الدين والعنف

3 سبتمبر 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

نحاول في هذا اللقاء تسليط الضوء على موضوع "الدين والعنف"، قاصدين بالعنف هنا ذاك النوع الذي يمثل منهجاً، وطريقةً يجري توظيفها، بغية التوصل الى أهداف خاصة.
سؤالنا الاول هو: ما هي الأسس المعرفية التي تمثل دعامةً وركيزةً للعنف، سيما ذاك العنف الذي تعرفه المجتمعات الدينية؟
شبستري: سأقوم بمركزة بحثي حول المجتمعات الاسلامية، فمع الأسف نشاهد في هذه المجتمعات ظاهرة العنف كما يثيره السؤال نفسه، لقد تمّ في هذه المجتمعات الاعتراف بالدستور، وتقرّرت متابعة الفئات والجمعيات لمقاصدها وأهدافها السياسية والاجتماعية عن طريق الوسائل السلمية، لكن تساؤلاً يبقى قائماً هنا، وهو ما هي تلك البنى النظرية والعملية التي ارتكزت عليها ظاهرة العنف؟
تعتمد عملية تدوين الدستور ـ وفق الاعتراف بحقوق الإنسان، وكذلك مبدأ تحديد السلطة وتقييدها وما شابههما ـ على مرتكزات ايبستمولوجية وانثروبولوجية وسيسيولوجية ومعرفية ـ دينية خاصة، لكن الحاصل في المجتمعات الإسلامية هو تدوين هذا النوع من الدساتير، مع اعتقاد شريحةٍ من مواطني هذه المجتمعات بمباني تغاير هذه المرتكزات السالفة الذكر، وهو ما مثّل على ما يبدو أحد الأسس والجذور الرئيسية لظاهرة العنف فيها.
إن الدستور الديمقراطي مبنيٌّ على الاعتراف بحقوق الإنسان، وعلى النظرة التعددية للحقيقة، أي الاعتقاد بقدرة الإنسان على أن تكون لديه فلسفات مختلفة، وأن يبدي تفاسير متغايرة عن العالم والإنسان والإيمان، فإذا كان هناك من يعتقد بوجود مجموعة من الحقائق الأبدية في مجال الدين والسياسة والانثروبولوجيا والعالم؛ بحيث يتصور أنّ عدة معدودة من الناس لها اطلاع على هذه الحقائق، فيما يجب على البقية ممارستها في الحياة الاجتماعية، ولو عن طريق الالزام والإجبار وبأي شكل من الأشكال الظاهرة وغير الظاهرة، (وهو ما مثلته المعتزلة في تاريخ الفكر الديني الإسلامي، وثمة من ينادي به اليوم أيضاً)؛ إذا كان هناك من يعتقد بذلك فهو غير قادر على تبنّي حقوق أساسية وبنيوية، أو تدوين دستور مبني عليها.
إننا ـ كبشر ـ نعيش في وضعية اجتماعية، تفرض علينا فيها الكثرات الموجودة في العالم الإنساني استحداث بنية تحتية لحياة اجتماعية مشتركة، بحيث يتمكن الأفراد في هذه الحياة الاجتماعية المشتركة من التعرف على الحقيقة والمصلحة، وإبرازها ومن ثم العمل وفقها، والدستور إنما يدوّن في الواقع بغية تأمين مثل هذا الغرض.
ويعتمد تدوين هذا النوع من الدساتير على أسس معرفية خاصة، ويبلور هيكلية اجتماعية محددّة، فإذا لم تؤخذ بعين الاعتبار تلك الأسس المعرفية؛ فإن تدوين الدستور الديمقراطي سوف يفقد معناه حينئذٍ.
على صعيد المجتمعات الإسلامية، تمّت كتابة الدستور على يد المثقفين ـ أعم من الدينيين وغيرهم ـ وكانت الحالة الغالبة أن تعتمد عملية التدوين هذه على أسس معرفية جديدة، مع مراعاة أصول الديمقراطية، لكن مفكري هذه المجتمعات ومثقفيها عاشوا فاصلةً ما بينهم وبين الأغلبية المسلمة في مجتمعاتهم، وحكمتهم حالةٌ من الغربة، ذلك أن الأسس المعرفية الجديدة لم تكن قد رسخت بعدُ في أذهان وعقول هذه الأغلبية، لقد دوّن الدستور في المجتمعات الإسلامية وروعيت فيه الحقوق الأساسية والحريات أيضاً، لكن الناحية العملية تحكي عن أن الكثير جداً من الفئات والتيارات لم تتقبل بعد الأسس المعرفية لهذا الدستور، ومازالت تابعة لتلك الأسس التقليدية المعرفية للسلطانية التي ينحونها، وما زالوا معتقدين بها، وفي إطار هذه الاسس الكلاسيكية لم يجر الاعتراف بالتعددية ولا حقوق الإنسان ولا الحريات السياسية ـ الاجتماعية ولا بالحرية الدينية، وبناءً عليه، ثمة نوع من اللاانسجام واللاتناغم ما بين البنى المعرفية الحديثة التي تعتمد عليها الديمقراطية، وتلك التقليدية التراثية التي ما تزال تحظى بموافقةٍ وحضورٍ واسعين في المجتمعات الاسلامية.
وهناك نقاشات في أوساط المثقفين الدينيين وغيرهم حول ظاهرة اللاانسجام هذه، بيد أن هذه المباحث لم تسرِ الى الطبقات الكبرى والشاملة في المجتمع، ذلك أنّ المباحث المعرفية لا يمكن أبداً تداولها في أوساط عامة الناس بالمستوى الذي تجري مداولتها فيه داخل الوسط الفكري والثقافي، وإذا كان هناك نوع من التضاد ما بين ثقافة الخواص وثقافة العوام؛ فإن ذلك سيؤدي إلى ظهور جملة من المشكلات، كما هو الحال مع الأسف في المجتمعات الإسلامية.
أما على صعيد العالم الغربي؛ فإن الصورة المبسّطة لهذه البنى المعرفية الجديدة قد نفذت من طبقة المثقفين الى عامّة الناس، مما أدى الى تحصيل العوام تصوّراً بسيطاً وعادياً عن مفاهيم من قبيل حقوق الإنسان، والتعددية والحرية و… بيد أنّ هذا الحدث لم يتحقق في المجتمعات الإسلامية، ولم تجد هذه التصورات والمقولات الحديثة طريقاً لها إلى أوساط عامّة الناس فيها.
