نظرية الحداثة عند الإمام الخامنئي

16 مايو 2016
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
309 زيارة

نظرية الحداثة عند الإمام الخامنئي

د. الشيخ عبد الحسين خسروپناه(*)

ترجمة: صالح البدراوي

 

إنّ أحد المواضيع التي كان للسيد الخامنئي اهتمامٌ خاصٌّ بها هو موضوع المثقَّف والحداثة الفكرية. وبالنظر إلى أهمية توضيح مسألة الثقافة والحداثة الفكرية، واطلاع القرّاء الأعزاء على مكوناتها ومميزاتها، سأذكر تقريراً مقتضباً عن رؤية السيد الخامنئي على الشكل التالي:

 

أـ الرؤية التفصيلية للسيد الخامنئي ــــــ

نبيّن في ما يلي خلاصة رؤيته المفصلة فنقول: «هذا الحديث هو حديث في مقولة الحداثة الفكرية والمفكرين المجددين في بلادنا، وأرى أنها مقولة مهمة»([1]).

«على مر العصور والمراحل التاريخية كان هناك حضور دائم للمفكرين، هذه الشريحة التي كانت تنظر إلى أبعد من زمنها، وعلى هذا الأساس كانت تفكر وتتحرك»([2]).

«الحداثة الفكرية عبارة عن تلك الحركة والعمل والوضع الذي يكون على صلة بنشاط الفكر، والمفكِّر المجدِّد هو ذلك الشخص الذي يعمل ويتصرف بعقله أكثر ممّا يتصرّف بيده، ويستعمل أعصابه أكثر من عضلاته، هذا هو المفكر المجدّ»([3]).

«الحركة الفكرية الحديثة هي أساساً ضد الحركة الرجعية، وهي مقولة تؤشِّر نحو الأمام، وتنظر إلى المستقبل. والمجموعة التي تعاني من التحجُّر الديني والسياسي وغيره ليست مجموعة فكرية حديثة؛ لأن الفكر الحديث يستلزم المطالبة بالحق، والتفتح الذهني، والاستناد إلى المنطق والدليل»([4]).

«الحركة الفكرية الحقيقية هي التي تنطوي على التفكير العلمي، والنظر إلى المستقبل، والإبداع، والذكاء، والمواساة في المسائل الاجتماعية، وبخاصة في ما يرتبط بالثقافة. وأما بالنسبة للحركة الفكرية في إيران فقد ولدت مريضة؛ لأن المفكرين الأوائل في تاريخ بلادنا هم أفراد لا يتَّسمون بالاستقامة»([5]).

«حركتنا الفكرية الحديثة تفكر وتتأمل وتتحدث وتصدر أحكامها في نفس أجواء النهضة الفكرية الأوروبية. وعندما نقول: إن النهضة الفكرية في إيران ولدت مريضة نقصد بذلك هذا المعنى»([6]).

«يقول آل أحمد، في كتاب «خدمت وخيانت روشن فكران»، في صفات المفكِّر المثقَّف: إحدى الصفات هي الصفات العامّية للمفكِّر. و«العامّية» لا تعني أن العامّة يتصورون المفكر بهذه الكيفية، بل إن المفكر أيضاً يفكر أحياناً بهذه الطريقة. وهذه المميزات تتألف من ثلاثة خصائص: الأولى: مخالفة المذهب والدين؛ بمعنى أن المفكر يجب أن يكون مخالفاً للدين. الثانية: التعلق بالسنن الغربية، والتردُّد على أوروبا، وأشياء من هذا القبيل. والثالثة: هي الدراسة. هذه هي تصورات العامّة عن الحداثة الفكرية؛ أي إذا أصبح أحد الأشخاص متديناً، أو كان علاّمة دهره، والفنان الأول، والفيلسوف الأكبر، فإنه ليس مفكِّراً. ومن ثم يقول: إن هذه الخصائص الثلاثة، أو مفهوم العامّة عن المفكر، والخصائص العامة للحداثة الفكرية، وفي الحقيقة، قد أصبحت طبيعية. وهناك صفتان أخريان يمكن القيام بشرحهما بلغة علمية، أو بلغة فكرية حديثة. إحدى هاتين الميزتين عبارة عن عدم الاهتمام بالتقاليد المحلية وبثقافتنا. ولا يعد هذا الموضوع موضوعاً بسيطاً؛ إنه أمر حتمي. والأخرى: الإيمان بالرؤية الكونية العلمية، والعلاقة العلمية، والعلم، وعدم كون هذه الأمور من القضاء والقدر، ويضرب لك الأمثال على ذلك أيضاً»([7]).

«وهذا في الوقت الذي لا يكون فيه هذا المفهوم، وهذا الخط والاتجاه، وهذا المعنى، موجوداً بأيّ شكل من الأشكال في معنى الحداثة الفكرية المصاغة في الغرب ـ التي أخذها هؤلاء عن الغرب وجاؤوا بها ـ. ولماذا يجب أن يكون المفكِّر الحديث غير مهتمّ بتقاليده المحلية؟ وما السبب وراء ذلك؟»([8]).

«لماذا يجب على الشخص الذي يعمل وفقاً لتفكيره أن يكون غريباً عن تقاليد المكان الذي ولد فيه، وعن تقاليد بلده ووطنه، وتاريخه، بل حتى يجب أن يكون معادياً لها، أو يجب أن يكون مخالفاً للمذهب؟!»([9]).

