وقف الوقت

20 يونيو 2018
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
663 زيارة

وقف الوقت

سؤال المشروعية الفقهية وإشكاليّاته في الفقه الإسلامي

الشيخ محمد حسن زراقط(*)

مقدّمة

وقف الوقت مفهومٌ جديد، يبدو أنّ إدارة الأوقاف الإسلامية في الكويت هي أوّل مَنْ اختطّه، وبدأ باستخدامه. ويُقصد منه تخصيص الإنسان جزءاً من وقته للعمل الخيريّ والخدمة الاجتماعيّة وفق معايير الوقف التي قرّرها الفقه الإسلامي. وبالرجوع إلى الفقه الإسلامي نجد أنّ العلاقة القانونية المسمّاة بالوقف لها شروطٌ محدّدة؛ بعضها استنبطها الفقهاء من النصوص الإسلامية مباشرة؛ وبعضها بتحليلها بأيّ شكلٍ من أشكال التحليل التي تختلف من مدرسةٍ فقهيّة إلى أخرى؛ وبعضها توصّل إليها الفقهاء بوسائط أخرى، كالتحليل العرفي أو العقليّ أو السير وفق مقتضيات الإجماع الفقهيّ على شرط ولو لم يتَّضح دليله. وسوف تعالج هذه الورقة مجموعة من الأسئلة المرتبطة بوقف الوقت، بدءاً من البحث عن الجدوى والمنافع المتوقّعة من تطبيق هذا المفهوم، مروراً بنظائره ومشابهاته في الفقه الإسلامي الإماميّ، انتهاءً إلى التكييف الفقهيّ بناءً على إمكان ذلك. وسوف تتعرّض الورقة للبحث عن الدواعي التي تدعو إلى البحث الاسمي الاصطلاحي في المفهوم، إذا كان يمكن التوصّل إلى مشروعيّته، بعيداً عن انطباق عنوان الوقف عليه.

تعريف الوقف في الفقه الإماميّ

الوقف من المعاملات التي اهتمّ بها الفقه الإسلاميّ، وخصّص لها مساحة مهمّة في دوائر البحث الفقهيّ. وربما راهن عددٌ من الفقهاء على وضوح هذا المفهوم، فلم يتصدَّ لتعريفه، ومن هؤلاء: الشيخ الطوسي، الذي يبدأ كتاب الوقف من كتابه الخلاف بقوله: «إذا تلفّظ بالوقف، فقال: وقفت، أو حبست، أو تصدّقت، أو سبّلت، وقبض الموقوف عليه أو مَنْ يتولّى عنهم، لزم الوقف…»([1]). ويتابع النقاش في هذه المسألة؛ لإثبات اللزوم، فيستشهد بقول رسول الله| لمَنْ سأله عن مالٍ أصابه يريد أن يتقرّب إلى الله به: «حبِّس الأصل، وسبِّل الثمرة»([2]). وقد سار على دربه آخرون ممَّنْ لحقه من الفقهاء. غير أنّ الخبر المرويّ عن النبيّ| تحوَّل إلى مستند للتعريف المدرسيّ في الفقه الإسلاميّ، ولم يناقشوا فيه إلاّ نقاشاً ظاهراً. وعلى الرغم من وضوح هذه العلاقة القانونية غير أنّه، ولو بحكم العادة من جهةٍ، وعلى أمل الاستفادة من التعريف في اكتشاف بعض أحكام الوقف، أرى من المناسب عرض بعض التعريفات، وأشهرها قولهم: «تحبيس الأصل، وتسبيل الثمرة»([3]). وجرى على هذا التعريف كثير من الفقهاء، لا أرى ضرورةً لاستعراض أقوالهم في تعريف الوقف. ولكنْ لا بُدَّ من الإلفات إلى أنّ بعضهم استبدل كلمة «الثمرة» بـ «المنفعة»([4])؛ وبدّل آخرون كلمة «تسبيل» بـ «إطلاق»([5])؛ وأمّا الشهيد الأول فقد عرَّفه بقوله: «وهو الصدقة الجارية، وثمرته تحبيس الأصل، وإطلاق المنفعة. والصريح وقفت. أمّا حبست وسبّلت وحرّمت وتصدّقت فيفتقر إلى القرينة، كالتأبيد ونفي البيع والهبة والإرث. وظاهرهم أنّ تصدّقت وحرّمت صيغة واحدة، فلا تغني الثانية فيها عن الأولى، وتغني الأولى مع القرينة، ولو قال: جعلته وقفاً أو صدقة مؤبّدة محرّمة كفى»([6]). وربما يُتوقّف عند قوله في تعريفه: إنّ ثمرة الوقف عنده هي تحبيس الأصل، وليست عينه أو جزء ماهيّته. غير أنّه يبدو لي أنّ هذا التدقيق حرفي، لا يمكن الرهان عليه؛ لاستفادة موقفٍ فقهيّ مختلفٍ من الوقف أو تعريفه.

وعلى أيّ حال المشترك بين هذه الموارد جميعاً عنصران أساسيّان، هما:

1ـ التحبيس: وهو سمة تلحق بالعين الموقوفة، وتمنع من التصرّف فيها تصرّف المالك، أو حتّى تصرّف الموقوف عليه تصرّف المالك في ملكه، ببيعٍ أو غيره من التصرّفات الناقلة. ولأجل هذا نجد أنّ الأصل في العين الموقوفة هو المنع من بيعها. ويعمل بخلاف الأصل في موارد محدّدة، نصّ الفقهاء عليها، واختلفوا في عددها.

2ـ الإطلاق: أو التسبيل، أي جعلها في سبيل الله. وهو سمةٌ تلحق بالمنفعة، أي جعل المنفعة في سبيل الله للجهة الموقوف عليها، كائنةً ما كانت. فوقف المسجد يعني جعل منفعته أي «الصلاة فيه» مطلقة لمَنْ يريد الصلاة فيه، والأمر عينه يُقال في سائر الموقوفات. وفي مقام المقارنة بين الإطلاق والتسبيل ثمّة مَنْ رجّح الأخيرة على الأولى؛ لأنّها تتضمّن معنى جعله في سبيل الله، بخلاف كلمة إطلاق([7]).  ويبدو أنّ استخدام كلمة إطلاق سببه كونها المعنى المقابل للتحبيس الذي يتعلّق بالأصل. ويستحقّ هذا النقاش الحسم في محلٍّ آخر؛ لأنّ كلمة إطلاق ربما تكون مقصودةً، ولعلّ الهدف منها الإشارة إلى عدم اشتراط الوقف بنيّة القربة، كما في الوقف الذرّيّ، وربما غيره، وبالتالي أراد من استخدم كلمة إطلاق تضمين تعريفه بعض شروط الوقف وأحكامه. وأخيراً ألفت إلى أنّ البحث عن التعريف تترتَّب عليه آثارٌ بحثيّة، سوف أعود إليها لاحقاً في هذه الدراسة، بعد معالجة قضيّة «وقف الوقت».

