أحدث المقالات

*أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن، أن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين – (القرآن الكريم: 16: 125)
*ولا تستوى الحسنة ولا السيئة، إدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم – (القرآن الكريم: 41:34)
——————

توطئة:
تكاثرُ المشاكل الإنسانية وتزايدُها طردا في التشعب والتعقيد يحفزنا جميعا على بلورة فهم أدق لطبيعة المشاكل التي نواجهها، أكان على الصعيد الوطني أو الإقليمي أو العالمي. ينطبق هذا بالأخص على تلك المشاكل التي تكمن وراءها خلفيات قديمة لا يزال اجترار الاختلافات الموروثة منها تستثير خصاما سياسيا-اجتماعيا في حراك هذا العصر. أملي أن تساعد حوارات بناءة هادفة كحوارنا هنا اليوم في تكوين فهم معرفي أدق وأفسح لتلك الاختلافات: فهم ينمي فينا السعة لتفهم أكثر موضوعية للتنوع والتعدد الديني والمذهبي والفكري، في أوطاننا، إقليميا وعبر العالم، ومن ثم يمكّننا من التعايش مع التنوع والتعدد، وحتى التعارض، بوئام وطيد لا يصدر معه من أي دين أو مذهب أو منظور فكري، مسلك تعصبي إزاء دين أو مذهب أو منظور فكري مغاير.

شاعر إنكليزي في القرن السابع عشر (جون دون) لاحظ أن لا شخص منفصل بذاته عن مجتمعه، كانفصال جزيرة وسط بحر. اليوم، إذ نحن نعايش العولمة في جل المعطيات المعاصرة، نلاحظ أن هذا ينطبق أيضا على وضع كل مجتمع معاصر نسبة إلى المجتمع الأممي. نلاحظ وضوحا أن لا مشكلة محلية تبقى طويلا معزولة عن الشأن العالمي. أي اضطراب أو عثار في الحال الإنساني، أينما يحدث في قريتنا العالمية، أكان جراء صراع سياسي، أو نزاع ديني، أو خصام مذهبي، أو هتك لحقوق الإنسان، أو تلويث للبيئة، أو جحود لحقوق المواطنة من قبل أنظمة حكم متعسفة، أو سوى ذلك… إذا ما تفاقم سرعان ما يسري أثره مدار الأرض. خلاصةً، إذن، ما من شأن داخلي إلا إذا تعاظم، إيجابا أو سلبا، غدا شأنا خارجيا بامتياز. والعكس صحيح.

بإدراك تكاثف هذا التشابك في الحال الإنساني تبرز الحاجة أكثر إلحاحا من أي وقت سبق لأمم الأرض إلى أن تتواءم وتتعاون في إطار اعتماد متبادل لا غنى عنه لأيما دولة معاصرة. بمثل ذلك، تبرز الحاجة إلى أن يتعامل المواطنون في أيما دولة ما بينهم بوئام وتعاون في إطار مواطنة متساوية، قائمة على أساس تكافؤ الحقوق من جهة، وتناسب الاستحقاقات والواجبات من الجهة الأخرى. كذا إقليميا تبرز الحاجة إلى أن تتواءم وتتعاون الدول في إطار التكافؤ السيادي وحسن الجوار. كذا عالميا تبرز الحاجة إلى أن تتواءم وتتعاون جميع المجتمعات الوطنية في إطار صداقة وتبادل مصالح. كل ذلك بصرف النظر عما يوجد بين الشعوب، ومرارا ما بين الشعب الواحد، من تنوع الانتماء، فكرا ودينا ومذهبا وعرقا وسوى ذلك. خلاصةً، إذن، تعددية الأديان والمذاهب والرؤى الفكرية والأعراق في أيما مجتمع معاصر لا تضر ولا تضير إذا هي انتظمت تحت وحدة الجامع الإنساني عالميا، وانضبطت تحت وحدة المواطنة المتساوية بين المواطنين، ذكور وإناث، في كل مجتمع.

