فلسفة التفسير

30 يناير 2018
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1٬026 زيارة

فلسفة التفسير

رصدٌ لمناهج ومشاكل الدرس التفسيري

د. حميد خدابخشيان(*)

ترجمة: حسن علي مطر

مقدّمة ــــــ

إن فلسفة التفسير علمٌ ينظر إلى علم التفسير من خارجه. إن هذا العلم يسعى ـ من خلال بيان العناصر الدخيلة في التفسير ـ إلى اكتشاف نقاط الضعف والآفات في علم التفسير؛ ليساعد من خلال ذلك على تعزيز تنظيم هذا العلم بشكلٍ أكبر. وإن متعلق التفسير في هذا العلم ليس خصوص القرآن الكريم فقط، بل يمكن أن يشمل الروايات وسائر النصوص الدينية أيضاً. بالالتفات إلى أن علم التفسير كان يصبّ حتّى الآن في بيان القرآن الكريم، ولا تزال هناك نواقص قائمة في حقل تفسير الروايات، يمكن لعلم فلسفة التفسير أن يلعب دوراً أساسياً في تنظيم وتبويب المسائل الداخلة في تفسير الروايات. كما تساعدنا فلسفة التفسير على اختيار المنهج المناسب للتفسير من المناهج المتداولة، أو أن نعمل على التلفيق بين المناهج المتوفِّرة، أو أن نبدع منهجاً جديداً.

لا بُدَّ من الالتفات إلى ضرورة أن يتبلور إلى جوار هذا العلم «منطق فهم الدين»؛ بغية بيان قواعد الفهم في موقع الحقل الوسيط الذي يرتبط بمختلف العلوم، ومنها: الأصول والمنطق (الجديد والقديم)، والعرفان النظري، والمباحث اللغوية والتحليلية، وما إلى ذلك. ولا بُدَّ أيضاً من التذكير بأنه بالالتفات إلى المسار التاريخي لعلم التفسير، والأهمّية التي يتمتّع بها تفسير القرآن، وبقاء تفسير سائر النصوص الدينية الأخرى على الهامش، فإن المسائل المطروحة في هذا العلم هي في الغالب ذات صبغةٍ لا تحيد عن تفسير القرآن.

إن أوّل مَنْ استعمل مصطلح فلسفة التفسير هو أحد المفكِّرين المعاصرين، حيث قال: «نحن بحاجةٍ إلى معرفة نصوص أخرى يجب التعبير عنها بـ «فلسفة التفسير». كما يجب أن يتكفّل هذا العلم بمسائل من قبيل: 1ـ ماهية التفسير؛         2ـ إمكان التفسير؛ 3ـ منهجية التفسير؛ 4ـ الأنظمة التوجيهية في فهم القرآن (القواعد الكلامية في التفسير)؛ 5ـ آفات التفسير؛ 6ـ أسباب التعدُّد والتطوّر في تفسير القرآن؛  7ـ أنواع التفسير»([1]).

كما يمكن اعتبار مسائل أخرى، ومنها: «الفرضيات والتفسير»، و«العلوم الداخلة في التفسير»، من مسائل هذا العلم أيضاً.

وفي ما يلي سنتعرّض إلى مزيدٍ من التوضيح لبعض هذه المباحث. ومن الجدير ـ بطبيعة الحال ـ التذكير بأننا نسعى في هذا المقال إلى بيان صُلْب البحث، ولا نسعى إلى توضيح وتبيين كامل مسائل هذا العلم الجديد. وعليه سنكتفي ببحث المسائل بشكلٍ عابر، ريثما تتوفّر الفرصة المناسبة والأرضية اللازمة لازدهار وانتعاش هذا العلم في حقل العلوم الإسلامية، إنْ شاء الله تعالى.

