اتحاد الدين والسياسة في الحكومة الصالحة

نظرة عامّة على الدور السياسي والديني للإمام الخمينيّ&

د. السيد محمّد مُقيمي(*)

مقدّمة

عادة ما يسعى الناس في أيّ مجتمع إلى تكييف تصرّفاتهم وسلوكهم وتعابيرهم الاجتماعيّة مع نموذج الأفراد البارزين في ذلك المجتمع، ويحاولون أداء دورهم في إطار النشاط الذي يمارسونه وفقاً لذلك النموذج أيضاً. ولإمكانيّة تصنيف الأفراد في أيّ مجتمع على شكل مجاميع أو طبقات اجتماعيّة متعدّدة فإنّ كلّ واحدة من تلك المجموعات بحاجة إلى نموذج خاصّ بها. وفي نفس الوقت فإنّ كلّ فرد كذلك مضطرّ إلى أداء أدوار متنوّعة داخل المجتمع، حيث قد يشكّل مجموع تلك الأدوار نوعاً من التناقض في دور الأفراد الآخرين. وتُشير تلك التعقيدات في أداء الأدوار الاجتماعيّة إلى ضرورة إيجاد نماذج للدور الاجتماعيّ في أيّ مجتمع تتناسب وثقافة ذلك المجتمع ونظامه الديني.

ويُعتبر الإمام الخمينيّ شخصيّة فذّة وأسوة خالدة، حيث يمكن على الدوام اعتبار أسلوب حياته وسلوكه الاجتماعيّ نموذجاً للحياة الاجتماعيّة للمسلمين في العصر الحالي والأجيال القادمة. ولمّا كان الإمام الخمينيّ& وحيد زمانه وقدوة للشعب الإيرانيّ العظيم أمكنه لعب دور النموذج المناسب في العالم الإسلاميّ. ولقد كان الإمام& طيلة حياته المباركة، منذ شبابه وحتى شيخوخته، مصدراً للآثار والنتائج القيّمة للمجتمع. وبرزت عنه في كلّ دورة حياتيّة تكامليّة اجتماعيّة من دورات حياته مظاهر سلوكيّة اجتماعيّة نموذجيّة. إضافة إلى أنّه كان فرداً مسلماً يحسّ ويشعر بالشؤون الاجتماعيّة والسياسيّة في المجتمع. وكان له حضور فعّال وناشط، سواء خلال الفترة المظلمة من العهد الشاهنشاهيّ أو في عصر استقرار وقيام الحكومة الإسلاميّة، ودورٌ متعدّد الجوانب في المجالات الاجتماعيّة المختلفة، وكلّ أدواره الاجتماعية في السجالات السياسيّة، ونطاق المرجعيّة بلباس رجل الدين، وفي دور القائد والمرشد للمجتمع والمدير الكفؤ، إضافة إلى السياسيّ العارف القدير. وتؤكّد كلّ تلك المظاهر تنوّع واختلاف أدواره الحياتيّة.

وقد طرح الإمام الخمينيّ& الفكر السياسيّ الإسلاميّ في بحوثه الفقهيّة في فترة حرجة وظرف صعب، لكنّه لم يكن فكراً حبيس الفقه وأصوله، بل أثبت ضرورة إيجاد «الحكومة الإسلاميّة» بقيادة الوليّ الفقيه في كلامه وأحاديثه، ثمّ قام بمزج الفقه مع هذا الفكر. وللشيخ جوادي الآملي نظرة واضحة حول ذلك. ولأهمية تقييمه ذاك سنقوم بنقله كما هو بنصّه: «إنّ ما أنجزه الإمام الخميني وأبدعه في الدين وعلم الفقه لم يكن كالأخباريّين الذين كانوا ينظرون إلى ذلك ويتحدّثون عنه من خلال ثُقَيب صغير أو نظرة متحجّرة أو خمول بائن، ولم يكن مَثله كمَثل بقيّة الأصوليّين الذين يبحثون في ذلك بقصر النظر والألفاظ القاصرة، ولم يكن كالفلاسفة والعرفاء…، بل إنّ معرفته الدينية في الفقه الأصغر والأوسط والأكبر هي معرفة تنتهج نفس المنهج الذي كان الأئمة المعصومون^ ينتهجونه في معرفة الدين، حيث كان يُميّز الذوات المقدّسة للأئمة بجانبيها الغيبيّ والشهوديّ، وكان ينوي تطبيق كلّ تلك التفاصيل، فتبيّن له أنّ تأسيس الحكومة الإسلاميّة هو العمل الوحيد الذي يمكن من خلاله تطبيق ذلك المنهج»([1]). ويستنتج الشيخ الآملي قائلاً: إذاً فإنّ تأسيس الحكومة وإيجاد الدولة الإسلاميّة القائمة على أساس الفقهاء العدول هو واجب كفائيّ([2]). وهكذا فإنّ فكر الإمام يشير إلى أنّ الفقهاء مكلّفون بالسعي والاجتهاد لتحقيق الحكومة. وهذا يعني أنّه إذا وُفِّقَ أحد فقهاء العصر إلى تأسيس الحكومة وجب على بقيّة الفقهاء تأييده ومساندته([3]). وقد سعى كاتب هذه المقالة إلى دراسة وبحث أدوار الإمام الخمينيّ في المجال السياسيّ والمرجعيّة، مستعيناً بالمنهج العلميّ، مع الأخذ بعين الاعتبار الأدب العلميّ.