تعريف «وقف الوقت»

«وقف الوقت» مصطلحٌ وُضع قيد التداول بشكلٍ رسميّ أواخر القرن الماضي، وذلك مع إطلاق الأمانة العامّة للأوقاف مبادرتها في هذا المجال. وتعرِّف الجهة صاحبة المشروع هذا المفهوم بالقول: «وقف الوقت هو المسمّى الفلسفي والإعلامي لمشروعٍ وقفيّ يسعى لرعاية العمل التطوُّعي الكويتي، ودعم آلياته التشغيلية والتثقيفية، والذي حاولنا من خلال اسمه اختزال فكرة وفلسفة الدور الوقفي المتجدّد، القائم على استهداف مساحات جديدة فى العمل المجتمعي التنموي، ومحاولة الاستجابة لاحتياجاته المتطوّرة. ويأتي القطاع التطوعي كأحد أهمّ الأولويات التي استهدفها الدور الوقفي الجديد»([8]). وبعد هذا التاريخ بدأ استخدام هذا المصطلح في الدراسات الفقهية للبحث عنه. وقد قدّم عددٌ قليل حتّى الآن من الباحثين في الفقه الإسلاميّ رؤاهم لهذا المفهوم، وبحثوا في مدى انسجامه مع معايير الفقه الإسلاميّ عموماً، والوقف وقواعده على وجه الخصوص. ولجدّة هذا المفهوم نحاول استجلاء تعريفه الفقهيّ عند مَنْ عالجه من الناحية الفقهيّة. وسوف أكتفي بعرض تعريفين له:

أوّلهما: للباحث حسن محمد الرفاعي، الذي يقول في تعريف هذا النموذج الوقفيّ: «حبسٌ مؤقَّت لجهد الإنسان اليدويّ أو العقليّ، المؤدّي إلى إيجاد منفعةٍ شرعيّة، والذي يظهر بشكلٍ انفراديّ أو من خلال مشروع، على جهات البرّ»([9]).

أمّا عبد الله السدحان فإنّه يقارب قضيّة وقف الوقت من باب وقف المنافع، حيث يقول: «وفي منتدى قضايا الوقف الفقهيّة الثالث… قرَّر المشاركون… أنّه يجوز أن يكون وقف المنافع والحقوق على سبيل التأبيد والتأقيت… وكذلك جواز وقف منافع الأشخاص، وهي ما يقدِّمونه من أوقاتهم في وجوه الخير، مثل: خبرات الأطبّاء والمهندسين والمعلّمين والمفكّرين»([10]).

ولم يتعرّض فقهاء الإماميّة لهذا الموضوع في أبحاثهم الفقهيّة، بالنظر إلى جدّة الموضوع وحداثته، وربما بالنظر إلى وضوح عدم انطباق عنوان الوقف عليه عندهم. ولكنّ البحث العلميّ يقتضي خوض هذه التجربة؛ للحكم لها أو عليها، بحَسَب مقاييس الفقه الإماميّ. وينحلّ السؤال عن الموقف الفقهيّ من «وقف الوقت» إلى أسئلة عدّة، هي:

1ـ هل ينطبق عليه مفهوم الوقف بحَسَب ما له من المعنى الاصطلاحيّ؟

2ـ ما هي نظائر وقف الوقت وأشباهه في الشريعة؟

2ـ هل يمكن الاستعاضة عن عنوان الوقف بعناوين أخرى تؤدّي النتيجة ذاتها؟

3ـ ما هو حكم هذا المفهوم بغضّ النظر عن اسمه المستحدث محلّ البحث؟

4ـ ما هي الآثار والنتائج المتوقّعة لهذا العمل، على تقدير تشجيع الشريعة على ممارسته؟

وقد تقتضي المعالجة العلمية الكاملة تفريع أسئلة من كلّ سؤالٍ من الأسئلة المتقدِّمة.

إشكاليّة انطباق العنوان

قد يبدو البحث عن انطباق عنوان الوقف على «وقف الوقت» بحثاً لفظيّاً لا فائدة تُرتَجى منه، حيث إنّ المهمّ هو البحث عن الحكم، وليس البحث عن الاسم. وتزداد وجاهة هذا التشكيك في الجدوى عندما ننظر إلى كلام بعض الفقهاء على التعريفات والمفاهيم عموماً، وعلى الوقف على وجه الخصوص؛ وذلك أنّ عدداً من الفقهاء والأصوليّين يؤكِّدون في أبحاثهم المفاهيميّة على أنّ التعريفات الحقيقيّة لا يعلمها إلاّ الله، والبحث اللفظي ليس من مهامّ الأصوليّ، وما التعريفات سوى تعريفات لفظيّة، لا ينبغي أن تترتَّب عليها آثار واقعيّة علميّة([11]). وقد تكرّر مثل هذا التقليل من أهمِّية البحث التعريفيّ أثناء البحث في تعريف الوقف من عددٍ من الفقهاء، منهم: الشهيد الثاني، حيث يقول: «(وهو تحبيس الأصل)، أي جعله على حالة لا يجوز التصرف فيه شرعاً على وجه ناقل له عن الملك، إلاّ ما استثني، (وإطلاق المنفعة). وهذا ليس تعريفاً، بل ذكر شيءٍ من خصائصه، أو تعريف لفظي، موافقة للحديث الوارد عنه|: حبِّس الأصل، وسبِّل الثمرة، وإلاّ لانتقض بالسكنى وأختَيْها والحبس، وهي خارجةٌ عن حقيقته…»([12]). ويقول الشيخ النجفي في الجواهر: «وعلى كلّ حال فقد ذكرنا غير مرّة أن المقصود من أمثال هذه التعاريف التمييز في الجملة، فلا ينبغي نقض تعريف المصنف بالسكنى وأختيها، والحبس، وتعريف الدروس بنذر الصدقة والوصية، ولا الجواب عن الأول بإرادة الحبس على الدوام…»([13]). إذن حاصل هذا الكلام عدم صحّة الاعتراض على التعريف بالسكنى والرقبى والعمرى، وهي أشكال تشبه الوقف، ولكن لا ينطبق عليه مفهومها؛ وذلك لأنّ هذه الصيغ الثلاثة ليس فيها تحبيس دائمٌ للعين، بل فيها تسبيلٌ للمنفعة إلى مدّةٍ في السكنى، وإلى أن يموت المالك في الرقبى، وما دام عمر الساكنين في العمرى.

هذا، ولكنّ البحث عن التعريف لا يكون دائماً غيرَ ذي جدوى. ففي التعريفات الفقهيّة تترتَّب فوائد على التعريف، ويمكن للفقيه استنباط بعض الآراء والأحكام الفقهيّة من التعريف. فعندما يعرَّف الصوم مثلاً بأنّه الإمساك عن كذا وكذا فهذا يعني أنّ هذه الأشياء المذكورة من المفطِّرات. وشرط هذه الاستفادة أن يكون التعريف في مقام بيان المفهوم، مع كونه في مقام البيان من جهة الأحكام والشروط، أو حصر المفهوم بالتعريف المذكور، مع اشتراط أن يكون التعريف صادراً عن جهةٍ لها حقّ التشريع، أو مستنداً إلى جهةٍ لها مثل هذا الحقّ.

وهنا يجب البحث عن المستند الذي استند إليه الفقهاء في تعريف الوقف بهذه الصيغة. يكشف تتبُّع كلمات الفقهاء المسلمين، سنّة وشيعة، أنّهم استوحوا هذا التعريف من الحديث النبويّ المتقدِّم. ولهذا تبدو العودة إلى هذا الحديث النبويّ مفيدةً في هذا النقاش.

