نقد الفقه الإسلامي عند الصادق النيهوم

6 يوليو 2018
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
57 زيارة

نقد الفقه الإسلامي عند الصادق النيهوم

من مسؤولية أداء الشعائر إلى مسؤولية الأمور الدنيوية

د. محمد بن سباع(*)

تمهيد

 يعتبر الصادق النيهوم([1]) من المفكِّرين العرب الذين قَدَّمُوا قراءةً معاصرة للفكر الإسلامي، وتحديداً للفقه الإسلامي، ولكنْ حتّى لو كان النيهوم واحداً من الذين انتقدوا هذا الفقه إلاّ أن ما يميِّزه عنهم في الوقت نفسه هو أن كلّ ما كتبه عن الفقه كان نقداً له وإظهاراً لعيوبه وتناقضاته، حيث تَبَيَّنَ للنيهوم أن الفكر الإسلامي عموماً لم يَعُدْ قادراً على مواكبة مستجدّات الراهن، وأنه يعيش تناقضات كثيرة، حيث يعتبر الفقه الإسلامي تحديداً هو مَنْ أوصله إلى هذا الوضع المتأزِّم، لذا وجب علينا تجاوزه بتجاوز أحكامه وآراء الفقهاء. إن كل الانتقادات التي قدّمها الصادق النيهوم للفقه الإسلامي كانت انطلاقاً من قناعته بأن هذا الفقه ظهر في ظروف تاريخية وسياسية معيَّنة أوجدته من أجل خدمة النظام السياسي وضمان بقائه واستمراره، دون مراعاة مصلحة المواطن المسلم. وهنا دعا النيهوم إلى تحرير الدين من سطوة الفقهاء.

 لقد تبين للنيهوم أن الفقه الإسلامي كرَّس مفهوماً معيَّناً حول الإسلام، مفاده أن الإسلام هو شعائر وشعارات يجب على الفرد المسلم أن يتنازل عن أموره الدنيوية، ويتفرغ للالتزام بأداء هذه الشعائر، إذا أراد أن ينال رضا ربّه، ويكون مصيره الجنة، في حين أن المعنى الحقيقي للإسلام يكمن في أن الإسلام عملٌ وممارسة، لا يُهْمِل الدنيا لحساب الآخرة، وهذا هو المُنْزَلق الذي وقع فيه الفقه الإسلامي عندما أبعد المواطن المسلم من الحكم والمسؤولية والحياة، فانحرف هذا الفقه عن أداء رسالته الحقيقية، التي هي تعريف المسلم بدينه، بل الأخطر من ذلك أنه عمل على تجهيله به.

 إن من أكثر النتائج السلبية المترتبة عن تكلّم الفقهاء باسم الدين هو أننا لم نَعُدْ نعمل بالدين، وإنما نتحدث عن الدين فقط. وهذا هو الوضع الذي أصبحنا نعيشه اليوم، وخصوصاً بعد أن تسبّب الفقه الإسلامي في إبعاد المسلم عن المساهمة في تسيير شؤون الحكم، مع أن الإسلام في حدّ ذاته هو دعوةٌ إلى العمل وإلى الاجتماع، وما التقاء المسلمين معاً في مكانٍ واحد في الجامع، سواء في صلاة الجمعة أو خمس مرات يومياً، إلاّ أكبر دليل على ذلك، وهذا ما يجب أن يطبِّقه الفرد المسلم في حياته، من خلال تفعيل علاقاته بكلّ أفراد مجتمعه، ساعياً إلى تحقيق مصلحته الخاصة، دون إهمال المساهمة كذلك في تحقيق المصلحة العامة؛ لأن هذا ما دعانا إليه الدين الإسلامي.

 إن من بين أهم الأسباب التي جعلت الصادق النيهوم ينتقد الفقه الإسلامي هو الحال الذي وصل إليها المجتمع العربي المسلم، ذاك أن حرية المواطن المسلم، وبالتالي مسؤوليته، انتفَتْ في ظلّ مجتمعٍ تسيطر عليه الطبقة السياسية ورجال الدين، حيث أصبح المواطن المسلم مغلوباً على أمره، مُلْزَماً باتّباع الأوامر، وليس له حقّ التكلُّم وإبداء الرأي. فالدين أصبح ملكيةً خاصّة لأشخاصٍ معينين يتكلَّمون باسمه، هم الفقهاء، مع أن الدين الإسلامي عندما ظهر لم يكن ملكاً لبعض الأشخاص، وإنما كان رسالةً للناس أجمعين. لذلك فقد تبين للصادق النيهوم أن تاريخ الفكر الديني نأى تماماً عن المغزى الحقيقي للإسلام، الذي من المفروض أن يدعو إلى الخير والعدل والصلاح وخدمة مصالح الإنسان وضمان حرّيتهم، لا إلى الاقتصار على تطبيق الأحكام الشرعية، كالسرقة والقتل، والتي إنْ طُبِّقت كانت في أغلبها خدمةً لمصالح السياسة ونظام الحكم. وعليه نتساءل: ما هي مبرّرات انتقاد الصادق النيهوم للفقه الإسلامي؟ ما هي أهمّ هذه الانتقادات التي وجّهها له؟ وما هو النقد الموجّه لنقد الصادق النيهوم للفقه الإسلامي؟

 

أوّلاً: الفقه الإسلامي بين الدين والسياسة

 لقد رأى الصادق النيهوم أن الفقه الإسلامي تاريخياً لم يظهر خدمةً للدين والإنسان، وإنما خدمةً للحكم والسياسة، وهذا من خلال ربط الإسلام بالشعائر، والتأكيد على ضرورة اتّباع الفرد المسلم لها إذا أراد الفوز في الآخرة. وبالتالي فقد عمل الفقه الإسلامي على تحويل انتباهه واهتمامه عن مصلحته الدنيوية، مع أن الدين في حقيقته «ليس فقهاً يتلقّاه المرء من معلم، بل استجابة لغريزة في طبيعة الإنسان نفسه، إنه دستور يقوم على الاعتراف على أن الإنسان الحيّ مفطور على حبّ الحياة، وأن الحياة لا يضمنها قيام مؤسسة فقهية، بل يضمنها قيام مجتمع ديمقراطي قادر على الدفاع عنها ضدّ الظلم والفقر والخوف»([2]). وسعياً منه للتأكيد على ضرورة ربط الفقه الإسلامي بما هو دنيوي، على غرار الأمور الأخروية، يؤكّد الصادق النيهوم على أن الإنسان مفطور على حبّ الحياة الآمنة، وعلى العيش مع الأشخاص الآخرين في جوٍّ من العدالة واحترام الحقوق والواجبات. وهذا هو الفرق بين دعوة الأنبياء والرسل ودعوة الفقهاء؛ فالرسل يدعون إلى إقامة العدل والإخاء؛ أما الفقهاء فيدعون إلى إقامة الشعائر والتوقُّف عندها، وذلك بتوظيف الدين في خدمة المصالح الخاصة، ومنه قوله: «إن الدين الذي لا يضمن العدل للأغلبية في نظامٍ إداري محدّد ببنود الدستور لا يستحقّ اسم الدين، ولا يستطيع أن يجمع الناس حوله إلاّ بوسائل الوعد والوعيد وغسيل المخّ، التي يتولى الفقهاء تطويرها لحساب الإقطاع، في حلفٍ شيطاني ينتحل لنفسه صفة القداسة بالذات»([3]).

 لطالما أكد الصادق النيهوم أنه بين رسالة الفقه الإسلامي ورسالة الإسلام فرق كبير، وهو مبرِّر تسمية كتابه بـ «إسلام ضدّ الإسلام»؛ إذ يعتقد أن الفقيه الإسلامي لم يفهم الرسالة الحقيقية للدين الإسلامي، فعمل الصادق النيهوم من خلال كلّ مؤلفاته أن يبين أن الإسلام ليس فقهاً، أو على الأقلّ ليس فقهاً فقط، بل هو وسيلةٌ تهدف إلى بناء مجتمعٍ عادل. فقد عبث الفقهاء بالدين، وذلك منذ أن دخلوا في أحلاف سياسية مع الأطراف المتصارعة على السلطة، وتحديداً منذ عصر الأمويين. وهذا ما تحدث عنه أيضاً نصر حامد أبو زيد عندما قال: «تعود أولى محاولات إلغاء العقل لحساب النصّ إلى حادثة رفع المصاحف على أسنّة السيوف والدعوة إلى «تحكيم كتاب الله» من جانب الأمويين في موقعة «صفّين»، ولا خلاف على أنها كانت حيلةً أيديولوجية استطاعت أن تخرق باسم النصّ صفوف قوات الخصوم، وأن تُوقِع بينهم خلافاً أنهى الصراع لصالح الأمويين»([4]). وهذا ما جعل رسالة الإسلام تنحرف عن مسارها، وتتحول إلى خدمة مصالح السياسة، مثل: إهدار دم المعارضين السياسيين، وأيضا الفتوى بشرعية الحكم الوراثي، وغيرها، وهي جرائم يتحمّل الفقهاء مسؤوليتها؛ لأنهم هم مَنْ مثَّلوا التشريع الإسلامي، وأعطوا لأنفسهم كامل الوصاية عليه، وجعلوا أحكامهم الفقهية في خدمة أسيادهم الحكّام. وهنا يقول النيهوم، متهكِّماً على الفقهاء: «إن الفقيه المسلم الذي يرفع يديه على المنبر المقام في بيت الله لكي يدعو لسيده بطول العمر والبقاء لم يَجِدْ ذلك في القرآن، ولم يطلب منه الله أن يجعل شعائر الصلاة الخاشعة بمثابة إعلانٍ مجاني للدعاية السياسية، ولكنّه علم ذلك من التاريخ الكهنوتي سيِّئ السمعة. فرجال الدين في مصر القديمة كانوا يقيمون «الصلاة» كلّها باسم الملك؛ لأنه هو الربّ نفسه. أما أحبار المعبد اليهودي، الذين فقدوا لعبتهم الوثنية بتدخُّل التوراة، فقد نقلوا اسم الملك من بداية الصلاة، ووضعوه في النهاية؛ لكي يطلبوا له المغفرة من الله، ويدعوا له بطول العمر»([5]). بالتالي فإن الكثير من الأحكام الفقهية والتصرّفات التي يقوم بها الفقهاء المسلمين، كما يرى النيهوم، ليست فقط انحرافاً عن المغزى الحقيقي لرسالة الإسلام، وإنما هي تقليدٌ أعمى للكثير من العادات والتصرّفات التي كانت موجودةً من قبل عند اليهود والمسيحيين.