لمحة خاطفة على الأدب النظريّ

لا يمكن لأيّ مجتمع إنسانيّ الاستمرار في البقاء دون «تحليل اجتماعيّ»، بمعنى «تصنيف الأفراد على أساس التمييز بين أدوارهم ونشاطاتهم الاجتماعيّة». لذلك فالمقصود بالتحليل الاجتماعيّ هو تصنيف الأفراد على أساس الأدوار الاجتماعيّة ونشاطاتهم داخل ذلك المجتمع([4]). أمّا الأدوار فيُقصَد بها مجموعة من السلوك التي يتوقّعها الأفراد ممّن يشغل موقعاً معيّناً أو منصباً ما([5]).

إنّ كلّ شخص يولد في مجال ثقافيّ معيّن يحمل في ثناياه أدواراً اجتماعيّة مكنونة ومتأصّلة فيه من قبل. وكثيرة هي الأدوار الاجتماعية ومتعدّدة. وليس باستطاعة أيّ فرد أداء كلّ تلك الأدوار معاً. فالدور الاجتماعيّ لذلك الفرد يُمثّل واجباً وتكليفاً يقوم بهما ذلك الشخص. وقد يكون باستطاعة شخصٍ ما الوصول إلى بعض مراتب أو درجات الكمال من خلال تطبيق دوره، لكنّ الدور نفسه لا يعتبر نتاجاً لمساعيه وجهوده لوحده فقط([6]).

ومن بين الأدوار الاجتماعيّة المختلفة يحتلّ الدور الذي يلعبه القادة والمدراء في المجتمع أهمية استثنائيّة، لكي يتمكّنوا بواسطته من تأسيس حكومة صالحة ذات تأثير إيجابيّ. فالحكومة الصالحة أو الحكم الصالح (Good Governance) هو عبارة عن عمليّة تتمّ من خلالها اتّخاذ القرارات، ووضعها موضع التنفيذ. ولتحقيق حكم صالح لابدّ للقادة من القيام بأدوار معيّنة تعمل على تحسين الاستجابة، والشفافيّة، وتحمُّل المسؤوليّة، والعدالة، والإجماع، والمشاركة، واتّباع القوانين وطاعتها، والكفاءة، والتأثير([7]).

وكما نلاحظ فإنّ الحكومة الصالحة والجيّدة هي مزيج من المؤشّرات السياسيّة والأخلاقيّة معاً، حيث تحتلّ المؤشّرات الأخلاقيّة منها أهميّة أكبر. أمّا العامل الأهمّ في نجاح المنظمات العصريّة فهو تبديلها إلى مؤسسات أخلاقيّة. فالأسلوب الشامل والاستثمار في المؤسسات يتطلّبان إيجاد محميّات للأخلاق، ومراعاة للأمور الأخلاقيّة في ما يخصّ اتّخاذ القرارات، والفعاليّات، والانتفاع، وكلّ الشؤون الاستراتيجيّة الأخرى([8]).

ويتمّ في الثقافة التنظيميّة الأخلاقيّة شرح وبيان السلوك الصحيح والخاطئ بالنسبة لموظّفي المنظمة؛ إذ تبرز فيها أهميّة بعض القيم، مثل: العدالة، والاحترام، والعلاقات، المفتوحة والشفافة([9]).

وتواجه المؤسسات العامّة، سواء على مستوى الحكومة المركزيّة أو المستوى المحلّي، ضغوطاً كبيرة من أجل أن تكون أكثر فاعليّة، ومن أجل إيجاد التغيير في نفس الوقت. ويعتبر بعض أصحاب النظر والرأي أنّ «الإدارة المبنيّة على القيمة Valueـ  based management» هي خيار مناسب لمواجهة تلك الضغوط. وبإمكان الإدارة المبنيّة على القيمة في إطار الهيكل الإداريّ السلعيّ والأخلاقيّ تعيين نقطة الارتكاز لإجراءاتها على أساس قيم المؤسسة([10]).

ويعتقد (أوت Ott) أنّ الثقافة التنظيميّة الأخلاقيّة هي التي تخلق الشعور العاطفيّ إزاء المشاركة، والتعهّد إزاء القيم والرموز. إضافة إلى تأثيرها بشكل كبير على نشاط موظّفي المؤسسة([11]).

وتشمل الأخلاق التنظيميّة أبعاداً مختلفة، منها: فاعليّة القيم والمبادئ الأخلاقيّة، والعمليّة المنطقيّة موضوعة البحث في اتّخاذ القرارات الأخلاقيّة، إضافة إلى القرارات والسلوك الناجمَيْن عن العمليّات المؤسّسيّة([12]).

وعلى هذا الأساس يمكن تعريف الأخلاق التنظيميّة بأنّها عبارة عن: اللوائح والمعايير والرموز أو المبادئ التي تهيّئ التعليمات الضروريّة لأداء السلوك الأخلاقيّ الصحيح والوجدانيّ، وكذلك الإخلاص في الظروف التنظيميّة الخاصّة([13]).

ليست الأخلاق المؤسّسيّة (organizational ethics) ظاهرة جديدة. فموجة الإفلاس والفضائح الماليّة التي عصفت بالشركات والمؤسَّسات جعلت من حاجة المنظمات العاجلة إلى إيجاد حكم مؤسّسيّ مناسب، وتحمّل المسؤوليّة الاجتماعيّة والأخلاقيّة في المؤسسة، جعلت منها أمراً ملحّاً للغاية. وإلى جانب المؤسسات العامّة فقد توصّلت المؤسسات التجاريّة كذلك إلى استنتاج مفاده أنّها مضطرّة إلى الاهتمام ومراعاة السلوك الأخلاقيّ، إلى جانب اهتمامها بالسلوك الاقتصاديّ (أي زيادة الأرباح إلى أقصى حدّ). لذلك فقد أصبح السلوك الاقتصاديّ والأخلاقيّ معاً الخيار الوحيد لتلك المؤسسات؛ للوصول إلى الأهداف المؤسّسيّة([14]).

