downloadfilmterbaru.xyz nomortogel.xyz malayporntube.xyz

نظرية الإلزام بالحجاب

تشييد الأدلّة وتفنيد حجج المعارضين

الشيخ سعيد ضيائي فر(*)

ترجمة: الشيخ كاظم خلف

تتخذ مسألة إلزام الدولة الإسلامية مواطناتها بالحجاب أهميّتها الخاصّة. من هنا ـ وكما عوّدت مجلّة الاجتهاد والتجديد قرّاءها ـ نطرح وجهتي نظر في هذا الموضوع لباحثين مرموقين في الحوزة العلمية؛ ليكون القارئ على اطلاع أكبر على الآراء الفقهية الجديدة المطروحة في هذا المجال. (التحرير)

مقدمة

{ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (النحل: 125).

 إن الدين الإسلامي دين ثقافة وسياسة، بحيث إن ارتباطه بالثقافة والقضايا الأخرى كارتباطه بالفلسفة، وهو يعطي الأولوية في الأهمية للوعظ والأخلاق. والأخلاق هي الجهة المانحة للدساتير الفقهية والحقوقية والسياسية([1]).

 وقد طرحت التربية الأخلاقية في الإسلام على أنها من الأهداف العالية للبعثة([2])، وتعد من الملكات والصفات الأخلاقية، وعرّفت على أنها من أهم العوامل في بناء شخصية الإنسان([3]). وعليه فإن تربية هذا البعد والساحة الإنسانية يجب أن يؤخذ على أنه من أهم العوامل والأسس في البعد الشخصي للإنسان. وعلى هذا الأساس، فالإسلام يعير «العفة» أهمية بالغة([4]) كإحدى الخصوصيات الأخلاقية الحميدة، ويؤكد على بسط وتحكيم «الحجاب» كأحد أهم الطرق لحفظ العفة في المجتمع الإسلامي([5]).

 ففي التثقيف وسن القوانين يروِّج الإسلام الحجاب كقيمة حميدة وبهية وسلوك معروف وواجب يجب أن يؤخذ به([6])، لكن هذا لا يعني أنه لم يتخذ تدابير حقوقية وقضائية في أي ظرف ـ حتى كخيار أخير ـ مقابل عدم العفة وعدم الالتزام بالحجاب. ومن وجهة نظرنا فإن اتخاذ الإجراءات الحقوقية والقضائية ليس هو الخيار الأول من بين الخيارات المطروحة، لكن لا نستطيع أن ننفيه كآخر خيار في موارد وظروف خاصة يجب علينا البت فيها. وبعبارة أخرى: لا نستطيع أن نقول من الناحية الفقهية: إن الدولة الإسلامية لا تستطيع تحت أي ظرف ـ كقضية سالبة كلية ـ أن تتخذ إجراءات حقوقية وقضائية تجاه هكذا مجرمين ومتخلفين، بل يبدو أننا نستطيع أن نجد أدلة تثبت هذا الحق للدولة الإسلامية، كقضية موجبة جزئية.

فما هي وظائف الدولة الإسلامية في مجابهة ظاهرة عدم الالتزام بالحجاب وعدم العفة، وما هي الحقوق والواجبات التي لها وعليها؟

للدولة الإسلامية ـ من دون أدنى شك ـ وظائف ملزمة بتأديتها. وهذه الوظائف نستطيع أن ننظر لها من ناحيتين: الناحية الأولى: الوظائف العامة التي تقع على عاتق النظام الإسلامي، ويجب أن يعمل بها تحت أي ظرف؛ والناحية الثانية: الظروف الخاصة التي تحتم على الدولة أداء وظائف خاصة.

1ـ وظائف النظام الإسلامي الأصلية

المراد من الوظائف الأصلية الشيء الذي يجب أن يتبعه النظام الإسلامي كقاعدة أولى. ووظيفة الدولة الإسلامية الأصلية هي العمل على إعداد أو كتابة أو تدوين برنامج جامع ومنظم يسير عليه الناس, لكن هذا لا يعني أن تغفل وظائفها المهمة الأخرى، كالتبليغ، وإسداء النصائح، والإشراف العام. ويبدو أن الحجاب الشرعي والحفاظ على العفة لا يحصل إلا إذا دوّن برنامج شامل ومختص يُعمل به كمنظومة وبتنسيق كامل.

أـ تدوين برنامج جامع ومنظم

من أول وأهم وظائف الدولة الإسلامية في مجال الحجاب تدوين برنامج جامع ومنظم يشمل كل آحاد وفئات المجتمع، ويشجع الناس على رعاية هذا الأسلوب في منظومة منسقة. وعلى أثره يجب أن تهيئ الدولة جواً وأوضاعاً مناسبة بحيث تشجع الأفراد على رعاية الحجاب وحفظ العفة عملياً. ومن مقدمات تهيئة هذا الوضع التثقيف وترسيخ القيم، بحيث يحوز الحجاب والعفة على مرتبة عالية في المجتمع, وكل من يحترم العفة والحجاب يحظى بمنزلة اجتماعية عالية واحترام أكبر وتقدير أكثر([7]). وفي المقابل من لا يحترم العفة ولا يوفّي الحجاب حقه لهم منزلة أدنى، وإذا أصروا على عملهم يعاملون بلا مبالاة واحتقار في المجتمع([8]). ومن المؤكد أنه في أوضاع كهذه يتشجع من يهمه شيوع القانون, وعدم التصادم، ومراعاة تطبيق الأحكام الاجتماعية، لحفظ جوهر العفة وصدف الحجاب؛ لأن أقلَّ تأثير في مجتمع كهذا من ناحية الاعتقاد بحفظ جوهر العفة وصدف الحجاب أنفعُ وأقلُّ كلفة، وفي المحصلة النهائية تكون أوفر لهم. ونلاحظ أن هذا الوضع سيهدي من يعمل على أساس المنفعة والفائدة ـ بحسب طريقته وخلقه واختياراته ـ إلى هذا الهدف؛ إذ لا يمكن لهذه الشروط والأوضاع أن تتحقق بسبب الإمكانيات والعوامل المخلة في المجتمع, وعلى المخططين أن يسعوا للتوصل إلى أوضاع لا ينظر فيها إلى حفظ جوهر العفة وصدف الحجاب كأمر باهظ الثمن وعديم الفائدة. وعلى سبيل المثال: إذا حافظ أحد على حجابه بدقة، أو اختار الحجاب الأفضل (العباءة)، لا يصادف نظرة سلبية أو نظرة تقلل من أهميته في المناسبات الاجتماعية. ونحن نرى ـ مع الأسف ـ هذه النظرة اليوم في بعض المناسبات الاجتماعية, بل الأسوأ أن توجد هذه النظرة في بعض الأفلام التلفزيونية بطريقة مرموزة أيضاً. فيولِّد استمرار هذه البرامج فكرة جديدة عند أفراد المجتمع، ويطرح هذا القلق على مستقبل الحجاب للأوفياء للحجاب: «إلى أية مرتبة وفضيلة وصلنا, وقد حافظنا على حجابنا؟». وهذا تحذير للثقافة الدينية([9]).

 

أساسيات تدوين برنامج جامع ومنظم

لتدوين برنامج جامع ومنظم يجب أن نعرف أهداف الإسلام المرتبطة بالعفاف والحجاب بشكل مدروس ودقيق، ومن جهة أخرى يجب الاطلاع على العوامل المضاعفة لعدم الالتزام بالحجاب بطريقة ممنهجة، كي نستطيع الوصول إلى برنامج جامع ومنظم وعملي. لهذا يجب أن نوضح هذين العاملين:

1ـ اكتشاف الترابط بين الحجاب والأهداف العامة الأخرى

المسألة الأولى التي يجب أن نبحث فيها هي: ما هي أهداف الإسلام في مجال العفاف والحجاب؟ هل هي فقط الصيانة الاجتماعية، والتربية الأخلاقية، وتحكيم أسس الحياة العائلية، وضمان السلامة النفسية، وتكريم المرأة والامتناع من الوقوع في ورطة الابتذال، أو أن هنالك أهدافاً أخرى مطروحة أيضاً؟ وهل لدى الإسلام أهداف عديدة بالنسبة إلى الحجاب والعفة أو لديه هدف واحد؟ وإذا كان يتبع أهدافاً متعددة فما هو الارتباط والنسبة بينها؟ هل هذه الأهداف طولية، بحيث يكون الهدف في خدمة الهدف الآخر، أو أنها مستقلة وفي عرض بعضها، بحيث ينظر إلى كل منهم كهدف مطلوب ونهائي، أو أنها في عين الاستقلال ولديها رابطة قريبة ومتداخلة، بحيث لا نستطيع أن نأخذ واحداً منها دون الآخر؟ وما هو ارتباط أهداف الإسلام بالنسبة إلى الستر مع أهدافه بالنسبة إلى المجالات الفردية والاجتماعية؟ وما هي رابطة أهداف الإسلام بالنسبة إلى الحجاب والستر، وبناء الشخصية وتربيتها؟ وما هو دور الستر والحجاب في تقرب الإنسان من الله سبحانه وتعالى، وبالعكس؟ وما هو تأثير الأحكام الأخرى، كالأحكام العبادية (وخاصة الصلاة)، في منع عدم الالتزام بالحجاب وقلة العفة من الناحية الاجتماعية؟ وما هو ارتباط الستر مع أهداف الإسلام بالنسبة للاقتصاد، والسياسة، والعائلة و…؟ وهل الإسلام ملتفت بالنسبة إلى تحريم الرعونة؟ وهل أن الرعونة تسبب ضعف القوى الاقتصادية والأخلاقية في المجتمع أو أنها تضر بالعلاقات السليمة في هذا المجال؟ وهناك أسئلة كثيرة أخرى تطرح في مجال السياسة، والعائلة، وغيرها.

 والحقيقة أنه  ليس هناك تحقيق عميق وجامع في هذا المجال([10])، ولم يُردّ على أسئلة كهذه بصراحة وواقعية. ولهذا يبدو أن التحقيق المدروس والعميق ضروري في هذا المجال.

2ـ اكتشاف المؤثرات السلبية والإيجابية في الالتزام بالحجاب

 من البديهي أن كل ما هو مستهجن في تصرف الشخص وأثره على المجتمع يكون معلولاً لعوامل موجدة ومشددة، ومن الطبيعي أنه من دون التعرف الدقيق والعميق على هذه العوامل لا يمكن أن يكون التصرف ذكياً وعلمياً. فالتعرف على العوامل المسببة للتصرف المستهجن في الشخص أصعب بالنسبة إلى المهاجر الاجتماعية؛ لأن العوامل المؤثرة على المجتمع لديها تنوع وغموض أكثر، وتؤثر عليها الأحوال الزمنية، والمحيطية, والثقافية، والقومية، و…، فيكون تأثيرها خاصاً. لذا تحتاج إلى تحقيق مدروس ودقيق أكثر. ففي هذا المجال يجب أن نسعى إلى تعيين العوامل المختلفة للتعرف على المهاجر، وتعيين مقدار تأثيرها، بالبحث والتدقيق الشامل (السياسي, الاقتصادي، التربوي, النفسي، الاجتماعي، و…). كما يجب أن نميز العوامل الداخلية والعوامل القابلة للوصول والمراقبة عن العوامل الخارجية غير القابلة للوصول، والعوامل غير القابلة للمراقبة المستقيمة, والعوامل الأكثر تأثيراً والأقل منها تأثيراً. وفي الجهة المقابلة يجب أن نميز العوامل القابلة للمنافسة والتبديل، والعوامل المضادة والمؤثرة على العوامل الموجدة للمهاجر الاجتماعية، ونبين ميزان التأثير على كل واحد منها بدقة ونظام.

