أحدث المقالات
تمهيد
استراح النبي| بعد هجرته من أذى المشركين في مكة وتضييقهم إلاّ أنه| لقي في المدينة جماعات استمرت صراعاتها زمناً طويلاً، فها هما قبيلتا الأوس والخزرج اللتان تحاربتا حرب استنزاف منذ عهد بعيد كما اشتبكتا مع اليهود في نفس الوقت.
و في الوقت ذاته كان رسول الله| يتعامل مع أناسٍ تتباين معتقداتهم أشد التباين كما كان على اتصال مع المسلمين المتزمتين في سلوكهم وعقيدتهم، بغضّ النظر عن اتصاله بالمشركين الذين لم يكونوا قليلي العدد، إضافة إلى اليهود المعروفين بالحقد والحسد.
عزم النبي| على إيجاد الوحدة في المدينة بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار (الأوس والخزرج) وبإبرام معاهدة بين الأحزاب الموجودة بالمدينة، والتي تشمل المسلمين والمشركين واليهود.
وهذا المقال يهدف إلى إلقاء الضوء على معاهدة الرسول| مع اليهود، حتى خيانة اليهود من بني قريظة ونقضهم المعاهدة، وأخيراً يتناول المقال موقف الرسول| منهم وأسباب هذا الموقف.
 
المعاهدة مع اليهود
يعتقد كثير من المؤرخين أنّ الرسول أبرم معاهدتين مع يهود المدينة، إحداهما المعاهدة العامة والأخرى المعاهدة الخاصة. مع أن عدداً من المؤرخين يعتبرها معاهدة واحدة محاولاً إدخال المعاهدة الأولى في الثانية.
لا تشير المعاهدة العامة إلى يهود المدينة ـ بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة ـ بل
أشير فيها إلى معاشر من يهود العرب يدينون بدين موسى ×. وهذه هي بعض بنود المعاهدة:
-إنه من تبعنا من اليهود فله النصر والمساواة لا يظلمون ولا ينصر عليهم.
-إنّ اليهود أمة تعيش مع المسلمين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم.
-إنّ اليهود كالجار، والجار كالنفس، غير مضار ولا آثم.
-إنّ اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين.
-إنّه من فتك فبنفسه فتك وبأهل بيته(1).
تتضمن هذه المعاهدة العامة أمناً لأهل يثرب كافة كي لا يظلم أحد ولا يراق دم بغير الحق، ومن ظلم وأثم فإنه لا يظلم إلاّ نفسه وأهل بيته.
لم يذكر المؤرخون المعاهدة الخاصة بشكلٍ مفصل، وإنّ كثيراً منهم يذكرها بشكل عام، فيذكر أن الرسول| أبرم معاهدة مع ثلاث طوائف من يهود يثرب، وأنّ سبب الحرب بينهم وبين المسلمين هو نقضهم للعهد(2)، ثم إنّ هناك عدداً من المؤرخين يذكرون نصّ المعاهدة(3)، والطبرسي& يذكره أكثر تفصيلاً بين هؤلاء المؤرخين، وقد أشرنا إلى مضمون روايته عن نصّ المعاهدة فيما يلي:
أتى اليهود من بني قريظة وبني النضير وبني قينقاع عند النبي| قائلين: أتيناكم لنطلب السلم والمصالحة، بشرط أن لا نكون معكم ولا ضدكم، لا ننصر أعداءكم كما لا نعتدي على أصحابكم، وأنتم لا تعتدون علينا لنرى ما يترتب عليك وعلى أصحابك من العواقب، والنبي| وافق على مطالبهم وكتب معهم معاهدة هذا مضمونها: يفرض على اليهود أن لا يناصروا ضدّ النبي| وأصحابه، لا باللسان ولا باليد ولا بإعطاء السلاح والدواب، لا في السرّ ولا في الجهر. لا في النهار ولا في الليل، والله يشهد على هذه الشروط ويكفلها، وإذا عمل اليهود خلاف ما جاء في المعاهدة فإنّ للرسول| الحرية في إراقة دمائهم وأسر النساء والذراري منهم والاستيلاء على أموالهم.
كتب الرسول| هذه المعاهدة لكل من القبائل اليهودية على حدة ووقّع عليها رؤساء اليهود(4). فبناء على هذه المعاهدة التزمت القبائل اليهودية الثلاث في المدينة بعدم اتخاذ أية مبادرة ضد الرسول| والمسلمين لا باللسان ولا باليد… وفي حالة نقضهم العهد فإنّ للرسول| الحق في قتل الناكثين وأسر الباقين وتقسيم أموالهم.
يجمع المؤرخين قاطبة على أنّ اليهود كانوا يعيشون بالمدينة مع الآخرين في منتهى الطمأنينة والراحة ما التزموا بهذه المعاهدة، ولكنهم منذ أن نقضوا العهد وبدأوا يحيكون المؤامرة، قام المسلمون بمحاربتهم.
 
