الغناء والموسيقى المتعالية

قراءة جديدة من زوايا متعدّدة

د. علي محجوب(*)

ترجمة: صالح البدراوي

 

تعرض هذه المقالة لوجهة نظر مختلفة في مسألة الغناء والموسيقى، ويتلوها مقالة ناقدة لها. ومجلّة “الاجتهاد والتجديد” إيماناً منها بالرأي والرأي الآخر، تطرح المقالتين بين يدي القارئ الكريم (التحرير).

 

مقدّمة

إن إحدى أهم المسائل المتعلقة بفلسفة الفقه هي دراسة طبيعة العلاقة بين المعرفة الفقهية والمعرفة البشرية. هذه المسألة ذات صبغة فلسفية ومعرفية، شأنها شأن سائر المسائل المتعلقة بفلسفة العلم، ولذلك يجب أن ننظر لها من زاوية فلسفية. إلا أن تقديم الدليل في هذا المجال ضمن إطار الأدلة الفقهية، وتطوير الدراسة بشكل تطبيقي وعملي، سيساهم  هو الآخر في الفهم الأوضح لهذا الرأي. وجاءت كتابة هذه الأسطر بهدف دراسة الموسيقى بأسلوب يذهب لما هو أبعد من الفقه والدين، وبيان مدى تأثير هذه الدراسة في الدراسات والأبحاث الفقهية والدينية لهذا الموضوع. وحسب اعتقادنا فإن المعرفة الأدق والأعمق لطبيعة الموسيقى، ومدى إمكانية استخدامها في مختلف المجالات، وهي معرفة غير دينية، تعد مسألة مؤثرة في الفهم الأدق والأعمق، بل الأصح، لحكمها الشرعي، والتي تعد معرفة دينية. من هنا فإن دراسةً من هذا النمط ستكون ضرورية كمقدمة لاستنباط الحكم الشرعي للموسيقى. إن المشكلة الرئيسية والأساسية للموسيقى تنطلق من حالة الإبهام والغموض التي تلف هذا الموضوع. وبإزالة هذا الإبهام، وتبيين أنواع الموسيقى وأقسامها بشكل واضح، ستزول جميع صور الإبهام والاختلاف، وتشتت الآراء التي نلاحظها في هذا المجال.

ونعتقد أن العلوم التي تلعب دوراً في فهم الشريعة لا تقتصر على العلوم المتداولة في المدارس الدينية، بل إن العلم بالموضوع ودراسته يعدّ إحدى القنوات المهمة والرئيسة التي تترك من خلالها العلوم الجديدة تأثيرها على فهم الحكم الشرعي. ويجب الاستفادة في هذا المجال من العلوم التي تعنى بالبحث في موضوع الأحكام وفقاً للقواعد الفقهية والأصولية المقبولة في استنباط الحكم الشرعي. هذه المقالة بصدد تقديم دليل ملموس وعيني على هذا الرأي العام، بإعطائها نموذجاً واضحاً لهذا النمط من التأثير، لتعمل على دعم وتعزيز هذا الرأي من حيث المبدأ من جهة، ورسم الطريقة التي يتم بموجبها الاستفادة من المعلومات غير الدينية والفقهية في فهم الشريعة من جهة أخرى. إن الموضوع الذي تم اختياره لهذا الأمر هو الموسيقى. وسنرى من خلال هذه المقالة بكل وضوح كيف أن المعلومات غير الدينية عن الموسيقى لها تأثير في فهم الحكم الفقهي لها.

أثارت ضرورات الحياة في العصر الجديد ومقتضياتها في أعماق الكثير من المتدينين شعوراً يقول بأن بعض الأحكام الفقهية بحاجة إلى إعادة النظر فيها، وقراءتها بشكل عصري، لكي تنسجم الحياة الدينية مع مقتضيات العصر، ولتصبح الأحكام الدينية قابلة للتطبيق في المجتمعات الحديثة، كما كانت كذلك في المجتمعات البدوية. إلا أن القضية الهامة تكمن في أن هذا الإحساس المبهم عندما يصل إلى مرحلة التطبيق. يتخذ أحياناً صوراً غير صحية، وينتهي إلى تحريف الدين وتأويله، أو استغلاله بشكل سيئ. وقد أصبحت هذه المسألة مقبولة اليوم بشأن الموسيقى، وهي أنه لا يمكننا اليوم تجاهل الموسيقى بجميع أنواعها وأقسامها من الناحية «العملية»، وأن نغض الطرف عن جميع أقسامها، على الرغم من أنه يسود الاعتقاد بحرمتها من الناحية «النظرية»، وتبذل المساعي لتبرير حالة عدم الانسجام بين العقيدة والعمل في هذا المجال، بأنها من باب الاضطرار، أو مواجهة الغزو الثقافي، أو دفع الأفسد بالفاسد، لتصبح النتيجة أن الكثير من المتدينين يقومون بالاستماع والترويج لها، في ذات الوقت الذي يعتقدون بحرمتها، وليقوم الكثير من الانتهازيين بعدم مراعاتهم لأية حدود أو ضوابط، واستماعهم لأنواع معينة من الموسيقى أو إذاعتها دون محاباة في خلواتهم وجلساتهم، والذي يمثل مصداقاً بارزاً للموسيقى المحرمة، من خلال التمسك بهذه العناوين المقبولة، والتي تحظى بالرضا من قبل المجتمع الديني.

هذه المقالة تختم بالصحة على ذلك الإحساس المبهم، وتسعى في نفس الوقت إلى أن تجد محملاً مناسباً لتبريره ضمن أطر فقهية وأصولية مقبولة، وتعطي صورة منطقية معقولة لذلك الإحساس، وتفصّل الموقف من الموسيقى من خلال نافذة المراجعة الموضوعية، والرجوع إلى مصادر الأحكام في إطار هذه المراجعة، لترسم بالتالي حدّاً واضحاً ودقيقاً بين الموسيقى المحرَّمة والمحلَّلة.

 

أزمة الفهم الاجتهادي في الغرق في تعريف «الغناء»

عندما نراجع النصوص الفقهية الواردة في شأن الموسيقى نرى أنه بذلت جهود مضنية من أجل وضع تعريف واضح لمصطلح «الغناء»، وكأن المشكلة الرئيسة أمام فهم الحكم الشرعي للموسيقى هي في فهم المعنى المراد من هذا المصطلح. إلا أننا نرى أن مجرد الوقوف على معنى هذا المصطلح سوف لن يحل المشكلة؛ لأن المشكلة الرئيسة في هذا الباب تكمن في معرفة «طبيعة» الموسيقى  و«استخداماتها» المتنوعة والمتعددة. وهذه المعرفة لن تتحقق عن طريق «تعريف» مفهوم الغناء، ولا يجب البحث عنها في المعاجم اللغوية، بل يتحقق عن طريق الدراسة «العلمية» و«التطبيقية». وهذه الدراسة غائبة ممن منهج الدراسات والأبحاث الفقهية حول الموسيقى. وبالإضافة إلى ذلك لو افترضنا أن حكم الغناء يمكن الحصول عليه عن هذا الطريق فكيف يمكن أن يسري ذلك الحكم من عنوان الغناء إلى العناوين الأخرى، من قبيل: الموسيقى، والأغنية، والنشيد، واللحن، بدون إحراز الشمول الكامل لمفهوم الغناء لهذه المفاهيم؟

عندما نرجع إلى النصوص الدينية المتعلقة بالموسيقى تتضح لنا أهمية هذه النقطة بشكل أوضح؛ وذلك أنه يصبح من الواضح لنا أن آفاق استخدامات الموسيقى وتأثيراتها في تلك النصوص كانت محط اهتمام الشرع بها، وأشير لها بكل صراحة، وأن حكم التحريم يختص بالاستخدامات وبعض الأنواع الخاصة من الموسيقى، والتي كانت تعد في الأزمنة السابقة من أكثر مجالات استخدام الموسيقى وأكثرها شيوعاً. ولكن الأمر الذي يفرض الاهتمام بهذه القيود والالتفات إليها هي المعلومات غير الفقهية والدينية، في حين لو اكتفينا بالجهود اللغوية وتعريف مصطلح الغناء فإن هذه القيود ستفلت من أيدينا، وسننظر إلى جميع أنواع الموسيقى وأقسامها بجميع استخداماتها على أنها من سنخ واحد، وسنصدر حكماً واحداً على جميع تلك الأقسام.

إن الإيمان المسبق بكفاية المعرفة لمعنى مصطلح الغناء يعني أن مجرد التعرف على المفاهيم المستخدمة في النصوص الدينية يكفي لفهم مراد الشريعة ومقصودها. إلا أن هذا الافتراض المسبق قابل للمناقشة؛ وذلك أنه من الممكن أن يؤثِّر التعرف الأكثر على موضوع الحكم في مدى فهم معنى المصطلح أو فهم المراد الحقيقي للشريعة، وأن مجرد احتمال هذا النمط من التأثير سيلزم الفقهاء بضرورة المزيد من التعرف والاطلاع على الموضوع؛ لأن مساحة التتبع والبحث في دليل الحكم لن يتحدد بالجهود اللغوية والمتابعات اللغوية فقط، بل يشمل وجوب القيام بفحص جميع الأمور التي يحتمل دخلها وتأثيرها في فهم الحكم الشرعي.

