فلسفة الاقتصاد الإسلامي

20 أبريل 2018
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1٬065 زيارة

فلسفة الاقتصاد الإسلامي

القواعد الفلسفية والبنيويّة

د. السيد حسين مير معزّي(*)

ترجمة: وسيم حيدر

مقدّمة ــــــ

يمكن تقسيم فلسفة الاقتصاد إلى قسمين عامّين، وهما: فلسفة علم الاقتصاد؛ وفلسفة النظام الاقتصادي.

أما فلسفة علم الاقتصاد فإنها تتحدّث عن ماهية علم الاقتصاد. وإن المسائل التي تساعد على بيان ماهية علم الاقتصاد عبارةٌ عن: الهدف، والموضوع، والمسائل، والمبادئ التصوّرية والتصديقيّة، والأسلوب والمنزلة (علاقة علم الاقتصاد بالعلوم الأخرى).

وفي فلسفة النظام الاقتصادي نتحدّث حول ماهية النظام الاقتصادي، وتتمّ الإجابة عن أسئلة من قبيل: ما هو موضوع أو عناصر النظام الاقتصادي؟ ما هي أهدافه؟ ما هي أسسه وقواعده؟ وما هو الارتباط القائم بين النظام الاقتصادي وسائر الأنظمة المندرجة تحت النظام العام؟ وما إلى ذلك من الأسئلة. في فلسفة النظام الاقتصادي يتمّ التعريف بأن كلّ نظام اقتصادي يقوم على قواعد خاصّة، ونطلق على هذه القواعد مصطلح (الأسس الفلسفية للنظام الاقتصادي).

يمكن للمعتقد أن يكون بشرياً أو دينياً. والعقيدة الدينية عبارة عن تفسير الدين ورؤيته للكون والوجود، وتشتمل على مجموع القضايا التي يتمّ بيانها من خلال «الكينونة» أو «العدم»، وموضوعها هو الله والإنسان والمجتمع والعالم المادي والعالم الأخروي.

في الأسس والقواعد الفلسفية للنظام الاقتصادي يتمّ البحث في تلك المجموعة من المسائل الاعتقادية المؤثّرة في النظم الاقتصادية. فعلى سبيل المثال: يتمّ في الرؤية الاعتقادية البحث في الوجود وصفات الذات وصفات فعل الله، وأما في الأسس الفلسفية للنظام الاقتصادي فإنما يقتصر بحثنا على صفات فعل الله فقط، من قبيل: تدبيره ورازقيّته، ممّا هو مؤثِّر في النظام الاقتصادي.

إن بحث الأسس والقواعد الفلسفية يحظى بأهمية خاصّة؛ إذ إن لهذه الأسس تأثيراً ملحوظاً وهامّاً في فلسفة النظام الاقتصادي، وفلسفة علم الاقتصاد. ولذلك سنبحث في هذه المقالة المباني والأسس الفلسفية للنظام الاقتصادي في الإسلام.

إن المراد من النظام الاقتصادي في الإسلام هو «مجموعة من النماذج السلوكية والعلاقات الاقتصادية في حقل الإنتاج والتوزيع والاستهلاك، وهي الحقول الثلاثة التي نستنبطها من نصوص الآيات والروايات، من خلال الاستعانة بالتحليل العقلي. إن هذه النماذج تعمل على ربط المساهمين في بناء النظام الاقتصادي من (المنتجين والمستهلكين والدولة وما إلى ذلك) ببعضهم، وبالمصادر الاقتصادية، وتأخذ بالمجتمع نحو الأهداف الاقتصادية المنشودة في الإسلام»([1]).

يتمّ بيان الأسس الفلسفية للنظام الاقتصادي في الإسلام ضمن المحاور الأربعة التالية:

1ـ التوحيد (العلاقة القائمة بين الله وعالم الطبيعة والإنسان).

2ـ الكون (ونريد به عالم الطبيعة والمادة).