وقد استفاد الفقهاء من الحديث أمرين:

أـ اشتراط أن يكون الموقوف عيناً.

ب ـ اشتراط التحبيس الدائم.

وممَّنْ فهم هذا المعنى الأخير من الحديث الشيخ الطوسي، حيث يستدلّ على لزوم الوقف وعدم جواز الرجوع فيه بأمور عدّة، هي: الإجماع، والحديث المرويّ عن رسول الله|، وأخيراً بعدم نقل مثل هذا عن أحدٍ من الواقفين أو ورثتهم([14]). والحكم بتأبيد الوقف من الأمور المشهورة بين فقهاء المسلمين، حتّى قلّ مَنْ جوّز التراجع عن الوقف وإنهاءه من قبل الواقف. وانقسم الفقهاء إلى قسمين؛ فمنهم مَنْ حكم بخروج العين الموقوفة عن ملك الواقف؛ ومنهم مَنْ أبقاها في ملكه، ولكنْ مع حَجْر البيع عليه. وبناءً على هذه الملاحظة الأخيرة يبدو أنّ استدلال الشيخ الطوسي بعدم إنهاء أحدٍ من ورثة الواقفين شيءٌ آخر، فقد يكون ترك العين الموقوفة على حالها ناجماً عن أمور عدّة هي:

أـ الخروج عن ملك الواقف. والنتيجة المنطقيّة لهذا الاحتمال هي عدم الاسترجاع، حيث لا تنتقل من الواقف إلى ورثته بالموت؛ بسبب خروجها المسبق، وذلك كما لو وهب عيناً لأحدٍ.

ب ـ استناد ذلك إلى علوّ همّة الورثة، وعدم رغبتهم في استعادة ما وقفه مورِّثهم.

ج ـ استناد ذلك إلى نيّة الواقف دوام الوقف وتأبيده، لا من باب كون هذه السمة من مقوِّمات الوقف؛ بل من باب رجاء عدم انقطاع الثواب عنه بالموت، وانتقال التركة ملكاً طلقاً إلى الورثة.

ثمّ إنّه لا بُدَّ من الالتفات إلى أنّ النبيّ| لم يكن بصدد تعريف الوقف حتّى تُبنى بعض الأحكام أو تُستنتج من التعريف. وبالرجوع إلى سياق الحديث، ومناسبة صدوره، نجد أنّ النبيّ| يقترح على السائل خياراً لفعل الخير مع بقاء العين على ملكه، ليترتّب على ملكيّتها الثواب. وشتّان بين ما نحن فيه وبين بعض الأخبار المنسوبة إلى النبيّ| في موارد أخرى، كما في «الحجّ عرفة»؛ إذ يمكن أن نستفيد منه كون الوقوف بعرفة ركناً في الحج، لا يصحّ الحجّ من دونه. والأمر عينه فيما لو قال: «الطواف بالبيت صلاة»، ففي مثل هذه الحالة يمكن استفادة تعميم شروط الصلاة إلى الطواف. وهذا كلُّه بخلاف ما نحن فيه.

ومهما يكن من أمرٍ فقد استند بعض الباحثين المعاصرين إلى بعض الملاحظات المتقدِّمة لإخراج وقف الوقت من دائرة الوقف؛ بالنظر إلى عدم انطباق التعريف عليها. ومن هؤلاء: الباحث حسن الرفاعي، فإنّه بعد نقله عن أبي حنيفة قوله في تعريف الوقف: «حبْسُ العين على حُكْمِ مُلْكِ الواقِفِ والتصدُّقِ بالمنفعة»([15]) قال: «هل يندرج وقف العامل لقسمٍ من عمله في وقت محدَّد ضمن هذا التعريف؟ الجواب: لا؛ لأنّ هذا التعريف تحدّث عن وقف منفعة العين المملوكة، كقطعة الأرض التي يملكها الإنسان، والتي لها منفعة، أمّا العمل الذي يقوم به الإنسان فليس منفعة تملك له حتى يوقف قسماً منها في وقتٍ محدَّد؛ لأن الإنسان الحرّ لا يملك رقبته، وبناءً عليه فإنّ المسألة موضوع الدراسة لا تندرج ضمن تعريف الحنفيّة»([16]). وربما يحسن الانتقال من البحث في التعريف، وشموله لوقف الوقت أو عدم شموله، إلى البحث في الشرطين المذكورين في الوقف، أي كونه عيناً، وكونه على نحو التأبيد.

اشتراط العينيّة في الوقف

ذكر عددٌ من الفقهاء في تعريف الوقف ـ كما تقدّم ـ كلمة العين، ونصّوا في شروط الوقف وأطرافه على هذا الأمر. وهذه نماذج من أقوالهم، أنقلها من مراحل زمنية متفرّقة:

1ـ الشيخ الطوسي: يذكر الشيخ الطوسي في سياق تفاصيل كتاب الوقف: «يجوز وقف الأرض، والعقار، والدور، والرقيق، والسلاح، وكل شيء يبقى بقاء متصلاً ويمكن الانتفاع به. وبه قال الشافعي. وقال أبو يوسف: لا يجوز إلاّ في الأراضي، والدور، والكراع، والسلاح، والغلمان تبعاً للضيعة الموقوفة، فأما على الانفراد فلا. دليلنا: عموم الأخبار في جواز الوقوف من قولهم^: «الوقف على حسب ما يشرط الواقف»، وذلك على عمومه، فمَنْ خصصه فعليه الدلالة. وأيضاً رُوي أن أم معقل جاءت إلى النبيّ| فقالت: يا رسول الله، إن أبا معقل جعل ناضحته في سبيل الله، وإني أريد الحجّ أفأركبه؟ فقال النبيّ×: اركبيه؛ فإنّ الحج والعمرة من سبيل الله»([17]).  ويذكر في المبسوط عبارةً شبيهة إلى حدٍّ بعيدٍ بعبارة الخلاف([18]).

2ـ القاضي ابن البرّاج: يذكر ابن البرّاج مطلع البحث في الوقف بعض شروطه، ويقول: «وليس يجوز الوقف إلاّ في ما يحصل به الانتفاع على الاستمرار وعينه قائمة، أو في ما يكون له أصل ثابتٌ وإنْ لم يستمرّ الانتفاع به، إلاّ في أوقات مخصوصة»([19]).

3ـ العلاّمة الحلّي: يقول العلاّمة في مقام بيان شروط الموقوف: «أن يكون عيناً مملوكة يُنتفع بها مع بقائها، ويصحّ إقباضها، فلا يصحّ وقف ما ليس بعينٍ، كالدَّيْن، حالاًّ كان أو مؤجَّلاً…»([20]). ومن الواضح أنّ العلاّمة يصرِّح بوجوب كون الموقوف عيناً، ولكنّه يفسّر مراده، ويوضِّح أنّ المراد من هذا القيد المنع عن وقف الدَّيْن.