ماهيّة التفسير ــــــ

يمكن لنا أن نبحث هنا المسائل التالية: ما هو التفسير؟ هل يختلف التفسير عن التأويل؟ ما هي التطوّرات التي طرأت على تعريف التفسير؟ وما هي الرؤية الجديدة التي يجب تكوينها عن التفسير؟

لمعرفة ماهية التفسير لا بُدَّ من التعرّف على القرآن بشكلٍ أكبر. إن إحدى خصائص التفسير الهامة هو أن قصد المتكلِّم في تفسير القرآن يحظى بأهمّيةٍ كبيرة، خلافاً لتفسير الكثير من الأعمال الفنّية أو الرسوم التي يهدف مَنْ أبدعها إلى دعوة الأفراد إلى التأمُّل والتفكير فيها، ويقوم كلّ فردٍ بأخذ فكرة عنها تتناسب وحجم وسعة تفكيره([2]). كما يجب تحديد أبعاد التفسير الصحيح أيضاً. قال أحد الباحثين في هذا الشأن: «إن التفسير الصحيح هو التفسير الذي يستطيع اكتشاف ما أراده المتكلِّم من كلامه، وإنْ لم يحصل على جميع مراده، ومن هنا يكون لدينا تفسيرٌ كامل، وتفسير أكمل، ويكون لنا طَيْفٌ واسع وعريض من التفاسير، ويكون كلّ واحدٍ منها ـ مع صحّته ـ مشتملاً على نقص بالقياس إلى التفاسير الأخرى، ولا سيَّما في ما يتعلّق بمنزل بالقرآن، الذي هو متكلِّم وعالم مطلق لا يحدّه حدٌّ. وإن معاني الألفاظ إنما هي بعظمة المتكلِّم، وإنّنا نأخذ من هذه المعاني بمقدار سعتنا وظرفيتنا الاستيعابية»([3]).

آفات التفسير ــــــ

إن فهم النصّ هو المعرفة التصديقية الصحيحة للنصّ، والوصول إلى مراد المتكلِّم. إن هذه المعرفة ترتبط بالمدلول المطابقي والتضمُّني أو الالتزامي، ولكن هناك في بعض الموارد الأخرى ما يُستدعى ويتمّ إحضاره باسم فهم النصّ، فيجب الالتفات إليها والتعرُّف عليها بشكلٍ جيّد؛ لأن بعض تلك الموارد يؤدّي إلى سوء الفهم، وهي ما يلي:

أـ التطبيق: تعيين المصداق لأمر كلّي في النصّ، فإذا كان على نحو القطع واليقين أمكن أن يُنسَب إلى ذات النصّ، ولكنْ إذا كان ظنيّاً ومحتملاً لا يمكن نسبته إلى النصّ على نحو القطع واليقين.

ب ـ التبيين: توضيح علّة أو كيفية الوقوع، أو أمور أخرى من هذا القبيل، في باب مدلول النصّ الذي نستفيد فيه من معلوماتنا الخارجية.

ج ـ إن ظلال معاني الكلام شيءٌ مغاير للمعاني الحقيقية أو المجازية، وليس لها موقعٌ في الاستدلال. وهذا المعنى يحصل من خلال مجموع اللفظ وبعض الأمور الأخرى، من قبيل: حالة المتكلِّم، والوضع البيئي، وفضاء الكلام. وفي مورد القرآن إذا حصل التعيُّن لإرادة المؤلِّف بشأن هذه الظلال أو الظهور في هذا الأمر فإننا ننسبها إلى المؤلِّف نفسه.

د ـ التأويلات الشخصية: إن هذا النوع من الفهم ـ الذي هو نمطٌ من الفهم الشخصي ـ لا يمكن نسبته إلى النصّ([4])؛ حيث يمكن تفسير كل نصّ على نحوين من التفسير؛ والتفسير الأول هو الذي يسعى إلى تحصيل مراد صاحب النصّ؛ والتفسير الثاني هو الذي يروم الحصول على معنىً جديد من النصّ يتناسب مع الواقع الراهن. وإن من موارد سوء الفهم هو الخَلْط بين هذين النحوين من التفسير، وبيان النوع الثاني من التفسير بَدَلاً من النوع الأول من التفسير، وهو في الحقيقة يعني الخَلْط بين التفسير والاستعمال والتطبيق على الزمن الحاضر.