3ـ الإنسان (ماهيّة الإنسان وخصائصه).

4ـ المجتمع (المجتمع الإنساني وقوانينه).

التوحيد ــــــ

إن للوجود والتوحيد والصفات الذاتية والفعلية لله سبحانه وتعالى مسائل وأبحاث واسعة يتمّ تناولها في علم الكلام.

والذي نبحثه في هذه المقالة هو بيان علاقتين فقط، وهما:

أـ علاقة الله بعالم الطبيعة.

ب ـ علاقة الله بالإنسان.

وفي الحقيقة إننا بصدد البحث في صفات فعل الله ضمن هذه المساحة، وهي بطبيعة الحال صفات الأفعال التي تؤثِّر بنحوٍ من الأنحاء في حقل الاقتصاد والنظام الاقتصادي.

أـ علاقة الله بعالم الطبيعة ــــــ

1ـ علاقة الخالقية ــــــ

يُنظر إلى الله سبحانه وتعالى في منظار العقيدة الإسلامية بوصفه خالقاً لكلّ شيء. قال تعالى في محكم كتابه الكريم: ﴿ذَلِكُمْ اللهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ﴾ (الأنعام: 102).

2ـ العلاقة الربوبية ــــــ

لقد تمّ بيان هذه العلاقة في أكثرمن ألف آيةٍ من آيات القرآن الكريم. ومن ذلك ـ على سبيل المثال ـ: قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (الأنعام: 164).

إن الربّ في اللغة من التربية، ويستعمل للدلالة على المربّي على سبيل الاستعارة. ومن هنا فإن إطلاق كلمة الربّ على الله سبحانه وتعالى بمعنى أنه هو الذي يعمل على تربية جميع الأشياء، وأنه يتصرّف في الكون ويشرف عليه باستمرار. كما نرى في آياتٍ أخرى معاني من قبيل: «ربّ العالمين»، و«ربّ السماوات والأرض»، و«ربّ العرش»، و«ربّ المشارق والمغارب»، وربّ السماوات السبع»، و«ربّ الناس»، و«ربّ الفلق»، وجميع هذه الاستعمالات تدلّ على ذات المعنى المتقدّم.

3ـ علاقة المالكية ــــــ

قال تعالى: ﴿وَللهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ (آل عمران: 109).

وبطبيعة الحال فإن المراد من هذه المالكية هي المالكية الحقيقية، وليس المالكية الوضعية والاعتبارية. فكما يمتلك الإنسان قواه العقلية يمتلك الله سبحانه وتعالى جميع ما في الوجود.

4ـ علاقة الحفظ ــــــ

يرى القرآن الكريم أن الله سبحانه وتعالى هو الحافظ للكون، وجميع الوجود؛ إذ يقول في بعض آياته في هذا الشأن: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ (هود: 57).

5ـ علاقة الإحاطة ــــــ

إن للربّ إحاطةٌ علمية بجميع الكائنات، كما له إحاطةٌ وجودية أيضاً. ويمكن تشبيه هذه الإحاطة بإحاطة روح الإنسان بكلّ أنشطته. قال تعالى في محكم كتابه الكريم، في معرض بيان هذه الإحاطة: ﴿وَللهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً﴾ (النساء: 126).

6ـ علاقة القيّومية ــــــ

طبقاً لهذه العلاقة يكون قوام الكون من الله سبحانه وتعالى، بمعنى أن الله هو الذي يقيم التوازن والنظام في العالم، كما تعمل روح الإنسان على إقامة الجسد. قال تعالى في محكم كتابه الكريم: ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (البقرة: 255). والقيوم في هذه الآية يعني القائم بذاته، والمقيم لغيره.

ب ـ علاقة الله بالإنسان ــــــ

بالإضافة إلى العلاقة القائمة بين الله وعالم الوجود، الذي يشكِّل الإنسان جزءاً منه، بوصفه من جملة المخلوقات في هذا الكون، هناك علاقةٌ خاصة قائمة بين الله والإنسان أيضاً.

