الإمام عليّ (عليه السلام) والاستدلال بالقياس في الأحكام الشرعيّة

img

الشيخ عبد الله مصلحي(*)

مقدّمة

القياس هو اصطلاحٌ شاع استعماله على ألسنة أهل الرأي قديماً. وفحواه التماس العلل الواقعية للأحكام الشرعية من طريق العقل، وجعلها مقياساً لصحّة النصوص التشريعية؛ فما وافقها فهو حكمُ الله الذي يُؤخَذ به؛ وما خالفها كان موضعاً للرفض أو التشكيك([1]).

ثمّ هناك تعاريف آخرى للقياس، لا يهمّنا التعرُّض إليها، بل لا فائدة فيها، وإنْ شئتَ التفصيل لاحِظْ المصادر الأصولية للعامّة([2]).

ثمّ إنّ القياس مثار معركة فكرية واسعة النطاق؛ فقد ذهب بعض أبناء العامّة إلى جواز الاستدلال به، ولكن أئمة الشيعة وقفوا تجاهه موقف الردّ والإنكار، كما تشهد بذلك رواياتٌ كثيرة، منها:

1ـ الحسين بن محمد، عن معلّى بن محمد، عن الحسن بن عليّ الوشّاء، عن أبان بن عثمان، عن أبي شيبة الخراساني قال: سمعتُ أبا عبد الله× يقول:‏ إن أصحاب المقاييس طلبوا العلم بالمقاييس، فلم تزدهم المقاييس من الحقّ إلاّ بُعْداً. وإن دين الله لا يُصاب بالمقاييس([3]).

2ـ محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن صفوان بن يحيى، عن عبد الرحمن بن الحجّاج، عن أبان بن تغلب‏، عن أبي عبد الله× قال: إن السنّة لا تُقاس. ألا ترى أن امرأةً تقضي صومها، و لا تقضي صلاتها. يا أبان، إن السنّة إذا قيسَتْ مُحِقَ الدين([4]).

3ـ عدّةٌ من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن عثمان بن عيسى قال: سألتُ أبا الحسن موسى× عن القياس؟ فقال: ما لكم والقياس؟! إن الله لا يسأل كيف أحلّ وكيف حرّم؟([5]).

4ـ عليّ بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة قال: حدَّثني‏ جعفرٌ، عن أبيه×، أن علياً× قال: مَنْ نصب نفسه للقياس لم يَزَل دهره في التباسٍ. ومَنْ دان الله بالرأي لم يَزَل دهره في ارتماسٍ. قال: وقال أبو جعفرٍ×: مَنْ أفتى الناس برأيه فقد دان الله بما لا يعلم؛ ومَنْ دان الله بما لا يعلم فقد ضادّ الله؛ حيث أحلّ وحرّم في ما لا يعلم([6]).

5ـ محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن عليّ بن يقطين، عن الحسين بن مياح،‏ عن أبيه، عن أبي عبد الله× قال: إن إبليس قاس نفسه بآدم، فقال: خلقتني من نارٍ وخلقته من طينٍ، ولو قاس الجوهر الذي خلق الله منه آدم بالنار كان ذلك أكثر نوراً وضياءً من النار([7]).

6ـ عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن عبد الله العقيلي، عن عيسى بن عبد الله القرشي قال: دخل أبو حنيفة على أبي عبد الله×، فقال له: يا أبا حنيفة، بلغني أنك تقيس؟ قال: نعم، قال: لا تَقِسْ؛ فإن أوّل مَنْ قاس إبليس، حين قال‏: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾، فقاس ما بين النار والطين، ولو قاس نورية آدم بنورية النار عرف فضل ما بين النورين، وصفاء أحدهما على الآخر([8]).

هذا جملةٌ من الأخبار المنقولة في المقام. وإنْ شئتَ التفصيل فعليك بمراجعة الموسوعات الروائية([9]).

ثمّ إنّ القياس مذهب فقهاء الكوفيين، ومن أشهرهم: أبو حنيفة([10]).

ولكن هنا نكتةٌ لا بُدَّ من أن ننبِّه عليها، وهي أنّ فقه الكوفيين متأثِّر من آراء صحابيّين؛ أحدهما: ابن مسعود؛ والآخر: أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب×.

قال السرخسي: إنّ إبراهيم في ما كان يفتي به يعتمد قول عليّ وابن مسعود ـ رضي الله عنهما ـ، فإنّ فقه أهل الكوفة دار عليهما، وكان إبراهيم أعرف الناس بقولهما([11]).

وقال ابن حزم: فقهاء الكوفة بعد الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ علقمة بن قيس النخعي… وهؤلاء أصحاب ابن مسعود وعليّ([12]).

