أصول التجريم في الأعمال المنافية للعدالة القضائية

قراءة وفق الأسس الجزائية الإسلامية

د. عبد العلي توجهي(*)

أ. مصطفى مسعوديان(**)

مقدّمة

العدالة من جملة المفاهيم العالية الموجودة في عمق فطرة الإنسان، التي آمن بها البشر، وعمل على رقيّها ونموّها، كما عمل على اتّخاذ الطرق الكفيلة في تطبيقها.

تعتبر العدالة أحد القوانين المهمة والأساسية في النظام الحقوقي للإسلام، حتى أنها كانت من أهم أهداف بعثة الأنبياء^ وتشريع القوانين([1]).

إحدى النواحي المهمة التي يمكنها أن تحقق هذا الهدف هي إحقاق الحق وتطبيق العدالة حين القضاء والمحاكمة، ويمكن التعبير عن هذه الحالة باسم (عدالة القضاء). يوجد هناك دائماً عَقَبات وموانع في تطبيق العدالة تعمل على انحراف مسيرتها شيئاً ما. لذا فإنّ المقنِّن؛ ومن أجل الوقوف في وجه هذه الموانع وتطبيق العدالة في القضاء، قام بإجراءات خاصّة، حيث قام بتصنيف الموانع واعتبارها جرماً.

هناك فوائد عديدة لتصنيف الجرائم؛ فعلاوة على الاختلاف في موضوع الجرائم الواقعة في طبقة واحدة يوجد هناك تفاوت أيضاً في القوانين بين الجرائم المصنَّفة في مجموعة واحدة. فمثلاً: الجرائم الواقعة في موضوع الأموال، كالسرقة، يعتبر عدم رضا المالك شرطاً أساسياً في تحقّق الجرم، وعند رضا المالك سوف تزول صفة الإجرام عن السرقة. في حين أن بعض الجرائم لا يضرّها رضا المالك. وبناءً على ذلك فإنّ تصنيفها له أثر في أصول وقواعد الأحكام القضائية، وإصدارها، وتطبيق العقوبات الصادرة عنها.

أشهر تصنيف للجرائم هو تقسيمها إلى ثلاث مجموعات؛ جرائم الأشخاص، وجرائم الأموال والملكية، والجرائم الخاصّة بأمن وسلامة المجتمع. وفي الواقع هناك جرائم أخرى موضوعها لا يخص الأشخاص وحيثيّتهم، ولا أموالهم، ولا أمنهم واستقرارهم، بل موضوعها (عدالة القضاء)، فارتكاب هكذا جرائم سوف يوجّه صفعة إلى العدالة في مجال القضاء والمحاكمة؛ لأنها غير خاضعة لأحد الأقسام الثلاثة.

والسؤال الذي يمكن أن يقفز إلى الذهن: ما الضرورة لدراسة وبحث الإجراءات التي يمكن أن تُتَّخذ ضدّ عدالة القضاء على شكل فصل مستقل له قواعده وأحكامه الخاصّة؟ أضف إلى ذلك: ما هي مباني وأصول هذه الإجراءات التي تُعتبر جرماً بنظر الحقوق الجزائية للإسلام؟ وما هي الضابطة في تشخيص هذه المجموعة من الجرائم؟

فمن جانب هناك ضرورة لإجراء العدالة وإحقاق الحق في مجال المحاكم، ومن جانب آخر هناك فراغ قانوني وانعدام سياسة جنائية فعّالة تواجه هذه الجرائم، وهذا يتطلب منّا مطالعات واسعة في هذا المجال.

لذا فإن مطالب هذه المقالة سوف تُطرح في ثلاثة أقسام؛ سوف نبحث في القسم الأول مفهوم عدالة القضاء؛ وفي القسم الثاني ضرورة التجريم الخاص بهذه الإجراءات؛ وفي القسم الثالث والأخير مباني التجريم من وجهة النظر الجزائية للإسلام.

1ـ مفهوم العدالة القضائية

عدالة القضاء: تركيب إضافي يتكون من لفظَيْن: (العدالة)؛ و(القضاء). وقد عرّفوا العدالة بتعاريف كثيرة، وهذا التعدّد سببه اختلاف الشروط الحاكمة على المجتمعات.

بعض هذه التعاريف عبارة عن: إعطاء الحق لذي الحق([2])، السلوك الموافق للقانون([3])، الشيء الذي يعتبره أكثر الناس عدلاً([4])، التوازن والتناسب([5]).