وأسمح لنفسي بالاكتفاء بهذا المقدار من الاستشهاد بنصوص الفقهاء. وعلى الرغم من نصّ بعضهم على اشتراط كون الموقوف عيناً، فإنّ ثمّة احتمالاً في تفسير كلمات الفقهاء يقضي بحملها على المنع من وقف الدَّيْن. والاعتراض الأهمّ في نظري على كلمات الفقهاء، إنْ فُهم منها اشتراط هذا الشرط في الوقف، هو أن لا دليل يمكن الركون إليه سوى التحليل؛ فثمّة مَنْ استدلّ من الفقهاء بقول رسول الله| المتقدِّم. ولكنْ أشَرْنا آنفاً إلى أنّه ليس وارداً في مقام البيان من هذه الجهة، وإنّما المقصود منه إرشاد هذا الرجل إلى طريقةٍ لإنفاق المال في سبيل الله دون أن يخرج من ملكه. ويؤيِّد هذا المعنى التعبير عن الوقف بأنّه صدقةٌ جارية. ومن هنا ينبغي ملاحظة هذا التعبير، على الرغم من رمزيّته، عند البحث في خروج العين الموقوفة عن ملك الواقف أو عدم خروجها.

اشتراط التأبيد

يرى أكثر فقهاء الإماميّة أنّ التأبيد من شروط الوقف. ولأجل هذا يحكمون ببطلان الوقف إذا علّقه على زمنٍ أو حتّى لو وقف على جهةٍ تنقرض، كما لو وقف على أبنائه مثلاً دون أن يدخل فيهم غيرهم ممَّنْ يبقى ولا يطاله الفناء، مثل: الوقف على فقراء المسلمين أو الوقف على المسجد. ويكشف تتبُّع كلمات الفقهاء عن أنّ أكثرهم يرى التلازم بين الوقف والتأبيد، ولذا ميّز بين الوقف وبين التحبيس أو الحبس بتأبيد الأوّل وتوقيت الثاني بأجلٍ([21]). ويحتمل في بعض عبارات الفقهاء خلال تعبيرهم عن هذا الشرط أنّ المقصود من البطلان هو عدم خروج العين الموقوفة عن ملك المالك، وعودتها إلى ورثته بعد وفاته([22]).

وأهمُّ الأدلّة التي قد يُستدلّ بها على التأبيد في الوقف هي:

أـ الحديث النبوي الذي تكرَّرت الإشارة إليه أكثر من مرّةٍ، وهو قوله|: «حبِّس الأصل، وسبِّل الثمرة»، وورد المعنى نفسه بعبارةٍ أخرى: «إنْ شئتَ حبَّست أصلها، وتصدَّقت بها». وقد وجِّه الاستدلال بهذين النصّين بأنّ التحبيس ظاهرٌ في الدوام([23]). غير أنّه تقدَّم أيضاً أنّ دلالة هذا الحديث النبويّ على التأبيد محلّ كلام.

ب ـ إنّ التأبيد جزءٌ من معنى الوقف، ولازمٌ له، ولازم الشيء لا ينفكّ عنه. وقد أشار إلى هذا المعنى السيد اليزدي. ولكنّه ردّه بقوله: «وهو أيضاً كما ترى، فالعمدة الإجماع إنْ تمّ»([24]).

ج ـ إنّ التأبيد يُستفاد من وثائق الوقف التي نُقلت نصوصها في الكتب الفقهيّة والحديثية، وفيها إشاراتٌ صريحة إلى توقيت الوقف بـ «إلى أن يرث الله الأرض ومَنْ عليها». وهذه الوثائق أيضاً لا تدلّ على التلازم بين الوقف والتأبيد، فأقصى ما يُستفاد منها جواز التأبيد وتوقيته بوراثة الله الأرض. وهذا لا يعني بأيّ وجهٍ وجوب تأبيد كلّ وقفٍ.

د ـ الوقف صدقةٌ، وفي بعض الحالات توصف بالجريان، والصدقة لا يجوز الرجوع فيها، وقد ورد في بعض الأخبار تمييز الصدقة بعدم جواز الرجوع. ويبدو أنّ هذا الوجه أيضاً لا يكفي للدلالة على التأبيد؛ لأنّه عندما يعطى الواقف صلاحية التصرّف في إنشاء الوقف، ويُقال في الوقوف: إنّها على ما يقفها أهلها، فهذا يعني القدرة على توقيت هذه الصدقة بوقتٍ. وأمّا دعوى أنّ الوقف ينقلب تحبيساً فغير واضحة؛ لأنّ مفهومي الوقف والتحبيس ليسا مفهومين شرعيين بالمعنى القانونيّ، حتّى تُبنى عليهما الأحكام، وإنما دخلا في دائرة الاصطلاح على ألسنة الفقهاء.

هـ ـ الأخبار: ثمّة أخبارٌ يمكن الاستدلال بها على عدم جواز الرجوع في الوقف. وأكتفي بذكر نماذج منها:

ـ عن أبي جعفر× أنّه قال، في الرجل يتصدّق على ولده وقد أدركوا: «إذا لم يقبضوا حتّى يموت فهو ميراثٌ، فإنْ تصدّق على مَنْ لم يدرك فهو جائزٌ؛ لأنّ والده هو الذي يلي أمره…»([25]). والصدقة في هذه الرواية، بناءً على احتمال الوقف منها، تدلّ على اللزوم والتأبيد بالقبض، ولكنّها لا تدلّ على عدم جواز الوقف مؤقّتاً. والحكم بجواز الوقف في حالة الوقف على مَنْ لم يدرك يدلّ على العكس، أو لا يكون له صلةٌ بما نحن فيه؛ لأنّها تنظر إلى عدم قدرة القاصر على القبض، وعدم ترتيب جميع آثار القبض على قبض الوليّ الواقف. ومثلها في الدلالة على لزوم الوقف روايات أخرى أوردها صاحب الوسائل في هذا الباب([26]). وفي بعضها تقييد الحكم بعدم الرجوع بما إذا تصدَّق ابتغاء وجه الله([27]).

ـ عن الإمام أبي الحسن الثالث× يقول في جواب مَنْ يسأله: إنّي وقفت أرضاً على ولدي، وفي حجٍّ ووجوه برٍّ، ولك فيه حقٌّ بعدي، أو لمَنْ بعدك، وقد أزلتها عن ذلك المجرى؟ فقال×: أنت في حلٍّ، وموسّعٌ لك. وعلى الرغم من أنّ صاحب الوسائل يذكر هذه الرواية في باب عنوانه «إنّ شرط لزوم الوقف قبض الموقوف عليه أو وليّه…»، فإنّها تدلّ على جواز التغيير عن الجهة التي وقف عليها. ولذلك نرى أنّ الشيخ الحُرّ أوّلها بما كان قبل القبض، أو بأن يكون المراد من الوقف الوصية([28]). هذا، ولا بُدَّ من الالتفات إلى أنّ المسؤول عنه هنا هو تغيير جهة الوقف، وليس الرجوع فيه، وبالتالي لا تدلّ بوضوح على جواز الرجوع.

ـ أخيراً ثمّة مجموعة من الأخبار تشترك في تشبيه استعادة الصدقة بالذي يعود في قيئه. ومن ذلك: ما ورد عن النبيّ|: «إنّما مثل الذي يتصدّق بالصدقة ثمّ يعود فيها مثل الذي يقيء ثمّ يعود في قيئه»([29]).  والملاحَظ على هذه الأحاديث أمران: أوّلهما: الأسلوب الأخلاقي المستخدم في التعبير، فإنّ استعادة القَيْء أمرٌ قبيح، ولكن لا أدري إذا كان يمكن الحكم بحرمته؛ ثانيهما: إنّ الكلام ليس في استعادة ما وقفه وتصدّق به على نحو التأبيد، بل عقد الوقف من الأوّل موقَّتاً بوقت.