وقال ابن قيِّم: وكان من المفتين بالكوفة علقمة بن قيس النخعي والأسود بن يزيد النخعي… وهؤلاء أصحاب عليّ وابن مسعود([13]).

وهنا نسأل: هل القياس أمرٌ ومذهب ابتدعه الكوفيون وأبو حنيفة من عند أنفسهم أم له جذورٌ في كلمات أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب× وابن مسعود قبلهم؟

وقبل الإجابة عن هذا السؤال لا بُدَّ من النظر إلى خصائص فقه ابن مسعود، وكذا فقه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب×.

أمّا ابن مسعود فالظاهر من منقولاته في الفقه أنّ فقهه هو الفقه المأثور، أي على مبنى ظاهر الآيات وروايات النبيّ|، وليس له ابتكارٌ في تأسيس قاعدةٍ فقهية أو أصلٍ فقهي، كما هو الظاهر لمَنْ سبر في رواياته وفتاواه.

أمّا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب× فكما تجد في فقهه الاستناد بالآيات والروايات ـ مع علمه الوافر بالمحكم والمتشابِه، والناسخ والمنسوخ([14])، والعامّ والخاصّ، والمطلق والمقيّد، وغير ذلك ـ تجد ابتكاراتٍ توجب تأسيس أصلٍ فقهي أو قاعدةٍ فقهية في المسائل الشرعية.

وهذه خصيصةٌ اعترف به كثيرٌ من أرباب التراجم والرجاليين([15]).

والظاهر أنّ مسألة القياس نشأت من روايات أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب× وفتاواه وقضاياه؛ فإنّي كنت في بعض الأيّام أقرأ كتاب موسوعة عليّ بن أبي طالب×، للدكتور محمد رواس قلعه جي ـ وهو الباحث في موسوعة الفقه الإسلامي والأستاذ الجامعي ـ، فوجدت في خلاله روايات عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب× يظهر منها بأوضح شكلٍ الاستدلال بالقياس في المسائل الفقهية.

فلنذكر في المقام ما وجدنا من روايات أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب× التي يظهر منها الاستدلال بالقياس في الأحكام الشرعية. ولعلّ الباحث في الموسوعات الروائية والشرعية ـ لا سيَّما مصادر أهل السنّة الروائية والفقهية ـ يجد أكثر منها.

وهذه الروايات هي:

1ـ قد أشكل حكم حدّ شارب الخمر على الصحابة، فاستفاد أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب× ـ على ما رُوي عنه ـ حكم المسألة من قياسٍ.

فرُوي عن ثور بن زيد الدبلي أنّ عمر بن الخطّاب استشار في الخمر يشربها الرجل؟ فقال له عليّ بن أبي طالب: نرى أن تجلده ثمانين، فإنّه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، أو كما قال. فجلد عمر في الخمر ثمانين([16]).

وعن وبرة الكلبي قال: أرسلني خالد بن الوليد إلى عمر، فأتيتُه وهو في المسجد، معه عثمان بن عفّان وعليّ وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير متّكئ معه في المسجد، فقلتُ: إنّ خالد بن الوليد أرسلني إليك، وهو يقرأ عليك السلام، ويقول: إنّ الناس قد انهمكوا في الخمر، وتحاقروا العقوبة، فقال عمر: هم هؤلاء عندك فسَلْهم، فقال عليٌّ رضي الله عنه: نراه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون. فقال عمر: أبلغ صاحبك ما قال، فجلد خالد ثمانين، وجلد عمر ثمانين([17]).

وورد في مصادر الإمامية أيضاً، بسندٍ معتبر، عن زرارة، عن أبي جعفر× قال: إن عليّاً× كان يقول: إن الرجل إذا شرب الخمر سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فاجلدوه حدّ المفتري([18]).

وهذا قياسٌ، كما قال كثيرٌ من علماء العامة([19]).

2ـ قد اختلف في موجب غسل الجنابة، هل هو الدخول أو الإنزال؟ فقد نقل عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب× أنّه أوجب الغسل بالدخول؛ لأنّ بالدخول يوجب الحدّ، فأوجب الغسل قياساً على وجوب الحدّ.

عن معمر قال: أخبرني مَنْ سمع أبا جعفر يقول: كان المهاجرون يأمرون بالغسل؛ وكانت الأنصار يقولون: الماء من الماء، فمَنْ يفصل بين هؤلاء؟! وقال المهاجرون: إذا مسّ الختان الختان فقد وجب الغسل، فحكَّموا بينهم عليّ بن أبي طالب، فاختصموا إليه، فقال: أرأيتم لو رأيتم رجلاً يدخل ويخرج أيجب عليه الحدّ؟! قال: فيوجب الحدّ، ولا يوجب عليه صاعاً من ماء؟! فقضى للمهاجرين، فبلغ ذلك عائشة فقالت: رُبَما فعلنا أنا ورسول اللهﷺ، فقمنا واغتسلنا([20]).