إزاء هذا التشابك في الواقع الإنساني في عصرنا، عالميا، إقليميا، ووطنيا، الإهتمام ببحث التنوع الديني والمذهبي، وأيضا التنوع الفكري خارج أطر الأديان ومذاهبها، بحثا معرفيا وعقلانيا، خلاف ما يجري مرارا من تراشق انفعالي بين المتطرفين من كل دين أو مذهب أو منظور فكري، أمر ضروري. هو ضروري لأجل نبذ التعصب مطلقا، ومن ثم اتقاء ما قد يفجر التعصب المتبادل من صراعات عنفية. هو ضروري أيضا لأجل تمكيننا من بناء حياة كريمة آمنة، موفورة العطاء المنمي لأحوال الجميع. خلاصةً، إذن، مع أن الغيرة على الدين أمر حميد، إلا أن التعصب من قبل أيما دين ضد دين آخر ليس كذلك. كذا الغيرة على مذهب أو منظور فكري، إذا خامرها تعصب ضد مذهب أو منظور فكري آخر سرعان ما تتشوه وتؤدي إلى عواقب تغب وتحمق.

التحاور إسلاميا – وليس سياسيا – بين المذاهب في الإسلام
في ضوء ما تقدم دعنا نتدارس الإطار الإسلامي والتعدد المذهبي ضمنه، تحديدا. لأجل ذلك، دعنا ابتداء نرسم للإسلام رسما أساسيا كدين جامع، دعوته موجهة للناس كافة، ورسوله مبعوث رحمة للعالمين: دعوةُ قائمةً على منهاج الإقناع لا الإكراه، ومنضبطة بندب القرآن المجيد المسلمين كافة إلى أن يدعوا بالحكمة والموعظة الحسنة، ويدفعوا ويجادلوا بالتي هي أحسن.

كجميع الأديان الكبرى التي لها أطر وسيعة، الإسلام يتكون من أربعة محاور: العقائد، الشعائر، الأحكام، الأخلاق.

على صعيد العقائد، يتمحور الإسلام في ثلاثة أصول: التوحيد، النبوة، المعاد. مؤدى هذه الأصول هو 1) الإيمان بالله واحدا أحدا، فردا، صمدا، ليس كمثله شيئ. 2) الإيمان بأن الله مصدر هداية البشر، بواسطة أنبياء ورسل يبتعثهم من بين البشر، وأن محمدا خاتم الأنبياء والمرسلين. 3) الإيمان بالآخرة دارَ حساب وجزاء.

على صعيد الشعائر، الصلاة، الزكاة، الصوم، الحج وشهادة لا إله إلا الله، محمد رسول الله، تشكل أركان الإسلام الخمسة.

على صعيد الأحكام، يلزم الإسلام المسلمين بالتمسك بشريعته. إلى جانب الشعائر التعبدية، تحدد الشريعة الأحوال الشخصية وأحكام المعاملات. الزواج، الطلاق، الحضانة، النفقة، الميراث، التجارة، العقود …أحكام كل تلك وأحكام أمورٍ جمة أخرى مبينة تفصيلا في الشريعة الإسلامية.

أخيرا، على صعيد الأخلاق، يؤصل الإسلام السلامة والصلاح للأفراد والمجتمعات بسواء في الالتزام بمبادئ العدل، والمساواة، وكرامة الإنسان، والشورى في الحكم والحياة، معتبرا إياها مبادئَ جذريةً لاستقامة الشأن الإنساني، عمومه وخصوصه، في كل زمان ومكان. كذلك، يندب الإسلام إلى القيم المنمية للحياة: حاضا بالأخص على الصدق، الإحسان، الأمانة، التواضع، التعاون، إتقان العمل، الصفح، طلب العلم، حسن الجوار، إلى جانب خلائق أخرى من مكارم الأخلاق مشهودة الخير في إثراء خبرات سائر الأمم عبر التاريخ.

ما سبق ذكره هو ما تتشكل منه أرومة الإسلام وتصطبغ به عموم مضامين رسالته العالمية. التزام كافة المذاهب الإسلامية بذلك كله بيّن وثابت بسواء: جميع المذاهب تقر بالقرآن كلامَ الله المنزلَ والمحفوظَ للأبد، وبالسنة النبوية منظومةَ أفعال وأقوال فضلى ملزم اتباعها للمسلمين كافة. بهذا المعنى، كأمر أساس، جميع المسلمين يحتكمون إلى مرجعية واحدة لاستنباط أيما أمر حياتي أو أخروي له في الإسلام فهم صريح أو حكم محدد.

