العلاّمة‌ الحلّي منطقيٌّ مبدع وغزير الإنتاج

د. أحد فرامرز قراملكي(*)

ترجمة: عماد الهلالي

1ـ منزلة العلاّمة الحلّي في علم المنطق، وأقسام أعماله في هذا الفنّ

 الحسن بن يوسف بن المطهر، المشتهر بالعلاّمة الحلّي(648هـ/1250م ـ 726هـ/1226م) من عباقرة المنطقيين، وذو منزلة عظيمة في تاريخ علم المنطق في الحضارة الإسلامية.

إلاّ أن علوّ شأنه في الفقه والأصول والكلام و… قد غطىّ على منزلته وباعه الطويل في المنطق.

كتب العلاّمة& في المنطق تصل إلى عشرين كتاباً ومؤلَّفاً، فيعتبر من جهابذة هذا الفن الدقيق.

آثار العلامة متنوعةٌ في علم المنطق منها:

1ـ البعض منها رسائل قصيرة مؤلفة من أجل التعليم، وعليها صبغة تعليمية، مثل: نهج العرفان في علم الميزان، والنور المشرق في علم المنطق.

2ـ والبعض الآخر، تبعاً لكتابي النجاة، والإشارات والتنبيهات، لابن سينا، تشتمل على العلوم الثلاثة : المنطق، والطبيعيات، والإلهيات، مثل: مراصد التدقيق ومقاصد التحقيق، والقواعد والمقاصد، والأسرار الخفية في العلوم العقلية، وتنقيح الأبحاث في العلوم الثلاثة، فهذه نماذج من آثاره الجامعة.

3ـ ربما يكتب العلاّمة أحياناً رسالةً في نقد فيلسوف أو حكيم من الكبار، أو الفلاسفة القدماء أو المتقدِّمين على عصره، فإنه في الخلاصة عن كتاب إيضاح التلبيس من كلام الرئيس يقول: «باحثنا فيه الشيخ ابن سينا». وأيضاً في نفس المصدر عندما يذكر كتاب المقامات الحكمية يقول: «باحثنا فيه الحكماء السابقين، وهو يتمّ مع تمام عمرنا».

4ـ كما أن له آثاراً في التلخيص، وهو من الفنون الهامّة في تنقيح وتهذيب وتسهيل المتون الحكمية، مع الحفاظ على تماميتها؛ فإنه& لخَّص المعجم الكبير والمهم لابن سينا، وهو الشفاء. وهذا التلخيص وإنْ لم يتمّ، لكنّه يشمل على قسم المنطق من كتاب الشفاء بتمامه.

5ـ أكثر ما كتب العلاّمة في علمي المنطق والفلسفة هي شروحٌ على كتب الماضين، فإنه كتب ثلاثة شروح على كتاب الإشارات والتنبيهات، والذي يُعَدّ أول تأليف في تاريخ علم المنطق، ألّف في سياق المنطق ذي القسمين مقابل المنطق ذي الأقسام التسعة. كما أنه حاكم وقضى بين منتقدي الإشارات وموافقيه في كتاب المحاكمات بين شرّاح الإشارات، حيث قد وصل إلينا قسم المنطق منه، فإنّ هذا الكتاب يُعَدّ أنموذجاً من دراسة مقارنة وبحث منطقي متصلّب ومتقن.

قد شرح العلاّمة& أيضاً كتاب الملخَّص، لفخر الدين الرازي (544/1149 ـ 606/1209)؛ وحكمة‌ الإشراق والتلويحات، لشهاب الدين السهروردي(549/1154 ـ 587/1191)؛ وكشف الأسرار للخونجي(573/1194 ـ 628/1249)؛ والرسالة الشمسية وعين القواعد، للكاتبي القزويني (600/1204 ـ 655/1276). وقد انتخب متن جميع هذه الشروح من المصادر التي قد ألفت في المنطق ذي القسمين. ولكنه قد لفت نظره أيضا إلى المنطق ذي الأقسام التسعة، فإنه قد لخَّص كتاب الشفاء، كما أشرنا إليه آنفاً؛ وشرح تجريد المنطق، لنصير الدين الطوسي(597/1201 ـ 672/1274).