اتّحاد الدين والسياسة من وجهة نظر الإمام الخمينيّ

كان الإمام الخمينيّ، وفي مواضع مختلفة ومناسبات متعدّدة، يتطرّق إلى تعريف موضوع السياسة. فالنظريّة السياسيّة للإمام الخمينيّ وعلم المعرفة لديه مبنيّان على معلوماته في ما يتعلّق بعلم الأنثروبولوجيا. فهو يعتقد أنّ شخصيّة الإنسان تتّصف بوجهَيْن اثنيْن: الوجه المادّيّ؛ والوجه المعنويّ، وأنّ الهدف من إرسال الأنبياء هو هداية الإنسان إلى السعادة الدنيويّة والأخرويّة؛ استناداً إلى ذينك الوجهَيْن، وأنّ أساس جميع صفات الكمال لدى الإنسان مرهون بمعرفته لله سبحانه. وبالتالي فإنّ الهدف الأصليّ من وراء بعثة الأنبياء هو تقديم تعريف لله سبحانه، وبيانه للمجتمعات الإنسانيّة، أمّا بقيّة المواضيع والشؤون، مثل: القسط، والعدالة، وغير ذلك، فإنّها تتّصف بجانب فرعيّ ثانويّ غير استقلاليّ. وقد تناول الإمام الخمينيّ في مؤلَّفاته وتصريحاته مراراً هذا الموضوع. فتعاريف الإمام الخمينيّ لـ «النّبيّ» و«الإنسان الكامل» و«الوحي» و«معرفة الله والإنسان» تُمثّل آصرة نظاميّة منتظمة، وهي آصرة قويّة، وعلاقة وثيقة، لا يمكن فصل أجزائها عن بعضها البعض إطلاقاً. ويوجد هناك تعريفان للسياسة في فكر الإمام الخمينيّ: سياسة بالمعنى الخاصّ؛ وأخرى بالمعنى العامّ. فالسياسة ذات المعنى الخاصّ هي عبارة عن السياسة التي تقود المجتمع وترشده إلى ما هو مصلحة كلّ من المجتمع وأفراده. وهذا ثابت في رواياتنا بلفظ السياسة عن قول النبيّ’؛ وفي الزيارة (الجامعة) يبدو أنّ عبارة (سياسة العباد) موجودة فيها، وفيها كذلك أنّ النبيّ’ إنّما بُعِثَ ليتكفّل بسياسة الأمّة([15]). ويقدّم الإمام الخمينيّ في موضع آخر تعريفاً أكثر شموليّة من الأوّل عن السياسة، والذي يبدو منسجماً مع بعض التعاريف المذكورة عن السياسة في العصر الحالي، فهو في البداية يطرح الموضوع على شكل سؤال، قائلاً: «وماذا تعني السياسة غير ذلك؟»، ثمّ يُعرّفها بالشكل التالي: «(هي) العلاقة القائمة فيما بين الحاكم والشعب، أو العلاقات القائمة ما بين الحاكم والحكومات الأخرى»([16]).

ويُعتبر موضوع الآصرة التي تربط بين الدين والسياسة من الموضوعات التي عالجها الإمام الخمينيّ بأشكال مختلفة، ومن زوايا متعدّدة؛ حيث أُشيرَ في بعض تصريحات الإمام الخمينيّ إلى (علاقة الدين بالسياسة) على أنّها العلاقة السياسيّة نفسها التي كانت موجودة في صدر الإسلام؛ وفي بعض الأحيان باعتبارها علاقة القيادة السياسيّة والدينيّة في صدر الإسلام؛ وأحياناً أخرى يُشار إليها بأنّها علاقة مجموعة الأحكام والعبادات بالسياسة. لكنّ الإمام الخمينيّ وفي موضع معيّن صرّح بكون الدين والسياسة توأماً متشابهاً. وفيما يلي نشير إلى بعض الفقرات من أحاديث الإمام الخمينيّ في هذا الشأن: «اليوم عرف الجميع ذلك… و(عرف الجميع) أنّ موضوع التدخّل في الشؤون السياسيّة هي من الأمور السامية التي بُعِثَ الأنبياء من أجلها؛ والقيام بالقسط ودعوة الناس إلى القسط. هل يمكن القيام بهذا الأمر دون التدخّل في الشؤون السياسية؟ هل يمكن دون التدخّل في السياسة والتدخّل في الشؤون الاجتماعيّة واحتياجات الرعية، هل يمكن أن يقوم شخصٌ ما باتّباع القسط دون تلك التدخّلات؟ هل يمكن له تطبيق قاعدة ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾؟»([17]).

وقد وردت تلك العبارات عدّة مرّات في أحاديث الإمام، وبمضامين مختلفة، مثل قوله: «إنّ السياسة تُمثّل كلّ مكوّنات الإسلام؛ لقد أساؤوا تعريف الإسلام. إنّ السياسة العصريّة مستقاة من الإسلام»([18]).

ومن وجهة نظر الإمام الخمينيّ فإنّ مصدر الأحكام العباديّة في الإسلام هو الخدمات الاجتماعيّة والسياسيّة. ويقول الإمام الخمينيّ في هذا الشأن: «والكثير الكثير من الأحكام العباديّة في الإسلام تمثّل مصدر وأساس الخدمات الاجتماعيّة والسياسيّة، فالعبادات في الإسلام هي أصلاً تُعتبر الوجه الآخر للسياسة وإدارة المجتمع»([19]).