 إن النقد الذي يوجّهه الصادق النيهوم للفقه الإسلامي ليس نقداً هدّاماً، وإنما هو نقدٌ يسعى إلى تبيان جوانب النقص والتناقض الكامنة في الفقه الإسلامي. كما أنه لا يقلِّل أبداً من شأن الفقيه، ولا من ضرورة مساهمته في تطوير الفقه الإسلامي، بل إنه يرى ضرورة إعادة ربط الفقيه بوظيفته الحقيقية، التي هي الدفاع عن رسالة الإسلام، مع توفير كل الشروط والظروف التي تساعده على ذلك. ومنه: قوله: «امنحوه فرصة العمل واسع النطاق، الذي يمتدّ على طول مسرح الفكر الإنساني، واتركوه يبحث لنا عن سبيل الرشاد. فهذا الرجل الغارق في الخرافات لا يستطيع أن يفهم القرآن بمعارفه المحنَّطة من القرون الوسطى، ولكنه إذا أُتيحت له الفرصة لفهمه فإنه وحده يستطيع أن يَجِدَ لنا الطريق. أَعْطُوه فرصة العمل بوسائل الفكر الشجاع، كما أعطيتموه السيارة الحديثة بَدَل ناقته القديمة، ولا تتركوا أحداً يَسْجُره لخدمة الدعاية السياسية، والدعاء على المنابر لمَنْ يدفع راتبه في وزارة الأوقاف»([6]). إن هذا الموقف النقدي من طرف الصادق النيهوم للفقه الإسلامي، ولشخص الفقيه، نجده عند بعض المفكِّرين الذين تندرج مواقفهم في إطار ما يُسمّى بالقراءات المعاصرة للفكر الديني، وتحديداً للفقه الإسلامي، مثل: القراءة النقدية التي قدّمها محمد شحرور للفقه الإسلامي، والتي رأى من خلالها أن الفقيه المسلم لم يَعُدْ قادراً على مواكبة التطوّرات المعرفية المعاصرة، والتي يجب عليه معرفتها من أجل توظيفها في أحكامه الفقهية، لا أن تنحصر وظيفته في خدمة السياسة، لذلك يقول: «في كلّ بلدٍ نجد عشرات المشايخ من فقهاء ومتصوّفة، دورها الأساس تخدير الناس، وإبعادهم عن مشاكلهم المباشرة وأعدائهم الحقيقيين، فقد كانوا أعمدة السلطة والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الفاسدة، سواء عرفوا ذلك أم لم يعرفوا. وما زال ورثة هؤلاء الناس يعيشون بيننا حتّى يومنا هذا، تحت أسماء شتّى، يعيشون ويفقهون على المسلمين ما يُسمّى بالإسلام، حَسْب زعمهم، ولم يعلموا أن وجودهم هو أحد المشاكل التي يعاني منها الإسلام»([7]). وربما يكون محمد شحرور هنا متأثّراً بموقف الصادق النيهوم من الفقه الإسلامي، وخصوصاً أن موقف النيهوم ظهر قبل موقف محمد شحرور، مع فارقٍ بينهما، يتمثَّل في أن النيهوم يُحمِّل الفقيه المسؤولية الكاملة في تخلُّف المجتمع المسلم، وينظر بالتالي إلى الفقه الإسلامي نظرةً سلبية خالصة، في حين أن محمد شحرور، على الرغم من الانتقادات الكثيرة التي وجَّهها للفقه الإسلامي، معتبراً أنه لم يَعُدْ قادراً على الاستجابة لمقتضيات الواقع الراهن، سعى في الوقت ذاته إلى تطوير الفقه الإسلامي، بدعوته إلى تجديد مصادر التشريع، وإصدار أحكام شرعية جديدة يمكن اعتبارها حلولاً للكثير من المشكلات التي يعيشها الفرد المسلم اليوم.

 يزداد انتقاد الصادق النيهوم للفقيه الإسلامي، معتبراً أنه نصَّب نفسه متحدِّثاً باسم الدين، حتّى أصبح الإسلام هو ما يقوله الفقهاء ورجال الدين فحَسْب، وكأنّ الله اختارهم لأداء هذه المهمة. أما المواطن المسلم فليس لديه مهمةٌ أخرى سوى أداء الشعائر الدينية التي أقرَّ بها السادة الفقهاء، وما عليه إلاّ الالتزام بها إذا أراد الفلاح في الدنيا والآخرة. هذا هو الفهم الذي أراد الفقه الإسلامي أن يورِّثنا إيّاه حول الإسلام. فما رأي النيهوم فيه؟ يجيبنا بقوله: «الإسلام هو الشرع الجماعي نفسه، وليس ما يقوله الفقهاء عن هذا الشرع. إنه ليس معلومات في الكتب عن دينٍ عادل، بل إنه نظام إداريّ موجَّه لتحقيق العدل في أرض الواقع، بإخضاع الإدارة إلى سلطة الأغلبية. من دون هذه السلطة يختفي الإسلام فجأةً من واقع الناس، وتبدو الحاجة ملحّةً بتعويضهم بإسلامٍ لا يلمس واقعهم، وهي مهمّةٌ استدْعَتْ دائماً أن يصبح الفقهاء ـ وليس الأغلبية ـ هم مصدر الشرعية»([8]). هذه الشرعية التي لطالما أكَّد النيهوم في كلّ مؤلَّفاته أنها باطلة؛ لأنها لم تكن في خدمة الدين من جهةٍ، ولا في خدمة المواطن المسلم من جهةٍ أخرى، وإنما كانت ولا تزال في خدمة نظام الحكم والفقيه على حدٍّ سواء.

ثانياً: علاقة العبادة بالشعائر

 إن أكبر انتقادٍ وجَّهه الصادق النيهوم للفقه الإسلامي التقليدي كان حول مفهوم «أركان الإسلام»؛ إذ رأى أن الفقهاء أخطأوا عندما ربطوا الإسلام بالأركان الخمسة، والتي هي: شهادة أن لا اله إلا الله وأن محمداً رسول الله؛ وإقام الصلاة؛ وإيتاء الزكاة؛ وصوم رمضان؛ وحجّ البيت لمَنْ استطاع إليه سبيلاً؛ إذ يرى الصادق النيهوم أن الدين الإسلامي لا ينحصر بالضرورة في هذه الأركان تحديداً، كما أنها لا تنطبق على كل الأنبياء الذين وصفهم نصّ القرآن بأنهم مسلمون، مثل: إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، وخصوصاً في قوله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمْ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (البقرة: 132). وأيضاً قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ﴾ (آل عمران: 67). وبالتالي فهذه الشعائر الخمس هي من وضع الفقهاء؛ خدمة لمصالح ما كان النيهوم قد أسماهم بالحكّام وأصحاب «العقد والحلّ». وهنا يقول: «فالإسلام رسالةٌ تقوم على الأُلفة بين جميع الرسالات، وتتوجّه لاحتواء الشقاق الفقهي بإعلان وحدة العقيدة، وتقديم العمل على شكل الشعائر، واعتماد مبدأ مسؤولية الناس عمّا كسبت أيديهم، وإنْ كان الفقه قد أصرَّ على القول بأن الإسلام لا يستقيم إلاّ بأداء الشعائر الخمس فلا بُدَّ أنه قد استمدّ هذا الحكم من قرآنٍ لا يعرفه أحد»([9])؛ لأن العبادة في الإسلام لا تقتصر على أداء الشعائر، وخصوصاً التي رأى فيها الفقهاء أركاناً ثابتة للإسلام، وإنما أيضاً على العمل الملموس الذي يحقِّق العدل ويضمن حقوق كلّ الناس. وفي هذا الإطار بالتحديد نجد محمد شحرور يقول عن موقف الفقهاء من أركان الإسلام: «إننا نرى بوضوحٍ كيف يتخبّطون محاولين الحفاظ على هذه الثقافة بالتركيز وبشدّةٍ عل الشعائر (إقامة الصلاة/الصيام/الحجّ)، علماً أن هذه الشعائر لا تدخل في الثقافة، وإنما تحدِّد هوية الانتماء إلى الرسالة المحمدية، وإن ما يدخل في الثقافة هو التشريع وحقوق الإنسان»([10]).