نقض بني قريظة للعهد
يعود نقض العهد من بني قريظة إلى حرب الخندق، حيث ذهب عدد من يهود بني النضير إلى خيبر بعد إجلائهم عن المدينة، ونزلوا ضيوفاً عند اليهود في تلك المنطقة، وبعد فترة ذهبت مجموعة منهم، كحيي بن أخطب وكنانة بن أبي الحقيق وسلام بن مشكم و… إلى مكة واتحدوا مع قريش، ووعد حيي بن أخطب قريشاً أنه سيمهد السبيل لنقض بني قريظة وقواتهم العسكرية للعهد، وبعد ذلك اتجهوا نحو قبيلة غطفان، وألحقوها بقبيلة قريش بعد أن وعدهم بتقديم تمور خيبر إليهم لمدة عام، ومن ثم تحركوا نحو قبيلة بني سليم وقبائل أخرى، وعملوا في إعداد كل واحدة من تلك القبائل لمحاربة الإسلام، بعد أن قطعوا على أنفسهم وعوداً لكل قبيلة من تلك القبائل.
وعلى أثر هذه المبادرات التآمرية من يهود بني النضير وخيبر، اتحد عشرة آلاف من المشركين من الأحزاب المختلفة وتوجهوا لقتال المسلمين نحو المدينة.(5)
وعندما اقترب ذلك الجيش من المدينة طلب أبو سفيان من حيي بن أخطب أن يتقدم نحو اليهود من بني قريظة ليطالبهم بنقض عهدهم الذي أبرموه مع النبي| ووصل حيي بن أخطب إلى بني قريظة سريعاً، وذهب إلى بيت كعب بن أسد ـ سيد بني قريظة ـ مبدياً عنده رغبة الجيش بالقتال، وانخدع كعب بن أسد بما قاله حيي بن أخطب، ومزّق الصحيفة التي كتبها النبي| لبني قريظة برغم يقينه في أنّ النبي| كان جاراً صالحاً لهم، ولم ينقض عهدهم ولم يبح سرهم، وهذه الخطوة تعدّ أولى الخطوات ليهود بني قريظة في نقضهم للعهد.
والنبي|، الذي كان قد تخندق مع المسلمين، علم أمرهم في نقضهم للعهد، وحزن كثيراً لذلك، وبعث سعد بن معاذ وسعد بن عبادة إلى المدينة للتأكد من حقيقة الأمر، حيث ذهب المبعوثان إلى قبيلة بني قريظة وتأكدا من صحة الأمر وحاولا أن يحملاهم على الالتزام بالمعاهدة، غير أنّ كعب بن أسد أعلن نقضه للعهد وأخذ يسبهما، وكذلك باقي اليهود شتموا مبعوثَي الرسول| بأسوأ الكلام.
رجع مبعوثا النبي| إلى الخندق وأخبرا الرسول| تلميحاً بصحة خيانة بني قريظة، فكبّر الرسول| وبشّر بالنصر والفتح من الله (6).