أمّا النتيجة التي يمكن استخلاصها من موضوع الرابطة بين الدين والسياسة في فكر الإمام الخمينيّ فهي أنّ اهتمام الإمام الخمينيّ بموضوع «السياسة» هو اهتمام ناجم عن اهتمامه بالعمل. فمن وجهة نظره السياسة هي كالعلوم الأخرى، مثل: علم الكلام، والفقه، والأخلاق، وهي لا تُشكّل بحثاً أو موضوعاً مستقلاًّ بذاته، بل هي تابعة للاجتهادات والاستنباطات الشرعيّة للفقهاء([20]).

وتتّسم مسألة تمييز وتشخيص الفكر السياسيّ لدى القادة العظام، من أمثال: الإمام الخمينيّ، الذين أخذوا على عاتقهم إحياء الفكر السياسيّ الإسلاميّ ونظريّة الحكومة الإسلاميّة، بأهميّة خاصّة؛ فالتجربة العمليّة لسيرة حياة أولئك الرجال يمكنها أن تقدّم الحلّ المثاليّ لإيجاد النظام السياسيّ المطلوب إذا تمّ تقديمها بشكل صحيح إلى المجتمع: «حتى ولو كان شخص ما هو الأعلم في العلوم الموجودة في الحوزة، لكنّه غير قادر على تحديد وتعيين مصلحة المجتمع، أو تمييز الأفراد الصالحين عن غيرهم، فإنّ هذا الشخص لا يُعتبر مجتهداً في الشؤون الاجتماعيّة والحكوميّة، ولن يستطيع بالتالي قيادة المجتمع»([21]).

ويُصنّف أحد المفكّرين في مجال العلوم السياسيّة بعضاً من المبادئ الأساسيّة للفكر السياسيّ لدى الإمام الخمينيّ& إلى ثلاثة عشر مبدأً([22])، وهي:

1ـ مبدأ التكليف؛ 2ـ مبدأ مصلحة الإسلام؛ 3ـ مبدأ مصلحة المسلمين؛ 4ـ مبدأ مراعاة الأحكام الشرعيّة الثابتة؛ 5ـ مبدأ الدعوة ونشر الإسلام؛ 6ـ مبدأ نفي السبيل 7ـ مبدأ تقديم الأهمّ على المهمّ؛ 8ـ مبدأ العمل بالقدر المقدور؛ 9ـ مبدأ العدالة؛ 10ـ مبدأ ضرورة الحكومة؛ 11ـ مبدأ الولاية الإلهيّة؛ 12ـ مبدأ أخذ مقتضيات الزمان والمكان بعين الاعتبار؛ 13ـ والأهمّ من كلّ ذلك هو مبدأ «الاجتهاد»، والذي يُمثّل في الحقيقة المبدأ الأساسيّ والموجّه للمبادئ الأخرى.

الأدوار السياسيّة للإمام الخمينيّ

أشاع الإمام&؛ باعتباره فقيهاً جامعاً للشروط، نظريّة عدم انفصام الدّين عن السياسة. فإضافة إلى تطرّقه إلى الجوانب النظريّة لهذا الموضوع فقد أدّى دوره العمليّ كذلك في المجتمع بشكل فريد. ويعتقد الإمام أنّ من جملة الأمور التي ظلّت خالدة في الدين الإسلاميّ هي السياسة وشؤونها المتنوّعة. وكان الإمام يؤمن بأنّ «السياسة تُمثّل كلّ مكوّنات الإسلام»([23])؛ ويُكثر من قول: «لقد أساؤوا تعريف الإسلام»، وإنّ أفعال النبيّ’ ونشاطاته، وكذلك الأئمة المعصومين× من بَعده، كلّها تشير إلى اهتمامهم بهذا المجال الهامّ([24]).

ويتضمّن حديث الإمام الخميني& مع رؤساء الدول والمندوبين المبعوثين من قِبلهم نقاطاً كثيرة تشير إلى مهارات الإمام& الفذّة في السياسة. فحديثه مثلاً مع مبعوثي (قصر الإليزيه) أثناء وجوده في باريس، وحديثه الآخر مع الوسطاء من الولايات المتحدة الأميركيّة، ثمّ شكل المواجهة وتصريحاته خلال أوّل لقاء له مع سفير الاتحاد السوفياتي السابق، ومباحثاته مع (ياسر عرفات) والقادة الفلسطينيّين، ولقائه مع (إدوارد شيفرنادزه) ـ المبعوث الخاصّ لغورباتشوف ـ والذي حمّله الإمام& الرسالة المعروفة في ردّه على رسالة غورباتشوف، ثمّ تحدّثه إلى رؤساء الأقطار الإسلاميّة والشخصيّات السياسيّة الأجنبيّة الأخرى، وتصريحاته&، والتشريفات البسيطة، والثقة الذاتية التي كان& يتحلّى بها، إضافة إلى هيمنته وتأثيره على مجرى الحديث، كلّها تشير إلى المهارات السياسيّة الفذّة التي كان يتّصف بها الإمام&.