 

ب ـ التوعية والتثقيف

إن إحدى وظائف النظام الإسلامي الأخرى في مجال العفة والحجاب توعية الناس بالنسبة إلى فوائده وآثاره الفردية والاجتماعية. ويجب أن لا نكتفي بالتوعية السطحية، بل يجب أن نجعلها ذاتية، ونوسع رقعتها، حتى تتفتح بصيرة الناس. ويبدو أن التوعية الصحيحة والاستفادة من الأساليب والأدوات العصرية لهما دور مؤثر ومفيد في هذا المجال، كما تهدينا المباني والتعاليم الإسلامية في توضيح هذا الأمر, لذا خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان موجوداً عالماً وحراً, وهذه الخصلة تميزه عن المخلوقات الأخرى. وعليه فإن الخطوة الأولى لتحفيز الإنسان، وخلق الشعور في اختيار الأفضل؛ للوصول إلى المطلوب في نفسه، هو العمل على رفع مستواه في التوعية وتثقيفه في هذا المجال. فالمطلوب إذاً هو تعميم رعاية الحجاب والعفة في المجتمع، ومن أجله يجب أن ننير بصيرة الناس وثقافتهم من جهة، وأن نظهر لهم عواقب ومساوئ الاستهتار وقلة العفة بصورة ملموسة وواضحة من جهة أخرى، كي يختاروا العفة والحجاب بقناعة وحرية، ويمتنعوا عن عدم الالتزام بالحجاب والعفة. وحينئذ نرى المجتمع يخطو نحو نمو ورقي الشخصية الإنسانية بقناعة وحرية تامة. ومن الواضح أنه كلما اقترن العلم بالعمل وشفع بالحرية يكون ذا قيمة بالغة، ومؤثراً في نمو ورقيّ شخصية الإنسان.

ولكن من المؤسف أن هذه الثقافة لم تكن في المستوى المطلوب، ولم يُستَفَد من الأساليب الجذابة والبناءة في هذا المجال. وعلى هذا الأساس فإن كثيراً من الزوايا الخفية والآثار وفلسفة الأحكام الإسلامية لم تبين بوضوح، وعلى أثر هذا فقد عد الإمام الخميني& عدم توضيح وإدراك الفلسفة الحقيقية لكثير من الأحكام الإسلامية من أكبر الأمراض التي أصابت المجتمعات الإسلامية([11]).

 إضافة لذلك فإن الإنسان العصري قد زادت معلوماته، فهو لا يقاس مع إنسان القرون الماضية، ومن جهة أخرى فقد أثرت الثقافة التي تعرض عن طريق وسائل الإعلام ـ عالمية كانت أو محلية ـ على ذلك الإنسان، وأوجدت فيه أنه للعمل بأي دستور أو قانون يجب أن يكون على علم بآثاره وفلسفته المطلوبة، ويعمل على مدى إدراكه وتصميمه لهذا الدستور أو القانون، ولهذا فإنه من غير المتوقع من الإنسان المتدين العصري أن يكون كآبائه وأجداده الأولين يعمل بالأحكام الدينية فوراً، بدون أن يطّلع على آثارها وفوائدها الإيجابية. إذاً فإن أحد شروط المجتمع الإسلامي اليوم ـ خصوصاً عندما نأخذ بعين الاعتبار الهجوم الثقافي من قبل المجتمعات الغربية والدول غير الإسلامية بوسائل الإعلام والطرق الدعائية ـ تبيين الفلسفة والآثار الإيجابية للأحكام الإسلامية. وهنا يجب أن نعترف أن أساليب الثقافة في الدولة لم تؤدَّ على الوجه المطلوب. ومن واجبهم أن يوضحوا آثار الأحكام الإسلامية الإيجابية بعقلانية متناسبة مع مستوى فهم الطبقات المختلفة. فربما تحتاج في بعض الموارد إلى بيان الفلسفة والآثار الإيجابية للأحكام بإقامة أدلة لإقناع الأذهان المتسائلة والباحثة. وربما يكون من الضروري أن نجيب على شبهات الجماعات الأخرى بطريقة علمية استدلالية. إذاً من وظائف الثقافة أيضاً توضيح الأحكام الإسلامية لكل الفئات الفكرية والقانونية في المجتمع بوعي واستدلال منطقي وعقلائي، لتلين قلوبهم وتتغير أفكارهم حول الإسلام، خصوصاً إذا ما استخدمت في هذا المجال الطرق الفنية والتبليغية بلغة القصص أو الفيلم أو المسرحية والأناشيد؛ لتصوير الآثار الإيجابية للعمل بالأحكام الإسلامية، ومن ناحية أخرى يجب أن يتفهموا الآثار السلبية لبعض الأعمال.

ج ـ استخدام أساليب الترغيب والجذب

 في المرحلة السابقة أشرنا إلى إحدى وظائف الدولة المهمة وهي الارتقاء ببصيرة الإنسان، وقد بينا أن هذه الطريقة هي الطريقة المثلى والطبيعية لتهييج الإنسان نحو المطلوب، لأنها تتكئ على البعد العقلاني الذي هو أوسع وأعلى بعد في الإنسان. ومع هذا فالإنسان ليس موجوداً في بعد واحد أو منحصراً ببعد عقلائي, بل إن بعد العاطفة والإحساس من أهم أبعاد وجود الإنسان؛ إذ كما يؤثر ارتقاء مستوى الفهم والبصيرة وتقوية الساحة العقلائية في الإنسان فإن جلب الميول العاطفية والأحاسيس لديه تعتبر من العوامل المهمة في تنشيطه أيضاً، حتى أننا نستطيع أن نقول: إن هذا البعد له تأثير كبير في حياة الأفراد. وعليه نستطيع أن نؤثر على أذهان الأفراد بالطرق الأخلاقية والتبليغية أكثر من الطرق المنطقية والاستدلالية. وهناك الكثير  من الناس الذين يقتـنعون من الناحية العقلية والمنطقية بالنسبة إلى فائدة العمل، وحتى ضرورته، ولكنهم لا يعملون بها؛ لأن قلوبهم وأحاسيسهم لا تطاوعهم. وفي المقابل هناك من يعمل بها تبعاً لأحاسيسه ومتطلبات نفسه، وإن لم تقتنع عقولهم، أو حتى في بعض الأحيان ليس لديهم أي استدلال عقلي معارض لهذه المسألة. لهذا يجب أن تلين قلوب الناس وتنجذب تجاه الأحكام والقوانين الدينية. والتشجيع واستخدام الأعمال الفنية في التوعية لهما أكبر الأثر في هذا المجال. كما أنه لا يوجد بديل للتبليغ العملي.

 

د ـ النصيحة المشفقة والحاذقة

كما أن للإنسان بعد عقلائي يؤثر في كثير من قراراته فكذلك يعتبر البعد الحسي والعاطفي من أهم العوامل التي تؤثر تأثيراً أساسياً في حياة كثير من الناس. ومن الملاحظ في الدين الإسلامي وجود النصيحة التي تؤدّى بطريقة عطوفة وحاذقة موازية للدعوة والتبليغ الحكيم. فالإسلام عدو للذنب، ولكنه حبيبٌ للمذنب. ولذلك يسعى بكل عطف ورحمة أن ينجي الذين تلوثوا بالمعاصي مما تورطوا فيه. والقرآن الكريم يوضح في آياته الشريفة أن الله سبحانه وتعالى يحب التوابين([12]). وورد في الروايات أن الله عزّ وجل يحب المذنبين، ويحب أن تقع الفرقة بين المذنب وذنبه. وعلى هذا الأساس فالروايات تبين أن الابتعاد عن المعاصي له آثار إيجابية، فقد ورد: إذا تاب العبد المؤمن توبة نصوحاً أحبه الله، وستر عليه في الدنيا والآخرة([13]).

 ويوصي علماء الفقه والأخلاق بطريقة النصيحة على أساس هذه التعاليم. وكمثال على ذلك يقول الإمام الخميني&: «حري بالآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يكون كالطبيب المشفق المداوي، والأب العطوف، متوجهاً إلى مصلحة المذنب، وأن يكون إنكاره من اللطف والرحمة على المذنب بالأخص، وعلى عموم الناس بالعموم»([14]).

 والواقع هو أن هذه النظرة إلى المذنب بصورة عامة، ولغير الملتزم بالحجاب بصورة خاصة، ضعيفة عند المتدينين والناصحين لدينا، حيث نستطيع أن نعده ضرراً على ثقافة المتدينين، فهناك فاصلة عميقة بين الثقافة الدينية الأصيلة (الثقافة رقم 1) والثقافة الرائجة والمألوفة عند كثير من المتدينين (الثقافة رقم 2). فنظرة الثقافة الدينية الأصيلة إلى المذنب لا تقلل من التقابل بينه وبين الناصحين فحسب, بل في بعض الأحيان تصل بينهما إلى نقطة الصفر, حتى من الناحية النفسية، فإنها تكون سبباً في تقوية الإحساس بالاطمئنان عند المذنبين بالنسبة للناصحين، وبالتدريج يصبح المذنب معهم في نفس الجهة. وهذه النظرة تجعل المذنب يحس أنه محبوب لدى الناصح، وتفتح المحبة طريق الاطمئنان له، ومن ناحية أخرى لا تجعل الناصح يشعر تجاهه بالحقارة، بل تعطيه إحساساً بأنه ذو شخصية، فالإحساس والشعور بالشخصية تفسح له المجال كي يهتدي إلى الطريق الصواب.

لهذا يجب أن يكون الاهتمام بهذه المرحلة جدياً كالمرحلة السابقة؛ لما لها من دور أساسي وإصلاحي. ومن ناحية أخرى فإن النظرة غير الصحيحة والاستفادة غير المناسبة لا تأتي بالنتيجة المطلوبة، بل تفضي إلى نتيجة عكسية. كما أنه إن لم نجتز هذه المرحلة لا تتم الحجة، ولا نصل إلى مرحلة الإجراء القانوني.

هـ ـ الإشراف العام

هناك وظيفة أخرى للنظام الإسلامي، وهي «إيجاد مؤسسة للإشراف العام». إن الرقابة العامة في الإسلام اقترحت على أنها إحدى الأصول المهمة والمقدسة، وتعتبر أيضاً من وظائف الشعب ومهام الدولة.

 ومن الملفت للنظر أن الدولة لا يجب عليها أن تقوم بهذا العمل المهم فحسب، بل يجب عليها أن تهيئ له مقدمات، بحيث إن هذا الشيء المهم في المجتمع يصبح أساسياً، وسنة يُسار على أساسها، وسيرة عامة؛ كي تُضمن السعادة والسلامة في المجتمع.

 ومن المهام الوظيفية المهمة والمقدسة لتلك الرقابة «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر». وتعتبر في الإسلام النظارة العامة. وقد وردت آيات وروايات متعددة تبين دورها ومقامها في سلامة المجتمع، وحفظ أهداف الدين، والدفاع عن أحكام الشريعة, حتى أنه يستفاد من بعض الآيات والروايات، بالإضافة إلى هذه المهمة، أنها تطرح الرقابة على أنها مؤسسة اجتماعية وسياسية([15]).

لقد استعرضنا  في هذا القسم خمس وظائف للدولة في مواجهة ظاهرة عدم الالتزام بالحجاب وقلة العفة([16]). ويظن الكاتب أنها من واجبات الدولة الأساسية. وإنْ لم تقم بإنجازها بإتقان، وتستفيد من كل الإمكانات والظروف المهيأة لها، فلن يوجد مجال للمواجهة الحقوقية والقانونية.

2ـ الخيارات الإسلامية الخاصة والاستثنائية

 المراد من الخيارات الخاصة والاستثنائية تلك الأمور التي وضعها الشارع طبق شروط خاصة، خلافاً للقاعدة. ففي هذا القسم نحقق في السؤال التالي من الناحية الفقهية، وهو: هل للدولة الحق في مواجهة الأشخاص غير الملتزمين بالحجاب بالقانون والقوة الملزمة أم أنه لا يوجد لها مثل هذا الحق من الناحية الفقهية أو القانونية في أية حالة من الحالات؟

والجواب على مثل هذا السؤال يتوقف على البحث في الأدلة التي توجد في هذا المجال، أو من الممكن توضيحها. لكن يجب أن نذكر عدة نقاط لتوضيح موضوع البحث:

النقطة الأولى: في بعض الأحيان يكون السؤال عن وظيفة الدولة في حال عدم الالتزام بالحجاب، فمن وظيفة الدولة أن تستفيد من طرق المواجهة القانونية والقضائية؛ وفي بعض الأحيان يكون السؤال عن حق واختيار الدولة في الاستفادة من هذا الطريق، فبحثنا في هذا القسم هو الفرض الثاني.

النقطة الثانية: هناك من يعتقد أن حق الدولة كموجبة كلية وغير مشروطة بشروط خاصة، وهناك من يعتقد أنه كموجبة جزئية وفي أجزاء خاصة. وباعتقادنا أن حق الدولة لا يثبت كموجبة كلية، ومما لدينا من الأدلة نستفيد أنه بعد انقضاء مراحل معينة وظهور شروط خاصة يثبت هذا الحق للدولة.

النقطة الثالثة: المراد في هذا القسم أن التدقيق في حكم المسألة على أنه حكم أولي، ولكن بسبب عدم الالتزام بالحجاب تسبب بظهور عنوان ثانوي، مما يبعث على الخروج من مجال بحثنا.

