متنوِّرو الفكر الدينيّ

7 مارس 2018
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
221 زيارة

متنوِّرو الفكر الدينيّ

برزخٌ بين الإسلام والحداثة

ـ القسم الثالث ـ

الشيخ مسعود إمامي(*)

ترجمة: الشيخ علي محسن

تقديم وتلخيص ــــــ

هذه المقالة التي بين يدَيْ القارئ الكريم جزء آخر من سلسلة مقالاتٍ أعددناها لعرض وتوضيح آراء بعض المتنوِّرين والمثقّفين الدينيّين. ونهدف من خلال هذا العرض إلى أن يعاين القارئ حجم ومستوى تأثّر هؤلاء بالفكر الحداثويّ، وتذبذبهم وتردُّدهم بين الدين والحداثة. وقد ارتأينا أن نخصِّص هذا المقال للحديث عن آراء المتنوِّرين والمثقَّفين الدينيّين حول مسألة العلاقة بين الإنسان وبين الله تعالى في مجال الفقه والشريعة.

2ـ علاقة الإنسان بالله في دائرة التشريع ــــــ

مقدّمة ــــــ

تعدّ عقيدة الإنسان بالله ونظرته إليه واحدةً من أكثر المعتقدات تأثيراً على فكر الإنسان وعمله. وإنّ طبيعة الرؤية والقراءة التي يحملها الإنسان تجاه خالق هذه الكون، وما يؤمن به حول شكل وحدود تصرّف هذا الخالق في نظام هذا العالم، لجهة ما هو كائن أو ما ينبغي أن يكون، هي ما يحدِّد للإنسان شكل وطبيعة تصوّراته ومواقفه التي يتَّخذها ويبني عليها في مختلف مجالات الحياة.

وباعتراف المثقّفين وأرباب التنوير الفكريّ فإنّ نظرة الإنسان الحديث إلى الله شهدت تحوّلاً عميقاً وجذريّاً عمّا كانت عليه النظرة إليه تعالى عند إنسان ما قبل الحداثة.

وقد أدّى هذا التحوّل إلى إحداث تغييراتٍ جذريّة في الكثير من مجالات الحياة، الفرديّة منها والاجتماعيّة. وكان أكثر ما أصابته آثار هذا التحوّل هو فهم هذا الإنسان للدين؛ إذ هو أقرب ظواهر هذا العالم وأكثرها ارتباطاً بالله عزَّ وجلَّ.

لكنّ هذه النظرة الجديدة لاقت معارضةً وانتقاداً من بعض المتنوّرين والمثقَّفين الدينيّين في إيران، الذين وصفوها بأنّها نظرة شركيّة، أو بأنّها نظريّة بعيدة ومباينة تماماً للنظريّة المعرفيّة التقليديّة التقليديّة حول الله سبحانه. وفي بعض الأحيان، وتحت تأثير هذه النظرة نفسها، كان هؤلاء يسجِّلون ملاحظاتهم على بعض الأفكار الرائجة والتقليديّة، وبخاصّةٍ حول حجم التأثير الذي تتركه تلك الأفكار على علم الفقه.

في الفقرات التالية من هذا المقال نعرض تقريراً موثَّقاً حول ارتباك هذا الجمع من المفكِّرين، وتردُّدهم بين هاتين النظريّتين.

أـ الاتّجاه التجديديّ والقانون الإلهيّ ــــــ

قدّم عبد الكريم سروش نظرته الخاصّة التي شرح من خلالها سير التحوّلات والتطوّرات التي مرَّتْ بها نظريّة المعرفة الإلهيّة في بلاد الغرب.

وبرأي سروش، إنّ الفكر الفلسفيّ الذي تشكَّل لدى المفكِّرين المسيحيّين منذ القرن الثالث عشر فما بعده قد أسهم في توفير الأرضيّة المناسبة التي مهَّدت لبدء النهضة وظهورها. وكان متكلِّمو المسيحيّة في القرون الوسطى قد عكفوا على تدوين وتنقيح آرائهم الفلسفيّة التي أرادوا لها أن تصبّ في خدمة الهدف الذي رسموه وحدَّدوه لأنفسهم، وهو بسط سلطة الله المطلقة على العالم. وكانت الاسميّة أو الاسمانيّة (Nominalism)([1]) إحدى النظريّات والمذاهب الفلسفيّة التي برزت لديهم.

بحسب هذه النظريّة، ليس هناك من قانونٍ كلّيّ عامّ يمكن أن يكون مهيمناً على عالم الوجود بأسره، كما لا وجود أيضاً لأيّ مبدأ ضروريٍّ وحتميّ لا يمكن تجاوزه والإغضاء عنه. فليس في هذا العالم وجودٌ حقيقيّ إلاّ للموجودات الخاصّة والكائنات الفرديّة. ولأجل ذلك كان لله تعالى السلطة المطلقة على هذا العالم، بجميع ما فيه من كائناتٍ، من دون أن يكون هناك قانونٌ علميّ أو عقليّ يقف مانعاً في وجه بسط يده ونفوذه عليه، وحتّى القوانين الأخلاقيّة هي ـ عندهم ـ لا تغلّ يد الله، ولا تقيِّد سلطته ونفوذه، بل فعله تعالى هو مبدأ كلّ الأخلاق والحقوق، فهو تعالى مبسوط اليد، وله سلطانٌ واسع على عالم الوجود، لا حدَّ له ولا نهاية.

«ولكنْ مع اتّساع حدود السلطة الإلهيّة ثارت مقاومة البشر، وتزايد رفضهم لها. ومع تنامي موجة هذه المقاومة وهذا الرفض وجد البشر أنفسهم مضطرّين إلى إبراز وجودهم، والتأكيد عليه. وهذا هو المفهوم الذي يُشار إليه عادةً بعنوان (تأكيد الذات)([2]). فقد نهض البشر وانتفضوا في وجه ذلك الإله المطلق العنان، المستبدّ برأيه، والذي يفعل ما يشاء وما يريد (إله الحدّ الأقصى، بتعبير كانْت)؛ لأنّهم وجدوا أنّه لا يُبقي مساحةً لشخصيّة الإنسان وحرّيّته. وفي ضوء هذا شهدت هذه الحضارة حدوث أمرٍ لا نجد له مثيلاً في الحضارة الإسلاميّة…، وتحوّلت عائدةً من النهضة إلى الاتّجاه المعاكس لها تماماً. تمثَّلت هذه العودة في وضع حدودٍ وقيود لهذا العالم، حتّى أنّهم أحياناً جعلوا الله تعالى مقيَّداً بالحدود والقوانين العلميّة، وبنحوٍ خاصّ جعلوه ملزماً برعاية حرمة الإنسان. ومع ذلك، وبالرغم من أنّ اتّجاه الاسميّة الفلسفيّة بقي سائداً بالنسبة إلى عالم الطبيعة، بل واشتدَّتْ حدّته (مع هيوم وديكارت…)، إلاّ أنّ هذا الاتّجاه تمّ تحجيمه ومحاربته بشدّةٍ على صعيد حقوق الإنسان والعالم الإنسانيّ. مع العلم بأنّ حقوق الإنسان إذا كانت بمعنى أنّ الله يعترف للإنسان بحقوق معيّنة فهو معنىً ثابت وموجود منذ القدم، بل أكَّدته الأديان، وحكمت عليه بالصحّة؛ وأمّا إذا كانت بهذا المعنى المذكور، وهو أنّ للإنسان حقوقاً لا يمكن حتّى لله تعالى أن ينقضها، فهو معنىً ومفهوم جديد نسبيّاً»([3]).

هذا الفكر الاسمانيّ في اللاّهوت المسيحيّ يشبه ـ وإلى حدٍّ بعيد ـ نظريّات الأشاعرة وآراءهم([4]) في كلا مجالَيْ: العقل النظريّ؛ والعقل العمليّ. حيث ذهب هؤلاء أيضاً إلى نفي الحسن والقبح العقليَّين، وأنكروا حاكميّة نظام العلّيّة على ظواهر الوجود، وفي زعمهم أنّ هذا الإنكار وذاك النفي من شأنهما أن يكرِّسا مفهوم بسط سيطرة الله تعالى التامّة وحاكميّته المطلقة على نظامَيْ التكوين والتشريع.

غير أنّ الفكر الأشعريّ في العالم الإسلاميّ ـ وعلى خلاف اتّجاه الفلسفة الاسميّة في العالم الغربيّ ـ لم يُكْتَب له أن يهيّئ الظروف والأسباب لولادة ثورةٍ علميّة باهرة، تُسفر عن ظهور عصر الحداثة والتجدُّد.

يرى سروش، بعد أن يشير إلى عدم التجانس هذا بين الفكرين والاتّجاهين، أنّ جواب هذه المفارقة المستعصية يكمن في التالي:

«…اتّبع أكثر المسلمين اتّجاه الأشاعرة. وأمّا المعتزلة فقد كانوا، ولا يزالون، يشكِّلون أقلّيةً في المسلمين. ويمكن لنا أن نصف الأشاعرة بأنّهم اسمانيّون، بذلك المعنى الدقيق للاسمانيّة الذي نجده لدى المفكِّرين وعلماء اللاّهوت المسيحيّين. ومن هنا من المستغرب جدّاً أنّ هذه الاسمانيّة الأشعريّة لم تترك من الأثر والنتيجة في صميم الحضارة الإسلاميّة ما تركته الاسمانيّة في قلب وصميم الحضارة الغربيّة. وهذا يستدعي منّا تدقيقاً وتحليلاً لهذه المفارقة، وأنّه لماذا نجح هذا الاتّجاه في أن يترك أثراً في هذا المكان، ولم ينجح في أن يترك الأثر نفسه في مكانٍ وموضعٍ آخر؟! أنا شخصيّاً أعتقد أنّ غلبة الفلسفة وهيمنتها على علم الكلام، مضافاً إلى هيمنة علم الفقه على سائر شؤون الدين، له دَخْلٌ كبيرة في هذا الأمر. ففي العالم الغربيّ لم يكن الفقه مهيمناً، ولا كانت له اليد الطولى على سائر المعارف المسيحيّة، كما أنّ علم الكلام المسيحيّ استمرّ وتابع مسيرته بكلّ زَخْمٍ وقوّة. وأمّا عندنا فقد أخذ علم الكلام يفقد أهمّيّته شيئاً فشيئاً، ليتماهى أكثر فأكثر مع الفلسفة، حتّى وصل إلى حدِّ الذوبان فيها. إضافةً إلى أنّ هيمنة الفقه على سائر العلوم الإسلاميّة، وهو علم يرتبط بفكر التكليف وما على الإنسان من مسؤوليّات، أدَّتْ إلى تضييق الخناق على الفكر المقابل، أعني فكر الحقوق الثابتة للإنسان»([5]).

خلاصة الكلام: إنّ الفكر الحداثويّ تحوّل في مجال الأخلاق والقانون عن فلسفة الاسميّة، بمعنى أنّه جعل حدوداً لسلطة الله المطلقة على نظام التكاليف والواجبات، مع أنّه بقي على تلك الفلسفة في مجال الطبيعة والأمور التكوينيّة (نظام الموجودات)([6]). غير أنّ هذا التحوّل على الصعيد الأخلاقيّ والقانونيّ لا يُعدّ دليلاً على أنّ فلاسفة وعلماء عصر الحداثة التزموا في هذا المجال بأنّ لله سلطةً مطلقة وقدرة غير محدودة. كما أنّ رجوع مفكِّري ما بعد الحداثة إلى تبنّي فلسفة الاسمانيّة في مجال الحقوق، والتي أسفر عنها نفي وجود قوانين عامّةٍ وعالميّة ترتبط بمسائل حقوق الإنسان([7])، لم يكن ـ دون شكٍّ ـ بمعنى التزامهم بثبوت قدرة الله المطلقة وغير المحدودة في هذا المجال.