أغلب تراث العلاّمة المنطقي كان على نهج المنطق ذي القسمين؛ فإنه& يتبع صياغة الإشارات والتنبيهات في أعماله المنطقية. ولكنْ يُستثني منه موردٌ، وهو أن ابن سينا كان يأتي بالبحث عن مبادئ القياس البرهانية والجدلية والخطابية والشعرية في نهج مستقلّ عموماً، حيث قدّمه على مباحث القياس (النهج السادس). فإن أغلب من اتّبع صياغة الإشارات في كتابة المنطق قد تخلَّفوا في هذا المورد عن طريقة ابن سينا، وجعلوا مبادئ القياس بعد مباحث القياس؛ نظراً إلى علاقة هذا المبحث بأقسام ومراتب المعرفة. أما العلاّمة فقد اتَّبع في هذا النمط ابنَ سينا في مراصد التدقيق، لكنّه تخلف عنه واتَّبع مناطقة القرنين السادس والسابع الذين ألَّفوا كتبهم على نهج المنطق ذي القسمين.

دراسة أعمال وتراث العلاّمة في المنطق تنتهي بنا إلى إلمامه وإشرافه ومعرفته العميقة والاجتهادية بالنسبة إلى تراث المناطقة السابقين عليه. كما أن دراسة أعماله الأخرى في الفقه و الأصول والكلام تنبّئ عن عبقريته في التفكير النقدي المنطقي.

2ـ المصادر الحاكية عن أعمال العلاّمة في المنطق

 من أقدم المصدر التي تحتوي على تقرير لما صنَّفه العلامة في الفلسفة والمنطق هما كتابان: خلاصة الأقوال؛ والإجازة. كما أن المجلسي([1]) والسيد محسن الأمين العاملي([2]) والشيخ آغا بزرگ الطهراني([3]) عرَّفوا لنا بعض أعماله المنطقيّة. وقد بحث المحقق فارس الحسون (تبريزيان) في مقدّمته على القواعد الجليّة في شرح الرسالة الشمسية مؤلَّفات العلامة في تقسيمٍ ثلاثي:

ـ الكتب التي قد ثبت لنا انتسابها للعلاّمة الحلّي.

ـ الكتب التي ليست له، وقد نسبت إليه.

ـ وأخيراً الكتب التي يشكّ في انتسابها إليه.

 وقد عرَّف المصحِّح الخبير في كتاب مراصد التدقيق واحداً وعشرين كتاباً للعلامة الحلّي، كلّها في المنطق؛ بعضها مختصة بالمنطق؛ وبعضها جامعة للعلوم الثلاثة: المنطق والطبيعيات والإلهيات. (انظر مقدّمة المصحِّح على الكتاب الذي بين يديك).

وقد عمل حسين محمد خاني دراسةً مستقلة حول آراء العلامة المنطقية قبل خمس عشرة سنة([4]). كما أن كاتب هذه الأسطر كتب بحثا قصيراً علَّل فيه إقابل العلاّمة على المنطق واهتمامه به([5]).

كما أن المستشرقين عملوا تقريرات كثيرة عن مؤلَّفات العلامة، نقتصر بذكر موردين منها: قد هيّأ نيكولا ريشر([6]) في كتابه تطوّر المنطق العربي([7]) تقريراً قصيراً وناقصاً عن مؤلَّفات العلاّمة الحلّي([8]). وقد بحث كاتب هذه الأسطر تقرير ريشر، وكتب دراسةً نقدية وتكميلية له([9]).

كما أنّ المستشرقة زابينه اشميتكه([10]) قد عدَّدت في مقدّمة كتابها: الآراء الكلامية للعلاّمة الحلّي([11]) التأليفات المنطقية للعلاّمة أيضاً. وأخيراً أكمل السيد عبدالعزيز الطباطبائي دراسة اشميتكه([12]).

3ـ تبيين اهتمام العلاّمة الحلّي الخاصّ بالمنطق

 الدراسة التحليلية والموسّعة التي كتبها العلاّمة الحلّي في علم المنطق تنتهي بنا إلى آرائه البديعة ومواقفه النقدية بالنسبة إلى مَنْ سبقوه.