وانتشر خبر خيانة اليهود، وحوصر المسلمون الذين لا يتجاوز عددهم عن ثلاثة آلاف من قبل اليهود من الخلف ومن الأمام جيش الأحزاب، وعمّهم الخوف والفزع، وهكذا يصف الله تعإلى معنوياتهم في القرآن الكريم: {إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا}(7).
وفي هذا الوقت أخذ المنافقون يتفوهون بكلمات تسيء، فقال أحدهم: إنّ محمداً كان يعدنا أن ننال كنوز كسرى وقيصر، بينما لا يأمن أحدنا اليوم على نفسه أن يذهب إلى الغائط!(8).
أعلنت قبيلة بني قريظة الحرب، وكان هدفها الهجوم على نساء المؤمنين وأبنائهم الذين لا ملاذ لهم، ولأجل هذا بعثوا حيي بن أخطب إلى قبيلتي قريش وغطفان لتزويده بألفي مقاتل للإغارة ليلاً على المدينة (9). ويقول في ذلك الحدث جابر بن عبدالله الأنصاري: إنّ خوفنا في تلك الليلة من بني قريظة لم يكن يقلّ عن فزعنا من قريش(الأحزاب)(10).
وعندما وصلت أخبار المؤامرة إلى النبي| بعث سلمة بن أسلم ليلاً في مائتي رجل، وزيد بن حارثة في ثلاثمئة رجل إلى يثرب للحفاظ عليها، وكان هؤلاء الجند يستعرضون مكبّرين بصوت مرتفع حتى الصباح، لإقرار الأمن بين المؤمنين ولإقلاع بني قريظة عن الحرب (11).
إنّ ما جرى لقريش ولبني قريظة هو أنهم أساؤوا الظن ببعضهم ودبّت الفرقة بينهم، بعد تدبير حسن اتخذه أحد المؤمنين المتصفين بالحنكة والكياسة، وهو نعيم بن مسعود، وبعد أن طالت الحرب ونفدت المياه والمؤونة من جيش المشركين ودوابّهم بعث الله عليهم ريحاً شديدة، ما أدى إلى توانيهم عن الحرب، ثمّ إنّ أبا سفيان الذي كان يقود جيش الأحزاب أعلن إنهاء الحرب، وبينما كان فزعاً من هذه الظروف قام إلى جمله وهو معقول فجلس عليه ثم ضربه والجمل لا يتمكن من الحركة. وفي الصباح هربت الأحزاب وانصرف المسلمون بأمر النبي| راجعين إلى المدينة ووضعوا السلاح(12).
إلى هنا تبيّن كيف أن اليهود من بني قريظة قد تآمروا على المسلمين، إلاّ أنّ التدابير الجيدة التي اتخذها الرسول| والمسلمون حالت دون تنفيذ خطتهم التآمرية، وأدت إلى رجوع جيش الأحزاب إلى ديارهم متخلين عن اليهود في بيوتهم.
 