 يبين لنا الصادق النيهوم أن الفقه الإسلامي أكَّد على أن الإسلام ينحصر في القواعد الخمس تحديداً في العهد الأموي، عندما استبدّ الأمويون بالسلطة، وعمل الحجّاج بن يوسف وزياد بن أبيه على هدم بيوت مكّة، وتخويف الناس، وقتل حفيد أبي بكر، وحتّى قتل الحسين في كربلاء، وغيرها من الحوادث، وعندما قام يزيد بن معاوية بأداء فريضة الحجّ بعد أن أحرق ستار الكعبة. وهنا، «وأمام هذا السيف القاطع كان على الفقه الإسلامي أن يختار بين طريقين: إحداهما: أن يموت الفقهاء؛ والأخرى: أن يموت الإسلام. ورغم أن الكثير من الفقهاء العظام قد اختاروا سبيل الشهادة والجنّة، فإن أغلبهم كان مضطرّاً للعودة إلى عياله في آخر النهار»([11]). وهنا ظهر مفهومٌ جديد للإسلام، يراعي حكم الفرد، وعدم الاعتراف بمسؤولية الناس عن شؤون الحكم. فكانت قواعد الإسلام الخمس المعروفة من وضع الحكم الأموي، وبمصادقةٍ من طرف الفقهاء، مع أن القرآن ذاته، كما يرى الصادق النيهوم، لم يحصر قواعد الإسلام في خمسٍ، ولم يمنح الوصاية على الدين لأحدٍ، حتّى يأتينا الفقهاء ليأمرونا بأداء هذا الشعائر، دون غيرها.

 إن الفقه الإسلامي، كما يؤكّد على ذلك الصادق النيهوم، لم يكن فقهاً حقيقياً، بمعنى أنه لم يكن في خدمة الإسلام، بل كان في ذمّة السياسة وتحقيق مصالحها التي تتعارض بالضرورة مع مصالح وحقوق المسلمين. والدليل على ذلك هو أن أركان الإسلام المعروفة أريد لها من قِبَل الفقه الإسلامي أن لا تعارض السياسة من جهةٍ؛ وأن تكون إرضاءً لضمير الفرد المسلم من جهةٍ أخرى، الساعي إلى إثبات إسلامه ابتغاء مرضاة ربّه. هذا التشريع الذي صدر عن الفقهاء يُعتَبر فصلاً بين الإسلام وشؤون الحكم، من خلال حصر الإسلام في قواعد محدّدة. يقول النيهوم: «إن هذا المسلم الذي صنعه فقهاء بني أميّة على هواهم قد صار الآن عمره أربعة عشر قرناً، من دون أن يبلغ سنّ الرشد، فهو لا يزال مواطنا مَعْفِيّاً من مسؤوليّته عن حياته، ومَعْفِيّاً من مسؤوليته عن شؤون الدولة التي تقرِّر مصيره ومصير عياله، ولا يزال الإعفاء ساري المفعول بضمانٍ من نظرية الأركان الخمسة»([12])، لتبقى هذه النظرية التي ما هي إلاّ جزءٌ من الإسلام، وليست الإسلام كلَّه، والذي هو الإسلام الحقيقي، الذي لا يخدم بالضرورة مصالح النظام السياسي، وإنما يراعي مصلحة الإنسان باعتباره فرداً في المجتمع.

 لقد تسبَّب الفقه الإسلامي عبر مدّةٍ زمنية طويلة في تكريس سيطرة الحاكم، وبالتالي تعطيل دور العقل، فأصبحنا الآن أمام وضعٍ متأزِّم يحتاج إلى تشخيص، بل إلى حلٍّ مستعجل، يتمثَّل في «أن ننظر إلى الواقع في عينه، وننصت مَلِيّاً إلى صوت الحقّ. فالإسلام الذي ورثناه عن أسلافنا ليس هو الإسلام الذي بَشَّر به القرآن، بل نسخة ناقصة عنه، ومشوهة إلى ما لا نهاية(…) وإذا كنا حريصين على جوهر الدين حقّاً، ويهمُّنا أن نلتزم بروح النصّ ومحتواه، فإن علينا أن نراعي أن جميع نصوص القرآن وفتاوى أصحاب المذاهب وخبراء التشريع الإسلامي قد التَقَتْ على القول بأن الإسلام لا يقوم من دون سلطة الأغلبية، وأن كلّ محاولة لتطبيق الشريعة من دون إشراف المواطن على سير الإدارة وإصدار القوانين فكرةٌ موجهة عمداً لضرب الإسلام باسم الإسلام»([13])؛ لأن الكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة تبين أن المواطن المسلم مسؤول عمّا يحدث له ويحدث حوله. وعليه يؤكِّد الصادق النيهوم على أن المبدأ الحقيقي الذي يجب أن تقوم عليه أركان الإسلام هو «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»؛ وذلك لأهميته في تسيير شؤون المسلمين ومراعاة العلاقات بينهم، بحيث يكون «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» واجباً على كلّ مسلمٍ. فتحريم الربا وحفظ حقوق المرأة والدفاع عن المستضعفين والمجادلة بالحسنى وحفظ حقّ الطفل والعمل بكتاب الله هذه القواعد وغيرها هي التي أهملها الفقهاء؛ خوفاً من بني أمية. وهذا ما ترتَّب عنه الكثير من النتائج السلبية على الإسلام، وعلى المواطن المسلم الذي حُرِم حتّى من ممارسة مسؤوليته تجاه نفسه. لذلك يجب على المواطن المسلم «أن يعرف أن قواعد الإسلام فكرةٌ جاءت لحرمانه شخصياً من بقية الإسلام، أن يعرف أن أداء الشعائر هو ـ فقط ـ نصف القاعدة، وأن النصف الباقي أن يكون أداء الشعائر شكراً لله على نعمة الحياة، هنا فوق هذه الأرض، وليس طقوساً للبحث عن النعمة في أرض الله الأخرى»([14]).

ثالثاً: الفرق بين السنّة الإلهية والسنّة الرسولية

 هناك الكثير من المفكِّرين المعاصرين الذين قدّموا قراءات جديدة للنصّ الديني، سواء القرآن أو السنّة، وإذا كانت إعادة قراءة القرآن تهدف إلى تقديم فهم جديد لمعاني النصّ، وتبيان أن له بُعْداً تاريخياً لا ينبغي إهداره في محاولة توظيفه في فهم مشكلات الراهن، وهذا ما نجده مثلاً عند بعض المفكِّرين، من أمثال: محمد أركون ومحمد شحرور ونصر حامد أبو زيد وغيرهم، فإن أغلب المواقف من السنّة ترفض المساواة بينها وبين القرآن، وهذا ما نجده عند محمد شحرور مثلاً، الذي ميَّز بين ما أسماه «السنّة الرسولية» و«السنّة النبوية»، ومنه: قوله: «الرسالة المحمدية هي الصيغة النهائية للسنّة الإلهية الأبدية، جرى التعبير عنها بين دفّتي المصحف بأسلوبٍ نظري مجرّد، على اعتبار أن الرسول خاتم المرسلين، وأن عصره| كان بمثابة بدايةٍ لمرحلة ما بعد الرسالات في تاريخ المسيرة النبويّة. فجاءت بهذه الصيغة حتّى يتمكن الناس من سنّ مناهجهم الاجتهادية التطبيقية النسبية على ضوئها؛ ذلك أن سنّة الله مطلقة؛ لأن الله ليس مجتهداً، بل عالمٌ ذو علم مطلق أبدي، بينما الناس متعلِّمون ومجتهدون بعلمٍ نسبي ظرفي متوافق مع طبيعتهم الإنسانية»([15]). فتبين له أن السنّة النبوية الشريفة، ممثَّلة في أقوال الرسولﷺ آنذاك، هي تعبيرٌ عن فهمه الخاصّ لآيات نصّ القرآن، وليست أقواله وَحْياً، كما اعتقد الفقهاء، فجعلوا السنّة من مرتبة القرآن.

 إن الخطأ الذي وقع فيه الفقهاء، حَسْب الصادق النيهوم، عندما أنشأوا علم الحديث هو أنهم أعطَوْه قداسةً تضاهي قداسة نصّ القرآن، واعتبروه مصدراً من مصادر التشريع الإسلامي، مع أن الرسولﷺ لم يَدْعُ إلى ذلك. فالأحكام الشرعية كلّها، كما يرى النيهوم، موجودةٌ في القرآن، ومنه: قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِيناً فَمَنْ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (المائدة: 3)، حيث تفيد الآية هنا بأن الحكم الشرعي انتهى واكتمل مع القرآن، الذي جعله الله كلاماً محفوظاً. بالتالي فإن السنّة، كما يؤكِّد الصادق النيهوم، لها معنى واحد، هو الذي نجده في نصّ القرآن ذاته؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً﴾ (الفتح: 23). وهنا يقول النيهوم، مُوَضِّحاً موقفه من المعنى الحقيقي للسنّة: «فالسنّة التي يتحدث عنها القرآن ليست هي كتب الحديث النبويّ، بل هي نصّ القرآن الذي رفض فكرة الأحاديث النبويّة بالذات، وحرَّر الشريعة من عبودية التاريخ، وأنهى سلطة رجال الدين، واعتمد دستور الشرع الجماعي؛ لكي يعيد القرار إلى أيدي الناس في نظامٍ إداريّ محصَّن ضدّ الظلم بقدر الإمكان. هذه السنّة لا تقوم على أحاديث منسوبةٍ إلى أحدٍ من الأنبياء؛ لأنها ليست سيرةً تاريخية، بل منهجٌ تطبيقيّ حيّ، يعيش عبر العصور، ويخاطب أجيالاً لا تُحصى، في ظروفٍ لا تُحصى، وهي حقيقةٌ لم تَغِبْ على علم الرسول محمد عليه الصلاة والسلام، بل غابت عن علم السنّة»([16]). وبما أن محمداًﷺ رسولٌ من الله يبلِّغ رسالته فقد اعتقد الفقهاء أن كلامه أيضاً هو وحيٌ، فرفعوا حديثه إلى مرتبة القرآن الـمنزل عليه، واعتبروا الحديث النبوي أهمّ ثاني مصدر من مصادر التشريع الإسلامي بعد القرآن. «ولهذا السبب تعرّض الحديث للبحث عنه بشكلٍ منقطع النظير في كلّ الأمصار بعد موت النبيّ، وذلك من أجل جمعه وتثبيته كتابةً، كما حصل للقرآن»([17]). فالرسول الكريم لم يكتب الحديث، ولم يَدْعُ الناس إلى كتابته في حياته، بل كان همُّه تبليغ الرسالة كما هي؛ لأنه يعلم أن النصّ الشرعي اكتمل مع القرآن، وبالتالي فإن ظهور علم الحديث لاحقاً لم يكن لأسبابٍ دينية، وإنما لأسباب سياسية. وهذا ما يؤكِّده عبد المجيد الشرفي في قوله: «أراد النبي أن يكون القرآن وحده النبراس الذي يهدي المسلمين في حياته وبعد مماته، وأن لا تكون لأقواله هو صبغةٌ معيارية مُلْزِمة، وأراد المسلمون غير ذلك، بل عكسه، أو قُلْ: إن جدة الأمر الذي دعاهم إليه، وعدم تهيئتهم لتحمُّل المسؤولية الجسيمة المترتّبة على اجتهاداتهم في تنظيم حياتهم، حال بينهم وبين الاستجابة»([18]).