وتجدر الإشارة هنا ـ كأنموذجٍ ـ إلى أن العلاّمة قد زاد في تقسيم القضية المنطقيّة من حيث الموضوع قسماً خامساً، خلافاً لجميع المناطقة السابقين له. فإنه في بحث التوجيه([13])، وتبعاً للخواجة الطوسي، يعرض نظرية البنيويّة المتشدّدة على أساس تساوق البديهي والأولي.

إنّ أبحاث العلاّمة في المنطق كثيرة، وله آراء بديعة في هذا المجال. وهذا أمرٌ يحتاج إلى دراسة وتحليل.

 إذن ما هي العلة التي جعلت العلاّمة الحلّي يهتمّ هذا الاهتمام بعلم المنطق، علماً بأنّ له اهتمامات في الجانب الكلامي، وكذلك الفقه والحديث والأصول؟

قد نستطيع الإجابة عن هذا السؤال إذا درسنا الظروف التاريخية لعلمي المنطق والكلام في زمن دراسة العلامة لهذين العلمين، وكذلك أجواءهما في ذلك الوقت الذي بدأ العلامة بتأليف آثاره العلمية في هذين الفرعين. فإنه& قد قضى عمره لتحصيل هذين العلمين في النصف الثاني من القرن السابع الهجري. كان هذا القرن بداية ذيوع وشيوع البحث والكتابة في علم المنطق وازدهاره.

ولأجل ذلك نقول: إن جميع المصادر المنطقية بعد ابن سينا إما هي شروحٌ على كتابه الشفاء أو على كتابه الإشارات. وقد مهَّد بعض كبار المنطقيين بعد ابن سينا، من القرن الرابع إلى السادس، أرضية ازدهار علم المنطق، وساهم في هذا الإطار علماء من السنّة والشيعة، منهم : بهمنيار بن المرزبان (362/990 ـ 442/1066)، أبي محمد بن حزم (366/994 ـ 459/1064)، ابن رضوان المصري (377/1000 ـ 444/1068)، أبي حامد الغزالي (450/1074 ـ 505/1129)، ابن ملكا البغدادي (460/1084 ـ 547/1153)، ابن سهلان الساوي (492/1116 ـ 565/1170)، ومجد الدين الجيلي (أستاذ فخر الدين الرازي والشيخ شهاب الدين السهروردي في علم المنطق).

إنّ مناطقة القرن السابع كانوا كثيري العمل في المنطق ومشاهير، وذوي ‌التأثير الكبير على مَنْ جاء من بعدهم، ونخصّ بالذكر منهم: ابن رشد الأندلسي (520/1126 ـ 628/1249)، وفخرالدين الرازي، والشيخ شهاب الدين السهروردي، والذي مرَّ ذكره آنفاً، وقد اشتهر بـ (شيخ الإشراق)، وأثير الدين الأبهري (597/1201 ـ 663/1265)، ونصير الدين الطوسي (597/1201 ـ 672/1274)، ونجم الدين دبيران الكاتبي القزويني، ولعلّه أكثر عملاً من غيره في علم المنطق، والذي أصبحت رسالته الشمسية متناً تعليمياً طوال قرون.

ومنهم أيضاً: سراج الدين الأرموي (594/1198 ـ 682/1283)، وابن كمونة (624/1225 ـ 683/1284)، وشمس الدين محمد الكيشي (615/1236 ـ 694/1295)، وشمس الدين محمد السمرقندي (1240 ـ 1304م.). هذا من جهةٍ.