ما سعى إليه إنسان عصر الحداثة وعصر ما بعدها هو التقليل من دور الله تعالى في دائرة المقرَّرات الأخلاقيّة والحقوقيّة؛ أمّا إنسان عصر الحداثة فلا أقلّ من أنّه قام بوضع جملةٍ من المقرَّرات العامّة التي ترتبط بحقوق الإنسان خارج الإطار الدينيّ، وهو بذلك أعلن رفضه لمقرَّرات الدين وأحكامه؛ وأمّا إنسان عصر ما بعد الحداثة فقد أعلن عدم قبوله لأيِّ قانونٍ تكون له صبغة الشموليّة والعالميّة، ليكون بذلك ممتنعاً عن الالتزام بحاكميّة الدين وسلطته.

ب ـ نقد اللاّهوت الحداثويّ من منظار أهل التنوير الدينيّ ــــــ

في معرض حديثه عن علاقة الإنسان بالله في بُعْدَي التشريع والأخلاق وجد سروش نفسه في حيرةٍ وتردُّد كبيرين، أفضيا به إلى تغيير رأيه، وتبنّي وجهة نظرٍ مغايرة. وقد كانت آراؤه بالقياس إلى النظريّة الرائجة في الكلام والفقه تتّسم بالتأرجح إلى الإفراط تارةً، والتفريط أخرى. وكان الرجل في مؤلَّفاته الأولى يبدو كواحدٍ من متكلِّمي الأشاعرة، حيث كان يذهب إلى أنّ جذور جميع الواجبات والقِيَم الأخلاقيّة يمكن العثور عليها في أوامر الله تعالى ونواهيه، وكان يعتقد أنّه ليس هناك موجودٌ سوى الله تعالى يمكن أن يكون مخوَّلاً بإصدار الأوامر والتكاليف، أو قادراً على إبداع القيم والمفاهيم. فالله تعالى وحده هو مَنْ إذا أمرنا بشيءٍ فذاك الذي أمرنا به هو ما يجب علينا القيام به، وما يجب علينا القيام به هو نفسه ذاك الذي أمرنا به: «إنّ كلّ قيمةٍ أخلاقيّة هي ـ في الحقيقة ـ تمثِّل تكليفاً أخلاقيّاً (يجب)، وكلّ تكليفٍ أخلاقيّ فهو يحكي طَلَباً معيّناً صادراً من شخص، وقد قلنا مراراً: إنّه ليس هناك من موجودٍ يثبت له بمجرّد وجوده الحقّ في أن يطالب شخصاً بشيءٍ، أو أن يأمره بشيءٍ، ويوجب عليه شيئاً… فإزاء أيّ تكليفٍ أخلاقيّ يمكن للإنسان أن يبادر إلى طرح تساؤلاته، وفي مقابل أيّ طلبٍ يُوجَّه إليه يستطيع الإنسان أن يسأل ذلك الطالب عن سبب طلبه منه، وعن السبب الذي يدفعه إلى أن يفعل ما يطلبه منه.

…إنّ كلّ إنسانٍ راشد تمرّ عليه لحظات قليلة يعود فيها إلى محاكمة وعيه وضميره، ويسائل فيها نفسه: لماذا اختار هذا الواجب ولم يختَرْ ذاك؟ ويتوق إلى البحث عن الواجب والتكليف الذي يحمل معه دليل مشروعيّته وجوازه، ويجعل مَنْ يمتثله ويطيعه في راحةٍ ومأمن من أن يدخل في السؤال عن مدى شرعيّة هذا التكليف واعتباره، أو عن مدى صلاحيّة صاحب هذا التكليف لأن يكلّف به… ما نبحث عنه هو آمر ومكلِّف لا يمكن أن نسائله عن سبب أمره وتكليفه إيّانا، آمرٌ وجوده عين طلبه وأمره، وطلبه عين وجوده، أو فقُلْ: إرادته عين ذاته، وعلمه عين إرادته، نبحث عن آمرٍٍ وطالب يكون هو الطالب بالذات وهو المطلوب بالذات في آنٍ معاً، عن آمرٍٍ وطالب يمكن لنا أن نسائل جميع مَنْ سواه عن سبب ومشروعيّة طلبهم، ولكنْ لا محلّ ولا مجال لأن نسائله هو عن ذلك، كما قال تعالى: ﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾… هذا التسلسل لا بُدَّ له أن يقف عند حدٍّ ونهاية، وهذه السلسلة من التكاليف والأوامر لا بُدَّ لها أن تكون متّصلةً بالتكليف الأوّل والأساس. وهنا تحديداً نصل إلى أنّه يجب أن لا يكون أيّ تكليفٍ من أيّ آمرٍ سواه حاكماً على أوامره وتكاليفه، كما لا يمكن أن يكون هناك خصمٌ أو ندّ ينازعه في ما يأمر به، (وذاك هو خسروي الذي لا يفعل ولا يقول إلاّ جميلاً…). فما يأمر به هو ما يجب فعله، وما يجب فعله هو نفسه ما تعلَّق به أمره، أي إنّه لا يمكن لنا أن نصغي إلى نداء الفطرة، ولا إلى نداء الوجدان، ولا إلى تكاليف الطبيعة، ولا إلى تكاليف التاريخ، ما لم يكن هناك فوقها تكاليف ونداءات أخرى حاكمة ومهيمنة عليها، وتكون هي التي تحرِّكنا نحو الإصغاء إلى تلك النداءات، والامتثال لتلك التكاليف. ولولا ذلك لكانت كلّ تلك التكاليف والنداءات بمثابة ألحانٍ وأصوات يسمعها الأعمى آتيةً من مكانٍ بعيد… ولو أنّه هو لم يُصدر أوامره لما كان هناك أمرٌ جدير بالاتّباع والامتثال، ولو أنّه لم يلبس لبوس الآمر لكانت شرعيّة كلِّ آمرٍ آخر محلاًّ للتوقّف والسؤال»([8]).

وفي كتابٍ آخر من كتبه يؤكِّد سروش على هذه الفكرة، وهي أنّ الأيديولوجيا تعني مجموعة الواجبات والأوامر التي تستمدّ من الله تعالى وحده، وهي لأجل ذلك تحمل الصبغة الإلزاميّة والأخلاقيّة. وإنّ الأفكار الأيديولوجيّة لا تكتسب مقبوليّتها وحقّانيّتها وفقاً لمعيار الماضي والمستقبل، بل هي تعتمد في ذلك على المصدر الذي تنبع منه كلّ القيم، على خالق كلّ القيم والأخلاق، وهو الله عزَّ وجلَّ.

ثمّ يضيف سروش بعد ذلك: «إنّ القيمة التي تَرِد إلينا من قبل الله عزَّ وجلَّ، ثمّ يطرأ عليها بعض التحوّلات بفعل التاريخ والاجتماع، تبقى في حيِّز الإجراء والتطبيق ما دامت لا تتصادم مع الحقائق والوقائع، وما دامت قابلةً للتطبيق؛ وأمّا لو لم يكن تطبيقها ممكناً في ظروف وأوضاعٍ خاصّة فإنّها ـ عندئذٍ ـ تُحذف وتعطَّل. واليوم، لو كان هناك بين القيم الإلهيّة قيمة ترتبط بالماضي، ولكنَّها كانت صالحة للإجراء والتطبيق في عصرنا، فإنّها تبقى مورداً للقبول والاتّباع، من دون أن يؤثِّر قِدَمها سلباً على حقّانيّتها. كما أنّه لو كان هناك قيمة تنسجم مع عصرنا، ولكنّها كانت تتنافى مع الأيديولوجيا الإلهيّة، فإنّها لا يمكن أن تكون مقبولةً من ناحيتنا. هذا هو ملاك الحقّ والباطل بنظرنا… بل حتّى لو فرضنا ـ مثلاً ـ أنّ تشكيل الأسرة يعود إلى عصر المجتمعات الذكوريّة، وأنّ فكرة حجاب المرأة مستوحاةٌ من ثقافة وعقليّة ذلك العصر، أو فرضنا أنّ الدعوة إلى تعفُّف الرجل كانت تبتني على النظام الإقطاعيّ، أو أنّ مطلوبيّة الإنفاق والمالكيّة هي ممّا أورثنا إيّاه عصر البرجوازيّة، مع كلّ ذلك، وحتّى لو قبلنا هذه النظريّات الهزيلة والواهية والتي لا تستند إلى أساسٍ صحيح، فإنّه ـ وبنظرنا ـ ما دامت هذه القيم قيماً إلهيّة تبقى قيماً لازمة الاحترام والاتّباع، وهي لا تسقط إلاّ في حالةٍ واحدة، وهي فيما لو افترضنا أنّ إعمالها ورعايتها بات أمراً غير مقدورٍ وغير عمليٍّ. كما نجزم أيضاً بأنّ هذه القيم ما دامت قيماً إلهيّة وسماويّة، وما دام الله تعالى، وهو الشارع الحكيم، لا يمكن أن يكلِّف بغير المقدور، فهي ـ أبداً ـ لن تتحوّل إلى عبءٍ ثقيل على كاهل البشر، بل حتّى لو فُرض حصول ذلك استثنائيّاً، وفي موارد خاصّة (انطلاقاً من أنّه يُحتمل في كلّ قانون طروّ مثل هذه الموارد النادرة)، فإنّ حصول ذلك بالنسبة إلى الجميع أمرٌ غير ممكن أبداً»([9]).

يوجِّه سروش انتقادات جادّة إلى نظرة الإنسان الحديث إلى الله، ويعتبرها نظرةً ممزوجةً بالشرك، ويرى أنّها لا تأتي إلاّ في سياق الفرار من العبوديّة للخالق سبحانه. وبرأي سروش، فإنّ التركيز على وجود الإنسان الحديث إنّما نشأ في مقابل فكرة (الإله المهيمن على كلِّ شيءٍ)، وهو من إفرازات نزعة هذا الإنسان إلى الفرعنة، والطبيعة الاستكباريّة التي لديه: «هؤلاء يستبدلون وجه الشرك وعبادة الأصنام بوجهٍ آخر، وأحياناً يكون هذا الوجه على قَدْرٍ عالٍ من الظرافة والتجريديّة… إنّ ما يحدث في عصرنا فعلاً ليس هو الإنكار لوجود الله، بل هو الإنكار لعبوديّة العباد. مع العلم بأنّ هذين الأمرين بينهما تلازمٌ وارتباط، وأينما ذهبنا في أحدهما فلا بُدَّ من الانتهاء إلى الآخر، غير أنّه في كثيرٍ من الأحيان يتمّ التركيز على أحد الطرفين على حساب الطرف الآخر.

إذا أردنا أن نقسِّم عصور الحياة العقلانيّة والكلاميّة عند البشر فبالإمكان أن نقسِّمها إلى مرحلتين: فحتّى أوائل قرون التنوير كانت أوروبا مجتمعاً دينيّاً، أي إنّها كانت قائمةً بشكلٍ مباشر على الحديث في مسألة وجود الخالق أو عدمه.