 لقد حدث التحوُّل بعد وفاة الرسول من السنّة الإلهية إلى السنّة الرسولية. وهو ما اعتبره النيهوم مؤامرةً على سنّة القرآن، وخصوصاً أن علم الحديث أصبح يحمل الكثير من الأحاديث التي تخدم نظام الحكم، وتحديداً نظام الحكم الأموي آنذاك، حتّى أصبحت السنّة هي الحقّ الإلهي المقدَّس في الحكم، مع أن الرسول الكريم مات ولم يورِّث السلطة لأحدٍ. «إن الرسول لم يكتب الحديث؛ لأنه كان يقصد أن لا يكتبه. وكانت رسالته موجَّهة أساساً إلى إلغاء كتب الحديث، وتحرير النصّ المقدَّس من أهواء المؤسّسات السياسية، وجمع الناس على سنّةٍ نافعة واحدة، وهي رسالة أبلغها الرسول حرفيّاً، واختار حجّة الوداع لكي يسمع بشهادة المسلمين على أنفسهم بأن البلاغ قد وصلهم كاملاً، وأن النصّ الشرعي قد اكتمل في صيغة القرآن»([19]).

رابعاً: انتقاد النيهوم لأحكام الفقه الإسلامي

 إن أهمّ بل أخطر ما يعيبه الصادق النيهوم على الفقه الإسلامي هو تأثّره بالفكر اليهودي والمسيحي؛ ذلك أن الفقهاء المسلمين قاموا ـ حَسْب رأيه ـ بنقل الكثير من العادات والأحكام الموجودة في اليهودية والمسيحية وإدراجها في الفقه الإسلامي، جاعلين هذه الأحكام من ثوابت الإسلام، مع أنه في حقيقة الأمر لا علاقة لها بديننا، لا من قريب ولا من بعيد، وخصوصاً أنها ليست من نصّ القرآن. وهنا يقول الصادق النيهوم عن تأثُّر الفقه الإسلامي بالتراث اليهودي والمسيحي: «إن الفقيه الذي يضع عمامةً فوق رأسه، ويلبس جبّته الحريرية؛ لكي نعرف أنه فقيهٌ، ونقبِّل يده من باب التأدُّب، لم يَجِدْ هذا الزيّ في القرآن، ولم يطلب منه الله أن يميِّز نفسه عن بقية المواطنين. ولكنَّه تعلَّم هذه الحيلة من تاريخ الكهنوت سيِّئ السمعة. فرجال الدين في مصر الفرعونية كانوا يلبسون زيّاً خاصّاً؛ لكي يتعرَّف عليهم اليهودي الوَرِع، ويسارع بتقبيل أيديهم عندما يجدهم يطاردون امرأته من باب المحبّة في الله. وقَسَس الكنيسة المسيحية كانوا يلبسون زيّاً خاصّاً؛ لكي يميزهم جُباة الضرائب عن بقيّة الرعاع. وفقهاء المسلمين يلبسون زيّاً خاصّاً؛ من أجل ذلك كلِّه مرّةً واحدة»([20]).

 يرى النيهوم أن هناك الكثير من الأحكام الفقهية الخاطئة، والتي لا علاقة لها بالإسلام، حتّى وإنْ حقَّقت إجماع الفقهاء. لذلك نحن مطالبون اليوم بإعادة تجديد فهمنا للدين، وتجاوز هذه الأحكام التي لم تكن في خدمة الدين، بل تشويهٌ له، وأضرَّتْ كثيراً بسمعة الإسلام. وعليه «فإننا ندعو اليوم إلى القراءة المعاصرة للتنزيل الحكيم، ولآيات الإرث والحجاب والقوامة والتعددية الزوجية، ولأحكام الحدود كما جاءت، وللجهاد والحرب والقتال والغزو، واعين تماماً أننا سنُكَفَّر ونُكَذَّب، وأن الماضين في دروب الآبائية سيكيلون التُّهَم ذاتها، التي نعرفها كما يعرفونها، وسيقيمون الدنيا ويقعدونها، وسينعَوْن أهواءهم، لا حُبّاً بالحقيقة وبالله ورسوله، بل حبّاً بامتيازاتهم، ودفاعاً عن وجودهم»([21]). ومن بين أخطر هذه الأحكام هو ما أسماه الصادق النيهوم بـ «قطع الرقاب» أو الحكم بالإعدام؛ نتيجة الردّة عن الإسلام؛ إذ يرى أن هذه الفتوى لا علاقة لها بالإسلام، منطلِقاً في تبريره لموقفه هذا من قوله تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 256). وهذا ما يحدث في بعض الدول الإسلامية، خصوصاً في السعودية، مع أن نصّ الآية صريحٌ، ويرفض إكراه المرء على الدين. كما أن الإسلام يراعي حرّية الفرد في اختيار دينه أو حتّى عدم اختيار أيّ دينٍ: «إن أشد أنواع الإكراه في الدين هو إكراه الإنسان على تبنّي عقيدةٍ وأيديولوجيا لا يريدها، والنبيّﷺ خلق جوّاً عامّاً ضدّ الأصنام قبل تحطيمها في الأماكن العامة، ولكنّه لم يدخل بيت أحدٍ ليبحث ماذا يوجد فيه؟ ولم يُكْرِه أحداً على أداء شعائر الإيمان. وهذه الآية هي من تعاليم الرسالة المحمدية، وضمانٌ لحرّية الإنسان في اختيار دينه وعقيدته»([22]). بالتالي فإن هذه الفتوى تحديداً تثبت علاقة التواطؤ بين الفقه الإسلامي ونظام الحكم السياسي، الذي رأى في الفقه وسيلةً لتحقيق بعض أغراضه. وهنا يقول الصادق النيهوم، مؤكِّداً على الأصول التوراتية المسيحية للفقه الإسلامي من جهةٍ، وعلى علاقة الفقيه بالسياسي من جهةٍ أخرى: «الواقع أن ما يدعوه الفقهاء المسلمون بـ [أحكام السنّة النبوية] هو في شكله ومحتواه تطبيقٌ حرفي لأحكام التوراة، يمارسه الحاكم المسلم والمواطن المسلم على حدٍّ سواء، في استعراضٍ علنيّ لمدى التخريب الذي لحق بمفهوم الدين، تحت ستار الحفاظ على السنّة»([23]).

 هذا بالنسبة إلى حكم الإعدام.

أما بالنسبة إلى موقف الفقه الإسلامي من المرأة فقد رأى الصادق النيهوم أن الفكر الديني الإسلامي ممثَّلاً في آراء الفقهاء وأحكامهم عمل على اضطهاد المرأة. وحاشا الدين الإسلامي أن يكون مضطهداً لها. وهذا ما تؤكِّده الكثير من نصوص القرآن، التي تُعْلي من شأن المرأة، وتدعو إلى الحفاظ على كرامتها، ومنه: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ (الأحزاب: 58)، وأيضاً قوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً﴾ (النساء: 7). وعلى الرغم من أنه يُقال: إن المجتمعات الغربية قطعت أشواطاً في مجال حرّية المرأة فلا يعني ذلك بالضرورة أن المرأة الغربية وصلت إلى أعلى درجات الحرّية، أو أنها تتمتَّع بكامل حقوقها. وإنْ كانت حقَّقت بعضاً منها فإنها لم تتخلَّص من الاضطهاد إلاّ بعد أن دفعَتْ ثمناً باهظاً للخلاص منه، من خلال الحروب والثورات لقرونٍ متتالية.