3ـ وفي أقلّ المهر نُقل عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب× أنّه أوجب عشرة دراهم، لأنّه لا تقطع اليد إلاّ في عشرة دراهم، فلا يكون المهر أقلّ منه.

فعن النزال بن سبرة، عن عليٍّ× قال: لا تقطع اليد إلاّ في عشرة دراهم، ولا يكون المهر أقلّ من عشرة دراهم([21]).

4ـ وفي مسألة رجلٍ يقرّ بالسرقة كم يردّد مرّةً؟ ورد عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب× أنّه يردِّد مرّتين، قياساً على الشهادة([22]).

فعن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه قال: كنتُ قاعداً عند عليٍّ×، فجاء رجلٌ، فقال: يا أمير المؤمنين، إني قد سرقتُ، فانتهره، ثمّ عاد الثانية فقال: إني قد سرقتُ، فقال له عليّ: قد شهدْتَ على نفسك شهادتين، قال: فأمر به فقُطعت يده، فرأيتُها معلَّقةً، يعني في عنقه([23]).

5ـ عن أبي معشر، عن إبراهيم قال: سمعتُ علقمة ضرب بيده على منبر الكوفة قال: سمعتُ علياً× يقول: بلغني أن قوماً يفضِّلونني على أبي بكر وعمر، مَنْْ قال شيئاً من هذا فهو مفترٍ، عليه ما على المفتري([24]).

وعن الحكم بن جحل قال: قال عليّ (رضي الله عنه): لا يفضِّلني أحدٌ على أبي بكر وعمر إلاّ جلدتُه حدّ المفتري([25]).

وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: قال عليٌّ×: لا أجد أحداً يفضِّلني على أبي بكر وعمر إلاّ جلدتُه حدّ المفتري([26]).

وعن جابر بن حميد، عن عليٍّ× قال: لا أجد رجلاً يفضِّلني على أبي بكر وعمر إلاّ جلدتُه حد المفتري([27]).

6ـ عن أبي عبد الرحمن، عن عليٍّ×، أنه طعم خبزاً ولحماً، فقيل له: ألا تتوضّأ؟ فقال: إنّ الوضوء ممّا خرج، وليس ممّا دخل([28]).

7ـ عبد الرزّاق، عن ابن جريج قال: أخبرني عمرو أنّ حيّ بن يعلى أخبره أنّه سمع يعلى يخبر بهذا الخبر، قال: اسم المقتول أصيل، وألقوه في بئر بغمدان، فدلّ عليه الذبّان الأخضر، فطافَتْ امرأةُ أبيه على حمارٍ بصنعاء أيّاماً، تقول: اللهمّ لا تخفي عليَّ مَنْ قتل أصيلاً، قال عمر: إنّ يعلى كان يقول: كان لها خليلٌ واحد، فقتله هو وامرأة أبيه، فقال حيّ: سمعتُ يعلى يقول: كتب إليَّ عمر: أن اقتلهم، فلو اشترك في دمه أهل صنعاء أجمعون قتلتُهم. قال ابن جريج: وأخبرني عبد الكريم أنّ عمر كان يشكّ فيها، حتّى قال له عليٌّ: يا أمير المؤمنين، أرأيت لو أنّ نفراً اشتركوا في سرقة جزور، فأخذ هذا عضواً، وهذا عضواً، أكنتَ قاطعهم؟! قال: نعم، قال: فذلك حين استمدح له الرأي([29]).

8ـ قال ابن قيِّم: ومن ذلك [أي العمل بالقياس] أنّ الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ جعلوا العبد على النصف من الحُرّ في النكاح والطلاق والعدّة، قياساً على ما نصّ الله عليه من قوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (النساء: 25)… قال عبد الرزّاق: أنبأنا سفيان الثوري وابن جريج قالا: حدَّثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، أنّ عليّ بن أبي طالب× قال: ينكح العبد اثنتين([30]).

9ـ قال ابن قيِّم: لمّا أرسل عمر إلى المرأة فأسقطت جنينها استشار الصحابة، فقال له عبد الرحمن بن عوف وعثمان: إنّما أنت مؤدِّبٌ، ولا شيء عليك؛ وقال له عليٌّ×: أمّا المأثم فأرجو أن يكون محطوطاً عنك، وأرى عليك الدية… وقاسه عليٌّ× على قاتل الخطأ، فاتّبع عمر قياس عليٍّ×([31]).