ثمّ في فترةٍ لاحقة انتهى الحديث والبحث في هل يوجد إله لهذا الكون أو لا يوجد، أو أنّه قلَّ الاهتمام بهذا البحث، وصار بحثاً جانبيّاً، وطُرحَتْ بَدَلاً منه مسألة أخرى تمّ التعامل معها بجدِّيّةٍ أكبر، وهي مسألة أنّ الإنسان هل يبقى إلى جانب الخالق أم لا؟ وبتعبير أحد الفلاسفة الجُدُد: هل الجمع بين اللاّمتناهي والمتناهي ممكنٌ أم لا؟

لقد ذهب هذا الاتّجاه بعيداً إلى حدّ الاعتقاد بأنّه كلّما بالغنا في تعظيم الإله وتكبيره كلّما ـ في المقابل ـ أوغلنا أكثر في تصغير الإنسان والتقليل من شأنه. وهذا يعني أنّ هناك ثمناً لتلك العزّة والعظمة التي نُثبتها لله، وهو إذلال الإنسان واستصغار أمره، فيُقال للإنسان: إنّ عليك أنّ تتذلَّل لله وتمرِّغ وجهك في التراب في مقابله، وأن تتقبّل الذلّة والحقارة على نفسك، وتُسند جميع أوصاف الجمال والجلال والعظمة والعزّة إلى الله. وفي الواقع إنّ المسألة قد خرجت فعلاً من دائرة النفي والإثبات الفلسفيّ والكلاميّ، لتأخذ ـ بدلاً من ذلك ـ المنحى الإنسانيّ، وبات يُقال: إنّ الإنسان لا يمكن أن يُكتب له البقاء في جَنْب إلهٍ كهذا، بل هو محكومٌ بالفناء والزوال. ومن هنا إذا أُريد للإنسان أن يستمرّ في إنسانيّته فإنّ عليه أن يضع جانباً كلّ حديثٍ عن الله ووجوده. وهذا ـ تحديداً ـ هو الموضوع الذي تتمحور حوله مدرسة الوجوديّة الإلحاديّة، والتي تصنّف في عداد المدارس الفلسفيّة المعاصرة، حيث تقوم هذه المدرسة على فكرةٍ رئيسة وجوهريّة، تتمثّل في أنّه لا يمكن الجمع بين الله وبين الإنسان؛ فإمّا الله؛ وإمّا الإنسان، وبمجرّد أن نؤمن بالله يجب علينا أن نلغي الإنسان، ونكفّ عن الإيمان به…

وبرأي هؤلاء، نحن عندما نُثبت ذلك الإله الكبير والعظيم، مع تلك الدرجة الرفيعة من العلم والقدرة، فإنّنا بذلك لا نُبقي مكاناً يتّسع لأيّ موجودٍ سواه، وعلى الجميع أن يكونوا فداءً وتضحيةً له…

مع أنّ هذا ـ في الواقع ـ ليس سوى ضربٍ من ضروب الشرك، ونوعٍ من أنواعه؛ إذ إنّ القول بضرورة إفساح المزيد من المجال لتكريس إنسانيّة الإنسان ما هو في حقيقة الأمر إلاّ تعبيرٌ آخر عن الدعوة إلى إفساح المجال لتكريس ألوهيّة الإنسان، بدلاً من تكريس حالة العبوديّة فيه. والحال أنّه في جنب الله تعالى الباب ليس مفتوحاً إلاّ أمام العبوديّة، وهو موصَدٌ تماماً أمام الألوهيّة. ومن هنا لو أنّ شخصاً كان مهووساً بوهم التأليه لنفسه فإنّ عليه ـ لا محالة ـ أن يقوم بطرد إله الأديان جميعاً؛ ليتسنّى له أن يحلّ بدلاً منه وفي مكانه. هذا هو جوهر القضيّة ولبّ محتواها»([10]).

وفي مواضع عدّة من كتابه (الحكمة والمعيشة) يسجِّل سروش ملاحظاته حول النظرة المعرفيّة للإنسان الحداثويّ إلى الله عزَّ وجلَّ، ويعتبر فرار هذا الإنسان من القوانين الإلهيّة نتيجةً لوَلَهه بذاته وبالأشياء التي يصنعها، والتي تقوده إلى وضع الدين وأحكامه وراء ظهره، واتّباع القوانين التي هي من صنع يده. وهو الأمر الذي يراه سروش مظهراً آخر من مظاهر الشرك في العصر الحاضر([11]).

وبرأي سروش، إنّ الإنسان المعاصر قد جعل من منتجاته الفكريّة والروحيّة في مجالات الفنّ والفلسفة و… خليفةً وبَدَلاً عن الله، ورأى فيها المستند الذي يمكن له أن يتّكئ ويعتمد عليه. والحال أنّ جميع هذه الأمور هي ـ على حدِّ وصف القرآن الكريم ـ أوهن من بيت العنكبوت([12]). مثل هذا الإنسان يقف في مقابل الخلق والطبيعة؛ ليتبجّح ويدّعي لنفسه الألوهيّة، ولأنّه لا يذعن بحاجته وافتقاره إلى الله عزَّ وجلَّ يرى لنفسه الألوهيّة على سائر الناس وموجودات عالم الطبيعة([13]).

ومنذ تلك الفترة فصاعداً تصاعدت في الغرب، وبشكلٍ جدّيّ، حالة الإنكار لله سبحانه، وتحوَّل ذكر الله وعبادته في العلن إلى أمرٍ غير مرغوب به. وكان يتمّ في الخفاء إطلاق الأوصاف المختصّة بالله على بعض الموجودات الأخرى، بحيث لم يعُدْ بالإمكان تحديد حال الشخص ومعرفة أنّه هل يعبد الله أم يعبد الأوثان؟ حتّى وإنْ كان ما يدّعيه هو أنّه لا يكترث بشأن الله. وبحسب التعبير الدينيّ فإنّ الشرك عاد إلى الحياة من جديدٍ، ولكنْ بشكلٍ ومظهر جديد ومختلف([14]).

إنّ الأفكار والمدارس السياسيّة في عالمنا المعاصر هي أهمّ المظاهر التي يتجلّى فيها الشرك؛ ذلك أنّ أكثر ما تنكره وترفضه هذه المدارس هو فكرة عبوديّة البشر بالنسبة إلى الله.

ومن هذه الجهة تبرز اليوم حاجة الإنسان المعاصر إلى التنبيه والتذكير في مجال الرقّيّة والعبوديّة لله عزَّ وجلَّ أكثر من أيّ وقتٍ آخر([15]).

لكنّ عبد الكريم سروش أخذ يبدِّل رأيه تدريجيّاً([16])، حتّى لنجده ينتقل في آخر أعماله ومؤلَّفاته من متكلِّم أشعريّ، ومتألِّه ينتقد النظرة المعرفيّة الإلهيّة في عصر الحداثة والتجدُّد، إلى مفكِّر يؤمن بأصالة الحداثة.

وهو ـ تبعاً للفكر الحداثويّ ـ يضع الاسمانيّة جانباً، ويرفض إعمالها في مجال الحقوق والأخلاق، مؤكِّداً على أنّ هناك قيماً ومبادئ إنسانيّة تتّصف بأنّها عامّة وعالميّة وشاملة، وهي ـ فوق ذلك ـ ممّا دعَتْ إليها الأديان السماويّة أيضاً([17]). وهو لذلك يسجِّل انتقاداته على فكر ما بعد الحداثة، انطلاقاً من أنّ هذا الفكر لا يؤمن ولا يعترف بالقوانين العالميّة لحقوق الإنسان، كما أنّه ينهج في جميع المجالات منهج النسبيّة، والذي بدوره ـ أي هذا المنهج ـ يُعَدّ وليد فلسفة الاسمانيّة([18]).

ويرى سروش أنّ الإنسان؛ ولمجرّد كونه إنساناً، يتمتّع بسلسلةٍ من الحقوق الأوّليّة التي لا يمكن لأيّ قوّةٍ مهما كانت، وتحت أيّ ذريعة، أن تجرِّده منها أو تسلبها عنه([19]). بعد ذلك يتمادى سروش ويذهب بعيداً، ليقول: إنّه يعتبر النظام المدوّن في العالم الغربيّ حول حقوق الإنسان، والذي لا يتجاوز عمره عقوداً قليلة من الزمن، المصداق الذي تنطبق عليه هذه المبادئ والقيم العالميّة، ويرى أنّ هذا النظام هو أهمّ وأثمن الاكتشافات التي توصّل إليها العالم الغربيّ([20]).

سروش، الذي كان في وقتٍ سابق مُنْكِراً وجود أيّ نحوٍ من أنحاء المبادئ والقيم العقليّة والذاتيّة في ما يرتبط بالمعايير الحقوقيّة والأخلاقيّة، يرى الآن أنّ الإنجازات العالميّة التي استطاع أن يحقِّقها العقل العمليّ للبشر، والتي ـ كما صرّح سروش نفسه ـ كانت لآلاف السنين محطّ تأكيد واهتمام من قِبَل الأنبياء والمصلحين، ولم تكن في يومٍ من الأيّام، وعلى طول التاريخ، غائبةً عن روح الإنسان وطبيعته، يرى سروش أن هذه الإنجازات تبلورت في نظامٍ حقوقيٍّ فتيّ وُلد وأبصر النور خلال أجواء خاصّةٍ كانت قد سادت في أوروبا عقيب انتهاء الحربين العالميّتين الأولى والثانية، ثمّ وقبل أن ينتشر هذا النظام ويصير نظاماً عالميّاً، خلال هذا العمر القصير، أُثيرَتْ عليه انتقادات واعتراضات من قِبَل مفكِّري ما بعد الحداثة الغربيّين، وكذلك من قِبَل مفكِّرين شرقيّين. عدم التجانس هذا بين قيم ومبادئ العقل العمليّ العالميّة والعابرة للتاريخ والنظام الغربيّ القائم حديثاً حول حقوق الإنسان يدفعه أحياناً إلى أن يعترف بأنّ الإنجازات التي حقَّقها الإنسان المعاصر في مجال حقوق الإنسان ليست إلاّ كغيرها من العلوم والمعارف الإنسانيّة التي تقبل النقد، وثمّة مجال لتجديد النظر فيها([21]).

وبنظر سروش، إنّ الفهم المعاصر للإنسان حول حقوق الإنسان الأوّليّة يتعارض في مواضع كثيرة مع القراءة المتداولة في الفقه الإسلاميّ. فمثلاً: نشير إلى أنّ الفقه لا يُثبت التساوي بين حقوق الرجل وحقوق المرأة، بين حقوق المسلمين وحقوق غير المسلمين، بين حقوق الموالي وحقوق العبيد. وفي هذه الموارد المتعارضة لا بُدَّ أن يكون فهم الإنسان لحقوقه الأوّليّة والأساسيّة مقدَّماً على الفهم الفقهيّ المستوحى من داخل الدين. وبعبارةٍ أخرى: يجب على علماء الدين والمتخصِّصين به أن يجعلوا فهمهم للمقرّرات الدينيّة الداخليّة مطابقاً للأفكار من خارج الدين، وأن يقدِّموا قراءةً للدين تكون متناسبةً ومنسجمة مع فهم الإنسان المعاصر لحقوق الإنسان([22]).

وفي خاتمة مقالٍ له بعنوان: (حقوق الإنسان وتكاليف الدين… تفاهم أو تزاحم؟)، ينتهي سروش إلى الاستنتاج التالي: «…إذا تعارضت التكاليف أو الحقوق الدينيّة الداخليّة مع الحقوق والتكاليف من خارج الدين فالمقدَّم هو الحقوق والتكاليف الخارجيّة. هذا الحكم الكلّيّ لا شَكَّ في أنّه من الناحية العمليّة يواجه تعقيداتٍ ومشاكل. لكنّ (تقديم الحقوق الدينيّة الداخليّة على الحقوق الخارجة عن الدين) ليس هو الطريق إلى حلّ وتخطّي هذه المشاكل.

وهذا لا يعني أنّ المشكلة تكمن في الدين نفسه، وإنّما هي تكمن في قراءاتنا نحن للدين عند بروز الموارد المتعارضة والمتباينة»([23]).