«والإجابة عن هذه التساؤلات يمكن الحصول عليها من خلال أقوال هذا المرحوم، أو البعض من الأقوال الأخرى التي قيلت في هذه المجالات. والسبب في ذلك هو أن مقولة الحداثة الفكرية «أنتلّكتوئل» (Intellectuel) ظهرت لأول مرة في فرنسا. وفي تلك الفترة كان الشعب الفرنسي وأوروبا قد خرجوا من فترة القرون الوسطى؛ وألقوا بمذهب الكنيسة الأسود العنيف الخرافي للمسيحية وراء ظهورهم، ورفضوه. هذا المنهج الذي كان يأمر بقتل العالم، ويحاكم المكتشف والمخترع، وينفيه، ويقضي عليه، ويتلف الكتب العلمية. من البديهي أن تظهر بإزائه مجموعة من الأفراد المبدعين؛ ليضعوا المذهب الذي يتسم بهذه الخصائص، والمليء بالخرافات والأقوال التي لا يقبل بها أي إنسان عاقل، جانباً، ويتجهوا صوب الأمور الجديدة، وليدونوا دائرة المعارف الفرنسية الجديدة، ويشرعوا في الأعمال العلمية الكبيرة. فكان من البديهي أن تتسم أعمال هؤلاء بالإعراض عن ذلك المذهب. وفي ذلك الوقت قام المفكِّر الإيراني الجديد المقلّد بإدخال مقولة «أنتلّكتوئل» (Intellectuel) لأول مرة في العهد القاجاري إلى البلاد، وأطلق عليها لفظة (منوّر الفكر)، واستخدمها ـ بنفس خصوصيتها المعادية لمذهبه ـ، ووضعها في مقابل الإسلام، الإسلام الذي يمتلك أكثر النظريات منطقيةً، وأكثر المعارف وضوحاً، وأكثر البراهين رصانة، وأكثر الأخلاقيات شفافيةً، الإسلام الذي كان يقوم آنذاك في إيران بنفس العمل الذي كان يريد أن يقوم به المثقَّفون الغربيون في أوروبا، بمعنى أنه خلال فترة معينة من مرحلة الاستعمار تضامن المتنورون الغربيون مع شعوب المناطق التي تعرضت للاستعمار الغربي. فعلى سبيل المثال: إذا كانت إسبانيا قد استعمرت كوبا، وسيطرت على ثروة هذا البلد ـ السكر ـ، فقد كان «جان بول سارتر» الفرنسي يدافع عن الشعب الكوبي، وعن «فيدل كاسترو»، و«جيفارا»، ضد الحكومة الفرنسية الاستعمارية، وألّف كتابه «حرب السكر في كوبا»([10]).

«بعبارة أخرى: كان المثقَّف الغربي يناضل في برهة من الزمان ضد الحكومة والنظام الحاكم عليه لصالح الشعوب الضعيفة. ومَنْ كان يقوم بهذا الفعل في إيران؟ كان يجري على يد الميرزا الشيرازي، والميرزا الآشتياني في طهران، والسيد عبد الحسين لاري في فارس (شيراز). هؤلاء كانوا يناضلون ضد النفوذ الاستعماري، ولكن مَنْ كان يساعد على عقد المعاهدات الاستعمارية، ويمهد للتدخُّل الاستعماري؟ إنه الميرزا ملكم خان، وأمثاله، والكثير من رجالات القاجار، الذين كانوا من المتنوِّرين والمثقَّفين، أي إن المواقف كانت متبادلة بالضبط، ولكن في نفس الوقت احتلّ النضال ضد الدين الإسلامي في الحركة الفكرية الجديدة في إيران مكان النضال ضد الدين الخرافي للمسيحية في أوروبا. وبذلك أصبح من خصوصيات المثقَّف أو المتنوّر أن يعادي الدين ويعارضه»([11]).

«ولكننا نرى أنه ليس في الحداثة الفكرية ـ بالمعنى الحقيقي للكلمة ـ أيّ تعارض مع الدين، ولا مع التعبّد، فباستطاعة المرء أن يكون متنوراً، بنفس المعنى الذي يعرّف فيه الجميع هذه الكلمة ـ أي الشخص الذي ينظر إلى المستقبل، ويؤدي عملاً فكرياً، ويتجّه إلى الأمام ـ، وأن يكون متديناً كذلك. بإمكانه أن يكون متعبداً، وبإمكانه أن يكون كالدكتور بهشتي، والشهيد مطهري، وبإمكانه أن يكون كالكثير من شخصياتنا الدينية المثقَّفة والمؤمنة بحقّ من الذين شاهدناهم. ولا توجد أية ضرورة لأن يكون المثقَّف معارضاً للدين والمذهب»([12]).

«والملفت هنا أنهم عندما يجعلون قيد عدم التعبّد ضمن القيود الحتمية والأساسية للحداثة الفكرية تصبح النتيجة كما يلي: إن العلامة الطباطبائي ليس من المتنوِّرين، والمعروف أنه أكبر فيلسوف في عصرنا، وكان الفلاسفة والشخصيات البارزة من فرنسا، مثل: «هنري كُرْبُن»، يأتون إلى هنا، ويبقون عدة سنوات؛  ليستفيدوا منه، ولكن ما يسمى بالشاعر الفلاني مثلاً، والذي لا يؤمن بأصول الدين، وأصول السنّة، والثوابت الإيرانية الوطنية، وأمضى بضعة أيام في أوروبا، هذا الشخص يعتبر متنوِّراً ومثقَّفاً، وكلما بقي في أوروبا أكثر فهو أكثر ثقافة وأكثر تنوّراً. انظروا أيّ تعريف خاطئ، وأية قضية سيئة وغير مناسبة حدثت في إيران باسم التنوير الفكري!»([13]).