يُضاف إلى ذلك أجوبته القصيرة والمقتضبة والذكيّة، وصراحته في نفس الوقت، واستشهاده واستناده خلال حديثه للصحفيّين والمراسلين المعروفين في العالم وشبكات الإذاعة والتلفزيون في مختلف الأقطار، والصحف المتعدّدة، الإيرانيّة منها والأجنبيّة، وخاصّة في الوقت الذي بلغت فيه تلك اللقاءات أوجها في بداية الثورة الإسلاميّة إبّان وجوده في باريس، جميعها تدلّ على ذكاء الإمام وألمعيّته في فهم وإدراك أهداف وغايات السائلين بسرعة فائقة، ثمّ فطنته في تقديم الجواب، ودقّته، وصدقه، وصراحة مواقفه، في المسائل السياسيّة. ولبحث ودراسة أدوار الإمام الخمينيّ& السياسيّة، والتي يمكن تصوير أهمّها من خلال الشكل التالي، فقد سعى المحقّق ـ مؤلّف المقالة ـ إلى تقييم تلك الأدوار وفقاً لما جاء في (صحيفة الإمام&) نفسها:

الأدوار السياسيّة

1ـ دور السياسيّ؛ 2ـ دور الديمقراطيّ؛ 3ـ دور التحرّري؛ 4ـ دور المحلّل السياسيّ؛ 5ـ دور المطالب بالاستقلال؛ 6ـ دور الفاضح؛ 7ـ دور المُقاوِم أو المُجاهِد.

١ـ دور السياسيّ

كان الإمام الخمينيّ& منظّراً في السياسة، حيث كان يُبيّن السياسة ويُفسّرها من المنظار الدينيّ. وباعتقاده فإنّ السياسة هي عبارة عن قيادة المجتمع نحو ما يُحقّق مصالح ذلك المجتمع، مع الأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الإنسانيّة والاجتماعيّة المُختلفة لذلك. ويجب أن يكون الأنبياء والأولياء هم القادة والمرشدون، ثمّ يتلوهم علماء الإسلام الواعين([25]). ويعتبر الإمام& النشاط السياسيّ من جملة الواجبات الخاصّة بالقائد الإسلاميّ([26])، مشيراً إلى أنّ أطروحة فصل الدين عن السياسة هي أطروحة استعماريّة. وكان يعتقد بأنّ الأحكام الإسلاميّة المقدّسة قد قامت ببحث الشؤون السياسيّة والاجتماعيّة أكثر من الأمور العباديّة([27]).

٢ـ دور الديمقراطيّ

كان الإمام& يعتبر نفسه تابعاً لرأي الشعب، وأنّ الله سبحانه والنبيّ الأعظم’ لم يُجوّزا له فرض أيّ أمر على الشعب أو الرعيّة. فقد كان يثق برأي الأكثريّة، وإنْ كان ذلك يَضرّ به شخصيّاً أو يُخالف رأيه. وهو الذي صرّح باستمرار بأنّه نائب للشعب، وليس وليّاً عليهم([28]).

٣ـ دور المُقاوِم أو المُجاهِد

كان الإمام& شخصيّة مجاهدة، سواء قبل الثورة الإسلاميّة أو بعد قيامها. وقد لعب هذا الدور حتى قبل انتصار الثورة الإسلاميّة على النظام الشاهنشاهيّ والقوى العظمى الشرقيّة والغربيّة، وكذلك ظلّ يلعب هذا الدور بعد انتصار الثورة ضدّ القوى العظمى. وكان& يُعلن دَوماً عن استعداده للتضحية بنفسه من أجل الاستمرار في جهاده([29]). وكان يُصرّح بأنّ الهدف الأساسيّ من مقاومته وجهاده هو تأسيس الحكومة الإسلاميّة وقطع دابر الأجانب في الأقطار الإسلاميّة([30]). وكان& يعتبر أنّ الآليّات المتعدّدة، مثل: المقاومة السريّة، والتنديد العلنيّ، والمقاومة المسلّحة، هي من وسائل المقاومة، وكان يوصي الشعب باستمرار باستخدام أسلوب المقاومة السريّة لمواجهة بعض القوى المعارضة في الداخل([31]).

٤ ـ دور المطالب بالاستقلال

كان الإمام& ينادي بالاستقلال، واكتفاء بلدان العالم الثالث بشكل عامّ ذاتيّاً، والعالم الثالث بشكل خاصّ، إضافة إلى مهمّته في إيجاد النظريّات الخاصّة بالإدارة السياسيّة، والقائمة على أساس الفكر الدينيّ. وكان& يعتقد بأنّ الإنسان إذا عاش حياة مستقلة، وإنْ كانت مشوبة بالصعوبات والمشاقّ، فإنّ لها قيمة أكبر، قياساً بالحياة المريحة مع الحاجة إلى الآخرين([32]). وكان الإمام& يُفضّل الاستقلاليّة مع العيش البسيط على الخضوع للأجانب مع العيش الرغيد([33]). وفي الوقت الذي كان يسعى فيه دائماً إلى تحقيق استقلال إيران الإسلاميّة كان الإمام الخميني& يُروّج لاتّحاد وتضامن المستضعفين ضدّ المستكبرين؛ من أجل تحقيق الاستقلال الوطنيّ([34]).

٥ ـ دور التحرّري

كان الإمام& يعتبر أنّ الحرّية هي رمز الحضارة في أيّ مجتمع، وكان يهتمّ بها؛ باعتبارها مكمّلة للاستقلال. وكان يشير إلى الاستقلال على أنّه مفهوم خارجيّ أكثر من كونه داخلياً، وأنّ ذلك المفهوم يشتمل على السيادة الخارجيّة للبلاد. أمّا الحرّية فيصنّفها على أساس أنّها (فكرة) قائمة على دعائم الاستقلال الوطنيّ، حيث تتألف من مكوّنات أخرى، مثل: حرّية الرأي، لكنّه حتى في هذا الإطار لم يُجِز التآمر على الآخرين([35]).