كان سروش في مؤلَّفاته الأولى لا يرضى حتّى بتلك الفكرة الرائجة في علم الكلام عند الشيعة، في باب حسن الأفعال وقبحها عَقْلاً([24])، بل كان يتحدَّث بلسان عالمٍ اسمانيّ أو أشعريّ، فيرى أنّ لجميع القيم والواجبات الأخلاقيّة جذوراً في تكاليف الله تعالى وأحكامه، ويتحدَّث عن إلحاد الإنسان الجديد المتمثِّل في تهرّبه من القوانين الإلهيّة، وعدم التزامه إلاّ بالقوانين التي هي من وضعه([25])، أو إنّه ـ أي سروش ـ كان عند بروز أيّ شكلٍ من أشكال التعارض بين أحكام الدين وبين القيم الإنسانيّة المعاصرة ينحاز إلى صفّ الأحكام الدينيّة والإلهيّة([26])، حاله في ذلك حال أيّ عالمٍ عاقل يعيش حالة الخوف والخشية من الله.

لكنّه، وبعد فترةٍ من الحيرة والارتباك في البحث المثير للجَدَل حول حسن الأفعال وقبحها([27])، وجَّه فكره وقلبه نحو إنجازات الغرب الحديثة في مجال حقوق الإنسان. وفي هذا السياق يعتمد سروش نظريّة الشيعة في باب الحُسْن والقبح العقليّين كوسيلةٍ لتدعيم وبناء فرضيّته الخاصّة، ثمّ يذهب بعيداً إلى حدّ الرفض التامّ لما كان هو نفسه يتبنّاه في السابق، من إضفاء الحرمة والقدسيّة على الأحكام الإلهيّة في مقام تعارضها مع الأفكار العصريّة، وبات في حال حصول تزاحم بين تعاليم الدين وقيم الإنسان الحديث يقف في صفّ الحداثة وقيمها. ثمّ رأيناه يوجِّه قراءته للفقه والدين، ويكيِّفها بحيث تصبح منسجمةً ومتلائمةً مع أفكار الإنسان الحديث واحتياجاته. وبهذا، وبعد أن عبر سروش ضفّة النهر المؤدّية إلى الحداثة، تحوَّل إلى ما يشبه الوكيل والمدافع عنها.

ما نراه في أدبيّات الرجل، من كلماتٍ ألقاها، أو كتاباتٍ دوَّنها، إنّما يعكس حقيقة فكره المصطبغ بلون الحداثة. فمثلاً: كان سروش قد أطلق على الإله الذي تتجاوز صلاحيّاته الحقوق والأخلاق، والذي بدأت محاربته في عصر الحداثة، أطلق عليه اسم (الإله المبسوط اليد)، أو (الإله المهيمن والمستبدّ) ([28])، ثمّ أخذ بعد ذلك يعترض على عبادة إلهٍ كهذا: «الإله المهيمن هو إلهٌ فوق القانون، وفوق الأخلاق. والمنطق الذي يحكم سلوكه من شأنه أن يسري شيئاً فشيئاً إلى المنطق الذي يحكم سلوك عباده وتصرّفاتهم. أولئك الحكّام الذين يرَوْن لأنفسهم شأناً كهذا الشأن، ويعدّون أنفسهم ظلّ الله في الأرض، أولئك ليس إلههم سوى هذا الإله المهيمن. وعلى هذا الأساس هم بشكلٍ طبيعيّ، ودون أيّ تكلُّف، يسيرون على خطى ذلك النهج الاستبداديّ»([29]).

وفي معرض حديثه عن علاقة الإنسان بالله ضمن إطار الدين لا يركِّز محمّد مجتهد شبستري كثيراً على الجوانب التشريعيّة، بل أحياناً يُسقطها تماماً من اعتباره، ويحاول أن يقدِّم فهماً وقراءةً لله، بحيث لا يكون هناك أيُّ تزاحمٍ بينه وبين الثقافة والحضارة التي وضعها البشر انطلاقاً من حاجاتهم الطبيعيّة الخاصّة. وبعبارةٍ أُخرى: إنّ الإله الذي يشير إليه شبستري هو إله لا يتدخّل في العلاقات بين البشر، كما أنّ الأديان ليس لها دور إلاّ في إضفاء المعنى والروح على حياة البشر، وتخليصهم من العَبَثيّة والوحدة والفراغ، من دون أن تتدخَّل أصلاً بالعلاقات الحقوقيّة التي ترتبط بشؤون حياتهم ومعيشتهم: «…هناك تفسير آخر للإسلام، وهو أنّ الله الذي أبدع الكون والإنسان وخلقهما يقبل هذا الإنسان، كما يقبل الحضارة التي يصنعها؛ ذلك أنّه إنّما خلق الإنسان بحيث يستطيع أن يحلّ المشاكل التي تواجهه في حياته من خلال ما أعطاه إيّاه من إحساساتٍ وعقل ومنطق…

وما بعثة الأنبياء أو الكتاب والسنّة إلاّ لأجل أن لا يغفل الإنسان عن هذا المعنى، ولا ينسى أصله وربّه، ولا يُصاب بحالةٍ من الفراغ والعبثيّة…، أي إنّ النظرة إلى الله لا ينبغي أن تتعامل معه بوصفه ذلك العامل الذي يضبط الإنسان، وينظّم العلاقات الإنسانيّة فيما بين البشر، أو حتّى في بعض الأحيان يضع الإنسان تحت الضغط والاختبار. وإنّ ذكر الله إنّما يهدف إلى إيجاد تلك الحالة المعنويّة، وحفظ القيم والمبادئ التي تنبع من تلك الحالة المعنويّة. وإذا كان الأمر كذلك فإنّ رغبات الإنسان واحتياجاته، والحضارة التي يؤسِّسها، كلّ ذلك يصبح أمراً مشروعاً ومقبولاً، والدين أبداً لا يمكن أن يبدو بوصفه ذلك العامل أو الرادع الذي يريد أن يضع حدوداً لاحتياجات الإنسان الطبيعيّة، أو أن يضع هذا الاحتياجات تحت الضغط والاختبار. إنّ كلّ الأمور والأشياء التي تعكسها ثقافة الإنسان وحضارته هي من قبيل: الحاجات الواقعيّة لدى الإنسان، ويجب أن يُفسح لها المجال للبروز والظهور…»([30]).

وفي معرض توضيحه أو إثباته لنظريّته هذه يعمد شبستري إلى تقديم صورةٍ أخرى للدين والإسلام تقع في الطرف المقابل ممّا يقدِّمه هو، وذلك انطلاقاً من أنّ النظريّة المشهورة حول موقعيّة الدين ودوره تنظر إلى الدين بوصفه هو المقنِّن والمشرّع في كافّة المجالات الإنسانيّة الحقوقيّة والفرديّة والعامّة. فزعم شبستري أنّه لو استطاع أن يبطل هذه النظريّة وينفيها ويستبعدها فإنّ هذا النفي والإبطال سيفضي ـ بالضرورة ـ إلى إثبات نظريّته الخاصّة. مع العلم أنّه ـ وبعد الفراغ عن صحّة هذه النظريّة المشهورة أو بطلانها، أو التوضيحات العديدة التي تُذكر لها ـ يمكن أن يُفرض وجود تصوير آخر أو تصويرات أخرى وسطيّة، تكون هذه التصويرات ـ بدورها ـ بعيدةً حتّى عن النظريّة التي نادى بها شبستري. في مثل هذه الفروض والتصويرات يمكن أن يُقال ـ استناداً إلى ما يُفهم من الكتاب والسنّة ـ: إنّ الله تعالى قد تدخّل في بعض العلاقات الحقوقيّة بين البشر، فشرَّع بعض القوانين التي جاءت في سياق مراعاة مصالح العباد، واختبار عبوديّتهم، تاركاً إلى البشر أنفسهم مهمّة تنظيم القوانين والمقرَّرات في قسمٍ آخر من العلاقات فيما بينهم.

ويبدو أنّ النظريّة أو النظريّات الوسطيّة هي أقرب إلى الواقع من النظريّات الفقهيّة التي كانت رائجةً على طول التاريخ. كما يبدو أيضاً أنّ اعتبار قسمٍ كبير من العلاقات الحقوقيّة بين البشر داخلةً في دائرة المباحات، أو ما يُسمّى بـ (منطقة الفراغ)، هو تصوير أكثر اعتدالاً وأكثر واقعيّةً من الأفكار والآراء الفقهيّة المتداولة.

يسعى شبستري، وفي معرض تقديمه فهماً وتصوُّراً عن الله عزَّ وجلَّ يكون مقبولاً من قبل الإنسان الحداثويّ، إلى تخلية هذه الصورة وتجريدها من أيّ شكلٍ من أشكال العنف والخوف. لكنَّه يتجاهل قسماً معتدّاً به من الخطابات الإلهيّة الواردة في القرآن الكريم وفي السنّة، والتي تلتقي في اتّجاهٍ واحد مع هذا التصوير الذي ذكرناه. ويذهب إلى حدّ أن يعتبر الدين بمثابة موسيقىً هادئة تخلو من كلّ أشكال العنف والخشونة والفرض والصلابة: «…هذا الخطاب([31]) هو خطاب الله تعالى للإنسان. هذا الخطاب يجب أن ينبعث عطره من أعماق روح صاحبه؛ ليتسنّى له أن يصل إلى أعماق أرواح المخاطبين وقلوبهم، ويحوِّلهم إلى أشخاصٍ إلهيّين. رأس المال الوحيد الذي يمتلكه هذا الخطاب، ويجعله خطاباً نافذاً ومؤثِّراً، هو ما فيه من جاذبيّة تأسر القلوب. ومع أنّ هذا الخطاب يعتمد أحياناً في مقام التعبير أداة الأمر والنهي، إلاّ أنّه ينبغي أن يُؤخذ بعين الاعتبار أنّ هذه الأداة شبيهة إلى حدٍّ بعيد بأداة موسيقيّة تبعث الهدوء والراحة المعنويّة في النفوس، ولا يوجد فيها مكانٌ لأيّ شكلٍ من أشكال العنف والخشونة والفرض والصلابة»([32]).

ومن الواضح أنّ هذا النحو من التفسيرات للدين، بالإضافة إلى كونها تستند على فهم أصحابها للنصوص الدينيّة، فهي تقوم أيضاً على أساس الفرضيّات المسبقة، والأمنيات المرتقبة التي لديهم، والتي تنشأ من رغباتهم، أو من رغبات الإنسان الحداثويّ. ومن هنا يبدو أنّ أمثال هؤلاء المفسِّرين لا يعيشون أيَّ قلقٍ من أن يكون هناك تنافٍ أو تنافر واضح بين التفسيرات التي يذهبون إليها وبين تلك المقاطع من النصوص الدينيّة التي تعكس حقيقة الخطاب الإلهيّ، كما أنّهم لا يشعرون بالحاجة أيضاً إلى أن تكون تفسيراتهم هذه مستندةً إلى القرآن الكريم والسنّة المطهَّرة، كما نرى ذلك بشكلٍ جليّ في كلام شبستري، الذي نراه في مثل هذه المباحث يبتعد تماماً عن الرجوع إلى القرآن والروايات، بل ويتجنَّب الجواب عن موارد الخلاف التي تبرز بين ادِّعاءاته وبين الكتاب والسنّة.