مع رسوخ هذه الأرضية الأساسية المشتركة، ما هو إذن هذا الذي يُختلف عليه بين مذهب وآخر في الإسلام لدرجة أن الاختلاف مرارا ما يولد تشنجا بين المذاهب، وعندما يتفاقم يولد تعصبا متبادلا يؤدي إلى تخاصم فاحتراب؟ بنظري، لا يوجد ما يفسر ذلك سوى قصور في فهم أصحاب مذهب للمذهب الآخر، قصور ناتج عن ضيق في الاستيعاب المعرفي لما لدى المذهب الآخر من نظر مستنبط باجتهاد منهجي مأثور لديه. في مجال الحوار، عندما يشوب الحوار شحن تعصبي مسبق لدى المتحاورين، فإن مزيج قصور الفهم والتعصب سرعان ما يطلق فورة انفعالية تفسد سلامته، ومرارا ما تؤدي إلى إفساد الود حتى بين خُلّص الأصحاب. في حديثي، بقدر ما سيتاح من وقت، سوف استعرض نموذجا سليما، بل راقيا، للحوار بين المذاهب الإسلامية، بالأحرى بين السنة والشيعة على وجه التحديد، بقصد الحث على نبذ التعصب، والدعوة إلى توحيد الكلمة، وتوطيد الوئام الوطني في إطار المواطنة المتساوية بين جميع أتباع الديانات والمذاهب في كل موطن.

نموذج جدير بالاقتداء
عام 1909، عالم شيعي بارز، يدعى عبدالحسين شرف الدين، حل بالقاهرة في زيارة لشيخ الجامع الأزهر، سليم البشري. كان شرف الدين من أصل لبناني، تحديدا من جبل عامل، لكن مولده كان في حي الكاظمية ببغداد، وتحصيله العلمي من الحوزة الشيعية بالنجف. كان الباعث لزيارته شيخَ الأزهر إحساسه بأن السنة والشيعة يتباعدان عن بعضهما، وأن تباعدهما يضعف الإسلام… لذا وجب على علماء المذهبين تكثيف الجهود لأجل توطيد الوحدة الإسلامية الحاضنة للجميع.

في ذلك الوقت (مطلع القرن العشرين) كانت النخبة الثقافية العربية-الإسلامية قد أفاقت على حقيقة ما ساد العالم العربي-الإسلامي من تخلف مريع إزاء التقدم المشهود المنجز في العالم الغربي، ومن ذلك احتد بينهم نقاش غزير حول مسببات التخلف. في مقابل الأطروحة العلمانية أن الموروث الإسلامي كان سبب التخلف، رد الإسلاميون أن على العكس، الابتعاد عن الإسلام كان السبب، وأن المطلوب موقف إسلامي موحد في وجه التحدي العلماني القادم من الغرب.

كإسلامييْن راسخيْن، اتفق العالمان، السني الأزهري والشيعي النجفي، على أن الابتعاد عن الإسلام كان السبب الأعظم للتخلف، لذا على المسلمين أن يرتبطوا بشكل أوثق بتعاليم الإسلام. اتفقا أيضا على أن ما توجد من اختلافات بين مذهبيهما لا تمس أي أمر أساس، وأن المذهبين متلاحمان وراسخان سويا في الإسلام.

مع ذلك، حاولا أن يحددا ويتعاملا مع ما يوجد بين مذهبيهما من اختلاف. في معرض ذلك، وجدا أن المشترك بين المذهبين – السني والشيعي – أعم كثيرا من المختلف عليه، وأنه يكاد لا يوجد أمر خلافي يذكر بين الجهتين سوى مفهوم الإمامة. وإذ أدركا أن موضوع الإمامة وما يتفرع عنه من تباينات مذهبية أخرى سيستغرق منهما وقتا طويلا للبحث، اتفقا على أن لا يختزلا البحث، بل أن يتناولاه على سعة وبمنهجية محكمة عن طريق مراسلة مرسلة. ما نتج إثر ذلك، على مدى ستة شهور، هي 112 رسالة متبادلة بين العالمين الجليلين، وثقها العالم النجفي في كتاب سماه ب ” المراجعات “.

