أحدث المقالات




الإنسان في فكر الشهيد مطهري وفلسفته

الشيخ محمد حسن زراقط

تساؤلات حول العنوان:

لكل محاولة بحثية فلسفتها وعللها الغائية كما يقول الفلاسفة. ومن هنا، كان لا بد من التساؤل حول الشهيد مطهري أولاً؟ لماذا هو دون غيره من مفكري الثورة وفلاسفتها، وهم أكثر من واحد نظرا لكون تجربة الثورة الإسلامية مبنية على رؤية فكرية إلى الدولة والإنسان بل والكون، وهي لا شك تختلف عما يحيط بها من تجارب إنسانية وغير إنسانية؟ ولماذا الإنسان دون غيره من الموضوعات التي طرقها الشهيد مطهري وهي كثيرة؟

يعرف المهتمون بظاهرة الثورة كواحدة من الوقائع الاجتماعية، أنها ظاهرة اجتماعية تمتد جذورها في الوعي الإنساني مهما اختُلِف في تقييم العمق الذي تصل إليه في تربة هذا الوعي لتغتذي من عناصره وتتغذى على جمر الغضب الذي يمثل وقودا للثورة ودافعاً لها للوصول بها إلى أهدافها. ولكنها ليست على أي حال ردة فعل عشوائية لا تستند إلى منطق يبررها ويذود عن حياضها على مستوى الأفكار والتصورات. والثورة الإسلامية واحدة من الثورات كانت ردة فعل واعية على الانتهاك لكرامة الإنسان الإيراني؛ بحيث جعله هذا الانتهاك يعاني الانسحاق بين مطرقة التسلط الخارجي وسندان الاستبداد الداخلي.

وقبل الثورة وفي بدايات التماس الغربي مع الشرق عامة والعالم الإسلامي خاصة، في ما عرف بعصر النهضة وما يليه، لاحظ المفكرون الإيرانيون والناشطون في الحقل الاجتماعي السياسي أن الوضع القائم في إيران لا يجسد آمالهم ولا يحمل تطلعاتهم، فكان لا بد من نهضة تبدل واقع الاجتماع الإيراني علَّه يلحق بالغرب المتقدم، أو على الأقل تقصر المسافة بين الطرفين. فانطلقت تيارات التغيير تطرح حلولها، فكانت تيارات عدة منها:

1- التيار الوطني:

الذي تمثل بالجبهة الوطنية التي يرأسها مصدق، والتي شخصت وربما من دون تأمل نظري عميق أن مشكلة الاجتماع الإيراني سياسية اقتصادية، فكان الحل الأبرز الذي سعت للوصول إليه هو تأميم النفط ومواجهة الاحتكار الغربي له، وربما استوحت هذه التجربة من تجربة سابقة مشابهة هي تجربة المرجع الشيرازي عندما واجه احتكار الريجي للتنباك الإيراني فحرم تدخينه فما كان من الملك إلا إلغاء الاتفاقية مع شركة الريجي. وعلى الطريقة نفسها سار مصدق فسعى إلى تأميم النفط الإيراني، وطالب بمزيد من الحرية للأمة في اختيار ممثليها في المجلس النيابي والحد من صلاحيات الشاه ليتحول إلى ملك على الطريقة البريطانية أو غيرها من النظم الملكية المشابهة؛ بحيث تكون السلطة التنفيذية في يد آخرين، وهو يملك ولا يحكم. ولكن لم يكن له ما أراد وأطاح بحركته الانقلاب الارتدادي الذي أعاد الشاه إلى سدة الحكم بطريقة أسوأ من السابق.

2- التيار القومي:

إذا أحسنا الظن بنوايا الشاه رضا بهلوي ومن بعده ابنه الذي خلفه، ولا نستطيع، فقد أراد احتذاء التجربة التركية وتحويل إيران إلى تركيا ثانية، وتحويل نفسه إلى أتاتورك آخر. فسعى إلى اقتباس التجربة كما هي وشرع في تقليد الغرب، والسير على خطواته حذو القذة بالقذة، فإذا كان الغرب في نهضته عاد إلى اليونان وعلومها وأدبها وفكرها لينسج على منوالها، فلماذا لا تعود إيران إلى ما قبل الإسلام وإلى الحضارة الفارسية القديمة لتنطلق من جديد، وتعيد مجدها الغابر الذي بَتَرَ مسيرتَه الفتح العربي الإسلامي، على حد زعمه.