ويمكن القول: إن كل هذه التعاريف هي في مجالها صحيحة، والواقع أن كل واحد منها يوصل معنى من حقيقة العدالة، لكنّ المفهوم الذي يتطابق مع بحثنا هو تعريف العدالة بـ (السلوك المطابق للقانون)، والذي أكد عليه العلامة جعفري. وبهذا المعنى تكون الحياة الاجتماعية للإنسان ذات قوانين وضعت لأجل إنعاش وإصلاح تلك الحياة، والسلوك المطابق لتلك القوانين هو العدالة، والانحراف عنها أو عدم الاعتناء بها هو الظلم.

وكذلك عرّفوا القضاء بمعانٍ متعدّدة، لكننا سوف نركّز على مفهوم واحد في مقالتنا هذه، وهو مفهوم (التحكيم والعدالة)([6]).

يمكن القول من خلال التعاريف السابقة: إن عدالة القضاء هي رعاية القانون في المحاكمة والقضاء.

وبعد وقوع الجرم أو تضييع الحق فإنّ كلّ عمل يقصد به الإخلال في مجرى تطبيق العدالة القضائية، ويكون له القابلية في عدم تحقق العدالة، أو يوجب انحراف الحكم، هو جريمة بحق العدالة القضائية، أو خرق للعدالة القضائية.

وهنا نتساءل: ما هي الضابطة لتشخيص هذا النوع من الجرائم؟

يمكن ـ بشكل كلي ـ إعطاء معيارين لتشخيص هذا النوع من الجرائم: أحدهما نوعي؛ والآخر شخصي. وطبقاً للضابطة النوعية فإن كل جرم موضوعه تطبيق العدالة في القضاء يعدّ جرماً بحق العدالة القضائية. وبناءً على هذا فمن أجل تشخيص هذا الجرم يجب الالتفات إلى العنصر المادي للجرم الذي يعدّ موضوع الجرم جزءاً منه.

وعلى أساس الضابطة الشخصية فإن كل جرم يقصد منه الإخلال في مسير تطبيق العدالة القضائية يعدّ جرماً ضد العدالة القضائية. وبناءً على ذلك فإن الارتشاء في الحالات العادية يعدّ جرماً عاماً، لكن إذا دفعت الرشوة لمسؤول في القضاء؛ للاهتمام القضائي، أو بقصد التأثير على سير قضية معينة، فإن هذا العمل يعتبر عنواناً لأحد معوقات وموانع تطبيق العدالة.

ويبدو أن الضابطة الشخصية معيار أدقّ في تشخيص الجرم ضد العدالة القضائية؛ لأن الجرائم ضد العدالة ليست جرماً خاصاً، له عنصر مادي وله موضوع معين، بل إن الجرم ضد العدالة هو وصف لمجموعة جرائم خاصة، ووجه شبهها هو انحراف في مسير العدالة القضائية بهذه الضابطة. فالجرائم التي تخلّ بتطبيق العدالة بنحو ما، لكن ليس وراءها قصد شخصي، لا يمكننا عدّها ضمن الجرائم ضد العدالة القضائية.

2ـ ضرورة التجريم الخاص بهذه الجرائم

يمكن القول: إن احتمال وقوع هذه الجرائم بشكل كلي في القوانين الجزائية الفعلية، لذا لا نحتاج إلى تجريم هذه الجرائم في فصل مستقل ومنفصل؛ لأنه يمكننا أن نتابع مرتكب مثل هذه الجرائم طبق الأحكام العامّة الموجودة لدينا، ونصدر عليه الحكم بما يوافق تلك الأحكام. لكننا نعتقد عدم صحة هذا الكلام؛ لأن المجتمع سوف يتحمل تلك التبعات الناتجة عن تلك المجموعة من الجرائم؛ كما لا يمكن أن نقيسها مع بقية الجرائم، لأنه في الجرائم المذكورة ـ علاوة على الضرر الذي يصيب المَجني عليه ـ فإنّ الجهات القضائية سوف تفقد مصداقيتها، وبالتالي تشيع حالة من الهرج والمرج والانتقام الشخصي. مثلاً: التبعات المترتبة على أخذ الجهاز القضائي للرشوة من أجل إصدار الحكم للمجني عليه أكبر بكثير من جرم أخذ الموظف العادي في الدولة للرشوة؛ لأن الشخص المتضرّر أو المجني عليه يعتبر جهاز القضاء ملجأ ومأوىً له لطرح شكواه، فإذا كان نفس جهاز القضاء يأخذ الرشوة منه لأجل القيام باتّخاذ القرار في قضيّته، وربما يصدر الحكم ضدّه، وليس إلى جانبه، فإن ذلك سيؤدي إلى فقدان مصداقية القضاء لديه، ولا يعترف بالحكم الصادر من هذه الجهات القضائية التي فقدت مصداقيتها لديه، لذا فهو يلجأ إلى الانتقام من أجل الوصول إلى حقّه، الأمر الذي يؤدّي إلى تهيئة أرضية لوقوع جرائم أُخرى.