النقطة الرابعة: إن استخدام الطريقة الحقوقية والقضائية في بعض الأحيان تسبب مفاسد ونتائج سلبية أكبر، بحيث إنها تتفوق على تنفيذ هذا الحكم. ففي هذه الظروف، وعلى أساس قاعدة الأهم والمهم، وإلى أن تتوفر مثل هذه الشروط، لا ينفذ الحكم، وهذا الموضوع أيضاً خارج عن بحثنا؛ لأن تشخيص النتائج ومقارنة المصالح والمفاسد في مقام التنفيذ بحث آخر، ولديه ضوابط أخرى أيضاً. فتعيين ضوابطه تتم ببحث أصولي، وكذلك تشخيص الأهم من المهم في التكاليف الفردية تقع على عهدة المكلف، وفي الأحكام الاجتماعية تقع على عهدة ولي الأمر والمراجع والمنظمات القانونية.

بعد أن وضح هذا البحث نبحث الأدلة التي أقيمت لهذا الموضوع، أو التي من الممكن أن تبحث على ضوئه.

 

أدلة نظرية الإلزام الحكومي بالحجاب

1ـ الإجماع

 ادعى بعض الفقهاء الإجماع([17])، أو نفي الخلاف([18])، في مسألة جواز التعزير لترك أي واجب أو فعل حرام.

لكن لا نستطيع أن نعتبر هذا الادعاء دليلاً مقنعاً ويعتمد عليه لهذه المسألة؛ وذلك للأسباب التالية:

 1ـ إن هذه المسألة نادراً ما طرحت في كلام الفقهاء قبل طرحها في الفقه  التفريعي([19]).

وقد جاءت على لسان الفقهاء في زمن الفقه التفريعي([20]) أكثر من ذي قبل، وذلك على أساس الرأي المختار والمشهور بين المتأخرين. والإجماع والشهرة المعتبرة وجدت قبل تدوين الفقه التفريعي، أي قبل كتابة «المبسوط» بيد الشيخ الطوسي، وليس بعده.

2ـ الشرط الثاني لاعتبار الإجماع والشهرة هو أن لا يوجد نص في المسألة المطروحة، ففي حالة وجود دليل أو نص في مسألة ما فمن المحتمل أن يستند عليه الفقهاء في فتواهم، والإجماع ذو الدليل الشرعي أو محتمل الشرعية ليس له أي اعتبار بما هو إجماع، بل يجب أن يقارن بالدليل النصي الذي استـند عليه الفقهاء، فإن كان هذا الدليل تاماً، بحيث يستند على دليل وحكم شرعي فبها، وإلا فلا يمكن الاعتماد على الإجماع والنص كدليل؛ لأنه في هذه المسألة توجد أدلة ونصوص من المحتمل أن يستند عليها المجمعون، ولهذا لا يوجد إجماع تعبدي يكشف عن رأي المعصوم.

 

2ـ سيرة المعصوم([21])

 قد عُيِّن في الشريعة حدٌّ للتخلف عن بعض الواجبات والمحرمات، ولكن لم يعين لكثير منها أية عقوبة. ومع هذا نلاحظ أن المعصوم كان يعاقب المتخلفين في هذا المجال. وهذا الأمر يبين لنا أن الأصل في إيقاع العقوبة على المتخلف في نفس الوقت الذي أدى به ذلك التخلف عن الواجب والحرام، وهذا أمر جائز ومشروع؛ وذلك لأن المعصوم لا يرتكب أمراً غير مشروع([22]).

وهنا يمكن أن يواجهنا إشكال، وهو أن الذنوب التي يعاقب عليها المعصوم ذنوبٌ متعددةٌ، وفعل المعصوم يبين أن المجازاة على هذه الذنوب الخاصة جائز، ولكن لا يمكن إثبات أنه يعيِّن للذنوب الأخرى عقوبة أيضاً. وبعبارة أخرى: إن الانتقال من عقوبة ذنب إلى عقوبة ذنب آخر نوع من القياس الممنوع عند الإمامية. بالإضافة إلى أن الفعل ليس له لسان، ولا ندري ما الذي أخذه المعصوم بعين الاعتبار لفعله. ولهذا فإن الدليل أخصُّ من المدَّعى.

وفي جواب الإشكال الأول يجب أن يقال: في بعض الأحيان نريد أن نثبت أصل الجواز في مجال الأحكام الجزائية غير المنصوصة. وبدون أدنى شك إذا ثبت فعل المعصوم في أحد الموارد فإنه يثبت في الموارد الأخرى؛ لأنه ليس من المحتمل أن يكون هناك فرق بين الموارد المنقولة في الروايات والموارد الأخرى. والقياس الممنوع كذلك لا يشتمل على الموارد التي نصل إليها عن طريق إلغاء الخصوصية أو تنقيح المناط بملاك الحكم، كما درسنا هذا الموضوع في محله. لذلك فإن الاستناد على الظهور أو عدم الفرق يوجد به قطع واطمئنان([23]).

 وفي بعض الأحيان نريد أن نثبت مقدار العقوبة في مورد خاص قد عينه المعصوم للموارد الأخرى. وفي هذه الحالة لا يمكن أن نصل إلى القطع عن طريق عدم الفرق بين الموارد التي ذكرت في الرواية والموارد الأخرى. وبالإضافة إلى ذلك فإن الموارد التي ذكرت إذا لم يعين الشارع لها حدّاً خاصّاً فإن فعل المعصوم لن يكون من باب تبليغ الحكم الإلهي من الأصل، كي يقال: إن تعميمه من مورد إلى آخر قياس، بل إنها من الموارد التي فوضت إلى الإمام كحاكم.

وأما في الجواب عن الإشكال الثاني فنقول: إن الفعل من حيث هو فعل لا يدل على حكم خاص، كالوجوب والحرمة، لكن يدل على أصل الجواز بالمعنى العام([24]). وقد ثبت في علم الكلام أن دائرة العصمة واسعة وممتدة، والمعصوم ليس فقط في مقام تبليغ الأحكام، بل في مقام العمل بتلك الأحكام أيضاً([25]). إذاً بطريقة طبيعية يثبت جواز هذا الفعل للمعنى العام.

3ـ اهتمام الإسلام بحفظ النظام الاجتماعي

 قد أظهر الإسلام اهتماماً شديداً بالنظام الاجتماعي، حيث إنه في بعض الأحيان تراجع عن إجراء أحكامه بسبب الإخلال بالنظام الاجتماعي. ومن خلال الروايات نرى ذلك التوجه أيضاً. وقد استند الفقهاء على هذه الروايات التي تشير إلى الإخلال بالنظام الاجتماعي في فقههم. إذاً إذا كان العمل الحرام يخل بالنظام الاجتماعي، ويستحق صاحبه العقاب، ففي هذه الحالة إذا كان العمل مباحاً ولكن كان علة في اختلال النظام الاجتماعي فإن صاحبه يستحق عليه العقوبة أيضاً. وبناءً على هذا فإن تعيين العقوبة للذنوب التي تخل بالنظام جائز بطريقة أولى([26]). وفي هذه الحالة نستطيع أن نعين لعدم الالتزام بالحجاب في الأوضاع التي تخل بالنظام الاجتماعي عقوبة وجزاء.

ومع هذا فإن هذا الدليل أخصُّ من المدَّعى، ويثبت جواز تعيين العقوبة على المذنبين وفق شروط خاصة تؤدي إلى الإخلال بالنظام الاجتماعي، لكنَّ المدَّعى جواز تعيينها عقوبة لعدم الالتزام بالحجاب حتى لو لم يسبِّب إخلالاً بالنظام.

4 ـ اهتمام الإسلام بتحقق أهدافه وتنفيذ أحكامه

بما أن الشارع المقدس ومؤسس الدين الإسلامي قد اهتم بإبلاغ أهداف ذلك الدين وأحكامه فقد اهتم اهتماماً شديداً بإجراء تلك الأحكام. وبما أن قوام الإمامة التكفل بتفسير الدين وبيانه للناس فهي أيضاً مسؤولة عن تنفيذ أحكامه وتحقيق أهدافه. وقد دلت على ذلك الأدلة([27]). وبالإضافة إلى هذا فقد أنشئت منظمات، كمنظمة الحكومة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغيرها من المنظمات، لتبين اهتمام الإسلام بتنفيذ الأحكام بوضوح، والاهتمام الشديد بجواز تعيين العقوبة للمخالفة العلنية، كالمجاهرة بالأكل أمام الناس في شهر رمضان، أو المجاهرة بشرب الخمر، وغير  ذلك.

 

5 ـ قاعدة اللطف

قاعدة اللطف هي إحدى القواعد الكلامية لدى المذهب الإمامي([28]). ووفقاً لهذه القاعدة فإن الرحمة الإلهية واللطف الإلهي اقتضت بعث الأنبياء والرسل؛ ليوضحوا للناس التشريعات والقوانين الإلهية. كما اقتضت نَصْب الأئمة لذلك. ومقتضى اللطف الإلهي تهيئة أرضيةٍ صالحة لأداء الواجبات وترك المحرمات([29]). وعليه فإن واجب الدولة الإسلامية أن تهيئ الأرضية المناسبة, وتوفر الأوضاع اللازمة، للعمل بهذه الأوامر الإلهية والسنن الأخلاقية. كما يقتضي هذا اللطف الدعوة إلى الحجاب والعفاف ومنع التظاهر بعدم الالتزام بالحجاب. وتستطيع الدولة استناداً إلى قاعدة اللطف أن تسُنّ قوانين وتفرض عقوبات على المتخلفين عن الالتزام بالحجاب وعدم العفة. وبهذه الطريقة تقرب الناس إلى الطاعة وتبعدهم عن المعصية.

ومن الواضح أن هذا الدليل مبني على آخر مرتبة من مراتب اللطف. ويعتقد البعض أن اللطف اللازم في حدود إيضاح الأحكام والأوامر الإلهية؛ والبعض الآخر يعتبر اللطف لإجراء الأوامر الإلهية؛ وهناك من ذهب أكثر من هذا، حيث ذهب إلى أن جعل اللطف لازمٌ للأحكام الجزائية. وهذا الدليل يستند إلى لزوم جعل اللطف في المرتبة الأخيرة. وبنظر الكاتب فإن دليل اللطف لديه القدرة على إثبات المرحلة الأخيرة منه، وإن كان هناك بين مراحل قاعدة اللطف مراحل عقلية، كأن تمهد ثقافياً أن يكون لها الكفاءة، بأن يكون من اللطف أن لا يصل الجزاء إلى حد العقوبة.

6ـ الفلسفة الوجودية للدولة الدينية

 فلسفة الحكومة في المجتمعات العرفية هي فقط لإثبات المنظومة الاجتماعية([30])، ولكن الحكومة في الفكر الإسلامي لديها فلسفة أخرى، بالإضافة إلى تثبيت النظم، وهي التمهيد وتهيئة الأوضاع والقيم، وتنفيذ الأحكام الدينية. ويعتبر القرآن الكريم أن إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من آثار وبركات اقتدار المؤمنين الطبيعية، التي من أحد مصاديقها اتخاذ الحكم([31]). وفي وصايا رسول الله‘ إلى بعض الولاة وعمال الحكومات يذكرهم بأهداف الحكومة الإسلامية([32]). ويعتبر أمير المؤمنين× أن تنفيذ التعاليم الدينية وتأدية الحدود الإلهية أحد أهداف الحكم([33]).

 ولهذا فإن مقتضى الفلسفة الوجودية للحكومة الدينية هو تنفيذ الأهداف وأحكام الدين؛ لأن الفلسفة الوجودية هي العلة الغائية التي يرتبط بها وجود أو عدم وجود الحكم. ويلزم هذه الفلسفة الوجودية التثقيف وتثبيت الأسلوب الحسن في المرحلة الأولى، وأيضاً تثبيت هذا الحق للدولة، بأن يكون لها حق اللجوء إلى القانون في المراحل الأخرى. ويمكننا القول بعبارة أخرى: إن هذا الدليل في المرحلة الأولى يضع وظيفة التمهيد الثقافي على عاتق الدولة, وإن لم يفلح هذا الحل فعلى الدولة أن تستخدم المجابهة الحقوقية والجزائية.