 إن اضطهاد المرأة في المجتمع الإسلامي كان في مصلحة ما أسماه النيهوم بـ «نظام الإقطاع»، والذي هو السلطة أو النظام الحاكم، مع أن النظام الاجتماعي بكل مؤسّساته ساهم في اضطهادها وتكريس هيمنة الرجل عليها. وأهمّ مظاهر هذا الاضطهاد دعوتها إلى تغطية شعرها، بل حتّى تغطية وجهها، مثلما يدعو البعض من الفقهاء، معتبرين وجهها عورةً. وهنا اعتمد الفقه الإسلامي في هذا الحكم على قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ (النور: 31)، رغم أن نصّ القرآن هنا لم يذكر الوجه والشعر، وإنما الجيب، الذي هو ـ حَسْب النيهوم ـ منطقة الصدر. كما أن القرآن لم يُشِرْ إلى نوعٍ محدَّد من اللباس، وإنما نهى المرأة عن ارتداء اللباس الذي يكون عرضةً للتبرُّج: «أما لماذا اختار الفقه الإسلامي أن يخالف نصّ القرآن، ويتوجه إلى إلزام المرأة بتغطية وجهها؟! فذلك مردُّه إلى أن تغطية الوجه تشلّ حركة المرأة كلّياً، وتوقفها عن أداء أيّ عملٍ خارج البيت، ممّا يسلبها حقّها في الكسب شرعاً، ويعيدها إلى خانة الجارية»([24]). وبالتالي فالإسلام بريءٌ من إذلال المرأة، وسلب حقوقها، بل إن الفقه الإسلامي هو مَنْ شوَّه صورة المرأة، وألحق بالإسلام صفة اضطهاد المرأة؛ «لأنه من المثير للسخرية أن يتمسَّك المَرْء اليوم بنظرةٍ فوقية إلى المرأة جاءته من عصور حكمتها الذكورية، كانت فيها المرأة والكلب الأسود والحمار من مُبْطِلات صلاة الرجل. والأكثر إثارةً للسخرية أن يظنّ بتمسُّكه هذا أنه يتمسَّك بالكتاب المنزل»([25]).

 إن أهمّ الأحكام التي أخذها الفقهاء المسلمون عن الكهنة اليهود، كما يرى النيهوم، ما تعلق منها بـ «الختان»، حيث رأى فيه الفقهاء أنه شرطٌ لا يستقيم إسلام المَرْء إلاّ به، مع أنه لا يوجد في القرآن نصٌّ يتحدث عن ضرورة ختن الأطفال. أما الختان فهو وصفة قديمة جدّاً للعلاج من الأمراض التناسلية، أخذها اليهود عن المصريين القدامى: «ولو سُئل الفقيه المسلم عن المصدر الشرعي للختان لما وجد أمامه نصّاً دينياً واحداً يبيح هذه الفعلة، سوى الإصحاح السابع عشر من سفر التكوين الذي يقول: «وقال اللهُ لإبراهيم: هذا هو عهدي الذي تحفظونه بيني وبينكم، يُختَنُ منكم كلّ ذكر(…)». فالنظرية اليهودية تقوم على الاعتقاد بأن الختان هو القربان الذي يقدِّمه اليهود للدخول في عهد الربّ»([26]). وهذا الفعل غير موجودٍ أصلاً في المسيحية. أما في الإسلام فقد رأى الفقهاء أن في ختان الأطفال حفاظاً على السنّة النبوية الشريفة، وبالتالي فإن ما قام به الفقهاء هو تمريرُ هذا الفعل تحت غطاء الدين.

 لا يتوقَّف اعتراض النيهوم على الفقهاء وأحكامهم على مسائل الإعدام واضطهاد المرأة وختان الأطفال، وإنما يتعدّاه إلى مسائل كثيرة أخرى، مثل: ما يسمّيه الفقهاء بـ «الذبح الشرعي»، الذي يرى أنه لا يوجد نصٌّ قرآني حول طريقة الذبح الشرعي، وإنّما ما يسمّى بـ «الذبح الشرعي» هو طقوس شكلية أوردها الفقهاء. ويرى أنها لا تتناسب مع طريقة الذبح المعاصرة. وبالعودة إلى طريقة الذبح عند اليهود، وكيف تأثَّر بها فقهاء الإسلام؟ فإننا نجد أن توجيه رأس الذبيحة إلى القبلة مأخوذٌ من أن التوراة تشترط توجيه الذبيحة نحو الهيكل. أما قطع الشرايين فهدفه تفريغ الجسم من الدم، الذي تعتقد التوراة أنه الروح، وبالتالي تحرِّم أكله، مع أن نصّ القرآن أيضاً يحرِّم أكل الدم؛ لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ﴾ (المائدة: 3). وهذا ما لم يفهمه فقهاء الإسلام. فالقرآن لم يأمر بسفك الدم، وإنما بالامتناع عن أكله. «ولعلّ الدليل على أن ما يُسمّى بـ «الذبح الشرعي» هو مجرّد بدعةٍ فقهية مستعارة من اليهود يتمثَّل بوضوحٍ في ذبح الجَمَل؛ فتحريم أكل الجمل في التوراة ترك الباب مفتوحاً أمام المسلمين لاختيار أفضل طريقةٍ لقتله، وقد اتَّفقوا على طعنه عند أسفل العنق، من دون أيّ تفاصيل فقهية»([27]).

 يناقش الصادق النيهوم حكماً فقهياً آخر شاع في الأوساط الفقهية هو حكم «تحريم الصور والتماثيل». فهم قد أفتَوْا بأن كلّ مَنْ يرسم صورة إنسانٍ أو حيوان فقد تعدّى حدود الله. وهذه الفتوى، كما يرى النيهوم، قد عطَّلَتْ الفنّ لدى المسلمين، وجعلته يتأخَّر عدّة قرون. ففي حين نجد أن أكبر المتاحف العالمية تزخر بالكثير من الأعمال الفنّية، التي تعبِّر عن الإنسان، وعن الحياة بصفةٍ عامة، ننظر إليها نحن المسلمون بتذوُّقٍ وإعجاب، مع أننا لا نجد نصّاً قرآنياً واحداً يحرِّم الرسم والتصوير. وهنا يقول النيهوم: «وفي ما تزخر اللوحات العالمية باللوحات والتماثيل التي تجسِّد ملامح المجتمعات في جميع الحضارات القديمة يضيع وجه الحضارة الإسلامية، وتغيب ذاكرتها في غبار التاريخ؛ بسبب فتوىً مريبة، لا مبرِّر لها سوى الجهل المطلق، أو سوء النيّة»([28]). هكذا فإن أغلب الأحكام التي صدرت عن الفقهاء، سواء في القضايا السابقة أو غيرها، لا تستند إلى نصٍّ ديني صريح؛ وإنما هي من جهةٍ تعبِّر عن تأثُّر الفقهاء المسلمين بالديانات الأخرى؛ وهي من جهةٍ أخرى تعبِّر عن قناعة الفقيه الشخصية، أو هي محاولةٌ منه لإرضاء الحاكم ونظام الحكم السياسي. وبالتالي جاءت أغلب أحكام الفقه الإسلامي في كلتا الحالتين بعيدةً كلَّ البُعْد عن التعبير عن الرسالة الحقيقة للدين الإسلامي.

 

خامساً: الجامع كبديلٍ عن المسجد

 يرى الصادق النيهوم أن اجتماع المسلمين كلّ يوم جمعة لم يَعُدْ له معنىً؛ وذلك لأننا لم نَعُدْ نناقش الموضوعات التي تتعلَّق بحاضرنا، وإنما نكتفي بالاستماع إلى الإمام وهو يذكِّرنا بذنوبنا، وهذا راجعٌ إلى أن المواطن المسلم تنازل تماماً عن حقِّه في إبداء رأيه، مع أنه من المفروض أن الجامع ليس مكاناً للصلاة فقط، بل للحوار أيضاً. فقبل الإسلام كان بيت الله مكاناً للصلاة فقط، مثل: المعبد والكنيسة وغيرهما، ولكنْ لما جاء الإسلام دعا الرسولﷺ إلى الاجتماع في الجامع من أجل التحاور ومناقشة الأمور الاجتماعية والسياسية. وهنا يقول الصادق النيهوم: «في الجامع اكتسب بيت الله وظيفةً سياسية لأوّل مرّة ولآخر مرّة في التاريخ، فلم يَعُدْ بيتاً مقدَّساً للصلاة وحدها، بل صار أيضاً بيتاً مقدَّساً للحوار السياسي، ونقد الإدارة، وصياغة القوانين، والمحاسبة والمراجعة دوريّاً، كلّ أسبوع ومن دون انقطاعٍ، وقبل وفاة الرسولﷺ كان هذا الجامع مؤتمراً مفتوحاً رسميّاً أمام كلّ مواطنٍ، ينعقد كلّ يوم جمعةٍ على مستوى الأمّة بأسرها»([29]).

 إننا نلاحظ اليوم أنه حدث تحوُّل جذري في وظيفة الجامع؛ إذ لم يَعُدْ هناك حوارٌ سياسي، ولم يَعُدْ المواطن المسلم يُسمِع كلمته بعد أن كان يحاسِب الخلفاء الراشدين على أخطائهم، كعثمان وعليّ، وهذا عندما كان الجامع يمارس وظيفته السياسية، حيث كان المسؤول السياسي آنذاك، والذي هو الخليفة، هو مَنْ يَؤُمّ الناس ويصلّي بهم، حتّى تُتاح فرصة الحوار المباشر بينه وبين المواطنين المسلمين. لذلك وجب على الثقافة الإسلامية أوّلاً أن تدرك الفرق بين المسجد والجامع؛ فإذا كان الأوّل «كلمة مشتقة من سجد؛ لأنه خلوة للصلاة؛ فإن الجامع مشتقّ من كلمة جمع؛ لأنه مؤتمر سياسي، مهمّته أن يضمن لكلّ مواطن حقّ المشاركة شخصياً في اتخاذ القرار السياسي. وإذا كانت ثقافتنا الإسلامية لا تميِّز الآن بين المسجد والجامع فذلك أمرٌ مردُّه إلى أنها ثقافةٌ فقهية مسخَّرة أساساً لتغييب نظام الجامع بالذات»([30]). أما إذا أردنا توضيح المعنى الحقيقي للجامع، والذي عمل الفقه الإسلامي على تغييبه لصالح مفهوم المسجد، قلنا: «الجامع ليس هو المسجد، وليس مدرسةً لتلقين علوم الدين، بل هو جهازٌ إداري مسؤول عن تسيير الإدارة جماعيّاً»([31]).