ومن جانب آخر فإنّ المجازاة للموظف العارف بموازين العدالة والجزاء يختلف عن غيره من الأشخاص العاديين الذين يأخذون الرشوة، فمن الضروري أن يكون الجزاء أشدّ وأقوى بحق أولئك المطّلعين؛ لأن المساواة بينهما في الجزاء يخالف نزاهة القضاء.

لهذا توسّع التجريم بحق هذه الجرائم على مستوىً دولي بحيث تمّ التصويب على الكثير من الوثائق والمعاهدات في هذا الخصوص، وصارت هناك توصيات للبلدان الموقِّعة على هذه الاتفاقيات في اعتبار هذه التصرفات جرماً يعاقب عليه القانون، وتقوم بتثبيتها في لوائح القوانين الداخلية لتلك لبلاد.

نشير هنا الى معاهدتَيْن من بين المعاهدات والمواثيق:

1ـ (ميثاق الأمم المتحدة ضد الجريمة المنظّمة)([7])، الذي وقّعت عليه 120 دولة في مدينة بالرمو الإيطالية سنه 2000م. وأكّد الميثاق في المادتين 23 و24 على احتساب العمل ضد العدالة القضائية جرماً.

2ـ (ميثاق الأمم المتحدة لمكافحة الفساد)([8]). وقد تمت المصادقة عليه في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2003م، حيث وقّعت عليه 140 دولة. والمادة 25 منه تحت عنوان (منع إجراء العدالة) أوصت البلدان الأعضاء في هذا الميثاق بجعل التجريم لكل عمل يمنع من إجراء العدالة وتطبيقها.

ومن أجل التطبيق العملي لهذه السياسة الدولية الجزائية قامت الكثير من الدول، مثل: فرنسا، وأمريكا، وإنجلترا، واليابان، والأردن، والإمارات، و…، باعتبار هكذا جرائم جريمة يحاسب عليها القانون في النظام الداخلي لتلك الدولة، وقرّروا مجازاة شديدة لمرتكبي هذه الجرائم. في حين اكتفَتْ الكثير من الدول الإسلامية بتعريف واحتمالات لبعض هذه الجرائم بشكل عام ومبعثر، دون اتّخاذ أي إجراء معيّن.

3ـ أصول التجريم في الأعمال المنافية للعدالة القضائية

التجريم في اصطلاح القانونيين عبارة عن أعمال وفعاليات يمكن من خلال ارتكابها أن يظهر سلوك جديد يكون مشمولاً للقوانين الجزائية([9]).

مبدئياً يكون تحديد نطاق الفعاليات الإرادية للإنسان ضمن عمليات التجريم أمراً مخالفاً للحرية الشخصية للأفراد؛ لأن التدخل في توسيع وتضييق الحقوق الأساسية للأفراد، والإعلان عن  بعض الأمور باعتبارها تصرفات ممنوعة، هو تضييع لبعض هذه الحقوق.

فمن جانب لا يكون التجريم إجراءً على خلاف الأصل والقاعدة فحسب، بل إن تطبيقه مخالف لوجوب احترام الإنسان. ومن جانب آخر فإن الإنسان حينما يريد أن يستفيد من حريته الشخصية من دون قيد وشرط فإنّ الثمرة ستكون تضييع حقوق  الآخرين، والتعدي على حرياتهم، وتفكُّك المجتمع، ليس إلاّ. لذلك ومن أجل تأمين حقوق المصالح الاجتماعية والحقوق الأساسية للأفراد لابدّ من تقييد وتحجيم هذه الحريات عند تطبيقها.