إن من الموارد الأخرى التي يجب الالتفات إليها، في ما يتعلَّق بمعرفة آفات التفسير، هو أن على المفسِّر أن لا يعمل على توظيف رواسبه ومعلوماته السابقة ويطبِّقها ويُسقطها على تفسيره، أي إن عليه أن يَحُول دون تأثير إسقاطاته الذهنية على التفسير. ويمكن عدّ تفسير القرآن على أساس المتبنّيات الماركسية من هذا القبيل، الأمر الذي يؤدّي إلى الكثير من الانحرافات.

أنواع التفسير ــــــ

ينقسم تفسير القرآن على أساس المنهج والاتجاه، وبحَسَب الترتيب وطريقة الرجوع إلى الآيات، إلى أنواع مختلفة، يمكن بيانها على النحو التالي:

أـ تنقسم الأساليب التفسيرية على أساس الترتيب وطريقة الرجوع إلى الآيات؛ من أجل تصيُّد المعاني وشرح المفاهيم، إلى ثلاثة أنواع، وهي:

1ـ التفسير الترتيبي (تفسير وشرح الآيات والسور على الترتيب الموجود في المصحف).

2ـ التفسير التنزيلي (تفسير وشرح الآيات والسور على ترتيب نزولها التاريخي).

3ـ التفسير التقطيعي (التفسير الموضوعي).

ب ـ كما يمكن تقسيم المسالك والاتجاهات التفسيرية من خلال ملاك المنهج الحاكم على التفسير إلى ثلاثة أقسام أيضاً، وهي:

1ـ المنهج الإسنادي (التفسير النقلي): أـ تفسير القرآن بالقرآن؛ ب ـ تفسير القرآن بالسنّة؛ ج ـ تفسير القرآن بأقوال الصحابة.

2ـ المنهج الاصطيادي (التفسير بالرأي): أـ التفسير العقلي؛ ب ـ التفسير الباطني (الذوقي والإشاري)؛ ج ـ التفسير العلمي؛ وما إلى ذلك.

3ـ المنهج الاجتهادي([5]).

يجب البحث في هذا المقام عن أنواع هذه التفاسير بشكلٍ دقيق، والعمل على دراستها وتحليها، واختيار المنهج أو المناهج المناسبة منها.

العلوم الداخلة في التفسير ــــــ

يجب في هذا القسم بحث العلوم التي يمكن لها أن تساعد في التفسير. فالعلوم التي يرى الراغب الإصفهاني ضرورتها في التفسير ـ على سبيل المثال ـ عبارةٌ عن:

أـ معرفة الألفاظ والمفردات التي يتكفَّل بها علم اللغة.

ب ـ مناسبة بعض الألفاظ لبعض الألفاظ الأخرى، التي يتكفَّل علم الاشتقاق ببيانها.

ج ـ معرفة عوارض الألفاظ، من قبيل: بنية الكلمات وإعرابها، التي يتكفَّل علم الصَّرْف والنَّحْو ببيانها.

د ـ معرفة القراءات المختلفة.

هـ ـ شأن نزول الآيات، ولا سيَّما في ما يتعلّق بمصير الأمم السابقة، وهو ما يطلق عليه (علم الآثار والأخبار).

و ـ ما رُوي عن النبيّ الأكرم‘ بشأن القرآن.

ز ـ معرفة الناسخ والمنسوخ، والعامّ والخاصّ، والمسائل الإجماعية والخلافية التي يتمّ بحثها في علم الأصول.

ح ـ معرفة أحكام الدين وتعاليمه، والسياسات الإسلامية، التي يتكفَّل علم الفقه ببحثها.

ط ـ معرفة الأدلة والبراهين العقلية التي يتمّ تداولها في علم الكلام.

ي ـ العلم نعمةٌ يهبها الله تعالى للذي يدركها، ويعمل بها.

ك ـ العلم ببعض المسائل الفلسفية والعلمية([6]).

فلا بُدَّ من بحث جميع هذه العلوم، والعلوم الأخرى التي ذكرها سائر المفسِّرين الآخرين، وبيان تأثير كلّ واحدٍ منها وموقعه في علم التفسير.