والشيء الغريب في المقام أنّ هذه الروايات ـ إلاّ ما ورد في حدّ المُسْكِر ـ لم تَرِدْ بسندٍ شيعيّ في مصادر الشيعة الروائية، فهل ذلك إشارةٌ إلى عدم صدور هذه الروايات بنظرهم، لا سيَّما مع ما ورد في الردّ على العمل بالقياس وعلى العامل به ـ كما مرّ جملةٌ منها ـ، أم لمناقشتهم في جهة صدور هذه الروايات، كالحمل على التقية، أو شيء آخر؟ اللهُ أعلم.

وكما ترى فإنّ الاستدلال في هذه الروايات ـ مع غضّ النظر عن المناقشات السندية، حتّى بناء على مسلك أهل السنّة ـ مبتنٍ على القياس الفقهي بوضوحٍ. وهذا أمرٌ صرَّح به المستشرق الآلماني شاخت، حيث قال: إنّك تجد في بعض آراء أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب× الفقهية القياسات الابتدائية التي لم تنضج([32]).

ولعلّ مراده بالنضج هو الاستناد بالقياس والاستدلال به فيما بعد من جانب فقهاء الكوفيين، مثل: أبي حنيفة. وهو كذلك؛ فإنّا لم نجد الاستدلال بالقياس إلاّ موردياً. فالقياس حينذاك ـ بخلاف ما هو المعهود في عهد أبي حنيفة ـ لم يكن قانوناً كلّياً وأصلاً فقهياً يستدلّ بها حين إعواز النصوص أو عدم اعتبارها، فلأجله يمكن أن يُقال ـ كما قال شاخت ـ: إنّ الاستناد إلى القياس في فتاوى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب× وآرائه بشكلٍ ابتدائي.

نكتةٌ

قد ورد في روايةٍ توبيخ الإمام الصادق× أبا حنيفة في استناده إلى القياس في الأحكام الشرعية.

فقد روى الصدوق، بإسناده عن أبي زهير بن شبيب بن أنس، عن بعض أصحابه قال: دخل أبو حنيفة على أبي عبد الله×، فقال: أين أبو حنيفة؟ فقيل: هو ذا، أصلحك الله، فقال: أنت فقيهُ أهل العراق؟ قال: نعم، قال: فبِمَ تفتيهم؟ قال: بكتاب الله و سنّة نبيِّه|‏…

إلى أن قال: ثمّ قال له: يا أبا حنيفة، إذا ورد عليك شي‏ءٌ ليس في كتاب الله، ولم تأتِ به الآثار و السنّة، كيف تصنع؟ فقال: أصلحك الله، أقيس، وأعمل فيه برأيي، قال: يا أبا حنيفة، إنّ أوّل مَنْ قاس إبليس الملعون، قاس على ربّنا تبارك وتعالى فقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾‏، فسكت أبو حنيفة.

فقال: يا أبا حنيفة، أيّما أرجس البول أو الجنابة؟ فقال: البول، فقال: فما بال الناس يغتسلون من الجنابة، ولا يغتسلون من البول؟! فسكت.

فقال: يا أبا حنيفة، أيّما أفضل‏ الصلاة أم الصوم؟ قال: الصلاة، قال: فما بال الحائض تقضي صومها، و لا تقضي صلاتها؟! فسكت‏([33]).

ورُوي أيضاً أنه دخل أبو حنيفة على الإمام الصادق×، فقال: مَنْ أنت؟ قال: مفتي العراق، قال: بِمَ تفتي؟ قال: بكتاب الله…

إلى أن قال: قال أبو حنيفة: ليس لي علمٌ بالكتاب، وإنما أنا صاحب قياس، قال له: أيّما أعظم القتل أو الزنا؟ قال: القتل، قال: قنع الله فيه بشاهدين، ولم يقنع في الزنا إلاّ بأربعة؟!

أيّما أفضل‏ الصوم‏ أم الصلاة؟ قال: الصلاة، قال: فلم أوجب على الحائض قضاء الصوم دون الصلاة؟!

وأيّما أقذر المَنْي أم البول؟ قال: البول، قال: فما بال الله أوجب الغسل منه دون البول؟!([34])

ولكنّ هذا غريبٌ؛ والوجه في غرابته أنّ أبا حنيفة لا يعتقد بجريان القياس في التعبُّديات والحدود والكفّارات، بل القياس في مذهبه دليلٌ في العُرْفيات([35])، فكيف لا يطّلع الإمام الصادق× على اعتقاد أبي حنيفة في مسألة القياس، ثمّ يوبِّخه في ذلك؟! بل كيف أنّ أبا حنيفة نفسه أيضاً لم يَرُدّ على هذا التوبيخ بأنّه لا يقول بهذا القياس، والتوبيخ غيرُ واردٍ على مسلكه؟!

