الغناء في الفقه الإسلامي

مطالعة في نظرية المحقق الأردبيلي

السيد علي الحسيني(*)

ترجمة: نظيرة غلاب

مقدمة

عرف التغني والعزف على آلات الموسيقى رواجاً واسعاً بين جميع أطياف المجتمع البشري، منذ الظهور الأول للحضارة وتشكل المدنية، وظلّ على مساحة تاريخ الإسلام من المواضيع المبتلى بها، والتي لقيت اهتماماً كبيراً بين طبقات العلماء. إن تداخل الحدود والموضوعية بين الغناء والموسيقى وحدود الصوت الحسن واللحن المطرب ـ مع العلم أن اللحن والصوت الحسن مرغوب وممدوح في تجويد وقراءة القرآن ـ قد أضفى نوعاً من الإبهام على الحكم والموضوع، مما جعل من القضية في صورتها الموضوعية مثاراً للجدل، الأمر الذي دفع فقهاء الشيعة إلى العمل الجاد للتمييز بين أبعاد الحكم والموضوع في الغناء والموسيقى، والقدر الذي يتداخل فيه مع الصوت الحسن واللحن المطرب. لذا فإن البحث في هذا الموضوع يتطلب قدراً عالياً من الدقة والإلمام الواسع بجميع أبعاد الموضوع.

يعتبر المحقِّق الأردبيلي من العلماء العظام المتضلعين في الفقه، ومن الذين امتازوا ببعد النظر والإحاطة الكاملة بمواضيع البحث والتحقيق، وقد ترك بصماته واضحة في ما يخص موضوع الغناء الذي شمله بالبحث من مختلف أبعاده، بل أبدع فيه بطرحه لآراء جديدة كانت المنطلق بالنسبة إلى مَنْ أتى بعده من المحققين والفقهاء. وضمن هذا المقال سنستعرض آراء المحقِّق الأردبيلي وأبحاثه بالنسبة إلى موضوع الغناء.

تعريف الغناء

اختلف علماء اللغة في تحديد معنى الغناء، وهو الأمر الذي ساهم بشكل كبير في إيجاد معاني مختلفة ومتعددة، منها: الصوت الجميل والرقيق([1])؛ الصوت واللحن المطرب([2])؛ الصوت المحرك للعواطف والملهب للمشاعر، وقد يكون مع العزف على آلة موسيقية أو خالياً منها([3])؛ النغمة الحسنة، الإنشاد، التطريب([4])؛ و…([5]).

ومن خلال قراءة متأنية لهذه التعريفات اللغوية، وغيرها كثير، يلاحظ أمران:

الأول: إن بعض اللغويين بدل أن يوضح حدود ومفهوم الغناء ذهب إلى الكلام عن بعض جوانبه أو بعض مصاديقه، وبهذا اللحاظ إما أن يكون قد أورد التعريف اللغوي ناقصاً؛ أو أنه اعتبر ذكر المصداق كافياً في تحديد المعنى.

الثاني: إن البعض قد خلط بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي.

ولم يقتصر الاختلاف في وجهات النظر حول الغناء بين اللغويين، بل الأمر كذلك بين الفقهاء؛ فالعلامة النراقي في (المستند) أورد اثني عشر تعريفاً([6])، وذكر الإمام الخميني في (المكاسب) اثنين وعشرين تعريفاً بين اللغوي والفقهي، وأضاف إليها تعريفَين آخرين([7]). ونشير إلى أن الفقهاء قبل المحقِّق الحلي لم يكونوا يرون ضرورة لتعريف الغناء([8])؛  ولعل السبب أنهم كانوا يكتفون بالتعريف العرفي المشترك، وكان المحقِّق الحلّي(676هـ) أول من عرَّف الغناء لغوياً وفي الاصطلاح([9])، ونقل المحقِّق الأردبيلي ثلاثة معانٍ للغناء.

التعريف الأول

عرفه أولاً بقوله: «مدّ الصوت المشتمل على الترجيع المطرب، وإن كان في قرآن»([10]).

ونجد كلاًّ من المحقِّق في (الشرائع)، والعلامة الحلي في (متن الإرشاد)([11]) ـ مجمع الفائدة والبرهان شرح عليه ــ والتحرير([12])، والشهيد الأول في (الدروس)([13])، والمحقق الكركي في (جامع المقاصد)([14])، قد قبلوا جميعاً بهذا التعريف، كما اعتبره العديد من فقهاء الشيعة ضمن المشهور([15]).

