم، وليس له أيّ دور في بقائه.

أما القرآن الكريم فلا يرى الله علّة في حدوث هذا النظم فحَسْب، بل يراه علّةً في بقاء هذا النظم أيضاً. فهو الذي يمنح المسبَّبات أسبابها، وهو الذي يحفظ الوجود من الزوال.

إن نتيجة هذا الاختلاف هي أن الطبيعة إذا كانت هي منشأ النظام، أو كان الله لا يؤدّي دوراً في بقائه، فإن النظام القائم في هذا العالم سيبقى ثابتاً على ما هو عليه، وستبقى العلل هي العلل. وأما إذا كان الله هو علّة نشوء وبقاء النظام أمكنه ـ بحَسَب ما يراه من المصلحة ـ أن يسلب العلّية عن أيّ علّةٍ، كما حصل بالنسبة إلى قصّة إلقاء النبيّ إبراهيم× في النار، فسلب الله منها قابلية الإحراق، وصارت برداً وسلاماً عليه.

2ـ الاختلاف الثاني هو أن النظام الطبيعي (الأسباب والمسبَّبات) في المباني الفلسفية للنظام الاقتصادي الرأسمالي ينحصر بعالم المادّة.

وأما في الفلسفة الإسلامية فإن هذا النظم لا ينحصر بعالم المادة، بل يشمل حتى المجرّدات، وعالم الغيب أيضاً. وبطبيعة الحال فإن النظم في كلا العالمين داخلٌ تحت قدرة الله القادر والحكيم، قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ (الملك: 1)، وقال أيضاً: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (يس: 83).

إن «المُلْك» في الآية الأولى يعني عالم الطبيعة، و«المَلَكوت» في الآية الثانية يعني عالم الغيب. وكلا العالمين قائمٌ بقدرة الله تعالى. وعليه فإن نظام كلا هذين العالمين تابعٌ لإرادته أيضاً. وبطبيعة الحال ليس هناك من تضادّ بين النظام القائم على العلية في المُلْك (العالم المادي) والنظام القائم على العلّية في الملكوت (العالم غير المادّي)، وكل واحد من هذين العالمين يجري في مرتبته الوجودية. فالملائكة والروح واللوح والقلم والكتب السماوية والملكوت كلّها وسائل يجري عبرها الفيض الإلهي بإذن الله سبحانه وتعالى.

إن لمثل هذه الرؤية تأثيراً هامّاً في الاقتصاد. فعلى سبيل المثال: تعدّ مكافحة الفقر واحدة من الأهداف الاقتصادية، وإن التوزيع العادل للثروة هو السبب المادّي لاجتثاث الفقر.

وفي النظام الاقتصادي القائم على الرؤية المادّية يتمّ التعويل على هذه الأسباب (الأسباب المادّية) فقط، حيث تنكر الأسباب غير المادية لاجتثاث الفقر.

في حين أن الأسباب غير المادّية لمكافحة الفقر تحظى في النظام الاقتصادي للإسلام بأهمّيةٍ خاصّة.

فقد اعتبر المعصومون^ أموراً من قبيل: الاستعانة بالله، والتوكُّل عليه، وفعل الخير، والتصدُّق على الفقراء والمساكين، وإقامة صلاة الليل، والإكثار من قول: «لا حول ولا قوّة إلاّ بالله»، من أسباب القضاء على الفقر([18]).

كما اعتبر القرآن الكريم سيادة التقوى الإلهية في المجتمع من أسباب نزول البركات، وفتح أبواب الرحمة الإلهية، وزوال الفقر من المجتمع([19]).

وعليه لا بُدَّ في بناء النظام الاقتصادي للإسلام والتحليلات الاقتصادية ووضع القوانين الاقتصادية من أخذ هذه الأسباب بنظر الاعتبار. وهذا هو مكمن الاختلاف الرئيس بين النظام الاقتصادي الرأسمالي والنظام الاقتصادي في الإسلام.

ماهيّة الإنسان ــــــ

إن ماهية الإنسان من المنظور الإسلامي تختلف عن ماهيّته في المنظور الليبرالي الغربي جدّاً. ويمكن القول: إن هاتين الرؤيتين تقدّمان تفسيرين مختلفين عن الإنسان.

وإن جانباً من خصائص الإنسان في الرؤية الإسلامية التي يمكن لها أن تلعب دوراً مؤثِّراً في الاقتصاد عبارة عن:

أـ الهدف من خلق الإنسان ــــــ

إن الهدف من خلق الإنسان هو السَّيْر نحو الكمال (العبودية لله)، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56).

كما أن الهدف من بعث الأنبياء هو تزكية الإنسان وتعليمه؛ بغية إيصاله إلى قمّة العبودية لله سبحانه وتعالى، كما نقرأ ذلك في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ (الجمعة: 2).

وعلى هذا الأساس فإن النظام الاقتصادي في الإسلام يجب أن يكون بحيث يمهِّد الأرضية لحركة المجتمع الإسلامي باتجاه العبوديّة لله. إن هذه النظرة إلى الإنسان تميّز النظام الاقتصادي في الإسلام من النظام الاقتصادي الرأسمالي من ناحية الأهداف بالكامل. فإن النظام الاقتصادي في الإسلام يسعى إلى العثور على الأهداف التي تقرّب الإنسان من الهدف الذي خُلق من أجله. من هنا فإن العدالة الاقتصادية في الإسلام تحظى بأهمّية خاصّة، ولذلك فإن مفهوم الرفاه المادّي في النظام الاقتصادي للإسلام يختلف عن مفهوم الرفاه في النظام الاقتصادي الرأسمالي. وعلى هذا الأساس فإن كلّ تفسير للرفّاه المادّي ينافي المسار الذي يوصل الإنسان إلى الله لا يمكن أن يحظى بترحيب النظام الاقتصادي في الإسلام.

ب ـ الإنسان كائنٌ ذو بُعْدين ــــــ

يُعتبر الإنسان في الرؤية الإسلامية كائناً ذا بُعْدين: مادّي؛ ومجرّد وغير مادّي([20]). ويتمثّل البُعْد المادي من الإنسان في الجسد، وبُعْده المجرَّد في الروح.

وقد تمّ التصريح بكلا هذين البُعْدين من الإنسان في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ (الحجر: 28 ـ 29)، حيث يُشير خلق جسم الإنسان من التراب إلى الناحية المادية من الإنسان، ويُشير نفخ الرُّوح فيه إلى الناحية المجرَّدة وغير المادّية منه. كما نرى هذا المعنى في الآية التاسعة من سورة «السجدة»، والآيات الثانية عشرة إلى الرابعة عشرة من سورة «المؤمنون» أيضاً.

يرى القرآن الكريم أن حقيقة الإنسان إنما تكمن في الروح. وإن اقتران الروح بالجسد في الدنيا إنما هو لأن الجسد يمثِّل أداته للقيام بالأعمال، ولو سُلبت منه هذه الأداة لن يغدو باستطاعته القيام بأيّ عملٍ، أو أن يبلغ التكامل.

