المُؤْمِنُ العَاطِفِيُّ وَأَزْمَةُ التَّنَافُرِ المَعْرِفيّ

قراءةٌ لأهمّ آثار كورونا على معتقدات بعضِ المتديّنين

السيّد محمّد بدر الدين

كحصادِ ملأَى السَّنابلِ في موسمٍ صيفيّ حار، يحصد كائنٌ مجهريٌّ مشؤومٌ أرواحَ الآلاف من النّاس على امتداد كوكبنا المريض، لتسودَ حالةُ الهلعِ عند النّوع البَشَريّ خوفًا من انقطاع صراط عمرهم النَّفيس. لكنَّ عمليَّة الحصاد هذه لا تقتصر على قطفِ الأرواح، بل تخوض جولاتٍ في حقول المعنى، لتحصدَ أخلاقياتِ دولٍ لطالما رفعت شعارَ الرّفقِ بالحيوان، لتستبدلَه اليوم بعَلَمِ القرصان وسلْبِ الإنسان، ليكون دليلًا على نُضوبِ نبعِ الضَّمير في الأسرة الدّوليّة المعاصرة والحضارة الماديّة الحاكمة.

وما يزالُ هذا الكائنُ ضاربًا بمعوله في حقولٍ ذهنيّةٍ حَزِنَة، مقتلعًا معارفَ عَقديّةٍ ودينيّة، ظَنَّها أصحابُها الطيّبون بديهيّةَ التَّصورِ راسخةَ التَّصديق متجذّرةَ الدّليل، ليجدوها فجأةً عِهنًا منفوشًا أمامَ نواظرِهم. وعندما حاولوا إعادةَ جمعِها من جديد، تعثَّر سلوكُهم بحجارة الخرافات والأكاذيب، فدوّى صوتُهم غازيًا الشبكاتِ العنكبوتيّة، مقطّعًا سبلَ التواصلِ بينهم، لتتناثرَ أذهانُهم في فضاءِ “التنافر المعرفي”.

إنَّ الذين حُصدت أرواحُهم قد غادرونا إلى عالمٍ آخر، أمَّا الذين يتنفّسون -حتى الآن-فمنهم الصّابرُ القويُّ المتفهّم، ومنهم الجازعُ الخائفُ المنهزم، أجسامُهم سليمةٌ ظاهرًا، أما معارفهم فقد انتقلت مع الأرواح إلى العالم الآخر، لنكون هذه المرّة أمام أمواتٍ من نوع جديد.

نبتعد في هذه الوريقات عن إحصاءات الوفيّات والإصابات، وعن إرشادات السلامة الجسدية، كما أننا نعجز عن رصد جميع ردَّات الفعل على مستوى الأفراد والمجتمعات والدّول، لذلك نضعُ نصبَ أعيننا شريحةً من المؤمنين الذين ظهرت عندهم هزةٌ على مقياس الفكر والمعرفة، تركت تصدّعاتٍ في مباني منظومتهم الدينيّة والعقديّة، وذلك في محاولة متواضعة منَّا لتقديم قراءة توصيفيّة لما جرى علّها تترك بصمةً على مستوى السّلامة المعرفيّة.

من هنا سوف نقسّم البحث إلى أربعة أقسام: نقوم في الأوّل بعرضٍ لأهم الارتدادات المشاهدة، وفي الثاني بتوصيف نفسي – اجتماعي مع شيءٍ من التفصيل، وفي الثّالث بطرحٍ لأهمّ العوامل والمخاطر، لنختم في القسم الرابع بأهم النتائج والتوصيات.

المفردات الدّلاليّة: التّنافر المعرفيّ – التّوازن المعرفيّ – الاعتقاد – المعرفة – السّلوك.

أولًا: الارتدادات العقديّة رصد لأخطر السّلوكيّات

ليست تداعياتُ المشهد الصّحيّة خافيةً على أحد، فإن الجميعَ في حالةِ متابعةٍ لمجريات الأحداث المتسارعة على اختلاف أصعدتها. ولابد أوَّلا -وابتعادًا عن النّظرة التّشاؤميَّة الدّاعية للكسل والفشل- من الإشارة إلى أنَّ لوحات مجتمعاتنا الإسلاميّة، لا تخلو من مشاهد الوعي والتكافل والإيمان المشرقة التي لابد من الوقوف عندها مليًّا، ليغيَّر بعضُ المتشائمين من نظرتهم إلى هذه الفئات الراقيّة من المجتمع، لكنَّ كلامَنا هنا يصبُّ على الأثر المعرفيّ العقديّ بقسمه السلبيّ فقط.

في محاولة للتّقليل من سرعة تفشّي فايروس كورونا المستجد COVID- 19 لجأت العديدُ من حكومات الدول الموبوءة إلى إغلاق أهم مراكز التّجمع البشريّ التي تضمّ دور العبادة من الكنائس والمساجد، فتعطل قداس الأحد وصلوات الجمعة والجماعة، وأُغلقت الأماكن والأضرحة المقدسة كالفاتيكان ومزار مار شربل مسيحيَّا والكعبة المشرفة وأضرحة أئمة أهل البيت Eإسلاميًّا وشيعيًّا.