«بعد انتصار الثورة الإسلامية لم تسقط الحركة الفكرية الحديثة في إيران ـ الحركة الثقافية كانت موجودة ـ، ولكن في الحقيقة ظهرت حركة فكرية ثقافية جديدة. ففي عهد الثورة ظهر الشاعر، والكاتب، والناقد، والباحث، والمخرج، والسينمائي، وكاتب السيناريو، والرسّام، من شريحتين اجتماعيتين: إحداهما: العناصر التي أوجدتها الثورة؛ والثانية: العناصر التي كانت موجودة من العهد السابق، وقلبت الثورة ماهيتهم تماماً. ولأول مرة، وبعد مرور مائة عام على بدء الحركة الفكرية الحديثة في إيران، أصبحت الحركة الفكرية في إيران جماهيرية محلية. والذين هم أكثر فاعلية في عناوين الحركة الفكرية الثقافية، ويتواجدون في مركز دائرة الحركة الفكرية، أي الكتّاب والشعراء، وصولاً إلى الفئات المختلفة، كالفنانين والرسّامين وغيرهم، هؤلاء أخذوا يفكرون، ولأول مرة في بلادنا، كما يفكِّر أيّ إيراني، وتكلموا كما يتكلم المسلم، وأنتجوا أعمالاً فكرية وفنية وأدبية. فكان ذلك إيذاناً ببدء عهد جديد»([14]).

«ولابدّ من القول: إنه كانت هناك بعض المعارضة، ولكنها الحركة الثورية الهائلة التي تجعل كل شيء مقدّمة لمثل هذه الحركة. فعليكم أن تعلموا أن كل حركة فكرية، وكل كتابة، وكل فعل، إنما هو مقدّمة لمثل هذه الحركة؛ كالحركة التي حدثت للبلاد في الثورة. ففي ذلك أعظم البركات للبلاد. ولذلك ألقت موجة الحركة الذاتية والإسلامية والجماهيرية للحركة الفكرية بأقسامها المختلفة في البلاد ألقت بظلالها على كل شيء. بدءاً من الملحّن، وصولاً إلى الموسيقار، والفنان، والأديب، والشاعر، فالجميع فكروا بطريقة إسلامية، وعملوا بطابع إسلامي، أو على الأقل حاولوا أن يكونوا كذلك. فكانت تلك ظاهرة جديدة للغاية، ومباركة، وواصلت مسيرتها»([15]).

«وبعد انتهاء الحرب بُذلت الكثير من الجهود المضنية للعودة بالحركة الفكرية في إيران إلى الحالة المرضية التي كانت عليها قبل الثورة، الرجوع إلى الوراء، والرجعية، أي العودة إلى التخاصم مع الدين، والتخاصم مع الثوابت المحلية، والتوجّه نحو الغرب، والتعلق والتبعية للغرب دون قيد أو شرط، والأخذ بكل ما يأتي من الغرب ـ من أوروبا وأمريكا ـ، وتبجيل كل ما يرتبط بالأجنبي، واستصغار كل ما يرتبط بهويتنا، وهو ما ينطوي في داخله على إهانة الشعب الإيراني، وإهانة ثوابته. وأنا ألاحظ ذلك»([16]).

«فمَنْ هم هؤلاء؟ يمكن بطبيعة الحال أن نستشعر ذلك. ولا أستطيع هنا أن أعطي خبراً يقيناً بذلك. فهناك مجموعةٌ من الأفراد ممَّن «لم يؤمنوا بالله طرفة عين». فهؤلاء لم يؤمنوا إطلاقاً، لا بالإسلام، ولا بإيران. كما أنّه في السنوات القليلة التي حدثت فيها قضايا الحركة الفكرية الإلهية الإسلامية الدينية الحقيقية الإيرانية في البلاد ـ سموها كما شئتم ـ لم يكن هؤلاء مستعدون حتى أن يرفعوا رؤوسهم. فقد ذهبوا إلى زاويةٍ ما، أو سافروا إلى خارج البلاد، ووجدوا معبودهم وقبلتهم ومحبوبهم هناك»([17]).

«ميدان الحركة الفكرية ليس كحلبة الملاكمة وما شاكل ذلك. ميدان الحركة الفكرية هو ميدان الثقافة، وأدواته أدوات ثقافية»([18]).

«يجب الحفاظ على ما تحقَّق حتّى الآن بكل ما أوتينا من قوة، ولا ينبغي أن نسمح لمجموعة من الأفراد، الذين لم يتمكنوا من تقديم أية خدمة تذكر لهذا الشعب بأدوات الحركة الفكرية أو بالأدوات الثقافية خلال سنين متمادية في هذا البلد ـ وهذا هو أقلّ ما يقال عنهم ـ، ولم يتمكنوا من الوقوف إلى جانب أبناء الشعب في أية مشكلة أو مسألة مهمة أو يعينوهم، بل حتى لم يتمكنوا من مواكبة مسيرتهم، فكيف يحقّ لهم أن يكونوا في المقدمة، ويتقدّموا الشعب ويقودوه ـ وهم دائماً كانوا في الخلف، ودائماً كانوا منزوين ـ. يجب أن لا نسمح لهؤلاء أن يأتوا ثانية إلى البلاد، ويفرضوا أفكارهم وثقافتهم. وما نشاهده في البعض من الإصدارات والمجلات والمنشورات الثقافية أنهم ينشرون بعض الأشياء التي تشير إلى العودة والحنين إلى الماضي، ويسعون للرجوع إلى الحالة المرضية للحركة الفكرية. هذه هي المقولة السائدة اليوم، وهي مقولة أساسية، وفي غاية الأهمية»([19]).

«عندما يريد المثقَّفون التحدُّث في هذه المجالات بإمكانهم الجلوس والقيام بنسج ما يشتهون، والقول بأن الحداثة الفكرية لا تنسجم مع الدين، ولو سيطر الدين على بلدٍ ما فإنه سيلقي بظلاله على كل شيء. كما يبدو أن المرحوم آل أحمد قد ذكر ـ وللأسف ـ في إحدى الهوامش جملة من هذا القبيل، وقال بأنه خطأ تاريخي. وأرى بأنه قد ارتكب هنا خطأ تاريخياً»([20]).