إن روح الإنسان تتمتَّع بخصوصيتين، ويمكن تسمية كلّ خصوصية منهما جزءاً من الروح:

1ـ الخصوصية العقلانية والإدراكية.

2ـ الخصوصية النفسانية والغريزية.

والمراد من الخصوصية العقلانية والإدراكية هي قوّة الإدراك والشعور لدى الإنسان. وفي ضوء هذه القوة يتمكّن الإنسان من إدراك المحسوسات الأخرى، ويتمكّن من اكتشاف المعارف الإلهية والأسرار الكامنة في الطبيعة، ويستنتج الضرورات والمحظورات، ويحدِّد أهداف ومسار حياته على أساسها.

وإن الخصوصية النفسانية والغريزية هي الميول الفطرية أو الغرائزية لدى الإنسان، والتي تدفعه نحو القيام بالأفعال. وتسمّى هذه الرغبات الداخلية والاحتياجات الروحية أموراً نفسانية. وإن خصائص الأمور النفسانية عبارةٌ عن أنها:

1ـ ذات جذور في خلق الإنسان، ولذلك تكون عالمية وشاملة.

2ـ لا تحتاج إلى تعليم.

وعلى الرغم من عدم تأثير الأوضاع الجغرافية والاقتصادية والسياسية والثقافية في ظهور هذه الأمور، إلاّ أنها تؤثِّر فيها شدّة وضعفاً.

وإن الأمور النفسانية على نوعين:

1ـ الأمور الفطرية.

2ـ الأمور الغريزية.

إن الأمور الفطرية تعني الميول السامية لدى الإنسان، من قبيل: البحث عن الله، والمطالبة بالعدالة، والرغبة إلى فعل الخير، ممّا هو مرتبطٌ بجانبه المَلَكوتي، والذي يُمهِّد الأرضية إلى حركته نحو الله سبحانه وتعالى.

وأما الأمور الغريزية فهي الميول التي لا تتمتَّع بالصبغة المتسامية، وتشكِّل في الغالب القَدْر المشترك بين الإنسان والحيوان، من قبيل: الغريزة الجنسية، والأنانية.

وجميع هذه الأمور ضرورية لبقاء الإنسان وتطوّره وتكامله في العالم المادّي.

إن الإسلام لا يدعو إلى طغيان الغرائز وانفلاتها من عقالها، ولا يسعى إلى كَبْتها، وإنما يروم تعديلها، وتسليم قيادها إلى العقل.

إن الإنسان من وجهة نظر الإسلام يتمتّع بالإرادة؛ وعليه يمكنه تسويد عقله على شهواته الحيوانية، وبذلك يطوي طريق الكمال؛ أو يسوِّد شهواته الحيوانية على عقله، فيسقط من أعلى قمم الإنسانية. وقد رُوي عن الإمام عليّ× أنه قال في ذلك: «العقل صاحب جيش الرحمن، والهوى قائد جيش الشيطان، والنفس متجاذبةٌ بينهما، فأيّهما غلب كانت في حيِّزه»([21]).

أما الليبرالية فترى في الإنسان كائناً أسلم قياده لغرائزه الحيوانية، وأنه قد أصبح في عداد جنود الشيطان. وفي هذه الرؤية لا مناص للإنسان من قبول سلطة هذه الغرائز، وإن كماله يكمن في إشباع هذه الغرائز الحيوانية ما أمكنه.

وأمّا في رؤية الإسلام فالإنسان ليس مضطرّاً إلى اتّباع غرائزه الحيوانية، بل يكمن تكامله في تحكيم إرادته وعقله على غرائزه.

إن هذا الاختلاف في تفسير ماهيّة الإنسان وكماله بين نظام الاقتصاد الرأسمالي الليبرالي والنظام الاقتصادي في الإسلام يؤدّي إلى اختلافٍ كبير. فإن الأساس الأيديولوجي للنظام الرأسمالي الليبرالي، المتمثِّل بحرّية الإنتاج والتوزيع والاستهلاك وعدم تدخّل الدولة في الاقتصاد، يمثِّل نتيجة لهذه النظرة إلى الإنسان، ويعود السبب في ذلك إلى أن هذه النظرة تعتبر الرفاه المادّي هو الهدف والغاية الوحيدة التي ينشدها نظام الاقتصاد الرأسمالي الليبرالي.

بالالتفات إلى اختلاف تفسير الإسلام للإنسان عن التفسير الليبرالي له يجب التفكير بدقّةٍ في أسس وأهداف النظام الاقتصادي في الإسلام، وكيفية تحليل السلوكيات الاقتصادية، وكيفية بناء النماذج والأمثلة بدقّةٍ، ويجب لذلك عدم تقليد الاقتصاد الرأسمالي بشكلٍ أعمى.

ج ـ القيم الأخلاقية ــــــ

إن المذاهب الأخلاقية ترى كلّ ما يصبّ في كمال الإنسان أو سعادته أمراً مطلوباً وقَيِّماً، وكلّ ما يحول دون وصول الإنسان إلى الكمال والسعادة أمراً قبيحاً ومنافياً للقِيَم. ويكمن الاختلاف بين المذاهب الأخلاقية غالباً في ناحيتين:

1 ـ تحديد الكمال المطلوب للإنسان.

2 ـ تحديد الطريق الذي يوصل الإنسان إلى الكمال المنشود.

وعلى هذا الأساس يكون هناك ارتباطٌ وثيق ودقيق وعميق بين الآراء والنظريات الأخلاقية؛ لأن الاختلاف في تحديد الكمال المنشود للإنسان، الذي يؤدّي إلى الاختلاف في النظريات الأخلاقية، إنّما يرتبط بالآراء والنظريات([22]).

تختلف النظرية الأخلاقية للإسلام هنا عن النظرية الأخلاقية الليبرالية أيضاً.

فطبقاً للرؤية الليبرالية يكمن كمال ما يطلبه الإنسان في إشباع رغباته المادّية ما أمكنه. وعندما يرد هذا الأمر في حقل الاقتصاد، يتمّ بيانه على النحو التالي: إن غاية الإنسان في نشاطه الاقتصادي تكمن في الحصول على الحدّ الأعلى من الجودة (في الاستهلاك)، والحدّ الأعلى من الرِّبح (في الإنتاج والاستثمار).

وأما في الرؤية الإسلامية فيكمن الكمال النهائي في تقرُّب الإنسان من الله تعالى، والوصول إلى أقصى درجات العبوديّة. وعلى هذا الأساس فإن ما يؤدّي إلى قرب الإنسان من الله يُعَدّ قيمةً أخلاقية، وكلّ ما يحول دون تحقُّق هذا القرب، أو يستوجب بعد الإنسان عن الله، يُعَدّ قبيحاً ومخالفاً للقِيَم.