٦ـ دور المحلّل السياسيّ

كان الإمام& يعتقد دوماً بوجوب مراقبة سلوك وأفعال العدوّ في ما يتعلّق ببلادنا بشكل دقيق وتحليلها، ثمّ اتّخاذ استراتيجيّة تتناسب وذلك السلوك أو التصرّف([36]). وكان يقوم بتحليل سلوك وتصرّفات بعض الأفراد، من خلال ذكره لبعض خواطره التي تتضمّن تحليلاً سياسيّاً متميّزاً([37]). وعند تحليله لفاجعة مقتل عدد من الحجّاج الإيرانيّين عام (١٩٨٧م) قام بشرح وتفصيل جذور تلك الحادثة (٢٣/٨/١٩٨٧م).

٧ـ دور الفاضح

كان الإمام& قبل انتصار الثورة الإسلاميّة يفضح في أحاديثه وخُطَبه أهداف نظام الشاه وأميركا، ويكشف عنها. فكان يُعلِم أفراد الشعب وينبّههم بهذه الطريقة. وعلى سبيل المثال: من خلال فضحه لمسألة تقسيم البلاد إلى أقاليم وولايات أشار الإمام الخميني& إلى خطر تسلّط غير المسلمين، وخاصّة اليهود والبهائيّين، على مصير البلاد والعباد، الذي سينجم عن شروط المقترعين والمرشّحين وفقاً لمشروع القانون المذكور([38]).

وقد قام الإمام& كذلك، وفي عدّة مواضع أخرى، بفضح العديد من الجماعات المنحرفة([39]).

أدوار الإمام الخميني في المرجعيّة الدينية

لم يقتصر بيان الإمام الخمينيّ وإشاعة أهدافه الدينيّة على نشر رسالته العلميّة والعمليّة كمرجع دينيّ. ومن هنا يُعتبر عمله هذا عملاً فريداً في تاريخ المرجعيّة. ففي نفس الوقت الذي كان يحتلّ فيه منصب أحد المراجع الدينيين الكبار كانت له مكانة رفيعة ومتميّزة في أذهان مُقلّديه، حيث كان قادراً على بيان وشرح المفاهيم الدينيّة الدقيقة والصعبة لمُخاطَبيه بشكل سلس ولغة سهلة، وخاصّة ما يتعلّق منها بالجوانب السياسيّة والاجتماعيّة. وقد كان الإمام& قادراً على تنظيم وإدارة نظريّاته عمليّاً بشكل شخصيّ.وإضافة إلى ذلك كان يحرص على نقل أهدافه بلغة مفهومة للجميع، من خلال خطاباته الفصيحة والمؤثّرة على جموع الشعب، وبيان إصراره في الدفاع عن تلك الأهداف حتى لو كلّفه ذلك التضحية بنفسه. ومن أجل أداء دوره في المرجعيّة كانت للإمام& العديد من النشاطات على مستوى المجتمع الإسلاميّ، حيث يمكن بحث تلك النشاطات في إطار المرجعيّة وفقاً لما تضمّنته صحيفة الإمام.

وأدواره في المرجعية الدينية هي: 1ـ دور العدالة؛ 2ـ دور الفقيه؛ 3ـ دور إصدار الفتوى؛ 4ـ دور الإجازة في الأمور الشرعيّة؛ 5ـ دور المحافظ على القِيَم؛ 6ـ دور المُبلِّغ؛ 7ـ دور المنادي للإسلام؛ 8ـ دور معرفة الإسلام.

١ـ دور الفقيه

استطاع الإمام الخميني؛ باعتباره مجتهداً جامعاً للشروط، المزج بين الآراء التقليديّة والحديثة، وبيّن آراء جديدة في مجال الفقه. وكان يعتبر الزمان والمكان عنصرَيْن مؤثّرَيْن في الاجتهاد([40]). وإضافة إلى ذلك كان يعتقد بأنّ على المجتهد أن يكون مطّلعاً وملمّاً بأمور وشؤون زمانه. وقد عدّ الإمام& امتلاك البصيرة والنظرة الاقتصاديّة، والعلم بكيفيّة التعامل مع الاقتصاد السائد في العالم، ومعرفة السياسة ورجالها، من جملة الخصائص التي يجب توفّرها في المجتهد([41]).

وكذلك كان الإمام الخميني يؤمن بأنّ الفقيه لا بدّ له من أن يكون مقاتلاً وسيّافاً، مع بقائه فقيهاً بالطبع([42]).

٢ـ دور الإجازة في الأمور الشرعيّة

وفقاً للأحكام الفقهيّة والأدلّة الشرعيّة فإنّ الأمور المتعلّقة باستلام المبالغ الشرعيّة في عصر غيبة الإمام#، وإنفاقها في مظانّها المقرّرة لها، لا بدّ أن تكون بواسطة الفقيه الجامع للشروط، فلا يجوز إنفاق مثل تلك الأموال والمبالغ بشكل كيفيّ، دون إذن من الفقيه. ولهذا السبب كان الفقهاء ومراجع التقليد، ومنذ القِدَم، يعيّنون أشخاصاً موثوقين لاستلام وتحويل الأموال الشرعيّة أو الإشراف على عمليّة إنفاقها، وفقاً لمعرفتهم بأولئك الأفراد الجامعين للشروط، أو بموجب شهادة الخبراء العدول، ويمنحونهم إجازة مكتوبة وممهورة، يعيّنون فيها حدود صلاحيّاتهم ضمن إطار الأمور الحسبيّة والأموال الشرعيّة. وبما أنّ الإمام الخمينيّ كان أحد مراجع التقليد الكبار فقد قام بإصدار العديد من الإجازات التي تجاوزت قبل الثورة فقط (٥٣٠) إجازة صادرة من قبله. وبعد قيام الثورة الإسلاميّة ازداد عدد تلك الإجازات بشكل مُطّرد.