لقد تمّ في عصرنا الحاضر ـ وعلى صعيد المجتمعات التي انتظمت وفقاً للدستور الديمقراطي الحديث ـ تحقيق التناغم ما بين الجسم السياسي والاجتماعي من جهة،ٍ والأسس المعرفية التي يرجع إليها الدستور نفسه من جهةٍ أخرى، لكن الحال لم يكن على هذه الشاكلة في المجتمع الإسلامي؛ ذلك أن التركيبة الاجتماعية الحاصلة كانت منسجمةً والبنى التقليدية، واستمرت على هذا الانسجام أيضاً، وهو ما كوّن أحد عناصر إنتاج ظاهرة العنف في هذا المجتمع.
ثمة أفراد داخل المجتمعات الاسلامية وجماعات ترى أن هناك تعارضاً ما بين الدستور وأصوله المعرفية، والقيم والبنى السياسية والاجتماعية الناجمة عنه (كالمجتمع المدني مثلاً)، وبين الأسس المعرفية والهيكليات الاجتماعية والسياسية المقبولة لديهم، وحيث إنهم لا يريدون التخلي عن مرتكزاتهم المعرفية، ومن ثم بلورتها وفق الوضع الجديد فإنهم ـ طبيعةً ـ يدافعون عن ذلك المجتمع المتناسب وبُناهم المعرفية والقيمية، ويقع الإيمان والعقيدة والتعصب والمصالح في مصاف الدعامة لهذه الرؤية، وفي نهاية المطاف يقومون بإظهار إرادتهم ورغبتهم في ذلك المكوّن السياسي الذي كان موجوداً في القرون الغابرة، وهذه الجماعات وأولئك الأفراد يهدفون إلى إعادة إنتاج تلك الوضعية السابقة وبأي ثمن، رغم كل التحولات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية التي مرّت على مجتمعاتهم، ونظراً لعدم قابلية تلك الوضعية لإعادة الانتاج هذه تبدو أمامنا ظاهرة العنف ملبّسةً بلباس الدين والتدين.
يبدو أن الكثير من المفكرين المحدثين لعب دوراً في تهيئة أرضيةٍ لظاهرة العنف في المجتمع الديني، وكمثال، يمكن الإشارة إلى المثقفين المتأثرين بالأيديولوجيات اليسارية؛ حيث كانوا يسعون ـ ومن خلال أدلجة الدين ـ إلى إعادة استحضاره إلى الحياة الاجتماعية أو تثبيت موقعيته فيها، وفي الحقيقة، فقد روّج هؤلاء للأيديولوجيات الحداثية؛ مستفيدين في ذلك لأهداف ذات طابع عنفي، أي أننا نرى في شريحة المفكّرين الجدد والحداثيين تيارات تسعى في سياق تنظيم نظري لأعمال العنف، كالجماعات الفاشية وشبه الفاشية، ومن هنا يمكننا إثارة التساؤل التالي: هل أن ظهور العنف ناشيء ـ صرفاً ـ عن مجرد التعارض ما بين الحداثيين والتقليديين؟ وهل تعتبرون الامر كذلك؟ أم أن هناك قراءات خاصة في المجتمع الثقافي الحداثي كانت تهدف أيضاً إلى تفعيل العنف وإثارته في المجتمع؟
شبستري: ما أشير إليه نقطة جيدة، إن القسم الأكبر من أنشطة العنف في هذه المجتمعات سابقاً وحالياً ناشيء عن الجماعات غير المنتمية الى تيار الفكر الحداثي، لكن قسماً منها مرتبط بآراء بعض المفكرين المحدثين الدينيين الذين تأثروا بالأيديولوجيات اليسارية، وكانوا يريدون من الدين إنتاج أيديولوجية سياسية، فريق آخر من هذا التيار لم تكن لديه أساساً أية علاقةٍ بالتراث والكلاسيكية الدينية، وكان يستفيد من الدين كمجرّد وسيلة من وسائل الصراع، والبعض ممن اتصف بلقب التجديد الديني في العالم الإسلامي لا يصح ـ إذا ما أجرينا تقييماً دقيقاً ـ إدراجه في قائمة المفكّرين الحداثيين الدينيين، إذ إنهم حوّلوا الدين إلى وسيلةٍ للصراع دون أن تكون لديهم هواجس أو اهتمامات دينية، كما هو الحال في جماعةٍ أخرى من هذا التيار أيضاً، ممن تمسكوا تمسّكاً مفرطاً بالتقليدية الدينية، وظلّوا أسرى هذا النمط من التفكير رغم تظاهرهم بالفكر الجديد و… ، ومن ثمّ لم يتمكّنوا من إنشاء علاقة نقديّةٍ مع التراث، وهذا الفريق الأخير لم يكن إبناً لهذا العصر الذي نعيش مع حمله هموماً وهواجس دينية.
هل تحمّلون التيار التقليدي مسؤولية أعمال العنف؟
نعم، لكن بحثنا ليس عن وجود العنف في تعليماتنا الدينية أو عدم وجوده، إن بحثنا ينصب على أن الحياة المعاصرة تؤدّي الى العنف؛ ما لم تكن هناك مواجهةٌ نقديةٌ للتراث، إن عدم إصلاح الفكر السلطاني السابق، والحيلولة وإبداء الممانعة إزاء طرح البنى المعرفية المنسجمة والهيكليات السياسية الديمقراطية، ومن ثم الإصرار على المحافظة على البناء السياسي القديم… كلّ ذلك من العوامل الهامّة في توليد ظاهرة العنف في المجتمع الإسلامي في العصر الراهن.
الشيخ محسن كديور، ما هو رأيكم في هذا الموضوع؟
كديور: من وجهة نظري، لا تقتضي التقليدية مطلقاً ظاهرة العنف، كما لا تستدعي الحداثة اللاعنف على نحو مطلق أيضاً، بل إن هناك قراءات وميولاً في الأطار التقليدي تستحضر العنف، كما أننا نواجه توجّهات في الحداثة تفضي في خاتمة المطاف إلى العنف نفسه، فالفاشية والستالينية ثمرتان مشروعتان للحداثة، أما على صعيد تقليدنا الديني ـ القومي فإننا نملك قراءات سلمية للدين والتراث، كما نحوز على استنتاجات ذات طابع عنفي، فكلا هذين الامرين ممكن، ومن هنا من اللازم الاطلال على البحث من زاوية أخرى، وأن لا نحصر نظرنا إليه من نافذة ثنائية القديم والجديد، نعم، إنني أوافق على أن التيارات والميول الغالبة في مسيرة الحداثة كانت تنحو منحى رفض العنف، كما أن المجتمعات الشرقية ـ مع الاسف ـ تنحو أكثر اتجاهاتها التقليدية منحى العنف وتبريره.
لكن، ولكي يجاب عن سؤالكم الاصلي من الضروري ـ بدايةً ـ التفكيك بين نوعين من العنف، العنف الجائز والعنف غير الجائز، أو دعونا نقول: العنف المشروع والعنف غير المشروع، أما العنف المشروع فهو بحدّ نفسه ذو أقسام وأنواع، وكل المجتمعات يشاهد فيها مثل هذا العنف؛ سواء كانت مجتمعات دينية أو غير دينية.