إن المقارنة بين هاتين الرؤيتين تثبت أن الكمال النهائي للإنسان في الرؤية الإسلامية والرؤية الليبرالية يختلف في موردين رئيسين، وهما:

1ـ إن الكمال النهائي للإنسان في الرؤية الإسلامية يكمن في روحه وناحيته غير المادّية، وأما في الرؤية الليبرالية فيكمن الكمال النهائي للإنسان في حقل غرائزه الحيوانية وجهاته المادية.

2ـ إن كمال الإنسان النهائي في الرؤية الإسلامية يُعتبر أمراً أخروياً وما وراء المادّة، في حين أنه في الرؤية الليبرالية يعتبر أمراً متمثِّلاً بالعالم المادّي.

من هنا تذهب الليبرالية إلى كفاية العقل في الحصول على الكمال النهائي للإنسان، وتنكر الحاجة إلى الوحي؛ لادّعائها أن إشباع الحاجة المادّية لا يخرج عن قدرة العقل.

وأما في الرؤية الإسلامية فإنّ الحصول على الكمال النهائي للإنسان (المتمثِّل بالقرب من الله) خارجٌ عن قدرة العقل؛ لأن العقل لوحده لا يستطيع تحديد تأثير الفعل الإرادي للإنسان في اقتراب الروح من الله سبحانه وتعالى؛ إذ إننا لا نستطيع الاستناد إلى قاعدة العلّية (في هذا العالم) للتعرّف على ارتباط العمل بالكمال النهائي؛ لأن هذا الأمر إنما يُبيّن ارتباط العمل بالنتيجة الدنيويّة فقط. ومن هنا تبرز أهميّة دور الوحي في معرفة الأحكام الأخلاقية.

وممّا تقدّم ندرك أن النظرية الأخلاقية في الإسلام على ثلاثة أقسام:

1ـ إن الكمال النهائي للإنسان يكمن في القرب من الله تعالى، والوصول إلى مقام العبودية.

2ـ إن كلّ عملٍ يصبّ في مسار هذا الكمال يُعَدّ قيمة أخلاقية، وكلّ عمل يحول دون حركة الإنسان إلى الله، أو يُبعده عن الله، يُعَدّ مخالفاً للأخلاق.

3ـ إن معرفة ارتباط أفعال الإنسان بكماله النهائي لا تأتي من طريق العقل فقط، وإنّ للوحي أهمّيةً كبيرة في معرفة الأحكام الأخلاقية.

وقد ردَّ القرآن الكريم النظرية الأخلاقية الليبرالية صراحةً، وبشكلٍ واضح لا لبس فيه؛ إذ يقول تعالى: ﴿وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 216).

إن الخير هو العمل الذي يحمل شحنةً إيجابية تدفع بالإنسان نحو الكمال المطلوب، وتقرِّبه من غاية مراده. والشرّ هو العمل الذي يحمل شحنةً سلبية تبعد الإنسان عن كماله المطلوب (المتمثِّل بالقرب من الله). يقول الله تعالى في هذه الآية: لا يذهبنَّ التصوّر بأحدكم إلى أن الخير هو كلّ ما يوافق رغبتكم، أو أن الشرّ في كلّ ما لا تحبّونه، فإن رغباتكم، أيّاً كان نوعها، ليست هي الملاك في تحديد الخير من الشرّ، وإن الله وحده هو الذي يعلم ما هو الخير وما هو الشرّ، وهو الذي يوصلكم إلى مقام العبودية، وهو الذي يعلم ما هو الشرّ؛ فيبعدكم عنه.

د ـ ملك الله وخلافة الإنسان ــــــ

سبق أن تحدّثنا عن مِلْكية الإنسان الخاصّة، التي هي وجه من وجوه الفردانية الليبرالية. وفي مقابل هذه الرؤية يطرح الإسلام نظريّة (مِلْكية الله، وخلافة الإنسان).

وطبقاً لهذه النظرية يكون الله هو المالك الحقيقي لكلّ شيء. وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَللهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ (آل عمران: 109).

وبطبيعة الحال فإن هذه الملكية هي ملكية مادّية، بمعنى أن ملكية كلّ شيء في الوجود ـ مما هو كائنٌ في السماوات والأرض ـ هي لله. وعلى هذا الأساس فإن الله هو الذي خلق وجودنا وقوانا العقلية والذهنية والجسدية، وكلّ ما نمتلكه من شؤون الحياة والمساكن، وجميع النِّعَم الباطنية والظاهرية، فهو المَلِك، وهو الذي جعل الإنسان خليفةً له في الأرض، وفي ذلك يقول الله تعالى:

ـ ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ﴾ (الأنعام: 165).

ـ ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: 30).

فكلُّ شيءٍ هو ملك الله، وإن الإنسان هو خليفته الوحيد في الأرض. وبذلك يكون مسؤولاً أمامه، بمعنى أنه يحقّ لله أن يسأل الإنسان عن أفعاله، وما قام به من التصرُّفات في حقّ جسده أو ثروته؛ لأن كلّ شيء هو ملك الله، ولسنا سوى مستأمنين على ملكه، بوصفنا مستخلَفين من قِبَله على ملكه.

وبالإضافة إلى ذلك فإن خلافة الإنسان تقتضي تحديد ملكية الإنسان بمقدار تحديدها من قبل الله، بوصفه هو الواهب لها.

وعليه فإنّ ملكية الله وخلافة الإنسان تفرز نتيجتين، وهما:

1ـ إن الإنسان يتقيَّد في تصرُّفه في نفسه وماله بالحدود التي يعيِّنها الله له.

2ـ إن الإنسان مسؤولٌ أمام الله، وإذا تجاوز حدوده حقّ لله مؤاخذته([23]).

إن هذه النتائج تقتضي من الإنسان أن يكون مسؤولاً تجاه جميع الذين فرض الله لهم حقوقاً.

وعليه يكون الإنسان مسؤولاً أمام وليّ الله؛ لأن الله قد فرض طاعة وليِّه على جميع الناس.

كما أنه مسؤولٌ عن المجتمع، وأرواح وأموال الآخرين أيضاً؛ لأن الله قد فرض عليه حقوقاً للناس وللمجتمع.

وإن هذه المسؤوليات تأتي في إطار المسؤوليّة الملقاة على عاتق الإنسان أمام الله. وفي الرؤية التوحيدية ليست هناك مسؤولية في عرض مسؤولية الله، وإن جميع المسؤوليات تأتي في طول مسؤولية الإنسان أمام الله، وتَبَعاً لها.

وكما هو واضحٌ فإن الاختلاف بين الإسلام والليبرالية في هذا المورد كبير أيضاً.

فالليبرالية ترى الإنسان هو المالك المطلق لنفسه وأمواله، وتراه المالك الذي لا تترتَّب على ملكيته هذه أيّ مسؤولية، غير مسؤولية الحفاظ على ذاته ومصالحه الخاصّة.

في حين يرى الإسلام أن المِلْكية المطلقة هي لله سبحانه وتعالى فقط، وأن الإنسان ليس سوى خليفةٍ وممثِّل له، وأنه خليفةٌ مسؤول تجاه الله، وتجاه الذين فرض لهم حقوقاً.