ومن جهةٍ أخرى نجد في القرن السابع الهجري فتناً كثيرة في العالم الإسلامي. ففي هذا القرن كانت هجمة المغول على الأراضي الإسلامية وثقافتهم، وعاشت الحضارة الإسلامية على مثل هذه الغارات المدمِّرة. وعليه فإن هزيمة هذه الثقافة تجاه سلطة الثقافة المغولية كان بإمكانها أن تكون بدء دورة نكبة للفكر والثقافة في للعالم الإسلامي. بعد استيلاء المغول المؤسف على العالم الإسلامي بدأت أصوات تسمع من هنا وهناك تدعو إلى مكافحة علم المنطق. وإنْ كان قد كتب الغزالي من قبل ـ في القرن الخامس الهجري ـ كتاب تهافت الفلاسفة في نقد الفلاسفة وتكفيرهم، أو كتب عبد الكريم الشهرستاني (460/1068 ـ 547/1153) كتاب مصارعة الفلاسفة في هذا المضمار، إلاّ أن المنطق آنذاك كان ذا منزلةٍ هامة، وإنّ الغزالي نفسه كتب في هذا العلم كتباً عدّة، مثل: محك النظر، ومعيار العلم، والقسطاس المستقيم، ومنطق مقاصد الفلاسفة، ومنطق المستصفى من علم الأصول. ولكنْ في النصف الثاني من القرن السابع وبداية القرن الثامن، فنّد تقي‌ الدين أبو العباس أحمد ابن تيمية (661/1262 ـ 728/1328) هذا العلم في كتابه الردّ على المنطقيين، وفي مجموع الفتاوى قام بمواجهة مباني هذا العلم من الأساس.

وكان العلاّمة الحلّي بصفته متكلِّماً يرى أنّ الفرارَ من المنطق هو بداية الرؤية القشرية غير المتعمِّقة للفكرة الدينية، وورود الأفكار السخيفة الممزوجة بالخرافات إلى ساحة الفكر والتفكير الدينيّين. ومن هنا ازداد اهتمام العلاّمة الحلّي بتنمية علم المنطق كبنيانٍ مرصوص تجاه الموجة القشرية والسطحيّة في الفكر الديني، حيث كان يهدد الفكر الديني كسيلٍ جرار. إن العلامة الحلّي، ومضافاً إلى الكتب الكثيرة التي عملها في المنطق، قد اهتمّ بتعليم وتربية منطقيّين كبار، كقطب الدين الرازي وآخرين.

كما يمكننا أن نعلِّل نظرية البنيوية المتشدِّدة للعلاّمة في التوجيه بنفس هذا الطابع الكلامي له؛ فإنه&؛ وحفاظاً على إحكام وتثبيت العقائد الدينية، كان يحتاج إلى ميزانٍ ومعيار، يميز به الغثّ من السمين. إن العقلانية ـ عند العلاّمة الحلّي ـ تحافظ على أصالة التفكير الديني، كما أن التأكيد على نظرية البنيوية المتشدّدة يصعب معه إثبات الآراء الكلامية، لكنّ الإيمان بحقانية المعارف الدينية الأصيلة صارت سبباً كي يضع العلامة آراءه الكلامية على ميزان المنطق، ويزنها به؛ حيث إنّ المنطق هو آلةٌ معتمدة في ردّ الآراء الالتقاطية والأفكار القشريّة والسطحيّة.

النظرية البنيوية المتشدّدة تبنّاها نصير الدين الطوسي ـ الذي كان أستاذ الحلّي في المعقول ـ في شرح الإشارات وتجريد المنطق. وتاريخياً إن أول مَنْ طرح نظرية البنيوية في مبحث التوجيه هو أرسطو في كتاب التحليل الثاني أو البرهان لمكافحة التشكيكات السوفسطائية. وبناءً على ما تبنّاه أرسطو نستطيع أن نستنتج العلم النظري من العلم البديهي من خلال تنظيم الأقيسة. كما أن البديهي كان منحصراً عنده في المحسوسات والأوّليات، وقد توسَّع علماء المسلمين في نظرية البنيوية الأرسطية بشكلٍ معتدل، وبلغوا بأقسام البديهي إلى ستة أقسام. فالبديهي بناء على هذا أعمّ من الأوّلي.

الطوسي يبرهن على تساوق الأولي والبديهي، وهو يقول في مبحث مبادئ البرهان: «ومبادئه ستة: ‌الأوّليات والمحسوسات والمجربات والمتواترات والحدسيات والقضايا الفطرية القياس». ثم يقول: «والأخيرتان ليستا من المبادئ، بل واللتان قبلهما أيضاً، والعمدة هي الأوّليات»([14]).