النوع الأول للعنف المشروع هو العنف في المجال الجزائي، فأعمال العنف التي تمارس على طريقة الاعتقال والحجز أو على الطرق التأديبية ـ وكلتا الطريقتين تستخدمان بحق المجرمين في مختلف المجتمعات ـ كلتاهما من نوع العنف الجزائي وعنف العقوبة.
النوع الثاني من العنف المشروع؛ والذي تبرّره سيرة العقلاء في مختلف المجتمعات هو العنف قبال الظلم، أعم من كونه ظلماً فردياً أو جمعياً، فمثلاً، لو أنّ شخصاً ـ في المجال الفردي ـ تعرّض لعنفٍ ما؛ فإن كافّة المقننين يرونه مُجازاً في الدفاع عن نفسه دفاعاً مشروعاً، حتى لو أدّى هذا الدفاع عن النفس الى القتل، وهكذا الحال من الناحية الاجتماعية، فلو أن مجتمعاً من المجتمعات صار عرضةً للظلم والاعتداء؛ فإن من حق هذا المجتمع القيام والانتفاض، وليس من الضروري أن تكون انتفاضته هذه عن الطريق السلمي، أي أننا نلاحظ في الحالة الغالبة أن ثمة خيوطاً للعنف في الثورات والانتفاضات والهيجانات والنهضات الاجتماعية، كما يشاهد نوع من استخدام العنف المجاز في هذا المجال.
الذي يبدو في بحثنا هنا أن العنف المشروع غير مأخوذ بعين الاعتبار، وليس هدفاً للقراءة، ومورد البحث إنّما هو النوع الآخر من العنف، والذي هو عبارة عن ممارسة مناهج وأساليب غير سلمية وغير قانونية؛ بغية تغيير البنية الثقافية لفرد أو مجتمع، وواحدة من المعالم المميزة لهذا النوع من العنف عدم رضا ذاك الفرد الذي يقع مورداً للعنف وضحيةً له، وهذا النوع من العنف ذو أسس نظرية مختلفة ومتنوعة، (نستعرضها على شكل نقاط)، ونشرع ـ بدايةً ـ بمعرفة الله.
النقطة الأولى: ما هو التصوّر الذي يحمله أولئك الذين يمارسون العنف عن الله تعالى؟ الذي يبدو أن الصورة التي يحملونها عن الله تعالى ليست صورة الرحمان، ولا صورة الرحيم، ولا صورة الرحمن الرحيم، إن إله هؤلاء هو الإله الشديد العقاب الذي لا رحمة عنده أبداً، أي أن ذاك الإله الذي (كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ) (الأنـعام: 12) وذاك الإله الذي رحمته ثابتة له، لا تتغير كقانون راسخ بينه وبين مخلوقاته… هذا الإله لا يتصوّر له هؤلاء إلا مقداراً ضئيلاً من الرحمة أو مسحةً عابرةً منها، وهذا الطابع والوجه الخشن لله تعالى يتجلّى في سلوك أولئك الاشخاص الذين يحملونه في تصوّراتهم.
صحيح، إن أدبياتنا الدينية تحكي عن وجه إلهي قاسٍ وخشن إزاء المجرمين، بيد أن هذه الخشونة ناظرةٌ الى المجرمين، ونحن ـ كما تقدم ـ استبعدنا هنا بحث المجازاة والعقوبة، إن حديثنا هنا يدور حول كل فرد من أفراد المجتمع، آحاد المواطنين الذين يعيشون مجتمعاً واحداً، وليسوا بالضرورة مجرمين، بل من الممكن أن يختلفوا في تفكيرهم مع أولئك الذين يعيشون العنف ويمارسونه، اللهمّ إلا إذا اعتبرنا كل آخر فكري مجرماً!
النقطة الثانية: إن أصحاب العنف وممارسيه لديهم تصوير خاص عن الدنيا أيضاً، فمن وجهة نظرهم، الدنيا ليست مزرعة الآخرة، وإنما دار مجازاةٍ وعقاب، وبالتالي فلا بد أن يلقى الخاطئون جزاءهم في هذه الدنيا نفسها.
النقطة الثالثة: إن أفراد هذا الفريق من الناس يملكون تصوّراً خاصاً عن الإنسان أيضاً، فهم يحملون نظرةً تشاؤمية سلبيةً إفراطيةً عن هذا الإنسان وعن ذاته، وفي هذا النوع من التفكير لا معنى لتغيّر الإنسان وإصلاحه من خلال التحوّل الداخلي، فمن وجهة نظرهم يمكن إصلاح الإنسان في جوّ الارعاب، والخوف والوحشة، أي في الحالة القسرية الجبرية. فإذا اعتبرنا عوامل صلاح وتربية الإنسان عوامل داخلية، فلا بد لنا من اليقين بأن العوامل المؤدية للعنف لا تنجر في أكثر الحالات الى إيجاد تحوّل داخلي، فقراءة أصحاب الميول المنحنية نحو العنف للكيان الإنساني قراءةٌ، ترى في التأديب والعقوبة أهم عوامل التربية الإنسانية، ويصبح الإنسان في وجهة نظر هؤلاء حيواناً خائفاً، وفي هذا الجو من التفكير سيدخل كل شيء دائرة الممنوع عن الإنسان، سوى تلك الأمور التي يبلّغونه إياها.
النقطة الرابعة: لتيارات العنف رؤية خاصة للحقيقة، أي أنهم يعتقدون بنوعٍ من الجزمية والاطلاقية، وتعدّ الدوغمائية السمة الرئيسية المعرفية للفكر العنفي، إنهم يرون الحقيقة مطلقةً، وفي حوزتهم وملكيتهم، أما الآخرون فلا حظّ لهم منها أبداً.
