التسارع والتباطؤ وإنتاج المعارف

إيمان شمس الدين

“نحن مستعدون لتخفيف السرعة لاستعادة السيطرة على مسار الأحداث”

الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني هارتموت روزا

تشخيص المقدار في كل حركة يعتمد على دقة الشخص ووعيه، وتشخيصه لأهمية كل حركة ودلالاتها ومآلاتها وتداعياتها، قد يقول البعض أن هذه الدقة والتعاطي الشمولي أمر صعب، وفيه تضييق وتشديد على الإنسان.

فالتباطؤ الذي يطرحه هارتموت روزا ناظر إلى الحركة الديناميكية في النمو وخاصة الاقتصادي منه في الغرب، والتي تعتمد على تسارع الإنسان ضمن نطاق زمني ضيق ليحقق أكبر حجم من النمو الاقتصادي، وهو ما أفقده لحظة الوعي للذات، وأدخله في دوامة الوقت والعمل والتشييء، قد تصل حالة التسارع إلى اغتراب الإنسان عن ذاته وعن وعي محيطه بشكل واقعي.

لكن سأستغل مفهوم التسارع والتباطؤ في بعده الابستمولوجي (المعرفي)، والذي يعتبر استغلال منهجي يشكل قبلية معرفية من الناحية المنهجية في فهم حركة التسارع والتباطؤ في النمو وفي أبعاد أخرى.

وأعني هنا بالذات النخب والمفكرين المعنيين بصناعة المعرفة وإنتاجها، وما يترتب على هذه الصناعة والإنتاج من تداعيات على مستوى السلوك الاقتصادي والسياسي والاجتماعي. فالمصنع الجيد ينتج بضاعة جيدة وذات جودة عالية، يصبح لها سمعة اقتصادية وسوقية تزيد من نسبة استهلاكها وربح المصنع، والمصنع السيئ ينتج سلع سيئة ذات جودة رديئة، وبالتالي يكون صدى استهلاكها ضعيف، أو يكون مستهلكها من بيئات فقيرة، لا يهمه جودة المنتج بقدر ما يهمه سعرها الزهيد، لذلك يكون عرضة للاستغلال والغش بل قد يعرض صحته وحياته للخطر، لعدم جودة السلعة وضمان نسبة أمان صحي عالية من حيث الجودة الصحية وأهليتها للاستهلاك البشري، خاصة في الدول التي لا يوجد عليها رقابة قوية على جودة المنتجات وأهليتها للاستخدام البشري.

وكذلك المعارف، لكن تختلف المعرفة في كونها تشكل بنية الإنسان الفكرية، وهي التي تدعم وعيه وتبني أسسه، وهي التي توجه سلوكه ليدرك ويميز بين السلع الجيدة والرديئة.

المعرفة:

تعتبر المعرفة السلاح الأول في الصفوف الأمامية التي على كل إنسان التسلح بها، لأن الإدراك ووعي الإدراك بالمحيط والذات والوظيفة يحدد سلوك الإنسان في محيطه وعلاقاته، بل يؤسس لمنظومة الحقوق الواجبات، ومنظومة القيم والمعايير والقوانين التي تنظم حياة الفرد والمجتمع في محيطه.

وكما هو معروف أن للمعارف مصادر تستقى منها، هذه المصادر كفيلة بفهم طبيعة هذه المعرفة وقيمتها ومدى مطابقتها للواقع الخارجي، أي صدقها. وتكمن أهمية التركيز على المصادر والتحقق منها وتشخيص قيمتها في أنها القاعدة التي تشكل بنية فكر الإنسان وتحدد مسارات سلوكه وبناه المعرفية، وهذا يدفعنا لسؤال المعرفية وكيفيتها ومنهجها.

التباطؤ والتسارع المعرفي:

ان لكل شيء وزن وقيمة وصدى في هذا الكون، خاصة أن الإنسان حسي الطبع، وأغلب معارفه تتحقق بواسطة الحواس، فيكون اللفظ والمعنى والدلالة وما ينشئ عنه من تصورات في الذهن ويخلق دافعية في النفس للعمل، يكون ذا أهمية كبيرة يحتاج إلى إفراد جهد خاص في بنيته ودلالاته، وما ينشئ بالتالي عن نظمه في خطاب من دلالات معنوية وتصورات ذهنية وأفعال واقعية خارجية مترتبة عليه.

 فلكل لفظ دلالة ومعنى وبالتالي صورة وفعل، لذلك كان الكلام من أخطر وسائل التواصل وأهمها، تكمن خطورته في صياغته كألفاظ لها دلالات ومعاني في جمل، وأهميته فيما ينتج عن هذه الصياغة من تصورات ذهنية تشكل منظومة السلوك والفعل الإنساني في المجتمع.

وماذا يعني ذلك؟

يحتاج الإنسان للبحث ليجيب على مجموعة تساؤلات قد تكون نتاج حراكه في محيطه ونتاج ملابسات واقعه، وهنا يسير الإنسان في عدة مسارات ليجيب على الأسئلة لتتشكل لديه وفق هذه الإجابات معطيات وتصديقات تتحول إلى معارف وأفكار ومعتقدات تحدد سلوكه ومنهجه وما يعتقده، ويحدد مساره في المحيط.

فهو في مسيرته البحثية يذهب من المجهول إلى المعلوم ومن المعلوم إلى المعلوم ومن ثم من المعلوم إلى المجهول ليجيب عن تساؤله.