ونحن نرى أن الطوسي في عدوله عن بنيوية مَنْ سبقوه المعتدلة إلى بنيويته المتشدّدة طوّر وأحكم وعمّق الفكر الديني أكثر فأكثر. وقد تلقّى العلاّمة الحلّي هذه النظريّة بكلّ جدارةٍ، وقام ببسطها.

4ـ بعض إبداعات العلاّمة الحلّي في المنطق

للعلاّمة الحلّي آراء منطقية كثيرة خاصة به، نختار واحدة منها للبسط والتوضيح، وهي إبداع قسم خامس في تقسيم القضية من حيث الموضوع.

 وبيان ذلك: إن أرسطو (384ق.م ـ 322ق.م) في بداية كتاب التحليل الأول أو القياس قد عدّ أقسام القضية من الحيثية المذكورة ثلاثة: المهملة؛ والكلية؛ والجزئية. وهذا التقسيم، وإنْ كان ظاهره ثلاثيّاً، إلاّ أنه ثنائيٌّ في واقع الأمر؛ لأن الكلية والجزئية قسمان للقضية المسوَّرة. وقد زيد على هذا التقسيم بعد أرسطو القضية الشخصية، والتي كان أرسطو تحدَّث عنها في كتاب العبارة. وهذا التقسيم الثلاثي قد شاع بين المنطقيين إلى القرن السابع الهجري.

تحدَّث ابن سينا في توضيح أقسام القضية الحملية عن قضية «الإنسان عامّ». ولم يعدّ مناطقة القرن السابع ـ الذين كانوا يتبعون نظام المنطق ذي القسمين ـ، أمثال: الأرموي في الإيضاح؛ والأبهري في آثاره، تلك القضية قضيةً مهملة؛ لأن المهملة مع أنه لا يوجد لها سور قابلةٌ للسور، والحال أن قضية «الإنسان عامّ» لا تقبل السور. إذن سمّوا مثل هذه القضية قضيةً طبيعية، وزادوا عليها في التقسيم الثلاثي قسماً رابعاً.

وقد شاع التقسيم الرباعي، رغم مخالفة بعض المنطقيين التابعين لنظام المنطق ذي الأقسام التسعة، كالطوسي وغياث الدين الدشتكي (866/1462 ـ 949/1542) في القرون التالية([15]).

أما العلاّمة الحلّي& فقد سمّاها بالقضية «العامّة»، بدلا من «الطبيعيّة» واعتبرها قسماً خامساً، سماه «الطبيعيّة»([16]). ما هو المقصود من القضية الطبيعية عند الحلّي كقسمٍ خامس للقضايا، وما الذي يجب أن نتحرّز عن الخلط مع القضايا الطبيعية عند القوم؟

علينا البحث عن جوابٍ لهذا السؤال.

 في تحليل الطوسي للقضية المهملة استفاد في تمييز الأقسام الثلاثة للقضية (أعني المخصوصة والمهملة والمسوَّرة) بالاعتبارات الثلاث للماهية. باعتبار أن الماهية ـ مع تقييده بالخصوص (هذا الإنسان مثلاً) ـ موضوع للمخصوصة، ومع تقييده بالتبعيض أو التعميم (كلّ وبعض) موضوع للمسوَّرة، وباعتبارها من حيث هي من دون أيّ تقييدٍ موضوع للمهملة، كقولنا: «الإنسان ساعٍ».

بإمكاننا أن ننقد هذا التحليل بأن نقول: إنّ الماهية إذا أخذت موضوعاً من دون أي تقييدٍ فهناك احتمالان:

ـ إما أن يكون الحكم للماهية العامة من حيث هي هي، (أي بالحمل الأولي وكمفهوم عام).

ـ أو أن يكون الحكم لمصاديقها.

 الشقّ الأول هو الذي سماه المناطقة التابعون لنظام ذي القسمين في القرن السابع الهجري بـ «قضية طبيعية»، وسمّاه الحلّي «قضية عامة».