وقد اعتبر المحقِّق الأردبيلي هذا التعريف مشهوراً، وذلك في كتاب البيع والشهادات، لكنه في باب البيع ـ وكان قد كتبه قبل الشهادات ـ لم يرَ فيه قوة، ولذلك صدّره بلفظ (قيل). وبعد ذكر تعريف آخر رأى أنه أكثر شهرة من الأول([16])، أما في كتاب الشهادات فقد كان له رأي آخر، حيث وجدناه يدافع عن ذلك التعريف، ويراه أكثر دقة، فكتب يقول: «فبالجملة لا ينبغي الخروج عن التفسير المذكور؛ فإنه المشهور، وفسّر به المصنف والمحقق وغيرهما»([17]).

تفسير الرأي المشهور

بناءً على هذا التعريف يصبح الغناء المحرم مقيَّداً بشرطين:

1ـ أن يصدر الصوت مصحوباً بنغمة (ترجيع الصوت في الحنجرة وداخل الفم).

2ـ أن يكون الترجيع مؤدياً للتطريب (موجداً لمشاعر الفرح أو الحزن).

ويوضح المحقِّق الأردبيلي القيدين، فيقول: «لعل المراد من «الترجيع» هو ترديد الصوت في الفم والحلق، ومن «المطرب» الذي يحصل منه اللذة للنفس، كما يحصل من كثير من الملاهي، مثل: الدفّ، والزمر، وإن حصل منه البكاء، فإنه ليس للآخرة، فإن البكاء أقسام، فافهم الفرق. ويمكن كون المراد به المطرب عرفاً، وبالنسبة إلى أكثر الناس، فيحرم على مَنْ لم يكن مطرباً له أيضاً. والظاهر اختصاص التحريم بالذي يكون مطرباً له، وبعض الأصحاب لم يذكر قيد المطرب فيكون مطلقاً حراماً عنده»([18]).

الاستدلال على الرأي الأول

حتى يتّضح لنا استدلال المحقِّق الأردبيلي على التعريف الأول لابد في البدء من عرض التعريف الثاني للغناء، حيث يقول: إن الغناء هو مدّ الصوت مع الترجيع، سواء أطرب أم لم يطرب، بل الظاهر أنه يطلق على مد الصوت من غير طرب، فيكون حراماً؛ إذ يصح تقسيمه إلى المطرب وعدمه، بل ولا يبعد إطلاقه على غير المرجع والمكرر في الحلق»([19]). وعليه فلفظتا «مرجع» و«مطرب» زائدتان.

ويقول في الدفاع: إن أهم دليل يعتمد عليه في تحريم الغناء وفق التعريف الأول هو الإجماع، فقد حصل الإجماع على أن مدّ الصوت مع الترجيع والتطريب حرام، لذا فإن حصول مدّ الصوت من دون القيدين يشكِّك في الحرمة، مما يجري عليه أصل الإباحة، وبالتالي تثبت حليته([20]). أما ما استدل به على حرمة الغناء من الروايات، مثل: الروايات الواردة في تفسير قوله تعالى: ﴿لَهْوَ الحَدِيثِ﴾، أو ﴿قَوْلَ الزُّورِ﴾، ورواية كلٍّ من إبراهيم بن أبي البلاد، وسعد بن محمد الطاطري، ونصر بن قاموس، فهي عامّة، وتحرم مطلق الغناء، ممّا يجري حكم الحرمة فيها على مد الصوت، وبذلك يصبح داخلاً تحت عنوان الغناء حتى مع انعدام الترجيع التطريبي فيه. وبعبارة أخرى: إن ما استدل به على حرمة مطلق الغناء هي هذه الروايات، التي تمدِّد من معنى الغناء ليشمل تمديد الصوت وإن لم يطرب أو يؤدي إلى التطريب([21]). وفي ردّه لهذا الإطلاق يقول: إنه لم يرَ رواية صحيحة وصريحة في التحريم، ولعل الشهرة تكفي، بالإضافة إلى الأخبار الكثيرة، مع العلم أن الإجماع واقعٌ على التحريم، ممّا يعني أن التخصيص يحتاج إلى دليل، كما يمكن أن يقال بأن الأخبار الواردة في الموضوع ليست حجة، ويكتفى بالإجماع والشهرة على وجوب توفر القيدين (الترجيع والتطريب)، فلا حجة على غيره، والأصل في الإباحة قوي، وإن الاحتياط واضحٌ في الأمر([22]).