النقطة الخامسة: يرى العنفويون إمكانية وجواز توظيف أي طريقة، أو أسلوب بغية الوصول الى هدفهم المقدّس، مشكّلين بذلك نوعاً من إباحة الوسيلة وتبريرها، فمن وجهة نظرهم ما يجب أن يكون مشروعاً ومقدّساً هو المقصود والغاية فقط، أما الوسيلة فنحن أحرار مجازون في اختيارها؛ حتى لو كانت غير سلميةٍ أو عنيفة، أو كانت ممنوعةً في العرف القانوني لذلك المجتمع، ووفقاً لذلك تأخذ المصلحة معنى خاصاً، أي أن مصلحة الوصول الى الهدف المقدّس تستدعي الاستفادة من أي طريقة أو أسلوب، لكن هؤلاء لم يقدّموا جواباً عن التساؤل التالي: هل يمكن القول بوجود أمورٍٍ تقف عندها المصالح الدينية أو القومية؟ وهل يمكن ضبط هذه الامور وتحديدها؟ أم أن مصلحة الوصول إلى الهدف المقدّس تجعلنا في حلِّ استخدام أي وسيلة أو أسلوب؟ أي هل أن كافة المحرّمات الشرعية تعتبر ـ انطلاقاً من ذلك ـ جائزةً فيما تجعل الواجبات الشرعية محظورةً ممنوعة؟
النقطة السادسة: في رؤية هؤلاء، لا مكان للتعقّل والعلم والمعرفة، وبعبارةٍ أكثر بساطةً لا تلعب المعرفة الدور الأول والرئيس في سعادة الإنسان، ثمة أمور أخرى غير المعرفة والتعقّل والدراية لها دور في السعادة الإنسانية، وهؤلاء الأفراد لا يصرفون وقتاً كافياً لتحصيل المعارف المتنوّعة والاطلاعات الدينية؛ انطلاقاً من هذا النوع من التفكير، كما لا يجري ذمّهم أو تقريعهم من جانب علماء الدين، ولذلك فهم يعتمدون ـ بصورةٍ أكبر ـ على عناصر غير معرفية من قبيل القضاء والقدر، وهذا الموضوع في غاية الاهمية، ذلك أنه إذا لم يلعب العلم والمعرفة دوراً أساسياً في مسيرةٍ أو وضعٍ ما؛ فما سيحصل ليس إلا سوء الاستفادة من هذا الوضع، مما يبدّل المناخ كله إلى آفةٍ اجتماعية.
النقطة السابعة: وهي نقطةٌ تقرأ وتلاحظ تصورات العنفويين عن السياسة، إنهم لا يولون أهميةً للقانون، هذا أولاً، كما إنهم يعيشون في مجتمعات يقبلون بقانونها جبراً وقسراً، لا كضرورةٍ اجتماعية توصل الناس ـ مثلاً ـ إلى عدم إمكانية الحفاظ على المجتمع نفسه؛ دون تحقيق هذا التعاقد الاجتماعي بينهم، فقد أتى القانون من الخارج، وكان يمثل نهضةً ما بين مثقفي ذلك المجتمع، وقد تمّ الاعتراف به في سياق ظروف اجتماعية خاصّة هناك، لكنه لم يحظ بموقعية مميزة لدى الوعي العام، والاهم لدى شريحة علماء الدين، والذي يبدو أن العنفويين ـ لا سيما علماؤهم ـ يرون القانون البشري مبرراً ضمن ظروف خاصة محددة، أما القانون الاصيل الذي لا يجوز نقضه فهو القانون الإلهي فقط، حتى لو كانت تلك القوانين البشرية مصوّبةً من قبل مجلس الشورى أو مجلس الخبراء، ومدوّنةً على أساس القوانين الشرعية، فالناحية العملية تحكي: عن أن القانون البشري المبنيّ على الشرع لم يحظ بأية عناية أو اهتمام، أي أن هؤلاء مستعدون لجعله تحت أقدامهم ـ وبكل بساطةٍ ـ دون التفاتٍ إلى أن هذا الأمر يمكن أن يفضي إلى خلق مشكلات اجتماعية، وإذا ما أردنا استخدام اللغة الفقهية أمكننا القول بأن الرجوع إلى القانون والتمسّك به إنما يدرج ـ عند هؤلاء ـ في عداد العناوين الثانوية ويكتسب حكمها، أي أنه يرجع إليه في صورة الاضطرار، فيما يرون أنفسهم مُجازين في استخدام كل ما يراه الشرع جائزاً، سواء كان قانوناً أو غيره.
النقطة الثامنة: لا قيمة لرأي وإرادة الشعب عند هؤلاء، ففي بعض القراءات للدين يلعب الرأي العام ورضاه دوراً في تعيين وتحديد الكثير من المسائل والموارد، أما في القراءة العنفوية للدين؛ فلا ضرورة تقتضي الرجوع إلى رأي الشعب، في أي حالةٍ من الحالات حتى في دائرة المباحات، أي أننا لو فرضنا أن تمام المقدرات الاجتماعية والسياسية ملك لله تعالى وأنه سبحانه أودعها ومنحها شخصاً واحداً في كل زمان؛ فسيكون التصرف في الدائرة العامة دون الرضا المسبق، أو الاذن اللاحق منه غصباً، وبالتالي ـ أي إذا اعتبرنا ذلك غصباً ـ فإن القيام بأي نشاط سياسي أو اجتماعي من طرف الشعب؛ سيصبح تصرفاً في مجالٍ آخر، تماماً كشخصٍ يريد التصرف ووضع اليد على منـزلي، وفي هذه الحالة يكون لي الحق في الوقوف أمامه ومواجهته والتصدّي لـه، وفي هذه الرؤية يدخل التمسك بالانتخاب ورضا الشعب تحت عنوان "أكل الميتة"، وذلك حتى لا يتهم أعداء الإسلام الدين بالاستبداد والديكتاتورية.
النقطة التاسعة: لا مكانة لحقوق الإنسان في هذا الطرز من التفكير، ليس فقط في المباحث السياسية، بل حتى إذا أخذنا الحكمة الإلهية بعين الاعتبار، ولاحظنا التكاليف الإلهية التي جعلت للإنسان، فإن ما سنخرج به ـ وفقاً لنمط التفكير هذا ـ انعدام أي مجال أو فرصة لحقوق الإنسان أيضاً، فالحق هو ذاك المنتزع من التكليف، وهذه الحقوق استُودعت واستُبطنت الأحكام الإلهية، أي أن قراءة مسبقة جرت لصلاح الإنسان ـ عندهم ـ انطلاقاً من الأحكام نفسها، وبالتالي فإذا ما طبقنا هذه التكاليف الفقهية الموجودة؛ فلن نعود بحاجة إلى حقوق الإنسان.
ومن الواضح أن نصوصنا الدينية لم تشر أساساً الى بعض الحقوق، وهي حقوق تنبّه لها الإنسان المعاصر أخيراً، ومن هنا جرى تدوين هذه التكاليف في مناخ لا أثر فيه لقضية الحقوق أصلاً، وبناءً عليه، فإذا ما طرح هذا الفريق الحقوق جانباً؛ فإنه لن يشعر بعدم الارتياح أصلاً، ذلك أنه لا يرى نفسه مستَبعِداً لأي تكليف على الاطلاق.
النقطة العاشرة: في عالم السياسة، يرى هذا الاتجاه غير المقدس مقدساً، وهذا الانتاج للقداسة يستدعي خلق مشكلات اجتماعية، ذلك أنه يوجب توسعة دائرة المقدس توسعةً تتجاوز الحد الطبيعي في الاطار العام والاجتماعي والدنيوي، وعندما يجري تقديس أمر ما؛ فلن يمكن نقده بعد ذلك، وفقدان النقد يحمل في طيّاته أزمات اجتماعية كثيرة.