«ولكن لابدّ من القول: إن الدين الذي عارضته الحركة الفكرية الحديثة في أوروبا لم يكن يليق بالحياة البشرية، كان ديناً مليئاً بالخرافات، وهو الدين الذي حكم على غاليلو بالإعدام، وقتل عالماً آخر جرّاء التعذيب؛ لأنه قام باختراع علمي. فالدين المسيحي تعرَّض للتحريف، ولا يمثل المسيحية الحقيقية. ولا إشكال في الانفصال عن ذلك الدين، وإنما الإشكال حول فصل الأمور الروحية والأخلاق عن العلم والسياسة ونظام الحياة والعلاقات الفردية والاجتماعية. فقد قالوا بإطلاق العلم والعقل، وقالوا: على الدين أن يتنحى جانباً، ويحلّ العلم والعقل محلّه»([21]).

«الحركة الفكرية الجديدة ولدت أساساً على هذا النحو، ضد الدين، ومخالفةً للدين، وعازمة على قلع الدين وقمعه»([22]). «وكذا الحال بالنسبة إلى الحركة الفكرية في بلادنا، فقد ولدت بلا دين منذ البداية»([23]).

«وأقول لكم: إن أهم شيء يحتاج إليه العالم الإسلامي اليوم هو أن يتمكن ذلك المعدن الأصيل والجوهر المتلألئ للدين الإسلامي من الوصول إلى تحقيق أهدافه، وبالشكل الذي لا تلصق به تهمة الجهل والتحجّر والتقديس والتخلف عن العصر والبقاء على حالة التخلف. فنحن بحاجة إلى ذلك في العالم الإسلامي والأمة الإسلامية»([24]).

«ويجب على الحوزة العلمية في مدينة قم؛ باعتبارها قمّة الحوزات العلمية الدينية، وكذا بقية الحوزات العلمية الدينية الأخرى، يجب عليهم أن يبذلوا ما بوسعهم من أجل أن يصبح دين الله مرغوباً بين الناس، ويشعروا بالشوق إليه. وعليهم أن يقدّموا الدين للناس كما أراد الله له ذلك. وهذا الأمر بحاجة هو الآخر إلى إجراء الأبحاث والدراسات، وإلى الإبداع، والفكر المتجدِّد، وإلى الاطلاع على العالم، والتجرُّد عن الأهواء والشهوات الدنيوية»([25]).

«إن المنهج الديني الحديث يعد اليوم أهمّ درع واقٍ يمكن لمجتمعنا الإسلامي أن يرتديه، ويصمد أمام هجمات الأعداء»([26]). «وهذا هو الدور الذي مارسه الشهيد مطهري في القضية الفكرية والحركة الفكرية الإسلامية الحديثة في بلادنا، وينبغي علينا السعي لاستمرار هذا النهج، وعدم توقُّفه.

وفي ما يتعلق بالهوية الفكرية والنهضة الفكرية للشهيد مطهري، والدور الذي لعبه هذا الرجل العظيم في عهده، أرى أنه لم يتمّ حتّى الآن إعطاء صورة شاملة وواضحة عن ذلك. وبذلت بعض الجهود على كتبه ومؤلفاته، وأنجزت بعض الأعمال القيّمة أيضاً، ولكن لابدّ من الوقوف على الفعل الذي قام به الشهيد مطهري خلال عقدي الأربعينات والخمسينات (من السنة الإيرانية) في المحيط الفكري في بلادنا، ومعرفته جيداً.

فقد نزل سماحته بقوته الفكرية المعهودة وذهنه الوقّاد الصائب إلى الميادين المتعلِّقة بالمسائل والقضايا الإسلامية، التي لم ينزل إليها أيّ شخص حتى ذلك الوقت، وأقحم نفسه في مواجهة علمية عميقة وواسعة لا نهاية لها مع الأفكار والنظريات السائدة آنذاك في البلاد، الأفكار المستوردة والمترجمة، الغربية والشرقية، أو التي كانت في طريقها إلى الانتشار. فشرع سماحته بحركة جهادية ذكية للغاية في جبهة المواجهة مع الماركسيين من جهة، ونزل كذلك إلى جبهة المواجهة مع الأفكار الغربية والليبراليين من جهة أخرى.

وهذا الدور على درجة كبيرة من الأهمية، فهو يتطلب الجرأة والثقة اللازمة بالنفس من جهة، ويستلزم المقدرة الفكرية والاجتهاد في مختلف المجالات، ويتطلَّب اليقين والإيمان الراسخين أيضاً.

وكان هذا الرجل العظيم يتحلّى بكل هذه الصفات مجتمعة، فكان عالماً، وعلى درجة عالية من الإيمان، وكان متيقناً من إيمانه، وواثقاً من نفسه. وهذه أمور ضرورية.

وتوجد في تاريخنا الحضاري أفكار مستوردة، ولكن ليس بهذه السعة، وبهذا المستوى من الشيوع والتأثير. وتأريخنا مليء بهذه القنوات الفكرية السقيمة الدخيلة على أفكارنا ونظرياتنا العلمية، سواء في الفقه، والفلسفة، والكلام، ولكن في المرحلة الراهنة، حيث توسعت وسائل الاتصال، تسللت الأقوال الجديدة المستحدثة، بما تمتلكه من مظاهر الاستقطاب والجذب، ودخلت إلى الأجواء الفكرية لمجتمعنا، وهي بحاجة إلى مواجهة صحيحة وعلمية جادّة.