وفشلت محاولته أيضا لأسباب عدة يطول شرحها أهمها أن هذه المحاولة التغييرية وسابقتها أخطأت تشخيص الداء كما أخطأت اختيار الدواء.

3- التيار الإسلامي:

يعرف المطلعون على تاريخ إيران المعاصر والقديم وبخاصة الثقافي منه أن الإسلام لم يكن يوما غريبا عن المجتمع الإيراني ولم يتعاط معه الإيرانيون على أنه دين قوم آخرين. ومن أبرز من أكد هذه الحقيقة في عصرنا الحاضر وكشف عنها بالمستندات والبراهين الشهيد مرتضى مطهري في كتابه «الخدمات المتبادلة بين إيران والإسلام».

ومن هنا، لم تخل الساحة الفكرية الإيرانية من دعاة إلى الإسلام بوصفه حلا لمشكلة الاجتماع الإيراني. وآمن هذا التيار بأن المشكلة الاجتماعية السياسية في إيران يتجاذبها طرفان: السلطة والنظام الحاكم من جهة، والإنسان الإيراني من جهة أخرى. فكان لا بد من عمل يطال الطرفين معا، أما النظام والسلطة الحاكمة فمشكلتها تكمن في عدم انسجام الحلول التي تطرحها مع الواقع الاجتماعي المراد تطبيقها عليه، إن لم نقل إنها نفسها هي المشكلة بطابعها الاستبدادي. وأما الإنسان الإيراني، فكانت مشكلته الضياع بين الحلول المعروضة عليه، فلا القومية وتقليد الغرب مقصد من مقاصده وغاية من غاياته، ولا الحرية أو المشكلة الاقتصادية التي اتخذتها الجبهة الوطنية جزءاً أساساً في برنامجها التغييري، تلامس مبتغاه.

ولكن الخيار المطلوب اجتماعيا لم يكن متاحا، فلم يكن الفكر الإسلامي المطروح وقتها بصدد التنظير للتغيير السياسي الاجتماعي، فالظروف لم تكن ناضجة وقتها والآفاق لم تكن مفتوحة. فكان لا بد من تغيير شامل يتجاوز السطح إلى الأعماق، فكانت تجربة الثورة الإسلامية والفكر الحامل لها هي الخيار. وهنا كان للشهيد مطهري الدور البارز في التنظير بعد أن رجح العمل الفكري على العمل السياسي كما يسجل عدد من المتابعين لمسيرته الفكرية[1]. وهكذا كان الشهيد مطهري مفكر الثورة الأبرز، فكتب الكثير واعتلى المنابر محرضا بهدوء يثير العامة ويدعوها إلى «الانحراف» على حد تعبير تقارير جهاز مخابرات النظام المعروف بجهاز السافاك، ولكنها لا تستطيع معه حيلة لإلباسه كلامه لبوس الدين والثقافة بعيدا عن السياسة المباشرة[2].

واشتغل الشهيد مطهري على موضوعات عدة ولكن المحرك الأساس له في أكثر أعماله وكتاباته هو الإنسان، وما يحيط به من أزمات ويعصف به من هموم. ومن خلال استعراض سريع لما كتبه نجد أن كثيرا من كتبه مسكونة بالهم الإنساني. فعندما كتب عن المرأة كتب عن نظام حقوق المرأة في الإسلام، وعن الحجاب بوصفه حقا من حقوقها في وقت كان النظام يجبر النساء على نزع الحجاب، بشكل ناعم أحيانا، وعنيف أحيانا أخرى كما في عهد رضا بهلوي. ويمكن القول إن إبداع الشهيد مطهري الفلسفي على الرغم من سعة اشتغاله في الفلسفة، يتمثل بأنه أخرج الفلسفة الإسلامية من كونها بحثا عن الوجود بما هو وجود أو موجود[3]، إلى مقاربة الموضوعات التي تمس الإنسان كما درجت الفلسفة الحديثة والمعاصرة على مقاربته من موضوعات.