النقطة الحادية عشرة: يمارس العنفويون السياسة في إطار الاحتفاظ بالحد الادنى للحرّية، ففي عصر المشروطة (الحركة الدستورية) كان العلماء يستحضرون تعابير من قبيل "كلمة الحرية المشؤومة"، أو "كلمة الحرية الخبيثة"، وهو ما لا يخصّ عصر المشروطة، إذ أن هؤلاء يرون الحرية ظاهرةً وضيعةً شيطانية، ويعتبرونها واحداً من نتاجات الثقافة الغربية المنحطّة.
ما هو البناء السياسي والاجتماعي، وما هي الرؤية التاريخية ـ الثقافية التي تنتج العنف؟
شبستري: لا أدري إلى أي مدى يرتبط ما سأقوله الآن مع السؤال الذي تفضّلتموه، لكنني أعتقد بأن الإصرار على البنية السياسية والاجتماعية السابقة، وعدم التوجه والعزم على تغييرها أمر يؤدي الى العنف، فطوال القرون الماضية ظهرت في مجتمعنا بنية سياسية واجتماعية خاصة؛ كان هناك انسجام بينها وبين الثقافة السياسية، والإصرار على بقاء هذه البنية السياسية والاجتماعية والثقافية يفضي إلى العنف ويولّده، ذلك أن المجتمع في دنيانا المعاصرة لا يمكنه أن ينال الموفقية ويحظى بالنجاح؛ ما لم يشارك الجميع فيه في كافة النشاطات السياسية وغير السياسية، ففي الحياة المعاصرة المليئة بالتباري والتسابق ـ والتي يمثل التطوّر والتنمية بعض أهم أهدافها ـ لا يمكن الحياة دون فعاليّةِ وبناءِ، وتأثيرِ الشرائح والافراد المختلفين للمجتمع، فلا بد من توفر ظروف في المجتمع وشروط يصل فيها الأفراد إلى الحد الأعلى من النضج المادي والمعنوي، لكن النقطة المهمة هنا هي أن هذا النوع من ممارسة الحياة غير قابل للتحقق، إلا في ظل الأنظمة السياسية الديمقراطية؛ حيث بالإمكان بلوغ أفراد المجتمع الحد الأعلى من الفعالية والإنتاج، وفي هذا المجتمع الذي يتمكّن فيه الافراد من التمتع بالحد الأعلى من القدرة والاستعداد الذاتي، يمكن لظاهرة كهذه أن تتبلور تحت مظلة النظم الديمقراطية.
أمّا كياننا السياسي والاجتماعي والثقافي السابق فلم يكن ديمقراطياً على الاطلاق، فكياناتنا الماضية كانت ذات أشكال مختلفة، لكن عنصر الاشتراك فيما بينها كان الطاعة للأعلى، ولِلما فوق، وللمرجعيات السلطوية المتنوعة، بحيث إن هوية الإنسان ـ الفرد وشخصيته لم تكن لتكتسب معنى لنفسها إلا بارتباطها بما هو فوقها من مقامات، فلم تكن ثمة مشاركة في السلطة واتخاذ القرارات، كما لم يتمتّع إنسانٌ بحق تقرير مصيره بنفسه، وأساساً لم يكن هناك طرح لهذه الأصول والمرتكزات في أيّ مكان من العالم، إن الإصرار اليوم على بقاء هذه النظم والكيانات السياسية والاجتماعية يؤدي إلى شل الإبداع الإنساني عند الأفراد وانتكاسه، والحال أن واقع الحياة المعاصرة وظاهرة التسابق العالمي للتنمية المادية والمعنوية المستديمة، والتي تستوعب اليوم كل العالم الإسلامي تتطلب نوعاً آخر من الحياة، وهذا الإصرار يفضي إلى العنف، وبالتالي لا يحقق الحاجات المادية والمعنوية للبشر ولا يشبعها، ويبدو أن البعض ما زال يشكّل عائقاً من عوائق التنمية المادية والمعنوية.
إن هذه المجتمعات ليست أحادية الثقافة، أي أنها في نفس الوقت الذي تحكمها فيه نُظُم اجتماعية وسياسية قديمة، تطالب شرائح وجمعيات داخلها بنوعٍ آخر من الحياة والفعالية والإبداع، إن الفئات والقوى التي ظهرت في العقود الأخيرة في المجتمعات الإسلامية تستدعي نوعاً جديداً من الحياة وتنادي عليه، فيما يسمح الكيان الاجتماعي السابق بنمط آخر منها، وما سيحدث في نهاية المطاف هو عدم قيام حوار وتفاعل بين الطرفين واستبدال ذلك بالتصادم، وسيفضي ذلك الى بروز مشكلات داخل المجتمع عموماً، والفئات خصوصاً ما يتمظهر على صورة العنف، وهذه البنية السياسية الاجتماعية والثقافية السياسية الحاكمة في المجتمعات المسلمة؛ إنما هي امتداد لتلك الحياة السياسية الماضية، أي منذ زمن خلافة الخلفاء الراشدين وحتى خلافة الخلفاء الأمويين والعباسيين؛ وصولاً إلى السلطات وشبه السلطات التي أتت فيما بعد، حيث لم تجر أية تغييرات في الأطر الأصلية ولم تحضر هناك في تلك الهيكلية الاجتماعية والسياسية تلك المقولات التي نراها بمعانيها المعاصرة اليوم من قبيل حقوق الإنسان والمشاركة والحرية والمساواة، فمثلاً كانت البيعة زمن الخلفاء الراشدين وزمن الأمويين والعباسين موجودة، بيد أنه لم تكن هناك بيعة بالمعنى المعاصر من المشاركة الاجتماعية والسياسية، فلم يكن هناك تدخل للشعب أصلاً في القرارات كما هو الحال اليوم، والحد الأكثر الذي كان يحصل هو تدخل مجموعة من النخب، كما أن البيعة التي كانوا يقومون بها لم يكن بإمكانهم فيها التراجع والفسخ، أما الحريات السياسية التي كانت موجودة زمن الخلفاء الراشدين فلم تكن تعني سوى قدرة الأفراد على نقد الحاكم، الأمر الذي كان مرتبطاً أيضاَ بمدى عدالة وإنصاف الحاكم نفسه بحيث ـ وانطلاقاً من ذلك ـ يتقبل النقد ويستمع اليه أو لا يفعل ذلك، لكن هل أن حرية النقد كانت تعبر عن المشاركة في اتخاذ القرارات في مختلف أبعاد الحياة السياسية؟ وهل هي نفس الحريات السياسية والاجتماعية المدرجة اليوم في دساتير البلدان؟ كلا، إنها ليست بهذا المعنى أبداً.