 لقد غاب الحوار السياسي والاجتماعي اليوم، وإنّ هذا التحوّل في وظيفة الجامع من الحوار القائم على إشراك المواطن إلى الاقتصار على الوَعْظ، واكتفاء المواطن بالاستماع، دون أن يكون له الحقّ في إبداء رأيه، راجعٌ ـ حَسْب الصادق النيهوم ـ إلى العهد الأموي؛ لأن الأمويين سعَوْا إلى إلغاء الحوار في الجامع عندما أرسلوا خطباء وعّاظاً من أجل إلقاء المواعظ على الناس فقط. وبالتالي حتّى لو أن الاجتماع لا زال قائماً فإن الذي زال هو الحوار. ومنه يقول النيهوم، معقِّباً على هذا الوضع الجديد: «فهذا مواطن اسمه عبد الله يذهب أسبوعياً إلى اجتماع في بيت الله؛ لكي يحضر مؤتمراً رسمياً على مستوى الأمة، لكنّه لا يفتح فمه خلال الاجتماع، ولا يتكلّم مع المجتمعين، ولا يبوح لهم بكلمةٍ، ولا يطلب عونهم، ولا يعاتبهم، ولا يقول لهم شيئاً، سوى «عليكم السلام». إنه يترك عمله لحضور المؤتمر، ويغتسل ويستعدّ وينطلق إلى الجامع، حاملاً في صدره أكثر من مأساةٍ، لكنّه لا يفعل شيئاً في الجامع نفسه سوى أن يجلس ساكتاً بين صفوف من الساكتين»([32])، على الرغم من أن من بين هؤلاء المصلّين الساكتين مَنْ هو فقيرٌ ومَنْ هو مريضٌ ومَنْ هو منبوذٌ اجتماعياً، وربما لا يجد ما يأكل، ولو استمع المصلّون إلى هؤلاء جميعاً لحُلَّت مشاكلهم، وما بقي بيننا مريضٌ ولا فقير ولا منبوذ. فهل فعلاً أن الله دعانا إلى أن نحرم أنفسنا من جنّة الدنيا لكي نحصل على جنّة الآخرة؟!

 إن الفقه الإسلامي هو مَنْ عطَّل دور المواطن المسلم في المساهمة في الإدارة والحكم، وحرمه من إبداء رأيه، عندما جعل أهمّ لقاءٍ بين المسلمين، والذي هو لقاء يوم الجمعة، لقاءً للاستماع فقط، يلتقي فيه المواطنون للاستماع والموافقة دون إبداء الرأي. فأصبحت دروس وخطب يوم الجمعة إملاءات من الطبقة السياسية يبلِّغها الأئمة والفقهاء لكلّ المواطنين الذين هم مطالَبون بالالتزام بها. أمام هذا الوضع إذا أردنا التغيير يقترح علينا الصادق النيهوم أن نؤسِّس حزباً يسمّيه بـ «حزب الجامع»، الذي «سيتوجّه إلى تغيير لقاء الجمعة من مناسبةٍ للصلاة والوعظ إلى مؤتمر للديمقراطية المباشرة على مستوى القاعدة، ويمتلك بذلك أوسع وأفضل برنامجٍ سياسيّ عرفه العرب طوال تاريخهم بأسره»([33])، حيث يجب على هذا الحزب إذا أراد أن ينجح في أداء مهمته أن يتّصف بمجموعةٍ من الخصائص، أهمّها أنه حزبٌ لا يحكم، وإنما يدعو إلى تحكيم الأمة، فلا يمثِّل أيّ طرف على حساب الآخر، وإنما يكون هدفه الجمع بين كل الأطراف، ولا يمثِّل مذهباً فقهياً معيناً، وإنما يمثِّل الإسلام؛ لأن ما نأى بالإسلام عن بعده العالمي هو حصره في مذاهب وأحكام فقهية ثابتة تجاوزها الزمن، ولم تَعُدْ قادرةً على مسايرة الواقع. ولكي يوضِّح النيهوم حقيقة حزب الجامع، وضرورته في تغيير أوضاع المسلمين، يقول: «إن نظام الجامع ـ مثل نظام الأحزاب ـ صيغةٌ إدارية لتحقيق سلطة الجماعة، ظهر في تاريخنا بعد سحق المؤسّسات العسكرية والدينية في زلزالٍ أكثر قوّة وأكبر نطاقاً من الزلزال الذي عايشته شعوب غرب أوروبا. لكنّ نظام الأحزاب صيغةٌ لا نملك لها دستوراً في ثقافتنا؛ أما الجامع فهو صيغةٌ لها تاريخٌ نعرفه ودستورٌ بلغة مواطنينا، بلغةٍ معلَنة بينهم، باعتباره أعزّ مقدَّساتهم. إن كلّ مواطنٍ يعرف في الجامع معنى الكلام الذي يقوله الآن دون معنى»([34]). كذلك فإن الجامع، كما يرى النيهوم، هو الحزب الحقيقي الذي ينبغي أن يجمع كلّ أفراد المجتمع الإسلامي، وهو الدستور الحقيقي الذي يجب أن يتمّ الاتفاق على موادّه داخل الجامع بحضور وإشراك كلّ المسلمين، الذين يجب أن يتكلَّموا عن أنفسهم بأنفسهم، لا أن يتكلَّم الفقهاء باسمهم وباسم الدين.

 هذا هو نظام الجامع الذي يدعو إليه الصادق النيهوم، الذي يكون الحكم فيه لله والإدارة للناس. لكنْ للأسف إن ثقافتنا اليوم هي ثقافة مسجد، وليست ثقافة جامع، أي ثقافة كلام، وليست ثقافة عمل، مع أن الإسلام جاء ليثبت أن كل فرد مسؤول عمّا يحدث له انطلاقاً من أنه حرٌّ في قراراته وأفعاله. لذلك فعندما نتحدث عن المسلمين نقول: الأمة الإسلامية؛ لأن الأمة تعني أن هناك صلة وثيقة بين أفرادها، فكل فرد مسؤول عمّا يحدث له وما يحدث لغيره من المسلمين، حيث لا تكون السلطة في أيدي المؤسّسة السياسية، ولا المؤسسة الدينية: «فكلمة الأمة ليست مجرد كلمة، بل لغة ونظام في الحكم والإدارة، يقوم على ثلاثة شروط عقائدية، لا تتوفَّر في شريعةٍ أخرى: الشرط الأوّل: «إن الملك لله وحده»، فلا أحد داخل نظام الأمة يملك حقّاً إلهيّاً في الحكم. والشرط الثاني: «إن كلّ نفس بما كسبت رهينة»، فلا أحد يشفع لأحد. والشرط الثالث: «إن الدين عند الله الإسلام»، فنظام الأمة ليس دعوة لعقيدة أخرى، بل دعوة لاحتواء جميع العقائد والألوان والأنساب في مجتمعٍ جديد»([35]). إن نظام الأمّة يضع دائماً القرار بين أيدي الناس، فهم المسؤولون عن تحقيق مصلحتهم العامة؛ وذلك لأنه نظام السلطة الجماعية التي تمارس عن طريق الشورى المباشرة في الجامع. وإن زوال هذا النظام اليوم في مجتمعنا المسلم المعاصر دليلٌ على أن ثقافتنا أصبحت ثقافة نظرية، لا عملية، بعيدة تماماً عن الإسلام.

سادساً: نقد نقد الصادق النيهوم للفقه الإسلامي

 لا يعتبر الموقف النقدي من الفقه الإسلامي عند الصادق النيهوم الموقف الوحيد في الفكر العربي المعاصر؛ إذ إننا نجد الكثير من المواقف النقدية الأخرى عند المفكِّرين العرب، من أمثال: محمد شحرور ومحمد أركون وعبد المجيد الشرفي وغيرهم. لكن ما يميز الصادق النيهوم عن هؤلاء جميعاً هو رفضه لكلّ ما هو فقهي. فالمتتبِّع لآرائه حول الفقه الإسلامي يبدو له وكأنّ هذا الفقه دخيلٌ على الإسلام، وأن الفقهاء لم يطَّلعوا أبداً على القرآن، وخصوصاً أن النيهوم يدّعي أن أغلب أحكام الفقه الإسلامي مستمدّة فقط من التراث اليهودي والتراث المسيحي. مع أن المفارقة هنا أن النيهوم في حدّ ذاته لم يكن مطَّلعاً بالشكل الكافي على الفقه الإسلامي، فجاءت كلّ آرائه عامّةً سطحية، ولم تخُضْ في تفاصيل الفقه. فكيف يمكن لمَنْ لم يطَّلع على الفقه الإسلامي أن ينتقده؟

 إن حال النيهوم لا يختلف كثيراً عن حال المستشرقين الذين يتّخذون مواقف نقدية من الفكر الديني الإسلامي، وتحديداً الفقه الإسلامي، وهم لم يطَّلعوا عليه إلاّ اطّلاعاً سطحياً؛ لأنهم لا تربطهم علاقة مباشرة بالثقافة العربية الإسلامية. والكلام ذاته يُقال هنا عن الصادق النيهوم، الذي درس في أوروبا على يد المستشرقين الألمان، وقضى أغلب فترات حياته متنقِّلاً بين الدول الأوروبية تلميذاً مجتهداً ينهل من الثقافة العلمانية.