أسباب وعلل تعدُّد التفاسير ــــــ

لا بُدَّ هنا من دراسة أسباب تعدُّد وتنوُّع التفاسير. وفي ما يلي نشير إلى بعضها على سبيل المثال:

إن من أسباب تنوّع المناهج التفسيرية نوع النظرة إلى النصّ. هناك الكثير من الاختلاف بين تفسير وشرح كتاب دراسي في الهندسة أو الطبيعيات أو الطبّ التقليدي ومنهج وأسلوب تفسير النصّ العرفاني المعقّد أو النصوص الملغزة والأشعار التي تحتمل الكثير من المعاني والمفعمة بالإيماءات والإشارات. هناك في بعض الأفهام المتعلّقة بتفسير وشرح النصوص المقدَّسة خصائص وشروط لا ضرورة لها في فهم وإدراك النصوص العادية([7]).

العنصر والسبب الآخر يكمن في تكامل الفهم. «فالمخاطبون الأوائل كانوا يفهمون النصّ بمقدار قدرتهم الذهنية، وما تقتضيه بيئتهم الفكرية والعلمية، وحيث إن مفاد النصوص أوسع من الزمان والمكان فهم إنّما يفهمون مجرّد طبقة من معاني النصوص، وفي كلّ عصر تنكشف طبقةٌ جديدة من معاني النصوص»([8]).

ومن الأسباب والعلل الهامّة لتنوّع واختلاف التفاسير اختلاف المفسِّرين في المناهج. فعلى سبيل المثال: قد يذهب مفسِّر إلى القول بأن الرجوع إلى الروايات هو الطريق الأمثل لتفسير القرآن، بينما يذهب مفسِّرٌ آخر إلى القول بأن تفسير الآيات بالآيات هو الأمثل. كما أنّهما قد يختلفان في مسائل وقواعد العلوم التمهيديّة للتفسير.

كما يمكن لعدم الاطّلاع على القرائن أن يكون واحداً من تلك الأسباب والعلل.

أنظمة فهم القرآن (قواعد التفسير الكلاميّة) ــــــ

وقد أشار بعض الباحثين إلى عدد من هذه القواعد والمباني، وهي:

1ـ وحيانية النصّ ومضمون القرآن.

2ـ الهدفيّة والغائيّة المآليّة للقرآن.

3ـ عقلانية البنية اللغوية للقرآن، واشتمالها على الاستعمالات الخاصّة.

4ـ معقوليّة القرآن، وحكمته.

5ـ فطريّة وبساطة التعاليم القرآنية.

6ـ جامعيّة وشموليّة المحتوى القرآني.

7ـ الانسجام والتناغم الداخلي للقرآن.

8ـ الانسجام والنَّظْم الخارجي للقرآن.

9ـ الارتباط المنهجي بين القرآن وكلام المعصوم (السنّة الفعلية) في مقام الفَهْم([9]).

الرواسب السابقة والتفسير ــــــ

في هذا البحث يجب علينا أن نجيب عن أسئلةٍ من قبيل: هل تدخل الرواسب الذهنية في التفسير؟ هل يمكن أن يكون هناك تفسيرٌ خالٍ من الرواسب السابقة، وهل هذا الأمر مطلوبٌ أم لا؟ ما هي أنواع الرواسب السابقة؟ إذا كانت الرواسب الذهنية دخيلة في التفسير فما هو المعيار الصحيح لتشخيص هذه الرواسب؟

ويمكن اعتبار هذا المبحث أحد أهمّ وأوسع أجزاء علم فلسفة التفسير.

تنقسم الرواسب الذهنية ـ في أحد تقسيماتها ـ إلى ثلاثة أقسام، وهي:

أـ الرواسب الذهنية التي تلعب دور المحور والحَبْل لاستخراج الماء من البئر. وهذه الرواسب تمثِّل أدوات المفسِّر التي تساعده على استنباط مراد المؤلِّف. وهذه الأدوات بمثابة مقدّمات الاستنطاق، والرواسب الذهنية الاستنباطية.