فالواقع الخارجي يطرح عليه تساؤلات عديدة يجهل إجابتها، بل قد تكون تجاربه المعرفية الخاصة تطرح عليه تساؤلات تتطلب بحثا للإجابة عنها، هذه الإجابة يسافر خلالها الباحث ويكون سفر الباحثين على عدة أوجه:

  • يبحث خلال ذاكرته المعرفية المخزونة والمتراكمة عبر خبراته وأبحاثه السابقة، ومعارفه المتنوعة المكتسبة والموروثة، ويحاول خلالها الإجابة عن السؤال، وقد يخضع خلال هذه الرحلة لتحيزاته المعرفية أو لمعتقداته الخاصة، أو لبيئته ومحيطه ومعاداته وتقاليده.
  • يحاول الباحث الخروج من بيئته الخاصة المعرفية والتوسع في الإجابة خارج نطاق منظومته المعرفية والفكرية الخاصة بعقيدته وبيئته وعاداته وتقاليده، ولكن خروجه لا يعني عدم الاستعانة بها، بل هو خروج يراكم هذه الحصيلة، مع حصيلته الجديدة التي يتحصل عليها من البحث في إجابته عن التساؤلات، وأيضا هنا لا نضمن عدم وقوعنا في التحيزات المعرفية، وتطويع الجديد لحساب القديم.
  • باحث يحاول الإجابة على تساؤلاته منطلقا من قيمة صفر معرفيا، لأن لكل زمن تساؤلاته وإشكالياته في زمن التسارع المعرفي، القيمة الصفرية هذه لا تعني أبدا لفظه للثوابت المعرفية، ولا نكرانه لما تحصل عليه من معارف بالدليل القطعي، بل تعني محاولة البحث بأقل قدر من التحيز للوصول إلى أقرب جواب للواقع، والجواب بطريقة القيمة الصفرية أو ما هو أقرب للقيمة الصفرية، قد يعزز قناعات سابقة ومعطيات معرفية لديه، لأنه استند لمناهج جديدة معرفية ومتسلحا بالخروج من معارفه ومحاولا ترصد الإجابة وفق معطيات واقعية، وقارئا الآراء المتنوعة حول التساؤل محل البحث. فتعدد الآراء وتنوعها هو مصداق لجمع العقول إلى عقله الموصى به بالنص الصادر عن المعصوم (عليه السلام).

وهنا لا أنكر أن هناك من الباحثين من يبدأ مساره في الشكل الأول من البحث، لكن يتطور معرفيا ومنهجيا وتتراكم معارفه وآفاقه المعرفية ليصل إلي الشكل الثالث من الباحثين، ومنهم من يختصر طريقه في البحث ليكون من الشكل الثالث، وهكذا، ولا ننكر أن التجارب كمصدر من مصادر المعرفة تركام المعارف وتثريها، وقد تكون في مرحلة من مراحل الباحث عائقا معرفيا يشكل له تحيزا بذاته، وجدار صد لذلك يجب أن تكون التجربة ملهمة من جهة، وكاشفة للجهل من جهة أخرى، ولكنها يجب أن لا تشكل قطعا بذاتها إلا إذا رفدت بمصادر معرفية أخرى قطعية الدليل، فكثير من الباحثين من يجعل من تجربته المعرفية الخاصة، قطعا ويقينا معرفيا، يقطع به طريقه البحثي والمنهجي نحو الحقيقة، وهو ما يترتب عليه تبعات معرفية وبالتالي منهجية وسلوكية من قبل من سيخلفه ويأتي بعده وبالتالي من قبل من سيتبنى رأيه ويحوله لمنهج عملي تطبيقي على مستوى الفرد أو المجتمع أو حتى الدولة والعالم كما سنرى لاحقا.

ويأتي كلامنا هنا في هذه الرحلة التي يسلكها الإنسان في مسيرته البحثية للإجابة عما يجهله، وهل كل الناس تسلك هذا المسار؟ أما هنا من يذهب من المجهول مباشرة دون المرحلة الوسيطة ليجيب عن تساؤله بشكل متسارع؟ وهل الذي يجيب عن تساؤلاته ضمن هذا المسار البحثي عن الإجابات يمتلك الأدوات المنهجية السليمة؟ وهل يخلو بحثه من التحيزات المعرفية؟ وحينما يجيب عن التساؤل هل يجيب عنه كمسلمة يقينية خاضعة لاعتبارات الاجماع والمشهور بحيث تتحول إلى دائرة معرفية مغلقة أمام النقد والتقييم وإعادة النظر؟

وهل النقد والتقييم لا يخضع للتحيزات المعرفية ولاعتبارات ذاتية؟

فعلى سبيل المثال لا الحصر، خاض الغرب معركة طويلة من العصور الوسطى مع الكنيسة، وكان لفهم الكنيسة ومعارفها دورا بارزا في تشكيل البنية المعرفية للمجتمعات الغربية على مدار قرون، وترتب على هذه البنية صناعة أحداث ورؤى سلبت الكثيرين حيواتهم لمجرد الخروج عن مألوف ومشهور الكنيسة وفهمها للكتاب المقدس، حتى في مجال العلوم والطب والمنطق والفلسفة، كانت الكنيسة هي الناطق الرسمي لها، فالأرض محور الكواكب فهي ثابته ويدور حولها الشمس والقمر، وحينما اكتشف القص برونو أمرا خلاف ذلك تم سجنه وتعذيبه ومن ثم حرقه بحجة الكفر، وهنا لي وقفة في التسارع والتباطؤ المعرفي، فمن جهة كان تسارع الكنيسة المعرفي في تبني قطعيات ويقينيات مغلقة غير قابلة للنقد والتبديل حتى مع وجود أدلة، سببا في مسار تسافلي معرفيا واجتماعيا، بل وحتى على مستوى الحريات وكرامات الناس وحيواتهم، هذا التسارع الذي رسم مسارا للأحداث أدى في نهاية المطاف لانقلاب كبير على الكنيسة وتدريجيا على الدين المسيحي برمته، بل على الدين ككل، ومن جهة أخرى هل يعتبر تسارع برونو في الإفصاح عن رأيه دون امتلاكه دليلا على هذه الآراء ومع ثبوت حقيقة ما تبناه لاحقا، هل يعتبر هذا التسارع محمودا؟ نحتاج هنا أن نتأمل قليلا قبل إطلاق الأحكام. فالكنيسة في تسارعها المعرفي دمرت كل السبل بين الناس والدين غالبا، وبرونو في تسارعه المعرفي فتح كوة في جدار الصمت لمن خلفه للتفكير خارج الصندوق، ولكن ومع ذلك هل إطلاق العنان لأفكاره وتأملاته دون إحرازه دليلا عليها، سواء دليل تجريبي أو عقلي منطقي هل يعتبر تسارعا في غير محله، وكان يمكن أن يمارس التباطؤ المعرفي حتي تكون حجته أتم، وبدل مرور سنوات طويلة عليها بعد موته لاكتشاف صحة ما طرحه، كان يمكن أن تختصر هذه السنوات من خلال تعميق تأملاته وتفكيره وإحراز أدلة تجعل للحقيقة مكانا في عقول وقلوب المحيطين؟