وإن من متفرّعات هذه العلاقة الخاصّة التي تؤثِّر على حقل الاقتصاد ما يلي:

1ـ علاقة الهداية ــــــ

بالإضافة إلى الهداية التكوينية الشاملة لجميع الكائنات، فقد خصّ الله الإنسان بهدايةٍ خاصّة، هي التي نطلق عليها مصطلح «الهداية التشريعية». إن الهداية التكوينية تعني إيصال الكائنات إلى غاية كمالها الوجودي، وتفعيل ما هي مستعدّة له، مثل: استعداد النطفة في رحم الأمّ لتتحوّل إلى إنسان، وإن الله يمكّن هذه النطفة ويرسم لها مراحل التحوُّل إلى إنسانٍ كامل. وقد صرّح الله تعالى في القرآن الكريم بهذه الهداية التكوينية على لسان نبيِّه موسى بن عمران×؛ إذ يقول: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ (طه: 50). وإن التعبير بـ «كلّ شيء» في هذه الآية يشمل الإنسان وغير الإنسان أيضاً، وعليه يكون المراد من الهداية في هذه الآية هو الهداية التكوينية.

وأما الهداية التشريعية ـ التي تعني بيان الطريق الذي يوصل الإنسان إلى الكمال والسعادة ـ فيختصّ بالإنسان فقط. فالإنسان هو الذي يحتاج إلى الهداية التشريعية، ولو لم يعمل الله على بيان طريق السعادة له، من خلال إرسال الأنبياء، لسار الناس في طريق الضلالة والضياع. قال الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ (الجمعة: 2).

إن هذه الآية تثبت ضرورة الوحي، وعدم كفاية العقل، في الوصول إلى الكمال؛ وأن كمال الإنسان رهنٌ بوصوله إلى مقام العبوديّة والقرب من الله؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56).

كيف نقيم نظامنا الاقتصادي، بحيث يخلق الأرضية لحركة الإنسان باتّجاه هذا الغاية السامية؟

إنّ الإجابة عن هذا السؤال خارجةٌ عن حدود طاقة العقل؛ لأن الغاية هنا معنوية. أجل، لو كان هَدَف الإنسان وغايته هي الوصول إلى الرَّفاه المادي ـ بمعناه الغربي ـ ربما أمكن للعقل أن يتكفَّل بتقديم نظامٍ اقتصادي ناجع، ولكنْ حيث كانت الغاية معنوية، بحيث يمهّد له الطريق للسير باتجاه هذه الغاية، كانت الهداية التشريعية ضرورية لبناء النظام الاقتصادي. من هنا نقول: إن النظام الاقتصادي في الإسلام نظام وحياني، لا بُدَّ من اكتشافه من خلال تضاعيف الآيات والروايات.

2ـ علاقة الرزّاقية ــــــ

هناك الكثير من الآيات التي تثبت أن تقدير معاش الإنسان ورزقه بيد الله سبحانه وتعالى، ومنها:

ـ ﴿قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (آل عمران: 26 ـ 27).

وعبارة «بغير حساب» في هذه الآية لا تعني عدم قيام الأمور على نظام الأسباب والمسبّبات؛ لأن الله سبحانه وتعالى إنما يُجري القضاء والقَدَر على الأسباب القائمة في الكون والعالم. كما أن هذه العبارة لا تعني الكثرة المنفلتة؛ لأن الله تعالى يقول في آيةٍ أخرى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (القمر: 49). وإنّما المراد بـ «غير حساب» هو العطاء الذي لا يطلب عليه العوض والبدل؛ لأننا لا ندفع إلى الله بدلاً بإزاء النِّعَم التي يمنّ بها علينا. وبطبيعة الحال فإنّ كلّ شخصٍ يبذل جهوداً من أجل الحصول على الرزق، إلاّ أننا لا نستطيع عدّ هذا المجهود بدلاً عن الرزق؛ لأن ذلك الجهد والقدرة على العمل هي من الله أيضاً([2]).