 

الإنسان في فكر مطهري:

من المناسب قبل التعرض للحديث عن تصور الشهيد مطهري للإنسان، الحديثُ عن الخصائص العامة لهذا التصور ويمكن الإشارة إلى مجموعة من الخصائص هي:

1- المرجعية الفكرية والثقافية:

يستند الشهيد مطهري في تكوين رؤيته إلى الإنسان على القرآن وآياته، وعناصر هذا اللجوء إلى القرآن تتجلى في عدد من دراساته، منها دراسته المترجمة بعنوان الإنسان في القرآن التي يستكشف فيها موقع الإنسان في النظرية القرآنية لينتهي إلى أن الإنسان:

1-  خليفة الله في الأرض اعتمادا على قوله تعالى: }وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ{[4].

2-  وإلى أن الإنسان حر في اختيار تحمُّل أمانة الله وتصديه لحفظها، من خلال قوله تعالى: }إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا{[5].

3-  تمتع الإنسان بكرامة ذاتية مستمدة من أصل الخلقة الإلهية له، وعدم كون هذه الكرامة اعتبارية مستمدة من القوانين، بل القوانين والتشريعات الإلهية والبشرية يجب أن تتأسس وفق التكريم الإلهي للإنسان في عالم التكوين، وذلك لقوله تعالى: }وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً{[6].

إلى غير ذلك من التفاصيل التي أوردها في هذه الدراسة وغيرها من الدراسات[7] وسوف نشير إلى بعض تفاصيلها.

2- التجديد:

السمة الثانية التي تتميز بها رؤية الشهيد مطهري حول الإنسان هي سمة الجدة في الموضوعات التي يطرقها كما في المنهج والأسلوب، أما على مستوى الموضوعات فقد طرق في مجال الإنسان موضوعات لم تطرق من قبله إلا لماما، حيث كتب حول المجتمع والتاريخ في القرآن، كما كتب حول حقوق المرأة في الإسلام، وكتب عن العدل في مجالات مختلفة، كما عن نظرية الدولة وغيرها من الموضوعات. وأما الجدة في المنهج فهي في طريقة معالجته للموضوعات التي عالجها. مثلا: كان التصور الدائم يقوم على مراعاة الاحتياط في الفتوى للحفاظ على الحد الأعلى من الالتزام بالحكم الشرعي، فإذا وجب على المرأة أن تستر رأسها بالحجاب طلب الفقيه ولو من باب الاحتياط من المرأة ستر الوجه أو شيء منه لضمان التزام المرأة بستر المقدار الواجب. وأما الشهيد مطهري فقد نظر إلى هذه المسألة من باب آخر، فرأى أن إلزام المرأة بما لا يلزم سوف يثقل عليها ويشعرها مع العجز عن الالتزام بغطاء الوجه إلى أنها تعصي الله في كشفها لوجهها، وما دامت في حالة معصية فلماذا لا تعصي في ما هو أكثر من كشف الوجه وهو كشف الرأس أيضا ما دامت المعصية قد وقعت. ومن هنا، دعا الفقهاءَ إلى التدقيق في الآثار السلبية لاحتياطهم في الفتوى في عصر يوصل الاحتياط فيه إلى غير المبتغى منه.

3-    الأصالة:

على الرغم من الجدة والابتكار الذي يتجلى في مفاصل عدة من تصور الشهيد مطهري ونظرته إلى الإنسان، إلا أن أنه بقي ضمن الإطار الديني ولم تبهره كل النظريات التي استوردها المفكرون الإيرانيون وغيرهم من الشرقيين من الغرب. بل واجه هذه النظريات تحت عنوان ما يعرف في الأدبيات الإيرانية بالالتقاط؛ أي التلفيق ومحاولة الجمع بين الإسلام والنظريات الغربية وفي حال التعارض التضحية بما لا ينسجم مع الفكر الغربي من المقولات الإسلامية، لمصلحة الفكر المستورد.