قرأءة تلك الرسائل تعطي المرء ليس فقط فهما أوضح لنقاط التباين بين المذهبين، بل أيضا استيعابا أدق للأرضية الأوسع التي يلتقيان عليها حول الجوهر العقيدي في الإسلام. فوق ذلك، هي تولد لدى القارئ إحساسا عميقا بضوابط الحوار وأدبه في التقليد الإسلامي. هنا يلاحظ القارئ بإعجاب كم تتسم لغة الحوار بين العالمين بالوقار والإيجاز، وكم يتسم نهج الحوار بالتركيز على السمين دون الغث. هنا يلاحظ باعتزاز مدى تقدير كل منهما لعلمية الآخر في معطيات دين منزل هما في الإيمان بثوابته العقيدية سواء. هنا يلاحظ القارئ أيضا الرغبة الخالصة لدى المناظرين في التوصل إلى فهم موضوعي حقيق – رغبة تسري في ثنايا كل عبارة يسطرها أحدهما في سياق عرض حجته واستظهار حجة الآخر. (إزاء ذلك، وجب أن ألاحظ، ببالغ أسى وأسف، الفارق الفاحش بين سمو مستوى الحوار بين هذين العالمين، وهما من أقطاب هذه الأمة، ومن أدرى المسلمين بالإسلام، عمومه وخصوصه، وبين ما نشهد من رداءة المبارزات الكلامية عبر بعض الفضائيات العربية المستثيرة، بقصد على ما يبدو، لاختلافات لا تقدم ولا تؤخر إزاء رسوخ المذهبين سويا في الإسلام).

كشاهد على نقاء حوار العالمين، لعل من المفيد أن أورد هنا مقاطع من المقدمة التي صدّر بها العالم الشيعي النجفي كتابه (المراجعات) كي يلمس القارئ مباشرة روح هذا الحوار النموذجي الذي جرى بينه ونظيره العالم السني الأزهري، والذي اختتم بتبادل أخلص عبارات المودة والتقدير:

يقول صاحب “المراجعات” في مقدمة الكتاب:
“وهناك (بالأزهر الشريف) على نعمى الحال، ورخاء البال، وابتهاج النفس، جمعني الحظ السعيد بعَلَم من أعلامها المبرزين، بعقل واسع، وخُلُق وادع، وفؤاد حي، وعلم عيلم، ومنزل رفيع، يتبوأه بزعامته الدينية، بحق وأهلية. وما أحسن ما يتعارف به العلماء من الروح النقي، والقول الرضي، والخُلق النبوي، ومتى كان العالم بهذا اللباس الأنيق المترف، كان على خير ونعمة، وكان الناس منه في أمان ورحمة، لا يأبى أحد أن يفضي إليه بدخيلة رأيه، أو بثة ذات نفسه. كذلك كان عَلَم مصر وإمامها، وهكذا كانت مجالسنا التي شكرناها شكرا لا انقضاء له ولا حد.
شكوت إليه وجدي، وشكى إليّ مثل ذلك وجدا وضيقا، وكانت ساعة موفقة أوحت إلينا فيما يجمع الله به الكلمة، ويلم به شعث الأمة، فكان مما اتفقنا عليه أن الطائفتين – الشيعة والسنة – مسلمون يدينون حقا بدين الإسلام الحنيف، فهم فيما جاء الرسول به سواء، ولا اختلاف بينهم في أصل أساسي يفسد التلبس بالمبدأ الأسلامي الشريف، ولا نزاع بينهم إلا ما يكون بين المجتهدين في بعض الأحكام، لاختلافهم فيما يستنبطونه من الكتاب أو السنة، أو الإجماع، أو الدليل الرابع، وذلك لا يقضي بهذه الشقة السحيقة، ولا بتجشم هذه المهاوي العميقة. إذن أي داع أثار هذه الخصومة المتطاير شررها منذ كان هذان الإسمان – سنة وشيعة – إلى آخر الدوران.
ونحن لو محصنا التاريخ الإسلامي، وتبينا ما نشأ فيه من عقائد وآراء ونظريات، لعرفنا أن السبب الموجب لهذا الاختلاف إنما هو ثورة لعقيدة، ودفاع عن نظرية، أو تحزب لرأي، وأن أعظم خلاف وقع بين الأمة اختلافهم في الإمامة، فإنه ما سل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سل على الإمامة، فأمر الإمامة إذن من أكبر الأسباب المباشرة لهذا الاختلاف. وقد طبعت الأجيال المختفلة في الإمامة على حب هذه العصبية.
وقد فرضنا على أنفسنا أن نعالج هذه المسألة بالنظر في أدلة الطائفتين، فنفهمهما فهما صحيحا، بحيث لا نحس إحساسنا المجلوب من المحيط والعادة والتفليد، بل نتعرى من كل ما يحوطنا من العواطف والعصبيات، ونقصد الحقيقة من طريقها المجمع على صحته، فنلمسها لمسا، فلعل ذلك يلفت أذهان المسلمين، ويبعث الطمأنيمة في نفوسهم بما يتحرر ويتقرر عندنا من الحق، فيكون حدا يُنتهى إليه، إن شاء الله.”