 إن أكبر وأهمّ الانتقادات التي وُجِّهت إلى الصادق النيهوم كانت حول موقفه الذي أرجع فيه الفقه الإسلامي إلى أصول يهودية، وكأن الفقهاء المسلمون كانوا معجبين متأثِّرين بأحبار اليهود، متجاهلين قرآنهم وأقوال الرسولﷺ. وهنا يقول محمد سعيد رمضان البوطي: «وما الدليل على أن كلاًّ من: الإمام أحمد بن حنبل، ومحمد بن إدريس الشافعي، وأبي حنيفة النعمان، ومالك بن أنس، وأتباعهم جميعاً، كانوا أقطاباً في مدرسة التوراة وطليعة المعلِّمين فيها؟ ومن أين لنا أن نعلم ما قد علمه الصادق النيهوم من أن الفتاوى التي كان يصدر عنها هؤلاء الأئمّة لم تكن صادرةً من القرآن، وإنما من أقوال التوراة. لقد درسنا ثم درَّسنا ما يملأ قلب كلّ عربي ومسلم فخراً واعتزازاً بتاريخنا الحضاري الأعزّ، الذي مثَّله هؤلاء الأساطين من علماء الشريعة في القرنين الأول والثاني الهجريين، وما رأينا باحثاً حُرّاً إلاّ وينغض الرأس؛ إجلالاً لعلمهم، ثمّ إكباراً لأمانتهم»([36]).

 لقد أراد النيهوم أن يحوِّل الإسلام من شعائر تربط الفرد المسلم بربّه إلى مجرد نظام إداري عندما دعا إلى التحوُّل من مسؤولية أداء الشعائر إلى المسؤولية عن أمور دنيوية، فأفرغ بالتالي الإسلام من محتواه الروحي؛ انطلاقاً من دعوته إلى تجاوز الفقه الإسلامي إلى فقه الواقع. وما يريده الصادق النيهوم، وأغلب القراءات المعاصرة للفكر الديني، «أن يصبح التديُّن متجاوباً مع فلسفة الحداثة، ومتبنِّياً لقِيَمها، فلا رقابة تقيد حرّية الأفراد، ولا طقوس شعائرية توجِّه السلوك، ولا غيبيّات تكلف، وعليه ينبغي التحرُّر من أسر التديُّن الموروث، والاكتفاء بالتديُّن الشخصي، الذي يترجمه كلّ إنسان في دائرة حياته الخاصّة بحَسَب هواه»([37]). هكذا كان تهجُّم النيهوم عل الفقه الإسلامي، متناسياً أن أول ظهور لهذا الفقه كان مع شخص الرسولﷺ، وهو الذي دعا المسلمين في الكثير من الأحاديث إلى تدبُّر القرآن، وإلى الاقتداء بأقواله وأفعاله، وهو القائل: «عليكم بسنّتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديّين من بعدي»([38]). فلولا المجهود الذي بذله فقهاء وعلماء الأمة في الحفاظ على السنّة النبوية الشريفة وجمع الأحاديث لما وَصَلنا شيء من أقوالهﷺ، وهو رسول الله إلينا وإلى الناس أجمعين. لذلك يجب أن يعلم الصادق النيهوم وغيره، من منتقدي الفقه الإسلامي والرافضين اعتبار السنّة النبوية من مصادر التشريع الإسلامي، أن «الفضل الأول في تأسيس علم الفقه يرجع إلى المشرِّع الأعظم، رائد الحركة العلمية في الأرض، الرسول محمدﷺ، فهو مَنْ أقام هذا النظام العلمي المتطوّر، الحافل بجميع مظاهر السموّ والارتقاء»([39]).

 إن رفض السنّة أمرٌ جَلَل؛ لأن الاهتمام الكبير من طرف الفقهاء بالسنّة لا يرجع، كما يعتقد النيهوم، إلى اعتبارهم أن السنّة وحيٌ، وإنما لكونها أقوالاً صدرت عن الرسول. فأهمّيتها ترتبط بمكانة الرسول عند الله وعند المسلمين. وبالتالي فإن «إبعاد السنّة والتشكيك في مكانتها في التشريع الإسلامي مسألة خطيرة، فبعدها يصبح التلاعب بالقرآن الكريم أمراً ممكناً ويسيراً»([40]). أما تبرير ظهور علم الحديث فذلك راجعٌ إلى حاجة المسلمين للاستفادة منه في أخذ الكثير من الأحكام التي لا توجد صراحةً في نصّ القرآن. ولكنْ رغم ذلك كان الفقهاء على علمٍ ودراية بضرورة تحصين هذا العلم، بالتحقُّق من مصادر الحديث، والتمييز بين الصحيح والضعيف منها؛ لأنهم يدركون أن مسؤولية إصدار الأحكام الفقهية ليست بالهيِّنة. وعليه «فلا بُدَّ من الوصل بين الفقه والحديث النبوي. فمما لا جدال فيه أن معظم أدلة الفقه من السنّة؛ فإن آيات الأحكام في القرآن قليلةٌ محدودة، وجلّ استدلال الفقهاء إنما هو بالأحاديث(…). وهذا يوجِب علينا الاهتمام بعلم الحديث روايةً ودرايةً، ومراجعة أدلة الأحكام في ضوء علوم الحديث الكثيرة، مثل: علم الجرح والتعديل، وعلم الرجال، وعلم علل الحديث، وعلم مختلف الحديث، والناسخ والمنسوخ منه، إلخ»([41]).

 هكذا، فقد قدَّم النيهوم قراءةً علمانية للإسلام، من خلال تأكيده على أن الفقهاء أخطأوا عندما ربطوا الإسلام بالآخرة، ورأوا أنه لا يرتبط بالدنيا، وأيضاً من خلال دعوتهم إلى اتّباع الشعائر من أجل الفوز بالجنّة. فوصل الأمر بالنيهوم إلى حدّ اعتبار أن أركان الإسلام الخمسة لا تعبِّر عن حقيقة الإسلام. وإن هذا الافتراء هو ما اعترض عليه الفقهاء المعاصرون، مؤكِّدين على «أنّ الذي يقرأ كتاب الله وسنّة رسوله يجد في نصوصها ارتباط الأحكام بالمعاني والعلل في مئاتٍ من المواضع. وحتى الشعائر التعبُّدية نفسها لم تَخْلُ من هذا التعليل، الذي هو مظهر حكمة الله في ما شرع. فالصلاة «تنهى عن الفحشاء والمنكر» و«الزكاة تطهِّرهم وتزكيهم بها»، و«الصيام لعلّكم تتقون»، والحج «ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله». وقد أخذ الراسخون من علماء الأمة، من أمثال: الغزالي، وابن عبد السلام، وابن تيمية، وابن القَيِّم، والشاطبي، وغيرهم، من استقراء الأحكام الجزئية، وتعليلاتها التي ثبتت بنصوص الكتاب والسنّة، أن الشريعة ما جاءت إلاّ لإقامة مصالح العباد في المعاش والمعاد ودفع الشرور والمفاسد عنهم. وهذا ما لا رَيْبَ فيه»([42]).

 أما بالنسبة إلى نقد النيهوم لموقف الفقهاء من المرأة، واعتباره أن الفقه الإسلامي قد أهان المرأة عندما أكَّد على ضرورة ارتدائها الحجاب وسترها لوجهها؛ حيث اعتبر النيهوم أن هذا الحكم تعدٍّ على حقوق المرأة، وإقصاءٌ لها من أداء وظيفتها في المجتمع، فقد كان موقف النيهوم هذا محلّ اعتراض من كثيرٍ من الفقهاء؛ إذ نجد مثلاً محمد سعيد رمضان البوطي يقول، منتقداً لفهمه الخاطئ: «فهل لي أن أعود وأسال الصادق النيهوم عن أيّ مصداقٍ تاريخي لهذا الموت الذي فرضه الحجاب الإسلامي على المرأة، ثم عن العلاقة اللزومية بين ثياب العفّة والستر والتخلُّف العلمي والاجتماعي؟»([43]). وهنا أيضاً نجد موقفاً آخر ينفي تماماً إمكانية احتقار الفقه الإسلامي للمرأة، مُؤَكِّداً في الوقت ذاته على أنه ليس هناك دين كرَّم المرأة مثل: الدين الإسلامي. وهذا ما سَعَتْ كلّ الأحكام الفقهية إلى إثباته في الواقع؛ ذلك أنه «لما مَنَّ الله على البشرية بعبده ورسوله محمدﷺ أنقذ المرأة من واقعها المرير، وأضفى عليها جميع ألوان التبجيل والتكريم، وساوى بينها وبين الرجل في معظم الحقوق، فمنحها حقّ التملُّك، وحقّ التصرُّف في أموالها، من دون إذن زوجها وأبيها، وحقّ الإرث، وأشاد بمكانتها ومنزلتها، ونعى على الذين يحتقرونها، ولم تنَلْ المرأة حقوقها كاملةً في أيّ قانونٍ أو نظام اجتماعي ـ قديماً وحديثاً ـ مثل ما نالته من حقوق في التشريع الإسلامي»([44]).