ج ـ أهل التنوير الدينيّ ونقد المعارف الإلهيّة التي محورها الفقه ــــــ

التفت المتنوِّرون والمثقَّفون الدينيّون، خلال بحثهم حول النواقص والمشكلات التي تعتري علم الفقه، ـ وفاقاً لكثيرٍ من المفكِّرين السابقين ـ إلى نقاطٍ عدّة جديرة بالعناية والاهتمام. وقد أكَّد هؤلاء على هذا الأمر المهمّ، وهو أنّ الفقه إذا كان بمعنى مجموعة الأحكام والمقرَّرات الظاهريّة حول الأعمال والمناسك، العباديّة منها وغير العباديّة، والتي وصلتنا ـ في الغالب ـ عن طريق النصوص الدينيّة المقدّسة، فللفقه إذن دورٌ أساسيّ وجوهريّ في ما يرتبط بالعلاقات الدينيّة بين أهل الإيمان وبين الله سبحانه من جهةٍ، وفي ما بين أفراد المسلمين أنفسهم من جهةٍ أخرى. وهكذا انصرف هؤلاء عن الاهتمام بسائر أبعاد الدين العميقة المضمون والمحتوى، وقصروا الحياة الدينيّة على ما له علاقة بالروابط والعلاقات الحقوقيّة والقانونيّة الجافّة، ما من شأنه أن يتسبَّب في انحطاط رتبة الدين ودوره في الحياة المعنويّة للفرد والمجتمع، ووقوفه عند حدّ التديُّن الصوريّ والقشريّ: «عندما ينفصل الدين عن التجربة والحالة المعنويّة الدينيّة، وينحصر بيان الأمر والنهي الإلهيّين في هيئة أنحاء للسلوك والتصرّف، وتنقطع علاقة الإطاعة لله عن الهمّ الدينيّ الذي يحمله الإنسان المسلم وعن غايته القصوى، فعندئذٍ يصبح هذا العلم ـ كما يعبِّر الغزاليّ ـ علماً دنيويّاً محضاً، وعندئذٍ يصبح موضع انتقادٍ من قبل العرفاء»([33]).

«الفقه هو قالب الدين وقشرته الخارجيّة، ولا نظر له إلاّ إلى الآداب التقليديّة والظاهريّة. ففي الفقه يبدو الله عزَّ وجلَّ على هيئة مولىً وآمر لا يخاطب الإنسان إلاّ بلغة الثواب والعقاب والأمر والنهي. وأمّا الحبّ والعشق والأنس، بل وحتّى الأخلاق، فليس في الفقه منها عينٌ ولا أثر. نحن هنا لا نقول: إنّ الفقه سيّئٌ، وإنّما نقول: إنّ التوقّف عند هذا الحدّ هو الأمر السيّئ، بل يجب المضيّ قُدُماً وتجاوز هذا الحدّ. فذلك الإله الذي يحكي لنا عنه العرفاء هو إلهٌ قابل لأن نحبّه ونعشقه… فهذان وجهان لله سبحانه، ويجب علينا أن ننظر إلى كلا الوجهين. وأمّا تلك النزعة القشريّة التي تحصر اهتمامها بالفقه فهي أحياناً مؤذية ومضرّة لقلب الإنسان، بل ومعادية له. وأمّا المداراة والمحبّة، اللّتان هما من خصائص التديّن الحقيقيّ، فيجب البحث عنهما في داخل العرفان، وفي باطن الدين، لا في قشره، ولا سيَّما إذا كان هذا القشر منفصلاً عن اللّبّ والجوهر»([34]).

إنّ أهمّ آفات التديّن القشريّ تتمثَّل في تحوّل علاقة الإنسان بالله إلى علاقةٍ جافّة تسلبه هويّته الحقيقيّة، وتحوِّله إلى مجرَّد مولىً وآمر: «الدين كما يقدِّمه لنا الفقه أمر تقوى فيه صبغة التقليد والتعبُّد([35])، ويتحوَّل العمل فيه إلى أمرٍ بلا روح، ويُطلب فيه الاكتفاء بالظواهر، ليصبح في النهاية ـ بتعبير هيغل ـ ضرباً من القانونيّة المحضة([36])، الأمر الذي من شأنه أن يُدخله في عزلةٍ قاتمة([37]). وهذا يعني أنّه أيضاً يبعد الإنسان عن واقعه، ويؤكِّد على تلك العلاقة الممسوخة التي تجرِّده من هويّته الحقيقيّة، وتحصر علاقته بالله في إطار علاقة العبد بسيِّده فحَسْب. وأمّا التصوّف فهو نوعٌ من الحبّ والعشق، الذي كان له ـ على الأقلّ ـ هذه البركة العظيمة، وهي أنّه يمنح الدين ذلك الوجه العاشق والمحبّ، ويصوِّر الله تعالى بصورة المعشوق القريب من القلوب. بينما الدين في الرؤية الفقهيّة يخلو تماماً من هذه الإيجابيّة، ولا يبقى منه سوى ذلك التديّن الجافّ والصارم والمخيف، الذي يدعو إلى إلهٍ مقطَّب الوجه دائماً، ولا يتَّصف إلاّ بصفة المولى المستعلي والآمر»([38]).

هذا النحو من التديُّن يُطلق عليه سروش اسم (التديُّن الذي يفكِّر في العيش)، ويضعه إلى جانب (التديُّن الذي يفكّر في المعرفة)، و(التديُّن الذي يفكّر في التجربة)، ويعدّه ثالث وأخسّ أقسام الفكر الدينيّ الثلاثة الموجودة عند الناس. وأكثر ما يتجلّى هذا النوع من التديُّن في الأعمال الظاهريّة. هذا الصنف من المتديّنين يقيسون التديُّن عند الأفراد بمقياس عملهم بالآداب والرسوم الدينيّة، ويقولون: كلّما كان الإنسان من أهل العمل أكثر كلّما كان أكثر تديُّناً، وكلّما كانت أعماله ـ في الظاهر ـ أكثر وأكبر حجماً كلّما كان تديُّنه أشدّ وأكبر([39]). كما أنّ الله في هذا النحو من التديُّن مختلفٌ عن الله في القسمين الآخرين: «في هذا التديُّن الذي يفكّر في العيش يظهر الله ـ في الغالب ـ بمظهر المقنِّن الصارم الذي يتشدَّد في قوانينه ومقرّراته، ولا يتساهل أبداً في ما علَّمه للناس من الحلال والحرام والأوامر والنواهي. وفي بعض الأحيان، وبفعل الإفراط الذي يعيشه هؤلاء، يُظهرون الله بمظهر المتشدِّد الذي يفتّش هنا وهناك عن ذريعةٍ يُدخل الناس بسببها نيران جهنّم، بدلاً من أن يوفّر لهم الذرائع والأسباب التي توصلهم إلى الجنّة»([40]).

«…الله تعالى عند هؤلاء ليس إلهاً لطيفاً، ولا غامضاً، بل هو مشرِّع ومقنِّن، هو ذلك السلطان الجبّار، والحاكم الآمر المتشدِّد والقويّ وذو البأس الشديد، والذي حاله حال رجلٍ وقف يحمل سوطه في يده منتظراً أن تزلّ قَدَم شخصٍ ما ليأخذ منه حقّه بيده»([41]).

من جهته يبرز مصطفى مَلَكْيان قلقه وهواجسه إزاء ذلك أيضاً. ويرى أنّ التديُّن الذي لا يعتمد على الأخلاق والعشق الإلهيّ من شأنه أن يتسبَّب بتحويل علاقة الإنسان بالله إلى علاقةٍ جافّة تقتصر على حدود علاقة العبد بمولاه. وفي هذا النحو من التديُّن لا يكنّ المتديِّنون تجاه الله تعالى سوى مشاعر الخوف والخشية، تماماً كحال العبيد الذين يهابون سيِّدهم ويخافون منه. وآنذاك عندما يطيعونه في ما أمر به فهم يضعون أنفسهم في منزلة الدائن له، فيمنُّون عليه بأنّهم أطاعوه، مع أنّهم لو كانوا عشّاقاً لذاته حقّاً لأطاعوه عشقاً وحبّاً له، لا لشيءٍ آخر، وعندئذٍ هم لن يقتصروا على ترك المنّة عليه في إطاعتهم لأوامره فحَسْب، بل إنّهم سيكونون في مقام الساعين لنيل شكره وامتنانه.

ويؤكِّد مَلَكْيان على أنّ علم الفقه ينبغي أن يكون في إطار استخدام الأخلاق. وبعبارةٍ أخرى: ينبغي أن تكون الواجبات والمحرّمات الظاهريّة والجارحيّة بمثابة المقدِّمة التي تمهِّد لحصول التحوّلات الداخليّة والجانحيّة لدى البشر، وبلوغهم ـ بالتالي ـ مرحلة الرشد والكمال وسموّ الأخلاق ورفعتها. ومن هنا فإنّ الفقه الذي لا ينحو هذا المنحى، ولا يسير في هذا الاتّجاه، يتدنّى ويهبط إلى درجة أن يكون مجرَّد نظام حقوقيّ، لا أكثر من ذلك([42]).

«ما نريده في علم الأخلاق هو أن نحصل على إنسانٍ أكمل، لا مجرَّد أن يكون عمل الإنسان مطابقاً للموازين الفقهيّة. ألا يمكن أن يكون هناك شخصٌ عمل طيلة عمره طبق الموازين الفقهيّة، ولكنّه ـ مع ذلك ـ يُحْشَر في جهنّم وفي أسفل دَرَكٍ من الجحيم؟! ألا يمكن أن يكون هناك شخصٌ ظلّ طيلة عمره مرائياً في صلاته وفي دفعه الخمس والزكاة و… فهو لذلك لا ينتفع من عباداته هذه بشيءٍ؟! وقد حدَّثتكم مراراً عن ذلك الشخص الذي يدهس المصلِّين ويؤذيهم ويدفعهم في هذا الاتّجاه أو في ذاك؛ لمجرَّد أن يبلغ الصفّ الأوّل، وقلتُ لكم: إنّ هذا شخصٌ قد ضحّى ـ في حقيقة الأمر ـ بالأخلاق لصالح الفقه. وكذلك الذي يقول ـ كما مثَّل به أحد عرفاء الغرب ـ: ائتوني بكتاب الدعاء هذا لأدعو الله به، فهو قد نطق ـ في الحقيقة ـ بجملةٍ متناقضة ومتهافتة. نحن هنا لا علاقة لنا بتلك الأساليب الفارغة التي قد تُطبَّق هنا أو هناك؛ لتحويل حياتنا في الظاهر إلى حياةٍ صحيحة بحسب الموازين الفقهيّة، بل كلّ ما يعنينا هو أن نكون عندما نرحل من هذه الدنيا أكمل وأفضل ممّا كنّا عليه حين مجيئنا إليها. نعم، إنّ تطبيق حياتنا على الموازين الفقهيّة هو شرطٌ ضروريّ لبلوغ أعلى مراتب الكمال، لكنّه ليس كافياً وحده لبلوغ ذلك… إنّه لا ينبغي أن نكتفي بالوصول إلى الحالة المعنويّة التي تحصل عادةً من عبادة التجّار؛ إذ إنّ مَنْ يكتفي بذلك لا يمكنه أن يصل إلى مقامٍ معنويّ أرفع من ذلك المقام الذي تعطيه إيّاه الرسائل العمليّة في الفقه»([43]).

وفي الواقع إنّ أهل التنوير الدينيّ، من خلال دراستهم وتحليلهم لظاهرة التديُّن القشريّ والظاهريّ، وتمييزهم له عن سائر أصناف التديُّن، قد ساروا في الحقيقة في اتّجاه بلورة الإشكالات والهواجس التي أثارها العديد من العرفاء والمصلحين والمتنوِّرين في الماضي، كما في وقتنا الحاضر أيضاً.