لقد كنا في الساحة ونرى بأم أعيننا، فالبعض من المواجهات التي كانت تحصل آنذاك لم تكن علمية. لقد كانت مواجهة انفعالية، ومن منطلق العقيدة، ولكن كانوا يردّون على بعض الأقوال دون قراءة ودون فهم. لم يعرفوا ما هو، فكانوا يأخذون بجانب معين من مقولة واسعة، ويعمِّمونها على الحرب التي يخوضون غمارها مع تلك المقولة. وكان ذلك يؤدي إلى تداعي التحجر والتوقف والمواجهة غير العلمية، والبعض الآخر كان ينبهر بالأفكار الجديدة والمستوردة، وينجذب نحوها، ويسعى إلى مواءمة الإسلام والفكر الإسلامي والدين معها، ويمنّون بذلك على الإسلام بقولهم: إننا جعلنا الإسلام ديناً جماهيرياً يتسم بروح الشباب، ومقبولاً بين الناس. وأحياناً كان الحماس يأخذهم، ويذهب بهم أبعد من أصحاب هذه الأفكار والنظريات عدة خطوات؛ لئلا يتهموا بالرجعية وما شابه من هذه الأقوال. وقد رأينا ذلك في بعض الحالات. كما جرّوا النبوة والتوحيد والمعاد ومواضيع الإمامة والمباحث الفقهية والاجتماعية والسياسية في الإسلام إلى ما يشابهها في المدارس الغريبة عن المدرسة الإسلامية، وأحياناً إلى المذاهب الإلحادية، والبعيدة تماماً عن الدين، ومع ذلك يمنّون على الإسلام أيضاً بأننا جعلنا الإسلام مفهوماً من قبل الجميع، ومقبولاً لديهم، ولطيفاً بأعينهم. فكان ذلك يمثِّل نمطاً آخر من الانحراف. وكلاهما كان انحرافاً.

حنكة الشهيد مطهري ودرايته في تلك المرحلة كانت تقوم على أساس الصمود في الميدان بقوة الاجتهاد والإنصاف والخُلُق العلمي، سواء في مجال العلوم النقلية أو في مجال العلوم العقلية، وناضل ضد هذه الأفكار، ووضع كل ما كان يعود إلى الفكر الإسلامي واضحاً أصيلاً دون أية شائبة وسط الميدان. وقد هاجموه كثيراً بالقول والفعل، وبذلوا جهداً كبيراً في ذلك، إلا أنه أدى دوره وأنجز هذا العمل. وهذا دور مهم جداً في قضية الحركة الفكرية الحديثة، وأصبح ذلك فيما بعد الأساس في طريقة تفكير مجتمعنا.

ومن ناحيتي لديّ اعتقاد راسخ، ولطالما قلت ذلك مراراً، أن التيار الفكري الإسلامي لثورتنا ونظامنا الإسلامي يستند في الكثير من مفاصله على أفكار الشهيد مطهري»([27]).

«على أية حال لابدّ من النظر إلى مسألة الارتقاء بالفكر الديني في الجامعات نظرة جادة، واحذروا أن يحدث خلل فكري لطالبنا الجامعي والمثقَّف الجامعي. ولدينا كلام كثير، كلام جدير بالقول ومقنع. يجب علينا إعطاء الناحية الإعلامية بعداً أكبر وأعمق، من خلال المقولات الجديدة والرصينة، والتي تنطبق ومعايير الفكر الحديث. وفي ما يتعلق بما يقال فيما إذا كنا نمتلك فكراً دينياً متجدِّداً أم لا؟ أشعر بعدم الارتياح من هذه الأقوال. الرؤية الجديدة، والرؤية الإبداعية للمسائل الدينية والمسائل الفكرية الإسلامية، هي الرؤية المتجدِّدة، وهي لا تعني البدعة، بل فهم ذات المباني والأصول، وشرحها بناء على الأبعاد الجديدة التي يتعلمها الإنسان بفضل مرور الوقت وتغيُّر الزمن. ويجب علينا أن لا نغفل عن هذا الجانب»([28]).

 

ب ـ الرأي الإجمالي للإمام الخامنئي ــــــ

خلاصة توجيهات السيد الخامنئي حول قضية الحداثة الفكرية والفكر الديني المتجدِّد على النحو التالي:

 

أولاً: تصنيف الحداثة الفكرية ـــــ

يقسِّم سماحته الحداثة الفكرية إلى الأقسام الثلاثة التالية:

1ـ الحداثة الفكرية الحقيقية: وهي الحداثة التي تعتمد الدين من جهة، وتمتلك فهماً صحيحاً للدين، وتعطي الأهمية لثقافتها الوطنية والإيرانية.

2ـ الحداثة الفكرية غير الحقيقية والمخالفة للدين: وهي الحداثة الفكرية المخالفة للدين، والمخالفة كذلك للثقافة الوطنية الأصيلة؛ بسبب تبعيتها للثقافة الغربية.

3ـ الحداثة الفكرية غير الحقيقية والمنسجمة مع الدين: وهي الحداثة الفكرية التي لا تتعارض مع الدين، وغير التابعة للثقافة الغربية أيضاً، ولكنها لا تمتلك رؤية واضحة وصحيحة للدين.

 