الاختلاف حول الإمامة
كما أسلفت، اتفق العالمان على أن أعظم خلاف وقع بين الأمة هو اختلافهم حول الإمامة، فما كنه هذا الاختلاف؟
السنة، وهم يشكلون الغالبية العظمى من المسلمين، قالوا أن النبي توفي دون أن يعين وصيا أو خليفة له، أنه ترك للأمة اختيار من توليه قيادتها من بعده. بذلك أودع المذهب السني السلطة الدينية والسياسية معا في الأمة نفسها، بشرط أن تلتزم الأمة في عموم اجتهادها ومسلكها التزاما صحيحا وصميما بالقرآن والسنة.

في المقابل، قالت الشيعة أن النبي سمى ابن عمه وصهره، علي ابن أبي طالب، ليكون وصيه، لكن كلام النبي إما أنه لم يفهم على حقيقته في وقته، أو أنه لم يؤخذ به بعد وفاته.

هذا الاختلاف لاحقا تجاوز كونه مجرد اختلاف تاريخي، إذ اكتسب، إضافة لذلك، بعداً ذا طابع عقيدي وآخر ذا طابع سياسي. بذلك غدت الإمامة لدى الشيعة عقيديا وظيفة مقررة إلهيا، مكملة لمهمة النبوة. في تأييد ذلك قالت الشيعة أن الله بواسع علمه وحكمته لم يكن ليترك دينا شاءه أبديا وكافة للناس من دون أن يعين مرجعا معتمدا لتبيان أحكامه بشكل صحيح ودقيق، جيلا إثر جيل: من هنا اللزوم المستدام لدور الإمام في حصانة الرسالة وضمان نقائها في كل عصر. وإذن، ليس أن عليا، كإمام للمسلمين موصىً عليه من صاحب الرسالة، كان ينبغي أن يخلفه فحسب، بل أيضا أن يتولى الخلافة من بعده ابناه الإمامان، الحسن فالحسين، ومن بعد الحسين الأئمة من ذريته كان ينبغي أن يتعاقبوا على قيادة الأمة إبنا عن أب عن جد.

بمثل هذا المنطق أضحى الإمام لدى الشيعة شخصا مجتبىً من الله وموهبا منه بعلم لدنّي يضفي عليه عصمة من الخطأ في قول أو فعل. من هنا أضحت طاعة الإمام فرضا واتباع منهاجه واجبا، ولأجل ذلك حصرت الشيعة استقاء فهمهم للإسلام من آل البيت دون سائر المصادر الأخرى. سياسيا، بقدر ما فارق هذا البعد العقيدي بين المذهبين ولد بينهما أيضا خصومة سياسية.

في المقابل، لا يرى السنة ما يراه الشيعة في الإمامة. لدى السنه، الإمام شخص قائد في أيما حقل يتميز فيه. أهلية القيادة لديه مكتسبة بفضل صفات شخصية، وجدارته كقائد تظل محل تقييم مستمر، وهو بذلك يبقى رهن عزل له أو عصيان أو تجاهل، إن أساء. وعلى ما يرون، من بعد الرجوع للقرآن والسنة، لا يحتاج المسلمون سوى إلى ممارسة اجتهاد مبصّر بالإجماع والقياس، وأحيانا أيضا بالاستصلاح والاستحسان، لكي يتوصلوا إلى أحكام صائبة إسلاميا في كافة الأمور، دنيوية وأخروية.

نتيجة التباين العقيدي اتبع السنة الأشعري (القرن العاشر) في الأصول واتبعوا في فقة الفروع الأئمة الأربعة: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وابن حنبل. أما الشيعة، ففي الأصول وفقه الفروع سويا اتبعوا مذهب آل البيت والذي يشخص نسبة إلى إمامهم السادس، جعفر ابن محمد الصادق (القرن الثامن)، ومن ثم يعرف أيضا بالمذهب الجعفري.