 

7ـ قاعدة: العقوبة لكل ذنب

 يستنتج من بعض الروايات أن الله سبحانه وتعالى قد جعل لكل تخلف عن الواجب أو فعل حرام عقاباً. فقد جاء في إحدى الروايات المعتبرة: إن الله تبارك وتعالى لم يدع شيئاً تحتاج إليه الأمة إلا أنزله في كتابه وبيَّنه لرسوله، وجعل لكل شيء حداً، وجعل عليه دليلاً يدل عليه، وجعل على من تعدى ذلك الحد حداً([34]).

والذي يستفاد من هذه الرواية أن الله عز وجل جعل ضابطاً وإطاراً، وعين عقاباً لكل من يتعدى ذلك الإطار الذي وضعه الله كحد فاصل بين الجزاء والعقاب([35]).

 ولكي نقرب الاستدلال بهذه الرواية نقول: إن الحجاب والستر أحد الأطر والقوانين والدساتير الإلهية الإلزامية([36])، ولمن لم يتخذ هذا الواجب كقانون واجب التطبيق حدٌّ؛ حسب مقتضى ذيل تلك الرواية: «وجعل على من تعدى ذلك الحد حداً». إذاً الرافض لتك القوانين يستحق العقوبة. وفي الوقت الذي يكون فيه العقاب الإلهي ثابتاً في حقه فمن الطبيعي أن للدولة الحق أن تقوم بتنفيذ الحكم بحقه([37]).

ومن الممكن أن ينشأ إشكال في هذا التقريب، وهو أنه في هذا التقريب تكون العقوبة للتخلف عن كل واجب وفعل حرام. ولكنّ الحقيقة أنّ المسألة ليست بهذه الصورة؛ إذ نسأل: ما هو المراد من «كل شيء» في جملة «وجعل لكل شيء حداً»؟

ويظهر لنا في هذه القطعة عدة احتمالات، وهي:

الأول: كل أفعال الإنسان، أعمّ من أن يكون لها حكم إلزامي أو حكم ترجيحي، أو يكون فاقد الاثنين.

ومن المؤكد أنه ليس بهذا المعنى؛ لأنه لا يتفق مع الجملة التي تليها: «وجعل لمن تعدى ذلك الحد حداً»، فيلزم القول: إن التخلف من الحكم الترجيحي (إن كان المكروه هو راجح الترك، أو المستحب هو راجح الفعل) تقع عليه العقوبة. وهذا أمر واضح الفساد.

الثاني: إن كل الأفعال الملزمة من ناحية الشريعة إن كانت واجبة فهي لازمة الفعل وإن كانت حراماً فهي لازمة الترك.

وهذا الاحتمال مرفوض أيضاً؛ لأنه قد عين في الشريعة حداً لتك الذنوب، وهي معدودة، كالزنا واللواط والسرقة و…

وبعد أن بطل هذين الاحتمالين يبقى احتمال واحد، وهو حسب وجهة النظر المطروحة صحيحاً, وهو أن يكون المراد منها الذنوب الخاصة التي يقع الحد الواجب عليها. بالإضافة إلى أن الشواهد الخارجية تؤيد هذا الاحتمال، وهي هذه الجملة في ذيل رواية أخرى: إنّ شخصاً قد ارتكب ذنباً ذا حدٍّ([38]).

 إذاً هذه الرواية لم تعين عقوبة للعصيان في كل حكم إلزامي، كي يقال: إن إحدى الأحكام الإلزامية هو الحجاب، وتستطيع الدولة أن تعاقب من تخلف عن هذا الأمر الإلهي. فيجب أن يقال في الإجابة: ليس المراد من الرواية الذنوب التي يقع عليها الحد؛ لأنها تصبح قضية بشرط المحمول، وسوف يصبح معناها أن الله سبحانه وتعالى وضع لكل ذنب ذي حدٍّ حدّاً، ولا يعقل أن يتفوه العاقل بهذا، فكيف يمكن أن يتفوّه الإمام المعصوم ـ الذي هو فوق العلماء في الحكمة والعلم ـ بهذا. ومما يسبب الالتباس في التعبير هو خلط المعنى العام اللغوي بالمعنى الخاص المصطلح، ففي زمن الصدور كان معنى الحد في اللغة والعرف عاماً, وقد استعمل آنذاك في العقوبات الخاصة التي وصفت للذنوب الخاصة، كالسوط للزنا، وقد أصبح مع مرور الزمان يستعمل في هذا المعنى الخاص في الفقه، وأصبح من المصطلحات الرائجة، ويستعمل الآن بدون قرينة بنفس معناه الاصطلاحي، ولكن كان له معنى عام وواسع في عصر صدور الروايات. ولا يمكن أن يقال: إن الإمام كان يريد منه هذا المصطلح العصري. ولو شككنا أن يكون مراد الإمام المعنى العام اللغوي أو المعنى الخاص المصطلح فإن الأصل يقتضي عدم استخدام المعنى المصطلح؛ لأنه لا يوجد لدينا أي شك أن الحد في اللغة والعرف العام له معنى موسع اصطلح عليه بعد ذلك في الفقه في المعنى الخاص. ولا نعلم أنه في عصر الإمام الباقر× وصل إلى حدّ الاصطلاح لكي يراد بهذه الرواية المعنى الخاص أم لا. وبمقتضى الاستصحاب لم يبلغ حد الاصطلاح، فلهذا لا يمكن أن يقال: إن المراد منها معناها الفقهي الخاص.

وبالإضافة إلى هذا لو ادُّعي أن «الحد» في عصر صدور الروايات ـ زمان الإمام الباقر× ـ يستعمل في الرواية في معناه الاصطلاحي بنفس معناه الفقهي فالقرائن تبين لنا  أن المراد منه ليس معناه الفقهي الخاص، بل من الجائز المراد منه المعنى اللغوي الواسع. وهذه القرائن هي:

أـ جملة «إن الله تبارك وتعالى لم يدَعْ شيئاً تحتاج إليه الأمة إلى يوم القيامة إلا أنزله في كتابه وبينه لرسوله». وهذه الجملة شاملة عامة بطريقة حصر البيان، ولكن من هذا العموم المؤكَّد يأتينا القول: «جعل لكل شيء حداً… وجعل على من تعدى ذلك الحد حداً» أيضاً ليؤكد بشكل واضح في «لكل شيء» على العمومية. وهذه قرينة واضحة على أن المراد من الحد في جميع تلك الجمل ليس المعنى الاصطلاحي المضيق؛ لأنه يستلزم أن هذا العموم الذي قد ذكره وأكد عليه قد حمل على عدة أحمال خاصة ـ مثل تخصيص الأكثر ـ، وهذا قبيح ومستهجن.

ب ـ الحد في جملة «جعل لمن تعدى ذلك الحد حداً» مرتين، ولا يمكن أن يقال:  إن كلمة «حد» التي جاءت في جملة واحدة تعطي نفس المعنى؛ إذ من الجائز أن الحد الأول في «ذلك الحد» كان إطاراً وحكماً شرعياً، والحد الثاني عقاب لمن تجاوز ذلك الإطار. فعندما يثبت أن الحد الأول لم يكن متعلقاً بالذنوب الخاصة فمن الطبيعي أنه لن تكون مجازاتهم على الذنوب الخاصة. إذاً المراد من الحد الثاني مطلق العقاب، لا خصوص الحد بمعناه الاصطلاحي الفقهي.

 فعلى هذا يكون معنى الرواية أن الله سبحانه وتعالى قد وضع لكل شيء إطاراً وحدوداً، وجعل لكل شخص يتعدى هذه الأطر والحدود عقوبةً. وأحد الأطر الإلهية هو الحجاب، ومن لم يلتزم به يحل عليه العقاب. وعلى هذا فإن الرواية هنا تدل على المدعى.

ومن الجائز أن يشكل على المعنى المذكور في الرواية بأن الرواية قد ذكرت أن الله سبحانه وتعالى قد وضع عقوبة لعدم الالتزام بالحجاب، والمدعى هو أن الدولة تستطيع أن تعين العقوبة. وعلى هذا فإن الدليل والمدعى لا يتطابقان.

ونقول في الجواب: إن حق المجازاة طبق هذه الرواية من قبل الله سبحانه وتعالى، لكنه فوض مقدار العقوبة لولي الأمر، كالتعزيرات، والقوانين الأخرى، التي فوض أمر تقديرها إلى ولي الأمر([39]).

إذاً أصل تجويز العقوبة يرجع إلى الله سبحانه، وبنفس هذا الدليل من الصحيح أن يسند إلى الله عز وجل، كما أسندته الرواية إلى الله عز وجل.

8 ـ قياس الأولوية أو المساواة (أولوية العقوبة)

 في الروايات هناك بعض الذنوب تسبب التعزير، ومفسدتها أقل من عدم الالتزام بالحجاب أو في نفس المستوى، من قبيل: الاستمناء([40])، واستلقاء رجلين تحت غطاء واحد([41])، واستلقاء امرأتين تحت غطاء واحد([42])، وتقبيل الجنس الواحد ـ الذكر مع الذكر والأنثى مع الأنثى ـ بشهوة([43])، وأكل لحم الحيوان الذي لم يذبح على الطريقة الشرعية، أو أكل لحم الخنزير([44])، وشرب الدم([45])، وسرد الروايات في المسجد([46]).

 وعلى هذا عندما يكون نوم اثنين من جنس واحد (رجلين أو امرأتين) تحت لحاف واحد، أو أكل لحم حيوان لم يذكَّ، سبباً للتعزير فمن باب أولى يكون عدم الالتزام بالحجاب ـ بحسب قياس الأولوية، أو على الأقل قياس المساواة ـ موجباً لثبوت العقاب في حق مرتكبه.

ومع أن هذا الدليل ـ كالدليل السابق ـ لا يثبت العمومية([47])، ولكنه من أجل إثبات خصوص المورد ـ عدم مراعاة الحجاب الواجب ـ تام.

9 ـ إلغاء الخصوصية من الموارد المنصوصة

 جاء في الروايات أن هناك تعزيراً لبعض الذنوب التي ذكرت في الميادين المختلفة، والبعض منها حق الله عز وجل، ولا دخل فيها لأحد، كالاستمناء([48])، والبعض منها حق الناس، كالهجاء([49])، والفحش([50])، والنظر في بيوت الآخرين([51]). والبعض من هذه الذنوب يُعد من الذنوب الكبيرة، والبعض منها يُعد ذنوباً صغيرة، مثل: نوم شخصين من جنس واحد في نفس اللحاف([52])، أو اجتماع رجل وامرأة في منزل واحد([53]) بما يسمى خلوة غير شرعية. وهناك بعض الذنوب التي توجب اختلال النظام في المجتمع، مثل: الاحتكار([54])، والاختلاس([55])، وأكل الربا([56])، وشهادة الزور([57]). وهناك ذنوب تقع على عاتق الإنسان نفسه، مثل: جماع الرجل لزوجته في دورتها الشهرية([58])، أو في حال الصوم([59])، والاستمناء([60])، وشرب الدم، أو أكل الميتة([61]). وهناك بعض الأمور المكروهة قد عزَّر المعصوم مرتكبها([62]).

ومن خلال هذه الروايات نحصل على نتيجة مفادها أنه إذا كان الملاك جواز التعزير فإن الذنوب والمعاصي عامة ليس له أية خصوصية، فلا فرق بين الذنوب الكبيرة والمتعلقة بحق الناس أو بحق المجتمع. مع أن الفقهاء المتقدمين قد تمسكوا بهذا الدليل، لكن لا يوجد أي تقرير لهم حول هذا الموضوع ينفي تلك التفصيلات، والتقرير الذي يذكر كل التفصيلات واحتمال الخصوصية في نظر كل منهم ينفي ذلك.

 

10ـ أدلة النهي عن المنكر

 من الأحكام المهمة والإلزامية في الإسلام حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهناك آيات وروايات كثيرة تدل على وجوبه. وقد ذكرت الروايات([63]) وتوضيحات الفقهاء([64]) طرق ومراحل متنوعة لمسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وإحداها أن يستلزم ذلك التدخل في شؤون الآخرين (تدخلاً فيزيائياً)؛ لأن التدخل في مثل هذه الحالة يسبب الفوضى. ويوجه الفقهاء ذلك الأمر على أنه من الواجب([65])، بل إن هذه المسألة مشروط جوازها بإذن الإمام والحكومة الإسلامية([66])، أو أنها من الوظائف التي تختارها الحكومة الإسلامية([67]). ولهذا فإن مقتضى عموم أدلة النهي عن المنكر هو أن هذه القضية أيضاً من الواجبات، ولكن القيام على أداء هذه المهمة من وظائف وواجبات الحكومة، فإما أن تقوم هي بأدائها، أو تجيز للآخرين أن يقوموا مقامها في إنجاز تلك المهمة([68]).