ثانياً: النظرة للحداثة الفكرية ــــــ

النظرة التي ينظر بها السيد الخامنئي لمقولة الحداثة الفكرية العارية عن أي قيد هي نظرة عامة وكلّيّة. كما أن الدين ليس جزءاً من مقوّماتها؛ لأنه ـ وفقاً لنظرته ـ هناك في الغرب أيضاً مثقَّفون حقيقيون، من الذين يعتبر عملهم ضد الدين الحاكم على تلك الديار صحيحاً ومبرَّراً تماماً. إلا أن هذا التعريف هو بالشكل الذي ينطوي على التقيد بالدين أيضاً، ولا يتَّسم بعدم الانسجام مع الإيمان والتدين. كما أن الثقافة التي يتمناها لإيران الإسلامية هي الثقافة المشروطة بالدين الإسلامي، والثقافة الوطنية الإيرانية. وبناءً على ذلك فإن مصطلح «الحداثة الفكرية الدينية» لا يعتبر برأيه مصطلحاً متناقضاً على الإطلاق، على العكس من رأي الكثير من العلماء، الذين يعتبرون الحداثة الفكرية مختصّةً بالنوع التابع للغرب فقط، ولذلك يعتبرون الحداثة الفكرية الدينية مصطلحاً متناقضاً. كما أن سماحته لا يتعصَّب ولا يصرّ على اسم الحداثة الفكرية الدينية، ولذلك نراه يستخدم في التسمية العناوين التالية: الحداثة الفكرية الحقيقية، الحداثة الفكرية الدينية، الحداثة الفكرية الإلهية، الحداثة الفكرية الشعبية، الحداثة الفكرية الإسلامية، الحداثة الفكرية المحلية، الحداثة الفكرية الإيرانية، بل إنه يعبِّر في أحد المواضع بقوله: «سمُّوها كيفما تشاؤون». وليس المطلوب من المفكِّر الديني المجدِّد ـ برأي سماحته ـ تغيير الثوابت الدينية، بل إنه يعمل على إدخال المقتضيات والمتطلبات الزمانية والمكانية الجديدة في عملية استنطاقها، وإعطاء النتائج المستحصلة فقط. ويرى أيضاً أن اقتصار المفكِّر على التفكير بنفس إسلامي فقط ليس هو المطلوب؛ لأنه، بالإضافة إلى هذا البعد، يرى سماحته أن الاهتمام بالهوية الإيرانية أمر ضروري أيضاً. ويرى أن المعتقدات والمعارف الإسلامية الأصيلة هي التي يفتقدها العالم المعاصر اليوم حقّاً. ولذلك يصر سماحته على أنه يجب على المفكِّر الديني أن يشرح معتقداتنا ومعارفنا الأصيلة بلغة اليوم، ويقدمها إلى المجتمع الإنساني في جميع أرجاء العالم، دون أيّ تخوف وهمي من احتمال عدم تقبل ذلك. إلا أن سماحته يرى ضرورة مراعاة المعايير الفكرية والثقافية الحديثة في الأساليب المتبعة في خصوص هذا الأمر، معتبراً إياها شرطاً في إحداث التأثير اللازم.

 

ثالثاً: مميزات المثقَّف ــــــ

صفات المثقَّف الحقيقي كما يراها الإمام الخامنئي هي:

1ـ هو ذلك الشخص الذي ينظر برؤية متفتحة إلى أبعد من زمنه، ويقرأ المستقبل، ويفكر على هذا الأساس.

2ـ هو الشخص الذي يعمل بعقله وفكره، وليس بعضلاته.

3ـ هو الشخص الذي لا يعرف التراجع، ويمضي دائماً نحو الأمام.

4ـ هو الشخص الذي لا يتقيِّد بأي نوع من أنواع التحجّر، لا التحجّر الديني، ولا التحجّر السياسي، ولا غير ذلك من أنواع التحجُّر.

5ـ هو الشخص الذي يقف إلى جانب الحق، ومنهجه المنطق والدليل.

6ـ هو الشخص الذي هدفه التطوُّر.

7ـ هو الشخص الذي يتألم جداً في المسائل الاجتماعية، وخاصة في ما يتعلق بالثقافة.

8ـ هو الشخص الذي لديه رؤية جديدة وإبداعية بعيدة عن البدعة.

9ـ هو الشخص الذي لدية رؤية جديدة عند مواجهته للمسائل التقليدية، بمعنى أنه يفهم ويوضِّح الأبعاد الجديدة لتلك المسائل والمواضيع التي أصبحت قابلة للفهم بفضل تغير الزمن.

10ـ هو الشخص الذي يؤمن إيماناً كاملاً بمنطقه وأسلوبه.

11ـ هو الشخص الذي يزيل مواطن الإبهام في المواضيع العلمية، ويصبح معلِّماً ومرشداً للناس([29]).

12ـ وفي خصوص علاقة المثقَّف الحقيقي بالثورة الإسلامية في إيران فهو الشخص الذي يعرف جيداً مفاهيم الثورة، ويدخلها في أذهان مختلف شرائح المجتمع بشكل عميق([30]).

13ـ وفي خصوص المثقَّف الإسلامي أن لا يكون بصدد تغريب الدين، وتطبيقه على الإنجازات الغربية؛ بهدف إظهار الدين بأنه يتماشى مع العصر، بل أن يكون فعالاً في إبراز عقائده الصحيحة، ويكون مؤمناً كذلك بمنطقه([31]).

وعليه فالمثقَّف يعدّ من رجال النخبة، الذين يكون ميدان نشاطهم هو ميدان الفكر والثقافة، وهاجسهم الرئيس تطور المجتمع ورقيه بشكل حقيقي. ومن هنا فهو ينظر دائماً إلى المستقبل، ويتحرك نحو الأمام، ويسعى لتقديم الأسس الفكرية وأفكاره الأصيلة والصحيحة للمجتمع برؤية جديدة ومبدعة، ضمن الأطر الجديدة والمنسجمة مع المتطلبات الحالية بشكل منطقي ومبرهن من جهة، ويستفيد أيضاً من الإنجازات العلمية الجديدة لسائر الأمم، من خلال المواجهة الفاعلة والمنتقاة مع ما لديهم من علوم ومعارف.

 

رابعاً: خصائص الحداثة الفكرية الحقيقية ـــــ

خصائص الحركة الفكرية الحقيقية لدى السيد الخامنئي عبارة عما يلي:

1ـ إن هذه الحركة لها ماهية فكرية وعلمية.

2ـ يقوم عماد الحركة الفكرية المتجدِّدة على أساس الرؤية الثاقبة المنفتحة.

3ـ البحث عن الآفاق الجديدة في المجالات المتعلِّقة برؤية المثقَّف، والكشف عنها، وتقديمها للمجتمع.

4ـ هذه الحركة هي مقولة مناهضة للنكوص، وهي تتحرك دائماً إلى الأمام، وتنظر إلى المستقبل.

5ـ لا تنطوي هذه الحركة على أيّ نوع من أنواع التحجّر.

6ـ هذه الحركة عبارة عن مقولة تنطوي تحتها عناوين التفكير العلمي، والنظر إلى المستقبل، والإبداع، والذكاء الوقّاد، والشعور بالمسؤولية في المسائل الاجتماعية والثقافية.