إن الحرية السياسية ـ بمفهومها المعاصر ـ تكتسب معناها في السياسة المعاصرة التي تعبر عن نوع من النظم الجمعي، وحيث إن السياسة في القرون الماضية لم تكن بهذا المعنى؛ فكيف يمكن الحديث ـ مع ذلك ـ عن الحريات السياسية المعاصرة والتفتيش عنها في تلك الحقبة الزمنية؟! إن الرجوع إلى مباحث الإمامة في علمي الفقه والكلام يدلل على المدى المحدود الذي كانت تعيش فيه السياسة. فالبغدادي يكتب في كتابه "الفَرق بين الفِرق" قائلاً: إن وظائف الإمام عبارة عن نصب القضاة، وحفظ الحدود، وتقسيم الفيء، وقد كتب الآخرون غيره نفس هذا الكلام مع فوارق بسيطة، ففي تلك الأيام كانت وظائف الإمام عين الحدود السياسية، ومن وجهة نظري، إن واحدة من عمليات الخلط في مجتمعنا اعتبار التساوي ما بين هوية حرية نقد الحاكم في صدر الإسلام والحريات السياسية والاجتماعية المعاصرة، فأساساً لا يمكن القول بأن النصوص والسنة والسيرة الإسلامية أسست للحرية السياسية والاجتماعية المعاصرة، أو قامت بإمضائها وتأييدها، لمجرّد أننا عرفنا أن ظاهرة نقد الحاكم كانت قائمة في تلك المرحلة، ففي تلك الحقبة الزمنية قد يكون الرجل الذي يقف على رأس الجهاز السياسي والاجتماعي ظالماً أحياناً، وعادلاً أحياناً أخرى، ربما يسمح أحياناً بالنقد وأخرى لا يسمح به، لكن ذلك يغاير كلياً ظاهرة الحريات السياسية والاجتماعية المعاصرة والتي تعني المساهمة في تحديد المصير السياسي والاجتماعي، والمشاركة في إدارة أمور المجتمع.
إن الإصرار على كون المفاهيم السياسية المعاصرة حاضرةً في نصوصنا الدينية الماضية، أو في السيرة كذلك لا يحل المشكلة، بل إنه يضاعف منها، والطريق الصحيح هو أن نثير ـ نحن المسلمين ـ هذا السؤال وهو: ما هي العلاقة والموقف الذين لا بد لنا من اتخاذهما، وتأسيسهما فيما بيننا وبين العلوم والمفاهيم السياسية المعاصرة، التي لا يمكننا العيش من دونها؟ هل أن إيماننا الديني يسمح لنا بالقبول بهذه المفاهيم والإقبال على هذه العلوم أو لا؟
إن الجواب الديني عن هذا التساؤل إيجابي تماماً.
ومن الضروري لي أن أشير الى مجموعة أمور أيضاً، تتعلق بالنقاط التي أثارها جناب الشيخ كديور، فمن وجهة نظري، حتى لو استعضنا نحن التصوّرات الحاصلة فعلاً عن الله، والإنسان والدنيا، و… بتصوّرات مغايرة؛ فلن تحل أمراضنا ومشكلاتنا ما لم نحل بعضاً من القضايا السياسية البنيوية، أي أنه من الممكن أن يكون تبديل تصويراتنا في مجال الفلسفة أو الكلام أمراً مناسباً؛ بحيث نصبح قادرين على عرض تصوّرات عن الله، أو بقية المفاهيم الدينية تتصف بمعقولية أكبر من الماضي، لكن المشكلة لن تُحل من هذه الزاوية، أي العنف، فلا بد لنا من تغيير البناء السياسي والاجتماعي السابق، والذي اصطبغ بصبغة دينية وكلامية، والتسليم بالبناء السياسي الاجتماعي والثقافي السياسي الجديد، وهو ما بات يسمى اليوم في عالم الثقافة السياسية والاجتماعية: بالديمقراطية. ومن الطبيعي أننا إذا أردنا أن نرفع يدنا عن تلك البنى الاجتماعية أو السياسية فلا بد لنا أن نتخلّى أيضاً عن تلك الأسس الفقهية والكلامية والمعرفية المرافقة لها، وهو أمر ممكن وضروري أيضاً.
والسؤال الأساسي هو، هل بإمكاننا ـ نحن المسلمين ـ النظر الى حياتنا الدنيوية من منظار تعاقدي؟ وهل يسمح لنا فكرنا الديني بهذا النوع من القراءة والرؤية؟ هل يمكننا أن نجعل حياتنا شبيهة بالتعاقد الذي يقوم به عدة أشخاص، بغية تأسيس شركة مساهمة؟ هل نحن مستعدون للاعتراف من زاوية فكرية دينية بأننا نريد أن نؤسس بناء اجتماعياً، يقع ضمن دائرة مسؤولياتنا كأفراد مستقلين؟ هل يمكننا القول بأننا نريد أن نؤسس لكيان اجتماعي قائم على العدالة وحقوق الإنسان، مترافق مع تفسيرات فلسفية؟
ثمة تياران حالياً يقفان بالضبط ـ كلاهما ـ أمام إشكالية جادّة، فوفقاً لنمط تفكير أحدهما يمكن بل يجب بلورة بنية اجتماعية وسياسية، قائمة على العدالة المستنبطة من الكتاب والسنة، لكن طبقاً لتفكير آخر، لا معنى للعدالة المستنبطة من الكتاب والسنة، بل لابد من وضع أسس الكيان الاجتماعي وإقامتها على الأصول المستنبطة من التفسير العقلاني للعدالة وحقوق الانسان، وهو بحثٌ يجرّ الى عدد كبير من الموضوعات، فمثلاً، ما هي تلك المسائل المتفرّعة على العدالة وحقوق الإنسان؟ وما هي الحريات السياسية ـ الاجتماعية المتصلة بمفهوم العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان، وما هو معناها؟ ما هي الحرية في إطار العدالة؟ والأشخاص الذين يريدون بناء كيان اجتماعي على مثل هذه الأصول سيراعون بالتأكيد معتقداتهم الدينية.