وفي الجملة وجدناه يشكِّك في صحة هذا الرأي وهذا التعريف ضمن كتاب البيع، لكنّه أضحى متشدِّداً في الدفاع عنه ضمن كتاب الشهادات، بل ذهب إلى القول بأن العدول عنه ليس صحيحاً.

التعريف الثاني

يرى بعض الفقهاء أن العرف هو المحدِّد الرئيسي والمفصلي في تعريف الغناء، وتعيين مواصفاته. وكثيرون هم الفقهاء الذين قالوا بهذه النظرية، كالشهيد الثاني في باب البيع والشهادات ضمن كتابه (مسالك الأفهام)([23])، والشيخ محمد حسن النجفي في (جواهر الكلام)([24])، والبحراني في (الحدائق)([25])، وفي (المناهل)([26])، والفاضل المقداد في (التنقيح الرائع)([27]).

وذهب الفقيه والباحث الحسيني العاملي إلى أن التعريف الأول يرجع في نهايته إلى هذا التعريف؛ وذلك لأن جميع الفقهاء مشتركون في اعتبار المعنى المشهور الذي يحدِّده العرف، وإنما في التعريف الأول نصب الفقهاء أنفسهم مكان العرف في تعريف الغناء، وهو يحمل في نفسه تجاوزاً للاستعمالات العرفية، فمن ضمن القواعد الفقهية أن الشارع إذا لم يحدِّد معنىً للمفهوم فإن العرف موظَّف للقيام بهذه المهمة، وذلك لأن الخطابات الشرعية ملقاة للعرف، والغناء واحد من المفاهيم التي أدلى الشارع بالحكم فيها، لكنه ترك مجال تعريفه للعرف. وقد كتب يقول في توضيح هذه القاعدة: والإحالة إلى العرف، كالفاضل المقداد، والشهيد الثاني، بل قد نقول: إن المعنى المشهور لا يحكم العرف بسواه، ويرشد إلى ذلك جماعة ممَّنْ عرَّفه، كالمحقق في شهادات الشرائع، والمصنف في الكتاب والتحرير والإرشاد، ولم يذكروا له إلا المعنى المشهور، وما ذلك إلا لأنه هو الذي يحكم به العرف، وإلا لكان الواجب عليهم الإحالة على العرف كما تقتضيه قواعدهم؛ لأنه لفظ ورد من الشرع تحريم معناه، ولم يعلم له معنى شرعي، فيحال على العرف…. فكيف يفسِّرونه بمعنى يخالف العرف؟! إن ذلك لمستبعد في غاية البعد([28]).

ويعزو الإمام الخميني سبب اختلاف تعريف الفقهاء للغناء إلى العرف الذي وكل له تعريفه، وبما أن فهم العرف متغير بتغير الزمن والمكان فإن هذا التغير أضفى على المعنى العرفي للغناء اختلافه وتنوعه، وكان سبباً موضوعياً في إلحاق التعددية بالمعنى([29]).

كذلك وجدنا المحقِّق الأردبيلي يعبِّر عن هذا المعنى في باب البيع، وكذا في باب الشهادات، وحيث نسب القول إلى بعض الأصحاب، فقد كتب في باب البيع قائلاً: وردّه بعض الأصحاب إلى العرف، فكل ما يسمى به عرفاً فهو حرام، وإن لم يكن مشتملاً على الترجيع، ولا على الطرب([30]). ويرجع الدليل المعتمد في ما ذهبوا إليه بقوله: دليله أنه لفظ ورد في الشرع تحريم معناه، وليس بظاهر له معنى شرعي مأخوذ من الشرع، فيحال على العرف([31]).