قتال بني قريظة
في الصباح الذي انصرف المسلمون عن الخندق راجعين إلى المدينة، أتى جبريل إلى رسول الله| وكان ينظف سيفه فقال له: إنّ الله يأمركم بالسير نحو بني قريظة لقتالهم . فأمر رسول الله| مؤذناً فأذنّ في الناس أنّ المسلمين لا يصلّون العصر إلاّ في قبيلة بني قريظة.
استعدّ ثلاثة آلاف مقاتل من المسلمين للقتال، وجعل رسول الله| علياً× حامل العلم، وقدّمه في جماعة إلى بني قريظة، فسار علي × يهز رايته بالقرب من حصون بني قريظة واليهود الذين لاذوا بتلك الحصون، وبدأوا يسبّون النبي|، ولما شاهد علي × هذا المشهد أراد الرجوع إلى الوراء ليثني النبي| عن تقدمه إلى تلك المنطقة إلاّ أنّ النبي| سار إلى تلك المنطقة بجيشه، وشاهد الحالة التي كانت عليها اليهود.
صفّ الرسول| جيشه وقدّم الرماة وأمرهم بالرمي، ترامى القوم لساعة، وفي الليل أصدر حكم الهدنة المؤقتة إلى منتصف الليل، حيث دنا المسلمون بأمر النبي| من حصون بني قريظة وحاصروها.
و في اليوم الثالث من الحصار تفاوض بعض اليهود مع النبي|، وطلبوا من النبي| أن يسمح لهم بأخذ متاعهم حِملَ بعير كاليهود من بني النضير، ثم يخرجون من المدينة، غير أنّ النبي| رفض طلبهم، ثم إنهم طلبوا أن يتركوا أمتعتهم، ويسمح لهم أن ينجوا بأنفسهم بالخروج من المدينة، إلاّ أنّ هذا الطلب لم يقبل منهم، ثم قال لهم رسول الله|: يجب عليكم الخضوع إلى أن أحكم بينكم(13)، فخرج أثناء هذا الحوار عدد من اليهود من حصونهم، وأسلموا دون أن يتعدى أحد عليهم، بل حفظوا دماءهم وأموالهم بهذه المبادرة(14).
وكلما طالت مدة الحصار كان الأمر يشتدّ على اليهود إلى أن بعثوا إلى رسول الله| ليبعث لهم أبا لبابة الأنصاري ليستشيروه في أمرهم، وسمح النبي لأبي لبابة أن يدخل حصونهم، لكنه لقي مكرهم حيث رأى نساءهم شُعث الشعر يجهشن بالبكاء مع الصبيان في وجهه فرقّ لهم وأشار بيده إلى حلقه يريد أنهم إذا استسلموا للنبي| يقتلون ويذبحون، وهذه المبادرة من أبي لبابة أدّت إلى معاندة اليهود واشتدت مجابهاتهم. وقد انتبه أبو لبابة إلى خطئه، وبعد انطلاقه من حصون اليهود توجه نحو مسجد النبي| وشدّ نفسه بحزام إلى عمود وبذلك تاب عن عمله(15).
استغرق حصار حصون بني قريظة خمسة وعشرين يوماً إلى أن وقف علي× أمام حصونهم صائحاً: <والله لأذوقنّ ما ذاق حمزة أو لأفتحنّ حصونكم>. وأدت مقالته إلى فزعهم وخروجهم ثم استسلامهم للمسلمين(16) .
زُجّ رجال اليهود بأمر النبي| في سجن، كما زجت نساؤهم وأولادهم في سجن آخر، ثم أصدرت الأوامر بشأن مصادرة أموالهم، واستولى المسلمون على كم هائل من المعدات الحربية والأواني والبضائع والدوابّ والخمور الكثيرة التي تمت إراقتها فوراً(17).
جاء بعض الأنصار (قبيلة الأوس) إلى الرسول| وتحدّثوا عن تحالفهم مع بني قريظة في الجاهلية وناشدوه أن يعفو عنهم كما عفا عن بني قينقاع حلفاء الخزرج في الجاهلية، غير أنّ الرسول| لم يجبهم إلى ذلك، ولكن لما وجد إصرارهم على مطالبهم اقترح عليهم حكم سعد بن معاذ ـ سيد قبيلة الأوس ـ فرضوا به.
كان سعد جريحاً في ذلك الوقت، يرقد في خيمة قرب مسجد النبي|، فحمل على حمار، ثم جاءوا به إلى رسول الله| وفي الطريق ناشدوه أن يُحسن إلى بني قريظة، ولكنه قال: <لقد أبى سعد أن تأخذه في الله لومة لائم>.
فلما انتهى سعد إلى صدر المجلس أشار إلى الرسول| والمسلمين وقال: هل ترضون بما حكمت فيهم؟ ولما أجاب الجميع بالإيجاب، قال: إني أحكم فيهم أن يقتل الرجال( المقاتلون) وتسبى النساء والذراري، وتقسّم الأموال، ثم قال الرسول| بعد استماعه إلى حكم سعد: لقد حكمت فيهم بحكم الله.
واجتمع الناس في اليوم التالي في البقيع(18) أو في سوق المدينة ثم جيء بأسرى اليهود وضربت أعناقهم وألقوا في الحفر المعدّة سابقاً على شكل المستطيل(19)، ونقل الواقدي: <إنّ علياً والزبير كانا يقومان بأمر قتل اليهود>(20). و تم قتل اليهود من بني قريظة(21) في غضون يوم أو ثلاثة أيام(22).
وهكذا لقي اليهود المتآمرون والخونة نكال أعمالهم القبيحة.
 