و لدينا قاعدة في أصول الفقه تدعى «قاعدة وجوب فحص الدليل»، وبموجب هذه القاعدة طالما يوجد هناك احتمال للحصول على دليل في مصادر الأحكام، ويكون احتمال تغيير الفهم الفقهي قائماً على افتراض الحصول على ذلك الدليل، فإنه يُنظر إلى التحقيق الفقهي على أنه ناقص، وتصبح الفتوى المستندة لهذا النمط من التحقيق غير ذات شأن من الناحية الشرعية، بل غير مشروعة. إلا أن النقطة المهمة هنا أن نطاق البحث والتحقيق في هذا الموضوع لا يقتصر على الآيات والروايات فقط، ونفس الملاكات والدلائل التي تلزم بالفحص في الآيات والروايات هي التي تجعل مسألة البحث غير الفقهي والديني في شأن موضوع الحكم أمراً ضرورياً هو الآخر. والشيء الوحيد الموجود هو أن الرؤية التقليدية؛ وبسبب عدم الاهتمام اللازم بالدور المهم للمعرفة العلمية بالموضوع في معرفة الحكم، حددت نطاق الفحص الواجب بالآيات والروايات والكتب اللغوية فقط. ولكن بدا من الواضح أن تطبيقاً وتحديداً من هذا النمط سوف لن يكون حجة بالنسبة لأولئك الذين يحتملون أن يكون للمعلومات الأخرى دخلٌ وتأثير في فهم الحكم.

ولو أردنا جرّ الدراسة إلى مستويات أكثر عمقاً نستطيع القول: إن القول بكفاية المتابعات اللغوية في معرفة الموضوع يعني أن ظهور معاني المصطلحات والألفاظ ينشأ في حدّ ذاته من حالة الأنس الذهني بين اللفظ والمعنى؛ في حين أن هذه المقدمة قابلة للمناقشة، ويمكن الادعاء والقول بأن ظهور المعنى ينجم من المعلومات الذهنية للشخص ويتأثر بها. ولندع القول بأن التطور التاريخي للموضوعات، وظهور الاستخدامات الجديدة، تزيد من احتمال تغيير الموضوع بشكل جذري، وبوجود هذا الاحتمال لا يمكن الاكتفاء بما قاله الماضون في علم الموضوع، وبدون القيام بقراءة موضوعية جديدة لن يتحول حكم الموضوع الآنف الذكر إلى موضوع آخر من المحتمل أن يكون جديداً.

 

الموسيقى وأزمة الفتاوى المبهمة والمضطربة

ومن جهة أخرى عند القيام بتبيين الحكم الشرعي وإصدار الفتوى لا ينبغي الاكتفاء بالعبارات المبهمة وحمّالة الوجوه، التي تحمل عدة وجوه من الفهم والتفسير، أو الاستفادة من نفس الصياغات الواردة في نصوص وكلمات القدماء. وعلى الرغم من أن هذا الأمر يبدو في ظاهر الحال هو الأقرب للعمل بالاحتياط في الإفتاء، إلا أنه لا يعالج محنة الذين يتوجب عليهم العمل بتلك الفتوى، ولا يحل عقدة من قضيتهم المعقدة.

تعد الموسيقى من حيث المادة والمحتوى من المواضيع التي مرت بالكثير من التغييرات والتطورات. وهذه التغييرات سرت إلى مفهوم الموسيقى، وفهم البشرية للمعنى المراد من هذا اللفظ. وعلى أية حال من المحتمل أن يحول هذا النمط من التغيير من أن نقوم بتعميم حكم الموضوع السابق على موضوع «يحتمل» أن يكون جديداً ما لم نقُمْ بإعادة إجراء القراءة الموضوعية لهذه القضية؛ لأنه من الممكن أن يصبح هذا الأمر في الواقع نوعاً من المغالطة في الألفاظ المشتركة؛ إذ في حالة تغيير المضمون والمحتوى سيشترك الموضوع القديم والجديد في اللفظ فقط، دون المحتوى.

وتعد الموسيقى اليوم أمراً ذا استخدامات متنوعة، وتلقي بظلال تأثيرها على ميادين متعددة من حياة البشرية، وتسيطر عليها. وهي على العكس مما كانت عليه في العصور السابقة؛ إذ كان يقتصر استخدامها على مجالس اللهو والطرب وشرب الخمور وقضاء الأوقات الممتعة فحسب، وأما اليوم فإن الوقوف في وجه الغزو الثقافي والتصدي له، وصولاً إلى العلاج النفسي، وتربية الحيوانات، والزراعة، والطب، والسياسة، والعبادة، والحرب، والسلام، والرياضة، والألعاب السويدية، والمآتم والأحزان ومراسم العزاء، وحفلات الأعراس، وفترات العمل، والاستراحة، والتخلف والتطور، وغيرها كثير، كلها تقع تحت تأثير الموسيقى. وهذا الأمر يفرض علينا ضرورة القيام بقراءة موضوعية جديدة للموسيقى.

وبناء على ذلك لا ينبغي القول، بل ليس بوسعنا أن نكتفي بالقول: إن «الغناء أو الموسيقى المطربة محرمة، وإن الأصوات المشكوك فيها حلال»؛ لأن هذه الفتوى ليست توجيهاً واضحاً وبيّناً للذين يهتمون بأمر الدين، ويحرصون على العمل بأوامر الشرع وتعاليمه، ولا تعد من حيث المبدأ موقفاً مدروساً تجاه الموسيقى. وعلى الرغم من أن الحديث بهذا المستوى من الإبهام يقلِّل من عناء إعادة النظر في موضوع الحكم في الأبحاث الفقهية، إلا أنه لا يرفع أي عبءٍ عن كاهل عامة الناس الذين يتوجب عليهم العمل بهذه الفتوى. وهذا الأمر يشبه بالضبط قولنا لهم: «إن س حرام» و«الأمور المشكوك في كونها من س هي حلال»، وأن نحيل مسؤولية إيجاد س عليهم، في الوقت الذي لا يملك هؤلاء القدرة على هذا الأمر، ولا هو من مسؤوليتهم. إن وجود فتوى من هذا النمط أو عدمه سيان في مقام العمل والتطبيق، لأن إبهام مضمونها بذلك القدر الذي يدعو كل شخص إلى أن يأخذ بنظر الاعتبار معنى معيناً لها طبقاً لتقديره الشخصي، ويعمل على أساسه، معتبراً عمله هذا مشروعاً ومستنداً للدليل الشرعي، وبالتالي لا نستطيع الاستفادة من الموسيقى في راحة بال استناداً إلى هذه الفتوى بشكل مفيد ومشروع، ولا يمكن الصمود أمام سوء استغلال المتصيدين في الماء العكر.

 

هل مشكلة الغناء في غربيته وشرقيته ووطنيته؟!

إنّ التحدث بهذا الأسلوب المبهم عند تبيين الحكم الشرعي يصبح سبباً لتجنُّب البعض ـ احتياطاً ـ أيّ صوت موزون وحسن اللحن، ودعوة الآخرين أيضاً إلى اجتنابه، ولقيام البعض الآخر أيضاً؛ وبذريعة عدم وضوح معنى الغناء أو الموسيقى والتشكيك في مصداقه، بالاستماع إلى أي صوت، وعدم مراعاتهم لأية حدود في ذلك، ووضع فريق ثالث معايير للحلال والحرام انطلاقاً من ملاحظاتهم الشخصية أو السياسية وفقاً للمزاج العرفي والحداثة والمدنية، وراح يغذي المسلمين أشعار مولوي وحافظ بأعلى صور اللهو والابتذال، تحت عنوان الموسيقى الفولكلورية والإنشاد، معتقدين بأنهم إنما يقومون من خلال عملهم هذا بتحصين الناس أمام موجة الغزو الثقافي، في حين أن الغزو الثقافي يجب تصنيفه والتعامل معه وفقاً للمعايير والمفاهيم الدينية، وليس على أساس الآراء والملاحظات السياسية. من هنا فإن نشر الموسيقى المحرمة هو الذي يمثِّل الغزو الثقافي بعينه، سواء أكان من النوع الفولكلوري التقليدي، أو الحديث، أو الغربي والشرقي، وغير ذلك. فكيف يمكن ادعاء الدفاع عن الثقافة الدينية من خلال الموسيقى التي لا تنسجم معه، ويصنِّفها المنهج الديني محرَّمةً؟

إذا كانت الموسيقى الإيرانية التقليدية محلَّلة؛ بلحاظ كونها إيرانية وتقليدية، والموسيقى الغربية الحديثة محرَّمة؛ بسبب كونها حديثة وغربية، فلماذا عندما تكون هناك ضرورة معينة لزرق الناس بجرعة من الفرح، وزيادة قدرتهم على الحركة والنشاط، وتتم من خلالها دعوة الناس للمشاركة في التنمية، يُعمد إلى تجاهل فتوى التحريم هذه أثناء احتفالات الفرح والسرور، ويصار إلى استخدام الموسيقى الغربية الحديثة المهيِّجة والباعثة على النشاط والحيوية بكثرة؟ هذا أولاً.

وثانياً: إن نفس هذه الموسيقى الغربية تصنَّف لدى الغربيين أنفسهم على أنها موسيقى فولكلورية محلية. ومن هنا هل يمكن اعتبار صنف واحد من الموسيقى محرماً هنا ومحللاً في مكان آخر؟ أليس من المعلوم ما هي خصوصية هذا العنوان المحلي والإيراني الذي يؤدي إلى تغيير الحكم وتقييده؟ وما هي التسمية التي يمكن إطلاقها على هذا العمل غير تسميات المقبول وغير المقبول، والملاحظات الشخصية، وتسليط المصالح السياسية غير المبررة على الأحكام الدينية؟ ويعود سبب كل ذلك إلى الإبهام الكامن في الصيغ والعبارات الفقهية الواردة عن موضوع الحكم في هذا الخصوص.