 

عناصر رؤية مطهري إلى الإنسان:

1- الحرية:

تمثل الحرية ركنا من الأركان التي  تبنى عليها نظرة الشهيد مطهري إلى الإنسان وتتجلى الحرية الإنسانية في بعدين البعد التكويني الذي أشرنا إليه قبل قليل وذلك في قدرة الإنسان على الاختيار بين الخير والشر وتحمله مسؤولية الأمانة التي أوكلها الله إليه لخلافته في الأرض. والبعد الثاني هو الحرية بوصفها ضرورة يجب على النظام الاجتماعي أن يحميها ويرعاها؛ ويصرح بهذه الفكرة في موارد عدة من كتبه منها إصراره في الأيام الأولى من انتصار الثورة أو قبلها بقليل، على قضية الحرية بوصفها ركنا من أركان النظام الجديد، مستندا إلى قوله تعالى: }لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ{[8]. ويخاطب مواطنيه من المسيحيين ويطمئنهم على حقهم في التعبير عن آرائهم دون أن يخشى أحدهم على شيء ولا يكلفهم إلا الصراحة في التعبير عن أفكارهم وعدم محاولة خداع الناس أو خداع مواطنيهم من المسلمين أو غير المسلمين. ويخاطب الشيوعيين الذين كان خصما صريحا لهم دون أي مواربة ويقول إن مشكلتنا معكم ليست شيوعيتكم مشكلتنا معكم أنكم لا تصرحون بمبادئكم، بل تحاولون استغفال الناس وتعرضون أفكاركم باسم الإسلام. بل يذكر بمواقفه في كلية الإلهيات وهو مدرس الفلسفة الإسلامية، عندما كان يطالب بأن يدرس الفلسفةَ الماركسيةَ رجلٌ من أهل الاختصاص ومن الماركسيين الأصليين ويقدم فكره، ثم يدرس هو الفلسفة الإسلامية في مواجهة الماركسية وليتبن الطلاب ما يقنعهم ويملأ عقولهم سواء كان الإسلام أم الماركسية.

بل يرى أن الحرية شرط للوصول إلى الخيارات الصائبة في مجال العمل السياسي كما في مجال التربية والتنشئة الأسرية، حيث يقول: «في مجال الاجتماع الإنساني تصدق القاعدة نفسها (أي قاعدة ترك الإنسان لتجربة حرية الاختيار) فمن حق الأمة على قياداتها أن يتولوا هدايتها، ولو أَهملت القيادة هذا الواجب لضلَّت الأمة. ولكن في المقابل لو أرادت هذه القيادة أن تسلب حرية الاختيار من الأمة خوفا عليها واعتقادا منها بأن الأمة ليست مؤهلة لممارسة حريتها، حتى لو كان هذا عن حسن نية وحتى لو كان تقييم هذه القيادة للأمة صحيحا، فإن هذه الأمة سوف تبقى إلى الأبد غير مؤهلة ينقصها النضج والرشد السياسي والاجتماعي. في الانتخابات للهيئات والمجالس السياسية والبرلمان أو غيره، لنفرض أن الأمة ليست مؤهلة لاختيار الأصلح، وأراد أحدهم أن يمارس هذا الدور بحسن نية وكان تشخيصه للأصلح دقيقا، لا يصح منه الانتخاب نيابة عن الأمة أو إجبار الأمة على انتخاب من يراه هو الأصلح. والطريقة الأصوب بل الطريقة الصائبة هي أن يدعوَ من يريد الترشح لمنصب ما، الناسَ إلى نفسه ويبقى الناس في حيرة إلى مدة ليقارنوا بين المرشحين ويختاروا الأصلح دون إجبار من أحد. ولو اخترنا الطريقة الأولى حتى لو كان اختيار الأكثر وعيا ونضجا هو الصائب، فإن مثل هذه الأمة غير الرشيدة سوف تبقى غير رشيدة إلى الأبد وسوف تبقى محتاجة إلى من يأخذ بيدها ويختار لها من يمثلها.

الحراك الاجتماعي والسياسي للأمة أشبه ما يكون بالسباحة هل يمكن أن يتعلم الإنسان السباحة على اليابسة وننتظر حتى يتعلم لينزل إلى الماء؟ لا يراهنَّن أحد على حصول هذا الأمر، بل لا بد من تعلم السباحة في الماء وابتلاع الماء مرات ومرات والخوف من الغرق حتى نتعلم وفق قانون التجربة والخطأ. وهذا هو معنى الحرية المطلوبة في مثل هذه المجالات.