هنا لا يمكننا الجزم في موضوع برونو، ولكن في موضوع الكنيسة كان التسارع المعرفي سببا في تدمير علاقة الناس مع الدين، وفي تأخر كثير من العلوم أزمنة طويلة فوتت على البشرية فرصا للازدهار والنمو، وتأخرت عجلة التطور والنهضة قرون نتيجة التسارع المعرفي الذي حدد مسار الأحداث قبل التأمل في التداعيات والمآلات. الفرق بين تسارع برونو وتسارع الكنيسة، هو في نوعية المعارف، فبرونو امتلك حقيقة ثبتت بعد قتله بسنوات لكنها حقيقة لم يمتلك عليها دليل فهو سلك منهجا معرفيا خارج صندوق معتقداته وعاداته وتقاليد الكنيسة، وخارج المسلمات الاجتماعية والمعرفية العامة، لكنه في ذات الوقت تسرع في إعلان ما لديه قبل إتمام الدليل عليه، وقبل إخضاعه لمزيد من التعميق، ورغم ثبوت صحته بعد مدة زمنية طويلة، إلا أن إثبات هذه الصحة جاء من خلال التدليل عليه بأدلة أخضعت هذه المعرفة للتجربة، وأرفدتها بأدلة كشفت الزيف بشكل قطعي، فلمجرد مخالفتها للإنجيل ” الكتاب المقدس”، ومجرد أن يعبر الإنسان عن فكرة خارج الإطار المألوف، فهو حق له في التفكير الحر دون أن يعتبرها مسلمة مغلقة خارجة عن النقد. وقس على ذلك كثير من العلوم والمعارف التي تسارع أصحابها في تحويلها لقناعات ويقينيات مغلقة أخرت مسار البشرية أو حرفت مسارها، وتسبب ذلك في تقويض العدالة وهدر كرامة الإنسان.

فمسيرة الغرب المعرفية والتي كانت كرد فعل على العصر الكنسي في القرون الوسطى، وتحولاتها في عصر التنوير، وما طرح من قبل كثير من الفلاسفة أثر لاحقا على بنية الدول المعرفية وعلاقتها مع الدين والطبيعة والإنسان، أي في الرؤية الكونية، وفي تشخيص مصادر المعرفة التي تدريجيا أخرت الدين والغيب والعقل من هذه المصادر، وصلت بالغرب اليوم إلى التشيئ، تشييئ كل شيئ حتى الإنسان، وأخضعت نظمها الأخلاقية للنسبية والنفعية، والتي تجلت في أمة كورونا بشكل واضح، حينما تركت كبار السن ليواجهوا الموت دون أدنى مساعدة. وهنا لا أعني أن كل نتاج الغرب نتاج سلبي، ولكن البنية الفلسفية قامت على أسس مادية جاءت نتيجة التسارع المعرفي الذي تولد كرد فعل على كل ما هو ديني، وأقصت نتيجة ممارسات الكنيسة السلبية غالبا، الدين كمصدر معرفي هام يمكن الاستفادة منه، ومن ثم تسارعت بشكل يتمثل فيه طغيان الإنسان وإعجابه بنفسه وإنجازاته حتى في نتائجها البحثية المعرفية والفلسفية حول الوجود والكون والله، هذا التسارع الشديد حتى في نمط الحياة، أفقدهم نقطة ارتكازية في المعارف، وهي وعي الذات، ومحاولة الخروج من هذه التجربة بالاستفادة الإيجابية منها دون تحيز، ووعي الذات نقطة ارتكازية في الانطلاق لوعي المحيط، وفقدان هذا الوعي على ضوء التجربة المحيطة، ومحاولة فهم أسباب التجربة وتداعياتها وتمحيص نقاط ضعفها وقوتها، قد يفقد الباحث اتزانه المعرفي ويوقعه في التحيزات العميقة معرفيا، والتسارع أيضا يتمثل في من تأثر بالتجربة الغربية وانبهر بها، ولم يمارس التباطؤ المعرفي قبل أن يتبنى منتوجها المعرفي، منطلقا من عقدة نفسية تمثلت في استبداد أنظمته السياسية، وتراجع المؤسسات الدينية غالبا في أداء دورها كما يجب، وفي تشابك الفقر مع الجهل مع الاستعمار، مما دفعه دفعا تحت ضغط الكولونيالية المعرفية إلى التسارع المعرفي نحو الغرب، والمعارف لا يمكن أن تتحصل بالانبهار ولا بردود الفعل، ولا بالضغوط الخارجية، لأن أصل المعرفة الحقيقية يكمن في التباطؤ والتأمل والتفكر والتعقل الطويل، ورصد الأدلة من كافة مصادر المعرفة دون إقصاء مصدر حتى لو كان باعتقادي مصدرا ضعيفا.