وعلى أية حال فإن مكانة الفقهاء وواجبهم تقتضي الاهتمام بمسألة تغير الموضوع من حيث المصداق والمفهوم، لا لغرض فهم الحكم الشرعي فحسب، بل عند بيانه أيضاً، وإصدار فتاواهم بلغة الناس في عصرهم، وأن لا يستخدموا المفردات والألفاظ المهجورة، والمبهمة، وحمّالة الوجوه، التي تملك مطاطية التفسير والتأويلات المتعددة, وأن لا يطبقوا حكم مفهوم معين على مفهوم آخر بدون دراسة العلاقة بين المفاهيم القديمة والجديدة. ومن هنا ينبغي على الفقهاء القيام بتوضيح موضوع الحكم بشكل دقيق وواضح، وفي إطار العبارات والمفاهيم المتداولة والشائعة لدى العرف العام في عصرهم. والحقيقة أن ما نقوله اليوم من أن «الغناء» حرام، ولا نبين مدى علاقته ببعض المفاهيم الأخرى، من قبيل: «الموسيقى»، و«الأغنية»، و«الأنشودة»، و«الألحان»، وغير ذلك، لا يرقى إلى مستوى إصدارنا الفتوى لأبناء جلدتنا المعاصرين لنا. وإن ما نتحدث به سيؤدي إلى حيرة المتدينين، بدلاً من أن يكون دليلاً يهتدون به عند التطبيق العملي. وهذه المسألة لا تنطبق على الغناء والموسيقى فقط، بل على بعض القيود الأخرى، التي يستفاد منها أحياناً في بيان حكم الموسيقى، من قبيل: «الطرب»، أو «مجالس اللهو واللعب». وحتى لو ترجمنا لفظالغناء بكلمة الموسيقى أو الموسيقى المطربة سنواجه نفس المشاكل الناجمة من الإبهام؛ وذلك أن تنوع استخدامات الموسيقى من السعة بحيث لا يمكن تشخيص حلالها من حرامها على وجه الدقة بتلك القيود المشار إليها. ومن هنا فالكل يسعى إلى ترجمة هذه القيود المبهمة الغامضة إلى قيود واضحة بيّنة وفقاً لذوقه، ويعمل على أساسها. فضلاً عن أن إحراز المساواة في معنى لفظي الغناء والموسيقى أو الموسيقى المطربة ومصداقيهما مسألة صعبة للغاية.

وفي الكثير من الحالات ـ كما هو الحال في الموسيقى ـ نجد أن التركيز على تعريف الموضوع، وتعيين حدود معناه اللغوي وثغوره، لا يعالج في الحقيقة أية مشكلة تذكر، بل إن الأمر المؤثِّر في فهم الموقف من الموسيقى وتوضيحه بشكل بيّن يتمثل بطيّ المراحل المتالية:

1ـ المعرفة العلمية بحقيقة الموسيقى وأنواع استخداماتها.

2ـ المعرفة بالتغييرات والتطورات التي طرأت على الموسيقى على مر التاريخ، من صدر الإسلام وإلى يومنا هذا.

3ـ الرجوع إلى النصوص الدينية في ظل هذه المعرفة.

4ـ السعي من أجل تعيين ملاك الحكم بشكل دقيق.

5ـ التعبير عنه في إطار الألفاظ والعبارات المتداولة والمفهومة من قبل المخاطبين، وعلى النحو الذي لا تنطوي على أي إبهام بالنسبة للأفراد الذين يتوجب عليهم العمل بها، ولا يبقى أيضاً أي مجال للتلاعب بها من قبل المتربصين من ذوي النوايا السيئة.

 

الموسيقى من الزاوية العرفانية

إن إحدى المسائل التي تبين مدى تأثير المعرفة بالموضوع على معرفة الحكم بشكل واضح هي مسألة المقارنة بين وجهات النظر التي تنظر إلى موضوع واحد من زوايا مختلفة. إن دراسة من هذا المستوى توضح لنا إلى أي مدى يمكن أن يكون لمستويات الفهم المتباينة لموضوع واحد دخل في شكل الأحكام المسبقة الخفية في الفهم الفقهي. إن وجهتي النظر الجديرتين بالمقارنة فيما بينهما بشأن الموسيقى هما عبارة عن الفهم العرفاني والفهم السطحي البسيط لهذه الظاهرة. تضع الملحمة الشعرية للعارف الكبير مولانا بين أيدينا نموذجاً شاخصاً وجديراً بالتقدير للفهم العرفاني لمقولة الموسيقى أو لمقولة الفن. هذا المقطع من كتاب مثنوي معنوي لا يعبر فقط عن الفهم العرفاني للموسيقى، بل يعبر عن «فلسفة الفن» من نافذة العرفان.

واختار مولوي هنا آلة الناي كأنموذج للآلات الموسيقية، ويجعل من صوته الشجي المؤلم هتافاً للمضامين العرفانية السامية، كالعشق، والهجران، ونار الفراق، والشوق للعودة لأيام الوصال:

اسمع من الناي كيف يحكي
من حقول القصب لما فصلوني
وقُطِّع صدري إرباً من الفراق
كل من بقي بعيداً عن خلّه
وبكيت على كل الجموع
وكلٌّ ظنَّ أنه صار خلّي
ومن ألوان الفراق كيف يشكي
أنَّ الرجال والنساء لأنيني
لأحكي بصوتي ألم الاشتياق
لابد أن يبحث عن ساعة وصله
صرت صنو التعساء والسعداء
لا تبحث عن أسراري من باطني

إلى أن يقول:

إنه نار الغرام ذاك الذي ألقي في القصب
الناي قرين من هجره الحبيب
ومثل الناي إذ وجد سمّاً ودواءً
الناي يملأ حديث العشاق دماً
وأواره عشق وهو ما كان يلقى في الحشا
أستاره خرقت ما لنا من حجب
ومثل الناي إذ وجد أنيساً ومشتاقاً
ويروي قصص الحب الجنونية

الناي ـ الذي يعد أنموذج الآلات الموسيقية ورمزها ـ هو الذي يتولى شرح معاني ألم الشوق، وأنينه يمثل لهيب نار العشق، فهو السمّ والترياق، وهو الداء والدواء. وكل شخص ينسجم معه حسب حالاته الروحية، ويرى فيه انعكاساً لأحاسيسه وعواطفه وما يشعر به من شوق وآمال وأمنيات، ويكتشف من خلاله ما يكابده من ألم، وكيف ينوح على البعاد، ومن هو الحبيب الذي آلمه بألم الهجران. ولكن في نفس الوقت للناي سرٌّ وحكاية يتطلب فهمها صدراً مقطّعاً بالفراق. إن أنين الناي برأي مولانا يمثل حرقة الشوق للعودة إلى الأصل، والناي يعكس هذا الشوق، ولكن بالنسبة للذين يعانون من هذا الألم فإن الناي عبارة عن أنبوب مجوّف، وليس فيه أي صوت في نفسه، وهذا الناي هو لحن ينفخ أنينه في هذا الأنبوب المجوف، وهذا اللحن يستمد وجوده من المشاعر والأحاسيس والأهداف والرغبات الطافحة من الناي، ومن الطبيعي أن يبعث في نفس المستمع نفس تلك المشاعر والأحاسيس والأهداف والرغبات. ومن هنا فإن ماهية نغمة الناي واستخداماتها تتبلور على أساس دوافع ورغبات العازف والمتلقي على حد سواء، ويتوقف ظهور طبيعة الموسيقى ومدى تأثيرها على سمو تلك النوازع والرغبات أو ابتذالها وتسافلها، كما أنها تتفاوت لدى المستمعين لها كذلك. وهذه المسألة تنطبق على جميع الآلات الموسيقية، بل على الفن بشكل عام.

وبإزاء هذا التفسير لطبيعة الموسيقى وخاصيتها وصوت الناي هناك فهم آخر لا يرى أي شيء آخر في الناي سوى الفساد واللهو واللعب والمجون والمعاشرة وإثارة الشهوات الحيوانية الوضيعة.

ومما لا شك فيه أنه عندما نذهب إلى النصوص الدينية بهذين الفهمين المتباينين، بل المتناقضين، لحقيقة الموسيقى ستكون هناك مستويات متباينة من الفهم أمامنا للحكم على الموسيقى. الفهم البسيط والشعبي للموسيقى لا يطيق المناورة والتفصيل في الحكم الشرعي والفقهي للموسيقى، ولا يدع أدنى مجال للتردد في أذهان الفقهاء بتحريم جميع أقسامها وأنواعها، في حين أن الفهم العرفاني ـ الذي ينسب سمو الموسيقى وانحطاطها إلى الحالات الروحية الباطنية للعازف والمستمع، وكيفية فهم كلاهما لها، ويرى قابلية تأثير الموسيقى واستخدامها السامي والمنحط بأنهما إلى جانب بعضهما البعض ـ هذا الفهم يبعث في ذهن الفقهاء احتمال وجود التنوع في الموسيقى، واختلاف أحكام أنواعها وأقسامها. وهذا الاحتمال يؤدي إلى إثارة اهتمامهم بتلك القيود المستخدمة في حكم التحريم عند دراسة النصوص الدينية.

كان الفقهاء الأوائل ينظرون ـ بشكل عام ـ نظرة واحدة إلى جميع أنواع الموسيقى، طبقاً لهذا الفهم العرفي العام، ولم يقولوا أساساً بوجود أنواع متعددة للموسيقى. وبالتالي كانوا يخلصون إلى حكم واحد للموسيقى. أما العرفاء والفلاسفة من ذوي القلوب المرهفة، كالفيثاغوريين، وإخوان الصفا، وبعض الفقهاء ذوي المشرب العرفاني، مثل: الفيض الكاشاني، فقد قالوا بالدور الذي يلعبه نوع من الموسيقى في تلطيف الروح وتعاليها منذ القدم، وكانوا يستخدمونها أو يفتون بجوازها؛ انطلاقاً من هذه الفائدة الهامة.