فإذا تحقق ذلك فإن المقنّن لا يمكنه تعيين هذه الممنوعات من دون ضابطة. ومن أجل تشخيص هذا الأمر ليس هناك أفضل من القانون يبتّ في كون المسألة جرماً أو لا، ويُعَدُّ هذا الأمر من الأمور الأساسية للنظام الجزائي في كل مجتمع.

في النظام الحقوقي للإسلام تكون الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد الواقعية. لذلك فإنّ منع الإسلام من بعض التصرّفات يأتي من خلال تشخيصه أنه لو نفّذوه لوقع فساد كبير، لذلك فإن تجريم عمل معيّن في الإسلام ناتج عن نظرة واقعيّة غير مزيَّفة.

وحول هذا الموضوع نُقلت رواية عن الإمام الرضا× أنه سُئلَ عن أشخاص يعتقدون بأن الحلال والحرام الذي شُرّع في الإسلام ليس له معنى سوى التعبّد، فردّ عليهم الإمام بالقول: قد ضَلّ مَنْ قال ذلك ضلالاً بعيداً، وخسر خسراناً مبيناً، وأضاف: ليست تلك الأمور الممنوعة في الشرع مما لا يحتاجه الإنسان فحسب، بل إنها موجبة للفساد، ولا تسوقه إلاّ نحو الفساد والفناء([10]).

ونظراً لأن التجريم عملٌ على خلاف القاعدة والأصل فيجب أن يُصاغ ويوضع ضمن مبنى أصولي؛ كي يمكنه أن يوجِّه ذلك التحديد والتحجيم لحرية الأفراد. وهذه الأصول يمكن أن تتفاوت وتختلف في كل نظام حقوقي من مجتمع لآخر، وفقاً للمباني التي يمكن قبولها في تلك المجتمعات، رغم وجود نقاط كثيرة مشتركة بينها.

وسوف نبحث في هذا  القسم من المقالة أهم قواعد ومباني تجريم الإجراءات ضد عدالة القضاء في النظام الجزائي الإسلامي.

أ ـ قاعدة جبران الضرر

قاعدة (لا ضرر) بمعنى منع الإضرار بالآخرين، وهي متشابهة في كافّة المباني الاستدلالية لكل الأنظمة الحقوقية تقريباً.

تمّ تبيين قاعدة (لا ضرر) في الحقوق الإسلامية. وقد اتُّخِذَت هذه القاعدة عن طريق حديث شريف نقله الفريقين من علماء  السنة والشيعة. وقد نقل هذا الحديث بتعبير متعدّد لكن مضمونه واحد. ومن ضمن الكتب الروائية التي نقلته: المسند([11])؛ وسنن ابن ماجه([12])؛ وسنن ابن داوود([13])؛ والكافي([14])؛ ومن لا يحضره الفقيه([15]).

وأشهر تعبير لهذا الحديث هو ما جاء عن الرسول الأكرم‘ في النزاع الشخصي الذي دار بين (سمرة بن جندب) ورجل من الأنصار، فسمرة كان يدخل على بيت الأنصاري من دون استئذان؛ ليزور نخلته الموجودة في ملك الأنصاري، ويعتني بها، ممّا أدّى إلى أذيّته بشكل كبير، فضاق الأنصاري ذرعاً، واشتكى عند رسول الله‘ على سمرة، فأرسل‘ خلف سمرة لكي يصالحه على نخلته، فاقترح عليه عدّة أمور، لكن سمرة لم يسمع لمقترحات الرسول‘ له، وحين ذاك أمر النبي‘ بقلع النخلة ورميها، قائلاً: «إنّك رجلٌ مضارّ، ولا ضَرَرَ ولا ضِرارَ في الإسلام».

وقد استُعملت هذه القاعدة بشكل واسع في مجال الحقوق المدنية، وتعيين مباني المسؤولية المدنية للأفراد. وكتب الشيخ الطوسي في مبحث خيار الغَبن: «ودليلنا ما رُوي عن النبي‘ أنه قال: لا ضرر ولا ضِرار»([16]). وكذلك قول أبي المكارم ابن زهرة في الرد على الشخص الذي لم يقبل بخيار الغَبن، ردّ عليه مستدلاً بقاعدة لا ضرر([17]).