وقد يشكل على هذا الدليل بأن النهي عن المنكر بعد ارتكاب العمل يصبح حراماً. ومن المعروف أن أحد شروط وجوب النهي عن المنكر إصرار الشخص على استمرار المنكر أو تكراره، بل الظاهر الابتدائي منه، وبدون قرينة له، الرفع لا الدفع، أي إن ظاهره يبين أن المنكر قد وقع. على أن القانون قد جعل من أجل أن يمنع وقوع الذنب ويقف حائلاً أمامه. وعلى هذا ليس هناك منطقة اشتراك بينهما، بحيث تستطيع عموم أدلة النهي عن المنكر أن تعقد دليلاً للمدَّعى.

وللإجابة عن هذا الإشكال نقول: النهي عن المنكر له الشمولية، وجعل القانون له تلك الشمولية أيضاً، ولكن ليس له أية خصوصية في الدفع أو منع وقوع الجرم، بل من الجائز في كثير من الأمور أن مواد القانون تطبق بعد وقوع الجريمة. ومن أهداف المقننين هو منع الجريمة أو تقليلها، ولا يعني ذلك أن القانون قد وُضع لهذا المعنى فقط. فمن الواضح أن عمومية النهي عن المنكر على الأقل ترجع إلى بعض مواد الدفع، كما لو أن شخصاً يقدم على أداء مقدمات المنكر. ولو فرضنا أن النهي عن المنكر يختص بالمورد الذي يقع فيه المنكر فإن ملاك النهي عن المنكر له عمومية، وحيثيات البدء بمقدمات المنكر قريبة من المنكر نفسه أيضاً. ويقول الفقهاء في صورة ما لو أن شخصاً ما كان ينوي القيام بمنكر، ولكنه إلى الآن لم يقم به، فمن الواجب نهيه عن ما قصد القيام به([69]). والملفت للنظر هو أن هذه المسألة ذكرت بإصرار في ذيل الشرط؛ أي إنهم لم يروا منافاة بين الشرط وقصد الارتكاب.

11 ـ الأولوية القطعية (أولوية الإجبار)([70])

 يمكن تقريب الأولوية من عدة ملاكات:

 

أـ أولوية الأحكام الإلزامية من الأحكام غير الإلزامية

توجد في الشريعة أحكام غير إلزامية، بحيث إن الناس إن لم يؤدوها فإن باستطاعة الحكومة أن تجبر الناس على إجراء ذلك الحكم الإسلامي. فمن الجائز، وحسب ما جاء في بعض الروايات؛ ولأجل تحقيق بعض تلك الأحكام غير الإلزامية، أن تقف الحكومة الإسلامية بوجه أولئك الناس الذين يؤدون تلك الأعمال بأشد ما تكون القسوة. وعلى هذا فعندما يكون للحكومة الإسلامية حق التعزير على الأحكام غير الإلزامية (مستحب، مكروه، مباح) فمن باب أولى يقال: إن الحكومة الإسلامية لها الحق أن تنجز الحكم الإلزامي. فالأحكام المستحبة أمثال: زيارة الرسول الأكرم‘([71])، الأذان([72]), صلاة الجماعة([73])، زيارة الأئمة المعصومين^([74]), وصلاة العيد (بناء على القول باستحبابها)([75])، أما الأحكام المكروهة فمثل: رواية القصص داخل المسجد([76]). ويمكن أن يقال: إن كل تلك الأحكام أو أكثرها لم يجمع الفقهاء على أنها إلزامية وواجبة، بل من الجائز أنهم يفتون بالاستحباب المؤكَّد، ولكن هذه الأحكام لها خصوصية تمنع سريان هذا الحكم لمحل البحث ـ وجوب الحجاب ـ، وبما أن هذه الأحكام تعد من شعائر الإسلام ورمزاً وعلامة للمسلمين فلو صادف أن أهل مدينة أو منطقة أو دولة لم يطبِّقوا تلك الأحكام فإنه يشم منهم ريح الارتداد. لذلك يقال: إن هؤلاء الأفراد يجب أن ينهوا عن عمل المنكر حتى إذا اتخذ في حقهم الضرب والخشونة. إذاً الحجاب طبق هذه الأحكام له مزية وأولوية؛ لأنه من الواجبات، والأحكام الأخرى ليست كذلك، ولكنها مع ذلك تملك مزايا؛ لأن كل واحدة منها تعتبر شعاراً من شعائر الإسلام ومن رموز المسلمين. وعلى هذا الأساس فإن فتاوى بعض الفقهاء مبنية على جبر تطبيق الشعار الذي يتخذه المسلمون شعاراً لهم([77]). فإذا ما أعطينا احتمال الخصوصية لا نستطيع بعد ذلك أن نعمم الحكم، وكذلك سوف يختفي القطع أو الوثوق بالأولوية التي هي ملاك التعميم والسراية من حكم لآخر.

ويُجاب عن ذلك:

أولاً: إن الحجاب أيضاً من شعائر المسلمين. إذاً يوجد نفس الملاك لذلك الحجاب. وعلى هذا لو قبلنا أن يكون ملاك الإلزام كون الفعل شعاراً فلا يوجد فرق بين الحجاب والأحكام التي ذكرت. فالآية 59 من سورة الأحزاب بيَّنت بما لا يقبل اللبس أن أحد أهداف رب العالمين عز وجل الالتزام بالحجاب، ويعتبر التقسيم بين المسلمين وغير المسلمين نوعاً من العلامات التي يتزين بها المسلمون: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَّحِيماً}.

وهذه الآية توضح لنا إحدى فلسفات الحجاب، بحيث أنه يعرّف النساء المسلمات من غير المسلمات؛ لذلك فكل النساء المسلمات ـ نساء المؤمنين ـ مكلفات بأداء هذه المهمة. ويذكر لنا القرآن فائدة تطبيق هذا الدستور، وهي أن تعرف المرأة المسلمة من غير المسلمة فلا تؤذى([78]).

ثانياً: بعض تلك الأفعال لا تعتبر من شعائر المسلمين، أمثال: رواية القصص داخل المسجد.

ب ـ أولوية الأحكام التوصلية من الأحكام التعبدية

 في بعض الأحكام يكون قصد القربة بها واجباً. وعليه فإن أداء تلك الأعمال بصورة صحيحة لا يكون إلا مع قصد التقرب إلى الله سبحانه وتعالى، ويطلق عليها أحكام تعبدية، مثل: الحج. وفي المقابل هناك أحكام لا يشترط فيها قصد القربة، مثل: الحجاب.

وقد جاء في الروايات المعتبرة ما يفيد أنه إذا امتنع الناس عن الذهاب إلى الحج فمن واجب الحكومة الإسلامية إجبارهم على الذهاب([79]). وكذلك ورد في روايات معتبرة أخرى أن الرسول‘ قد جعل عقوبة للذين لا يحضرون صلاة الجماعة. وبهذا جعل أداء الواجب التعبدي إجبارياً([80]). فعندما يكون للدولة الشرعية الإسلامية الحق بإلزام الناس على أداء الواجب التعبدي، مثل: الحج، والصلاة، و…، فمن باب أولى سوف يكون لها الحق بإلزام الناس على أداء الواجب التوصلي.

ج ـ أولوية الأحكام الاجتماعية من الوظائف الشخصية

 توجد في الشريعة بعض الوظائف التي إن تخاذل الناس في أدائها، ولم يقوموا بمسؤولياتهم تجاهها على أحسن وجه، فمن واجب الحكومة الإسلامية أن تجبرهم على أداء تلك المسؤوليات، مثل: اهتمام مالك الأنعام بفحص ومتابعة مائها وغذائها([81])، ومالك المباني بتفحص متانتها وترميمها([82])، والمزارع برعاية البستان والمزرعة([83])، والأهل بالنسبة للطفل الضائع([84]). فإذا كان من حق الحكومة الإسلامية أن تلزم المالكين المذكورين بأداء وظائفهم الخاصة والشخصية يحق لها من باب أولى أن تلزمهم بالأحكام التي لها تأثير اجتماعي أقوى. وعلى هذا فإن تلك التقريبات الثلاث بإمكانها تبديل هذا الدليل بدليل معتبر بالنسبة للفقيه.

 

12ـ تأمين حقوق الناس

 إحدى مهام الحكومة ـ أية حكومة ـ تأمين حقوق الناس. ولا يوجد فرق في هذا بين الحكومة الدينية والحكومة غير الدينية. فالحكومة غير الدينية لها نفس المهمة التي تقوم بها الحكومة الأخرى. والفرق يقع من جهة مصاديق تلك الحقوق. هناك الكثير من المصاديق التي تقع في مجتمع ديني واحد تشترك بنفس المصاديق الحقوقية التي تقع في الحكومة غير الدينية، ولكن في المجتمع الديني نستطيع أن نعرّف الحقوق بطريقة أوسع أو نفس تلك الحقوق المشتركة تُفسَّر بطريقة موسعة. وهذا الدليل نستطيع أن نقرره بطرق شتى، ومنها: حقّ الأمان.

فمن حقوق الناس في المجتمع أن يحظوا بالأمن والطمأنينة. والأمن ليس ظاهرة ذات بعد واحد منحصر في الأمن العسكري أو الاقتصادي أو السياسي، بل هو ظاهرة ذات أبعاد عدة، تشتمل على الأمان والاطمئنان الفكري والنفسي والعقائدي. وعلى هذا فالمجتمع الذي يتقبل الناس فيه العقائد والسنن الدينية الخاصة تزعزع فيه التصرفاتُ المخالفة لتلك السنن الأمنَ والاطمئنان الفكري والنفسي في المجتمع، ويضيع حق من حقوق الأكثرية. وبهذه الحالة سوف تكون مهمة الحكومة المحافظة على حقوق الناس. وبدون أدنى شك فإن الحجاب والعفة من السنن الواجبة في الدين؛ لأن عدم الالتزام بالحجاب سيؤدي إلى اختلال الأمن الفكري والعقائدي والنفسي في كثير من المجتمعات الإسلامية. وطبعاً هذا الدليل يصدق في المجتمع الذي يعتبر الناس فيه الحجاب سنة دينية، بحيث إن قبول الناس به كسنة يجب العمل بها، وعدمها يسبب الخلل في أمن المجتمع، بل نستطيع أن نعده إحدى الدلائل الفلسفية للحجاب في الإسلام. وقد أشارت الآية الشريفة 59 من سورة الأحزاب إلى هذا الموضوع([85]).

 وبالنظر إلى وظائف الحكومة الأخرى بالنسبة لحقوق الناس([86])، كحق رعاية الصحة النفسية، وحق الرفاهية، و…، وهذه كلها طبعاً من واجبات الدولة تجاه المواطنين. ويمكننا أن نقدم تقارير أخرى كذلك من هذا الدليل، أو نأتي بأدلة أخرى([87])، ولكن توضيحها خارج عن مجال هذا المقال.

 وحسب اعتقاد الكاتب فإن هناك عشرة أدلة من الأدلة السابقة تدل على أن للدولة الحق التام في جعل الحجاب إلزامياً. ومن الممكن أن يتـناقش بعض الفقهاء في تلك الأدلة، ولكن بدون شك فإن مجموع هذه الأدلة تجبر الفقيه على القطع بالنسبة للحكم الشرعي.

 

أسئلة وأجوبة

بعد أن ذكرنا أدلة عدة تبين حق الدولة في التدخل لإجبار النساء على الالتزام بالحجاب، وتعيين حدٍّ لغير الملتزمات به، نجيب عن بعض الأسئلة التي تطرح في هذا المجال.

السؤال الأول: إن مقتضى الأدلة السابقة أن الدولة تستطيع أن تعين عقاباً لعدم الالتزام بالحجاب، فبأي دليل تقولون: إن هناك ترتيباً بين الخيار الثقافي والخيار القانوني والجزائي، ولا تستطيع الدولة أن تستخدم القانون والجزاء عندما يكون للحل الثقافي فائد؟ فهل نستفيد من هذه الأدلة السابقة هذا الترتيب أم هو مستفاد من أدلة أخرى؟

الجواب: الأدلة السابقة تدل على هذا الترتيب. وأيضاً باستطاعتنا الإتيان بأدلة أخرى تفيد ذلك الترتيب. فمن الأدلة السابقة يدل الدليلين الخامس والسادس على هذه المسألة، وقد أشرنا إليها في ذيل الدليلين. وسوف نكتفي بذكر دليل آخر هنا، وهو: إن إنزال العقوبة على الأفراد يعد ولاية على الشؤون الأخرى، وتقتضي القاعدة الأولى عدم الولاية على شؤون الأفراد([88]). والأدلة السابقة إما أنها تثبت جواز العقاب بعد عدم تأثير الخيار الثقافي بشكل خاص؛ وإما أنها كانت مجملة من هذه الناحية، أي إنها تثبت جواز العقاب بشكل مجمل. وبهذا الشكل يثبت جواز إنزال العقاب في الجملة. ومن المتيقن أنه إن لم يُفِد الخيار الثقافي نستطيع أن نستخدم الخيار القانوني والجزائي.