ـ ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ (الزمر: 52).

ـ ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ (الشورى: 12).

وهناك الكثير من الآيات الأخرى التي تدلّ على هذا المعنى أيضاً، من قبيل: الآية الثالثة عشرة من سورة غافر، والآية الثامنة والخمسين من سورة الذاريات، والآيتين الرابعة والعشرين والتاسعة والثلاثين من سورة سبأ.

وبعد أن ذكرنا هذه الآيات الدالّة على أن الله هو الذي بيده الرزق قد يتساءل شخصٌ: إذا كان الله هو الذي يقدِّر أرزاق الناس فما هو دور العمل والسعي وتدبير الإنسان في الحصول على الرزق؟ فهل يعني تقدير المعاش من قبل الله تعالى أن رزق كلّ شخصٍ قد تمّ تعيينه مسبقاً، وأن رزقه سيصله حتّى إذا لم يبذل جهداً في ذلك؟

لا شَكَّ في أن الجواب عن هذا السؤال هو النفي. فإن تقدير المعاش وتقدير الرزق من قبل الله لا يتنافى مع بذل الإنسان جهده وسعيه وتدبيره في الحصول على الرزق المقدَّر له؛ لأن الله إنما قدَّر رزق الإنسان من طريق نظام الأسباب الذي وضعه للوجود، ولا يُبطل النظام القائم على العلّية والمعلولية أبداً([3]).

روي عن الإمام الصادق× أنه قال في هذا الشأن: «أبى الله أن يجري الأشياء إلاّ بالأسباب؛ فجعل لكلّ سببٍ شرحاً، وجعل لكلّ شرحٍ علماً، وجعل لكلّ علمٍ باباً ناطقاً، عرفه مَنْ عرفه، وجهله مَنْ جهله، ذلك رسول الله| ونحن»([4]).

وعن أمير المؤمنين× أنه قال: «لكل شيءٍ سببٌ»([5]).

وبطبيعة الحال لا بُدَّ من الالتفات إلى أن الأسباب في المنظور الإسلامي لا تنحصر في العلل المادية، بل هناك نظامان علّيان: مادّي؛ ومعنوي. وكما أن بعض العلل المادية والمحسوسة تُبطل بعض العلل الأخرى في بعض الموارد، تعمل العلل المعنوية في بعض الموارد الخاصّة على تعطيل الأسباب المادّية أيضاً. في الرؤية المادّية تعدّ الأسباب المادّية وحدها المؤثِّرة في الرزق والمعاش، وأما في الرؤية الإلهية فإن للعناصر والعوامل المعنوية دوراً بمقدار العلل المادّية، وربما أكثر منها، في التأثير على رزق الإنسان. فعلى سبيل المثال: إن الدعاء والصَّدَقات وطاعة الله من الأسباب المؤثِّرة جدّاً في زيادة الرزق. وإن الآيات والروايات تثبت أن الأسباب المعنوية لا تقتصر في تأثيرها على زيادة رزق الإنسان فحَسْب، بل تؤثِّر حتّى في تغيير مصيره أيضاً.

الاختلاف بين الإسلام والليبرالية في التوحيد ــــــ

إن مبنى التوحيد في النظام الاقتصادي الرأسمالي الليبرالي إما ربوبيّ([6])؛ أو لاأَدْري؛ أو شكّي([7]). والربوبية لم تظهر في القرن السابع عشر أو الثامن عشر، بل قال بها اليهود قبل ذلك بقرونٍ طويلة. وقد شجب القرآن عبر بيانه البديع ذهاب اليهود إلى هذا الاعتقاد، حيث قال: ﴿وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ (المائدة: 64).