ويعتبر يورغن هابرماس على سبيل المثال من العلمانيين الذين نادوا بشكل عنيف لتحييد الدين عن الدولة في القرن الماضي، إلا أنه مؤخرا بعد نقد وتقييم الحداثة، أي ما بعد الحداثة، وجد أن الكنيسة والمتدينين يمكنهم أن يقدموا رؤى تساعد في تقنين قوانين تخدم الإنسان والمجتمع، وكونهم مكون هام من مكونات المجتمع فلهم الحق في هذه المشاركة، وقد طرح “هابرماس” تساؤلا مهما حول ذلك قائلا: هل السلطة السياسية ممكنة بعد استكمال القانون الوضعي، هذه السلطة التي لا تستند مشروعيتها لا من الدين ولا من أية ما بعد ميتافيزيقيا؟ ويكمل قائلا:” حتى وإن أقر المرء بهذه المشروعية، فإن الشك يبقى على المستوى الانفعالي ويكمن هذا الشك في التساؤل ما إذا كان في الإمكان تعزيز أسس الحياة المجتمعية المتعددة عن طريق خضوعها إلى خلفية معيارية متفق عليها شكليا في أحسن الأحوال، يعين خضوعها إلى نمط عيش معين. ويمكن القول حتى وإن تفهم اللائكية[1] الثقافية والمجتمعية كصيرورة تعلم مزدوجة، يكون في حاجة لها أتباع تقاليد الأنوار والتعاليم الدينية على حد سواء للتفكير في حدود تخصصهما[2].

هذه المراجعة المهمة التي قام بها “يورغن هابرماس”، حول دور الدين والمتدينين في الحياة السياسية، وفي التضامن الاجتماعي وسن الدولة لقوانين خادمة لكل مكونات الدولة، هي مراجعة منهجية لتجربة طويلة في ظل دولة علمانية شاملة، وصل فيها إلى قناعة مهمة مؤخرا أقر فيها عن ضرورة الاستفادة من الدين والمتدينين في الدولة. فبعد التسارع في اتخاذ مسارع معرفي محدد في رؤيته الكونية التي أقصت الدين كمصدر معرفي هام للتقنين، عاد التباطؤ مجددا يطل بإرسه بعد مراجعات وتجربة ميدانية طويلة كشفت عن قصور وخلل في ذلك التسارع المعرفي، أدت لتراجع وإن بشكل بسيط، لتضم مجددا الدين كفكرة يمكن الاتكاء عليها في التقنين وخدمة المجتمع، ولكن هذا التسارع كم دفعت البشرية المتعاقبة ثمنا له من ذاتها ووجودها وحيواتها، خاصة من شخصية تعتبر من المدرسة الفرانكفونية التي تؤثر في قرارات الدولة وترسم لها فلسفتها؟

وهذا لا يعني أيضا عدم وجود تسارع في المؤسسات الدينية وفي المدارس الدينية والإسلامية والعربية الشرقية، فهذه سمة إنسانية لا تخص إنسان دون غيره، وكثيرة هي الشواهد على التسارع المعرفي وأهمها رفض كثير من الإسلاميين والعلماء لكل منتج الغرب المعرفي رفضا مطلقا حتى قبل الإطلاع عليه وفحصه والتنقيب في عمقه، بل تسارع الكثيرين في رفض نظيرة داروين دون حتى محاولة دراسة للعلوم ونشأتها وتطور هذه النظرية وملابساتها ونقاط ضعفها وقوتها، وكان لهذا أثر كبير في تراجع جيل من الشباب عن الدين، وفي ترك الكثيرين إيمانهم بالله، بسبب سلوك الكثيرين المعرفي السلبي اتجاه العلم واتجاه الغرب، بغض النظر عن ملابسات وأسباب هذا الرفض، لأننا بالأصل نتحدث عن المعارف التي يجب أن لا تكون خاضعة لردود الأفعال ولا للتجارب السلبية أو المحيط البيئي الخاص والعام. وأيضا التسارع يتمثل في التكفير وفتاوى التضليل التي يطلقها كثير من علماء الدين على من يخالف المشهور والمألوف، حتى لو كانت مخالفاته المعرفية تمتلك الدليل والبرهان، وعلى من يختلف معهم في المنهج والنتيجة، بل هناك حرب معرفية بين العلماء والمثقفين يتراشق أغلبهم فيما بينهم تراشقا إقصائيا، فكثير من العلماء يسفهون المثقف ومنتجه المعرفي، وكثير من الثقفين يستهزؤون بالدين والعلماء ويقصون معارفهم كمصدر، وهذا التسارع تذهب ضحيته الحقيقة والناس الذين يجب أن يشكل كل باحث لهم منطقة الأمان وطوق النجاة من الجهل، لا أن يكون بتسارعه المعرفي سببا لمزيد من الجهل والتضليل والانتكاس القيمي، والتراجع في مستوى العدالة والكرامة الإنسانية.

فنحن أمام مسارات عديدة تتطلب تشخيص دقيق وتأمل وتفكر وتدبر في تحديد متى يتم التسارع المعرفي، ومتى يكون التباطؤ. ويخضع كل من التسارع والتباطؤ لعدة عوامل بعضها ذاتي وبعضها خارجي في مسار عملية التفكير والكسب المعرفي.

ومن أهم وأبرز العوامل التي تؤثر في مسار المعارف هو التحيزات المعرفية، والتي تؤثر في كل من التسارع والتباطؤ، ولكن تأثيرها يكون بدرجات متفاوتة، وباتجاهات قد تكون أحيانا متعاكسة.

إن المشكلة التي يعاني منها الإنسان اليوم هي التسارع، خاصة التسارع المعرفي، والذي يؤثر في صناعة الحدث ومساره، حيث فقد الإنسان قدرته على ضبط توقيت هذا التسارع، وفهم متى يمكنه أن يتسارع في نشاطه، ومتى يحتاج إلى التباطؤ، نحن نحتاج للتسارع في النهضة والتنمية، لكن يسبقها تباطؤ في المعرفة وفهم الذات والمحيط، لأن الفهم والإدراك والمعارف هي التي تحدد شكل التنمية والنهضة وآلياتها والأهداف المرجوة منها، أي تحدد مسار الأحداث ومآلاتها، لذلك التباطؤ في المعرفة وفهم قريب للواقع يحقق لنا فهم موقع الإنسان وقيمته في كل حركة ومسار حدث.