إن المِلْكية الذاتية للإنسان واحدةٌ من أسباب القول بالمباني الأيديولوجية الثلاث، وهي: الحرّية المطلقة، وعدم تدخُّل الدولة، والمِلْكية الخاصة في النظام الاقتصادي الرأسمالي الليبرالي. وإن خلافة الإنسان تعتبر دليلاً على القول بالمباني الأيديولوجية المتمثِّلة بالحرّية في إطارٍ محدود، وتدخُّل الدولة، والمِلْكية المشتركة (العامّة، والخاصّة، والحكومية).

علم الاجتماع في الرؤية الإسلامية ــــــ

نتناول في هذا القسم مسألتين، وهما:

أـ الفرد والمجتمع من وجهة نظر القرآن: وفي هذا البحث سوف نعرِّف أوّلاً الرؤية الوجودية الخاصة بشأن الفرد والمجتمع، والعلاقة بينهما، مع بيان الآيات القرآنية المؤيِّدة لذلك، لننتقل بعد ذلك إلى بيان اختلاف هذه الرؤية عن الآراء الأخرى، مع بيان تأثير هذا الاختلاف في منظومة القِيَم، وأساليب معرفة الظواهر الاجتماعية.

ب ـ السنن الإلهيّة الحاكمة على المجتمع الإنساني: وفي هذا البحث سوف نبادر ـ بعد التعريف بالسنن الإلهية ـ إلى تعداد بعض السنن المتعلِّقة بالمسائل الاقتصادية المذكورة في القرآن الكريم.

أـ الفرد والمجتمع من وجهة نظر القرآن ــــــ

إن المجتمع عبارةٌ عن مجموعة من الأفراد([24]). وكما تقدم في بحث «أصالة الفرد ومفهوم المجتمع في الفكر الليبرالي» لو أغمضنا الطرف عن الأرواح والأفكار والمشاعر والعواطف والإرادات، وقصرنا النظر على الأجسام فقط، لن يكون المجتمع سوى مجموعة من الأفراد، بَيْدَ أننا إذا أخذنا الأرواح والأفكار والمشاعر والعواطف والإرادات، وكلّ ما يرتبط بإنسانية الإنسان بنظر الاعتبار، فإن الأمر سيكون على شيءٍ من التعقيد.

ولتسهيل المسألة نطلق على الأبدان تسمية (الأشخاص)، ونطلق على الأرواح والأفكار وما إلى ذلك تسمية (الهويّة والشخصية).

والسؤال هنا: ما هي طبيعة تركيب الشخصيات في المجتمع؟

في بيان هذا السؤال يجب القول: إن التراكيب على قسمين: تراكيب اعتبارية؛ وتراكيب حقيقية.

كما تنقسم التراكيب الحقيقية بدورها إلى قسمين: تراكيب صناعية (فيزيائية)؛ وتراكيب طبيعية (كيميائية).

وفي التراكيب الاعتبارية لا يتحقّق تركيب، وإنّ كلّ واحدٍ من الأجزاء لا ربط له في ماهية وآثار الأجزاء الأخرى. إن التركيب في هذه المركبات اعتباري وافتراضي. فعلى سبيل المثال: إن الكراسي في قاعة مدرسةٍ ما تشكِّل مجموعة اعتبارية.

وفي التركيب الصناعي (الفيزيائي) يتمّ تركيب الأجزاء ببعضها، وتفقد تأثيرها الاستقلالي، ولكنّها تحصل في المقابل على استقلال ماهوي. فعلى سبيل المثال: إن كلّ سيارة عبارةٌ عن مركّب صناعي، وإن لأجزائها ماهيّة مستقلّة، ولكنها لا تمتلك تأثيراً مستقلاًّ، بمعنى أننا لو أخذنا كلّ جزءٍ من أجزائها على انفراد فلن يكون له تأثيره الذي نحصل عليه في ضمن ارتباطه بمجموع الأجزاء الأخرى. ففي هذا التركيب ترتبط الأجزاء ببعضها على نحوٍ خاص، ويكون تأثيرها مرتبطاً ببعضها أيضاً. ونتيجة لذلك نحصل على آثار مختلفة جدّاً عن تأثير الأجزاء الحاصل في حال الاستقلال.

وفي المركّب الطبيعي يكون التركيب حقيقياً، وتفقد الأجزاء ماهيّتها، كما تفقد تأثيرها أيضاً. وما يحصل بعد التركيب ماهيّة وتأثير مغاير لماهية وتأثير الأجزاء حال الاستقلال، من قبيل: الماء الحاصل من تركيب الأوكسجين والهيدروجين، وتكون له آثارٌ مغايرة لآثار الهيدروجين والأوكسجين على انفرادٍ.

بعد التعرّف باختصار على أنواع التركيب وبيان السؤال، نذكِّر في الجواب بوجود أربعة احتمالات في ما نحن فيه، وهي:

1ـ إن الشخصيات، مثل الأبدان، منفصلةٌ عن بعضها، وإن التركيب بينها اعتباري. فلكلّ شخص أفكاره ورغباته وعقائده الخاصّة، ويصنع شخصيّته بنفسه. فكيفما اختار الإنسان لنفسه طريقة عيش (لوحده أو ضمن المجتمع) تكون له شخصيّةٌ واحدة. والمجتمع ليس سوى التجمُّع القهري للشخصيات المستقلّة. وهذه هي نظرية أصالة الفرد المطروحة في الليبرالية.

2ـ إن تركيب الشخصيات في المجتمع صناعي؛ حيث تبقى هويّة الأفراد محافظة على استقلالها في المجتمع، ولكنّها تفقد استقلاليتها في التأثير. إن تأثير المجتمع الإنساني ليس هو تأثير الأفراد في حال الاستقلال. فعلى سبيل المثال: إن تأثير هجوم الجيش المضحّي، المؤلَّف من مجموعة من الرماة، وحملة القاذفات والمدافع الرشاشة، هو الانتصار على العدوّ، واحتلال مواقعه، في حين لو أراد كلّ واحدٍ من الجنود في هذا الجيش أن ينفرد لوحده في الهجوم على صفوف الأعداء، وبشكلٍ مستقل، خارج إطار الجماعة، لكان مصيره القتل من أوّل خطوةٍ، دون أن يحقق النصر أبداً.

وعلى هذا الأساس فإن المجتمع يتكوَّن من الأفراد المرتبطين ببعضهم البعض، وإن الحياة الاجتماعية بوصفها أثراً ترتبط بجميع أجزاء القاطرة الاجتماعية، دون أن يفقد الأفراد هويّتهم ضمن المجتمع الكامل.