وبحقٍّ نقول: إنّ الفقه ليس هو الدين بتمامه، بل هو بُعْدٌ من أبعاد الدين، وزاويةٌ من زواياه، وبالتالي فهو لا يختصر الحياة الدينيّة بأسرها، وإنْ كان جزءاً منها. بل إنّ الفقه ـ في واقع الأمر ـ أقلّ عمقاً وأهمّيةً إذا ما أُخذ بالقياس إلى بعض الجوانب والأبعاد الأخرى في الدين. ومن هنا فإنّ إبراز هذا البُعْد من الدين، وتسليط الضوء عليه، على حساب سائر الأبعاد والجوانب العميقة الأخرى في الدين، بحيث يتمّ إلغاء هذه الأبعاد أو تعطيلها، يشكِّل بلاءً من شأنه أن يقود المجتمع الدينيّ نحو أن يصاب بآفاتٍ عدّة، كالتعصّب والتصنّع والحماقة والقشريّة والبعد عن الجانب المعنويّ.

والذي نستنتجه من كثيرٍ من كلمات المتنوِّرين والمثقَّفين الدينيّين هو أنّهم ـ في الجملة ـ لا يُنْكرون مكانة الفقه ودوره، وإنّما تنبع حالة القلق التي يعيشونها من تجاهل سائر الأبعاد الدينيّة وتهميشها. ولذا يشدِّدون على أنّ الفقه وإنْ كان أمراً مطلوباً إلاّ أنّه لا يصحّ التوقّف عنده([44]). وأمّا التديُّن الذي يثير كلّ هذه المشكلات فهو ـ برأيهم ـ عبارةٌ عن تصوُّرٍٍ ما عن الدين، يدعو إلى العمل مجرَّداً عن روحه ومحتواه، ويكتفي بطلب ظواهر الأمور([45]). ويرى هؤلاء أنّ الحياة على ضوء الموازين الفقهيّة وإنْ كانت شرطاً من شروط التديّن الحقيقيّ، إلاّ أنّها بمجرَّدها ليست شرطاً كافياً([46]).

نجد في بعض الأحيان أنّ لحن كلام بعض المتنوِّرين في هذا الخصوص ـ كما هو واضحٌ من بعض ما نقلناه عنه آنفاً في هذا المقال ـ يميل نحو المبالغة والإفراط، حيث يُقال ـ مثلاً ـ: إنّ وجود الفقه في المجتمع وإنْ كان هامّاً وضروريّاً، إلاّ أنّه في الوقت نفسه يحدّ من حالة العشق والتجربة الدينيّة([47]). بل يُقال أيضاً: إنّ السبيل إلى تكثيف التجارب الدينيّة وتعميقها ينسجم أكثر مع التراخي والتكاسل في امتثال المقرّرات والتكاليف الإلهيّة!

ولكنْ بصرف النظر عن هذه العبارات القاسية واللاذعة، وبشيءٍ من النظرة التفاؤليّة والصفح العلميّ، يمكن لنا أن نعثر لهؤلاء على محملٍ مناسب، فنقول: إنّ آراء هؤلاء وأفكارهم تنحدر بالفقه إلى مستوى علمٍ تدور أبحاثه حول الحقوق العرفيّة التي لا يزيد دورها على تنظيم شؤون الإنسان في حياته المادّيّة([48]). وفي رأيهم أنّ الفقه هو صنف من العلوم الشرعيّة لا نظر له إلاّ إلى المصالح والمنافع الدنيويّة، ولا يهدف إلاّ إلى حلّ الصراعات التي ترتبط بالعلاقات الاجتماعيّة بين البشر([49]). وعلى هذا الأساس لو افترضنا أنّ الناس استطاعوا أن يعيشوا حياةً ملؤها السلام والقناعة والعدالة، وأخمدوا كلّ نيران العداوة والبغضاء فيما بينهم، لن تبقى إذن حاجةٌ لديهم إلى الفقه والفقهاء([50]). ويمكن القول: إنّ الفقه هو مجرَّد علمٍ دنيويّ، وما دام الإنسان بمفرده فإنّه يستغني عنه، ولا يحتاج إليه([51]).

هذه العبارات التي تحكي جوانب من الفكر النظريّ الفقهيّ عند الغزالي، حسب ما يرويه سروش عنه، وقعت موقع التأييد والمدح من قبل سروش، وهو ما حدا به إلى أن يأخذ على عاتقه مهمّة الدفاع عن الغزالي في وجه منتقديه، كالفيض الكاشاني. وفي المحاكمة بين الغزالي وبين الفيض يُعطي سروش الحقّ للغزالي، ويعتبر أنّ النظريّة الفقهيّة لدى الغزالي أكثر دقّةً وعمقاً من النظريّة الفقهيّة لدى الفيض([52]). ونراه يكتب في الدفاع عن فكر الغزالي: «إنّ الشريعة التي تبرز غالباً في الفقه تمثّل دين العوامّ، وهي تهدف ـ بالدرجة الأولى ـ إلى تأمين السعادة والسكون والاستقرار في حياتهم الدنيويّة. لكنّ مثل هذا السكون والاستقرار النفسيّ يمكن للناس في شؤون حياتهم أن يحصلوا عليه في الأديان الأخرى من خلال الفقه المختصّ بتلك الأديان، وفي المجتمعات غير الدينيّة أيضاً من خلال القوانين البشريّة والوضعيّة»([53]).

لكنّ النقطة التي غفل عنها سروش، وكانت غفلته عنها هي السبب في صيرورة الفقه ـ بنظره ـ علماً مساوياً لعلم الحقوق، والذي هو من العلوم البشريّة والعُرْفيّة، هي تجاهل الصلة والعلاقة التعبّديّة والإلهيّة الكامنة في علم الفقه، وهو ما أدّى إلى أن يلوح علم الحقوق بوجهه الجافّ والمقطّب من ثنايا علم الفقه، وإلى عدم الالتفات إلى أهمّ المميزات التي يتّسم بها علم الفقه.

علم الحقوق هو علمٌ من وضع البشر، والتقيُّد بما فيه لا يُنتج سوى تنظيم العلاقات الاجتماعيّة بين البشر؛ وأمّا علم الفقه فهو عبارة عن التعاليم والأحكام الإلهيّة التي ينتج عن الالتزام بها ـ علاوةً على المصالح والمنافع الدنيويّة ـ تحكيم وتمتين علاقة العبوديّة بين الإنسان وربّه.

إنّ جوهر الدين يتمثَّل في الالتزام والتسليم المطلق لله تعالى في جميع المستويات والأبعاد التي ترتبط بوجود الإنسان، ويمثّل الفقه جانب الشريعة التي تدعو إلى الالتزام والعبوديّة على مستوى جوارح بدن الإنسان وأعضائه الظاهريّة. وهي النتيجة التي لا يمكن ولا يُنْتَظَر حصولها أبداً من مثل علم الحقوق العرفيّ.

وعليه يمكن الاعتراض على القائلين بمحوريّة الفقه بالتساؤل: لماذا أغفلوا أو أهملوا جانب الالتزام الدينيّ في سائر الأبعاد الوجوديّة في حياة الإنسان؟ ولكن لا يصحّ ـ بحالٍ من الأحوال ـ اعتبار علم الفقه علماً خالياً من الأبعاد المعنويّة والإلهيّة، وفرض التساوي والتكافؤ بينه وبين علم الحقوق.

النقطة الأخرى التي بقيت بعيدةً عن اهتمام بعض المتنوِّرين والمثقَّفين الدينيّين هي وجود تفاوت واختلافٍ في درجات التعقُّل والإيمان، بحَسَب اختلاف وتفاوت طبقات وشرائح المجتمع، حيث لم يتمّ أخذ هذا التفاوت بعين الاعتبار. إذا كان الناس مختلفين في قدراتهم واستعداداتهم فإنّ كمال وارتقاء كلٍّ منهم إنّما يكون بحَسَب ما لديه من الطاقات والقدرات. ولذلك لا يصحّ أن يكون لنا توقُّع واحد من الجميع، أو أن نفترض أنّ بلوغ كلٍّ منهم مرحلة الكمال هو بنفس الكيفيّة والمستوى.

العرفاء والحكماء والفلاسفة هم من النخبة والصفوة في المجتمع، والتديّن عند هؤلاء يبرز عادةً في قالب تدقيقاتهم الفلسفيّة والكلاميّة، وفي سلوكهم العرفانيّ العلميّ والعمليّ ـ في الكثير من الموارد ـ، وليس قابلاً للسريان منهم إلى سائر طبقات المؤمنين وأصنافهم. والحال أنّ ثمرة علم الفقه والاجتهاد ـ خلافاً للعرفان والفلسفة والكلام وغيرها من فروع المعارف الدينيّة ـ تتمثّل في تعميم حالة التديّن والعبوديّة ونشرها لدى جميع أصناف وطبقات المجتمع الإسلاميّ.

إنّ الالتزام والتقيّد بالمقرّرات الشرعيّة والفقهيّة يندرج في إطار الخطوات الأولى التي تقود الإنسان إلى أن يكون له توجّه إسلاميّ، وهو توجّه قد لا يهتدي كثير من المسلمين سبل الورود إلى أعماقه، فيقصِّرون عن التقدُّم في المسير، ويقيمون على قارعة الطريق المؤدّية إليه. ومن هنا كان من الطبيعيّ أن يلاقي علم الفقه مزيداً من النموّ والازدهار والتكامل، وذلك انطلاقاً من كونه يشكِّل حاجةً ملحّة بالنسبة إلى غالبيّة بل جميع طبقات المجتمع الإسلاميّ، كما كان طبيعيّاً أيضاً أن يكون الفقه محلّ اهتمامٍ زائد في المراكز العلميّة عند المسلمين. هذا النموّ والاتّساع في البحث الفقهيّ، والذي جاء نتيجةً للتوازن الطبيعيّ بين العرض والطلب، لا ينبغي أن يكون مترافقاً مع نظرةٍ تشاؤميّة تذمّ الفقه وتستهجنه، وتعتبره نتيجةً لقلّة التدبير لدى المسؤولين عن الثقافة الدينيّة في المجتمع الإسلاميّ.

يدرك شبستري جيّداً هذه العلاقة العميقة الكائنة في علم الفقه، ويقول في توضيحها: «لا شَكَّ في أنّ لهذه الأوامر والنواهي أساساً في القرآن الكريم وفي سنّة النبيّ‘. وعلم الفقه يمثّل توسعةً لنفس هذه الأوامر والنواهي. ولقد كان مفهوم أمر الله ونهيه على مرّ التاريخ يمثّل ذلك المفهوم الدينيّ الذي تتمحور حوله سائر المفاهيم الدينيّة. والعرفاء وإنْ كانوا يصرفون تفكيرهم نحو مرتبةٍ أعلى وأشمل من هذا المفهوم، ويتحدّثون عن مفاهيم أخرى، من قبيل: الحبّ والعشق، لكنّنا قد أشرنا سابقاً إلى أنّ العرفاء ليسوا هم مَنْ يصنع الفكر الدينيّ لدى عامّة المسلمين. وإنّ إطاعة أمر الله ونهيه لطالما كانت هي الشغل الشاغل للمسلمين، وهي المحور الذي تدور حوله حياتهم. ذلك الخطاب المعنويّ الذي كان يتلقّاه عامّة المسلمين من رسالة نبيّ الإسلام‘ كان خطاب الأوامر والنواهي أيضاً. ولو أردنا أن نحدِّد ما هو ـ والتعبير لـ (بول تيليخ)، الفيلسوف المعاصر المتعمِّق في اللاّهوت المسيحيّ ـ (الأمر غير المشروط) أو (الغاية القصوى) التي تشكِّل (الهمّ الدينيّ) لدى المسلم العاديّ في العصور الماضية، وكذلك الذي يشغل اهتمام مسلمٍ عاديّ في وقتنا الحاضر، لقلنا في الجواب: إنّ ذلك ليس شيئاً آخر سوى مسألة الإطاعة والامتثال لأوامر الله ونواهيه. ولو أردْتُ هنا أن أعود إلى مصطلح (الشجاعة)، الذي كنْتُ قد استخدمتُه في حوارٍ مع مجلّة (كيان)، لكان عليَّ أن أقول: إنّ المسلمين إنّما يستمدّون الشجاعة من خطاب الأمر والنهي الذي وجَّهه إليهم الله تعالى من خلال نبيّ الإسلام‘. فهذا الخطاب هو ما يأسر قلوبهم وألبابهم في قبضته، وهو الذي يهبهم قوّة الحياة، وعلى ضوء هذه الحقيقة تلتقي حياتهم المعنويّة الفرديّة وتجتمع مع حياتهم الاجتماعيّة. لقد أراد الله من خلال أوامره ونواهيه أن يبيِّن للمسلمين الطريق والصراط الذي يجب أن يتبعوه، ما يجعل هذه الأوامر والنواهي في حياة الإنسان بمنزلة الطريق إلى الخلاص ممّا قد يواجهه من الوحدة والحيرة والارتباك. وهذا الذي أشرنا إليه يكشف عن العلّة الحقيقيّة والسبب في أنّ علم الفقه كان يشكِّل ـ على امتداد التاريخ الإسلاميّ ـ أكثر العلوم الإسلاميّة أصالةً، وفي أنّه يقع في الصدارة من العلوم الإسلاميّة كافّةً، كما يبيِّن السبب أيضاً في أن يكون للفقهاء تلك السلطة المعنويّة النافذة على عموم المسلمين. فإذا كان علم الفقه هو العلم الذي يتكفَّل ببيان أوامر الله تعالى ونواهيه فهو ـ بالتالي ـ العلم الذي يتكفَّل بتلبية الحاجة الدينيّة الأكثر أصالةً عند عامّة الناس»([54]).