بناءً على ما تقدّم كلّه يمكن القول: إنّ التأبيد في الوقف ليس شرطاً لازماً للوقف بحسب طبيعته، بل هو خيارٌ يختاره الواقف، فإذا اختاره ينطبق عليه العنوان العامّ الذي ورد في عددٍ من الأحاديث والأخبار الفقهيّة، وهو «الوقوف على حَسَب ما يوقفها أهلها».

ختامٌ في وقف الوقت

لا يخفى أنّ البحث في مشروعيّة وقف الوقت ليس بحثاً في الجواز في مقابل الحرمة، وذلك أنّه في جواز بل وفي استحباب أن يتبرّع الإنسان بمقدار من وقته لعمل الخير والخدمة الاجتماعيّة العامّة. وسوف أعالج هذا الأمر لاحقاً. ولكنْ لا يصحّ افتراض أنّ البحث هنا بحثٌ لفظيٌّ لا تترتَّب عليه جدوى علمية أو عملية؛ وذلك لأنّ البحث في الواقع هو بحث عن مدى وجوب التزام مَنْ وقف وقته بمقتضيات هذا الوقف. وبعبارةٍ أخرى: البحث في صحّة الوقف، وترتُّب الآثار الشرعيّة عليه، ومنها: الإلزام.

وفي مقابل هذا الكلام يمكن القول: إنّ الإلزام على الرغم من أهمّيته ودوره في تحقيق الالتزام، ولكنْ يمكن تحقيق هذه الغاية من خلال وسائط أخرى، كالنذر والعهد واليمين وغيرها من الأساليب المقرّة شرعاً. ومثل هذا مطروحٌ في موارد أخرى في المعاملات الشرعيّة. فالبيع عقدٌ له ماهيّة محدّدة وأحكام خاصّة، وفي بعض الحالات قد يُستعاض عنه بعقدٍ آخر يحقِّق أهدافه ويوصل إلى نتائجه تقريباً، ولو على نحو الإجمال. ولكنْ على الرغم من إمكان هذا، وتحقيق الغايات المرجوّة من الوقف بوسائط أخرى، إلاّ أنّ الوسائط الأخرى لا تترتَّب عليها جميع الآثار والنتائج بحَسَب المطروح في الفقه؛ ومن جهةٍ ثانية إنّ المصطلحات لها رمزيّتها الخاصّة التي تضفي على مضمون العقد أو الواقعة القانونية قداسةً خاصّة. والوقف مصطلح تحوّل عبر السنين إلى مفهوم دينيٍّ، له دلالاته الرمزيّة، التي لا تتحقّق بالنذر ومشابهاته. ويضطرّنا البحث إلى التساؤل عن مشابهات وقف الوقت في التراث الإسلاميّ في دائرة الفقه أو خارجها؟

نظائر وقف الوقت في الفقه الإسلامي

قد يكشف تصفُّح الفقه أو المصادر الفقهيّة النصّية عن أمورٍ مشابهة لوقف الوقت في التراث الإسلاميّ الفقهيّ وغيره:

1ـ ورد في القرآن الكريم على لسان السيدة مريم÷ قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتْ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (آل عمران: 35 ـ 37). وقد قال المفسّرون في هذه الآية، وتوقّفوا عندها. وحاصل تفسير الآية هو أنّ امرأة عمران نذرت الولد الذي في رحمها للخدمة في المعبد.

والملفت أنّ بعض الفقهاء لم يَرَ عدم إمكان الاستفادة من الآية على صعيد التشريع، بل استفاد منها صحّة النذر، دون أن يعلّق على شيء([30]). وثمّة مَنْ يلفت في حديثه عن هذه الآية بأنّ وقف الحرّ غير جائز في الشريعة بالنظر إلى حرّيته. وهو صحيح، ولكن لا يجري هذا الاعتراض في وقف الوقت؛ لأنّ الإنسان لا يوقف نفسه، بل يوقف منفعته، المعبَّر عنها بالوقت، والإنسان مسلَّط على وقته ومنافعه، على الرغم من عدم صحّة الحديث عن ملكيّته لنفسه أو حتّى منفعته.

2ـ وقف العبيد: يبدو من تتبُّع كلمات الفقهاء أنّهم يفتون بصحّة وقف العبيد، ويستثنون من ذلك حالات خاصّة، كما لو كانت الأمة أمّ ولدٍ، أو كان العبد مشتركاً بين مالكين أو أكثر. وعلى أيّ حال بناءً على أنّ العبد يملك كما تُملك سائر الأموال فشروط الوقف متوفِّرة فيه. وبالتدقيق في وقف العبيد يتبيَّن أنّ وقفهم هو أقرب ما يكون إلى وقف الوقت، فإنّ العبد لا يُستفاد إلاّ من وقته الذي يصرفه في تقديم الخدمات للموقوف عليهم. وأمّا بناءً على أنّه لا يُملك على نحو تملّك سائر الأموال فوجه الشبه يصير أوضح.

3ـ الواجبات المجّانية: يعالج الفقهاء مسألة تحت عنوان: «أخذ الأجرة على الواجبات»، وهي مجموعة من الأعمال الواجبة التي تلزم الشريعة المكلَّفين بها؛ وبعضها أعمالٌ عباديّة فرديّة، يجب على الإنسان أن يؤدّيها لنفسه، ولا يستفيد منها غيره؛ ولكنّ بعضها يدخل في دائرة الأعمال التي يجب على المكلَّف أداؤها من باب وجوبها الكفائي؛ وبعض هذه الأعمال صناعاتٌ تحتاج إليها الأمّة في حياتها الاجتماعيّة. ويختلف الفقهاء بين مَنْ يرى حرمة أخذ الأجرة على الواجبات؛ ومَنْ يرى جواز أخذ الأجرة عليها إذا كانت واجبات توصُّلية لا يشترط فيها قصد القربة. وبناء على الحرمة والوجوب الكفائي نرى أنّ الشريعة تدعو إلى بذل شيءٍ من الوقت في خدمة الناس، وهذا أشبه ما يكون بالوقف الواجب. وهذه الأعمال التي تدخل في دائرة البحث الفقهيّ كثيرةٌ، منها: الطبابة، وغيرها ممّا يشبهها من الصنائع التي لا تستغني عنها أمّةٌ من الأمم في حياتها الاجتماعيّة.

ربما لا حاجة إلى توضيح أنّ المراد من هذه الأمثلة تقريب فكرة وقف الوقت إلى الأذهان، وإثبات أنّها ليست غريبةً بالكامل عن مذاق الشريعة وروحيّتها. ولا يقصد منها ترتيب حكم على التشابه بين هذه الأمثلة وبين المفهوم المبحوث عنه في هذه الدراسة.

أهمّية العمل التطوُّعي في الإسلام

التطوُّع في القرآن الكريم

تزخر النصوص الإسلامية بالحثّ على التطوُّع وفعل الخير، مهما كان هذا الفعل ضئيلاً. والنصوص الداعية إلى مثل هذا العمل كثيرة، يمكن تصنيفها إلى: الآيات القرآنيّة؛ والأحاديث والروايات؛ وفعل النبيّ والأئمّة المعصومين. وقد وردت مادّة طوع في القرآن الكريم في موارد عدّة، أشدّها صلة بمحل بحثنا ثلاثة، وهي:

1ـ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 158).