في مضمار الحديث النبوي يوجد أيضا قدر من اختلاف. توجد أحاديث منسوبة للنبي يعتد بها أحد المذهبين ولا يعتد بها الآخر. لدى السنة صحاح ستة، أبرزها صحيحا مسلم والبخاري (القرن التاسع الميلادي). لدى الشيعة مراجع مماثلة، بما فيها كتاب الكافي للكليني (أيضا القرن التاسع الميلادي). مع ذلك، مهم أن نشير أن جل الحديث النبوي متطابق أو متماثل في المروي لدى المذهبين، كما أن ترافد صحة السند وتوافق المتن مع القرآن المجيد شرط مشترك لاعتماد أي حديث.

اختلاف آخر نرصد وجوده في مجال تقييم بعض الشخصيات البارزة في التاريخ الإسلامي، الأمر الذي في طوره الحاد طالما أفرز حزازات مزعجة بين متطرفي المذهبين. أما على الصعيد الأكثر سعة وموضوعية في قراءة التاريخ الإسلامي وتقييم شخصياته، وهو الصعيد الأعم لدى المذهبين، فلا نجد هناك حدة أو حزازة مخلة بالوئام المتبادل بين أتباع المذهبين جراء هذا الاختلاف.

أخيرا، لدى كلي المذهبين تنبؤٌ بظهور المهدي الذي سيحقق السلام والعدالة على الأرض في السنين الأخيرة قبل نهاية العالم. إلا أن الفكرة تأتي أكثر تبلورا من عند الشيعة: المهدي لديهم هو عينا الإمام الثاني عشر، محمد ابن الإمام الحسن العسكري، الذي في سن الرابعة، عام 873م، فجأة تغيب عن الأنظار بمدينة سامراء بالعراق. منذئذ، المهدي حي يرزق، مصاحب للزمان على مضض، يرصد كل ما يجري في العالم، وينتظر، وهوعلى أهبة مستدامة، الأمر الإلهي له بالظهور، محملا تكليفَ القضاء على ما يكون قد تراكم من ظلم وفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس. السنة لا ترى الأمر بمثل هذا التحديد الشخصي للمهدي المنتظر، ولا في مثل هذا الإطار الغيبي لوضعه الساري على الأرض ريثما يحين ظهوره بإذن الله آخر الزمان.

رسوخ المذهبين بسواء في الإسلام
رغم هذه الاختلافات، يبقى السنة والشيعة مذهبين متلاصقين في تجذرهما بسواء في الإسلام: الاختلافات بينهما، كما توافق عليه العالمان الجليلان من الأزهر بالقاهرة والحوزة بالنجف، طفيفية أو ثانوية قياسا إلى المشترك الأظهر والأعم بين المذهبين في أصول العقائد وتطبيق الشعائر التعبدية وأحكام فقه المعاملات. وفي الواقع، في آخر رسالة منه، أعرب شيخ الأزهر، بالتواضع المعهود لدى أمثاله من العلماء المتعمقين في الإسلام، والمتهذبين بتهذيبه، أن البحث المستفيض بالمراسلة مع نظيره النجفي يسّر له فهم مذهب التشيع بشكل أرحب. وقد لخص هذا المعنى في آخر رساله له في العبارة التالية:

” وكنت – قبل أن أتصل بسببك – على لبس فيكم لما كنت أسمعه من إرجاف المرجفين، وإجحاف المجحفين، فلما يسر الله اجتماعنا، أويت منك على علم هُدى ومصباح دُجي، وانصرفت عنك مفلحا منجحا، فما أعظم نعمة الله بك عليّ، وما أحسن عائدتك لديّ، والحمد لله رب العالمين”.

أما العالم الشيعي فقد كتب مشيدا بنظيره السني في آخر رسالة اختتم بها الحوار:

” أشهد أنك مطلع لهذا الأمر ومقرن له (مقتدر عليه)، حسرت له عن ساق، وانصلت فيه أمضى من الشهاب. أغرقت في البحث عنه، واستقصيت في التحقيق والتدقيق، تنظر في أعطافه وأثنائه، ومطاويه وأحنائه، تقلبه منقبا عنه ظهرا لبطن، تتعرف دخيلته، وتطلب كنهه وحقيقته، لا تستفزك العواطف القومية، ولا تستخفك الأغراض الشخصية، فلا تصدعُ صفات حلمك، ولا تُستثار قطاة رأيك، مغرقا في البحث بحلم أثبت من رضوى، وصدر أوسع من الدنيا، ممعنا في التحقيق، لا تأخذك في ذلك آصرة، حتى برح الخفاء وصرح الحق عن محضه، وبان الصبح لذي عينين، والحمد لله على هدايته لدينه والتوفيق لما دعا إليه من سبيله، وصلى الله على محمد وآله وسلم.”