التباطؤ المعرفي يحدد لنا من هو الإنسان، وما هي وظيفته، وكيف يمكنه أن يعرف وماذا عليه أن يعرف، وكيف يحقق معارفه في الخارج في دائرة تتحكم بها العدالة والكرامة، إنه باختصار التأمل الفريد والتحكم في المعرفة وإتقانها، فالتأمل والتفكر أدوات معرفية تحقق نوع من التباطؤ للتدقيق والتعميق البحثي للوصول إلى نتيجة محكمة في مبانيها، تحدد الأحداث ومسارها وفق معطيات أقرب للواقع منها للخيال والوهم. هذا التباطؤ يعطي مساحة كبيرة للعقل للتأمل، والخروج من تحيزاته المعرفية سعيا لفهم الواقع خارج حدود ذاته ومحيطه، ومدركاته القبلية، ومن خبراته المتراكمة نتيجة تجاربه التي أكسبته ألوان معرفة دفعته للتعميم وخلقت لديه حواجز نفسية من معارف أخرى، فالتجربة على سبيل المثال من مصادر المعرفة المهمة، وتجربة الإنسان الاجتماعية وفي علاقاته مع المحيط والمعرفة، تعطيه خبرات مهمة، لكنها أيضا تخلق لديه حواجز نفسية تمنعه من التمرد على تلك التجربة ومحاولة خوضها بطرق أخرى، ودراسة أبعادها، فقد تكون بعض التجارب هي نتاج تسارع معرفي، فتكون مخرجاتها غير متقنة، وتحتاج إلى نوع من التباطؤ حتى يتحصل للإنسان معرفة أقرب للواقع، تمنع خلق حواجز نفسية تمنعه من تشكيل مدركات تؤثر في مساره العلمي والمعرفي ونموه الفكري والعلمي.

التحيز المعرفي:

التحيز هو حصر الشخص نفسه في حيز ومكان مسوّر بسور متميز عن غيره، وهذا هو المعنى الحسي للكلمة، والاستعمال الشائع للكلمة هو استعمالا مجازيا خاصة في المسائل الفكرية والمعنوية، فالتحيز له حقيقة في اللغة ومجاز في الاستعمال.. وهناك علاقة بين التحيز وبين مسألة العدل والهوى، فالتحيز ينبغي أن يكون منه الممدوح والمذموم، فالممدوح هو ما وافق العدل، بحيث تكون قيمة العدل هي الدافع والحافز لتبني المواقف والآراء والأفكار، والعدل ما طابق الواقع، والحق هو ما طابقه الواقع من العدل.. وهناك فرق بين التحيز وبين الرأي الموضوعي على مستوى الواقع من جهة وعلى مستوى الأمل (ما ينبغي أن يكون) من جهة أخرى، والتحيز قد يتعارض أو يتوافق مع الرأي الموضوعي، فالرأي الموضوعي قد ينصب على الحكم على موضوع الكلام، أما التحيز فهو منشئ ذلك الرأي[3].

ولقد أشار الله تعالى في محكم كتابه الكريم إلى مرجعية العدالة كقيمة معيارية كمعالجة لموضوع التحيز، سواء في الحكم أو في القول أو في الموقف، مؤسسا لقاعدة عامة تعالج التحيزات بكافة أشكالها حيث قال جل شأنه في سورة المائدة آية ٨:” يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ”.

والتحيز المعرفي هو مصطلح عام يستخدم لوصف العديد من الآثار الملاحظة في أداء العقل البشري، فالبعض منها قد يؤدي إلى تشويه الإدراك الحسي، والى اتخاذ حكم أو قرار غير دقيق، أو تفسير غير منطقي. هذه الظاهرة العقلية تم دراستها في العلوم المعرفية وعلم النفس الاجتماعي[4].

وهناك من يشير إلى أن التحيز المعرفي يعتبر خطأ في التفكير والتقييم والتذكر، أو إدراك إجرائي يحدث أحيانا نتيجة قناعات وإيمانيات مترسخة، تجعل الفرد يلتزم بها بغض النظر عن أي معلومات مغايرة، والتي قد تكون أكثر عقلانية. مثال ذلك، التحيز التأكيدي، الذي هو ميل للبحث في المعلومات التي تتوافق مع قناعاتنا فقط، فالذاكرة هنا تؤدي غرض التحيز، بحيث أنها وبسهولة تؤثر في كيف وماذا تريد أن تتذكر، فالناس وبشكل جلي يتذكرون المواقف الممتعة وتلك التي تذكرهم بأنفسهم وكم هم مهمين.

إذا التحيز المعرفي هو خطأ في التفكير الذي يحدث عند الناس، نتيجة معالجة أو تفسير معلومة معينة بشكل خاطئ. بمعنى أنه غالبا ما تكون هذه الأخطاء نتيجة محاولتنا لتبسيط معالجة المعلومات على ضوء خبراتنا ومعارفنا التي تشغل حيزا عريضا في أذهاننا، وهنا يكمن التسارع المعرفي في تبني النتائج كمعتقدات نهائية، والتي لا نعلم غيرها وفي الغالب أيضا لا نود معرفة ما يتصادم معها. إنها ببساطة تشكل قواعد أساسية في طريقة تفكيرنا، والتي من خلالها تجعلنا نصيغ ونُكَوّن أفكارنا وتصوراتنا عن العالم من حولنا بالطريقة التي ترسمها لنا، والتي تساعدنا في اتخاذ القرارات بسرعات متفاوتة، لكن مما يؤسف له أن هذه الأفكار والتصورات والتي تفرز وجهات نظر أو قرارات نقوم باتخاذها والتي تبدو لنا عقلانية ومنطقية إلا انها تكون غالبا غير صحيحة[5].