كما تقوم هذه النظرية على أصالة الفرد، بمعنى أنها لا ترى للمجتمع بوصفه كلاًّ مركَّباً تركيباً طبيعياً أصالة؛ إذ يبقى الأفراد محافظين على هوياتهم المستقلّة، دون أن يكون هناك وجودٌ لشيء باسم الهوية الجمعية، ليقع الأفراد تحت تأثيرها ويذوبوا فيها. في هذه الرؤية تقوم هوية الأفراد بصنع هوية المجتمع، ولكنْ في الوقت نفسه؛ وبسبب الارتباط الوثيق بين الأفراد، فإن الأثر الجماعي لا يساوق تأثير الأفراد كلٌّ على انفراد. وبعبارةٍ أخرى: إن تأثير المجتمع عبارةٌ عن الجمع بين آثار الأفراد.

وبطبيعة الحال فإن هذا التغيير في مفهوم الوجود بالنسبة إلى أصالة الفرد لا يُحدث أيّ تغيير في الناحية القيمية لأصالة الفرد.

وعلى الرغم من أننا في هذا النوع من أصالة الفرد يجب أن نعمل في تبيين الظواهر العامة ـ كما في الفردانية المعرفية ـ على تحليل سلوك الفرد الأمثل، إلاّ أنّ هناك فرقاً، وهو أننا في هذا النوع من الفردانية المعرفية علينا أن نأخذ الفرد الأمثل ضمن النظام الاجتماعي، والعمل على تحليل سلوكياته وقراراته، في حين أن سلوك الإنسان الأمثل في الفردانية المعرفية من النوع الأول، الذي تقدَّم توضيحه، يتمّ بحثه وتحليله في الخلأ. وبعبارةٍ أوضح: طبقاً للاحتمال الأول فإن أصالة الفرد من الناحية المعرفية توجب علينا أن نقبل بالنوع الأول من الفردانية المعرفية الذي يتمّ فيه تحليل سلوك الفرد الأمثل في الخلأ، لنخوض بعد ذلك في تحليل الظواهر الاجتماعية من خلال العمل على دراسة الجَمْع القهري لسلوك الأفراد، بَيْدَ أننا طبقاً للاحتمال الثاني يجب علينا أن نقبل بالنوع الثاني من الفردانية المعرفية، الذي يُدرس فيه سلوك الفرد الأمثل ضمن المنظومة الاجتماعية، ونفسِّر الظواهر الاجتماعية من خلال الاستعانة بالنموذج السلوكي للفرد الأمثل في المجتمع.

وبطبيعة الحال فإن هذا الأسلوب لتحليل وتفسير الظواهر الاجتماعية ـ طبقاً للاحتمال الثاني ـ يجب بحث صوابيّته أو عدم صوابيّته في فلسفة العلوم الاجتماعية.

3ـ إن المجتمع مركَّب حقيقي (أسمى من المركَّب الطبيعي). ففي التركيبات الطبيعية تكون للأجزاء قبل التركيب هويّة وتأثيرات، وفي ظلّ التأثير والتأثُّر القائم بينها يتمّ تمهيد الأرضية لظاهرةٍ جديدة. إلاّ أن الأفراد قبل الوجود الاجتماعي لا يوجد لديهم أيّ هويةٍ إنسانية، ويكونون بمنزلة الأوعية الخالية المستعدّة لتقبُّل الروح والهويّة الجماعية. وعلى هذا الأساس تكون الشخصية الفردية أمراً اعتبارياً، والذي يكون حقيقياً هو الشخصيّة الجماعية، وإن الأفراد يكتسبون شخصيّتهم من الهوية الجماعية. فعلى سبيل المثال: لو أن شخصاً أمضى حياته في جزيرة منفرداً منذ ولادته، لن يكون سوى حيوانٍ لا يمتلك شيئاً من الشخصيّة والمقوِّمات الإنسانية. وقد شبَّهوا هذا التركيب بتركيب أعضاء الجسد. فلو قدّر لكلّ عضوٍ أن يفقد اتّصاله وارتباطه بالجسم سوف يتحوّل إلى كتلةٍ فاقدة للروح. وهذا هو مضمون نظريّة أصالة المجتمع المطروحة من قِبَل الاشتراكيّة. يمكن لهذه الناحية المعرفية من أصالة المجتمع أن تكون منشأً للحكم بتقدُّم مصالح المجتمع على مصالح الفرد (الناحية الأخلاقية من أصالة المجتمع)، وكذلك اختيار النَّزْعة الكلّية المعرفية التي تقدَّم توضيحها.

وبطبيعة الحال فإن القول بعدم وجود أيّ هويّة للأفراد قبل الانخراط في المجتمع، أو القول بأنهم يتمتَّعون بشيءٍ من الهويّة إلاّ أنها تزول عندما ينخرط في سلك المجتمع، وتضمحل تحت تأثير وطأة الروح الجماعية، لا يحدث فَرْقاً في الآثار المترتبة على هذا الاحتمال.

4ـ إن تركيب الأفراد في المجتمع لا يمكن تشبيهه بأيّ واحدٍ من التراكيب المذكورة آنفاً. فالأفراد يتمتَّعون في المجتمع بشخصيّةٍ مستقلّة، ولكنهم في الوقت نفسه يتأثَّرون ببعضهم.

وبفعل هذا التأثير والتأثُّر يحصل أكثر الأفراد على الأفكار والعواطف والمتبنيات والآداب والتقاليد والمصالح المشتركة، وتتوفَّر الأرضية لانتزاع الروح الجماعية أو هويّة المجتمع؛ لأن هويّة المجتمع تنتزع من القَدْر المشترك لهويّة الأفراد.

وعلى هذا الأساس فإن هوية المجتمع ليست أمراً وَهْمياً أو اعتبارياً، وليست حقيقة مستقلّة عن هويّة الأفراد، بل هي أمر انتزاعي، بمعنى عدم وجودها في الخارج، إلاّ أن منشأ انتزاعها حقيقي.

وعلى الرغم من انتزاع هذه الروح الجماعية من القَدْر المشترك لهويّة الأفراد، إلاّ أنها في الوقت نفسه تؤثِّر على هويّة الأفراد، وتدعوهم إلى الانسجام معها. ولن يمضي وقتٌ حتّى يشعر الفرد أن الروح الجماعية الحاكمة في المجتمع تشكِّل جزءاً من شخصيّته، وأنه يفكِّر مثل أكثر أفراد المجتمع، ويشعر بنفس شعورهم، وتصدر عنه ذات ردود أفعالهم. وبطبيعة الحال هناك أفراد يمتلكون القوّة بحيث يستطيعون التأثير على هذه الروح الجماعية، ويغيِّرون الأفكار والمشاعر والعواطف العامة في ثقافة المجتمع بشكلٍ كامل. وتسمّى هذه النظرية بأصالة الفرد والمجتمع.

والقرآن الكريم يعزِّز الاحتمال الرابع؛ حيث نشاهد في هذا الكتاب السماوي مجموعتين من الآيات:

فهناك طائفةٌ من الآيات التي تخاطب الفرد، وتعتبره مسؤولاً عن أفعاله، حيث تنسب إليه الهداية والضلالة والحياة والموت، من قبيل:

ـ ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (المدثر: 38).

ـ ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ (الإسراء: 13).

ـ ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ (النجم: 39 ـ 40).