عدد قتلی بني قريظة
يعد موضوع عدد القتلى أحد الأمور التي يختلف فيها المؤرخون وهناك تباين كبير في الآراء بهذا الشأن بين أصحاب السير والمؤرخين، حيث ذكروا أنّ عدد قتلى اليهود يتراوح بين أربعمائة وتسعمائة، وزاد البعض على ذلك، وهناك شواهد على هذه الإحصاءات في كتب التاريخ(23).
وعلى أية حال لا يتفق المؤرخون على عدد القتلى، ويعتقد كاتب هذه السطور أنه لابدّ من توخي الدقة في هذا الشأن، ويجب الجزم بأنّ من قُتلوا كانوا من مقاتلي اليهود الذين نقضوا المعاهدة التي أبرموها مع النبي| وكان هدفهم القضاء على الحكومة الإسلامية وقتل المسلمين في المدينة، وقاموا بإيواء جنود الأحزاب في منازلهم، وعدد هؤلاء المتآمرين أربعمئة، حيث يتفق على هذا العدد جميع المؤرخين.
 
قتل اليهود، أسطورة أم حقيقة؟
تعد الحرب التي شنتها الحكومة الإسلامية على يهود بني قريظة إحدى التهم التي ينسبها المستشرقون من اليهود والنصارى إلى المسلمين، ويتهمون الإسلام بقتل غير المسلمين، وقد دفع المؤرخون المسلمون هذا الاتهام عن الإسلام، ويمكن أن يقسم هؤلاء المؤرخون إلى فريقين:
1ـ فريق يقبلون ضمناً شبهات المستشرقين، ويشككون في تقارير المؤرخين أو ينكرونها، فقالوا على سبيل المثال: كيف يمكن لشخصين أن يقتلا هذا العدد من اليهود دون أن يؤثر ذلك في حالاتهم النفسية؟ أو إنّ الحرارة الشديدة في المدينة تؤدي إلى تعفّن أجساد القتلى ثم انتشار الأوبئة في المدينة، في حين لم يصلنا أي تقرير عن الوباء والعفن(24)….
2ـ وفريق آخر من المؤرخين لايقبل ما يدعيه المستشرقون، ويقوم بتقديم الدواعي والأسباب لقتل اليهود.
يعتقد كاتب هذه السطور أنه لا يمكن التخلّي عن الحقائق الواضحة وما نقله المؤرخون لمجرد أنه قد يُدان الإسلام من جانب البعض. ثم إنّ أحداً لا يشك في قتال المسلمين مع بني قريظة، وحجتنا الأولى هي ما نقله المؤرخون التي قدّمناها سابقاً، أما الحجة الثانية فهي قول الله تعالى في كتابه العزيز: {وأنزلَ الذينَ ظاهروهم من أَهل الكتاب مَن صياصيهم وقَذَفَ في قلوبَهم الرعب فَريقاً تَقتلون وتُأسرون فَريقاً}(25).
يتفق جميع المفسرين على أنّ اليهود الذين ساندوا المشركين من الأحزاب كانوا من يهود بني قريظة(26)، كما يعتقد المفسرون أنّ المراد بعبارة {فريقاً تقتلون} هو قتل المقاتلين من بني قريظة، والمراد بعبارة {تأسرون فريقاً} هو سبي النساء والذراري منهم(27). وكذلك ذكر المؤرخين بهذه الآيات ضمن ما نقلوه عن هذا القتال يدلّ على أنهم يعتقدون أن هذه الآيات نزلت بشأن يهود بني قريظة.
فبناء على الآيات القرآنية، وبالاستناد إلى آراء المفسرين والمؤرخين لاشك في حقيقة قتال المسلمين مع بني قريظة، حيث قُتل المقاتلون من اليهود، وسبي الذراري والنساء منهم، غير أنّ من قُتل من مقاتليهم ـ برأي كاتب هذه السطور ـ ليس جميع المقاتلين؛ لأنه يستبعد من الرسول| الذي أُرسل رحمة للعالمين أن يأمر بقتل جميع رجالهم لمجرد خيانة بعض منهم. فمن المؤكد أنه يوجد بين هؤلاء المقاتلين من لا يرضى بالخيانة، ولم يدخل بالفعل في الحرب على الحكومة الإسلامية، فلا مبرر لقتل هؤلاء، وعلى هذا يجب توخي الدقة عند ذكر عدد قتلى اليهود، كما يجب الوثوق بالعدد الأقل بين تقارير المؤرخين.
 
سبب قتال المسلمين مع يهود بني قريظة
هناك دلائل وأسباب قوية وواضحة تكشف عن ضرورة هذا القتال مع بني قريظة، وسنشير إلى بعض منها في هذا المقال.
 