7ـ هذه الحركة عبارة عن مقولة لها رؤية متجدِّدة وإبداعية على الدوام عند مواجهتها للقضايا.

8ـ هذه الحركة هي مقولة دائرة نشاطاتها هو الميدان الثقافي، ولذلك فإن أدواتها أيضاً أدوات ثقافية.

 

خامساً: ماهية الحداثة الفكرية ــــــ

إن تيار الحركة الفكرية برأي السيد الخامنئي عبارة عن التيار الفكري والثقافي المستقبلي الرؤية، الذي لا ينسجم مع أي نوع من أنواع الرجعية والتحجّر، ويسعى ليكون منسجماً مع مقتضيات العصر، بالعلم والمنطق والبرهان، مستخدماً الحداثة والإبداع في المواضيع الفكرية والأساسية، ويقدِّم نتائج ذلك للمجتمع، بأدوات ثقافية وفكرية متجدِّدة ومجدية، وإن كان هذا التيار ولد من الناحية التاريخية مريضاً في إيران.

 

سادساً: أمراض الحداثة الفكرية ــــــ

أمراض الحداثة الفكرية برأي الإمام الخامنئي عبارة عمّا يلي:

1ـ تطبيق الدين على المنجزات الغربية.

2ـ إعطاء تفسير غربي للدين.

3ـ فصل الدين عن السياسة والأخلاق والأمور المعنوية.

4ـ الضلال والإلحاد.

5ـ الشعور بالاستقلال عن الثوابت العلمية المتبقّية من السابق.

6ـ عدم الاهتمام المطلق بالثقافة الوطنية الإيرانية.

7ـ عدم الاهتمام بالناس والمنّ عليهم.

 

سابعاً: خصائص الحداثة الفكرية غير الحقيقية ــــــ

يمتاز تيار الحركة الفكرية الحديثة غير الحقيقية في إيران بصفتين عامتين، تسبَّبتا بظهور ثلاث خصال أخرى إضافية. والميزتان الأساسيتان عبارة عن:

أـ عدم الاهتمام بالتقاليد والثقافة المحلية.

ب ­ـ الإيمان بالرؤية الكونية العلمية.

والخصال التي تتمخض عن هاتين الخصلتين عبارة عن: أـ مخالفة الدين والمذهب؛ ب ­ـ التبعية للغرب والسنن الغربية؛ ج ­ـ الدراسة.

ولدت الحركة الفكرية الحديثة في الغرب، وكانت مسبوقة هي الأخرى بالفترة المظلمة للقرون الوسطى، الممتزجة بمذهب ظلامي مليء بالخرافة، لذا كان من الطبيعي أن ينظر المفكر الغربي الجديد، بل المثقَّف الحقيقي أيضاً، إلى تقاليده المحلية، ودينه أيضاً، على أنهما أكبر مانع من التطوّر والتقدم. إلا أن ظهور الحركة الفكرية الحديثة في إيران؛ وبسبب كونها ولدت مرعوبة من الغرب، وتابعة لها، سعت إلى تقليد الغرب، ولذلك جاءت مخالفة للدين، وكذلك للآداب والتقاليد المحلية. إن التطبيق المطلق، دون قيد أو شرط، للقواعد الحاكمة على المثقَّفين الغربيين في إيران، التي تدين منذ القدم بالدين الإسلامي، كان يمثِّل خطأ فادحاً. وهذا هو معنى الولادة المريضة. وقد حصل ذلك في الوقت الذي كان يلعب فيه المفكِّرون الإسلاميون في بلادنا نفس الدور الذي لعبه المفكِّرون في الغرب، أي إذا كان البعض من المفكِّرين الغربيين معارضين للنهج الاستعماري الغربي في الداخل فقد عارض البعض من العلماء الإسلاميين هذه الظاهرة أيضاً.

 