ورغم أن هذه القاعدة عريضة وكليّة فإنهم لم يستخرجوا منها قاعدة جزائية مستقلة وواضحة في توجيه تجريم السلوك الضارّ. يعني كيف وتحت أية شرائط يمكن تجريم سلوك ضارّ ـ نُهي عنه حسب قاعدة لا ضرر ـ وجَعْله خاضعاً للمسؤولية الجزائية؟

ومن جملة الجرائم التي يمكن توجيهها من خلال قانون جبران الضرر هي الإجراءات المرتَكَبة ضد العدالة؛ لأنه بارتكاب هذه الجرائم وتضليل العدالة والوقوف أمام تطبيقها سوف يضرّ بالفرد والمجتمع ضرراً كبيراً.

فمن جانب ينتظر المجني عليه من تطبيق العدالة بعد وقوع الجرم تعويضه عن  بعض الضرر الذي ألمّ به وتعرّض إليه. في حين أنّ وجود موانع في طريق تطبيق العدالة يؤدّي إلى سحق هذا الحق المسَلَّم للمجني عليه. ومن جانب آخر فإنّ وقوع هكذا جرائم ناتج من عدم تطبيق العدالة، الذي يؤدي بالتالي إلى سوء الظن وعدم ثقة الناس بالجهاز القضائي، وبالنتيجة يؤدّي إلى أن لا يكون للقضاء أي اعتبار عندهم.

ورغم أن (قانون جبران الضرر) يعتبر  من أهم أصول التجريم، وقادراً على توجيه الكثير من الأمور التي يمكن احتسابها من الجرم، لكن لا يمكن أن يكون الدليل منحصراً به. وهذا الأصل لا يمكنه أن يغطّي كافة الأساليب ضمن نطاقه، إلاّ أنه في نفس الوقت يعتبر تهديداً للحريات الشخصية للفرد، وهذا يعني البحث في قواعد أخرى.

ب ـ قاعدة إجراء العدالة

من الأصول والقواعد المهمة في التجريم هي الجرائم التي تقع ضد تطبيق العدالة. وتعتبر هذه القاعدة من القواعد التأسيسية في تشريع الأحكام والقوانين الإسلامية. كما جعلها الإمام أمير المؤمنين× أصلاً من أصول العدالة، وجعلها أحد مباني الحكم، فقال «العدل أساس الحكم»([18])، وفي كلام آخر له× عبّر  عن العدل بأنه ميزان الله سبحانه: «إنّ العدل ميزان الله سبحانه، الذي وضعه في الخلق، ونصَبَه لإقامة الحق»([19]). وكتب الشهيد مرتضى مطهري حول هذا الموضوع: «من وجهة نظر فقه الإمامية إذا ثبت ان العدل يستدعي أن يكون القانون الفلاني بهذا الشكل، وليس بشكل آخر، بحيث يكون الشكل الثاني ظلماً ومخالفاً للعدالة، فنحن مجبورون على القول بأن حكم الشرع يكون حسب الشكل الأول المخالف للظلم؛ لأن شرع الإسلام يحكم وفقاً للقانون الذي تربّينا عليه، وهو عدم الخروج أصلاً عن محور العدالة»([20]).

وحسب رأي الشيخ مطهري فإن سابقة قانون العدالة في الفقه هو إعمال الرأي والقياس في الشريعة من جانب أهل السنة. ويضيف: «أهل الرأي والقياس كانوا يعتقدون أنّ العدالة والمصلحة يمكنهما أن يكونا مرشدَيْن جيّدَيْن للفقه. وهنا كان فقيههم يرى نفسه مكلَّفاً بالتفكُّر في متطلبات العدالة وما تقتضيه المصلحة»([21]).

لا نجد إلاّ القليل من الفقهاء المتقدمين ممّن استفاد صراحةً من العدالة بعنوان أحد القواعد والأصول؛ لكن بعض الفقهاء المعاصرين اهتمّوا بهذا الأصل بشكل خاص، حتى أن استنباطاتهم الفكرية صارت مستندة على هذا الأصل.

يقول صاحب الجواهر حين وقوع الاختلاف في مسألة الأرش وقيمته:  رأيُ الفقهاء هو جمع القِيَم المختلفة واستخراج النسبة بينها. وبيَّن رأيه حول مسألة الاستدلال بقوله: «ومقتضى العدل الجامع بين حقَّي المشتري والبائع هو ما ذكره الأصحاب»([22]).