ـ ﴿فَمَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ (يونس: 108).

وفي مقابل هذه الآيات هناك آياتٌ أخرى تخاطب الأمم والأقوام، وتعتبر كلّ أمّةٍ كياناً حيّاً، ومسؤولاً عن أفعاله، من قبيل:

ـ ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: 134، 141).

ـ ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (الجاثية: 28).

ـ ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الأنعام: 108).

ـ ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (الأعراف: 34).

يمكن القول: في المجموعة الأولى من الآيات يتمّ توجيه الخطاب إلى الأفراد بما لهم من الهوية الفردية، وفي المجموعة الثانية من الآيات يكون المخاطَب هو الروح والهوية الجماعية، التي تنتزع من القَدْر المشترك والوجه الغالب لهويّة أفراد المجتمع.

وبطبيعة الحال فإن وجود الروح الجماعية على هذا النحو، وتأثيرها على شخصية أفراد المجتمع، لا تعني أبداً تجريد الفرد من إرادته. فيمكن لكلّ شخصٍ أن يسير على خلاف هويّة المجتمع، بل ويعمل على تغيير المجتمع أيضاً. ومن هنا يقول الله تعالى في محكم كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (المائدة: 105).

والتاريخ يشهد على صدق هذا الكلام وصحَّته، فكم من عظيمٍ سار على خلاف الروح الجماعية، وعمل على تغيير شخصيّة المجتمع وهويّته؟!

إن هذه الرؤية الوجودية إلى الفرد والمجتمع تختلف عن الرؤية الليبرالية تماماً؛ حيث إن للمجتمع في الرؤية الليبرالية وجوداً اعتبارياً، وإن الوجود الحقيقي والأصيل إنما هو للفرد. فكل فردٍ يختار وحده الأهداف والقيم والطرق الموصلة إلى الأهداف، والمجتمع ليس سوى مجموعةٍ من الذرّات المستقلة، المنتظمة إلى جوار بعضها ضمن المنظومة الاجتماعية. ولا يُشاهد أيّ تأثير وتأثُّر على الهويات الشخصية، فكلّ شخص يعمل وفق مصالحه الشخصية، وإن تجربة الفرد الشخصيّة هي وحدها الطريق إلى معرفة الحقائق.

بَيْدَ أن للمجتمع في هذه الرؤية وجوداً حقيقيّاً وانتزاعياً، ونلاحظ بين الأفراد تأثيراً وتأثُّراً. وفي ظلّ ذلك تبرز المشاعر والدوافع والأفكار والرغبات المشتركة التي نعبّر عنها بالروح الجماعية التي تحكم أكثر أفراد المجتمع. وإن الأفراد الذين يمتلكون شخصيّة أضعف يرزحون تحت وطأة تأثير هذه الهويّة المشتركة، وأما الأفراد الذين يتمتَّعون بشخصيّةٍ أقوى يتركون تأثيرهم عليه. إن هوية المجتمع ليست أمراً اعتبارياً محضاً، بل هي هويةٌ حقيقية، وإنْ لم يكن لها وجودٌ في الخارج، فإنها تُنتزع من الخارج ومن الهوية المشتركة بين الأفراد.

ومضافاً إلى ذلك فإن الاختلاف بين هاتين الرؤيتين يؤدي إلى الاختلاف في الناحية القِيَمية من المسألة.

طبقاً للناحية الوجودية من أصالة الفرد لا بُدَّ من تقديم مصالح الفرد على مصالح المجتمع؛ لأن مصالح المجتمع أمر اعتباري، ولا حقيقة إلاّ لمصالح الفرد، وأما مصالح المجتمع فليست سوى المصالح القهرية لمجموع الأفراد. وعليه لو تمّ تفسير مصالح المجتمع بشكلٍ يتنافى مع مصالح الفرد وجب علينا إعادة النظر في تفسير مصالح المجتمع، وتجاهل ما يتمّ تعريفه بوصفه من مصالح المجتمع، والمحافظة على مصالح الفرد؛ لكونها هي الأصيلة.

وأما طبقاً للرؤية الوجودية ـ التي تقدَّمت ـ بالنسبة إلى الفرد والمجتمع، وقد استفدنا من الآيات القرآنية المؤيِّدة لها، لا تكون مصالح المجتمع غير مصلحة الأغلبية الساحقة من أفراد المجتمع، وعليه من الطبيعي أن يتمّ تقديم مصالح الأغلبية الساحقة من أفراد المجتمع عند التعارض بينها وبين مصلحة فردٍ واحد، أو عددٍ قليل من الأفراد.

ومضافاً إلى ذلك فإن مفهوم مصالح الفرد أو المجتمع في الرؤية الإسلامية يختلف عنه في الرؤية الليبرالية. فالمراد من مصالح الفرد في الرؤية الليبرالية هو المصالح المادية له، والتي تحدّدها الرغبات والدوافع النفسية. في حين أن مصالح الفرد في الرؤية الإسلامية تتحدَّد من خلال الالتفات إلى غاية الإنسان المتمثِّلة بالوصول إلى قمّة العبودية السامية.

وكذلك فإن المراد من مصالح المجتمع في الرؤية الإسلامية هي المصالح والأهداف التي حدَّدها الإسلام للمجتمع، وهذا اختلافٌ هامّ جدّاً، وسوف نبحث آثاره في دراسة أخرى.

إن النظرة الوجودية إلى الفرد والمجتمع، التي تمّ طرحها وتغليبها في الاحتمال الرابع، تضطرّنا إلى إعادة النظر في الأساليب الموجودة لبيان الظواهر الاجتماعية التي يتمّ طرحها في فلسفة العلوم الاجتماعية.

بَيْدَ أنه لا شَكَّ في عدم إمكان القول بالنوع الأوّل من الفردانية المعرفية؛ لأن هذا الأسلوب يقوم على انفصال واستقلالية الأفراد في الهوية، وهو نتيجةٌ طبيعية لذلك.

وطبقاً لرؤيتنا فإن الأفراد الذين يعيشون في المجتمع يؤثِّرن ويتأثَّرون ببعضهم، وإن هوية الأفراد تخضع للتأثير المتبادل فيما بينهم. ومضافاً إلى ذلك فإن تأثير المجموعة المنظّمة لا يُعَدّ نتيجة قهرية لتأثير الأفراد في ذلك المجتمع.

إن بحث أسلوب التفسير في العلوم الاجتماعية يُشكّل موضوعاً واسعاً للكثير من الكتب. ويجب علينا ـ من خلال الالتفات إلى قواعدنا الوجودية ـ أن نبحث في مورد الفرد والمجتمع، وكذلك علينا أن ندخل في هذا البحث من خلال الالتفات إلى المباني المعرفية والوجودية للعلم، وأن نختار أسلوباً منسجماً مع هذه المباني. إن هذا التحقيق قَيِّمٌ للغاية، ولا بُدَّ من إنجازه. وإن النتيجة الوحيدة التي حصلنا عليها في هذا البحث هي أن النوع الأول من الفردانية المعرفية لا يمكن أن يكون مقبولاً. وأما ما هو الأسلوب الصحيح في تفسير الظواهر الاجتماعية؟ فيحتاج إلى مقدِّمات أخرى خارجة عن حدود بحثنا.