ويوضِّح المحقِّق الأردبيلي هذا المطلب بشكل آخر، حيث يبين أن موضوعات الأحكام الشرعية على نوعين: قسم منها تكفل الشرع نفسه بتوضيحها وبيان حدودها المفاهيمية، كالصلاة، الصوم، الزكاة، الحج، وغيرها؛ بينما هناك قسم آخر تحدث فيه عن الحكم، لكن ترك مساحة للعرف في تعيين حدوده والجانب المفهومي فيه. والمحقِّق الأردبيلي يريد من وراء الإتيان بهذه القاعدة أن العرف وحده المرجع في تعيين الجانب المفهومي للغناء، وبالتالي وحده المشخِّص لحدوده العينية.

التعريف الثالث

هناك قسمٌ آخر من الفقهاء اعتبروا قيد التطريب خارجاً موضوعاً من معنى الغناء، واعتبروا أنّ الغناء هو تمديد الصوت مع الترجيع (ارتعاش الصوت داخل الحنجرة). وقد أشار إلى هذا المحقِّق الأردبيلي في كتاب الشهادات، حيث كتب يقول: وبعض الأصحاب ما قيد بالمطرب، فيكون مطلقاً حراماً عنده، مطرباً كان أم لا([32]).

ويعيد الإشارة إلى نفس المطلب ضمن كتاب البيع، فيكتب قائلاً: ورده بعض الأصحاب إلى العرف، فكل ما يسمى به عرفاً فهو حرام، وإن لم يكن مشتملاً على الترجيع، ولا على الطرب. دليله أنه لفظٌ ورد في الشرع تحريم معناه، وليس بظاهر له معنى شرعي مأخوذ من الشرع، فيحال على العرف. والظاهر أنه يطلق على مد الصوت من غير طرب، فيكون حراماً؛ إذ يصح تقسيمه إلى المطرب وعدمه، بل ولا يبعد إطلاقه على غير المرجع والمكرر في الحلق، فينبغي الاجتناب([33]).

وكأنه يريد أن يشير ضمناً إلى ما جاء على لسان العلامة في (القواعد)، حيث يقول هذا الأخير معرِّفاً الغناء: «ترجيع الصوت ومدّه»([34]). وكما هو ظاهر فقيد (المطرب) غير وارد في هذا التعريف مطلقاً.

ويذهب المحقِّق الأردبيلي في تقوية مذهبه في تعريف الغناء إلى أن تحريم الغناء تؤكِّده الروايات الواردة في نفس الأمر، وهناك بعض الروايات التفسيرية، وعلى العموم فإن الحكم بالحرمة وارد في جميع الروايات التي تحدثت عن حرمة بيع القينات والمغنيات أو شرائهن، فجاء تحريم مطلق الغناء، بدون إحضار أيّ قيد من القيود المذكورة آنفاً (التطريب أو عدمه).

ويردّ على مَنْ ادَّعى أن لا رواية صحيحة وصريحة في حرمة الغناء حتى يتم تعميمها، وتصبح حجة في الموضوع، بقوله: إن دليل حرمة الغناء مطلقاً مردّه الإجماع، أو الشهرة بضميمة الرواية، أو فقط يعتبر الإجماع، وتخصيصُ الإجماع المطلق بالموارد التي يكون فيها الغناء مطرباً، وبحصول الترجيع، مفتقد إلى دليل، وهي سالبة بانتفاء المحمول.

ويختم هذا المبحث بطرحٍ لإشكال آخر مفاده: إذا كانت الروايات الواردة في الغناء غير صريحة وغير صحيحة فيكون المرجع في التحريم هو الإجماع والشهرة، وقد وردا مع القيدين (التطريب والترجيع)، ومع عدمهما لا حجة على غيره، والاحتياط واضح([35]).

 

نظرية حرمة الغناء

إلى نهاية نصف القرن السادس الهجري اقتصر عمل الفقهاء على استظهار حكم الجواري المغنيات في تبيين الحكم في الغناء. فها هو: فقه الرضا([36])، وعلي بن بابويه([37])، والصدوق في (المقنع)([38])، وفي (الهداية)([39])، والمفيد في (المقنعة)([40])، والطوسي في (النهاية)([41])، وابن البراج في (جواهر الفقه)([42])، والكيدري في (إصباح الشيعة)([43])، والراوندي في (فقه القرآن)([44])، قد تحدثوا جميعاً عن حرمة أجرة المغنية، مع قولهم في بعض الأحيان بجوازه إذا كان عند العروس([45])، كما تحدثوا عن حرمة تعلمه وتعليمه([46])، وفي والمقابل نجد الطوسي في (الخلاف)([47])، والحلبي في (الكافي)([48])، وابن زهرة في (الغنية)([49])، وابن إدريس الحلي في (السرائر)([50]) ـ مقتدياً بالطوسي في (الخلاف) ـ، قد أفتوا بحرمة الغناء. وبعد هذا قال ابن إدريس، والمحقِّق الحلي في (الشرائع)([51])، بحرمة الغناء، واقتدى جميع علماء الشيعة ـ إلا القلّة ـ به، واستمروا جيلاً بعد جيل يثبت كل واحد منهم الحرمة، ولا شيء سواه.