وهكذا نستفيد من بيانات صاحب الجواهر& أنه صرّح بأن مقتضى العدل الجامع بين حق المشتري والبائع هو رأي الفقهاء المبني على جَمْع القيم وأخذ النسبة بينها ـ عند اختلاف أهل الخبرة في التقييم ـ.

التفت الإمام الخميني& في مباحثه الفقهية إلى ميزان ومعيار العدالة، وقد استنبط آراءه الفقهية وفقا لذلك المعيار. وقد استند في حرمة الربا على دليل (الظلم)، وقال: كل الحيل لا ترفع حرمة الربا؛ لأنها ظلم، لذا فإنه أكّد على حرمة الربا على كل حال؛ وقال: إن الحيل الشرعية لا توجّه الربا([23]).

وبناءً على ذلك فإنّ أصل العدالة في النظام الحقوقي للإسلام جزء لا ينفك عن أصول ومباني التحريم والتجريم عند استخدامها؛ فكل فرد يقوم بعمل يبعث على انحراف مسيرة تطبيق العدالة، ويقع هناك ظلم للآخرين، يكون في هذه الحالة موضعاً للمتابعة والمجازاة حسب هذا الأصل.

ج ـ قاعدة المصلحة العامة

إن تحديد الحريات الشخصيّة في نطاق معيّن؛ من أجل حفظ وحماية المصالح العامة للمجتمع، شيء ضروري. وقد لاقى هذا الكلام ترحيباً وقبولاً من كافة الاتجاهات الفكرية والفلسفية والحقوقية.

(مصلحة) على وزن مفعلة، أصلها من مادة صلح. وهذه اللفظة إمّا أن تكون اسم مكان بمعنى محلّ الصلاح، أو هي مصدر ميمي بمعنى مَنْ يرى الصلاح، أو مَنْ كان صاحب حسن([24]). أما في الاصطلاح الفقهي فقد عرّفوها بمعنى (جلب المنفعة ودفع الضرر)([25]). ومعنى (المصلحة العامة) مصلحة ينتفع بها أكثر أفراد المجتمع.

كل الأحكام في الشريعة الإسلامية ـ مع تنوّعها ـ مشتملة على مصالح معتَبَرة قد تمّ تشريعها وفقاً لتلك المصالح. فلا يمكن أن تجد حكماً واحداً في الإسلام ليس فيه مصلحة؛ فكل الذي وضعه الشارع المقدس من قوانين كان من مصلحة العباد ودفع المفاسد عنهم، فإذا لم يكن في الحكم مصلحة يكون لغواً، واللغوية محالٌ على الشارع.

يمكن الاستفادة من الروايات أيضاً أنّ أصل وضع التكاليف هو جلب المصلحة ودفع المفسدة، حتى ذكروا أن مِلاك الحلّية والحرمة يدور حول انسجام المصالح الواقعية للإنسان أو مخالفتها له([26]).

إنّ الركيزة الأصلية للمنادين بقانون المصلحة في الشريعة الإسلامية قولهم: إن قصد التشريع هو ضمان الرفاه للمجتمع وضمان مصالحهم أو حمايتهم مقابل الضرر، والمصالح غير قابلة للعدّ والإحصاء، وغير قابلة للتكهّن بها؛ لأن المصالح تحدث في حينها، وهي غير خاضعة للزمان والمكان؛ لأنها أمور متغيرة، لذا فإنّّ (ولي الأمر) أو (الخبير الإسلامي) يجب أن يكون لائقاً لتعقُّب ومتابعة المصلحة في الأمور حيثما وُجِدت([27]).

لا يمكن تعيين المصلحة العامة من دون مِلاك، بل يجب أن تكون مستندة إلى شروط معينة. وأول هذه الشروط أن تكون المصلحة حقيقية وغير وهمية أو ظنيّة. وبعبارة أخرى: لا يكفي الظنّ عند وضع قانون معيّن أنه ربما يكون نافعاً، من دون الموازنة بين الضرر والمنفعة لذلك القانون. وبعبارة أكثر وضوحاً: أنْ تكون المنافع مرجّحة على الأضرار في إجراء ذلك الحكم وتطبيقه([28]).