الهوامش

(*) باحثٌ في الفقه الإسلامي والدراسات القانونيّة المعاصرة. له كتاباتٌ علميّة متعدِّدة.

([1]) الاسمانيّة أو أصالة التسمية مدرسةٌ فلسفيّة نشأت في القرون الوسطى، تدور رحى أفكارها حول وجود أو عدم وجود الكلّيّات والمبادئ العامّة؛ حيث أنكر القائلون بأصالة التسمية أن يكون للكلّيّات وجود خارجيّ، ولم يُثبتوا لها واقعاً سوى واقع ما لها من الاسم واللّفظ؛ وفي مقابل هؤلاء برزت مدرسة الواقعيّة (الرياليسم)، والذين اعتقدوا أنّ للكلّيّ وجوداً واقعيّاً خارج عالم الذهن. (راجع: كريم مجتهدي، الفلسفة في القرون الوسطى [فارسي]: 155، انتشارات أمير كبير، طهران، ط1، 1375، مقالة: (النـزاع حول مسألة الكلّيّات في القرون الوسطى)؛ آدوين آرثربرت، العلوم الحديثة ومبادئ ما بعد الطبيعة: 120، ترجمة: عبد الكريم سروش، انتشارات علمي وفرهنگي، طهران، ط4، 1380هـ.ش).

وقد طُرح هذا البحث أيضاً في أوساط المفكِّرين المسلمين، وفي مجالاتٍ ومواضع مختلفة، كالمنطق مثلاً، (راجع: الملاّ هادي السبزواري، شرح المنظومة، (قسم المنطق): 22، الطبعة الحجريّة)، والفلسفة (راجع: صدر الدين الشيرازيّ، الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة 1: 273، دار إحياء التراث العربيّ، بيروت، ط3، 1981)، والأصول (راجع: حسن العاملي، معالم الدين وملاذ المجتهدين: 95، مؤسّسة النشر الإسلاميّ، قم؛ الميرزا أبو القاسم القمّيّ، قوانين الأصول: 122، الطبعة الحجريّة)، والفقه (راجع: زين الدين العامليّ، مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام 6: 13، مؤسّسة المعارف الإسلاميّة). وقد قسّم علماء الإسلام الكلّيّ إلى أقسامه الثلاثة: المنطقيّ؛ والعقليّ؛ والطبيعيّ، ثمّ تطرّقوا إلى البحث عن كيفيّة ونحو تحقّق الكلّيّ الطبيعيّ خارج أفق الذهن.

وقد وُجد لمصطلح (النوميناليسم) معنىً آخر في العصر الحديث، وبات عنواناً مشتركاً حاكياً عن النظريّات المختلفة في مختلف فروع العلوم، بحيث يُنظَر إلى المفاهيم الموجودة في مختلف الفروع والاختصاصات العلميّة على أنّها لا تكشف عن الحقيقة والواقع، بل هي مفاهيم جرى وضعها والتعاقد عليها؛ ليصار إلى تجربتها واختبارها، ثمّ بعد نجاحها في الاختبار جرى استخدامها وتوظيفها في العلوم. وبهذا يكون هذا المصطلح قد انتقل من المعنى الأوّل إلى هذا المعنى الثاني؛ ذلك لأنّ فئةً من الفلاسفة كانوا لا يقبلون أن تُستخدم في العلوم تلك القيم التي تُعتبر قيماً جماعيّة أو شموليّةً عامّة. وهم وصلوا إلى هذه النتيجة انطلاقاً من أنّ اللّغة التي يمكن أن تُستخدم في العلوم هي اللّغة التي تسمح بالحديث عن الثوابت والأمور المستقرّة، تمهيداً لتنظيم الأحكام والمقرّرات العمليّة والإجرائيّة. (راجع: أندريه لالاند، الموسوعة الفلسفيّة: 510، ترجمة: غلام رضا وثيق، انتشارات فردوسي إيران، ط1، 1377هـ.ش).

غير أنّ سروش خلط بين هذين المعنيين المختلفين لمصطلح (النوميناليسم)، ودمج بينهما في قالب مفهومٍ واحد مشترك بين مفكِّري القرون الوسطى ومفكِّري عصر الحداثة. ونحن ـ بدورنا ـ سوف نبني حديثنا هنا على خلفيّة هذا المعنى الواحد والمشترك، ونطوي صفحاً عمّا في هذا الخلط والدمج من الكلام والإشكال.

([2]) Self – assertion.

([3]) سروش، آيين شهرياري: 164.

([4]) «…برأي الأشاعرة إنّ أفعال الله تعالى عادلة وحكيمة قطعاً، غير أنّ الملاك في كون هذه الأفعال عادلةً وحكيمة ليس شيئاً آخر سوى صدورها عن الذات الإلهيّة. فاتّصاف فعل الله تعالى بأنّه عدلٌ ليس من باب أنّ المعايير المعروفة لدى الإنسان في باب العدل منطبقة وصادقة عليه، بل ينبغي أن يُقال: إنّ مثل هذا الفعل الإلهيّ هو عين العدل، وهو ملاك العدل؛ ذلك لأنّ العمل لا يصدق عليه أنّه ظلم وخلاف العدل إلاّ إذا كان يتجاوز الحدود المقرَّرة والمفترضة له، والحال أنّه ليس هناك من حقيقةٍ فوق ذات الله سبحانه، وخارجة عن ملكه، ليتسنّى لها أن تضع حدوداً مفترضةً لفعله… وهذا هو الأصل الذي تقوم عليه جميع المباحث التي يطرحها الأشعريّ في باب العدل الإلهيّ، وهو أنّ القواعد الحاكمة على حُسْن أفعال البشر وقُبْحها لا ينبغي تعديتها وإجراؤها على الفعل الإلهيّ أيضاً. وقد عُبّر عن هذا الأصل بنظريّة (الحُسْن والقُبْح الشرعيّان)، في مقابل نظريّة (الحُسْن والقُبْح الذاتيّان، أو العقليّان)….

طبقاً لهذه النظريّة فإنّ كلّ شيءٍ في عالم المخلوقات هو موجود بخلقٍ وابتداع ابتدائيّ ومباشر من قِبَل الله تعالى. ويصرّح الأشعريّ بأنّه لا يوجد أيّ عرض يمكن أن يكون ناشئاً من عرضٍ آخر، وأنّه لا يوجد ظاهرة يمكن أن تكون علّةً وسبباً لأيّ ظاهرةٍ أخرى. ومن هنا يستخدم الأشعريّ في التعبير عن هذا النظام المتعارف الذي يهيمن على العلاقات في ما بين الظواهر لفظ (العادة)، بمعنى أنّ الله تعالى أراد أن تجري عادته واستقرّت سنّته في الخلق على أن يعمد دائماً إلى أن يخلق ظاهرةً معيّنة أخرى عقيب خلقه لظاهرةٍ خاصّة، من دون أن يكون هناك ضرورة تكوينيّة تقيّد فعله وقدرته… ومن الواضح أنّ نظريّته هذه تنسجم مع نفي الحسن والقبح الذاتيّين. ففي عالم الوجود، وكما أنّ ذات كلّ شيءٍ لا تحتوي في داخلها على آثار وجوديّة، الحسن والقبح لا وجود لهما في داخل ذوات الأشياء والأفعال، بل إنّ الخالق الذي أثبت للأشياء والأفعال هذه الأوصاف كان بإمكانه لو شاء أن يضع لتقييم الأفعال وتوصيفها نظاماً آخر». (راجع، محمّد جواد أنواري، دائرة المعارف الإسلاميّة الكبرى 9: 62، 65 (فصل: أشعري)، مركز دائرة المعارف الإسلاميّة الكبرى، ط1، طهران، 1379هـ.ش).

([5]) سروش، آيين شهرياري: 165.

([6]) مقالتنا هذه ليس لها اهتمام بجانب المباحث التكوينيّة (نظام الموجودات)، ولذلك نعرض هنا عن الحديث حول تحوّلات فكر الحداثة وما بعد الحداثة في هذا المجال.

([7]) سروش، آيين شهرياري: 153.

([8]) سروش، دانش وأرزش (العلم والقيم): 308.

([9]) سروش، إيدئولوژي شيطاني (الأيديولوجيا الشيطانيّة): 126.

([10]) سروش، حكمت ومعيشت  1: 180.

([11]) المصدر السابق: 103 إلى 105.

([12]) المصدر السابق: 125.

([13]) المصدر السابق: 200.

([14]) المصدر السابق: 161؛ وأيضاً راجع: 167، 413.

([15]) المصدر السابق: 207.

([16]) سروش في المجلّد الثاني من كتابه «الحكمة والمعيشة»، والذي تضمَّن مجموعة خطاباته التي ألقاها في العام ١٣٦٩هـ.ش، يتراجع إلى حدٍّ ما عن رأيه السابق في إنكار الحسن والقبح العقليّ للأفعال، والذي كان قد تبنّاه في كتابه «العلم والقيم»، الذي طُبع للمرّة الأولى في العام ١٣٥٨هـ.ش. ثمّ، وبعد أن يظهر عجزه عن تقديم جواب واضح في مسألة الحسن والقبح العقليّين، نراه يدّعي أنّ النـزاع الشديد، والذي لا ينتهي بين المتكلّمين في هذا البحث، لم يُفْضِ عندهم إلى تبنّي نتيجةٍ واضحة. (راجع: حكمت ومعيشت ٢: ١٣٦). وكان سروش قد ذكر في كتابه «العلم والقيم» بعض التساؤلات، وأجاب عنها بما يشبه أجوبة متكلِّمٍ أشعريّ ـ وقد نقلنا جانباً في المتن ـ، لكنّه في هذا الكتاب ترك هذه التساؤلات من دون أجوبةٍ. وبعد انفصال سروش وابتعاده عن تأثير أستاذيه الأشعريّين، أعني مولوي والغزالي، نراه يقول: «أيّ الأفعال حسنة وحميدة؟ وأيّها سيّئة ومذمومة؟ وهل أحكامنا الأخلاقيّة والقيميًة نحن البشر جارية أيضاً في حقّ الله عزَّ وجلَّ أم لا؟ وهل أنّ الله يأمر بما هو حسن، أم أنّ ما يأمر به الله هو الحسن؟ هذه التساؤلات، وبالرغم من أنّها كانت ولا زالت تتَّسم بدرجة عالية من القوّة والأهمّيّة بالنسبة إلى المعرفة الدينيّة، إلاّ أنّها في حقيقة الأمر لم تحْظَ ـ لغاية الآن ـ بجوابٍ واضح وأكيد».