وذهب المحقِّق الاردبيلي إلى القول بحرمة الغناء، ويقول في هذا المضمار: أما الغناء فلا شك في تحريم فعله وسماعه عندنا، لعله لا خلاف فيه([52]). ويضيف:  وبالجملة لا شبهة في تحريم سماع الغناء وفعله عند علمائنا، بل ورد في البعض أنها كبيرة؛ لأنه ممّا وعد الله عليه النار، فإنه المعنيّ بلهو الحديث([53]).     

مستندات نظرية حرمة الغناء

تمثل الروايات الدليل الأصلي المعتمد في الاحتجاج على حرمة الغناء. فلكي يثبت الفقهاء هذه الحرمة استدلوا بهذه الروايات. كذلك اعتمد المحقِّق الأردبيلي على هذه الروايات، التي عدّها كثيرة([54]) واكتفى بنقل مجموعة منها، مع التأكيد على أن المحقِّق الأردبيلي له مبنى خاص في هذا الموضوع، وهو مشهور بين المحقِّقين والفقهاء، مفاده أننا لا نملك أية رواية صحيحة وصريحة في الحكم بحرمة الغناء. من هنا فإن هذه الروايات المستدلّ بها في الباب إما أن تفتقد إلى سند صحيح، مثل: رواية أبي بصير([55])، ورواية أبي أسامة([56])، ورواية إبراهيم بن أبي البلاد([57])، ورواية سعيد بن محمد الطاطري([58])، ورواية النضر بن قابوس([59])، وغيرها؛ وإما أن سندها صحيح، لكن دلالتها غير تامة أو غير صريحة في الحرمة، مثل: صحيحة أبي صباح([60])، ورواية حسن([61])، التي فسَّرت لفظ الزور في قوله تعالى: ﴿لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ بأن المراد به الغناء، ومثل: صحيحة أبي بصير([62])، التي جاءت في الغناء في مجلس العروس (الخاصّ بالنساء)، مع غضّ النظر عن بعض ما يعتريها من مشكلات في السند([63]).

والسؤال الملح بعد كلّ هذا العرض: ما هو دليل المحقِّق الأردبيلي الذي استند إليه في القول بحرمة الغناء؟

لقد أشرنا إلى دليله في ما سبق، وقلنا: إنه يقول: حرمة الغناء مستندة إلى الإجماع، أو إلى الإجماع والشهرة بضميمة الروايات. ونشير إلى أنه قبل المحقِّق الأردبيلي لم يكن الاستدلال على حرمة الغناء سائراً وفق نظرية المحقِّق، بحيث إذا قالوا بدليل الإجماع كانوا يضمّون إليه الرواية، ولم يكن الإجماع دليلاً بنفسه. وكمثال على ذلك الشيخ الطوسي في (الخلاف)، حيث كان أول مَنْ قال بدليل الإجماع ـ ومبنى الشيخ هو الإجماع اللطفي ـ فقد كتب يقول: «دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم»([64]). يعني أن دليل حرمة الغناء إجماع الشيعة والروايات.

لكن مبنى الأردبيلي يواجه إشكالين لا نجد جواباً عنهما ضمن كلامه:

الأول: هل فعلاً وقع الإجماع بين الفقهاء على تحريم الغناء؟ ـ لابد من البحث عن مبناه في الإجماع، فلعله يريد الإجماعٍ االمدركي ـ.