وأما إذا كان الحكم للمصاديق، وكان ملاكه الطبيعة من حيث هي، فالحكم في القضية شاملٌ يعمّ جميع الأفراد، لأن «ما صحّ على الطبيعة صحّ على الأفراد». فالعلامة& في ضوء هذه النقطة الهامّة اعتبر هذه القضية قسماً منفرداً، وسماها «القضية الطبيعية».

النسبة بين المحمول والحكم وبين الموضوع عند العلامة الحلّي ثلاثة أقسام:

 الأول: أن ينظر إلى تلك الطبيعة من حيث هي هي، ويحكم عليها بالمحمول، وتسمّى «القضية الطبيعية».

 الثاني: أن ينظر اليها من حيث إنها تقع على الكثرة، وهي المأخوذة بمعنى الكلّي العقلي، وهذه هي التي سمّاها «القضية العامة»، كقولنا: «الإنسان نوع» و«الحيوان جنس».

 الثالث: أن ينظر إلى الكثرة من حيث إن تلك الطبيعة مقولةٌ عليها، وهذا القسم يمكن تقسيمه، باعتبار انضمام القيد والسور وعدمه، إلى: «المهملة» أو «الكلية» أو «الجزئية»([17]).

وبناءً على هذا لا داعي إلى اعتبار الحقيقية والخارجية، التي اعتبرها فخر الدين الرازي وشيخ الإشراق، تلميذا مجد الدين الجيلي، وأوصلها الأبهري، إلى مبحث القضايا الحقيقية والخارجية والذهنية.

ميزة الكلية والطبيعية ـ في مصطلح ومنهج العلاّمة الحلّي ـ توضح لنا الفارق بين القضايا الكلية في أمثال العلوم التجريبية والتاريخ وبين القضايا الكلّية الميتافيزيقّية.

ففي القضايا الطبيعية بما أن الطبيعة هي مناطُ الحكم فتضادّ الحكمين تناقض، ولايكون أثر لكونها ممتنعة تجريبياً. القضايا الطبيعية في مصطلح العلامة تشبه القضية الكلّية عند لايب نيتس، والتي ـ وفقا لها ـ إذا عرفنا الموضوع فالمحمول يكون في ضمن الموضوع بالحمل الأولي.

إنّ إبداع العلاّمة الحلّي في اعتبار القضية الطبيعية ـ بحسب مصطلحه ـ لم يلفت نظر المناطقة المتأخِّرين، ولكنْ لفت أنظار الأصوليين. لذلك يجب أن ننتبه إلى أنّه من الممكن أن يختلط مصطلح «الطبيعية» عند بعض الأصوليين، ولا يستطيعون التمييز بين مصطلحين، هما: «الطبيعية» في مصطلح القوم، والتي سمّاها العلاّمة عامة، و«الطبيعية» في مصطلح العلامة؛ فإنهم أرادوا بالطبيعية في مبحث كون الأحكام الشرعية قضايا طبيعية الطبيعية في مصطلح العلامة. وبما أنها قد تلتقي أو تشتبه بالتساوي مع القضية الحقيقية في مصطلح القوم فقد يستعمل مصطلح الحقيقية في هذا المبحث. ولعل المناطقة المتأخِّرين توهَّموا أنّ «الطبيعية» في مصطلح العلامة هي نفسها «الحقيقية» في مصطلحهم، ولذلك أعرضوا عن نظرية العلامة.

5ـ تبويب مراصد التدقيق

 المقارنة بين مراصد التدقيق والأسرار الخفية تكشف لنا عدّة أمور. قد كتب ابن سينا في قسم المنطق من كتاب الإشارت، والذي يُعَدّ أوّل كتابٍ في المنطق ألّفه بأسلوب المنطق ذي القسمين، وفي عشرة مناهج، وقد حذف منه مبحث المقولات، وقدَّم مبحث الحدود على مبحث القضايا، وقد اكتفى من مبحث الصناعات الخمسة بالبرهان والمغالطة. وكتب المناطقة التابعون لأسلوب المنطق ذي القسمين، في القرن السابع الهجري، كتبهم في المنطق في مقدّمة ومقصدين وخاتمة أو أكثر، وحاولوا التأكيد على منهجهم، من أن المنطق يجدر به أن يقسَّم إلى قسمين، أعني: مباحث المعرّف؛ ومباحث الحجّة، وذلك من خلال تبويب كتبهم أيضاً.