إن الله سبحانه في رؤية القرآن ليس مجرّد خالق ومالك للكون فحَسْب، بل هو بالإضافة إلى ذلك حافظٌ ومدير ومدبِّر له. فهو محيطٌ بجميع ذرّات الكون والوجود إحاطة وجودية وعلمية، وهو الذي يقيم ويبقي كلّ شيء. فالله علّة الكون وجوداً وبقاءً، وإن بيده الهداية التكوينية لجميع الأشياء، كما بيده هداية الإنسان التشريعية. وهو الذي يقدِّر أرزاق المخلوقات من طريق الأسباب المادية وغير المادية.

إن هذه الصورة عن الله تختلف بالكامل عن صورة المعمار المتقاعد التي تعطيها الليبرالية عن الله.

معرفة الكون ــــــ

في ما يتعلّق بارتباط الله سبحانه وتعالى بالكون تحدَّثنا عن العلاقة بالخالقية والربوبية والمالكية والحفظ والقيّومية. وعليه فإن الكون من وجهة النظر الإسلامية ملكٌ لله، ويُدار بعنايته ومشيئته، وإن قيامه وبقاءه في كلّ لحظةٍ لحظة رهنٌ بإرادته. وأما الخصائص الأخرى للعالم من وجهة نظر الإسلام فهي على النحو التالي:

أـ الهدفية ــــــ

إن الكون لم يُخْلَق عبثاً. وهناك الكثير من الآيات الدالّة على هذا المعنى، ومنها:

ـ ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (الدخان: 38 ـ 39).

ـ ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ النَّارِ﴾ (ص: 27).

ب ـ المسار إلى الله سبحانه ــــــ

كما أن الكون صادرٌ عن الله فإنه صائرٌ وعائد إليه أيضاً. قال الله تعالى: ﴿صِرَاطِ اللهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلاَ إِلَى اللهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ (الشورى: 53).

كما تدلّ على هذا الأمر آياتٌ أخرى، من قبيل: الآية التاسعة بعد المئة من سورة آل عمران، والآية السادسة والخمسين من سورة يونس، والآية الثالثة والعشرين بعد المئة من سورة هود أيضاً.

ج ـ إيجاد الخلق من أجل الإنسان ــــــ

إن الهدف والغاية من خلق المصادر الطبيعية والكائنات على الأرض هي تلبية حاجة الإنسان. وهذا ما يثبته الانسجام القائم بين الطبيعة وحاجة البشر.

وهناك العديد من الآيات الدالة على هذا المعنى، من قبيل:

ـ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ (البقرة: 29).

ـ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا للهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 22).

ـ ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمْ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمْ الأَنهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمْ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَار * وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ (إبراهيم: 32 ـ 34).

كما تدل على هذه الحقيقة آياتٌ أخرى بوضوحٍ كامل أيضاً، كما في الآيات التاسعة عشرة إلى الثالثة والعشرين من سورة الحجر، والآيات الخامسة إلى الخامسة عشرة من سورة النحل، والآيات العاشرة إلى الثانية عشرة من سورة الرحمن.

د ـ التمتُّع بخزائن الغيب ــــــ

إن عالَم الغيب هو العالَم الذي لا تطاله حواسنا الظاهرية، حيث يكمن خلف ستار المحسوسات. وهناك الكثير من الآيات التي تدلّ على وجود مثل هذا العالم، ومنها:

ـ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (البقرة: 3).

ـ ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ﴾ (الأنعام: 59).

ـ ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِير﴾ (الأنعام: 73).

وقد اعتمد فلاسفة المسلمين على هذا التعبير القرآني، فأطلقوا على عالَم الطبيعة مصطلح (عالَم الشهادة)، وأطلقوا على عالَم الملكوت مصطلح (عالَم الغيب).

إن بعض آيات القرآن يثبت أن جميع الأشياء المادية، ومنها: مصادر هذا العالم المتوفّرة بشكلٍ مقدّر ومحدود، لها في عالم الغيب وجودٌ مجرَّد وثابت وغير محدود، وأن الله سبحانه وتعالى قد أنزل تلك الوجودات المجرّدة على