إلا أن إطلاق الحكم بكون التحيز المعرفي خطأ في التفكير، هو تحيزا أيضا باتجاه فكرة أحادية الجانب، كون هناك تحيزات معرفية إيجابية صحيحة، خاصة إذا تطابق التحيز المعرفي مع معيار العدالة، والتأني والتباطؤ في البحث والتنقيب المعرفي والتدليل عليه بأدلة منطقية وعقلانية، بالتالي يكون تحيزا للحق وهو بذاته صحيح وليس مذموما. وغالب التحيزات المعرفية وخاصة تلك المتعلقة بالعقيدة يكون سببها ذاتي في بنية الإنسان الدماغية التي تميل للتبسيط، وتبتعد عن التعقيد، بل تعود أيضا لميل الإنسان للكسل، وهروبه من البحث العميق في الأفكار وتمحيصها والعجلة التي وصفه بها الله في محكم كتابه العزيز حيث قال: ” خُلِقَ الإنسانُ مِنْ عَجَلْ”[6] ، والعجل من السرعة والتسارع وهو عكس الأناة والتباطؤ، وتلاها بقوله “سأوريكم آياتي فلا تستعجلون” والآية هي الدليل القطعي للمعرفة التي يطرحها نبي الله ص، وهو الإنسان المقصود بها النوع الإنساني، فيكون الطريق الأسهل لعامة الناس هو التبسيط والتحيز، للتخلص من أي تعقيدات ذهنية تشعرهم بالاضطراب المعرفي، وتسلب منهم اطمئنانهم المتسالم عليه والمتوارث.

فالرحلة التي يقطعها العقل من المجهول إلى المعلوم، ومن ثم من المعلوم إلى المعلوم والتي تبحر في خضم المعلومات والأفكار التي تختزنها الذاكرة، والتي شكلتها خبرات الشخص، هنا تقع كثير من التحيزات خاصة إذا لم يحاول الشخص الخروج من ذاتياته وأفكاره، ومحاولة البحث عن المعلومات خارج الاطار المعرفي الذي اعتاد عليه، فهو هنا يقع في تحيز شديد الانغلاق، بالتالي وصوله إلى معلوم يكون خاضع لهذه التحيزات، وقد يكون وصولا آمنا صحيحا، ولكن غالبا ما يكون الوصول غير آمن ويرتبط المجهول بمعلوم غير واقعي وغالبا ليس صادقا.

ولكن لو امتلك هذا الشخص في رحلته هذه المعرفية أدلة قطعية على معارفه وعلى نتاج رحلته البحثية، والتباطؤ في فهم الموضوع محل البحث، والتباطؤ هنا يعني التبحر في الآراء حول الموضوع، والآراء المتعارضة والمتوافقة، وبحث معطياته ومفاهيمه ودلالاته، حتى مع عدم خروجه خارج هذا الصندوق، فإن منهجه يكون منهجا علميا لكنه متسارعا، وقد يحتاج هنا للتباطؤ الذي يعني مزيد من التأمل حت فيما لديه من أدلة ومعطيات، من خلال محاولة الإبحار خارج صندوق عقله وأفكاره، هذا التباطؤ يمكنه من تفعيل أدوات المعرفة وتعميق البحث للخروج بمعارف ترفع الجهل من جهة، وترفعه بشكل أقرب للواقع بعيدا عن الوهم من جهة أخرى.

الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله (١٩٣٨ ـ ٢٠٠٨م) عندما استوقفته إشكالية التحيّز عند دراسته للظواهر الإنسانية، اختار المصطلح: “التحيّز”, بالرجوع إلى المعجم اللغوي العربي، وفيه: أن التحيّز يعني الانضمام والموافقة في الرأي وتبنّي رؤية ما، مما يعني رفض الآراء الأخرى. وقد اختار هذا المصطلح ليطلقه على مجال جديد لدراسة ظاهرة إنسانية من صميم المعطى الإنساني، ومرتبطة بإنسانية الإنسان، كما كان يرى، وهي ظاهرة[7]

وضع الدكتور المسيري قواعد أساسية تساعد على فهم التحيّز وتمييزه، وهي:

١ ـ القاعدة الأولى: التحيّز حتمي: وذلك بسبب المعطيات التالية:

أ ـ لأنه مرتبط ببنية عقل الإنسان ذاتها، فهذا العقل لا يسجّل تفاصيل الواقع كالآلة الصمّاء، فهو عقل فعّال، يدرك الواقع من خلال نموذج فيستبعد بعض التفاصيل ويبقي بعضها الآخر.

ب ـ التحيّز لصيق باللغة الإنسانية المرتبطة إلى حدّ كبير ببيئتها الحضارية، وأكثر كفاءة في التعبير عنها. فلا توجد لغة تحتوي كل المفردات الممكنة للتعبير عن الواقع بكل مكوّناته، فلا بدّ من الاختيار.

ج ـ التحيّز من صميم المعطى الإنساني، ومرتبط بإنسانية الإنسان، أي بوجوده ككائن غير طبيعي، لا يردّ إلى قوانين الطبيعة العامة ولا ينصاع لها، فكل ما هو إنساني يحوي على قدر من التفرّد والذاتية ومن ثمّ التحيّز.

٢ ـ القاعدة الثانية: التحيّز قد يكون حتمياً ولكنه ليس نهائياً:

فالتحيّز ليس بعيب أو نقيصة، بل على العكس يمكن أن يُجرّد من معانيه السلبية، ويصبح هو حتمية التفرّد والاختيار الإنساني.

واللغة الإنسانية رغم حدودها قادرة على تحقيق التواصل، وعلى مساعدتنا على تجاوز أشكال كثيرة من التحيّز، وعلى بناء نماذج معرفية هي نتاج تجربتنا الحضارية الخاصة، ولكنها بنفس الوقت تساعدنا على التعامل مع أنفسنا ومع واقعنا ومع الآخر. فمعنى أنه ليس نهائياً أي أنه ليس نهاية المطاف حيث يمكن تجاوزه، ولكن النهائي هو الإنسانية المشتركة والقيم الأخلاقية الإنسانية[8].