أما العلاّمة& فقد بوَّب مراصده في أربعة مقاصد: إيساغوجي (جعل إيساغوجي مقصداً بدل أن يجعله مقدّمة)، القضايا وأقسامها، والقياس، والبرهان والجدل. مضافاً إلى أنه ـ خلافاً للإشارات والمصادر الأخرى في منهج المنطق ذي القسمين، ووفاقاً للمصادر التي دوّن في منهج المنطق ذي الأقسام التسعة ـ جعل مبحث الحدود في ضمن البرهان.

لكنْ في كتاب الأسرار الخفية اختلف هذا المفهوم، فقد دوّن العلاّمة قسم المنطق من الكتاب في ستّ مقالات، وجعل البحث عن قول الشارح والحدود بحثاً مستقلاًّ، وقدّمه على بحث القضايا، كما فعل ابن سينا في الإشارات. وكذلك اكتفي في مبحث الصناعات الخمسة بالبرهان والمغالطة.

ودراسة ما يحتويه الكتابان ترشدنا إلى أنّه من المحتمل أن العلامة أثناء تأليفه للمراصد قد تأثَّر بنصير الدين الطوسي، كما أنه عند كتابة الأسرار الخفية كان متأثِّراً بالكاتبي القزويني. كل ذلك يكون مع محافظة العلاّمة على استقلاليّته في آرائه المنطقية. واللهُ أعلم.

الهوامش

(*) أستاذٌ جامعيّ، ومسؤول قسم الأبحاث والدراسات ومدير قسم الأخلاق الإلهيّة في جامعة طهران. من أبرز الكُتّاب في علم الكلام الجديد.

([1]) المجلسي، بحار الأنوار 107: 57، بيروت.

([2]) محسن الأمين، أعيان الشيعة 5: 45 ـ 46، بيروت، دار التعاريف للمطبوعات، 1403 ـ 1983.

([3]) الطهراني، الذريعة إلى تصانيف الشيعة 3: 351؛ 4: 46؛ ومواضع أخرى، بيروت.

([4]) حسين محمد خاني، آراي منطقي علاّمه حلّي (الآراء المنطقيّة للعلاّمة الحلّي)، رسالة ماجيستر، إشراف: أحد فرامرز قراملكي، جامعة طهران، 1991م.

([5]) أحد فرامرز قراملكي، جستار در ميراث منطق ‌دانان مسلمان (بحث في التراث الإسلامي للمناطقة المسلمين): 257 ـ 275، طهران، پژوهشگاه علوم إنساني، 2012م.

([6]) Nicholas Resher.

([7]) The Development of Arabic logic, 1964.

([8]) نيكلا رشر، تطور المنطق العربي: 473 ـ 474، ترجمه: محمد مهران، دار المعارف، القاهرة.

([9]) انظر: عبد العزيز الطباطبائي، مكتبة العلامة الحلّي، قم، مؤسسة آل البيت، 1412هـ.

([10]) Sabine Schmitke.

([11]) The Theology of Allama al ـ Hilli.

([12]) انظر: الطباطبايي عبدالعزيز، مكتبة العلاّمة الحلّي.

([13]) Justification.

([14]) العلاّمة الحلّي، الجوهر النضيد: 199 ـ 201.

([15]) انظر تفصيل البحث حول اعتبار الطبيعية في: أحد فرامرز قراملكي، جستار در ميراث منطق‌ دانان مسلمان: 439 ـ 461.

([16]) ابن المطهَّر الحلّي، الجوهر النضيد: 54 ـ 55؛ القواعد الجلية: 351 ـ 352؛ الأسرار الخفية: 58.

([17]) الأسرار الخفية: 58.

الكاتب د. أحد فرامرز قراملكي

د. أحد فرامرز قراملكي

مواضيع متعلقة

اترك رداً

downloadfilmterbaru.xyz bigoporn.club bok3p.site sablonpontianak.com