ولأنّه كان مرجع التقليد لشريحة كبيرة من الشيعة، داخل وخارج إيران، كان يقوم بإصدار إجازات للأشخاص الموثوق بهم والمعتمَدين لديه؛ لأخذ الأموال الشرعيّة، والقيام بالأمور الحسبيّة، وكذلك إنفاق الزكاة والكفّارات على الشؤون المقرّرة لها، والأمور الأخرى أيضاً، أو إرسالها.

٣ـ دور إصدار الفتوى

لمّا كان الإمام الخميني مرجعاً للتقليد فقد قام بإصدار العديد من الفتاوى، حيث كان بعض تلك الفتاوى يتجاوز القواعد السابقة؛ إذ كان عامل الزمن والمكان أمراً مشهوداً في تلك الفتاوى([43]). فحكمه في لعبة الشطرنج، وتصدّيه الجادّ للمسؤولين في الإذاعة والتلفزيون في ما يتعلّق باللقاء الذي تناول سيرة الزهراء البتول÷ بشكل مهين([44]). والفتوى التي أصدرها سماحته بشأن إعدام المرتدّ سلمان رشدي([45])، هي من جملة الأمور التي توضّح جرأته& في إصداره للفتوى. وكان الإمام& يعتقد بضرورة كسر قيود الجهل والخرافة، والاستقاء من معين الإسلام الصافي([46]).

٤ـ دور المُبلِّغ

كان الإمام& أحياناً، ومن خلال نشر وتبليغ القيم الإسلاميّة والأحكام الدينيّة بشكل عام([47])، يدعو بعض الأفراد أو الشخصيّات التي تتمتّع بمكانة اجتماعيّة أو سياسيّة متميّزة إلى الإسلام بشكل خاصّ. أمّا أهمّ تلك الحالات فهي دعوته ميخائيل غورباتشوف إلى الإسلام([48]).

٥ـ دور العالم والعارف بالإسلام

كان الإمام& عالماً وعارفاً حقيقيّاً بالإسلام، خلافاً لما كان يعتقده البسطاء والسذّج من الناس، من أنّ الإسلام مجرّد مجموعة من الأعمال العباديّة لا غير. كان الإمام الخميني يعتقد بأنّ الإسلام يمتلك برنامجاً شاملاً يضمّ جميع أبعاد الحياة الإنسانيّة، فكان يقوم بتوضيح وشرح نظرة الإسلام ورؤيته في ما يتعلّق بالمجالات الاقتصاديّة والاجتماعيّة([49]). وبسبب ما كان يمتلكه من المعرفة الحقيقيّة والكاملة بالإسلام فقد سعى دائماً إلى تعريف الإسلام الحقيقيّ والأصيل. وكان أحياناً يواجه ويدخل في جدال مع المدّعين للقداسة والتديّن، ويهاجم ما يروّجون له من فصل الدين عن السياسة([50]). وكان يصرّح بأنّ أقسى الضربات والنكبات التي واجهها الإسلام كانت من قبل هؤلاء المدّعين للقداسة والتديّن([51]).

٦ـ دور المنادي للإسلام

إضافة إلى أنّ الإمام الخميني كان عارفاً وعالماً بالإسلام، ومبيّناً ومفسّراً له، فقد كان يطبّق ذلك عمليّاً، حيث سعى إلى تأسيس حكومة إسلاميّة وفقاً للمبادئ الإسلاميّة التي كان يصرّ على تطبيقها. وقد كان قيام الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران ثمرة جهوده الجبّارة تلك([52]).

ولم يكن& يرى اقتصار دوره على تقليد ومحاكاة المسائل الإسلاميّة فحسب، بل كان يؤكّد ـ وبكلّ شجاعة ـ على ضرورة تطبيق المبادئ الإسلاميّة، حيث كان يعتقد بأنّه لن يسمح للحكومة بالانحراف والجنف عن منهج الإسلام ما دام حيّاً([53]).

٧ـ دور المحافظ على القيم

إضافة إلى اعتقاد الإمام الخميني بضرورة طرح مواضيع جديدة في المسائل الفقهيّة فقد كان حسّاساً للغاية إزاء القيم والمبادئ الإسلاميّة التقليديّة([54])، فكان ينتقد الذين يشكّكون بتلك التقاليد الدينيّة، وكان يدعو إلى التواصل مع تلك التقاليد، وإحيائها، وخاصّة التعازي الحسينيّة، وإقامة مجالس الوعظ والمراثي واللطم على الصدور، إضافة إلى إحياء سنّة الله المتمثّلة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر([55]).

٨ـ دور العدالة

كان الإمام الخميني؛ وباعتباره فقيهاً عادلاً، يؤدّي دوره في إجراء العدالة بمنزلة مرجع المسلمين. وكان يطالب بتطبيق العدالة والمساواة في المجتمع الإسلامي([56]).

خلاصة واستنتاج

بالنظر إلى سيادة الثقافة الأخلاقيّة والدينيّة في إدارة المجتمعات والمنظمات والمؤسَّسات فمن الملفت للانتباه أنّ الموضوع المذكور يشمل أيضاً المنظّرين والمسؤولين في سائر البلدان، إضافة إلى المسؤولين في الحكومة الإسلاميّة.