الثاني: على فرض أن الإجماع قد حصل واقعاً ـ والذي يحتمل أنه قام من خلال الروايات ـ فهل يمكن الاعتماد على هذا الإجماع، ومن ثم الفتوى بناء عليه؟

الغناء المستثنى من حكم الحرمة (الغناء الجائز)

لقد استثنى العديد من فقهاء الشيعة بعض الموارد التي لا يعتبر فيها الغناء حراماً. ولعل أشهر هذه الموارد التي وقع فيها الاستثناء غناء النساء في مجلس العروس([65]).  ونجد المحقِّق الأردبيلي قد حقَّق في أربعة موارد مستثناة من الحرمة:

1ـ النواح على الميت.

2ـ رثاء وندب الإمام الحسين وأهل البيت^.

3ـ الغناء والإنشاد عند العروس في محفل النساء.

4ـ الحداء.

فقد قال في كتاب التجارة: إن النواح على الميت إذا كان على شكل الغناء جائز؛ وذلك لصحيحة أبي بصير، والإجماع، وسيرة المتشرعة.

فقد كان الناس زمن النبي الأكرم|، وفي زمن حضور المعصومين، ينوحون على أمواتهم، ولا زالوا عليه إلى يومنا هذا([66])، مع الإشارة إلى أن الغناء لا يمكن أن يتمّ بدون أن يكون على صورة الغناء([67])، وقد جاءت الأدلة على جواز النواح بالإطلاق، لدرجة تشمل ما جاء منه على شكل الغناء.

الغناء في مجالس عزاء الحسين×

في كتاب الشهادات قال المحقِّق الأردبيلي بأن الفقهاء اعتبروا حلية الغناء في مجالس عزاء الحسين×، واستثنوه من الغناء الحرام. وضمن كتاب التجارة، ومن دون أن يسند القول بالحلية إلى أحد من الفقهاء، اعتنى بعرض الأدلة الدالة على الجواز، وكانت على الشكل التالي:

1ـ دليل حرمة الغناء الإجماع؛ وذلك لعدم وجود رواية صحيحة وصريحة في الحرمة، فتجري قاعدة الأصل، ليكون الغناء حلالاً إلا في الموارد التي ثبتت فيها الحرمة بالدليل. والإجماع الذي يمثل الدليل على حرمة الغناء لم يشمل الغناء في مجلس عزاء الإمام الحسين×، فيكون الأصل فيه الجواز والحلية.

2ـ قراءة العزاء في مجالس الحزن على الحسين× من مصاديق النوح، ولا يوجد اختلاف في وجهات نظر الفقهاء حول حلية النواح على الميت، بل إن اعظم مصداق لحلّيتها كونها في مجلس عزاء سيد الشهداء×، والأدلة المعتمدة في الحلية قد تمت الإشارة إليها.

3ـ الدليل أو المؤيد الآخر كون البكاء على الإمام الحسين× عملاً مطلوباً، وثوابه عظيم؛ والغناء يوسِّع من إيجاد هذا الأمر، بل يعتبر أحد معداته([68]). وبعبارة أخرى: إن الغناء في هذا المجلس هو الذي يجيش البكاء، والبكاء على الحسين× عبادة([69]).

لقد كان المحقِّق الأردبيلي سبّاقاً بامتياز في الاستدلال على جواز الغناء في المورد المذكور، بحيث لم يسبقه إليه أحد. وبطبيعة الحال فإن الجواز في المورد المذكور يبتني على قاعدته جواز آخر يشمل كل ما يكون في مدح الله سبحانه وتعالى أو قراءة القرآن أو الشعر الديني أو مدح بيت النبوة والعصمة، ما دامت كلها من أجل ترقيق القلوب وحملها إلى مزيد من التعلق بالله سبحانه وتعالى، والتوجه الخالص إليه، فإن تحريك القلوب وتوجيهها نحو الخالق الأوحد أمر في حدّ نصاب العبادة، وكل غناء كانت هذه أهدافه، وهو في ذاته طريق إلى تلك الموارد، لابد أن يكون جائزاً وممدوحاً.

4ـ سيرة المتشرعة، حيث إن الغناء في مجالس العزاء الحسيني كانت تجري في العديد من البلدان الإسلامية بشكل علني، بحيث لا يمكن إنكارها أو ادعاء خلافها([70]).

ويمكن إضافة دليل آخر على الجواز، وهو أن الغناء بحسب الظاهر مجلبة للطرب، وهو حرام، لكن الغناء في رثاء الحسين× ليس فقط أنه لا يجلب السرور والطرب، بل أنه يجلب الحزن ويدخل الغم([71])، لكننا وجدنا المحقِّق يفسِّر المطرب في كتاب الشهادات ليشمل جلب الفرح والسرور، وكذا جلب الحزن والغم([72]).