ب ـ الرواسب الذهنية التي تمهّد الأرضية لطرح الأسئلة بشأن النصّ، ولكنّها لا تسقط الجواب على النصّ.

ج ـ الرواسب السابقة التي تؤثّر في تطبيق وإسقاط المعنى (وليس اكتشاف المعنى)، وتؤدّي إلى التفسير بالرأي، من قبيل: تطبيق نظرية دَارْوِن على قصّة هابيل وقابيل في القرآن([10]).

ولو أثبتنا أن الرواسب الذهنية تدخل في عملية تفسير القرآن يمكن تقسيم الرواسب الصحيحة بشكلٍ عام إلى قسمين رئيسين، وهما:

أـ رواسب فهم النصّ، من قبيل: المعلومات السابقة الاستنباطية أو الاستنطاقية.

ب ـ رواسب القبول والفَهْم، من قبيل: حجيّة الكتاب والسنّة، تمهيداً لتقبُّل فهم الكتاب والسنّة([11]).

لو كانت إجابتنا عن السؤال الأول، أي تدخّل الرواسب الذهنية السابقة في التفسير، بالإيجاب أمكن لنا تسمية هذه الرواسب الذهنية بالرواسب الصحيحة؛ إذ إن النصوص الدينية، ولا سيَّما القرآن، على أساس مسار الوضع واقتران اللفظ بالمعنى تدلّ على المعنى الشائع في عصر النزول، وهذه الحكايات والدلالات قابلةٌ للإدراك في هذا العصر أيضاً([12]).

إن المفسِّر يسعى إلى تحصيل معنى النصّ. ومعنى كلّ نصّ ـ بما في ذلك القرآن ـ هو الشيء الذي أراده المتكلِّم، وأنه إنما استخدم الألفاظ والكلمات لإيصاله. وعليه يكون للنصّ معنىً واحدٌ ومحدّد، يمثِّل المراد الجدّي للمتكلِّم([13]). بالالتفات إلى بعض القواعد العقلائية ـ ومنها: حكمة المتكلِّم ـ يمكن التوصُّل إلى مراده؛ لأن اللغة بوصفها وسيلة للتواصل الاجتماعي، ونقل مكنونات ما في الضمائر إلى المخاطَبين، لها قابليّة نقل مراد المتكلِّم إلى المخاطب. ومن هنا يجب على المتكلِّم أن يعمل على توظيف القواعد المعرفية، وعلى المخاطَب بدوره أن يستفيد من ذات هذه القواعد في فهم مراد المتكلِّم([14]).

إن الفاصلة الزمنية والتاريخية بين عصر المفسِّر أو قارئ النصّ وعصر ظهور وتكوين ذلك النصّ لا تحول دون وصول المفسِّر إلى المعنى والمراد الجدّي من النصوص الدينية والقرآن الكريم. وإنّه يمكن الفهم الواقعي للنصّ رغم وجود هذه الفاصلة الزمنية؛ لأن تغيُّر اللغة عبر الزمن ليس بالشكل الذي يعقّد فهم النصّ، ويضع الظهور اللفظي للكلام الذي ينعقد للمفسِّر في مواجهة المعنى المراد للمتكلِّم([15]).

إن القرآن الكريم ـ وسائر النصوص الدينية ـ يشتمل على الرسائل الإلهية للبشر، وإنّ هدف المفسِّر لهذه النصوص هو فهم وإدراك الرسائل التي تمثِّل المراد الجدّي لصاحب النصّ([16]).

إن الحالة المنشودة للمفسِّر هي الوصول إلى فهم يقيني ويورث الاطمئنان في ما يتعلّق بالمراد الجدّي للمتكلِّم. وهذا إنما يحصل بالنسبة إلى النصوص التي تكون دلالتها على المراد واضحةً بشكلٍ كامل، وهو ما يُصطلح عليه بالنصّ، وأما في غير النصوص، وهي التي يُصطلح عليها بالظواهر، فإن المفسّر لا يصل إلى الاطمئنان، ولكنّه يصل إلى الظنّ المعتَبَر([17]).