ب ـ السنن الإلهية الحاكمة على المجتمعات الإنسانية ــــــ

إن السنّة تعني الطريقة والمنهاج. والمراد من السنّة الإلهية هي القوانين والقواعد التي وضعها الله سبحانه وتعالى في الكون والعالم. وقد صرَّح القرآن الكريم بوجود السنن الإلهية في المجتمعات الإنسانية في الكثير من مواضعه، مؤكِّداً على استحالة تغيير السنن الإلهية، فقال:

ـ ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (آل عمران: 137).

ـ ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلاً﴾ (فاطر: 43).

كما تجد هذه العبارات مع اختلافٍ يسير في الآية السابعة والسبعين من سورة «الإسراء»، والآية الثانية والستين من سورة «الأحزاب»، والآية الثالثة والعشرين من سورة «الفتح» أيضاً.

إن آيات القرآن الكريم والروايات الشريفة، بالإضافة إلى بيان أصل هذا القانون، قد صرَّحت أيضاً ببعض السنن الإلهية أيضاً.

وإن جانباً من هذه السنن التي يمكن لها أن تكون مؤثِّرة في حقل الاقتصاد عبارةٌ عن:

1ـ سنّة السعادة والشقاء في المجتمعات ــــــ

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11)، «بمعنى أنك لن تجد شعباً أو أمّة تنتقل من البؤس إلى السعادة، إلاّ إذا عملت على إبعاد أسباب البؤس والشقاء عن نفسها. وبعكس ذلك فإن الله لن ينزل العذاب والشقاء على أمّةٍ، بعد رخاء العيش والسعادة، إلاّ إذا كانت هي مَنْ توفّر أسباب شقائها»([25]).

«هذا القانون، الذي هو واحدٌ من القوانين الأساسية لعلم الاجتماع في الإسلام، يقول لنا: إن ما يُصيبكم هو من عند أنفسكم، وما أصاب القوم من السعادة والشقاء هو ممّا عملَتْ أيديهم، وما يُقال من الحظّ والصدفة وما يحتمله المنجِّمون ليس له أساسٌ من الصحّة. فالأساس والقاعدة هي إرادة الأمّة إذا أرادت العزّة والافتخار والتقدّم، أو بالعكس إنْ أرادت هي الذلّة والهزيمة. وحتّى اللطف الإلهي أو العقاب لا يكون إلاّ بمقدّمة. فتلك إرادة الأمم في تغيير ما بأنفسهم حتّى يشملهم اللطف أو العذاب الإلهي»([26]).

إن هذه السنّة من السنن العامة، التي تصدق كذلك على انتعاش أو ركود الوضع الاقتصادي للشعوب والأمم أيضاً.

2ـ تأثير التقوى في نزول النِّعَم والبركات الإلهية ــــــ

قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (الأعراف: 96).

«إن البركات جمع بركة، بمعنى النِّعَم الثابتة، في مقابل النِّعم العابرة والأمور الزائلة، التي تعني كثرة البركة وازدياد وجودها. والبركات تشمل البركات المادية والمعنوية. يُستفاد من هذه الآية وجوب أن يكون أكثر أفراد المجتمع (أهل القرى) من أهل الإيمان والتقوى؛ ليكون هذا المجتمع مشمولاً ومستحقّاً لنزول الألطاف والبركات الإلهية. كما يستفاد منها أن الاستثمار في الثقافة المعنوية للمجتمع تترتّب عليه نتائج اقتصادية أيضاً»([27]).

وقال بعض خبراء الاقتصاد من المسلمين في هذا الشأن: «ربما كان أحد الأدلة المنطقية للإسلام في ما يتعلّق بهذه النظرية هي أن الإيمان بالله والالتزام بتطبيق أحكام الشرع سيستدعيان هذه القضيّة، فإن الإيمان بالله يعني الاعتقاد بحضور ذات الباري تعالى الدائم والمستمرّ في جميع الأمور الاجتماعية، وحصيلة هذا الإيمان عبارة عن: الأخلاق في العمل؛ والمعاملة القائمة على الصدق والإمانة والإخلاص؛ والإنتاج الفاعل؛ واجتناب التبذير والإسراف؛ والعدالة؛ وتدوير الثروة، مع توقُّع الخسارة والرضا بها وبالنتائج المترتِّبة عليها؛ والوفاء بالعهد؛ ورعاية الحدود القصوى من التوازن في النشاط الاقتصادي؛ وحرّية التعامل والتعاطي الاقتصادي والتجاري في إطار الأحكام الشرعية. وخلاصة القول: إن أفراد المجتمع كلّما آمنوا بالقيم الإسلامية، وعملوا بها، حصلوا على اقتصاد قويّ وحيويّ ومزدهر، تنعدم فيه جميع مصادر التوزيع الظالم للأرباح والثروات، ويرفع جميع المنافذ التي يمكن للبِنْية الاقتصادية أن تضرّ بالجسد الاقتصادي من الداخل؛ فإن عدم الاستقرار في هذا النظام إنما يدخل عليه من خارجه»([28]).

إن هذا الكلام يعكس دور الإيمان والتَّقْوى في ازدهار الاقتصاد بشكلٍ جيّد، إلا أن الآية السادسة والتسعين من سورة «الأعراف» ـ بالإضافة إلى ما تقدَّم ـ تبيِّن دور التقوى في المجتمع بشأن فتح أبواب رحمة الله تعالى، وخزائن غيبه أيضاً.

وقد عمد هذا الكاتب المحترم إلى بيان الآثار العقلية والعملية للإيمان والتقوى، دون أخذ الإمدادات الغيبية بنظر الاعتبار. وهذا صحيحٌ في موضعه، إلاّ أن الآية المتقدِّمة تدلّ على أكثر من ذلك، حيث تعتبر التقوى الإلهية مفتاحاً لأبواب الرحمة الإلهية، ونزول الإمدادات الغيبية.

3ـ ارتباط الشكر بكثرة النعم ــــــ

قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ (إبراهيم: 14).

إن من معاني الشكر في هذه الآية هو الشكر العملي، بمعنى الاستفادة الصحيحة من النِّعَم الإلهية. وقال الشهيد مرتضى مطهري في هذا الشأن: «إن هذه الآية تعني أنكم أيها الناس إذا شكرتم الله على ما وهبكم من النِّعَم حقَّ شكره، واستثمرتموها بالشكل المطلوب، فإن الله سيزيد هذه النِّعَم، وإنْ كفرتم، واستهلكتموها على خلاف مصارفها، فإنّ عذاب الله سيكون في غاية الشدّة»([29]).