وقد وضع الإمام الخمينيّ، وبالنظر إلى الرؤى الإسلاميّة، نموذجاً منسجماً للحكم والحكومة، حيث يلعب كلٌّ من الدين والسياسة دورهما في ذلك، باعتبارهما ركنين أساسيين، ووحدة واحدة غير قابلة للتجزئة. ووفقاً لنظرة الإمام& تعتبر الآصرة التي تربط الدين بالسياسة ضرورةً ملحّة للإدارة المؤثّرة في المجتمع، أمّا التدخّل في الشؤون السياسيّة للمجتمع فهو جزء لا يتجزّأ من التكاليف الأساسيّة التي كُلِّف بها المسلم. ومن وجهة نظره أيضاً فإنّ الإسلام بمُجمَله، بما في ذلك أحكامه العباديّة، يمثّل السياسة أيضاً. وكان يعتقد كذلك بأنّ الأمور السياسيّة والاجتماعيّة المذكورة في أحكام الإسلام تزيد وتفوق على الأمور العباديّة. ويقترح الإمام بأن لا تقتصر وحدة الدين والسياسة في إطار النظريّة، دون التطبيق. ولمّا كان الإمام الخمينيّ يمثّل المدير الناجح على مستوى الإدارة الشاملة والواسعة فقد استطاع بشكل فريد وفذّ الجمع بين هذين الموضوعَيْن اللذين كان يُعتَقد حتى عصره بأنّ جمعهما هو بحكم المستحيل، وتمكّن من تطبيقهما بشكل عمليّ، مبيّناً فعّاليّتهما العمليّة بشكل واضح. أمّا دوره في التوأم، السياسة والمرجعيّة، فقد لعبه& طيلة فترة حياته المباركة، حيث تمّت الإشارة بإيجاز إلى كلّ تلك الأدوار في هذه المقالة، ممّا يبيّن أنّ الدين والقيم الأخلاقيّة إنّما هي منبثقة عن ذلك، وهي الكفيلة بإيجاد حكومة صالحة وجيّدة، وبإمكان المسؤولين في المجتمعات الإسلاميّة وغير الإسلاميّة النجاح في إدارتهم لمجتمعاتهم من خلال تقليد تلك الأدوار في النموذج المذكور.

الهوامش

(*) أستاذ مساعد في جامعة طهران، متخصِّص في علم الإدارة.

([1]) جوادي الآملي، آواي توحيد: بيام إمام خميني به ﮔورباﭼوف وشرح نامه: 23.

([2]) الإمام الخميني، شؤون واختيارات ولي فقيه: 33.

([3]) المصدر نفسه.

([4]) قرائي مقدم، مباني جامعه شناسي: 365.

([5]) Kreitner & Kiniki، 1995،p.241.

([6]) نيك گهر، مباني جامعه شناسي: 209.

([7]) UNESCAP,  2007,  p.3.

([8]) Embse et al. 2004, p.146.

([9]) Small, 2006, p.589.

([10]) Pedersen & Rendtorff, 2004, p.71.

([11]) Liu et al., 2004, p.438.

([12]) Fisher & Bonn, 2007, p.1561.

([13]) wells & Spinks, 1996, p.28.

([14]) Koh & Boo, 2004, p.677.

([15]) صحيفة الإمام 3: 431.

([16]) صحيفة الإمام 3: 227.

([17]) صحيفه الإمام 3: 215.

([18]) صحيفة الإمام 3: 270.

([19]) عنايت، مفهوم نظريه ولايت فقيه أز ديدﮔاه إمام خميني: 8.

([20]) يوسفي فخر، تعامل دين وسياست أز منظر إمام خميني، مجلة حضور، العدد 51.

([21]) صحيفة النور 21: 47.

([22]) لك زايى، ثبات وتحول در أنديشه سياسي إمام خميني، فصيلة العلوم السياسية، العدد 5.

([23]) صحيفة الإمام 1: 66.

([24]) المصدر السابق ‏2: ‏82.

([25]) المصدر السابق 13: 432؛ 5: 188 و440.

([26]) المصدر السابق 5: 388.

([27]) المصدر السابق 20: 411، 5: 188.

([28]) المصدر السابق 11: 34 و197؛ 9: 304.

([29]) المصدر السابق 1: 179.

([30]) المصدر السابق 3: 379؛ 9: 494.

([31]) المصدر السابق 5: 301؛ 2: 224؛ 9: 494 و469 ـ 470؛ 21: 278.

([32]) المصدر السابق 14: 437.

([33]) المصدر السابق 15: 339؛ 7: 419.

([34]) المصدر السابق 18: 429.

([35]) المصدر السابق 5: 32؛ 3: 371.

([36]) المصدر السابق 15: 469.

([37]) المصدر السابق 14: 303 ـ 304.

([38]) المصدر السابق 1: 104.

([39]) المصدر السابق 11: 235.

([40]) المصدر السابق 21: 289.

([41]) المصدر السابق 21: 289.

([42]) المصدر السابق 6: 287.

([43]) المصدر السابق 21: 152.

([44]) المصدر السابق 21: 251.

([45]) المصدر السابق 21: 263 و268.

([46]) المصدر السابق 21: 160.

([47]) المصدر السابق 2: 36؛ 8: 335.

([48]) المصدر السابق 21: 221 و225.

([49]) المصدر السابق 5: 218؛ 6: 200.

([50]) المصدر السابق 21: 278.

([51]) المصدر السابق 21: 280.

([52]) المصدر السابق 13: 40؛ 8: 258.

([53]) المصدر السابق 8: 473؛ 21: 326.

([54]) المصدر السابق 8: 536.

([55]) المصدر السابق 13: 323؛ 9: 238؛ 11: 100.

([56]) المصدر السابق 7: 327 و150؛ 19: 377.

الكاتب د. السيد محمّد مقيمي

د. السيد محمّد مقيمي

مواضيع متعلقة

اترك رداً

downloadfilmterbaru.xyz bigoporn.club bok3p.site sablonpontianak.com