 

الموسيقى من الزاوية العلمية

أصبحت الآثار الإيجابية والسلبية للموسيقى على نفسية الإنسان موضوعاً في الدراسات المتعلقة بعلم النفس؛ إذ مما لا شك فيه أن الكثير من الضغوط والاضطرابات والعقد النفسية تنشأ من عدم تحقق الآمال والرغبات المعلنة والخفية للإنسان. وبالنظر لوجود العديد من الموانع والقيود التي تحيط بالإنسان في المجتمع وفي علاقاته مع الآخرين فإن الكثير من هذه الآمال سوف لن تتحقق، ولن تصل إلى مرحلة التطبيق، وهذا الأمر سيعرض السلامة النفسية للفرد والمجتمع إلى الخطر الجاد والحقيقي. ومن هنا لابد من التفكير بإيجاد مخرج للتخلص من هذه المشكلة. ومن إحدى الحلول الأساسية والناجعة لهذه المشكلة هو الإفصاح عن هذه الآمال وإبرازها. والموسيقى ـ شأنها شأن باقي الفنون الأخرى ـ مجالٌ مناسبٌ للتعبير عن هذه الضغوط، وتسكينها، وتخفيف وطأتها. ومن هنا تعد الموسيقى العلاجية إحدى الطرق التي تستخدم في العلاج النفسي لمعالجة المشاكل النفسية وحلّها.

إن الارتباط الوثيق والعميق للموسيقى مع مختلف أبعاد روح الإنسان وزواياها كانت وستبقى سبباً لحسن الاستفادة أو سوئها منها. يتم إنتاج البعض من أنواع الموسيقى واستهلاكها في الأساس بهدف إثارة الشهوة والرغبات المادية والحيوانية. ويثير قسم آخر منها المشاعر السامية والروحية لدى المستمع، وقسم آخر منها عديمة التأثير والخاصية، وهناك نوع رابع منها يحل العقد النفسية الشائكة، ويخفِّف الأزمات العصبية، ويسكّن الآلام النفسية، ويؤجِّج قسم آخر أيضاً الروح الحماسية لدى المستمع، وتصبح سبباً لقوة القلب والإيثار والتضحية بالنفس في سوح القتال، ويثير قسم آخر لدى المستمع النشاط والحيوية والتفاؤل بالحياة, ويسبِّب قسم آخر منها الكآبة والملل. ويصبح البعض من الألحان سبباً لتلطيف الروح، في حين أن البعض الآخر منها يؤدي إلى إثارة العنف وقسوة القلب. يلعب البعض من أنواع الموسيقى دوراً مؤثِّراً في تقليل العنف الناجم عن التطور التقني والصناعي، وترطيب المشاعر والأحاسيس، وخلق أجواء التقارب والتواصل الروحي بين بني البشر, ويؤجِّج البعض الآخر نار الحقد والعداوة والبغضاء. نعم، إن جميع هذه التأثيرات تترك بصماتها على الاستخدامات المتعددة للموسيقى بالنسبة للإنسان.

ومن ناحية أخرى أثار تأثير الموسيقى على نمو النباتات والحيوانات وزيادة إنتاج المحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية مسألة استخداماتها في هذين المجالين بشكل جادّ وبنّاء. وتتوسَّع جميع هذه الاستخدامات يوماً بعد آخر، من خلال الاهتمام والاعتماد على الأبحاث والدراسات العلمية. إلا أن بعض هذه الاستخدامات كانت معروفة منذ القدم ومطبقة أيضاً، كالاستفادة التي كانت تستخدم في صدر الإسلام من الموسيقى لإزالة التعب والإرهاق الذي كان يصيب الإبل في قطع المسافات الطويلة، إذ جاء الحكم بحلّيتها في الشرع؛ اعتماداً على بعض الروايات الواردة في هذا الخصوص.

وانطلاقاً من المعرفة العرفانية والعلمية بالموسيقى نستطيع  تقسيمها حسب تأثيرها إلى الأنواع الأربعة التالية:

1ـ الموسيقى المتعالية.

2ـ الموسيقى المفيدة.

3ـ الموسيقى المبتذلة و…

4ـ الموسيقى غير المجدية.

ويمكن استنباط الحكم الخاص بكل قسم منها، والتوصل إلى مستوى من الفهم الصريح والواضح لحكم كل قسم من تلك الأقسام، من خلال الاهتمام بأقسام الموسيقى، والرجوع إلى النصوص الدينية. وهذه هي الحالة الوحيدة التي يمكن من خلالها العمل بواجبنا الشرعي والديني في معرفة حكم الموسيقى، وسوف لن تكون هناك أية مشكلة عند العمل بهذا الحكم. والآن يجب أن نعطي تعريفاً أكثر دقة لكلّ قسم من هذه الأقسام:

1ـ الموسيقى المتعالية أو الموسيقى العرفانية هي نوع من الموسيقى المثيرة للمشاعر السامية المتعالية لدى المستمع، وهي تجعله يلهج بذكر الله تعالى والجنة، وتقلل لديه مشاعر التعلق بالدنيا، وتثير في قلبه الرغبة في العبادة وطاعة الله والتقوى والتدين، وتشكِّل سبباً في الابتعاد عن ارتكاب الذنوب. هذه الموسيقى تشكِّل سبباً للتقرب إلى الله تعالى والابتعاد عن كل شيء سواه، من خلال إثارتها لمشاعر الحزن أو الوجد العرفاني لدى الشخص، وتهيئ الأرضية الملائمة للحضور القلبي والتوجه إلى الله تعالى أثناء العبادة. ومن هنا فإن هذا النمط من الموسيقى يصبّ تماماً في خندق الأهداف المتعالية السامية للدين. كما أن دور الموسيقى في ترطيب الروح وتربية الفضائل الأخلاقية جدير بالاهتمام هو الآخر أيضاً. وخلاصة القول: إن الموسيقى المتعالية هي التي تؤسِّس للخبرة والتجربة الدينية، وهي الغاية القصوى للعارفين.

2ـ الموسيقى المفيدة هي نوع من الموسيقى ذات الاستخدام الدنيوي المفيد والإيجابي، وهي منزّهة عن المضامين الأخلاقية والدينية السيئة. ويكمن الفرق بين الموسيقى المفيدة والموسيقى المتعالية في أن الفوائد الأخروية والمعنوية هي المأخوذة بنظر الاعتبار في الأولى، وفي الثانية هو الفوائد والنتائج الدنيوية الإيجابية، من قبيل: إزالة الإرهاق، ومعالجة الأمراض الروحية، وغيرها.

3ـ الموسيقى المبتذلة على العكس من النوعين المتقدمين، فهي تؤدي إلى إثارة الشهوة وتهييجها في قلب المستمع، وتزيد من حدة التعلق بالطبيعة والدنيا، وتبعد الإنسان عن ذكر الله تعالى، وتدفعه إلى ارتكاب الذنوب. هذه الموسيقى تورث الفساد الأخلاقي، وإشاعة عدم الالتزام بتعاليم الدين، والانحلال، وحب الدنيا، والغفلة، وانتشار الفحشاء، والاندفاع نحو المنكرات، والتجاوز على الضوابط والتعاليم الدينية والأخلاقية.

4ـ الموسيقى غير المجدية هي نوع من الموسيقى التي لا تأثير سيّئ لها بشكل مباشر، إلا أنها بالرغم من ذلك تشكِّل سبباً للهو وهدر الوقت، والرغبة في اللغو، والتخلي عن الأعمال الصالحة، وضياع العمر في الفوضى والبطالة، وحائلاً أمام بناء النفس فردياً واجتماعياً. ويكمن الفارق بين الموسيقى المبتذلة والموسيقى غير المجدية في أن للموسيقى المبتذلة عواقب أخروية سيئة، وهي في حالة تضاد مباشر وعدم انسجام مع أهداف الدين، في حين أن الموسيقى غير المجدية تتسبب أساساً في الإصابة بالأضرار الدنيوية. والحقيقة أن هذين القسمين يقفان قبالة القسمين الأول والثاني تماماً. فالموسيقى المتعالية بلحاظ تأثيرها في حالة تضاد وعدم انسجام مع الموسيقى اللهوية، والموسيقى المفيدة مع الموسيقى غير المجدية واللغوية. والتباين بين هذين القسمين فيما بينهما بمثابة الفرق بين فعل اللهو وفعل اللغو. وكما سنرى قريباً فإن المعيار في حرمة الموسيقى هو كونها لهواً ولغواً.

 

ملاحظات للتذكير

وهنا أجد من الضروري التذكير ببعض النقاط:

1ـ إن هذا التصنيف يشمل الموسيقى التقليدية والحديثة، أو الموسيقى الشرقية والغربية، على حد سواء. وبالتالي ففي حالة إثبات حرمة هذه الأقسام أو حليتها سوف لن يكون هناك أي فرق بين الموسيقى الشرقية والغربية، والفولكلورية والحديثة، إلا إذا كان بالإمكان البرهنة بشكل واضح ودقيق على أن عناوين الموسيقى التقليدية والحديثة، أو الإيرانية والأمريكية، أو الشرقية والغربية، هي معادلة ومساوية للموسيقى المتعالية والموسيقى المبتذلة. وهذا أمر غير ممكن. ولكن يجب أن يكون من الواضح أن الهدف من ذلك ليس الدفاع عن الموسيقى الغربية، بل المحافظة على حدود الحلال والحرام بشكل دقيق، والحؤول دون الاستغلال السيئ للمفاهيم والأحكام الدينية. والمقصود بذلك أنه ليس بالإمكان القول بحلية جميع أقسام الموسيقى الفولكلورية الإيرانية وأنواعها؛ بحجة التصدي للغزو الثقافي ومحاربته، وبالاستناد إلى الفتاوى الفقهية.