الشرط الثاني: أن تكون المصلحة عامّة ينتفع بها كل الأفراد، وليست خاصّة ينتفع بها أشخاص أو جماعة معينة، دون غيرهم. وعلى قول أبي زهرة: «تطبيق حكم معين بدليل استصلاح ذلك الحكم يجب أن تكون هناك منفعة لأكثر عدد ممكن من الناس؛ لأن اعتبار المصلحة يكمن في شمول الرفاهية للكثير منهم»([29]).

تبيّن من خلال هذه التوضيحات أن أحد أصول وقواعد تجريم القضايا المضادة للعدالة هو (حفظ المصلحة العامة)؛ لأن المجتمع يرى أن تطبيق العدالة يكون من خلال الجهاز القضائي الذي يراعي مصلحة الفرد والمجتمع، وكل ما يؤدّي إلى انحراف مسيرة عدالة القضاء سيكون أمراً مخالفاً للمصلحة، وكل جزاء وعقاب قضائي يصدر مقابل هذه الأعمال سيوجَّه من خلال قاعدة المصلحة العامة.

في النظام الحقوقي للإسلام أيضاً أُنشئت عملية التجريم على أساس هذه الأصول الثلاثة: دفع الضرر والخسارة؛ وتطبيق العدالة وجلب المنفعة؛ ومصلحة الفرد والمجتمع. وتعتبر هذه السعة في نشاطات الجهاز القضائي والجزائي من الخصوصيات البارزة في النظام الإسلامي، الذي يعتبر متميّزاً عن بقية الأنظمة الحقوقية الأخرى.

ويمكن استخلاص النتيجة التالية من هذا القسم: ليس مِلاك التجريم في الأمور التي تضادّ القضاء والعدالة دفعُ الضرر والخسارة الناشئة من السلوك الإجرامي فحسب، بل سيكون أيضاً من خلال تطبيق قانون إجراء العدالة وجلب المنفعة والمصالح الفردية والاجتماعية.

وهذه النتيجة سوف توسّع نطاق عمل النظام الجزائي بشكل ملحوظ؛ لأن المقنّن ـ علاوة على دفع الخسارة والضرر الناتج من السلوك الإجرامي في عملية التجريم ـ سوف يؤمّن المصالح الفردية والاجتماعية من خلال ضمان تطبيق الإجراءات المناسبة للتكاليف والقواعد الإلزامية.

النتيجة

بعد الاطّلاع على التعاريف المذكورة حول العدالة والقضاء يمكن أن ننتهي إلى القول: إن العدالة القضائية هي رعاية القانون حين المحاكمات الجزائية. لذا فإنّ كلّ عملٍ ـ بعد وقوع الجريمة أو تضييع الحق ـ يؤدّي إلى تضليل وانحراف المحكمة في عملها يُعدّ جُرماً ضدّ عدالة القضاء.

ما هي الضابطة لتشخيص هذا النوع من الجرائم؟ الجواب: (القصد) إلى عرقلة مسيرة تطبيق العدالة. فإذا كان قصد المشاغب الإخلال بطريقة تطبيق العدالة يعتبر جريمة، أمّا إذا كانت هناك أساليب توجب انحراف العدالة، لكن لم يكن قصد الشخص الذي قام بها تضليل العدالة أو عرقلتها، فإن هذا النوع من الأعمال لا يُعدّ عملاً ضدّ القضاء، وبالتالي لا يُعدّ جُرماً.

عند مراجعة الحقوق الجزائية للإسلام يمكن التمسك بأصولٍ ثلاثة في توجيه تجريم الإجراءات ضدّ عدالة القضاء، وهي: جبران الضرر؛ وحفظ المصلحة العامة؛ وقانون إجراء العدالة.

وفقاً لقاعدة جبران الضرر فإن الجزاء والعقوبات الصادرة بحق هذه المجموعة من الجرائم هي من أجل تعويضهم عن بعض الأضرار التي لحقت بهم نتيجة انحراف مسيرة إجراء العدالة، وعدم تطبيق العقوبات بحق هذه المجموعة من الجرائم. ومن جانب آخر فإن أصل تطبيق العدالة يقتضي مجازاة كل عمل يؤدي إلى ظلم الآخرين. وجميع أفراد المجتمع يعترفون بأنّ سيادة العدالة في الجهاز القضائي يصبّ في مصلحة الفرد والمجتمع، وكل عائق يمنع من تطبيق العدالة، ويؤدي إلى انحراف مسيرتها، أمرٌ على خلاف المصلحة. لذا يمكن توجيه الردّ الجزائي على هذه  الإجراءات وفق القواعد والقوانين، ولا تخرج عنها.