ومن الممكن أن يقال: إن بعض الوظائف التي جاء ذكرها في الخيار الثقافي تعتبر نوعاً من التدخل في شؤون الآخرين. ولكن بمقتضى قاعدة عدم الولاية يجب أن يقال: إن الدولة لا تستطيع أن تقوم بتنبيه المذنب.

ويجاب عن ذلك:

أولاً: لا يوجد أي شك أو ترديد في أن للناس على الدولة حق النصيحة من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهناك آيات وروايات كثيرة تدل على هذا الأمر ـ ولكن يجب أن تكون النصيحة في محلها، وتؤدّى ممَّن هو موظَّف لها، ولا يجوز لأي شخص أن يضع نفسه في ذلك المكان. إذاً يجب عدم نفي حق تنبيه الآخرين بصورة مطلقة، بل نفي هذا الحق قبل أداء المرحلة السابقة.

ثانياً: إذا اعتبرنا النصيحة تدخلاً في شؤون الآخرين فهو تدخل ضعيف جداً، ولا يعتبر ظلماً أبداً, في حين أن الإلزام والعقاب تدخل قوي، ويكون ظلماً إن كان من دون دليل عقلائي أو مستند شرعي؛ إذ الفرق بينهما كبير جداً. وهكذا عند احتمال تأثير الخيار الثقافي لا يصل الدور إلى الخيار الحقوقي والقضائي.

وبالإضافة إلى هذا الدليل توجد هناك أدلة أخرى تدل على الترتيب في مراحل الأمر بالمعروف، فمتى كان النهي الشفهي مؤثراً لا يصل الدور إلى النهي القسري، وهو دليل على هذا الأمر([89]).

السؤال الثاني: إن نفوذ سلطة الدولة منحصرة في العموميات. والحجاب من الخصوصيات. وليس للدولة حق التدخل في خصوصيات الناس، ولا تستطيع أن تعاقب الذين لا يلتزمون بلبس الحجاب بالطريقة الصحيحة، أو الذين لا يلبسون الحجاب.

والجواب: 1ـ ما هو المراد من أن الحجاب من الخصوصيات؟ إذا كان المراد من الخصوصية عدم وجود أية  قاعدة اجتماعية فهذا خلاف الوجدان. وعليه فالمجتمعات التي لا تعتقد به تبدي وجهة نظرها بما تراه هي. ولو كان الحجاب من الخصوصيات فكيف تمنع الدول الأوروبية النساء والفتيات المسلمات من ارتداء الحجاب. من الطبيعي ـ حسب وجهة نظرهم ـ أن للحجاب الكامل آثار اجتماعية، ولهذا وضعوا قوانين تمنع ارتداء الحجاب.

 وإذا كان المراد من خصوصية الحجاب هي أن تمارس هذه الخصوصية في المنازل والدعوات، وليس للدولة الحق في ذلك، فهذا صحيح، ولكنه ليس محل الكلام؛ إذ محل الكلام في تدخُّل الدولة في مسألة الحجاب في المناطق العامة. فالواجب رعاية الحجاب في المناطق العامة والخاصة، ولكن سلطة تدخل الدولة في مسألة الحجاب تنحصر في المحافل التي تعتبر عامة بنظر العرف.

ثانياً: لو فرضنا ـ والفرض محال ـ أن الحجاب أمر خاص، وليس له أية قاعدة اجتماعية تعطي الدولة مجوزاً للتدخل، فمن قال: إن تدخل الدولة الإسلامية منحصر في الدائرة العامة، بل للدولة الإسلامية حق التدخل في الجملة أيضاً.

وأحد أدلة هذا الحق أن إجراء الحدود ليس حقاً من حقوق الناس، بل بالاصطلاح الفقهي يعتبر «حق الله»، مثل: حق إجراء حد الزنا واللواط أو المساحقة التي تجري في منزل خاص وبرضا الطرفين، وحد إجراء شرب الخمر الذي يتعاطى في الخفاء وفي محيط شخصي. وكذلك كل ذنب ليس للناس فيه حق، وعيَّنت له الشريعة حداً. فإذا ثبت ذلك الإثم للحاكم الشرعي وجبت إقامة الحد على مرتكبه. وإذا كان الحد من نوع الحقوق الإلهية التي تتعلق بشخص يثبت عليه الجرم باعترافه فبإمكان الحاكم الشرعي بما يرى من صلاح أن لا يجري عليه الحد. وعلى أية حال فإن هذا الأمر، الذي هو من واجبات الدولة الإسلامية، لا ينحصر في الدائرة العامة، بل من الجائز إجمالاً لها التدخل في الخصوصيات أيضاً. ومن الجائز ـ حسب وجهة نظر الروايات المعتبرة وفقه الإمامية ـ أن الفقه الإسلامي عارض.

بالإضافة إلى هذا فإن المجتمعات الغربية والدول التي لا تحتكم لدين واحد معين ترى أن حق تدخل الدولة منحصر في الأمور العامة. وبنفس هذا الدليل تتدخل الدولة في  المسائل المتعلقة بالحجاب، وتعاطي المخدرات، وتعاطي بعض الأدوية وحبوب الهلوسة، وعدم ربط حزام الأمان عند قيادة السيارة، وعدم لبس الخوذة عند قيادة الدراجة النارية، وعدم الاستفادة من وسائل الأمان وقت العمل التي تؤمّن سلامة الشخص البدنية من الحوادث وسلامته الصحية, ومع أنه لا يؤذي غيره، بل ذهبت الدولة إلى أبعد من هذا، فإنها في الوقت الحاضر قد زادت التدخلات والقوانين الحكومية، وألزمت الناس ببعض الأمور، كالتأمين ضد الغير، وغيره من القوانين([90]).

السؤال الثالث: كثير من الآيات والروايات تعتبر الإنسان كائناً مختاراً، وتنفي عنه أي نوع من الإكراه أو الجبر. يقول القرآن الكريم: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} (البقرة: 256)، وقد جاء الخطاب إلى  رسول الله محمد‘: {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} (يونس: 99)، وقال: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ} (الغاشية: 21 ـ 22)، وقال: {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} (النساء: 8).

فعندما يكون هدف الله سبحانه وتعالى في أصل الإيمان عدم إجبار أو إكراه أحد فبطريق أولى لن يكون غرض الشارع أن يعمل بالأحكام الفرعية بالإكراه. وبما أن الشارع لم يعطِ؛ بنفس ذلك القرار، حقَّ الجبر على أحكامه فبطريق أولى لن يكون للحكومة الإسلامية أيضاً الحق في الجبر وتعيين العقاب على ذلك.

الجواب: صحيحٌ أن أصل الإيمان يجب أن يكون مبتنياً على الاختيار والعلم, ومثل هذا الإيمان هو الذي يكون في الآخرة مصدر نجاة الإنسان، وله آثار وبركات في هذا العالم أيضاً، ولكن الإيمان الذي يتم عن طريق حرية الاختيار له أساسيات، وعلى الإنسان أن يلتزم بهذه الأساسيات. والقرآن الكريم يحذر الإنسان من الإيمان المبني على الإكراه. ومقتضى الإيمان العمل طبق الأحكام والدستور الإلهي. وكثير من الخطابات الإلهية، من قبيل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوُا}، يكون معناها أن من لوازم الإيمان بالله ورسوله العمل أيضاً بهذه الدساتير. ويصرح في بعض الموارد أنه إذا كنتم تؤمنون بالله يجب عليكم العمل بهذا الدستور الإلهي([91]). إذاً مقتضى الإيمان العمل بأحكام الله ورسوله. والقرآن الكريم ـ بنفس مستوى الدعوة للإيمان ـ قد نهى الذين لا يعملون بأوامر الله والرسول بعد أن يؤمنوا وتوعدهم عذاباً أليماً([92]). وبالجملة فإن القرآن يعتبر التفكيك بين التعاليم الدينية والإيمان([93]).

 وعلى هذا فإن ما يريده الشارع هو تطبيق ما جاء به من أحكام بعد الإيمان، وتوعَّد مخالفي تلك الأحكام بعذاب أليم. وهذا الأمر معروفٌ أيضاً حتى في الأمور غير الدينية. فمثلاً: الهجرة إلى إحدى الدول أمر اختياري، ولكن الذي يهاجر إلى دولة أخرى، ويختار أن يقيم في تلك الدولة, يجب عليه ـ حتى في حال عدم رغبته في العيش فيها ـ أن ينصاع لقوانينها وأوامرها. وعليه فليس معنى اختيار الإقامة في إحدى الدول أن تطبق القوانين الواحدة تلو الأخرى حسب اختيارك، ويتم هذا بدون إكراه وجبر. بالإضافة إلى هذا فإن الآية 256 من سورة البقرة تشير إلى أمر تكويني وهو أن الإيمان أساساً ليس أمراً إجبارياً.

السؤال الرابع: هناك مطلبان يجب أن يكونا موجودين في الإسلام، وهما: أن العمل يتم على أساس العلم والاستعداد القلبي؛ والعمل يصل بالإنسان إلى طريق الكمال. والحجاب الذي يكون عن طريق الإكراه ليس له أي أثر، وليس هو ما يبتغيه الإسلام. إذاً لا نستطيع أن نقول: إن لدولة الإسلام الحق في أن تلزم الناس بالحجاب، وتضع القوانين لتوقيف الناس بحجة سوء الحجاب وعدم الحجاب.

والجواب: هذا الإشكال يحتاج إلى توضيح أمرين: 1ـ أحياناً يقال: إن العمل له آثار وبركات أخروية يحصل عليها الشخص العامل عن طريق الإيمان والاعتقاد القلبي. وليس في هذا أي شك. 2ـ في بعض الأحيان يقال: العمل الذي يتم عن طريق الجبر والإكراه ليس له أي أثر ـ من الآثار الدنيوية ـ سوى ما يقوم به من أجل الآخرين. وهذا الأمر مخالف للبديهة. مثلاً: إذا كان شخص لا يدفع الزكاة عن طريق الإيمان القلبي فإنه لا يستفيد من الآثار والبركات المعنوية الأخروية. ولذا اشترط الفقهاء النية الخالصة في العمل، ولكن إذا دفعت الزكاة بدون اعتقاد فإن الفقراء والمحتاجين في هذه الحياة سيستفيدون منها. لذلك يجب عدم الخلط بين الفائدة التي يحصل عليها الشخص العامل والفوائد التي تكون من نصيب الآخرين، وبين الفوائد التي تتم في هذا العالم والبركات الأخروية.

وحفظ الحجاب عن طريق الإكراه له فوائده التي تعود على الشخص وتكون سبباً في أن الشخص لا يقع تحت عقاب ترك الواجب الإلهي. أضف إلى ذلك فإنها تمنع المفاسد التي تضر بالآخرين. ويقول الرسول الأكرم‘: «إن المعصية إذا عملت بها سراً لم تضر إلا عاملها، فإذا عمل بها علانية ولم يغير عليه أضرت بالعامة»([94]).

 وعلى هذا فالمطلوب الأول والأفضل في موضوع الحجاب هو أن يؤدى عن طريق الاختيار ورغبة نفس الشخص، ولكن هذا لا يعني أن مراعاة الحجاب بدون رغبة، بل بالإكراه، لا يحتوي على أية فائدة؛ إذ من الجائز أن توجد في هذه الطريقة فوائد للشخص نفسه وللمجتمع الإسلامي، وإن كان الشيء المطلوب أفضل من هذا، وهو أداؤها عن طريق الرضا والرغبة النفسية.

إذاً فقد بطلت جميع الإشكالات والأسئلة التي طرحت خلال الأدلة المحكمة السابقة.