إلا أن قول المسيري أن التحيز حتميا يحتاج توضيحا وفق ما أفهمه للتحيزات الحتمية، كون الحتمي لا يمكن تجاوزه كما قال الدكتور المسيري، وقد يكون المسيري يقصد من الحتمية كونها أمر واقعي تكويني في الإنسان ضمن تركيبته البيولوجية التكوينية كما أشرنا في آية خلق الإنسان من عجل، إلا أنه خلقا قابلا للتغيير بالمجاهدة والإرادة الحرة وإلا كان جبرا وخلاف العدل الإلهي، وتجاوزه يأتي من خلال التعلم والتدريب المعرفي البحثي والممارسة البحثية على الطرح الموضوعي وكسب ثقافة الخروج من الصناديق المعرفية المغلقة، دون التنازل عن الثوابت التي تشكل حقائق ثابتة في الهوية المعرفية، فالباحث أو المثقف لابد له من أن يتحيز للحقيقة والحق، لكن ذلك لا يتم إلا بعد أن يستعرض ويستقرئ كل الآراء التي طرحت بخصوص الموضوع محل البحث، أي أن يقوم بعملية ضرب للآراء ببعضها البعض، ومن ثم يخرج بالرأي الأقرب للحق والحقيقة، وينحاز له ليطرحه ويدافع عنه، وهذا الانحياز المعرفي هو انحياز صحيح وصحي في ذات الوقت، إلا أنه مشروط بعدة شروط أهمها:

١. أن يعتمد الباحث والمثقف في فهمه للواقع واستقصائه للمعارف على مصادر المعرفة البشرية المعتمدة من المدرسة التي تنتمي هويته إليها، مضافا إلى ذلك اطلاعه على المدارس الأخرى في المعرفة.

٢. استقراء جل الآراء وأهمها المطروحة في الموضوع خاصة البحث، واستعراضها عرضا نقديا علميا، ومن ثم الخروج وفق منظوره برأي.

٣.المراجعة النقدية لما توصل إليه من رأي، واعتباره عرضة للنقد والتطوير والتراكم المعرفي من قبل الباحثين والمثقفين الآخرين.

٤. التجرد من الأنماط والرغبات الاجتماعية معرفيا “الشعبوية”، والتجرد من ثقافة الإجماع السلبية ومبدأ المشهور المعرفي العلمي.

٥. والأهم من كل ما سبق هي معيارية العدالة المرجعية في تشخيص صلاح هذا التحيز المعرفي لأن العدل معيارا للحق، والانحياز للحق هو انحيازا إيجابيا، ولكي يحقق هذه المعيارية على المثقف والباحث أن يكون حرا في بحثه المعرفي.

وأغلب التحيزات المعرفية تعمد إلى حجب الحقيقة، ومن أهم مسببات التحيزات المعرفية هي:

١. البيئة والمحيط الاجتماعي والأسري، الذي يعمل على تنميط الأفكار والمنهجيات ومصادر المعرفة.

٢.مناهج التربية والتعليم التي تضعها الدولة، ويتربى عليها الطفل، ومناهج التدريس التي يستخدمها المعلم في تعليم التلاميذ.

٣.الانتماءات العصبوية بكافة أشكالها سواء القبلية أو المذهبية أو الطائفية.

٤.الأنماط الاجتماعية والإجماع السطحي القائم على الشعبوية بمعناها السلبي، فقوة الاجماع الشعبي تخلق تسالما سطحيا للمعارف، وبالتالي تصنع جوا معرفيا متحيزا بشكل غير منطقي وموجها للرأي العام، هذا الاجماع الشعبوي يستخدم فيه قوة خفية تفرض من خلالها هذه الإجماعات رأيها، وهذه القوة الخفية تتعلق بالشعور والرغبة الداخل نفسية بالانتماء للجماعة والخوف من الخروج والمخالفة، إلا أن المثقف والباحث عليه أن يتخلص من هذه المخاوف، وأن لا يخضع لهذه القوة الخفية التي يكتنزها الإجماع الشعبوي، وأن يكون نفسيا وشعوريا متحررا من الانتماء للجماعة ليصبح شعوره الأصيل الداخل نفسي هو الانتماء للحق والحقيقة، وفهم الواقع وملابساته لتعرية كل الوهم المرتكز في العقل الجمعي السلبي الأبعاد، وليناضل كمثقف وباحث وظيفته صناعة الوعي، يناضل لأجل استبدال هذا الوهم بالحقيقة.

٥.الثقافة والتربية الأحادية المتوارثة دون مراجعة وتمحيص، تصنع عقلا أحادي المنهج والفكرة، وتخلق تحيزات معرفية لاغية لكل ما هو خارج هذا الصندوق المعرفي المتوارث، والمورث للاطمئنان التواضعي البسيط.

٦. التحيز المعرفي الناشئ عن أخلاقية الخضوع والانهزام النفسي أمام معارف الدول الأقوى حضاريا، والأكثر تقدما في الانتاج المادي والمعرفي، أي هو تحيز نتيجة الفارق الحضاري والانبهار، وهو تحيزا له بعد نفسي، وله بعد معرفي. وهو من أكثر التحيزات التي يقع في شباكها المثقف والباحث.

ومن أهم ما يجب أن يلتفت إليه المثقف والباحث هو الخروج من التحيزات المعرفية التي تتعارض مع مبدأ العدالة والإنصاف، لأن وظيفته صناعة وعي واقعي قائم على أسس معرفية رصينة، وأدوات ومناهج سليمة علميا، كون التحيزات تعمل كمضادات حيوية للمعرفة والوعي، وكحُجُب موجهة للمعرفة باتجاهات محددة ومغلقة ونمطية.

لذلك كان لزاما على المثقف والباحث الذي يتصدى لصناعة الوعي، وتطوير المعارف والعصرنة والمواكبة أن يعتمد على عملية النقد المستمر للذات، والمراجعة المستنيرة للأفكار والمناهج والمحتوى الفكري، وإلى المواكبة لكل التطورات المعرفية على الساحة الثقافية، والإلمام بمستحدثات الإشكاليات والمعارف التي تواجه المجتمعات، خاصة أن العولمة حولت المجتمعات إلى قرية صغيرة، تتناقل فيها المعارف وإشكالياتها بالعدوى المعرفية. وهو ما يستدعي المثقف والباحث للخروج المستمر من الصناديق النمطية، إلى فضاءات المعرفة المختلفة، لأن الوعي في حركة تكامل وكمال مستمر، والعقل في سيرورة و صيرورة معرفية تطورية مستديمة، لا تلغي الثوابت لكنها تحصنها بتطوير المتغيرات وفق الزمان والمكان، هذا فضلا عن اتصافه بالإنصاف العلمي والمعرفي في اعتماده على مصادر معرفة متعددة.