وبالجملة فإن الأردبيلي يخلص إلى موقفين: الأول: جواز الغناء إذا كان المقصود به رثاء وبكاء وندب الإمام الحسين×، وفي غير هذه الصورة يكون حراماً([73]).

الثاني: إنه في كتاب الشهادات، ورغم كل هذه الأدلة، يلاحظ نوعٌ من التأمل والتباطؤ في القول بجواز الغناء في المجالس الحسينية، ويقول: «والاستثناء مشكل مع الصدق، والأحوط الاجتناب»([74]).

وفي خصوص استثناء موردين آخرين نجد له نوعاً من التأمل، ولا يتضح له حكم قاطع وصريح فيها. ومَنْ يهمه الأمر نرجعه إلى مباحث المحقِّق الأردبيلي في مجمع الفائدة 8: 59 ـ 60؛ 12: 337.

الهوامش

_________________

(*) باحث وكاتب في الحوزة العلمية.

([1]) الخليل بن أحمد الفراهيدي، ترتيب كتاب العين: 613، تصحيح: محمد حسن البكائي، قم، مؤسسة انتشارات إسلامي، الطبعة الأولى، 1414هـ: الغناء ممدود في الصوت؛ أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة 4: 356، قم، انتشارات دفتر تبليغات إسلامي، 1404هـ؛ الفيومي، المصباح المنير: 454 ـ 455، بيروت، المكتبة العلمية.

([2]) كتاب المكاسب 1: 291؛ النهاية 3: 391، نقلاً عن الشافعي.

([3]) الفيروزآبادي، القاموس المحيط 4: 374 بيروت، دار الجميل؛ المنجد: 561، بيروت، دار المشرق، الطبعة21.

([4]) الدكتور إبراهيم أنس و…، المعجم الوسيط: 665، طهران، مكتب نشر فرهنگ إسلامي، الطبعة الرابعة، 1372.

([5]) أحمد السياح، فرهنگ بزرگ جامع نوين 3: 1136، طهران، كتابفروشي إسلام.

([6]) مهدي النراقي، مستند الشيعة 2: 340، قم، مكتبة آية الله المرعشي، 1405هـ.

([7]) روح الله الموسوي الخميني، المكاسب المحرمة 1: 202؛ مجلة «آيينه پژوهش»، العدد 39: 29.

([8]) رغم أن المتتبع الكبير العاملي في (مفتاح الكرامة 4: 50) قد نسب تعريف الغناء إلى ابن إدريس لكنّ شيئاً من التأمل في كلام ابن إدريس يكشف أن الرجل لم يكن في صدد تعريف الغناء (انظر: محمد بن إدريس الحلي، السرائر 2: 215، قم، مؤسسة انتشارات إسلامي).

([9]) جعفر بن الحسن الحلي، شرائع الإسلام 4: 913، تحقيق: السيد صادق الشيرازي، قم، انتشارات دار الهدي، ط3، 1973م.

([10]) المصدر نفسه.

([11]) أحمد الأردبيلي، مجمع الفائدة والبرهان 12: 236، قم، انتشارات إسلامي، ط1، 1411هـ .

([12]) تحرير الأحكام: 209، مشهد، مؤسسة آل البيت.

([13]) محمد بن مكي العاملي، الدروس 2: 126، قم، مؤسسه انتشارات إسلامي، ط1، 1414هـ.

([14]) علي الكركي، جامع المقاصد 4: 23، قم، مؤسسة آل البيت، ط1، 1408هـ.

([15]) مفتاح الكرامة 4: 50؛ الأنصاري، كتاب المكاسب 1: 291؛ و…

([16]) مجمع الفائدة 8: 61، 12: 334.

([17]) المصدر السابق 12: 237.

([18]) المصدر السابق 12: 236.

([19]) المصدر السابق 8: 57.

([20]) المصدر السابق 8: 57 ـ 59.

([21]) المصدر السابق 8: 59.

([22]) المصدر السابق 8: 51.

([23]) الشهيد الثاني، مسالك الأفهام في شرح شرائع الإسلام 2: 323، قم، دار الهادي.