2ـ قوله تعالى: ﴿أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ (البقرة: 184).

3ـ قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (التوبة: 79).

والمعنى الذي تدلّ عليه المادّة في أصلها هو الطاعة والانقياد. ولها اشتقاقات عدّة، ومن اشتقاقاتها تطوّع بالأمر أي فعله دون إلزام من جهةٍ خارجة. ومن سياق الآيات يُستفاد أنّ الشريعة قد تدخّلت وألزمت المكلّف بأداء بعض الواجبات، وندبت المكلّف إلى التطوّع، أي تكلّف الاستطاعة والتبرّع، بما زاد عن الواجب. ويصدق هذا المعنى في الموارد الثلاثة المتقدِّمة. فالسعي بين الصفا والمروة من مناسك الحجّ، وللمكلّف أن يزيد ما شاء. وقضاء الصوم للمريض يوم بدل يوم، ومَنْ شاء زاد. والزكاة صدقة واجبة، وقد كان بين المؤمنين في صدر الإسلام مَنْ لا تجب عليه الزكاة، فيبذل ما أتيح له في سبيل الله، حتّى لو كان قليلاً، فكان يتعرَّض لسخرية المنافقين؛ لأجل تطوّعه بما لم يكلِّفه الله به.

التطوُّع في الحديث

وكما ورد مفهوم التطوُّع في القرآن الكريم، كذلك ورد في السنّة الشريفة، في عددٍ من الأحاديث، يصعب حصرها في مثل هذه العجالة. ونكتفي بنقل بضعة أحاديث؛ للتبرّك بها والتأسّي بقائلها. ومن ذلك: ما ورد عن رسول الله|:

1ـ «وجعل لمَنْ تطوّع فيه (شهر رمضان) بخصلةٍ من خصال الخير والبرّ كأجر مَنْ أدّى فريضةً من فرائض الله تعالى»([31]).

2ـ وعلى هذا الحديث يُقاس ما سواه من الأخبار القولية التي نُقلت عن النبيّ| وعن الأئمّة^. كما يُقاس عليها ما نُقل عنهم من أعمالٍ أتَوْا بها تطوُّعاً، سواء كان ذلك في العبادات المندوبة أو في ما يمكن عدّه من الخدمة العامّة. ومن المناسب الإشارة إلى الخبر المشهور، الذي يُقال: إنّه لا أصل له، وهو ما رواه المحبّ الطبري أيضاً: «إنّه ـ عليه الصلاة والسلام ـ كان في سفرٍ، وأمر أصحابه بإصلاح شاةٍ، فقال رجل: يا رسول الله، عليَّ ذبحها، وقال آخر: يا رسول الله، عليَّ سلخها، وقال آخر: يا رسول الله، عليَّ طبخها، فقال رسول اللهﷺ: «عليَّ جمع الحطب»، فقالوا: يا رسول الله، نكفيك العمل، فقال: «فقد علمت أنّكم تكفوني، ولكنْ أكره أن أتميَّز عليكم، فإنّ الله يكره من عبده أن يراه متميِّزاً بين أصحابه»([32]).  ومهما يكن من أمر هذا الحديث وصحّته فإنّه ينسجم مع أخلاقه وسيرته.

بقي أن نشير إلى أنّ الآيات المتقدِّمة تفيد أنّ الله يعتني بالعمل التطوّعي كعنايته بأداء الفرائض. وممّا يدلّ على ذلك تصدّيه عزَّ وجلَّ للدفاع عن المتطوّعين بالصدقات، وتبشيره بأنّه شاكرٌ عليمٌ بفعل المتطوِّعين، وإنباؤه بأنّ التطوُّع خيرٌ. وإذا فهمنا في صفة «خير» الواردة في الآية صيغة التفضيل تكون للآية دلالة على مزيد فضلٍ للعمل التطوُّعي على الواجب. ويحتاج الأمر إلى مزيدٍ من التأمُّل والتدقيق. ولكنّ شرط حسن التطوُّع أن لا يضرّ بالفرائض.

مفاهيم التطوُّع في الفقه الإسلاميّ

فتح الفقه الإسلامي، تَبَعاً للتوصيات الشرعيّة، أبواباً عدّة، وأخذت الأعمال التي ندب الإسلام إلى التطوُّع فيها عناوين مختلفة؛ بعضها في باب العبادات؛ وبعضها الآخر خارج هذه الدائرة. ويُعرف التطوّع في العبادات بالنافلة أو التطوّع أحياناً، فيقال: صوم النافلة أو صلاة النافلة، ويُقال: صوم التطوّع. ولما كان غرضنا البحث في التطوّع في مجال الخدمة العامّة فإنّنا سوف نطوي كَشْحاً عن هذا النوع من التطوّع، وننتقل إلى ما يمكن تصنيفه بالخدمة العامّة. والمفاهيم التي تندرج تحت عنوان التطوّع في الفقه والفكر الإسلاميّ كثيرةٌ، منها:

1ـ قضاء حوائج الناس: السعي في قضاء الحوائج بابٌ واسعٌ، يدخل فيه كلّ ما كان حاجة للآخرين، سواء كان حاجةً ماديّة أو معنويّة. وقد وردت أحاديث كثيرةٌ تحثّ على قضاء الحوائج المشروعة مهما كانت.

ومن هذا الباب: ما ورد عن النبيّ|: «مَنْ قضى حاجةً لأخيه كنتُ واقفاً عند ميزانه، فإنْ رجح وإلاّ شفعتُ له»([33]).  ومن الأخبار الجامعة في هذا المجال: ما ورد عن الإمام الرضا×: «احرصوا على قضاء حوائج المؤمنين، وإدخال السرور عليهم، ودفع المكروه عنهم، فإنّه ليس شيءٌ من الأعمال عند الله بعد الفرائض أفضل من إدخال السرور على المؤمن»([34]).

2ـ الصدقة: عنوان الصدقة من العناوين التي وردت في القرآن الكريم بمعنييها: الواجب منها؛ والتطوّعي (المستحبّ). ويمكن دعوى تواتر الحثّ عليها في الأحاديث الشريفة. ولوضوح هذا الأمر لا نرى ضرورةً للاستشهاد ببعض هذه الأحاديث؛ حيث يمكن لمَنْ أراد الرجوع إلى كتب الحديث والفقه. وتتّسع دائرة الصدقة لتشمل كثيراً من الأفعال التي لا قيمة اقتصاديّة لها؛ إذ ورد عن النبيّ| في رواية أبي ذرّ: تبسّمك في وجه أخيك لك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة، وبصرك للرجل الرديّ البصر لك صدقة، وإماطتك الحجر والشوك والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة»([35]).

3ـ النصح والمشورة: من المفاهيم التي أقرَّتها الشريعة في مجال الخدمة الاجتماعيّة باب النصح والمشورة. ويتحوَّل النصح إلى مفهومٍ فقهيٍّ يبحث في الفقه الإسلاميّ تحت عنوان: «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، وهو يتدرّج في مراتب الطلب إلى أن يصل إلى حدّ الوجوب، تَبَعاً للمأمور به والمنهيّ عنه.