إن من النِّعَم الإلهية الأموالُ، وإن الطريق الصحيح للاستفادة من الأموال والثروات هو العمل على تلبية الفرد لاحتياجاته واحتياجات الآخرين، واجتناب التبذير والإسراف. فلو تمّ استثمار الثروة في هذا الطريق فإن الله سيعمل على مضاعفتها، وأما إذا أنفقت في مسار المعاصي والذنوب فإن الله سيجعلها سبباً للعذاب الشديد في الآخرة.

4ـ ارتباط العدل بزيادة البركات ــــــ

رُوي عن الإمام علي× أنه قال: «بالعدل تتضاعف البركات»([30]).

إن لسيادة العدل في المجتمع ـ بالإضافة إلى الآثار الاجتماعية والسياسية ـ آثاراً اقتصادية أيضاً. وتتجلّى هذه الآثار الاقتصادية في زيادة النِّعَم الإلهية. وقد رُوي عن الإمام علي× أنه قال في بيانٍ آخر له في هذا الشأن: «إذا ظهرت الجنايات ارتفعت البركات»([31]).

وعليه فإن سيادة العدل في المجتمع تؤدّي إلى زيادة البركات، وبعكس ذلك فإن ظهور الجرائم والظلم يؤدّي إلى زوال النِّعَم.

إن القوانين والسنن الحاكمة في المجتمعات الإنسانية كثيرةً. ولم نذكر منها سوى بعض الأمثلة؛ لأن ذكرها بأجمعها خارجٌ عن نطاق هذه المقالة المختصرة، ويحتاج إلى كتابٍ مستقلّ.

الخاتمة ــــــ

إن المباني الفلسفية تشكِّل أرضية لكلّ نظام اقتصادي، وإن الاختلاف بين الأنظمة الاقتصادية يعود بجذوره إلى المباني الفلسفية. ومن جهةٍ أخرى فإن هذه المباني تؤثِّر في فلسفة العلم أيضاً.

لقد أردنا في هذا المقال بيان المباني الفلسفية للنظام الاقتصادي في الإسلام. لا شَكَّ في أن المباني الفلسفية للنظام الاقتصادي في الإسلام تقع في النقطة المقابلة للمباني الفلسفية للنظام الاقتصادي الرأسمالي الليبرالي.

وبكلمةٍ واحدة يمكن القول: إن النظام الاقتصادي الرأسمالي الليبرالي يقوم على إلغاء الله، أو إنكار تأثيره في العالم المادّي. وبعكسه النظام الاقتصادي في الإسلام، حيث يقوم على الإيمان بالله.

إن الالتفات إلى الاختلافات العميقة بين هذين النظامين يمنعنا من التقليد الأعمى، ويدعونا إلى كشف وبيان النظام الاقتصادي في الإسلام من خلال الآيات والأحاديث. وبطبيعة الحال فإننا في معرض بياننا للنظام الاقتصادي في الإسلام بحاجةٍ إلى الالتفات إلى المعطيات العلمية في العالم المادّي، ولكنْ ليس من الصحيح أن نتأثّر بها بشكل أعمى.

يُعدّ تجاهل دور الله في العالم المادّي، وتأصيل الفرد، من بديهيات النظام الاقتصادي الرأسمالي. من هنا يمكن القول: إن منهج الإسلام يختلف عن المنهج الرأسمالي، وإن الكلام القائل: إن الاقتصاد الرأسمالي علم، وإن العلم لا صلة له بالآراء والقِيَم، كلامٌ مشؤوم، وإن الاستماع إليه يضعنا في المسار الخاطئ، ويجعلنا من الضالّين.

الهوامش

(*) أستاذٌ مساعد في الجامعة، وفي الحوزة العلمية. متخصِّصٌ وحائز على شهادات جامعيّة في الاقتصاد الإسلامي. عضو الهيئة العلمية لمؤسسة الثقافة والفكر الإسلامي، ورئيس قسم الاقتصاد فيها.

([1]) انظر: حسين مير معزّي، ساختار كلان نظام اقتصادي إسلام (مصدر فارسي): 20 ـ 26.

([2]) انظر: العلاّمة محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن 3: 163.

([3]) انظر: الشهيد مرتضى مطهري، الأعمال الكاملة 1: 411.

([4]) العلاّمة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار 2: 90.

([5]) الريشهري، ميزان الحكمة 2: 1233.

([6]) الربوبية (deism): الدين الطبيعي: الإيمان بالله من غير الاعتقاد بديانات منـزلة.

([7]) انظر: السيد حسين مير معزّي، نظام اقتصادي إسلام، مباني فلسفي (فارسي): 33 ـ 62.

([8]) العلاّمة محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن 12: 116.

([9]) نهج البلاغة: 423، الخطبة رقم 143.

([10]) انظر: الأعمال الكاملة 2: 2، 141.

([11]) الريشهري، ميزان الحكمة 2: 891.

([12]) انظر: الأعمال الكاملة 3: 220.

([13]) مضمون الخطبة الثانية والأربعين من نهج البلاغة.

([14]) انظر: محمد باقر الصدر، اقتصادنا 1: 357 ـ 365.

([15]) انظر: الأعمال الكاملة 2: 235؛ جوادي الآملي، شناخت شناسي در قرآن (فارسي): 142.

([16]) انظر: محمد رضا الحكيمي، الحياة 1: 390، نقلاً عن: توحيد المفضَّل 1: 5.

([17]) الإيمان بالله من غير الاعتقاد بدين منـزل. (المعرِّب).

([18]) انظر: الريشهري، ميزان الحكمة 3: 48.

([19]) انظر: الأعراف: 92.

([20]) جعفر السبحاني، منشور جاويد (مصدر فارسي) 4: 234 ـ 240، 280 ـ 293.

([21]) الريشهري، ميزان الحكمة 3: 2038.

([22]) انظر: محمد تقي مصباح اليزدي، دروس فلسفه أخلاق (مصدر فارسي): 117 ـ 173.

([23]) انظر: المصدر السابق: 173 ـ 183.

([24]) انظر: مرتضى مطهري، الأعمال الكاملة 2: 335 ـ 343؛ محمد جعفر نجفي العلمي، جامعه وسنن اجتماعي در قرآن (مصدر فارسي): 1 ـ 145؛ عبد الكريم سروش، درسهايي در فلسفه علم الاجتماع (مصدر فارسي): 1 ـ 57، 97 ـ 119.

([25]) انظر: الأعمال الكاملة 2: 234.

([26]) الشيخ ناصر مكارم الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنـزل 7: 230.

([27]) الشيخ محسن قراءتي، تفسير نور (مصدر فارسي) 4: 132 ـ 133.

([28]) انظر: باقر الحسني ميرآخور، مقالاتي در اقتصاد إسلامي (مصدر فارسي): 83؛ وله أيضاً: مقاله ويژگيهاي نظام اقتصاد إسلامي (مصدر فارسي).

([29]) مرتضى مطهري، الأعمال الكاملة 2: 236.

([30]) الريشهري، ميزان الحكمة 1: 256 ـ 257.

([31]) المصدر نفسه.