([24]) جواهر الكلام 22: 46.

([25]) الحدائق الناضرة 18: 101.

([26]) كتاب المناهل: 256.

([27]) التنقيح الرائع 2: 11.

([28]) مفتاح الكرامة 4: 50.

([29]) الخميني، المكاسب المحرمة: 302 ـ 303.

([30]) مجمع الفائدة 8: 57.

([31]) المصدر نفسه.

([32]) المصدر السابق 12: 336.

([33]) المصدر السابق 8: 57.

([34]) محمد بن الحسن بن المطهر الحلي، القواعد (طبعت ضمن توضيح الفوائد في شرح إشكالات القواعد) 4: 424، قم، مؤسسة مطبوعاتي إسماعيليان، ط1، 1369. وسكوت فخر المحققين علامة على قبوله بهذا التعريف.

([35]) مجمع الفائدة 8: 59.

([36]) سلسلة الينابيع الفقهية 13: 3 (فقه الرضا)، علي أصغر مرواريد، بيروت، مؤسسة فقه الشيعة، الدار الإسلامية، ط1، 1410.

([37]) المصدر السابق 23: 15 (المقنع).

([38]) المصدر السابق: 11.

([39]) المصدر السابق: 17 (الهداية بالخير).

([40]) المصدر السابق: 21 (المقنعة).

([41]) المصدر السابق: 75 (النهاية).

([42]) المصدر السابق (جواهر الفقه).

([43]) المصدر السابق: 257 (إصباح الشيعة).

([44]) المصدر السابق: 181 (فقه القرآن). لقد نقل صحيحة أبي بصير بسندها، ولم يوجد أي تفاوت بينها وبين فتاوى العلماء الذين ذكرت أسماؤهم في الموضوع.

([45]) كمثال: المصدر السابق: 132 (جواهر الفقه)؛ 75 (النهاية).

([46]) كمثال: المصدر السابق 21 (المقنعة).

([47]) الطوسي، الخلاف 2: 626، الشهادات، المسألة 54 ـ 55، طهران، مطبعة تابان، ط2، 1382هـ .

([48]) سلسلة الينابيع الفقهية 25: 59 (الكافي).

([49]) المصدر السابق: غنية النـزوع.

([50]) محمد بن إدريس الحلي، السرائر 2: 215، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، ط1، السرائر 12: 275.

([51]) شرائع الإسلام: 913.

([52]) مجمع الفائدة 12: 334.

([53]) المصدر السابق 12: 335.

([54]) المصدر السابق 12: 334. وقد كتب يقول: «وتدلّ عليه أخبار كثيرة».

([55]) الوسائل 12: 227، الباب 99 من أبواب ما يكتسب به، ح9.

([56]) المصدر السابق، ح10.

([57]) المصدر السابق، الباب 16 من أبواب ما يكتسب به، ح5.

([58]) المصدر السابق، باب 15، ح7.

([59]) المصدر السابق، ح40.

([60]) المصدر السابق: 226، الباب 99، ح3 و5.

([61]) المصدر السابق: ح5.

([62]) المصدر السابق، الباب 15 من أبواب ما يكتسب به، ح3.

([63]) الخلاف 2: 626.

([64]) قد أشرنا إلى بعض المصادر فيرجى الرجوع إليها.

([65]) مجمع الفائدة 8: 61 ـ 63.

([66]) المصدر السابق 12: 338.

([67]) جاء هذا الدليل في كتاب التجارة (12: 61) في أول الكلام بعنوان (مؤيد)، وأما في النتيجة فقد عدّة دليلاً مستقلاً وتامّاً، وفي باب الشهادات كذلك اعتبره دليلاً، وليس مؤيِّداً (12: 338).

([68]) المصدر السابق 12: 338. ولعلّ الوجه أنه موجب للبكاء الذي هو عبادة.

([69]) المصدر السابق 8: 61.

([70]) المصدر السابق 8: 63.

([71]) المصدر السابق 12: 336.

([72]) المصدر السابق 8: 63.

([73]) المصدر السابق 12: 338.

([74]) المصدر السابق 8: 59 ـ 60، 12: 337.

الكاتب السيد علي الحسيني

السيد علي الحسيني

مواضيع متعلقة

اترك رداً

downloadfilmterbaru.xyz bigoporn.club bok3p.site sablonpontianak.com