2ـ المراد من تأثير الموسيقى ـ وهو ملاك هذا التقسيم ـ تأثير كل من المادة والصورة أو المضمون الشعري وكيفية الصوت واللحن؛ إذ ربما يقترن مضمون عرفاني بكيفية معينة تثير الشهوات المادية الوضيعة. ومن هنا ليس بالإمكان تقديم الأشعار الراقية والروحية لحافظ ومولوي بصورة مبتذلة بذريعة الإنشاد، واعتبار ذلك من قسم الموسيقى المحللة. وبهذا الشكل لا يمكن اعتبار قراءة القرآن الكريم أيضاً كيفما اتفق، وبأي صورة أو كيفية كانت، محللة وجائزة بسبب مضمونه. وكذلك لا يمكن القيام بأداء الموسيقى المبتذلة أو غير المجدية بذريعة الأناشيد الثورية أو مواجهة الغزو الثقافي. كما يجب الالتفات إلى الآثار النفسية السيئة لبعض الألحان عند إذاعة بعض أنواع الموسيقى، وضرورة الابتعاد عن إذاعة الموسيقى التي تتسبب بمضاعفة الكآبة والإحباط والانزواء. وهذه نقطة مهمة بقيت بعيدة عن أنظار عشّاق الموسيقى الفولكلورية، كما هو الحال في بقاء مسألة عدم انسجام البعض من أنواع الموسيقى الفولكلورية الإيرانية مع التنمية والتطور بعيدة هي الأخرى عن أنظار دعاة التطور. فالتطور يتطلب هو الآخر الموسيقى التي تناسبه، كما هو الحال مع أغلب المقولات الاجتماعية الأخرى، وليس الأخلاق فقط.

3ـ وإن الموسيقى اليوم؛ وبسبب التأثيرات الآنفة الذكر، تحظى بأهمية خاصة، ولا ينبغي النظر إليها على أنها مجرد أمر فني ولهوي، بحيث لا يكون لوجودها أو عدم وجودها أي تأثير في حياة الإنسان، أو النظر لها بعنوان أمر يستخدم بشكل سلبي ومبتذل مقترن بالفسق والفجور. وهذا هو دور الزمان والمكان وتأثيرهما، والذي يجب أن لا يغيب عن النظرة الثاقبة والشاملة للفقيه. ولا ينبغي الاكتفاء بالمعرفة العرفية التقليدية السائدة لدى العامة، والاستخدام المألوف لها في عصر صدر الإسلام، عند استنباط الحكم الخاص بالموسيقى.

أجل، يمكن القول الآن بكل سهولة ويسر: إن الموسيقى هي عبارة عن وسيلة، الوسيلة التي يمكن أن تصبح في خدمة الأهداف الإنسانية والأخلاقية والدينية، وتساعد أيضاً في تكامل الإنسان وسموه، وتعينه على تحمل أعباء الحياة الصناعية التي لا تطاق، ومهدئاً للآلام الروحية والنفسية التي لا حصر لها، أو أن تصبح أداة نافعة لمزيد من الاستفادة من الطبيعة من جهة. ومن الممكن أيضاً أن تصبح في خدمة الأهداف الشيطانية الممجوجة الدنيئة، ومضادّةً للأخلاق والدين. ومن الواضح أن تأثير جميع هذه الأقسام واستخداماتها من الأهمية بمكان، بحيث لا يمكن تجاوزها والمرور عليها بهذه السهولة، والاكتفاء بالأقوال العامة والمجملة، والقول بأن تكليفنا وواجبنا الفقهي قد انتهى من دون أن نضع حدوداً وفواصل واضحة ودقيقة بين جميع أقسام الموسيقى، بالاستفادة من المفاهيم الحديثة والقابلة للفهم من قبل العرف المعاصر، أو اعتبار الموسيقى من حيث الأساس محرَّمة جملةً وتفصيلاً، ومع اعتبار إذاعتها ونشرها جائزاً ومباحاً من باب الاضطرار، وجعل المتدينين الحقيقيين يعيشون حالةً من التضاد والازدواجية.

إن الرؤية الواقعية تقتضي منا القول: إن الثورة ـ شأنها شأن المقولات الأخرى ـ تتطلب لونها الموسيقي الخاص بها، وبدون موسيقى من هذا النمط فإن الأهداف الدينية والثورية ـ إن لم نقل بأنها غير ممكنة التحقيق ـ ستكون صعبة على أقل تقدير. والتجويز بدون ضوابط وقيود، وبدون اختيار نوع الموسيقى، سيكون هو الآخر إحدى العقبات الكبيرة أمام النضج الديني والتسامي الروحي والمعنوي للمجتمع، حتى لو جرى هذا الأمر بذريعة التصدي للغزو الثقافي الغربي؛ لأنه عندما تعتاد آذان المستمعين على سماع الموسيقى المبتذلة أو غير المجدية التقليدية فإنهم سيميلون رويداً رويداً نحو الاستماع للأغاني الغربية المبتذلة أو التافهة؛ لأنهم سوف لن يجدوا أية حدود واضحة بين الاثنين. وبهذا الشكل فإن نشر مثل هذه الألحان سوف لن يمهِّد الأرضية المناسبة للغزو الثقافي عل المدى الطويل فحسب، بل سيكون هو إحدى صور هذا الغزو بعينه.

4ـ نحن نوافق على أن صناعة الموسيقى تتأثر إلى حدٍّ كبير بالحالات النفسية والروحية، والخصائص الشخصية، والالتزام الأخلاقي والديني، للمتخصصين في حقل الموسيقى والملحنين والمؤدين والعازفين. ومن هنا فإن النسخ الموسيقية النموذجية المتعالية قليلة بعدد الأصابع. ولكن إذا أثيرت مسألة إنتاج وصناعة هذا النمط من الموسيقى للفنانين الملتزمين فمما لا شك فيه سيكون لها دور بالغ التأثير في تألق إبداعاتهم الفنية في هذا المجال.

5ـ ادعى البعض من الباحثين المعاصرين ـ الذين أقدموا على إجراء الدراسات والتأليف في حقل الموسيقى ـ وقالوا بضرورة الرجوع إلى المتخصصين في مسألة تشخيص الموسيقى المحرمة؛ بسبب تأثرهم بالأجواء الحالية للمجتمع، والتسليم بافتراض حلّيّة الألحان الفولكلورية المتداولة. والمتخصصون الذين يمتلكون صلاحية تشخيص هذا الموضوع هم الموسيقيون والعازفون. وهؤلاء الأفراد يدّعون بأن الموسيقى المحرمة إنما تظهر إلى الوجود بسبب الانحراف والخروج عن الضوابط الموسيقية، وعدم مراعاة السلَّم الموسيقي وفواصل الآلات الموسيقية التقليدية. وعلى هذا الأساس يستنتجون أن المجتهدين والموسيقيين متفقون في تحريم هذا النوع من الموسيقى، ويعارضونها، ويحلِّلون الموسيقى الفولكلورية الأصيلة، ويؤيدونها، أي يفهم من خلال ذلك أنه أصبح معلوماً من خلال الدراسات المتخصِّصة التي أجريت من قبل الخبراء أن الموسيقى الفولكلورية الأصيلة محلِّلة تماماً، وأن حالات الحرام إما أنها ليست فولكلورية، أو ليست أصيلة.

وهذا الرأي خاضع للنقاش ـ حسب اعتقادنا ـ من عدة جوانب:

أولاً: إن الابتذال الديني والأخلاقي هما غير الابتذال الفني، وعدم التطابق مع الضوابط الفنية مختلف عن عدم التطابق مع الضوابط الشرعية.

ثانياً: إن قضية تشخيص الموضوع، والمرجعية المتخصصة التي يجب الرجوع إليها، تعد مسألة تتبع بعض الجوانب والحيثيات التي كانت محط اهتمام الشارع في موضوع الحكم الذي نحن بصدده. ولو ثبت أن الموسيقى أصبحت موضوع الحكم بلحاظ تأثيرها، وصار الحكم بحليتها أو حرمتها بلحاظ تباين تأثيراتها، ففي هذه الحالة يجب الرجوع إلى المتخصِّص الذي يدرس الموسيقى بلحاظ تأثيرها؛ بهدف تشخيص أقسامها عندما يستلزم الأمر ذلك. وهذا التخصص سيختلف حسب الحالة التي تتعرض للتأثير. وعلى أية حال فإن ذلك المتخصِّص سوف لن يكون خبيراً بالموسيقى.