خلاصة القول ــــــ

انتشر تيار الحركة الفكرية الحديثة في سائر البلدان الإسلامية، وبخاصة في سورية ولبنان ومصر والهند، كما هو الحال في إيران. وقام أمير فخر الدين بناني في القرن السابع عشر الميلادي بجلب مجموعة من المهندسين الإيطاليين معه إلى لبنان، الأمر الذي مهّد، وبمعية العلاقات الاقتصادية لبلاد الشام مع بلدان حوض البحر المتوسط، مهّد الأرضية المساعدة لدخول الأفكار الغربية إلى البلدان العربية، وتأسيس المدرسة البروتستانتية للجامعة الأمريكية في بيروت سنة 1283هـ، والمدرسة اليسوعية لجامعة سان جوزيف سنة 1292هـ. وقد تم التخطيط لمشروع الأفكار الجديدة آنذاك من قبل بعض الأفراد، مثل: عبد الرحمن الكواكبي، وجمال الدين القاسمي، والشيخ طاهر الجزائري، وعبد القادر المغربي، وشكيب إرسلان، ومحمد كرد علي. وأحدثت فتوحات نابليون سنة 1213هـ تحولات جديدة في مصر، وظهرت فكرة تقليد الغرب في مختلف الميادين الثقافية والتربوية، وأسس محمد علي باشا ـ الذي اختير من قبل السلطان سليم الثالث لتحرير مصر، وإفشال الحملة الفرنسية ـ أسَّس دولة قوية موحَّدة، وأعلن استقلاله عن الدولة العثمانية، وأرسل حوالي ثلاثمائة طالب جامعي إلى أوروبا، ومهد بذلك ـ بعد فترة من الزمن ـ الأرضية الملائمة لتأسيس جامعة جديدة على الطريقة الأوروبية، باسم دار العلوم، بإزاء جامع الأزهر، سنة 1872م. المفكِّرون المجدِّدون الذين تمكنوا من فتح باب الاجتهاد في العالم العربي، من خلال وعيهم واطلاعهم على الأفكار الغربية، والاهتمام بالمسائل الجديدة ومتطلبات العصر ومقتضياته، سواء ممَّن قاموا بالترويج للإسلام الجامع الشامل أو الذين اتبعوا المذهب العلماني وفصل الدين عن السياسة، هم عبارة عن: رفاعة رافع الطهطاوي، السيد جمال الدين الأسدآبادي، الشيخ محمد عبده، محمد رشيد رضا، عبد الرحمن الكواكبي، علي عبد الرزاق المصري، يعقوب صروف، شبلي شميل، جرجي زيدان، سيد قطب، قاسم أمين، وطه حسين([32]). وكان للتيار الفكري الحديث في شبه القارة الهندية وباكستان لوناً مشابهاً للتيار الفكري الحديث في إيران والعالم العربي. وتمكن البعض من المفكِّرين الجدد في الهند، مثل: «راجا رام موهن روي»؛ بافتتاحه مكتب الحركة الهندوسية الإصلاحية، ومعارضة المراسيم الدينية والدعاء والصلاة، والقيام بتعليم النساء، ومعارضة ترك الدنيا، و«مهاراشي دبندرانات تاكور»؛ بفصله الحكومات الغربية عن الحضارة في الغرب، ونقد تلك الحضارة؛ بسبب خلوها من الروحانية، والانحياز للوطنية ضد الإمبريالية، و«المهاتما غاندي»؛ بفكره ونضاله وأسلوبه التقليدي، و«جواهر لال نهرو»؛ برئاسته للوزراء خلال السنوات 1947 إلى 1963م، و«السيد أحمد خان الهندي»؛ بالأسلوب المادي في إحياء الفكر الديني، والقبول بالليبرالية، والتعاون مع الحكومة البريطانية، وتأسيس كلية عليكرة، و«محمد إقبال اللاهوري»؛ بطرح فلسفته، وإعادة بناء الفكر الديني، والاستفادة من علم المعرفة الغربي والتجربة الدينية في الإلهيات الليبرالية، ونقد العرفان الذي يدعو إلى الإعراض عن الدنيا، والدفاع عن العرفان الإيجابي ورسالة الاجتهاد الديني والنهضة الإسلامية، ونقد الثقافة الغربية، تمكنوا من المساهمة في بناء وتحقيق الحداثة والنهضة في الهند([33]). يتمثل وجه الاشتراك بين جميع المثقَّفين الليبراليين في العالم الإسلامي بما يلي: الترويج للعلمانية والإنسانية، والإعراض عن الدين، أو القبول بالحد الأدنى من الدين، والاستفادة من الدين كأداة. وكانت هذه المجموعة من المثقَّفين تتمسك بأسلوب التفسير بالرأي، والاستفادة من التعاليم الغربية من أجل تحقيق هذه الأمور.

 

(*) أستاذ جامعي، ورئيس مركز الدراسات والأبحاث في الحوزة العلمية في مدينة قم، وعضو الهيئة العلمية في مركز الدراسات الثقافية (قسم الفلسفة والكلام) في إيران، له مؤلَّفات عدة في فلسفة الدين والكلام الجديد.

([1]) من خطابه في تجمع الطلبة الجامعين لجامعة طهران في 22/2/1377.

([2]) من خطابه لدى لقائه وزير التربية والتعليم ومساعديه ومدراء التربية والتعليم في عموم مناطق البلاد في 25/5/1371.

([3]) من خطابه في تجمع طلاب جامعة طهران في 22/2/1377.

([4]) نفس الخطاب؛ وخطابه في لقائه الطلبة النموذجيين والأوائل في الجامعات في 7/9/1381.

([5]) نفس الخطاب.

([6]) نفس الخطاب.

([7]) نفس الخطاب.

([8]) نفس الخطاب.

([9]) نفس الخطاب.

([10]) نفس الخطاب.

([11]) نفس الخطاب.

([12]) نفس الخطاب.

([13]) نفس الخطاب.

([14]) نقس الخطاب.

([15]) نفس الخطاب.

([16]) نفس الخطاب.

([17]) نفس الخطاب.

([18]) نفس الخطاب.

([19]) نفس الخطاب.

([20]) نفس الخطاب.

([21]) من خطابه في لقائه بطلبة وأساتذة جامعات محافظة كرمان في 19/2/1384.

([22]) من خطابه في لقائه بوزير الثقافة والتعليم العالي والمسؤولين فيها ورؤساء الجامعات في جميع أنحاء البلاد في 20/9/1370.

([23]) من خطابه في لقائه بأعضاء الهيئة العليا للثورة الثقافية، بمناسبة الذكرى السنوية السابعة على تأسيس هذه الهيئة، في 20/9/1370.

([24]) من خطابه في لقائه بأساتذة وطلبة جامعة الإمام الصادق× في 29/10/1384.

([25]) من خطابه أثناء لقائه بالطلبة الجامعيين، بمناسبة يوم الوحدة بين الحوزة والجامعة، في 24/9/1379.

([26]) من خطابه عند لقائه بالعلماء ورجال الدين في كرمان في 11/2/1384.

([27]) من خطاب السيد الخامنئي أثناء لقائه بأعضاء مؤتمر حكمة مطهري، بتاريخ 18/12/1382.

([28]) من خطاب الإمام الخامنئي عند لقائه أساتذة ورؤساء الجامعات، بتاريخ 9/7/1386.

([29]) خطاب السيد الخامنئي بتاريخ 22/7/1358.

([30]) خطاب السيد الخامنئي في جمع من الكتّاب، بتاريخ 22/12/1378.

([31]) خطاب السيد الخامنئي بتاريخ 27/2/1359 في خصوص الدكتور شريعتي وشرح قضية التيار الفكري الحديث، وكذلك في جمع من أساتذة الجامعة بتاريخ 9/7/1386.

([32]) سر آغاز نو أنديشي معاصر: 127 ـ 248.

([33]) المصدر نفسه: 249 ـ 307.