لماذا كان الكيان التقليدي غير ديمقراطي ومولّداً للعنف؟ هل أن تقليديته أو عدم ديمقطراتيه أو كليهما معاً سبب العنف أم لا؟
شبستري: لا بد لنا من التفكيك بين مسألتين هما:
أ ـ هل أنتجت كياناتنا الاجتماعية الماضية ظاهرة العنف في المرحلة الزمنية الماضية، أم أن الأمر لم يكن كذلك؟
ب ـ لماذا تواجه المجتمعات الإسلامية اليوم هذه الظاهرة؟
بالنسبة لي، يعنيني الموضوع الثاني، وأؤكد أن الإصرار على حفظ البنى القديمة يفضي في عصرنا الراهن الى العنف، أي أن إبداء الممانعة عن تبديل هذه البنى والهيكليات بنظم ديمقراطية هو الذي يؤدي الى العنف، ذلك أن تلك الإبداعات التي لم تعد لتنفكّ عن الحياة المعاصرة؛ لا تتيسر إلا في ظل النُظُم الديمقراطية، وسواء قبلنا اليوم أو لم نقبل؛ فإن طاقات إنسانية كثيرة في المجتمعات الإسلامية ـ لا سيما مجتمعنا الإيراني ـ قد تفلّتت، ولا يمكن لأحد ضبطها، وعلى المجتمعات الإسلامية الاعتراف لهذا الواقع والتسليم به، وعليه، كيف يمكن التوفيق بين هذا الأمر وبين نظامنا القيمي، وبأية خطوات وتدابير لا بد أن نفكّر؟ إن هذا هو المعضل المهم الذي نواجهه.
لكن وجود هذه الإشكالية المعقّدة لا يبرر لنا إغماض أعيننا والتغاضي عن الطاقات المتحرّرة لدينا، وأن لا نعرف أساساًً في أية دنيا نعيش، ومن ثم نصر على تلك الهيكليّات الاجتماعية والاقتصادية الغابرة، الأمر الذي يضاعف من حدّة المشكلة ويوسّع من دائرة العنف، لا يمكن للمعضلات أن تحلّ إلا عندما ننظر الى الواقع بعينين مفتوحتين، ونملك مع ذلك جرأة العمل والاقدام، وبدون ذلك لا يمكن حلّ أي منها، والحياة المعاصرة مليئةٌ بهذا الوضع.
كديور: إذا كان فهمي صحيحاً؛ فإن جناب الشيخ مجتهد شبستري يرى أن البنية السياسية المولّدة للعنف؛ هي تلك البنية التي تسعى لحفظ الماضي والاحتفاظ به وبإصرار، أي أن الإصرار في الواقع علىحفظ بنية مرّت وانقضت مرحلتها التاريخية، يمكنه أن يمثل أرضيةً مساعدةً لخلق العنف، لكن لابد لي ـ مع الموافقة على النقطة الاساسية لبحثه ـ أن أبين وجهة نظري هنا: ليست هناك ضرورة تقول: إن كلّ كيان وبنية سياسية انتهى أمدها، وتمّ وقتها تولّد العنف، وإنما ينجم عنها ذلك عندما لا تكون هناك حالةٌ من الانسجام والتناغم ما بينها وبين رغبات وقناعات الشعب، أي أن يخطو الشعب خطوةً أكثر تقدّماً من الدولة، ويبدي من نفسه تحوّلاً وتبدّلاً، ومن ثم لم يعد يقبل بذلك الجهاز والنمط السياسي، فلو فرضنا مجتمعاً شعبه كدولته متأخر فليس ثمة ما يلزم بتولّد العنف فيه، ذلك أن هناك انسجاماً ما بين عامة الشعب والسلطة، كما أن الناس أنفسهم رحبوا بذلك الكيان والنظم المتخلّف وقبلوا به، ووفقاً لذلك أعتقد أن أحد أسباب تولّد العنف في المجتمع هو اللاانسجام ما بين الجهاز السياسي الموجود وأكثرية الشعب، وعليه فلو أن نظاماً غير ديمقراطي حكم مجتمعاً ما، وكانت أكثرية الشعب متفاعلة وهذا النظام تفاعلاً إيجابياً، معتبرةً إياه نظاماً صحيحاً وسليماً، أي أنها وافقت عليه واعترفت به كنظام حكومي؛ فإن الدولة لن تضطر ولن تكون بحاجة الى ممارسة العنف حينئذ، ذلك أن الشعب يلبي كافة أوامرها ونواهيها، لكن المشكلة تحدث في المجتمع عندما تتمتع الغالبية الشعبية بنوعٍ من الوعي، لا سيما النخب الاجتماعية التي تكون قد بلغت درجةً من الوعي، أدركت فيها مدى التباين والعجز الذي ابتليت به الانظمة والهيكليّات السياسية من جهة واستطاعت ـ أي هذه النخب ـ أن تعي الحاجات الاجتماعية المعاصرة في زمانها؛ ففي هذه الحالة تضطر الدولة بغية استدامة سلطتها السياسية إلى ممارسة العنف واستخدام أساليب القهر والإجبار دون أن يكون لها طريق آخر، وذلك نظراً لانتمائها الى سياقٍ ونسقٍ قديمين، لا تستطيع من الناحية السياسية امتلاك قدرة الجواب معهما عن متطلبات الواقع المعاصر.
لكن السؤال الذي أثاره سماحة الشيخ تمركز حول: هل أننا قادرون ـ ومن الزاوية الدينية ـ وحاضرون لتعويض جهازنا السياسي الماضي، والإذعان للنمط السياسي الديمقراطي الجديد أو لا؟ أي، هل أننا مستعدّون للتنازل عن المرتكزات الكلامية، والفقهية، والمعرفية للكيان القديم أو لا؟
إن جوابي الشخصي عن هذا الأمر إيجابي، لكن ثمة عوائق تقف في هذا الطريق، واحدة منها الرجوع الى أسوة صدر الإسلام والتمسّك بها، تلك القُدوات التي نعترف لها بقداسة خاصة، لكن هل أنّ هذا الموضوع يلزمنا بالثبات والبقاء على قالب وشكل محدّد؟
يمكن للبعض أن يرى لذلك ضرورةً، لكن من وجهة نظري لا تلزمنا التبعية لهذه الاسوة بالعمل على صيغة أو شكل خاص، ولا تفرض علينا ذلك أو تحملنا إياه، أي، صحيح أن هؤلاء العظماء انتهجوا طرقاً وأساليب خاصة، في ممارسة الحكم، وكانت لهم أحكامهم الخاصة في ذلك، لكن قدوتهم لنا تقف عند حدود الكليات والأصول، ولا تبلغ مجال الفروع والمسائل المتأثرة بالعنصر الزمني، فلو أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) بعث اليوم؛ فمن المؤكد أنه كان سيستخدم أساليب ومناهج تسعى لحفظ بعض الأصول، تختلف عن تلك التي كانت موجودة قبل ألف وأربعمائة عام، ولا يتوفّر لدينا أي دليل فقهي وكلامي يؤكد أن هؤلاء العظماء لو مارسوا اليوم عمل الحكومة؛ فسوف يطبقون ما فعلوه قبل قرون طابق النعل بالنعل، فإذا أردنا العمل وفق الكتاب والسنة؛ فلا بد لنا من رعاية أصول وأوليات، كحفظ كرامة الإنسان ورعاية القسط والعدل، وعدم جواز تولّي غير المسلمين حكم المجتمع الإسلامي وموارد أخرى من هذا القبيل، أما بقية الأمور فليس ثمة سبيل فيها سوى الرجوع الى رأي الشعب والى التعاقد الاجتماعي، شريطة عدم إفضاء ذلك إلى وقوع أي منافاة مع المحرّمات الشرعية، وليس هناك أي أمر آخر يلزم اتخاذه من الناحية الدينية، وبناءاً عليه فالحاكم في مثل هذا المجتمع هو العقل الجمعي للمسلمين، وكل ما يراه هذا العقل مصلحة (طبعاً شريطة عدم مخالفته حكماً دينياً) فهو مجاز في إنفاذه، وهل يمكن بغير هذه الطريق إدارة المجتمع، وخلع اسم الدين عليه؟!