 فهناك مثقفون وباحثون يستبعدون مصادر معرفة بشرية كونها لا تتناسب وأيديولوجيتهم وعقيدتهم، مثل المثقف أو الباحث الذي يستبعد النص والعقل، ويعتمد فقط على الحس والتجربة، أو ذلك الذي ينكر دور الحس والتجربة، ويستبعدهما كمصادر ويعتمد فقط على النص والعقل مع تغليب النص وتهميش العقل وهكذا. لذلك المثقف والباحث عليه ألا ينحاز إلا للحقيقة والحق التي تتطلبان منه أن يطلع على الآراء معتمدا على كل مصادر المعرفة، التي من خلالها يعرف الإنسان ويتعلم ويفهم.

كلها تساؤلات تخضع لعمليتي التسارع والتباطؤ المعرفي، والذي أعني فيه الزمن والوقت الذي يستغرقه الباحث عن الحقيقة في الوصول إلى الإجابات، والمنهج الذي يسلكه، والتحيزات التي يخضع لها، وما هي تداعيات التسارع والتباطؤ على الفرد والمجتمع، وبالتالي على الأفكار المعرفية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. وأمامنا اليوم تجارب غنية بالتسارع والتباطؤ بين الشرق والغرب، فالعلموية أقصت الدين كليا وتبنت العلم كمصدر للحقيقة وهو نموذج للتسارع الذي تراكمت عليه مواقف ومعارف لا تسلم من ثغرات حقيقية تم كشفها مع التقادم، وبعض المنتمين للمؤسسات الدينية لم تعتبر العلم مصدرا هاما وملهما ولم تضعه في موقعه المعرفي السليم، وبنت منظومتها المعرفية على هذا التسارع، وواجهت تحديات معرفية كبيرة كان لبعضها الأثر في تهاوي موقع الكنيسة وتراجع موقع الدين ووظيفته من حياة مجتمعات بأكملها.

لذلك نحتاج إلى تشخيص سليم للتسارع والتباطؤ، متى نتسارع ومتى نتباطئ؟ ومتى يكون التسارع مذموما والتباطؤ محمودا ومتى يكون العكس؟ ومتى يكون التنافس يحتاج إلى تسارع ومتى يحتاج إلى تنافس لكن ببطيء؟

كلها تساؤلات تتطلب تشخيص سليم للزمان والمكان وقراءة منهجية لإشكاليات العصر، لفهم الواقع ومواجهته مواجهة معرفية متخلصة من التحيزات المعرفية السلبية، وهمها فهم الحقيقة كما هي وفق أدلة وبراهين قطعية، تستمد من الثوابت قاعدتها التي تنطلق منها.

_______________________

[1] اللائكية أو العلمانية

 الفرنسية، بالفرنسية laïcité (تنطق [la.isiˈte])، هي مفهوم يُعَبِّرْ عن فصل الدين عن شؤون الحكومة والدولة وكذلك عدم تدخل الحكومة في الشؤون الدينية. تواجدت العلمانية في فترة مُبَكِّرَة من التاريخ الفرنسي المعاصر استناداً إلى القانون الفرنسي لفصل الكنيسة عن الدولة عام 1905م، وامتد تفسير العلمانية الفرنسية ليشمل المساواة في التعامل مع جميع الأديان، وأصبح التفسير أكثر تحديداً في عام 2004م.

فاللائكية – كصياغة عربية – مُشتقة من الفظ الاتيني “laicus” وهو بدوره مأخوذ من اللفظ اليوناني ”laós – λαός” ومعناه “الشعب”. غير أنَّ استعماله اللاتيني قد تخصص في قسم من “الشعب”، وذلك في مقابل “الكاهن” clerc، وهو رجل المعرفة “العالِم” (من اللفظ اليوناني clêros بمعنى الحظ الموروث)، والمقصود رجل الدين (المسيحي) المنتظم في سلك الكهنوت الكنسي.

ويبدو أن ترجمة Laïcité إلى اللائكية في اللغة العربية، هو نوع من التعريب لا الترجمة، إذ أنَّ لللائكية معنى خاص في تجربة مجتمع المجتمع الفرنسي دون غيره.

https://political-encyclopedia.org/dictionary/اللائكية

[2] جدلية العلمنة ـ العقل والدين / يورغن هابرماس وجوزيف راتسنغر”البابا بندكتس xvI” /تعريب وتقديم حميد لشهب / دار جداول/ ص٤٦

[3] إشكالية التحيز/رؤية نقدية معرفية ودعوة للاجتهاد/ تحرير عبد الوهاب المسيري/المعهد العالمي للفكر الإسلامي/١٩٩٨م/ بحث بعنوان كلمة في التحيز ـ د. علي جمعة ص ١٧ـ ١٨ بتصرف

[4] د.سالم موسى/جامعة الملك خالد/ أبها / التحيزات المعرفة التصديق الزائف / https://middle-east-online.com/التحيزات-المعرفية-والتصديق-الزائف/ تم الاطلاع في ١٥/ مايو / ٢٠١٩م

كندرا تشيري /خبيرة علم النفس/ المصدر السابق بتصرف [5]

[6] الأنبياء/٣٧

[7] امفهوم التحيز عند الدكتور عبد الوهاب المسيري/رغداء محمد أديب زيدان/ تم الاطلاع في ٢٤ـ مايوـ٢٠١٩/

 http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=16515

[8] المصدر السابق

الكاتب إيمان شمس الدين

إيمان شمس الدين

مواضيع متعلقة

اترك رداً