 عطفاً على ما سبق ذكره، يتبين لنا أن النقد الذي وجَّهه الصادق النيهوم للفقه الإسلامي نقدٌ هدّام، لا بنّاء. كما أن موقفه واهٍ لا يقوم على حجّةٍ دامغة. بالإضافة إلى أنه لا ينطلق من علمٍ ودراية. بل كان النيهوم جاهلاً بالفقه الإسلامي وعلاقته الحقيقية بالإسلام. وهو إذ أراد أن يثبت أن الفقه الإسلامي انحرف عن رسالة الإسلام فإن النيهوم هو مَنْ شوَّه مفهوم الإسلام والفقه الإسلامي معاً. وبالتالي فإن موقفه من الفقه الإسلامي لم يكن في خدمة الإسلام، ولا في خدمة المواطن المسلم، كما ادّعى، وإنما كان خدمةً للمواقف العلمانية المعادية للإسلام.

خاتمةٌ

 لقد حاول الصادق النيهوم في كلّ مؤلَّفاته أن يبين أن المجتمع العربي المسلم أصبح يعيش حالةً من العمى الفكري، يتمثَّل في التناقض الصارخ بين فكره وسلوكه؛ حيث رأى أن المتسبِّب الرئيس في هذا الوضع المتأزِّم هو الفقه الإسلامي. وقد أراد النيهوم فضح علاقة التواطؤ بين الفقهاء والساسة، فوجَّه كلّ انتقاداته إلى الفقهاء، متّهِماً إيّاهم بأنهم سرقوا الدين، وهم مَنْ أوجدوا الأنظمة الإقطاعية في بلاد الإسلام، فساهموا بالتالي في سلب المواطن المسلم كلّ حقوقه، وحرموه من أداء مسؤوليته تجاه نفسه وتجاه مجتمعه.

 إن الذي يميِّز موقف النيهوم من علاقة الدين بالإنسان هو تأكيده على ضرورة ربط الفقه الإسلامي بالأمور الدنيوية، التي تراعي تحقيق مصلحة الإنسان، وتضمن له معيشةً كريمة، معترِضاً بالتالي على الفقه الإسلامي التقليدي، الذي رأى أنه أخطأ في فهم الدين عندما ربطه بأمور أخروية فقط، ملزماً بالتالي الإنسان المسلم بأداء شعائر محدَّدة ليس لها ثوابٌ إلاّ الجنّة.

 لقد تبين للنيهوم أن من أهمّ مظاهر سيطرة السياسة على الدين هو أن المواطن وحده مَنْ يطبق قوانين الشريعة، ولا يكون له أيّ دخلٍ في اختيار حكّامه وحكومته، وهذا ما أفرز تاريخياً قيام سلطة الحاكم، وسقوط حكومة الناس التي دعا إليها الإسلام. كما أن العبادة الحقيقية ليست في الشعائر التي يدعونا إليها الفقهاء، وإنما في تحقيق العدل والسلام والمصلحة العامة، ولن تتأتّى هذه النتائج العملية إلاّ بتأسيس «حزب الجامع»، الذي تكون مهمته الأولى تحويل يوم الجمعة من موعدٍ للصلاة فقط إلى لقاء حوارٍ ديمقراطي بين المواطنين المسلمين. وبالتالي يدعونا النيهوم إلى ديمقراطيةٍ اجتماعية جديدة تبدأ من الجامع، مع ضرورة تحقيق شرطٍ مهمّ، ألا وهو تحرير الجامع من سلطة الفقيه؛ لأن المنعرج الخطير الذي حدث في تاريخ الفكر الإسلامي هو عندما سلب الفقيه المواطن المسلم حقَّه في الحوار، وأعطى لنفسه دون غيره حقَّ التكلُّم.

 يبدو لنا أن موقف الصادق النيهوم من الفقه الإسلامي راجعٌ إلى تأثُّره الشديد بالحداثة الغربية، ونمط الحياة فيها، حتّى جعلته تجربة الدراسة والعيش في أوروبا ينظر إلى الشعوب المسلمة على أنها متخلِّفة، ولا تعرف من التحضُّر شيئاً. هذا ناهيك عن أن نقده للفقه الإسلامي لم يكن من منطلق دراية واطّلاع، وإنما نظر إلى الفقه الإسلامي من عَلٍ؛ إذ إنه لم يكن متخصِّصاً في الفقه الإسلامي، وهذا ما جعل من نقده له نقداً هدّاماً، لا بنّاءً.

الهوامش

(*) أستاذٌ في جامعة قسنطينة ـ قسم الفلسفة، من الجزائر.

([1]) مفكِّر ليبي. ولد بمدينة بنغازي عام 1937م. أعدّ أطروحة الدكتوراه حول «مقارنة الأديان» في جامعة القاهرة، ثم انتقل إلى ألمانيا، ودرس على يد المستشرقين هناك، ثم تابع دراسته في الولايات المتّحدة الأمريكية، ثم عين أستاذاً في قسم الدراسات الشرقية في جامعة هلسنكي في فنلندا عام 1968م، بعدها انتقل إلى الإقامة في جنيف، وبقي هناك حتّى توفّي سنة 1994. من أهم مؤلَّفاته: «الإسلام في الأسر» و«إسلام ضدّ الإسلام».

([2]) الصادق النيهوم، إسلام ضد الإسلام: 26، سوريا، رياض الريس للكتب والنشر، ط3، 2000.

([3]) المصدر السابق: 14.

([4]) نصر حامد أبو زيد، نقد الخطاب الديني: 102، القاهرة، سينا للنشر، ط2، 1994.

([5]) الصادق النيهوم، تحية طيبة وبعد: 189، بيروت، تالة للطباعة والنشر، ط2، 1992.

([6]) المصدر السابق: 191.

([7]) محمد شحرور، الكتاب والقرآن: 587، سوريا، دار الأهالي للنشر والتوزيع، دون طبعة، 1990.

([8]) الصادق النيهوم، صوت الناس محنة ثقافة مزوّرة: 61، مصر، مؤسسة رياض الريس للكتب والنشر، 1987.

([9]) الصادق النيهوم، إسلام ضد الإسلام: 29.

([10]) محمد شحرور، نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي: 47، سوريا، الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع، ط1، 2000.

([11]) الصادق النيهوم، الإسلام في الأسر، مَنْ سرق الجامع؟ وأين ذهب يوم الجمعة؟: 52، سوريا، مكتبة الأسر الوطنية، ط3، 1995.

([12]) الصادق النيهوم، الإسلام في الأسر، مَنْ سرق الجامع؟ وأين ذهب يوم الجمعة؟: 57.

([13]) الصادق النيهوم، إسلام ضد الإسلام: 16.

([14]) الصادق النيهوم، الإسلام في الأسر: 60.

([15]) محمد شحرور، السنّة الرسولية والسنّة النبوية: 95، بيروت، رؤية جديدة، دار الساقي، ط1، 2012.

([16]) الصادق النيهوم، الإسلام في الأسر، مَنْ سرق الجامع؟ وأين ذهب يوم الجمعة؟: 139.

([17]) المصدر السابق: 139.

([18]) عبد المجيد الشرفي، الإسلام بين الرسالة والتاريخ: 177، بيروت، دار الطليعة، ط2، 2008.

([19]) الصادق النيهوم، الإسلام في الأسر، مَنْ سرق الجامع؟ وأين ذهب يوم الجمعة؟: 139.

([20]) الصادق النيهوم، تحية طيبة وبعد: 187.

([21]) محمد شحرور، نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي: 54.

([22]) محمد شحرور، تجفيف منابع الإرهاب: 267، سوريا، الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع، ط1، 2008.

([23]) الصادق النيهوم، إسلام ضد الإسلام: 137.

([24]) المصدر السابق: 209.

([25]) محمد شحرور، نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي: 114.

([26]) الصادق النيهوم، إسلام ضد الإسلام: 139.

([27]) المصدر السابق: 143.

([28]) المصدر السابق: 144.

([29]) المصدر السابق: 88.

([30]) المصدر السابق: 30.

([31]) الصادق النيهوم، صوت الناس محنة ثقافة مزورة: 42.

([32]) الصادق النيهوم، الإسلام في الأسر، مَنْ سرق الجامع؟ وأين ذهب يوم الجمعة؟: 90.

([33]) الصادق النيهوم، إسلام ضد الإسلام: 17.

([34]) الصادق النيهوم، الإسلام في الأسر، مَنْ سرق الجامع؟ وأين ذهب يوم الجمعة؟: 31.

([35]) المصدر السابق: 36.

([36]) محمد سعيد رمضان البوطي، هذه مشكلاتهم: 242، بيروت، دار الفكر المعاصر، دون تاريخ.

([37]) قطب الريسوني، النص القرآني من تهافت القراءة إلى أفق التدبُّر، مدخلٌ إلى نقد القراءات وتأصيل علم التدبُّر القرآني: 417، المغرب، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ط1، 2010.

([38]) أخرجه أبو داوود (5: 13)، والترمذي (5: 44)، من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه. والحديث صحَّحه الألباني في صحيح «الجامع الصغير» (2: 346).

([39]) باقر شريف القرشي، الفقه الإسلامي: تأسيسه، أصالته، مداركه: 23، إيران، المؤسسة الإسلامية للبحوث والمعلومات، ط1، دون تاريخ.

([40]) شوقي أبو خليل، قراءةٌ علمية للقراءات المعاصرة: 22، سوريا، دار الفكر، ط1، 1999.

([41]) يوسف القرضاوي، الفقه الإسلامي بين الأصالة والتجديد: 35، القاهرة، مكتبة وهبة، ط2، 1999.

([42]) المصدر السابق: 89.

([43]) محمد سعيد رمضان البوطي، هذه مشكلاتهم: 245.

([44]) باقر شريف القرشي، الفقه الإسلامي: تأسيسه، أصالته، مداركه: 37.