ثالثاً: يجب إعطاء صورة واضحة عن الرجوع إلى الشخص المختصّ. ففي مسألة الموسيقى لو كان المراد أن نرجع إلى المتخصِّص لمعرفة الموضوع السابق ـ وهو من واجب الفقهاء ـ فهذا كلام صحيح. ولكن بالنظر إلى أن موضوع الحكم على الموسيقى يقوم على أساس تأثيرها، طبقاً لما سيأتي لاحقاً، فالمتخصِّص الذي يجب الرجوع إليه هو ذلك الشخص العارف بتأثيرات الموسيقى، وليس العارف بالآلات والأجهزة، وبكيفية تأليف القطع الموسيقية، بمعنى أنه يجب الرجوع في هذه الحالات إلى العرفاء، وعلماء النفس، والمهندسين الزراعيين، والمعنيين بتربية الحيوانات، وأمثالهم، وليس إلى الموسيقيين والملحِّنين. وإذا كان المراد معرفة الموضوع اللاحق ـ وهو من واجب المكلَّف ـ فهذا الأمر يتوقف على أن يكون موضوع الحكم من الأمور التخصُّصية، وليس من الأمور العرفية. وموضوع الحكم هنا من الأمور العرفية، بمعنى أن مسألة تشخيص كون هذا اللحن أو هذه الأنشودة الخاصة من أنواع الموسيقى المحرمة أم الموسيقى المحللة موكولة للعرف. ومن هنا ففي هذه الحالة لا معرفة الفقهاء بالموضوع ذات أهمية بالنسبة للمكلَّف، ولا معرفة أو دراية أيّ متخصِّص آخر. وبالتالي فالنتيجة التي نخلص لها أنه لا اعتبار لرأي الموسيقيين والملحنين في جميع أنواع تشخيص الموضوع؛ لكي تكون مراجعتهم ضرورية وملزمة.

 

الموسيقى من زاوية النصوص الدينية، محاولة لفهم مستوعب

مما لا شك فيه أن هناك قدراً كافياً من الأدلة المسلّم بها على حرمة الموسيقى المبتذلة، بحسب التعريف الذي مرّ آنفاً. ولا يستبعد أن يكون مراد الفقهاء الكبار من تقييد الموسيقى المحرَّمة بقيد «ما يتناسب مع مجالس اللهو واللعب» أو «ألحان أهل الفسق»، أو «الموسيقى المطربة» هو هذا النوع من الموسيقى. ويكمن الاختلاف فقط في أن المعيار المأخوذ بنظر الاعتبار في هذه المقالة واضح، ومن السهولة التوصل إليه، في حين أن أقوال «بما يتناسب مع مجالس اللهو واللعب» أو «ألحان أهل الفسق» أو «الموسيقى المطربة» هي معايير مبهمة، ومن الصعب إحرازها، فكيف بإمكان المتدينين إحراز وجود هذا القيد من عدمه، ولم يسبق أنهم حضروا طيلة حياتهم «مجالس اللهو واللعب»، أو لم يكن لهم أي لقاء أو تعامل مع «أهل الفسق»، ولو كان لهم شيء من هذا القبيل فإنهم لم يستمعوا لأي لحن من ألحانهم؟ في حين أن مفهوم «الموسيقى المبتذلة» أمر واضح للجميع، حسب التعريف والأمارات التي مرّت، وبإمكان أي شخص أن يدرك وبكل سهولة التأثير الإيجابي البنّاء أو السلبي المخرب حين استماعه لأحد الألحان، من خلال الرجوع إلى باطنه، والوقوف على أفعاله وانفعالاته الباطنية، وأن يشخّص من خلال هذه الآلية نوع تلك الموسيقى وحكمها.

تستفاد حرمة الموسيقى اللغوية أو اللهوية من الروايات الواردة في شأن الغناء؛ لأنهورد ذكر اللغو في هذه الروايات إلى جانب اللهو كمعيار وملاك في التحريم. والمهم في ذلك هو أن نبين أن الموسيقى المتعالية والموسيقى المفيدة غير مشمولتين بروايات الحرمة. ونحن نشير هنا إلى القرائن الموجود أغلبها في هذه الروايات، والتي تقود إلى اختصاص الحرمة بالموسيقى المبتذلة والموسيقى غير المجدية.

ومن البديهي القول: إذا كانت هذه القرائن تدل على حلية الموسيقى المفيدة فالأولى بها أن تدل على حلية الموسيقى المتعالية.

1ـ إحدى هذه القرائن استثناء الغناء في الأعراس([1]). ولو نظرنا إلى هذا الاستثناء في ظل التقسيم المذكور نستطيع القول وببساطة: إن هذا الاستثناء ليس تعبدياً، بل هو بسبب معيار عام كان مصداقه في زمن صدور هذه الروايات الموسيقى المتداولة في مجالس الأعراس فقط، ولربما سيجد مصاديق وأنواعاً أخرى في الأزمنة اللاحقة. ومن المستبعد جداً أن يقول الشارع المقدس بجواز الموسيقى الخاصة بمجالس اللهو واللعب في الأعراس؛ لأن ملاك الحرمة في هذا النوع من الموسيقى يبدو غير قابل للتخصيص. ومن ناحية أخرى من المستبعد بمكان أن يكون لمجالس الأعراس مدخلية، أو أن تكون موضوعاً في هذا الأمر، بمعنى أنه يستفاد من هذه الروايات أن الموسيقى الخاصة بمجالس الأعراس محلَّلة في غير هذه المجالس أيضاً. ولابد لي من القول اضطراراً: إن الموسيقى في الأساس ذات أقسام وأنواع متعددة، وإن كل نوع منها له تأثير معين واستخدام خاص به، يحدد الحالة التي يستخدم فيها، وإن الحكم بالحلية والتحريم إنما يتبع هذه التأثيرات. وبناء على ذلك فالموسيقى الخاصة بمجالس اللهو واللعب، أي الموسيقى المبتذلة، حرام مطلقاً، سواء في مجالس اللهو واللعب أو في مجالس الأعراس أو في أي مكان آخر، والموسيقى المفيدة حلال، سواء في مجالس الأعراس أو في غيرها. هذا الفصل والتقسيم يمثل مقتضى الاهتمام بملاك حرمة الموسيقى. وهذا الاهتمام نابع من مستوى الوعي بتأثير مختلف أنواع الموسيقى، وهي معرفة غير دينية، وأبعد من الفقه.

2ـ القرينة الثانية هي استثناء الموسيقى عند سياقة الإبل([2]). ومن المستبعد جداً القول باحتمال أن تكون هذه الموسيقى هي تلك الموسيقى الخاصة بمجالس اللهو واللعب. وأية خصوصية ممتازة تلك التي يمكن أن تمتلكها سياقة الإبل حتى يحلل الشارع المقدس أمراً مذموماً كهذا بسبب تلك الخصوصية ـ وقد حرمه في مواطن أخرى ـ؟ وما هي مدى تلك الأهمية والمصلحة التي يمكن أن تمتلكها مسألة راحة الإبل وإزالة التعب والإرهاق عنها، بحيث يجعلها تتغلب على مفسدة الموسيقى؟ وإذا كانت مسألة إراحة الإبل في قطع الطرق الصحراوية الشاقة على هذا القدر من الأهمية لدى الشارع المقدس، بحيث يقوم بتحليل أمر محرم، فهذا يعني أن هناك أمراً أقوى في الموضوع هو الذي يدعو الشارع إلى القول بحلية استخدام الموسيقى في هذا المورد، فلماذا لا يكون مثل هذا الأمر القوي موجوداً في شأن الإنسان المهموم وأسير المصاعب ومشاكل الحياة الاجتماعية الحالية المعقدة؛ لتمكينه من مواصلة مشواره الصعب في هذه الحياة؟ وهل يمكننا أن ندعيبأن الدين يعطي أهمية أكبر لتهدئة الحيوانات وإزالة التعب والنصب عنها من تهدئة الإنسان وسلامته النفسية؟! وهل أن عبء الضغوط الهائلة للحياة الآلية اليوم على نفسية الناس ومعنوياتهم أقل من عبء الأحمال الثقيلة التي تشعر به الإبل على ظهورها؟

الاحتمال الوحيد المعقول والمقبول هو أن نقول: إن هناك نوعاً خاصاً من الموسيقى يمتلك استخداماً مفيداً، ولا ينطوي أيضاً على أية آثار سلبية. وبالنظر إلى هذه الخصوصية أحلّها الشارع المقدس أيضاً. وخلاصة القول: إن استخدام هذا النوع من الموسيقى في صدر الإسلام جاء بهدف إراحة الإبل فقط، وهذا الأمر لا يمنع ظهور استخدامات أخرى جديدة لهذا النوع من الموسيقى.

3ـ القرينة الثالثة هي استثناء الغناء في المراثي. ومن الواضح أنه ليس بإمكان أي شخص أن يستخدم الموسيقى الخاصة بمجالس اللهو واللعب في المراثي، حتى يقال: إن نفس الموسيقى المحرمة في مكان آخر محللة هنا. وبناء على ذلك يجب أن نقول: إن الدليل على حلية الغناء في المراثي يمثل في الحقيقة الدليل على حلية نوع خاص من الموسيقى يمتلك استخداماً خاصّاً؛ اعتماداً على تأثيره. وانطلاقاً من هذا الاستخدام قال الشارع المقدس بحليتها؛ نظراً إلى أن هذا النوع من الموسيقى لا ينطوي على آثار دنيوية أو أخروية سيئة، بل له تأثير إيجابي في تسكين أحزان المعزين، وتخفيف الضغوط النفسية التي يشعرون بها. وبما أن المراثي لا تمتلك خصوصية معينة يجب القول: إن القول بالحلية لا يختص في الحقيقة بهذه الحالة فقط، بل يشمل جميع أنواع الموسيقى المفيدة.

4ـ القرينة الرابعة هي أقوال المدح والثناء الواردة في الروايات في خصوص الأصوات الحسنة([3])؛ إذ مما لاشكّ فيه أن هذه الروايات لا تقصد الصوت المستخدم في مجالس اللهو واللعب، ولا شك أيضاً أن الشارع المقدس لا يشجع الناس على أعمال اللغو غير المجدية، التي تورث الغفلة. وبناء على ذلك لابد أن نقول: إن هذه الروايات تبيِّن حلية نوع خاص من الموسيقى، ذات فائدة واستخدام يقبلها العقل، وهو ما يريده الشارع المقدس أيضاً.