خلاصة واستنتاج

إن أول وأهم خيار في مواجهة عدم العفة وعدم الالتزام بالحجاب هو الخيار الثقافي والتبليغي. وهذا هو الحل الأسمى والجذري. ووظيفة النظام الإسلامي الأولى والأصلية هي الاهتمام بهذا العمل. وعلى النظام الإسلامي أن يبين كل الإمكانات واستعدادات المجتمع الإسلامي في هذا المجال بعد تعيين الهدف واتخاذ السياسة الصحيحة والموفقة، ومواجهة هذا المعضل الاجتماعي بطريقة ثقافية، والتعرف الدقيق إلى العوامل المختلفة التي تساعد على انتشار ظاهرة الحجاب، والتعرف على العوامل التي تساعد على عدمها، وتهيئة الأمثلة وتعريف النماذج المنافسة، والاهتمام الشديد بالتعرف على علاقة هذه الظاهرة مع العوامل الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية الأخرى الموجودة في المجتمع، والتي لها دور أساسي ومصيري في هذا المجال.

نعم، يطرح الحل القانوني والقضائي كآخر حل في المقام، وكقاعدة استثنائية.

ومن الناحية الفقهية والمدنية يثبت هذا الخيار والحق للدولة الإسلامية، بأن تتخذ موقف مدنياً وقانونياً، وتجعل لعدم الالتزام بالحجاب عقاباً. وقد طرحت أدلة مختلفة في هذا المجال. وثبت أن الكثير منها من الناحية الفقهية والمدنية معتبرٌ، ويمكن الاستناد إليها. وطبعاً هناك أدلة معتبرة أخرى في هذا المجال نتركها لمقال آخر.

الهوامش

(*) أستاذ في الحوزة العلمية. ومدير قسم فلسفة الفقه والحقوق في كلية الفقه والحقوق في قم.

([1]) السيد محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن 4: 117.

([2]) ذكر القرآن الكريم في آيات متعددة أن تزكية وتهذيب الأخلاق هي أحد أهم أهداف البعثة (البقرة: 129 و151؛ وآل عمران: 164؛ والجمعة: 2)، والهدف من بعثة الرسول الأكرم تعميم مكارم الأخلاق، فقد قال: إنما بعثت لأتمم الأخلاق (انظر: محمد محمدي ريشهري، ميزان الحكمة 9: 321).

([3]) محمد مهدي النراقي، جامع السعادات 1: 26 ـ 27.

([4]) النور: 33. للاطلاع على الأحاديث: محمد محمدي ريشهري، المصدر السابق 6: 361.

([5]) النور: 30، وقد وضعت تعليلاً لقانون غض البصر وستر العورة بالعفة واللباس الطاهر.

([6]) الأحزاب: 59

([7]) يصور القرآن الكريم أهل التقوى بأن لهم مكانة أفضل وقدراً أكرم عند الله سبحانه: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ} (الحجرات: 13)، وهي في الواقع نوع من أنواع المسابقة للحصول على أعلى مستوى من التقوى.

([8]) يقول أمير المؤمنين× في إحدى الروايات: «أمرنا رسول الله‘ أن نلقى أهل المعاصي بوجوه مكفهرة» (الحر العاملي، وسائل الشيعة 6، باب 6). وكذلك قد ورد في روايات متعددة النهي عن توافق الصالحين مع المذنبين وأنهم يستحقون العقاب (بحار الأنوار، محمد باقر المجلسي 12: 386؛ 14: 54؛ الطوسي، تهذيب الأحكام 6: 180). فتقارب الإصلاحيين مع المذنبين قد يكون للقيام بهدايتهم وإبعادهم عن حالة (النهي عن المنكر). ومن الجائز أن يولِّد لدى المذنب حدساً بأن نوع التصرف الذي يقوم به صحيحٌ. وعليه فعدم المبالاة وقلة الاهتمام في حالة الإصرار، وأخذها على أنها حالة من حالات النهي عن المنكر، أمر مرغوب ولازم. وعلى هذا فإن الفرق بين ما يقوم به الإصلاحيون والنهي عن المنكر واضح، وهو أن الإصلاحيين لا يقصدون هداية وإصلاح المذنبين، ومن الجايز في بعض الموارد أن يؤيدوهم في تصرفاتهم، ولكن الناهي عن المنكر يكون قصده الإصلاح والهداية، وإذا كان يعطي المذنبين أهمية فذلك بقصد إصلاحهم، وعلى أساس أنه أحد عناوين النهي عن المنكر. ولذلك فإننا نعرض هذه الروايات، والتي هي بعنوان «النصيحة المشفقة والفنية»، وعلى أساس أنه أحد عناوين النهي عن المنكر، على أنها إحدى أضرار المتدينين الثقافية، إلا أنها غير متجانسة.

([9]) حسب وجهة نظر الكاتب فإن في ذهن واضع هذه الأسئلة وإظهار مزاحه بطريق يثبت بها بلسانه أن الموضوع المطروح في أدنى مستويات البحث، وأيضاً هو غير مهيأ لذلك، والنظام الإسلامي لم يوفق لأداء تلك المهمة.

([10]) بعض الباحثين والكتاب صوروا «مسألة الحجاب»، «نظام حقوق المرأة في الإسلام»، «الثقافة العارية وعري الثقافة»، «تحليل جديد وعملي للحجاب»، «الحجاب بنظر القرآن والسنة»، «الحجاب في الأديان الإلهية»، «فلسفة الحجاب» في هذا المجال، ولكن الكثير من أسئلة المحاور الجدية لم تكن حاضرة، وخصوصاً في النظرة العامة ولأصحاب النظام.

([11]) في صحيفة الإمام 21: 76 يبين لطلابه في درس البحث الخارج عن الحكومة الإسلامية، ويوصيهم من أجل استقرار النظام الإسلامي بهذا المطلب: «دونوا قوانين الإسلام وفوائدها وانشروها» (ولاية الفقيه: 212).

([12]) {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ} (البقرة: 222).

([13]) ميزان الحكمة 1: 555. وكذلك قال الرسول الأكرم: «إن الله يحب العبد ويبغض عمله» (محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار 29: 601، و 46: 234، 68: 367؛ نهج البلاغة، الخطبة 154؛ والمعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 53، السطر 9. والمراد من بغض العمل الذنوب، حيث إنها جاءت في بعض الروايات الأخرى (نهج البلاغة، تحقيق محمد عبده: 331).

([14]) تحرير الوسيلة 1: 481، المسألة 14.

([15]) كالآية الشريفة: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ} (آل عمران: 104). وهذه الآية تختلف عن غيرها من الآيات، حيث إن الآيات الأخر تقرأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على أن ظاهره تكليف فردي لكلّ مكلف على حدة، أما هذه الآية فإنها ربطت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمكلَّف مباشرة. ومن الجائز أنها تريد من هذا كله أن المتصدين للنظام يعملون على إيصال مهمة الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومعنى هذه الإرادة هي تشكيل أساس اجتماعي وسياسي لأداء هذه المهمة.

([16]) الأقسام الخمسة التي ذكرت للدولة لا تحتاج إلى كثير من بحث واستدلال. ومن الجائز أنها تحتاج للتوضيح والتوجيه في مقام إبداء الرأي، والانتباه من الغفلة في مقام العمل والتخطيط. إذاً لنبتعد عن الخطة والبحث في أدلتها في هذا القسم بطريقة منفصلة، ونرجع القراء إلى الدليل الخامس والسادس والسابع التي ذكرت كتابتهم في القسم الثاني. وهذه الأدلة الثلاث تثبت بصورة مباشرة المهام التي ذكرت في هذا القسم. علاوة على ذلك نستطيع أن نستفيد من بعض الأدلة الأخرى عن طريق الأولوية. وبهذا التوضيح فإن الدولة ذات الحق على الذين لا يراعون الحجاب الشرعي في أن تجعل لهم عقاباً على ذلك تستطيع ـ بطريق أولى ـ أن تذكرهم أو تدعوهم إلى مراعاة الحجاب الشرعي.

([17]) السيد محمد الشيرازي، الفقه ( كتاب الحدود والتعزيرات ) 87: 414.

([18]) محمد حسن النجفي، جواهر الكلام 21: 448؛ السيد أبو القاسم الخوئي، مباني تكملة المنهاج 1: 337.

([19]) أبو الصلاح الحلبي، الكافي في الفقه: 415 ـ 416.

([20]) الشيخ الطوسي، المبسوط 5: 69؛ المحقق الحلي، شرائع الإسلام 4: 948.

([21]) إلى هنا بحث الكاتب في خطب الفقهاء، وقام بتقرير سيرة المعصومين في كلام الفقهاء، والتزم الكاتب بكلام الفقهاء الذين تمسكوا بسيرة العقلاء.

([22]) مباني تكملة المنهاج: 337.

([23]) للاطلاع أكثر: مجلة نقد ونظر, سعيد ضيائي فر، مكانة العقل في الاجتهاد، العدد 31 ـ 32: 437 ـ 438.

([24]) كما هو ثابت في أصول الفقه، للشيخ محمد رضا المظفر، أصول الفقه 2: 62 إلى الآخر.

([25]) سعيد ضيائي فر، مكانة المباني الكلامية في الاجتهاد: 411 إلى…

([26]) هذا الدليل جاء مبهماً في كلام السيد الخوئي، مباني تكملة المنهاج 1: 337.

([27]) لقد اهتم الله بمسألة الإمامة اهتماماً زائداً، حيث يقول في محكم كتابه: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِينَ} ( المائدة: 67). وجاء في الروايات المعتبرة: «بني الإسلام على خمس: على الصلاة والزكاة والصوم والحج والولاية، ولم يناد بشيء كما نودي بالولاية» (الكليني، الكافي 2: 18، 41؛ محمد صالح المازندراني، شرح أصول الكافي 8: 60). وجاء في الرواية الرضوية: «الإمامة زمام الدين ونظام المسلمين صلاح الدنيا وعز المؤمنين. إن الإمامة أس الإسلام النامي» (الشيخ الصدوق، الأمالي: 775؛ كمال الدين: 677؛ معاني الأخبار: 97). ومن أجل الاطلاع على أدلة أخرى تبين اهتمام الإسلام بإجراء الأحكام الشرعية راجع: مواضع المباني الكلامية في الاجتهاد: 549 وما وراءها.

([28]) من أجل المطالعة أكثر في هذا المجال راجع: حسين علي منتظري، دراسات في ولاية الفقيه: 259. وقد حسبه أحد الأسس الحكومية بالخصوص ص85 وما بعدها.

([29]) مواضع المباني الكلامية في الاجتهاد: 243 وما بعدها.

([30]) للاطلاع أكثر راجع: ويل دورانت، تاريخ المدنية 1: 32. وقد طرح العلماء المسلمين كذلك هذه الفلسفة. وكمثال: العلامة الحلي في كشف المراد: 388، وأبو الحسن الأشعري في المقالات: 27 والأسد المبين: 128، وهناك بعض العلماء المسلمين الذين شرحوا كلام أمير المؤمنين علي× في قوله: «لابد للناس من أمير بر أو فاجر» (للاطلاع: ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة 2: 308، وابن ميثم البحراني في شرح نهج البلاغة 2: 103).

([31]) {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} (الحج: 41).

([32]) علي أحمد ميانجي، مكاتيب الرسول 2: 519؛ بحار الأنوار 74: 126؛ تحف العقول: 19.

([33]) «اللهم إنك تعلم أنه لم يكن الذي كان منا منافسة في سلطان ولا التماس شيء من فضول الحطام لكن لنرد المعالم من دينك ونظهر الإصلاح في بلادك فيأمن المظلومون من عبادك وتقام المعطلة من حدودك». (نهج البلاغة، الخطبة 131). وكذلك نقل في موضع آخر: «اللهم إنك تعلم أني لم أرد الأمر، ولا علو الملك والرياسة، وإنما أردت القيام بحدودك والأداء لشرعك ووضع الأمور في مواضعها وتوفير الحقوق على أهلها والمضي على منهاج نبيك، وإرشاد الضال إلى أنوار هدايتك» (ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة 2: 299). وللاستزادة أكثر من أهداف الحكومة طبق نظر أمير المؤمنين علي× راجع: لبيب بيضون، تصنيف نهج البلاغة: 584 وما بعدها.

([34]) الكافي 1: 59، ح2؛ الحر العاملي، الفصول المهمة 1: 497.

([35]) إن التمسك بهذه الرواية متعلق بما قد بينته, ولكن في مقابل المنكرين لا يجب عليه إثبات ما بينته الرواية، بل يكفي إثبات الرواية مجملة لهم. وبهذا ادعى بعضهم ذلك، راجع: علي كريمي جهرمي، الدر المنضود ( تقريرات درس خارج فقه آية الله گلپايگاني) 2: 294؛ السيد أحمد الخونساري، جامع المدارك 7: 98.