السبب الأول: وقوف الحكومات في وجه المتآمرين
لا تقف الحكومات مع المؤامرات موقف اللامبالاة، بل تتصدى لها بكل صرامة. فكل حكومة ـ سواء كانت على الحق أم على الباطل ـ تريد دوامها ولأجل هذا تتخذ الحكومات مع المتآمرين مواقف صلبة وعنيفة، وتبذل قصارى جهودها لاجتثاث جذور المؤامرة والمتآمرين، ولا تُستثنى من هذا القانون الحكومة الإسلامية التي هي على حق.
 
السبب الثاني: الموقف الحاسم يضمن المحافظة على الحكومة وقوتها
تآمر اليهود من بني قينقاع على المسلمين، إلاّ أنّ النبي| عفا عنهم واكتفى بإجلائهم عن المدينة، ولما شاهد بنو النضير عفو النبي| لم يتعظوا بما جرى لبني قينقاع، بل خانوا وبوقاحة أكثر، ومع ذلك لم يبادر الرسول| إلى قتلهم، بل سمح لهم أن يأخذوا من أموالهم حِملَ بعير، ويخرجوا من المدينة، ولما رأى بنو قريظة هذه المواقف زادتهم تمادياً، وخطر ببالهم التآمر وقتل المسلمين، ولو كان النبي يتجاوز عن أخطائهم لازدادت تجاوزات أعداء الإسلام، ولكانوا يحشدون الجيوش باهتمام بالغ للهجوم على المدينة، وكانوا يظنون أنهم إن فشلوا فسيعفو الرسول| عنهم، فهذه المواقف فرضت على المسلمين الاجتثاث الشامل لمؤامرة بني قريظة ليكونوا عبرة للآخرين ولتظهر الحكومة الإسلامية قدرتها واقتدارها.
 
السبب الثالث: القتل عقوبة من يحارب الله ورسوله|
للإسلام قوانينه وأحكامه تجاه المواضيع المختلفة . يقول الله تعالى في كتابه العزيز حول عقوبة من يحارب الإسلام والرسول|: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض}(28).
ومن حق النبي| بوصفه زعيم الأمة الإسلامية أن يحدد عقوبة هؤلاء، فالنبي تعامل مع اليهود من بني قينقاع وبني النضير معاملة مرنة إلى حدّ ما، حسب ما جاء في هذه الآية، وأجبرهم على الخروج المدينة، إلاّ أنه هذه المرة تعامل معهم بعنف، وجعل عقوبة بني قريظة قتل الخونة منهم.
 
السبب الرابع: كتاب التوراة كذلك يجعل القتل عقوبة المحارب
قد يقول قائل: إنّ التعامل مع الأقليات الدينية يجب أن يتلاءم وأحكامهم الدينية . في هذه الحالة لو رجعنا إلى كتاب التوراة نجد أنه جعل القتل عقوبة المحارب، وبناء على هذا يرى بعضٌ أنّ سكان المدينة كانوا يعرفون قانون العقوبات عند اليهود بسبب قربهم منهم، ولأجل هذا حكم سعد بن معاذ وفق قانون اليهود لمّا رضي الفريقان بحكمه.
جاء في التوراة: إذا اقتربتم من مدينة لقتال سكانها اقترحوا عليهم أن يستسلموا، وإذا وافقوا على الاستسلام أصبحوا عبيدكم، ولابدّ من دفع الجزية والضرائب إليكم، وإذا لم يستسلموا، بل ظلوا محاربين لكم وأنتم تحاصرونهم، أَذن لكم رب اليهود أن تسيطروا عليهم ( وإن هزمتموهم ) فاقتلوا رجالهم أجمعين واغنموا النساء والذراري والدوابّ، وكل ما في المدينة من المتاع و…(29).
 