وجاء في العديد من الروايات أن الإمام زين العابدين× كان ذا صوت جميل جداً. وفي رواية أنه× عندما كان يتلو القرآن الكريم فإن بعض المارّة كانوا يضطرون إلى التوقف بشكل لا إرادي عند سماعهم لصوته، أو يصابون بالدهشة([4]). ومن الواضح أن هذه الحالة غير ناجمة عن المضمون القرآني حصراً، وإلا لما كانت هناك أية خصوصية تذكر لصوته الكريم. ومن ناحية أخرى فإن تحريم الغناء أثناء تلاوة القرآن الكريم أشدّ، وعقوبته أعظم. لذا يمكن أن نستنتج أن هناك نوعاً من الصوت الحسن ليس حراماً، وعلى أقل تقدير فإنه مستحسن في قراءة القرآن الكريم. وهذا الصوت هو غير الموسيقى الخاصة بمجالس اللهو واللعب. وبما أنه ليس لتلاوة القرآن خصوصية معينة لابد إذاً من التفصيل في حكم الموسيقى، وفصل الاستخدام المفيد والمتعالي منها عن الاستخدام المبتذل وغير المجدي. ومن جهة أخرى يتضح لنا المعنى المراد بالطرب من خلال هذه الروايات كذلك؛ لأنه لا يمكن اعتبار حالة الوجد وخفة الروح واللاشعور الحاصلة جراء سماع الصوت الحسن المعيار في الموسيقى المحرمة على نحو الإطلاق.

5ـ القرينة الخامسة عبارة عن جملة من التأكيدات الواردة في بعض الروايات حول كيفية تلاوة القرآن الكريم([5]). فقد جاء في هذه الروايات أن اقرؤوا القرآن بصوت حزين، وليس بصوت أهل الفسق والفجور. ولو أردنا توضيح مفاد هذه الروايات بالصيغ المستخدمة اليوم فلابدّ من القول: إن المراد بذلك أن المضامين السامية للقرآن الكريم تتطلب موسيقاها الخاصة بها، بحيث لو اتفق وأن ارتقى الصوت إلى مستوى تلك المضامين سيتضاعف التأثير الذي تتركه تلاوة القرآن الكريم على نفوس السامعين، ومثل هذا الصوت يعد في الحقيقة من أنواع الموسيقى المتعالية، وبسبب تأثيره المعنوي لم يعتبر حلالاً فحسب، بل حظي بالترغيب والتشجيع عليه أيضاً، والحقيقة أنه مستحب. وعليه فالموسيقى المبتذلة لم تصبح محللة في حالة استثنائية، ولا تلاوة القرآن محللة بصوت من هذا القبيل، بل الحلال هنا هي تلاوة القرآن الكريم بصوت يليق به، ونفس ذلك الصوت الخاص هو حلال ومقبول في مواضع أخرى أيضاً، من خلال الامتزاج مع المضامين الدينية والأخلاقية، وإن لم تكن قرآنية.

6ـ القرينة السادسة تتمثل بتطبيق الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللهِ﴾، على الغناء، والتي ذكرت في عدة روايات كسند قرآني على تحريم الغناء([6]). ومن المسلّم به أن الموسيقى المتعالية والموسيقى المفيدة، وعلى ضوء تعريفهما، غير مشمولتين بهذه الآية؛ لأن عبارة ﴿لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ و﴿لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللهِ﴾ لن تشملا هذين النوعين من الموسيقى؛ ذلك أن الموسيقى التي تذكّر بالله تعالى تمحق الغفلة، ولا تتسبب به، وتهدي إلى سبيل الله، ولا تضل عن سبيله. وكذا الأمر بالنسبة للموسيقى المفيدة، فلا هي من اللهو، ولا تضل، فضلاً عن أنها من الممكن أن تكون سبباً للذكرى والهداية أيضاً. وتضع هذه الآية بين أيدينا ملاك الحرمة في الموسيقى، وهما عبارتا: ﴿اللَّهْو﴾ و﴿الضَّلال﴾.

7ـ القرينة السابعة تتمثل بتطبيق الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾، ونظائرها، على الغناء([7]). ومن الواضح أنه لا يمكن اعتبار الموسيقى المهدئة للنفوس، والتي تذكّر بالله تعالى، أو التي تنطوي على نتيجة طيبة ومفيدة، وتفتقد لأي تأثير سيئ، من ﴿قَوْلَ الزُّور﴾.

8ـ القرينة الثامنة هي ما جاء في رواية أن الإمام× يسأل الراوي: إذا ميّز الله سبحانه وتعالى بين الحق والباطل فأين يكون الغناء؟ فيجيب الراوي بأنه مع الباطل([8]). ويؤيد الإمام كلامه. ومن الواضح أنه من غير الممكن القول إن الموسيقى المتعالية والموسيقى المفيدة هما من الباطل. ويستفاد من هذه الرواية أمران آخران: الأول: إن معيار حرمة الغناء هو عنوان «الباطل»؛ والثاني: إن تشخيص هذا المعيار أحيل إلى العرف، أي إنه بإمكان الناس تشخيص الموسيقى المحرمة من الموسيقى المحللة، من خلال الرجوع إلى ضمائرهم، ولو كانت جميع موارد الغناء محرمة تماماً في نظر العرف في صدر الإسلام فإن هذا الأمر لا يرقى إلى أن يصبح سبباً لقولنا ببطلان جميع أنواع الموسيقى في عصرنا الحاضر. ويجب علينا في هذا الزمان أيضاً أن نرجع مرة أخرى إلى العرف السائد اليوم لنرى هل أن هذا العرف ينتزع عنوان الباطل من جميع أنواع الموسيقى أم من بعض أنواعها دون الأخرى. ومن المؤكد أن العرف في زماننا يرى أن الموسيقى المتعالية والمفيدة من الحق.

9ـ القرينة التاسعة تتمثل في أنه وردتعريف للغناء في إحدى الروايات بأنه ينبت النفاق في القلب وينمّيه([9])، فهل يمكن وصف الموسيقى المتعالية والمفيدة بوصف كهذا؟ وكيف يمكن القول بأن الأمر الذي يذكّر بالله تعالى مصدر النفاق؟ مما لا شك فيه أنه كما أن للكفر والشرك والنفاق موسيقاه الخاصة به فإن للإيمان أيضاً موسيقاه الخاصة به. وإذا كنا لم نعزف مثل هذه الموسيقى أو لم نستمع لها فذلك تقصيرنا نحن.

10ـ القرينة العاشرة هي أن بعض الألفاظ، من قبيل: «اللهو» و«اللعب» و«الباطل»، جرى تطبيقها على الغناء في بعض الروايات([10]). وهنا يمكن القول وبكل وضوح: إن هذه العناوين يمكن إطلاقها على نوعين من الموسيقى، هما: الموسيقى المبتذلة؛ والموسيقى غير المجدية فقط، والموسيقى المتعالية والموسيقى المفيدة خارجتان عن دائرة هذه العناوين.

11ـ القرينة الحادية عشرة أنه جاء في إحدى الروايات أن مجلس الغناء هو مجلس لا ينظر الله تعالى إليه، أو لا تدخله الملائكة، ولا يأمن من يحضره الحوادث المفجعة، و…إلخ([11])، أي إن هذا المجلس يورث الغفلة، ويبعد الإنسان عن ذكر الله تعالى، فهل يمكن القول إن الله تعالى لا ينظر إلى مجلس يدعوهم إلى ذكره تعالى، أي مجلس الموسيقى المتعالية، وهو القائل: أنا جليس من يجالسني، وأنيس من يستأنس بي، أي من هم في ذكري؟

12ـ القرينة الثانية عشرة أنه جاء في إحدى الروايات: «شر الأصوات الغناء»([12]). ومما لا شك فيه أن الموسيقى المتعالية هي من أجمل الأصوات حسب الرؤية الدينية والأخلاقية، وكذا الأمر بالنسبة للموسيقى المفيدة، وليست قبيحة، فما بالك بأن تكون الأقبح.

13ـ القرينة الثالثة عشرة أنه جاء في إحدى الروايات: «كان إبليس أول من تغنى»([13]). والمراد بذلك أن الشيطان هو الذي اخترع الغناء. ومن المستبعد جداً أن ننسب اختراع الموسيقى المتعالية أو الموسيقى المفيدة إلى الشيطان؛ لأن الموسيقى المتعالية هي وسيلة تدعو بني البشر إلى ذكر الله والآخرة، وتشجعهم على القيام بالأعمال الصالحة، وتنهاهم عن ارتكاب الأعمال السيئة، وتخرجهم من سيطرة الشيطان، والموسيقى المفيدة وسيلة لا تمنع الإنسان عن ذكر الله، ولا تؤدي إلى تحقيق النتائج التي يريدها الشيطان.

14ـ القرينة الرابعة عشرة أنه جاء في إحدى الروايات: «من أصغى إلى ناطق فقد عبده؛ فإن كان الناطق يؤدي عن الله عز وجل فقد عبد الله؛ وإن كان يؤدي عن الشيطان فقد عبد الشيطان»([14]). ومن الواضح أن الموسيقى المتعالية والموسيقى المفيدة ليستا مما ينشده الشيطان أو أتباعه، وأن الاستماع إليهما ليس من عبادة الشيطان.