إذا، للوصول إلى النضج الفكري لا بد من الترك للتجربة ولا يمكن الوصول إلى النضج من خلال سلب الحرية خشية وقوع الأمة في الخطأ واختيارها ما لا يتوافق مع مصلحتها»[9].

2- الكرامة الذاتية للإنسان:

يتمتع الإنسان في رؤية الشهيد مطهري له بكرامة ذاتية بأصل الخلقة استنادا إلى ما أشرنا إليه آنفا من قوله تعالى: }وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً{. وعلى الرغم من إيمانه بأهمية الدين وموقعه في رفع الإنسان إلى الأعلى، وإيمانه العميق بأن الإسلام هو الدين الحق الذي يجب على الإنسان أن يسعى للوصول إليه، وكذلك تمييزه بين حرية المعتقد وحرية الفكر وتسجيله الاعتراض على البيان العالمي لحقوق الإنسان لمساواته بين حرية المعتقد وحرية الفكر[10].

على الرغم من ذلك كله، فإن له مواقف فكرية من الإنسان تكشف عن رؤية متسامحة تعترف للإنسان بكرامته الذاتية حتى لو اختلف في الدين، فضلا عن الاختلاف في العرق أو غيره من أنواع الاختلاف، ومن ذلك موقفه من مصير غير المسلمين في الآخرة في مقام الحديث عن تعريف الكافر، حيث يقسم الشهيد مطهري الكفر إلى نوعين نوع يتضمن العناد وهو ما يسمى بالجحود وهذا لا يعذر صاحبه، ونوع آخر وهو الناتج عن الجهل و»عدم المعرفة الناتجة عن غير تقصير من قبل المكلف فهي تقع موقع عفو ورحمة الله سبحانه.»[11] ثم بعد توضيح طويل ينتهي إلى أن الكافر الحقيقي هو من ينكر الحق عن عناد رغم المعرفة به، وبعد نقله لعبارة عن الفيلسوف الفرنسي ديكارت يقول فيها: إنه يؤمن بالمسيحية بعد أن وجدها أفضل الأديان التي تعرف عليها، ولكنه لا يستطيع القول بأنها الأفضل على الإطلاق وذلك لوجود بعض الأديان التي لا يعرف عنها شيئا ويذكر ديكارت إيران مثالا للبلد التي لا يعرف عن دين أهلها شيئا.

يعلق الشهيد مطهري على هذه العبارة قائلا: «فأشخاص كديكارت لا يمكن تسميتهم بالكفار؛ لأن هؤلاء لا  يتصفون بالعناد ولا يخفون الحق، وليس الكفر إلا العناد وتغطية الحقيقة. هؤلاء مسلمون بالفطرة وإذا كنا لا نستطيع تسميتهم بالمسلمين فنحن أيضا لا نستطيع تسميتهم بالكافرين…»[12]

وفي مورد آخر يقول الشيخ الشهيد مرتضى مطهري حول المؤمنين بالمسيحية: «عندما تنظرون إلى  المدن المسيحية والقرى والرهبان ورجال الدين فيها. فهل أن كل راهب فاسد وإنسان سيئ؟! والله، إن بينهم نسبة السبعين إلى الثمانين في المائة منهم أشخاص أتقياء يملكون حسا إيمانيا وإخلاصا وكم علموا الناس التقوى ونشروا الصلاح والإخلاص والطهارة باسم المسيح ومريم، ولا ذنب لهؤلاء الناس، وسوف يدخلون الجنة، وأساقفتهم كذلك أيضاً. إذن لا بد من التمييز بين رجال الدين الفاسدين وبين أكثرية المبشرين المخلصين من أتباع المسيح»[13].