واذا ما تأملنا في نحو علاقة النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) والإمام علي (عليه السلام) مع المجتمع، فلا ينبغي أن ننسى أن هذين الوجودين المقدّسين كانا حائزين على خصوصيتين اثنتين، لا نجد من يتحلى بهما في زماننا أصلاً، إحداهما العصمة، وثانيتهما العلم بالغيب. ولنفرض أنه قد جرى في ذلك الزمان استخدام منهج وأسلوب خاص، لكن الشخص الذي لا يتمتع بهاتين الخصوصيتين لا يحق له إدارة المجتمع بتلك الأساليب والطرق، وعليه فلا سبيل أمام الافراد العاديين في زمان الغيبة لإدارة المجتمع إلا العودة الى العقل الجمعي، وإذا ما كان هناك من يعتقد بأن ثمة نموذجاً متبقياً لإدارة المجتمع وأننا مسؤولون شرعاً عن اتباع هذا الأنموذج، فلا بد له أن يبرز دلائله على هذا الأمر، لقد توصلت شخصياً ـ وبعد البحث والتفحص ـ الى هذه النتيجة وهي أنه لا يوجد بأيدينا أي أنموذج لإدارة المجتمع عصرَ الغيبة.
أما فيما يتعلق بسؤالكم الأساسي أي: ما هي تلك البنية السياسية التي تولّد العنف؟ فلا بد لي في جوابه من أن أبين عدة نقاط:
النقطة الاولى: إن كل نظام سياسي تتواجد فيه الخصائص التالية فهو نظام يخلق ـ بالتأكيد ـ العنف ومظاهره، فأهم عوامل العنف عدم انبثاق الحكومة من الشعب، وهذا الانبثاق ليس شرطاً حدوثياً فحسب بل هو شرطٌ بقائي أيضاً، وبعبارة أخرى لا بد أن تكون وجهة الحكومة وحركتها منسجمةً ووجهة أكثرية الشعب وحركته، وما لم يكن الامر كذلك فلا مفرّ حينئذٍ من العنف، فمن الممكن أن تنشأ حكومة من الشعب وتنبثق عنه، لكن رأي الشعب وإرادته دخيلان في مرحلة الاستمرار أيضاً، فالحكومة والسلطة ملزمة بتأمين رأي الشعب ورضاه، لا أن الشعب ملزم بتنفيذ إرادات الحكّام والمسؤولين وميولهم، هناك من يدعو في بعض المجتمعات الى ضرورة مناغمة الشعب نفسه مع السلطة، والحال أن الحكام أنفسهم هم الملزمون بالقيام بمثل هذا الأمر.
النقطة الثانية: لا يجوز للدولة أن تعتبر نفسها مكلّفة بتكليف خاص من جانب الله سبحانه، أي إذا وافقنا على عدم وجود أنموذج خاص في زمن الغيبة؛ فلن تعود لأحد صلاحيات وامتيازات خاصّة، بغية هداية المجتمع فيما لا يتمتع الآخرون بمثل هذه الصلاحية، واذا ما اعتقد شخص أو جماعة وشريحة أنهم يملكون مسؤولية خاصة كهذه فإن مشكلات كبيرة سوف تحدث في المجتمع.
النقطة الثالثة: إن الحكومات المركزية القائمة على حاكمية الفرد الواحد، والمبنية على منهج ثيوقراطي ديني تؤدّي الى نوع من العنف أيضاً، ذلك أن الدولة المتمركزة القائمة على الفرد تختزن في داخلها تمركزاً للسلطة.
النقطة الرابعة: إذا كان المجتمع محكوماً لطبقيةٍ سياسيةٍ وثقافيةٍ واجتماعيةٍ ما، وكان يعاني من حالةٍٍ من الانقسام والمواجهة الطبقية؛ فإن العنف سيأخذ طريقه إليه، وبعبارة أخرى إذا لم نعتبر الجميع مواطنين متساويين، أي اعتقدنا بأن ثمّة مواطناً من الدرجة الأولى وآخر من الدرجة الثانية؛ فإن المواطن ذا الدرجة الأولى سوف يستعين بالعنف وسيلةً، تؤمّن له دوام سلطته على المواطن ذي الدرجة الثانية، وهذا معناه أنّ الطبقية السياسية تصنع عنفاً، كما أن عدم الاعتقاد بالمساواة السياسية ـ لا سيما في حالات كثرة المواطنين، ذوي الدرجة الثانية، وتحوّل أصحاب السلطة نتيجة ذلك إلى أقلّية ـ سوف يؤدي غالباً إلى حدوث مشاكل أيضاً.
النقطة الخامسة: إذا لم يجر تداول السلطة في مجتمعٍ ما، وبعبارةٍ ثانيةٍ ما دامت سلطة الحاكم مستمرةً ما دام العمر؛ فسيؤدي ذلك الى بروز آفة الفساد، ذلك أن مداولة السلطة السياسية تحول دون تخييم حالة الركود والموت والشلل في المجتمع والسياسة، فعندما يكون للسلطة هذا الامتداد الزمني؛ فلن يكون ثمة وسيلة في مرحلة الاستمرار سوى الرجوع الى العنف والتوسّل به.
النقطة السادسة: عدم خضوع الحاكم للرقابة وعدم مسؤوليته أمام الشعب، فإذا لم تجر رعاية الحريات السياسية في مجتمعٍ ما، وكذلك الحريات المشروعة وتلك المدرجة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان؛ فلا شك في ظهور العنف في هذا المجتمع، والمراد من الحرية هو أن يتمتع الأفراد بتلك الحريات، المصرّح بها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من الناحية السياسية، وبناء عليه فللشعب ممارسة الرقابة على الدولة، كما يحقّ له مساءلة الحكومة أيضاً، والمجتمع الذي يعدّ فيه الاختلاف في الرأي مع السلطة جُرماً، ويكون "العدو" محور الفعل السياسي فيه، أي يحصل اعتقاد "بأنهم ما داموا يعادونني فأنا موجود"… هذا الم