نعم، من الممكن أن نرى ما يُتوهَّم منه استخدام القياس في التعبُّديات والحدود والكفّارات، ولكنّ ذلك للاختلاف في المصاديق.

الهوامش

(*) باحثٌ متخصِّصٌ في مجال علم الكلام والرجال.

([1]) الأصول العامة للفقه المقارن: 306.

([2]) انظر: الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام 3: 185.

([3]) الكافي 1: 56، ح7، باب البدع والرأي والمقاييس.

([4]) المصدر السابق: 57، ح15.

([5]) المصدر نفسه، ح16.

([6]) المصدر السابق 1: 57 ـ 58، ح17.

([7]) المصدر السابق 1: 58، ح18.

([8]) المصدر نفسه، ح20.

([9]) وعلى سبيل المثال انظر: وسائل الشيعة 27: 35 ـ 62، باب عدم جواز القضاء والحكم بالرأي والاجتهاد والمقاييس ونحوها من الاستنباطات الظنّية في نفس الأحكام الشرعية؛ الفصول المهمّة في أصول الأئمة 1: 531 ـ 534، باب عدم جواز العمل بشيء من أنواع القياس في نفس الأحكام الشرعية حتّى قياس الأولوية؛ مستدرك الوسائل: 17: 252 ـ 267، باب عدم جواز القضاء والحكم بالرأي والاجتهاد والمقاييس ونحوها من الاستنباطات الظنّية في نفس الأحكام الشرعية.

([10]) انظر: ابن حزم، الإحكام في أصول الأحكام 7: 929.

([11]) المبسوط 11: 3.

([12]) الإحكام 5: 671.

([13]) إعلام الموقعين 1: 20 ـ 21.

([14]) عن زاذان قال: قال عليّ بن أبي طالب لأبي مسعود: أنت فقيهٌ؟! أنت المحدِّث أنّ رسول الله| مسح على الخفين؟! قال: أوليس كذلك؟! قال: أقبل المائدة أو بعدها؟! قال: لا أدري، قال: لا دَرَيْتَ، إنّه مَنْ كذب على رسول الله| متعمِّداً فليتبوّأ مقعده من النار. كنـز العمال 9: 607.

([15]) وعلى سبيل المثال انظر: تهذيب الكمال 20: 480 ـ 487.

([16]) الموطّأ 2: 842؛ الشافعي، المسند: 286.

([17]) المستدرك 4: 375؛ سنن الدارقطني 3: 112.

([18]) الكافي 7: 215، ح7، باب ما يجب فيه الحدّ في الشراب؛ علل الشرائع ‏2: 539، ح8؛ تهذيب الأحكام ‏10: 90، ح3، باب الحدّ في السكر وشرب المسكر والفقاع وأكل المحظور من الطعام.

([19]) الجصّاص، الفصول في الأصول 3: 280؛ ابن حزم، الإحكام في أصول الأحكام 7: 1012؛ المستصفى: 287.

([20]) الصنعاني، المصنَّف 1: 249.

([21]) سنن الدارقطني 3: 140؛ السنن الكبرى 8: 261.

([22]) انظر: معرفة السنن والآثار 6: 416.

([23]) ابن أبي شيبة الكوفي، المصنَّف 6: 476؛ شرح معاني الآثار 3: 170.

([24]) المحلّى 11: 286؛ تاريخ مدينة دمشق 44: 365.

([25]) الاستيعاب 3: 973؛ المحلّى 11: 286؛ تاريخ مدينة دمشق 44: 365

([26]) تاريخ مدينة دمشق 30: 383.

([27]) المصدر السابق 44: 365.

([28]) السنن الكبرى 1: 157

([29]) الصنعاني، المصنَّف 9: 476

([30]) إعلام الموقعين 1: 160.

([31]) المصدر السابق 1: 165.

([32]) ديباچه إي بر فقه إسلامي: 55.

([33]) علل الشرائع 1: 90 ـ 91

([34]) الصراط المستقيم إلى مستحقّي التقديم ‏3: 211.

([35]) وانظر تفصيل ذلك في: أبو حنيفة، حياته وعصره: 374.

الكاتب الشيخ عبد الله مصلحي

الشيخ عبد الله مصلحي

مواضيع متعلقة

اترك رداً

downloadfilmterbaru.xyz bigoporn.club bok3p.site sablonpontianak.com