3- الحق في العدالة:

يمثل العدل واحدا من الهموم الفكرية للشهيد مطهري على المستوى العقدي كما على المستوى الاجتماعي، وأما على المستوى العقدي فتكفي الإشارة إلى رائعته «العدل الإلهي» الذي يمكن عده بحق أهم ما كتب في العقود الأخيرة في مجال البحث حول العدل الإلهي في مجال علم الكلام، أو ما بات يصنف اليوم في دائرة فلسفة الدين تحت عنوان «مسألة الشر». وبما أننا بصدد الحديث عن الإنسان في فكر الشهيد مطهري فسوف ننتقل إلى تصوره للعدالة الاجتماعية. يرى الشهيد مطهري أن أحد أهم الأركان التي تقوم عليها الدولة الإسلامية هي قضية العدالة الاجتماعية. ويعلن تصوره لها على النحو الآتي: «وبالنسبة لمستقبل ثورتنا الإسلامية إن أهم التحديات التي تواجهنا هي العدالة الاجتماعية، والسؤال الذي يلح على أذهاننا، ولا بد من تحديد الموقف النظري منه هو: ما هو تصورنا للعدالة الاجتماعية؟ وأي معنى نفهم من هذا المصطلح عندما نستخدمه في أدبياتنا الثورية والفكرية؟»[14].

ثم يبدأ بعرض التصور الماركسي للعدالة الاجتماعية، فيرى أن العدالة التي تسعى إليها الماركسية هي عدالة ظاهرية تؤدي إلى تحقيق العدالة من خلال إفراغ جيوب الشعب لمصلحة الغني الأكبر الذي هو الدولة[15].

والنموذج الذي يسترشده الشهيد مطهري في العدالة الاجتماعية هو النموذج العلوي الذي يقوم على قاعدة استفادة الأمة بجميع أفرادها من مصادر الثروة العامة، وهي في ذلك سواء في الحقوق والواجبات في العقوبات والمثوبات، ويختصر تصوره للعدالة باستشهاده بقول أمير المؤمنين عندما ارتقى سدة الخلافة وأعلن برنامجه الإصلاحي المتضمن لمجموعة من الشعارات أهمها: «وَاللهِ لَوْ وَجَدْتُهُ قَدْ تُزُوِّجَ بِهِ النِّسَاءُ، وَمُلِكَ بِهِ الاِْمَاءُ، لَرَدَدْتُهُ; فَإِنَّ في العَدْلِ سَعَةً، وَمَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ العَدْلُ، فَالجَوْرُ عَلَيْهِ أَضيَقُ!»[16].

 

الهوامش:

[1] رسول جعفريان، التيارات والمنظمات الدينية السياسية في إيران، بدءا من عصر محمد رضا شاه حتى انتصار الثورة،  ط6، المؤلف، قم،  1385هـ. ش.، 257. (فارسي).

 [2] المصدر نفسه، ص 260، حيث ورد في أحد التقارير الأمنية: “المشار إليه (مطهري) يشارك في ندوات دينية عدة بدءاً من عام 42 في طهران وغيرها ويصرح بكلام مضلل ومهين للنظام، ولكنه يغلف كلامه بغلاف ديني وتحت عنوان الحديث عن تاريخ الإسلام”. نقلا عن: الأستاذ مطهري برواية السافاك، ص 254.

 [3] السيد محمد حسين الطباطبائي، بداية الحكمة، مؤسسة أهل البيت، بيروت، 1986، ص5.

 [4] سورة البقرة: الأية 30.

 [5] سورة الدهر: الآيتان 2 و 3.

 [6] سورة الإسراء: الآية 70.

 [7] لمزيد من التفاصيل، انظر: مرتضى مطهري، الإنسان الكامل؛ والتكامل الاجتماعي في الإسلام، ط3، دار الهادي، 2000.

[8] سورة البقرة: الآية 265.

[9] مرتضى مطهري، قيم النهوض: الحرية العدالة الاستقلال الوطني، تعريب: محمد حسن  زراقط،معهد المعارف الحكمية، بيروت، 2007، ص42-43.

[10] المصدر نفسه، ص30.

[11] مرتضى مطهري، العدل الإلهي، ترجمة محمد عبد المنعم الخاقاني، بيروت، دار التعارف، 1981، ص330.

[12] المصدر نفسه، ص336.

[13] مطهري، مجموعة الآثار، ط4، قم، صدرا، 1374 هـ. ش.، مج 3، ص 439.

[14] قيم النهوض، مصدر سابق، ص75.

[15] انظر: المصدر نفسه، ص77.

[16] الإمام علي بن أبي طالب، نهج البلاغة، قسم الخطب، الخطبة 15.

 

 

 

Facebook
Twitter
Telegram
Print
Email

اترك تعليقاً