التربية على التطوُّع في الإسلام

وعلى الرغم من وجود تكاليف تدعو الشريعة الإسلاميّة إليها على نحو الوجوب، غير أنّ أحد الأهداف التربويّة التي تتوخّاها الشريعة من المكلَّفين هو تربيتهم على أداء هذه الواجبات كما تؤتى المستحبّات والأفعال التطوّعية. وقد عملت الشريعة على تربية المسلمين على العمل التطوُّعي بطرق مختلفة. وقد نجحت هذه الأساليب، وتركت أثرها على المجتمع الإسلاميّ، وما زالت. والشاهد على هذا الأمر أنّ عدداً كبيراً من المسلمين يؤدّون واجباتهم الماليّة تحت عناوين الخمس والزكاة والكفّارات وغير ذلك دون أيّ رقابةٍ خارجيّة. ويتّضح أثر هذه التربية عندما نقارن هذا الالتزام بالتزام المجتمعات الإسلاميّة نفسها بأداء الضرائب التي تقرّها الحكومات. وثمّة مَنْ يعترض على فكرة الإلزام في الدين ويستهجنها؛ بحجّة أنّ الدين ينبغي أن يكون علاقةً طوعيّة بين العبد وربّه، لا يدخلها الإلزام والإيجاب، ولكنْ عندما نلاحظ الواجبات الدينيّة وكيفية مطالبة الشريعة بأدائها نفهم فلسفة الشريعة الإسلاميّة في الإيجاب، والروحية التي يُراد أداء التكاليف بها.

وما أسمَيْتُه التربية على روحية التطوّع، حتّى في الواجبات، نلاحظه في الأساليب التالية:

1ـ التربية المباشرة: أشرنا في ما تقدَّم إلى عددٍ من النصوص الدينيّة كنماذج من الآيات والروايات التي تحثّ المكلّف بشكلٍ صريحٍ وغير صريحٍ على التطوّع، وأقصد من النصوص الصريحة النصوص التي تدعو الإنسان إلى فعل الخير، كما في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾، أو ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ﴾، وغير ذلك ممّا ورد في القرآن الكريم، أو اشتملت عليه السنّة الشريفة. وأمثلتُه كثيرةٌ؛ بعضها فيه دعوة مع بيان الثواب؛ وبعضها يدعو إلى الخير دون وعدٍ بأيّ أثرٍ. ومن النصوص غير الصريحة تلك النصوص التي تتضمَّن ما يُفهم منه الدعوة إلى الخير وفعله، كما في الجمل الخبريّة التي مفادها الإخبار عن خيريّة التطوُّع، أو فيها الثناء على فاعلي الخير.

2ـ عدم تشريع عقوبات دنيويّة: ومن الأساليب المهمّة التي تهدف إلى تنمية الشعور الأخلاقيّ عند الإنسان أنّ الواجبات والمحرّمات في الشريعة الإسلامية أكثرها لم تنصّ الشريعة فيه على حدود أو قوانين عقابية في الدنيا، وإنما تركت الإنسان لوجدانه الأخلاقيّ ليلزمه بالفعل أو الترك. وعندما ينظر في موارد الحدود والتعزيرات نجد أنّ أكثرها ذو طابع اجتماعيٍّ أوّلاً، وثانياً: لا يحصل التدخُّل القانوني إلاّ إذا كانت المخالفة في ملأٍ من الناس، أو ثبت الجرم بالإقرار والاعتراف، كما في حالة عقوبة الزنا؛ حيث لا يثبت الحدّ إلاّ بشهادة أربعة عدول مع تفاصيل وجزئيّات يصعب إثباتها بحَسَب العادة، ما يجعل تشريع الحدّ وسيلةً للردع، أكثر ممّا هو وسيلة للعقاب بعد ارتكاب الجُرْم.

3ـ ترك تقدير التكليف للمكلَّف: ثمّة تكاليف تسقط عن الإنسان في حالة توفُّر الأعذار المسقطة للتكليف، كما في الصوم في حالات المرض، والأمر نفسه يُقال على الصلاة العذرية، وكذلك الانتقال من الوضوء إلى التيمُّم مثلاً، وعلى هذه الأمور يُقاس ما سواها من الأعذار. ففي هذه الحالات كلّها يُترك أمر تقدير العذر للمكلَّف نفسه، لا للطبيب، ولا لغيره من الناس.

4ـ أداء الزكاة وغيرها من الواجبات الماليّة: نصّت الشريعة الإسلامية على عدد من الواجبات المالية، أهمّها: الخمس؛ والزكاة. وعلى الرغم من إلزام المكلَّفين بأداء هذه الواجبات، ودعوتهم إلى القيام بواجباتهم المالية تجاه المجتمع الذي يعيشون فيه، غير أنّ أمر تقدير هذه الواجبات وحدودها متروكٌ إلى حدٍّ كبير للالتزام الأخلاقيّ من المكلَّف. فلا جهاز إداريّ يتولّى تقدير ما يجب على المكلَّف، وإنما تُرك المكلَّف في فسحةٍ ليقدِّر هو ما يجب عليه أداؤه، وخاصّة أن دفع الزكاة مشروطٌ بشروط تعطي المكلَّف فسحة للتهرُّب من أداء هذا المقدار أو ذاك. مثلاً: من الشروط في زكاة الإبل السَّوْم، أو أن لا تكون عوامل، فإذا ادّعى مكلَّفٌ أنّ إبله كانت غير سائمة أو كانت عاملة يعفى من الزكاة. وقد وردت توصيات رائعة لجباة الزكاة تخدم هذا الهدف، وتنحو بأداء الزكاة هذا المنحى: «انطلق على تقوى الله وحده لا شريك له، ولا تروِّعنَّ مسلماً، ولا تجتازنَّ عليه كارهاً، ولا تأخذنَّ منه أكثر من حقّ الله في ماله. فإذا قدمت على الحيّ فانزل بمائهم، من غير أن تخالط أبياتهم، ثمّ امْضِ إليهم بالسكينة والوقار، حتّى تقوم بينهم فتسلِّم عليهم، ولا تخدج بالتحيّة لهم، ثمّ تقول: عباد الله، أرسلني إليكم وليّ الله وخليفته؛ لآخذ منكم حقّ الله في أموالكم، فهل لله في أموالكم من حقٍّ فتؤدّوه إلى وليّه؟ فإنْ قال قائلٌ: لا، فلا تراجعه؛ وإنْ أنعم لك منعمٌ فانطلق معه، من غير أن تخيفه أو توعده أو تعسفه أو ترهقه، فخُذْ ما أعطاك من ذهبٍ أو فضّة، فإنْ كانت له ماشيةٌ أو إبلٌ فلا تدخلها إلاّ بإذنه، فإنّ أكثرها له، فإذا أتيتها فلا تدخلها دخول متسلِّط عليه، ولا عنيف به، ولا تنفِّرنَّ بهيمةً، ولا تفزعنَّها، ولا تسوأنَّ صاحبها فيها، واصدَعْ المال صدعين، ثمّ خيِّره، فإذا اختار فلا تعرضنَّ لما اختاره، ثمّ اصدع الباقي صدعين، ثمّ خيِّره، فإذا اختار فلا تعرضنَّ لما اختار، فلا تزال بذلك حتّى يبقى ما فيه وفاءٌ لحقّ الله في ماله، فاقبض حقّ الله منه، فإنْ استقالك فأقِلْه، ثمّ اخلطهما، ثمّ اصنع مثل الذي صنعْتَ أوّلاً حتّى تأخذ حقّ الله في ماله»([36]).