في أكثر الدول هذه الأيام يكون البعد التقنيني مصاحباً لتجريم الإجراءات التي هي ضدّ عدالة القضاء، حيث أدخلوها ضمن قوانين تلك الدول. وبادَرَت سائر الدول إلى جعل التجريم في فصل خاص؛ وذلك لضرورة وأهمية إحقاق الحق وتطبيق العدالة.

الهوامش

________________________________

(*) عضو الهيئة العلمية في جامعة شاهد.

(**) دراسات الماجستير (فقه المباني الحقوقية الإسلامية)، جامعة طهران (پرديس قم).

([1]) الحديد: 25.

([2]) حميد عنايت، سياست: 7، طهران، انتشارات النيل؛ مطهري إسلام ومقتضيات زمان 1: 336، صدرا، طهران؛ الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن 1: 371، ترجمة: سيد محمد باقر الموسوي  الهمداني، قم، مكتب انتشارات إسلامي، الطبعة الثانية و العشرون.

([3]) شرف الدين الخراساني، أز سقراط تا أرسطو: 31، طهران، انتشارات جامعة الشهيد بهشتي؛ محمد تقي الجعفري، ترجمة وتفسير نهج البلاغة 3: 254، مطبعة الحيدري، طهران، الطبعة الأولى.

([4]) برتراند راسل، أخلاق وسياست در جامعه: 43، ترجمة: محمود حيدريان، نشر وحيد، طهران، الطبعة الأولى.

([5]) أفلاطون، القوانين 4: 2405، ترجمة: محمد حسن لطفي، نشر الخوارزمي، طهران، الطبعة الثانية.

([6]) اليزدي، العروة الوثقى 2: 42، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات.

)[7] (united nation convenation against transnational organized crme.

)[8] (united nation convenation to combat  corruption.

([9]) النجفي، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام: 76، طهران، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الثامنة.

([10]) الصدوق، علل الشرايع 2: 592، قم، مكتبة الداوري.

([11]) مسند أحمد بن حنبل، بيروت، دار صادر.

([12]) سنن ابن ماجه: 784 تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت، مطبعة دار الفكر.

([13]) سنن أبي داوود: 188، تحقيق: محمد اللحام، بيروت، مطبعة دار الفكر.

([14]) الكليني، الكافي: 295، تحقيق: علي أكبر غفاري، قم، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الثالثة.

([15]) الصدوق، من لا يحضره الفقيه 4: 243، قم، انتشارات جامعة المدرسين.

([16]) الطوسي، الخلاف 1: 522، قم، هيئة النشر الإسلامي، الطبعة الثانية.

([17]) ابن زهرة الحلي، غنية النـزوع: 588، طهران انتشارات جهان.

([18]) الآمدي، غرر الحكم ودرر الكلم، ح86، طهران، انتشارات جامعة طهران.

([19]) المصدر نفسه، ح774.

([20]) مطهري، نظام حقوق زن در إسلام: 124، قم، انتشارات صدرا، الطبعة الثامنة.

([21]) مطهري، العدل الإلهي: 32، طهران، صدرا، الطبعة السابعة.

([22]) النجفي، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام: 294، طهران، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الثامنة.

([23]) الخميني، كتاب البيع: 531، طهران، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، الطبعة الأولى.

([24]) الزبيدي، تاج العروس: 241، بيروت، دار إحياء التراث العربي.

([25]) الغزالي، المستصفى من علم الأصول 1: 140، بيروت، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى.

([26]) الحر العاملي، وسائل الشيعة 12: 54 ـ 57، بيروت، دار إحياء التراث العربي.

([27]) محمد هاشم الكمالي، آزادي بيان در إسلام (مجموعة مقالات): 127، طهران، قصيده سرا.

([28]) عبد الوهاب الخلاف، علم أصول الفقه: 863، الكويت، دار القلم.

([29]) محمد أبو زهرة، الجريمة والعقوبة في الفقه الإسلامي: 22، القاهرة، دار الفكر العربي.

الكاتب د. عبد العلي توجهي أ. مصطفى مسعوديان

د. عبد العلي توجهي أ. مصطفى مسعوديان

مواضيع متعلقة

اترك رداً

downloadfilmterbaru.xyz bigoporn.club bok3p.site sablonpontianak.com