استتباعا لهذا الحوار، وإن كان بعد تباطؤ مديد، أدخل الفقه الشيعي عام 1959 ضمن مناهج الدراسات الإسلامية بالجامع الأزهر. الأزهر أسسه الفاطميون الشيعة عام 969، لكنه إثر انهيار الحكم الفاطمي عام 1171، غدا المجمعَ الأعظمَ لدراسات المذهب السني، وهو اليوم يقف شامخا كونه أعرقَ جامعة علمية إسلامية في العالم. في المقابل، أهم حوزة لدراسات المذهب الشيعي لا تزال بالنجف الأشرف، وكما الجامع الأزهر، تغطي الحوزة الشيعية عموم الدراسات الفقهية لمختلف المذاهب في الإسلام.

تساؤل مشروع
هنا ينشأ تساؤل مشروع: إذا كان المستقر المشترك بين السنة والشيعة يفوق كثيرا المضطرب غير المشترك، وإذا كان المذهبان متجذرين سويا في الإسلام، فلم هذا الخصام بين أتباعهما لدرجة تؤدي أحيانا إلى استعمال عنف؟ في استقرائي، المتخاصمون ليسوا عامة الناس من السنة والشيعة، وإنما هم فئات المتطرفين من الأتباع. في عموم الحال، السنة والشيعة يتبادلون علاقات طبيعية، ويتخالطون اجتماعيا في مختلف مناحي الحياة. المتطرفون وحدهم دأبا يزكون فائرة الخصام ويدفعونها دون اكتراث إلى إحداث صدامات عنفية مؤلمة. الأكثرية الصامتة في المذهبين لطالما عانت من تصرفات متطرفيها دون أن تقوى تماما على كبح جماح هؤلاء بشكل ناجع.

في العموم، ضمن أيما دين ذي نطاق شامل، الاختلافات المذهبية أمر شائع، وفي المعتاد لا هو أمر مضر ولا ضائر. لكن عندما تستثار الاختلافات بشكل مستفز من قبل المتطرفين نراها تولد عصبية متبادلة عصية.. ثم إذا سيست الاختلافات نراها تؤدي إلى توريط حتى المعتدلين من الأتباع في سجالات فظة مرارا ما تجر لمواجهات خشنة. في واقع الحال، الاختلافات السنية – الشيعية في الإسلام ليست على غير غرار الاختلافات المذهبية في الأديان الأخرى التي، كما الإسلام، شهدت فترات ممتدة من الوئام تخللتها فترات احتراب. تاريخيا، تعايشت المذاهب المختلفة ضمن أديانها بسلام، إلا حين زجت بينها إغراضات سياسية. الدرس الجدير بالاعتبار هنا: حيثما يُسيّس الدين، أو تُديّن السياسة، لا يسلم أي منهما من تأثير الآخر سلبيا في غالب الحال. أيضا، حيثما تُغلب الطائقية، أيا كان شكلها، على المواطنة، كلاهما يخسر آخر النهار.

ملحوظة خاتمة
إحساسنا بهشاشة عالمنا الإنساني المعاصر يستوجب منا أن نعي صميما عوامل هشاشته: أنه عالم كثيف السكن، مخطور البيئة، متأرجح على شفا دمار شامل لا ينتظر تفجره سوى ضغط أزرار جراء حماقة بشرية قد ترتكب من حالة عصبية فادحة في لحظة خاطفة … أنه عالم معولم، متبادل الاعتماد، غزير التواصل: ما يطرأ على حال أي جزء منه سرعان ما يؤثر في حال جسم العالم كله … أنه عالم متعارض المصالح، متصادم الغايات بين أممه الكبرى القليلة، وبين تلك مجتمعةً والأمم الصغرى العديدة التي تحررت حديثا وبدأت تسعى لتحقيق مكانة لائقة لها تحت الشمس.

يستوجب منا أيضا أن نعي أننا نعيش عالما تتفتق فيه المعرفة العلمية وتبتكر التكنولوجيا المنبثقة عنها بوتيرة جد متسارعة. لكن، في المقابل، النضج الإنساني الحضاري متباطئ، بل ومتعثر. تزايد هذا التفاوت يعني أننا معشر البشر نزداد مكنة في التفعيل التكنولوجي، وفي الوقت نفسه نتراجع في الحكمة المبصرة لمكنة التفعيل التكنولوجي من حيث توجيهها نحو إيجاد الأوفق من المعالجات والحلول، ومن ثم الارتقاء بنوعية الحياة للجميع دوما للأمثل.