ثمّ بعد ذلك؛ ولكي يخلّص نفسه من صعوبات هذا البحث وما فيه من الغموض، نراه يُخرج آراءه ونظريّاته عن دائرة القيم الأخلاقيّة ومدركات العقل العمليّ، ويفضِّل أن يُطلق أحكامه وآراءه في دائرة مدركات العقل النظريّ: «نحن لأجل أن لا نعلق في قبضة بعض الأسئلة التي لا جواب عنها، والتي تُثير الحيرة والارتباك بما فيها من الصعوبة والغموض، بدأنا من هنا، من أخذ الحسن والقبح بمعنى الجمال والبشاعة ـ أي لا بمعنى الحسن والقبح الأخلاقيّين ـ، وقلنا: إنّ الحسن والقبح تابعان للجمال والبشاعة، وهكذا يكون علم الجمال متناسباً وعلى صلةٍ وطيدة بعلم الأخلاق، كما يكون علم العرفان مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بعلم الأخلاق». (راجع: المصدر السابق: ١٥٤).

وبمرور الزمن أخذ فكر سروش يصطبغ بصبغةٍ اعتزاليّة، حتّى رأيناه في واحدٍ من آخر كتبه ومؤلّفاته يقبل فكرة حسن الأفعال وقبحها ذاتاً، تماماً كما لو كان واحداً من متكلِّمي المعتزلة أو الشيعة. يقول في الطبعة الأولى (١٣٨١) من كتابه «التراث والعلمنة»: «إنّ الاكتشاف المهمّ الذي توصّل إليه الأنبياء أوّلاً، ثمّ قاموا بتعليمه للناس ولأتباعهم، تمثّل في ما يلي: إنّ أفعالهم إذا كانت في ذاتها أفعالاً حسنة فهي ترضي الله عزَّ وجلَّ أيضاً، وإذا كانت في ذاتها أفعالاً سيّئة فهي تغضب الله عزَّ وجلَّ أيضاً. وهذه الفكرة بحاجة إلى المزيد من التوضيح: ثمّة أفعال تدرك عقولنا أنّها أفعال حسنة، وثمّة أفعال تدرك عقولنا أنّها أفعال سيّئة. حسن هذه الأفعال أو قبحها محلّ اتّفاق بين العقلاء…

الاكتشاف المهمّ الذي توصّل إليه الأنبياء، أنّهم قالوا: أوّلاً: إنّ الله موجودٌ ـ وقد حاول الأنبياء أن يعرّفوا الناس على الله نوعاً ما ـ؛ وقالوا: ثانياً: إنّ ما يرضي الله وما يسخطه ينطبقان على الحسن والقبيح وفق التصنيف العقلانيّ للأفعال. أي إنّ ما يراه عقل الإنسان حسناً فالله تعالى يحبّه ويرضاه، وما يراه عقل الإنسان قبيحاً فالله تعالى يبغضه ولا يرضاه. وبعبارةٍ أخرى: ليس للعقل والشرع قبلتان واتّجاهان، بحيث يكون هناك فرقٌ بين الإنسان الذي يعبد الله والإنسان الذي لا يعبد الله في ما يعتبره هذا فعلاً حسناً أو سيّئاً وما يعتبره ذاك فعلاً حسناً أو سيّئاً… معنى هذا الكلام أنّ الأخلاق ذاتاً مستقلّة عن الدين، القيم والفضائل والرذائل هي ذاتاً مستقلّة عن الدين. أي إنّ الأديان لا تعلّم الناس الحسن والقبيح، وما تصنعه الأديان هو أنّها فقط تزيح الستار عن أنّ ما هو حسن فهو محبوب لله تعالى أيضاً، وما هو قبيح فهو أيضاً غير مرضيٍّ عنه من قبل الله…

إنّ الأمور الأخلاقيّة ـ منطقاً ـ منفصلة عن الدين، وإنّ حسن الأفعال وقبحها لا يُعلم من طريق الدين، بل يُعلم من داخل ذوات تلك الأفعال. فالكذب قبيح بذاته، لا أنّه قبيح لأنّ الله قال بقبحه، وإنْ كان الله تعالى قد حرَّمه فعلاً وقال بقبحه. والصدق أيضاً حسن بذاته، لا أنّه صار حسناً لأنّ الله تعالى حسَّنه، وإنْ كان هو تعالى قد أمر به وحسَّنه فعلاً. فهذان الأمران ينطبق أحدهما على الآخر، لكنّ أحدهما لا يأخذ شأنه وحكمه من شأن الآخر وحكمه…». (راجع: سنّت وسكولاريزم: 80 إلى 84)، وراجع أيضاً: سروش، آيين شهرياري: 137، 150؛ وسروش، فربه تر أز إيدئولوژي: 50؛ وسروش، سياست نامه: 263).

([17]) سروش، سياست نامه: 358.

([18]) المصدر السابق: 245، 327؛ سروش، آيين شهرياري: 153.

([19]) سروش، سياست نامه: 328، 376.

([20]) المصدر السابق: 327 و243.

([21]) المصدر السابق: 358.

 )[22]المصدر نفسه.

([23]) سروش، آيين شهرياري: 155. وراجع أيضاً: سروش، فربه تر أز إيدئولوژى: 281.

([24]) يقترب الكلام والفقه الشيعيّ ـ عملاً بإرشادات الأئمّة المعصومين^، وبمقتضى الأدلّة والبراهين العقليّة ـ من الفكر المعتزليّ في باب حسن الأفعال والقيم وقبحها ذاتاً. (راجع: سروش، حكمت ومعيشت  2: 136)، ويرَوْن أنّ الأعمال لها قيم ذاتيّة وعقليّة، وهي بهذه القيم ما دعا الدين إليها. فعلى سبيل المثال، يقول أمير المؤمنين× في وصيّته لابنه الإمام الحسن×: «فإنّه لم يأمرك إلاّ بحَسَنٍ، ولم ينهك إلاّ عن قبيح». فهذا الكلام ونحوه يقترب كثيراً من نظريّة الحسن والقبح الذاتيّين للأفعال. (راجع: المصدر السابق: 139).

([25]) «هؤلاء الناس يضعون القوانين لأنفسهم، ولكنّهم يُظهرون لا مبالاتهم تجاه كلّ ما يندرج تحت عنوان الدين، من الشريعة، والمقدَّسات، والوحي المنـزل على الأنبياء، ودور العبادة، كالكنيسة وغيرها، فهم يُعرضون عن ذلك كلِّه، ويعملون ـ بدلاً منها ـ بالقوانين التي هي من وضع أنفسهم؛ لأنّهم هم من قاموا بوضعها واختراعها. فلو أنّ شخصاً جاءهم مخبراً أنّه معيَّن ومنصوب من قِبَل الله عزَّ وجلَّ، وأنّه قد جاءهم بقوانين وتشريعاتٍ من عند الله، وليس منتظراً منهم أن ينتخبوه، لما كانوا على استعدادٍ لاتّباع هذه القوانين أو العمل بها؛ لأنّها ـ ببساطة ـ ليست من صنع أنفسهم… وإنّ الإفراط في هذا الأمر يكشف ـ لا محالة ـ عن انحرافٍ عظيم تستبطنه نفس الإنسان؛ ذلك أنّه إنّما ينشأ عن الأنانيّة وحبّ الذات…»، (راجع: حكمت ومعيشت 1: 104).

([26]) يقول سروش ـ كما تقدّم سابقاً ـ في كتاب «إيدئولوژي شيطاني»: 126: «…كما أنّه لو كان هناك قيمة تنسجم مع عصرنا، ولكنّها كانت تتنافى مع الأيديولوجيا الإلهيّة، فإنّها لا يمكن أن تكون مقبولةً من ناحيتنا. هذا هو ملاك الحقّ والباطل بنظرنا…».

([27]) قد تقدّم في موضعٍ سابق نقل عباراته حول عدم وجود نتيجة واضحة، والوصول إلى نفق مسدود في ما يتعلّق باختلافات المتكلِّمين في هذا الموضوع.

([28]) سروش، آيين شهرياري: 164.

([29]) المصدر السابق: 136. وأيضاً: سروش، سياست نامه: 348، 380.

([30]) مجتهد شبستري، نقدي بر قرائت رسمي أز دين (نقد للقراءة الرسميّة للدين): 499.

([31]) المقصود هو خطاب أصحاب الرسالات الدينيّة.

([32]) المصدر السابق: 181.

([33]) شبستري، نقدي بر قرائت رسمي أز دين: 163.

([34]) سروش، قمار عاشقانه: 58.

([35]) يرى الكاتب ـ خلافاً لسروش ـ أنّ الإتيان بالعمل على أساس التعبّد والتسليم والانقياد المطلق لله عزَّ وجلَّ ليس فقط غير موجب للتقليل من المعاني العميقة للعمل، بل هو أيضاً يوجب تعميقه والارتقاء به أكثر، وتجسيد المعنى الحقيقيّ للعبوديّة والرقّيّة تجاه الله تعالى في هذا العمل. ومن هنا يصرّ نخبة من أهل السلوك كثيراً على لزوم الالتزام والتقيّد التامّ بظواهر الأحكام والآداب الشرعيّة، وعليه ليس صحيحاً على الإطلاق النظر إلى الاهتمام بالجوانب التعبّديّة للدين بوصفها العامل الذي يعزّز الاتّجاه القشريّ والسطحيّ والظاهريّ في الدين. وقد تقدّم في الأعداد السابقة من سلسلة المقالات هذه تحليل ودراسة نظريّة المتنوِّرين والمثقّفين الدينيّين حول التعبّد والتسليم، واستعرضنا بعض الشواهد من كتبهم التي تنسجم مع ادّعاء الكاتب هذا، وسيأتي أيضاً إشارة موجزة إلى ذلك.

)[36]( Legalism.

)[37]( Alienation.

([38]) سروش، أخلاق خدايان: 169.

([39]) سروش، سنّت وسكولاريسم: 141.

([40]) المصدر السابق: 144.

([41]) المصدر السابق: 146.

([42]) ملكيان، صحيفة إيران، العدد 1685 (13/9/79).

([43]) ملكيان، صحيفة إيران، العدد 1692 (21/9/79).

([44]) سروش، قمار عاشقانه: 58.

([45]) سروش، أخلاق خدايان: 169.

([46]) ملكيان، صحيفة إيران، العدد 1692 (21/9/79).

([47]) سروش، سياست نامه: 175، 339.

([48]) سروش، قصه أرباب معرفت: 44.

([49]) المصدر السابق: 35.

([50]) المصدر السابق: 36.

([51]) المصدر السابق: 41. وقد ورد في مقالةٍ أخرى للمؤلّف حديث عن الدعوى التي يدَّعيها هذا المفكّر والمتنوّر الدينيّ من أنّ الفقه هو من العلوم الدنيويّة، كما وردت الإشارة مراراً إلى طرح ذلك في مؤلّفات سروش وشبستري ـ تبعاً للغزالي ـ.

([52])  المصدر السابق: 53.

([53]) المصدر السابق: 47.

([54]) شبستري، نقدي بر قرائت رسمي أز دين: 162؛ وراجع أيضاً: 178، 182.