السبب الخامس: من يسبّ النبي|كافر وعقوبته القتل
يرى جميع فقهاء المسلمين سنة وشيعة أن من يسب النبي| يعد كافراً، ويباح دمه، وإذا سمع أي مسلم من يسبّ الرسول| يجوز له شرعاً أن يقتل السابَّ.
فعلى سبيل المثال: يذكر المقريزي في كتابه روايات يستفاد منها جواز قتل من يسبّ النبي|، و روى أبوالدرداء عن علي بن أبي طالب × أنّ يهودية سبت الرسول| فسمع رجل مسلم، وشدّ على عنقها حتى خنقها، فأباح الرسول| دمها(30).
و ذكر القاضي عياض في كتابه، شواهد كلها تدل على أنّ ساب الرسول| يجب قتله، و يذكر الدارقطني رواية عن الرسول| أنه قال: <من سبّ نبياً فاقتلوه، ومن سبّ أصحابي فاضربوه>(31).
فالملاحظ هو أنّ من يسب أحد أنبياء الله فالقتل عقوبته، ولايختص هذا الحكم بنبي الإسلام|. وعلى أية حال يرى أكثر علماء المسلمين أنّ وجوب قتله ليس بسبب كفره، بل يترتب على سبّه للرسول| حيث لا يلغى حكمه بتوبته، وشأنه شأن باقي العقوبات التي لا تسقط بالتوبة.
يقول القاضي عياض في أهل الذمة الذين يسبّون النبي| : إذا سبّ أهل الذمة الرسول| يجب أن يُقتلوا، دليلنا الأول هو أننا لم نعاهدهم على سبّ الرسول|، ودليلنا الثاني هو أن العهد والذمة لا يسقطان عنهم الحدود الإسلامية، وإذا قَتَل الذمّيّ عمداً فعقوبته القتل، وإذا سرق تقطع يده، فكذلك إذا سبّ النبي| يقتل(32). ويقول ابن تيمية كذلك: إن القتل عقوبة من يسبّ النبي| مسلماً كان أو كافراً، وهذا هو مذهب أئمة أهل السنة الأربعة وغيرهم، ويتفق عليه جميع العلماء والفقهاء(33).
يقول المحقق الحلي في الشرط الثالث من شروط الذمة :الشرط الثالث هو أن لا يؤذي أهل الذمة المسلمين… ثم يواصل قائلاً: إذا سبّ أهل الذمة النبي| فعقوبتهم القتل(34).
يقول المرحوم محمد بن حسن النجفي صاحب الجواهر ضمن شروط الذمة: إذا سبّ أحد من أهل الذمة النبي| فيُقتل . ولا اختلاف بين الفقهاء في هذا الحكم بل هناك إجماع ـ محصل ومنقول ـ بِين الفقهاء بشأن هذا الموضوع. ثم ينقل عن كتابي المبسوط والغنية أن العهد والذمة يُنقضان بسبّ النبي| ويصبح الساب واجب القتل(35).
فيستفاد من كل المواضيع المطروحة أنّ العلماء المسلمين متفقون على وجوب قتل من يسبّ النبي| وعلى هذا الأساس لما أصدر الإمام الخميني& حكمه في وجوب قتل سلمان رشدي مؤلف كتاب (الآيات الشيطانية) وافقه في هذا الحكم جميع العلماء المسلمين سنة وشيعة، ولم يخالفه حتى عالم واحد.
كان اليهود من بني قريظة يعيشون تحت سلطة الحكومة الإسلامية، وكانوا قد عاهدوا الرسول| إلاّ أنهم نقضوا عهدهم بسبّهم الرسول| فأصبح قتلهم واجباً.
 
السبب السادس: كان قتل المقاتلين من اليهود وفقاً لمعاهدتهم
كما ذكر آنفاً فقد تعهد زعماء الطوائف الثلاث لليهود في المدينة أنهم لا يعملون لصالح الإسلام ولا ضدّه، ولا يساندون أعداء الإسلام لا عسكرياً ولا اقتصادياً ولا غير ذلك، وإذا نقضوا العهد فإنّ للرسول| الحرية في قتل مقاتليهم وسبي نسائهم وذراريهم وتقسيم أموالهم.
غير أنّ بني قريظة نقضوا المعاهدة بتمزيقها، وبوعدهم الأحزاب بالتعاون معهم، وبمؤامرتهم في المدينة، وقد تعامل النبي| معهم وفقاً لما جاء في المعاهدة.
النتيجة:يجب على الزعماء أن يقفوا في وجه المتآمرين المعتدين على حقوق المجتمع بكل قوة وجدية؛ لكي يستقر الأمن في المجتمع، ولو أنهم لا يريدون الحرب والصراع سابقاً، وهذا النبي الأعظم| اتخذ موقفاً عنيفاً وصارماً في تعامله مع اليهود من بني قريظة الذين كانوا يهدفون إلى قلب النظام الإسلامي في المدينة.