ثم إلى جانب المشاكل الموضوعية التي نواجهها، نحن أيضا عالم متنوع الأديان والرؤى الفلسفية، ومتعدد المذاهب ضمن كل دين وضمن كل رؤيا فلسفية، الأمر الذي يعقد سعينا ويصعبه للتجرد من الأنانية والعصبيات الطائفية والعرقية، المعيقة جميعها توجهنا نحو إيجاد معالجات وحلول صحيحة عادلة وشاملة … حلول تفي باستحقاقات التنمية الإنسانية وتوطيد السلام والوئام وطنيا، إقليميا وعبر العالم.

إزاء هذا كله لا بد من أن ننمي في أنفسنا استطاعة للتعامل الناجع مع هذا كله، وإلا غمرتنا الفوضى وأهلكنا العثار جراء استمرار التخاصم والاحتراب. لأجل ذلك، لا بد من أن نرتقي تهذبا في المسلك، توسعا في المعرفة، تعمقا في الفكر، وتساميا في الأخلاق … كل ذلك بسعي فردي وجمعي دائب حثيث. تحديدا، لا بد من أن نتجنب التعصب الطائفي، وننبذ التطرف والغلو في جميع الأمور. على الوجه الآخر، لا بد من أن نتبنى المعرفة والمنطق العقلي ردفا كمنهاج قويم للتعامل مع قضايانا ضمن الوطن الواحد، وفي علاقات الوطن مع سائر الأوطان. عكس ما تكون لنا من رؤى مبتورة من منظور طائفي، من المنظور الإنساني نمكن من رؤية القضايا بكافة أبعادها، كما نمكن من فهم رؤى غيرنا وتفهم اسبابها الموضوعية ودوافعها النفسية. بذلك يتوازن نظرنا وتعاملنا مع كافة المشاكل والإشكاليات، ضمن الوطن وخارجه، وينضبط بقسطاس مستقيم.

من الموقع المعرفي المنطقي نستطيع أن نسمو إنسانيا، أن نرود حضاريا، أن نتعايش تعاونيا بوئام وطيد. لا مشاكل عندئذ تستعصي على الحلول. عندئذ نستطيع أن نعالج كل تعارض في المصالح على القاعدة الإسلامية التي يعرفها السنة والشيعة جيدا بسواء، ويعيها العالم اليوم أكثر من أي وقت سبق: لا ضرر ولا ضرار. عندئذ، في أيما نقاش شئنا خوضه، في الدين كان أو في السياسة، أو في معرض التفاوض حول أي نزاع حول أيما أمر ذي اهتمام مشترك، نتجنب الاستفزاز في الخطاب، نلتزم بأدب الحوار، ونحتكم إلى المعرفة والمنطق العقلي: نجادل بالتي هي أحسن، ندفع بالتي هي أحسن، وندعو إلى سبيل الله، الضامن سلامة البشر وصلاحهم، بالحكمة والموعظة الحسنة.

بذلك، نكون كأحسن ما يمكن أن نكون بميزان مكارم الأخلاق التي جاء رسول الإسلام ليتممها في الخبرة الإنسانية. ذلك رشاد أبانه الله لنا في محكم كتابه لكي نتفادى الفتن والمحن، ونعتبر ونتعقل، فلا نرمي بإنفسنا إلى التهلكة جراء عصبيات غبية وحماقات قد ترتكب من حالات انفعال منفلت. بذلك، نحيا حياة طيبة موفورة النعم، مطردة النماء للجميع. عندئذ نعيش إنسانيتنا الحقة، وفي رحابها، لا تنوع الأديان ولا تعدد المذاهب، ولا تعارض الرؤى الفلسفية يضر أو يضير. على العكس، كل ذلك يترافد في حراك ثقافي يثري الخبرة الإنسانية ويفيد.***
• ورقة مقدمة إلى ندوة التنوع المذهبي ودوره في مستقبل منطقة الخليج العربي –
منتدى العلاقات العربية والدولية، الدوحة، دولة قطر — نوفمبر 30 ديسمبر 1، 2011

Facebook
Twitter
Telegram
Print
Email

اترك تعليقاً