([36]) كذلك توجد آيات قرآنية نستفيد منها هذا المعنى، فالقرآن الكريم في كثير من الموارد التي يبين بها الحكم الإلزامي يضيف بعدها: {تِلْكَ حُدُودُ اللهِ}.

([37]) في الحال التي يتيقن الحاكم الإسلامي هذه الوظيفة فقد قربها بعض الفقهاء بهذه الطريقة (أبو القاسم الخوئي، مباني تكملة المنهاج 1: 225)، أم أن الحاكم قد نصب من قبل الله سبحانه وتعالى لإجراء الأحكام الشرعية، كما قاله بعض الفقهاء، مثال: أحمد النراقي، عوائد الأيام: 187؛ والإمام الخميني في كتاب البيع 2: 619).

([38]) سأل رسول الله سعداً: «لو وجدت على بطن امرأتك رجلاً ما كنت تصنع به؟ فقلت: كنت أضربه بالسيف، فقال: يا سعد، فكيف بالأربعة؟ فقال: يا رسول الله، بعد رأي عيني، وعلم الله بأنه قد فعل، فقال: إي والله، بعد رأي عينك وعلم الله بأنه قد فعل؛ لأن الله جعل لكل شيء حداً، وجعل لمن تعدى ذلك الحد حداً» ( الكافي 7: 176؛ الصدوق، من لا يحضره الفقيه 4: 25؛ وسائل الشيعة 28: 14).

([39]) مثل مقدار الجزية يرجع بها ولي الأمر، أما أصل وجوب دفع الجزية فقد ورد في القرآن.

([40]) وسائل الشيعة 28: 363، ح1 ـ 3.

([41]) المصدر السابق: 84، ح1.

([42]) المصدر السابق، ح1.

([43]) المصدر السابق: 161، ح1.

([44]) نفس المصدر: 370 ـ 371، ح1 ـ 3.

([45]) نفس المصدر: 371، ح3.

([46]) نفس المصدر: 367 ـ 368، ح1.

([47]) الفرق بين هذا الدليل والدليل السابق أن الدليل السابق أكثر رسوخاً وثباتاً على إثبات العمومية، أما هذا الدليل لإفهام المساواة أو الأولوية في مورد من الموارد المنصوص عليها بجواز التعزير.

([48]) وسائل الشيعة 28: 363، ح1 ـ 3.

([49]) نفس المصدر: 204، ح5.

([50]) نفس المصدر: 202 ـ 203، ح1 ـ 4.

([51]) نفس المصدر 29: 66، ح2.

([52]) نفس المصدر 28: 84، ح1.

([53]) نفس المصدر: 145، ح1 ـ 2.

([54]) دعائم الإسلام 2: 36.

([55]) نفس المصدر: 268، ح1 و2 و4 و6.

([56]) نفس المصدر: 371، ح2.

([57]) نفس المصدر: 376، ح1 ـ 2.

([58]) نفس المصدر: 377، ح1 ـ 2.

([59]) نفس المصدر، ح1.

([60]) نفس المصدر: 363، ح1 ـ 3.

([61]) نفس المصدر: 371، ح2 ـ 3.

([62]) الكافي 7: 263، ح20؛ الطوسي، تهذيب الأحكام: 10: 149 ـ 150.

([63]) وسائل الشيعة 16: 133 ـ 135.

([64]) جواهر الكلام 21: 383؛ ودراسات في ولاية الفقيه 2: 215.

([65]) الطوسي، النهاية (طبعت في النهاية ونكتها) 2: 15.

([66]) المحقق الحلي، شرائع الإسلام 1: 259؛ وجواهر الكلام، المصدر السابق: 383 ـ 386.

([67]) الطوسي، الاقتصاد: 150؛ تحرير الوسيلة 1: 482؛ ودراسات في ولاية الفقيه 2: 218.

([68]) هناك بعض الفقهاء الشيعة قالوا: إن إذن الإمام ليس بشرط (العلامة الحلي 4: 461)، ولكن من غير المعلوم أن مبتغى أولئك خصوص الإمام المعصوم، بحيث إن إجازته في زمن الغيبة ليست بشرط أو أعم من أن يكون إمام معصوماً أو عادلاً.

([69]) الإمام الخميني& في ذيل الشرط الثالث ـ عدم الإصرار على الاستمرار ـ قال: «لو ظهر من حاله علماً أو اطمئناناً أو بطريق معتبر أنه أراد ارتكاب معصية لم يرتكبها إلى الآن فالظاهر وجوب نهيه» (تحرير الوسيلة 1: 470، مسألة 6؛ والخوئي، منهاج الصالحين 1: 351، ذيل الشرط الثالث؛ السيستاني، منهاج الصالحين 1: 416، ذيل الشرط الثالث).

([70]) محور الدليل الثامن الأولوية «إجراء العقاب»، ولكن محور هذا الدليل «أولوية الإلزام». إذاً يوجد فرق بينهما.

([71]) مثلاً: نقل عن الإمام الصادق× في إحدى الروايات: «لو تركوا زيارة النبي‘ لكان على الوالي أن يجبره على ذلك وعلى المقام عنده، فإن لم يكن لهم أموال أنفق عليهم من بيت مال المسلمين» (الحر العاملي، وسائل الشيعة11: 24، البروجردي، وجامع أحاديث الشيعة 12: 233؛ الفاضل الآبي، كشف الرموز 1: 387؛ الشهيد الثاني، مسالك الأفهام 2: 373؛ العاملي، مدارك الأحكام 8: 260؛ السيد عبد الله الجزائري، التحف السنية: 196؛ أحمد النراقي، مستند الشيعة 13: 330؛ جواهر الكلام 20: 51.

([72]) بحار الأنوار 81: 128؛ الشهيد الأول، الدروس الشرعية 2: 5؛ رسائل المحقق الكركي 2: 162؛ 3: 273؛ الحلي، نهاية الأحكام 1: 410؛ مستند الشيعة 4: 520؛ محمد السمرقندي، تحفة الفقهاء 1: 104؛ النوري، المجموع 1: 147؛ أبو البكر الكاشاني، بدائع الصنائع 1: 147؛ محمد شربيني الخطيب، مغني المحتاج 1: 310.

([73]) وسائل الشيعة 5: 195، 8: 292؛ بحار الأنوار 88: 8؛ جامع أحاديث الشيعة 4: 443؛ تذكرة الفقهاء 4: 277؛ جواهر الكلام 13: 139 ـ 140؛ بدائع الصنائع 1: 275؛ المجموع 4: 185.

([74]) بحار الأنوار 86: 36، 101: 1؛ الشهيد الأول، القواعد والفوائد 1: 340؛ المقداد السيوري، نقد القواعد الفقهية: 403؛ ابن أبي جمهور الأحسائي، الأقطاب الفقهية 1: 106.

([75]) راجع: المحقق الحلي، المعتبر 2: 309؛ تذكرة الفقهاء 4: 122؛ عبد الكريم الرافعي، فتح العزيز 5: 3؛ المجموع 5: 301.

([76]) الكافي 7: 263؛ تهذيب الأحكام 10: 149.

([77]) الحلي، كفاية ألأحكام 1: 410 و111؛ تذكرة الفقهاء 4: 227؛ فخر المحققين، إيضاح الفوائد 1: 352؛ اللمعة الدمشقية: 72؛ مستند الشيعة 4: 529. كما أن فقهاء أهل السنة لهم نفس النظر (راجع: ابن قدامة، المغني 6: 484).

([78]) يعتقد الكاتب أن المراد من الضمير في «يعرفن» بنات رسول الله ونساء المسلمين، والمراد من «يعرفن عن غيرهن» غير نساء المسلمين. إذاً من الواضح أن الآية تدل بدلالة واضحة على الذي أشير على بعضهن (راجع: عبد العزيز بن عبد السلام السلمي، تفسير عبد السلام 2: 589؛ تفسير ابن زمنين 3: 412)، أي «أن يعرفن» يقصد بها «يعرفن حرائر نساء المؤمنين من الإماء» (راجع: الطبري، جامع البيان 18: 230؛ الصفائي، تفسير القرآن 3: 123؛ تفسير ابن أبي حاتم 10: 3154) يحتاج إلى تقدير مسهب لعدم وجود هذا الدليل. ومن الملاحظ أن هذا النوع من التفسير متأثر بالخلفاء الذين جاؤوا بعد الرسول، حيث لم يسمحوا للإماء بتغطية رؤوسهن، وهذا الأمر فقط كان في عهد الخليفة الثاني، ولم يذكر ذلك عن بقية الخلفاء (راجع: القرطبي، جامع لأحكام القرآن 7: 183؛ الجصّاص، أحكام القرآن 3: 486؛ حاشية الدسوقي 1: 215). وكذلك جاء في روايات الإمامية نفس التفسير، ولكن الفقهاء عدوا تلك الروايات في مقام التقية. وقد أفتى المحقق الحلي، الذي كان يعتبر لسان المتقدمين، باستحباب التغطية (راجع: المعتبر 2: 103). والبعض من الفقهاء قال باستحباب التغطية بالنسبة للإماء، وهذا مشهور عند فقهاء الشيعة (رياض المسائل 3: 245). لذلك فإن فقهاء الشيعة رأوا أن تلك الروايات من حيث السند وجهة الصدور مخدوشة. (مفتاح الكرامة 6: 37؛ رياض المسائل 3: 245؛ جواهر الكلام 9: 224).

([79]) راجع: الكافي 4: 272، تهذيب الأحكام 5: 22، وسائل الشيعة: الحر العاملي 11: 23 ـ 24؛ جامع أحاديث الشيعة 10: 221؛ جواهر الكلام 17: ؟؟؟.

([80]) راجع: تهذيب الأحكام 3: 266 و 753؛ وسائل الشيعة 195: 292 ـ 293.

([81]) راجع: المختصر النافع: 196؛ كشف الرموز 2: 204؛ الفقعاني، الدر المنضود: 205.

([82]) الفاضل الهندي، كشف اللثام 7: 613؛ الشهيد الثاني، الروضة البهية 5: 486.

([83]) تحرير الأحكام 14: 46.

([84]) قال الفقهاء: إذا وجد طفل قد مات والديه أو أجداده فإن لأقربائه الحق بأخذه من الذين وجدوه ويتكفلون بحضانته، وإذا لم يحسنوا حضانته فللحاكم الحق بإلزامهم بذلك (راجع: تحرير الوسيلة 2: 233 ـ 234؛ الگلپايگاني، هداية العباد 2: 299؛ السيستاني، منهاج الصالحين 2: 210؛ هداية العباد 2: 233.

([85]) ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين.

([86]) للاطلاع على هذا التحقيق: منوچهر طباطبائي مؤتمني 244: 245.

([87]) إلى هنا بحث الكاتب في أن الفقهاء تناولوا مسائل حقوق البشر بأقل تحليل في المباحث الفقهية، وهذه المسائل جديدة ولم تقيَّم من قبل بحيث يستفيد الفقهاء من هذا الموضوع أكثر، وخصوصاً هذا البحث الذي لم يتطرق إليه سابقاً.

([88]) للاطلاع أكثر على هذه القاعدة راجع: المواضع الكلامية في الاجتهاد: 109 وما بعدها.

([89]) وسائل الشيعة 16: 131؛ بحار الأنوار 10: 71؛ مستدرك الوسائل 12: 189. بالإضافة إلى أن المشهور عند فقهاء الإمامية في زمان الفقه المأثور وقبل الفقه التفريعي الرفض بطريقة فيزيائية (دست را از گوزينه فرهنگي زبان دانسته) راجع: (المقنعة: 809؛ النهاية 2: 15؛ ابن حمزة، الوسيلة: 207؛ الفقه المنسوب للإمام الرضا: 375 ـ 376؛ المختصر النافع: 115).

([90]) قد نقل البعض أنه بسبب التخلف في الدراسة منعوا الطلبة من دخول السينما، وليس من اللحاظ الأخلاقية (راجع: الحقوق الإدارية: 245).

([91]) {وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللهِ} (الأنفال: 41).

([92]) {تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (البقرة: 229)، {وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} (النساء: 14). وراجع: الأحزاب: 36؛ المجادلة: 8؛ الجن: 23.

([93]) النساء: 150.

([94]) الصدوق، ثواب الأعمال وعقاب الأعمال: 308؛ وسائل الشيعة 16: 136.

الكاتب الشيخ سعيد ضيائي فر

الشيخ سعيد ضيائي فر

مواضيع متعلقة

اترك رداً