في ما يتعلّق بفهم الظواهر وغير النصوص يحصل في بعض الموارد اختلافٌ في الفهم بشكلٍ محدود. وفي الموارد التي يتعرّض فيها النصّ لاختلافٍ في التفسير يبقى التفسير متمحوراً حول المؤلّف والنصّ، ولا يكون هناك من مجال للتمحور حول المفسِّر([18]).

يمكن لفهم النصّ أن يكون ذا مراتب؛ لأن لكلّ نصٍّ مدلولاً مطابقياً ومدلولاً التزامياً، ولا بُدَّ للمداليل الالتزامية أن تكون في طول المداليل المطابقية، ولا يقع النزاع والصدام فيما بينها([19]).

وكما تقدّم أن ذكرنا فإنّ هذه الموارد إنّما تشكِّل جزءاً من المباحث التي يمكن طرحها في علم «فلسفة التفسير». ومن خلال حضور الباحثين في هذا البحث تتمهَّد الأرضية لازدهار وتطوير هذا العلم.

الهوامش

(*) باحثٌ متخصِّص في القرآنيّات.

([1]) علي أكبر رشاد، نهادهاي راهنماي فهم قرآن، مجلة قبسات، العدد 29: 46، 1382هـ.ش.

([2]) انظر: أبو الفضل ساجدي، فقه مدل هرمنوتيكي اصطلاح شده گادامير به وسيله ديود تريسي، مجلة قبسات، العدد 28: 197، 1382هـ.ش.

([3]) مهدي هادوي طهراني، مباني كلامي اجتهاد: 286 ـ 287، مؤسسه فرهنگي خانه خرد، ط1، قم المقدّسة، 1377هـ.ش.

([4]) انظر: مهدي هادوي طهراني، مباني كلامي اجتهاد: 293.

([5]) انظر: علي أكبر رشاد، نهادهاي راهنماي فهم قرآن، مجلة قبسات، العدد 29: 46 ـ 47.

([6]) انظر: علي بريمي، هرمنوتيك وتأثير آن بر فهم متون ديني، مجلة حوزه ودانشگاه، العدد 39: 73 ـ 75، 1384هـ.ش.

([7]) انظر: أحمد واعظي، در آمدي بر هرمنوتيك: 69، مركز نشر پژوهشگاه فرهنگ وأنديشه إسلامي، طهران، 1380هـ.ش.

([8]) انظر: عباس علي عميد زنجاني، مباني روش هاي تفسير قرآن: 280، وزارت فرهنگ وإرشاد إسلامي، ط4، 1379هـ.ش.

([9]) انظر: علي أكبر رشاد، نهادهاي راهنماي فهم قرآن، مجلة قبسات، العدد 29: 48 ـ 49.

([10]) انظر: عبد الحسين خسرو پناه، كلام جديد، مركز مطالعات وپژوهشهاي فرهنگي حوزه علميه قم، ط3، قم المقدّسة، 1383هـ.ش.

([11]) انظر: المصدر نفسه.

([12]) انظر: عبد الحسين خسرو پناه، نقدي بر هرمنوتيك فلسفي، صحيفة رسالت: 153، بتاريخ: 29/فروردين/1383هـ.ش.

([13]) انظر: أحمد واعظي، در آمدي بر هرمنوتيك: 56.

([14]) انظر: عبد الحسين خسرو پناه، نقدي بر هرمنوتيك فلسفي، صحيفة رسالت: 153.

([15]) انظر: أحمد واعظي، در آمدي بر هرمنوتيك: 57.

([16]) انظر: علي بريمي، هرمنتوتيك وتأثير آن بر فهم متون ديني، مجلة حوزه ودانشگاه، العدد 39: 87، 1384هـ.ش.

([17]) انظر: المصدر السابق: 97 ـ 98.

([18]) انظر: المصدر السابق: 99.

([19]) انظر: عبد الحسين خسرو پناه، نقدي بر هرمنوتيك فلسفي، صحيفة رسالت: 1، بتاريخ: 29/فروردين/1383هـ.ش.