وهذه الأساليب الحاكمة على التشريع، وعلى كيفية تطبيقه، تصبّ في خدمة الهدف المتقدِّم، وهو تنمية روحيّة التطوُّع في المكلَّف، حتّى في مجال الواجبات، الأمر الذي يطوِّر قدراته على التطوُّع خارج دائرة الواجبات.

الهوامش

(*) أستاذٌ في الجامعة والحوزة. من لبنان.

([1]) الشيخ الطوسي، الخلاف 3: 537، تحقيق: علي الخراساني وآخرين، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، 1411هـ.

([2]) انظر: المصدر نفسه.

([3]) الشيخ الطوسي، المبسوط 3: 286، تحقيق: محمد البهبودي، المكتبة المرتضويّة، طهران؛ وانظر: قطب الدين البيهقي الكيدري، إصباح الشيعة بمصباح الشريعة: 345، مؤسسة الإمام الصادق، قم، 1416هـ.

([4]) ابن حمزة، الوسيلة: 369، مكتبة المرعشي، قم، 1408هـ.

([5]) المحقق الحلي، المختصر النافع: 156، مؤسسة البعثة، طهران، 1402هـ.

([6]) الشهيد الأول، الدروس الشرعية في فقه الإماميّة 2: 263.

([7]) محمد بن الحسن النجفي، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام 28: 2، تحقيق: علي الآخوندي، دار الكتب الإسلامية، طهران، 1368 هـ.ش.

([8]) عن موقع الأمانة العامّة للأوقاف الكويتيّة، انظر موقعهم على الشبكة:

http://ww2.awqaf.org.kw/Arabic/AboutMunicipality/EndowmentProjects/Pages/projectview.aspx?ProjectId=6

تاريخ الدخول إلى الموقع: 27/2/2017.

([9]) حسن محمد الرفاعي، «وقف «العمل المؤقَّت» في الفقه الإسلامي»، ورقة بحثية مقدّمة إلى مؤتمر «الصيغ التنمويّة والرؤى المستقبليّة»، تنظيم جامعة أمّ القرى، مكّة المكرّمة، 1427هـ.

([10]) عبد الله السدحان، «رؤية مستقبلية لدور الوقف في الاستفادة من الشباب: وقف الوقت نموذجاً»، مجلة أوقاف، السنة الثامنة، العدد 15، نوفمبر 2008.

([11]) انظر كمثال: الآخوند الخراساني، حاشية المكاسب: 35، تحقيق: مهدي شمس الدين، ط1، وزارة الإرشاد، طهران، 1406 هـ.

([12]) الشهيد الثاني، الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية 3: 163.

([13]) محمد الحسن النجفي، جواهر الكلام، المصدر السابق.

([14]) الشيخ الطوسي، الخلاف 3: 538.

([15]) محمد بن علي الحصكفي، الدرّ المختار شرح تنوير الأبصار مع ردِّ المحتار 6: 519، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، طـ1، 1415هـ ـ 1994م.

([16]) حسن الرفاعي، المصدر السابق.

([17]) الشيخ الطوسي، الخلاف 3: 542.

([18]) الشيخ الطوسي، المبسوط 3: 287.

([19]) القاضي ابن البرّاج، المهذّب 2: 87، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، 1406هـ.

([20]) العلامة الحلّي، تحرير الأحكام 3: 312، تحقيق: إبراهيم البهادري، ط1، مؤسسة الإمام الصادق، قم، 1420؛ وانظر: العلامة، قواعد الأحكام 2: 293، مؤسسة النشر الإسلاميّ، قم.

([21]) انظر: المحقّق الكركي، جامع المقاصد 9: 14، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، قم، 1410هـ؛ والعلامة الحلي، قواعد الأحكام 2: 388؛ الشيخ الصدوق، الهداية: 323، ط1، مؤسسة الإمام الهادي، قم، 1418هـ.

([22]) أشير هنا إلى عبارة الشيخ الصدوق الذي يقول: «الوقف على ثلاثة وجوه: أحدها: أن يذكر فيه الحج، والثاني: ما يذكر فيه للإمام، والثالث: ما يذكر فيه إلى أن يرث الله الأرض ومَنْ عليها. فهذه الوقوف مؤبدة جائزة، وكل وقف إلى غير وقت معلوم فهو غير جائز، مردود على الورثة». والملفت في هذا النصّ أمران، هما: الفتوى بعدم جواز الوقف ما لم تُذكر فيه المدّة. وهذا يمكن أن يفهم منه بطلان الوقف، كما يمكن أن يُفهم منه صحّة الوقف وانفكاكه بموت الواقف. والثاني: هو الحكم برجوع الموقوف إلى الورثة. وهذا يقرّب احتمال صحّة الوقف ما دام الواقف على قيد الحياة، وأنّه لا يجوز له استرجاعه، أما ورثته فيمكنهم ذلك. الشيخ الصدوق، الهداية: 323.

([23]) انظر: الشيخ يوسف البحراني، الحدائق الناضرة 22: 230، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، 1405هـ.

([24]) السيد اليزدي، العروة الوثقى 6: 291، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، 1423هـ.

([25]) الحر العاملي، وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة 19: 179، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، بيروت، 1424هـ.

([26]) المصدر السابق، الباب الرابع من أبواب كتاب الوقوف والصدقات، الأحاديث 2، 3، 4.

([27]) انظر: المصدر السابق: 180.

([28]) المصدر السابق: 181.

([29]) المصدر السابق: 205. وفي هذا الباب أحاديث أخرى تشترك مع هذا الحديث في المضمون، فراجع.

([30]) انظر: فخر المحقّقين، إيضاح الفوائد في شرح القواعد 4: 48، مؤسسة إسماعيليان، قم، 1389هـ.ش؛ الشهيد الثاني، مسالك الأفهام 11: 314، مؤسسة المعارف، قم، 1417هـ.

([31]) الشيخ المفيد، المقنعة: 306، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، 1410هـ.

([32]) نقله عنه المحبّ: أبو عبد الله الزرقاني، شرح الزرقاني على المواهب اللدنية في المنح المحمّدية 6: 48، دار الكتب العلمية، بيروت.

([33]) ابن أبي جمهور الأحسائي، عوالي اللآلي 1: 374، مطبعة سيد الشهداء، قم، 1403هـ.

([34]) علي بن بابويه القمي، فقه الرضا: 339، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، قم، 1406هـ.

([35]) الترمذي، السنن 3: 228، دار الفكر، بيروت، 1403هـ. وقد ورد ما يشبه هذا الحديث في مجامع الحديث الإماميّة، انظر مثلاً: السيد البروجردي، جامع أحاديث الشيعة 15: 544، مطبعة مهر، قم، 1409هـ. وللمزيد في باب ما يمكن تسميته بالعلاقات الاجتماعيّة انظر: الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة 12: 5 ـ 312، أبواب العِشْرة.

([36]) الإمام عليّ بن أبي طالب، نهج البلاغة، الكتاب 25.