 

الهوامش

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ابن هشام، السيرة النبوية 2: 501، قاسم بن سلام، الأموال: 292؛ ابن كثير، البداية والنهاية 3: 273؛ ابن سيد الناس، عيون الأثر 1: 260؛ ابن كثير، السيرة النبوية 320:2؛ احمدي ميانجي، ومكاتيب الرسول|: 241 ـ 259.
(2) انظر إلى: ابن هشام، السيرة النبوية 510:3؛ البلاذري، فتوح البلدان: 30؛ السمهودي، وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى 396:2.
(3) المقدسي، البدء والتاريخ 179:4؛ البلاذري، فتوح البلدان: 30؛ جعفر مرتضى العاملي، الصحيح من سيره النبي| 263:4.
(4) إعلام الورى بأعلام الهدى: 157.
(5) الواقدي، المغازي 442:2؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى2: 250، الإرشاد، المفيد: 51؛ المجلسي، بحار الأنوار 20: 217، وتجدر الإشارة إلى أنّ المسعودي يعد عدد المشركين من العرب في غزوة الأحزاب أربعة وعشرين ألف مقاتل، التنبيه والإشراف: 216.
(6) المغازي 2: 455؛ السيرة النبوية 3: 232؛ ابن عبد البر، الدرر في اختصار المغازي والسير: 181؛ بحار الأنوار 20: 223.
(7) الاحزاب: 10.
(8) المغازي 2: 459؛ السيرة النبوية 3: 233.
(9) المغازي 2: 460.
(10) المصدر السابق 2: 468.
(11) المغازي 2: 460؛ الطبقات الكبرى 2: 52؛ ابن سعد، سنن النبي وأيامه: 342.
(12) السيرة النبوية 3: 243؛ المغازي 2: 485؛ الطبقات الكبرى 2: 56، الدرر: 188؛ و…
(13) المغازي 2: 510.
(14) المغازي 2: 504، السيرة النبوية 1: 213.
(15) الدرر: 19؛ المغازي 2: 508؛ السيرة النبوية 3: 241.
(16) السيرة النبوية 3: 251.
(17) المغازي 2: 510؛ الطبقات الكبرى 2: 57.
(18) بحار الأنوار 20: 238.
(19) المغازي 2: 513؛ السيرة النبوية 3: 252؛ الإرشاد: 59.
(20) المغازي 2: 513,
(21) نفس المصدر 2: 517.
(22) بحار الأنوار 2: 238.
(23) السيرة النبوية 3: 263؛ الإرشاد: 58 المغازي 2: 518؛ زادالمعاد 3: 135؛ و…
(24) تاريخ الإسلام التحليلي: 740.
(25) الأحزاب: 26 ـ 27.
(26) التبيان 8: 332؛ التفسير النموذجي 17: 268؛ البرهان 4: 304؛ الصافي 4: 182؛ مجمع البيان 8: 551؛ الميزان 16: 291؛ جامع البيان 21: 182؛ تفسير الجلالين: 553؛ الدر المنثور 5: 193؛ تفسير الثعالبي 4: 343؛ فتح القدير 4: 274؛ و…
(27) التبيان 8: 332؛ أطيب البيان10: 494؛ مجمع البيان 8: 551؛ الميزان 16: 291؛ التفسير النموذجي 17: 268؛ منهج الصادقين 7: 309؛ الكاشف 6: 207؛ جامع البيان 21: 186؛ تفسير الجلالين: 553؛ الدرالمنثور 5: 193؛ تفسير الثعالبي 4: 343؛ فتح القدير4: 274.
(28) المائدة: 33.
(29) الكتاب المقدس ـ سفرالتثنية ـ باب 20.
(30) إمتاع الأسماع 14: 271.
(31) الشفا بتعريف حقوق المصطفى 2: 225.
(32) نفس المصدر السابق 2: 261.
(33) الصارم المسلول على شاتم الرسول: 5.
(34) شرايع الإسلام 1: 230.
(35) جواهر الكلام 21: 268.
 
Facebook
Twitter
Telegram
Print
Email

اترك تعليقاً