15ـ القرينة الخامسة عشرة هي قرينة عقلية، فهل بإمكاننا أن نتجاهل وبسهولة حالة التفاعل والوجد العرفاني التي تحصل جراء الموسيقى العرفانية، والنتائج المفيدة التي نحصل عليها من الموسيقى المفيدة، ولا نبذل أي جهد يذكر في خصوص فهم ملاك الحكم؛ بذريعة أن ملاك الأحكام أمر مجهول بالنسبة لنا؟ أما للمعرفة غير الدينية والفقهية لطبيعة الموسيقى وموارد استخدامها وتأثيراتها الإيجابية والسلبية أي دخل في ظهور الألفاظ أو حجية ظهورها؟

ومن جهة أخرى هل يمكن تجاهل الآثار السيئة والمخرِّبة للموسيقى المبتذلة والموسيقى غير المجدية بسهولة، والاهتمام بالترويج لها دون استحياء؛ استناداً إلى بعض العناوين، من قبيل: التصدي للغزو الثقافي، ودفع الأفسد بالفاسد؟ أما فكرنا ـ ولو قليلاً ـ بالنتائج المؤلمة لهذا الأمر؟ وهل يجوز تعويد المتدينين على سماع هذا النمط من الموسيقى بذريعة أن الأصوات المشكوك فيها لا مانع من الاستماع لها، وبتبديل كلمة الأغنية بالأنشودة؟ وهل أن الاعتياد على هذه الموسيقى لا يؤدي بالمعتادين عليها إلى الإقبال على الأنواع الأكثر لهواً وابتذالاً منها خلال فترة قصيرة، ولا يقنعون بما يعرض وينشر من خلالنا؟ ولنتواضع قليلاً، ونرَ إلى أي مدى يمكن أن يحول نشر هذا النوع من الموسيقى من شراء أشرطة الموسيقى المبتذلة والاستماع إليها؟ وعندما لا تكون هناك حدود واضحة تفصل بين هذه الموسيقى وما تحمله أشرطة الموسيقى المبتذلة فكيف يمكن عندها أن نتوقع من الناس عدم استماعهم لتلك الأشرطة؟

ومن ناحية أخرى يجب أن لا نتصور أن تعميم هذا الحكم وتطبيقه على جميع أنواع الموسيقى أمر يوافق العمل بالاحتياط، فهذا ما توهمه الأخباريون؛ إذ إن ما يوافق الاحتياط من الناحية الفقهية وعند الإفتاء هو السعي من أجل الوصول لفهم أدق وأعمق لحكم الله تعالى، وتوضيح الموضوع بشكل صريح وبيّن، وليس هناك فرق بين الحلية والحرمة من هذه الناحية، فإن لتحليل ما هو محرم من المحاذير بقدر ما لتحليل الحرام.

16ـ القرينة السادسة عشر قرينة خارجية، وهي عبارة عن اتصاف الموسيقى العربية بسمة اللهو، وتوافقها الكبير مع مجالس اللهو واللعب. ولو أردنا تصنيف موسيقى الأقوام الأخرى من هذه الناحية فإن بعضاً من أنواع الموسيقى العربية والموسيقى الإيرانية تأتي في مستويات راقية لهذا التصنيف؛ لأن هذه الموسيقى هي احتفالية ومطربة أكثر من كونها حربية، وإمكانية استخدامها في مجالس الأنس والطرب غير خافية على أحد. وهذه الصفة تشتد أحياناً في بعض الألحان إلى الحد الذي لا يستطيع معه أي مضمون معنوي ومتعالٍ من إبطال تأثيرها. ومن هنا فالأمر الآن هو أن الصفة التي ذكرناها تبعث الاحتمال التالي في الأذهان: إن المقصود من الغناء الوارد في الروايات ربما يتعلق بخصوص الموسيقى المتداولة بين العرب، وأنواع الموسيقى المشابهة لها، وإن تعميم الحرمة على جميع أنواع الموسيقى إنما يتوقف على دفع هذا الاحتمال، وخاصة إذا ثبت أن العرب لم يعرفوا نوعاً ومصداقاً آخر شائعاً للغناء زمن صدور النصوص، وقد كانوا هم أول المخاطبين بهذه النصوص.

والنتيجة التي نخلص لها أن هذه الروايات، التي تعد القاعدة التي يستند عليها حكم التحريم، لا تشمل الموسيقى المتعالية والمفيدة؛ بسبب القرائن الموجودة فيها. واعتماداً على هذه القرائن يمكن إثبات أحد القولين التاليين:

1ـ ليست جميع أنواع الغناء محرمة. وللغناء نوعان أو أكثر. وإن كان قد أصبح موضوعاً للحكم على نحو الإطلاق فلأنّ مصداقه الغالب والمتداول في عصر صدر الإسلام هو ذلك النوع المبتذل منه.

2ـ إن مفهوم الغناء لا يوازي مفهوم الموسيقى تماماً، وعند إثبات حرمة الغناء فإن بعضاً من أنواع الموسيقى هي التي يشملها التحريم. وبناء على ذلك فقد أصبح معلوماً أن تفسير مفهوم الغناء ـ الذي خصص لنفسه الكثير من الصفحات في الكتب الفقهية الاستدلالية ـ ليس مفيداً كما ينبغي، والأسلوب الصحيح هو أن نقوم بتقسيم الغناء إلى عدة أنواع؛ انطلاقاً من الاستخدامات الجديدة لمقولة الموسيقى، وأن نتوصل إلى الحكم الخاص بكل واحدة منها، من خلالها عرضها على الروايات الواردة بهذا الشأن. وبدلاً من أن نستخدم بعض القيود، من قبيل: الموسيقى المطربة، والملائمة لمجالس اللهو واللعب ـ والتي هي ليست مبهمة فحسب، بل قابلة للمناقشة أيضاً ـ علينا أن نستخدم المفاهيم الحديثة، والقابلة للفهم حالياً. ويكمن الأمر الذي يعطي الحلول عند العمل بالأحكام الشرعية في امتلاك معيار واضح غير مبهم. ولعل تعريف مفهوم الموضوع في هذه الحالة يسبب بعض المصاعب.

 

مسك الختام

لقد تمت في هذه المقالة دراسة ما يلي:

1ـ تأثير المعلومات غير الدينية والفقهية في الفهم الفقهي.

2ـ كيفية استخدام العلوم غير الدينية في فهم النصوص الدينية.

3ـ حاجة الفقه للعلوم غير الدينية في فهم موضوع الحكم.

4ـ توضيح «دور الزمان والمكان في الاجتهاد» و«عدم كفاية الاجتهاد المتعارف عليه».

5ـ عدم كفاية المعلومات اللغوية والأدبية في فهم النصوص الدينية، والدور المؤثِّر للمقدمات والنظريات غير الفقهية في باب الموضوعات الفقهية في فهم الأحكام الشرعية.

6ـ تأثير إبهام الفتاوى الفقهية في إساءة الفهم والاستنتاجات الخاطئة.

7ـ ضرورة إعادة قراءة موضوع الموسيقى، وإعادة مراجعة النصوص الدينية في ظل تلك الدراسات.

8ـ نقد اللجوء إلى التغييرات المبهمة عند بيان الحكم الشرعي.

9ـ تقسيم الموسيقى حسب الاستخدامات المختلفة لها، وإعطاء تعريف واضح لكل قسم منها.

10ـ إثبات حلية الموسيقى المتعالية والموسيقى المفيدة، وحرمة الموسيقى المبتذلة والموسيقى غير المجدية.

11ـ توضيح معنى الرجوع إلى المتخصص في تشخيص موضوع الحكم في خصوص الموسيقى.

12ـ وضع حدود واضحة بين الموسيقى الحلال والموسيقى الحرام.

13ـ إثبات كون الموسيقى وسيلة بإمكانها أن تكون في خدمة العديد من الأهداف اعتماداً على خصائص المنشد والمؤدي والمستمع، وأن محاسنها ومساوئها وحلالها وحرامها أمر يتبع طبيعة الاستخدام وتأثيره.

 

الهوامش:

(*) باحث في الدراسات الإسلامية.

([1]) وسائل الشيعة 12: 84 ـ 85، كتاب التجارة، باب 15 من أبواب ما يكتسب به، طبعة المكتبة الإسلامية.

([2]) سنن البيهقي 10: 227 ـ 228.

([3]) وسائل الشيعة 4: 858 ـ 860، باب 24 من أبواب القراءة في الصلاة.

([4]) المصدر السابق، ح2 و4 : «عن أبي الحسن× قال ذكرت الصوت عنده، فقال: إن علي بن الحسين× كان يقرأ، فربما مرّ به المارّ فصعق من حسن صوته». وأيضاً: «عن أبي عبد الله×: كان علي بن الحسين× أحسن الناس صوتاً بالقرآن، وكان السقاؤون يمرون، فيقفون ببابه يستمعون قراءته».

([5]) المصدر السابق: 856 ـ 860، الأبواب 21 إلى 25 من أبواب قراءة القرآن.

([6]) المصدر السابق 12: الباب 99 من أبواب ما يكتسب به، ح6، 7، 11، 16، 20، 25.

([7]) المصدر السابق، ح2، 3، 5، 8، 9، 20، 24، 26.

([8]) المصدر السابق، ح13.

([9]) المصدر السابق، ح10، 23، وكذلك الباب 101، ح1.

([10]) المصدر السابق، الباب99، ح13، 15، 19.

([11]) المصدر السابق، ح1، 12، 16.

([12]) المصدر السابق، ح22.

([13]) المصدر السابق، ح28.

([14]) المصدر السابق، الباب 101، ح5.

الكاتب د. علی محجوب

د. علی محجوب

مواضيع متعلقة

اترك رداً

downloadfilmterbaru.xyz bigoporn.club bok3p.site sablonpontianak.com