 لم يكن الفايروس نفسه ولا ما تبعه من مثل هذه الاجراءات حدثًا عابرًا، بل ترك -وما زال- ارتدادات سلبيّة على عقائد فئة لا يستهان بها من المتديّنين. ولكي نقدرَ على توصيف هذه الحالات لابدَّ أوّلًا من عرضها، مع تجاهل متعمّد للتّحركات المدروسة من قبل التّيّارات المتطرّفة شيعيًّا أو مسيحيًّا التي سُخّرت لأجلها قنواتُ الإعلام والمنابرُ العنكبوتيّة، ليكون كلامُنا مندرجًا ضمنَ إطار الانعكاسات اللَّا عمديّة والبريئة -ظاهرًا- عند بعض المتديّنين إن بسبب أصل الوباء وإن بسبب الإجراءات المتّخذة.

  1. لقد غضب الله علينا

تزامن انتشار كورونا في بعض الدول مع طقس جويّ عاصف شديد الأمطار والرّياح، يصحبه انتشارُ أسرابِ الجراد في دول أخرى، وبدلًا من أن يكون الأمرُ اعتياديًا لكوننا في أواخر فصل الشّتاء الذي كثيرًا ما نشهد فيه مثل هذه الحوادث، سادت بين جمعٍ من المتدينين أطروحةُ نزول الغضب الإلهيّ، وأن هذه الأحداث هي عقاب وانتقام من البشرية.

وقد وصف البعض هذه الحالة بأنّها فقدان الإله للسيّطرة على هذا الكوكب، في حين عجز بعض المتدينين عن الجمع بين الله الحب والرحمة، وبين العاصفة والموت والفيضان الذي يحصل بأمره ويخضع له. هذا بالإضافة إلى سخريّة إلحاديّة وعلمانيّة من مشاعر تلك الطائفة المتديّنة الخائفة من هذه الكوارث، فأين ربُّهم ليدفع عنهم هذه الشّرور؟

  1. الأضرحة مغلقة حتى إشعارٍ آخر

لعلَّ ردة الفعل تجاه هذا القرار هي الأشدّ تأثيرًا والأوسع انتشارًا، فقد أثيرت في العالم الافتراضيّ العديد من الأسئلة الاستنكاريّة بين المتديّنين أنفسهم، فكيف يتحوّل دار الشّفاء إلى دار البلاء؟ وكيف يقتلُ المقدَّسُ زوّارَه وضيوفَه؟ وكيف يهانُ الإمام بتعقيم مقامه؟ بل كيف يترك وحيدًا؟ وكيف يغلق باب داره؟

في المقلب الآخر صبّ جمعٌ من المتطرّفين واللَّا دينيين انتقادات لاذعة في وجه الفئة الأولى، فهذه أضرحة مقدّسيكم تضرّكم ولا تنفعكم، وها قد تخلَّيتم عن خرافاتكم وكرامات استشفائكم، وقد تحولّت مقدساتكم إلى بؤر الوباء، وإنَّ فرارَكم من مقامات أئمّتكم وقدّيسيكم دليل على عدم نفعهم لكم، فاتركوا الدّين وتعالَوا إلى أحضان العلم.

وقد ترجمت ردود الفعل على الواقع الخارجي بحركات مندّدة أمام أبواب الأضرحة في مطالبةٍ بإعادة فتحها أمام المؤمنين، بل لجأ البعض إلى كسر جزء من باب أحد المقامات المقدسة في محاولة للدخول عنوةً، وسط الصّراخ والبكاء ولطم الرؤوس الحاسرة والمعمَّمة. وربما يكون هذا هيّنا أمام بعض الحالات الشّاذّة التي ترجمت بلعق الأضرحة وتقبيلها بنحو جنونيّ، وكذا أمام التّهجم على مراجع الدين، تحت شعارات “نلبس عيب كمَّامات”[1].

تلى هذا القرار انتشارُ عددٍ من المرثيّات الدينيّة في وجه قرارات المرجعيّة الشيعية[2]، بل عقدت مجالسُ عزاء مباشرة ضمت المئات من النّاس الذين يبكون وينتحبون على أنغام “لعنده علي ما ينزل المستشفى” و”وصفة كورونا بشباكه”[3]. أما بالنسبة لمحاضرات بعض رجال الدين وسط تلك الجموع، فالأمر أفضح والخطب أفظع.

  1. إسقاط الأحداث على النَّص الديني

في ظاهرة خطيرة ليست بجديدة، تم اسقاط هذه الأحداث المتسارعة على متون الروايات الدينيّة والآيات القرآنيّة بنحو غريب، وانتشرت كالنار في الهشيم على مختلف وسائل التّواصل الاجتماعيّ، فقوله تعالى في سورة المدّثّر ﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ (29) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30)﴾ هو إشارةٌ إلىCOVID- 19 أي فيروس كورونا المستجد الذي يحمل الرقم تسعة عشر!! وكونُ ﴿سورة الحِجْر﴾ -بالكسر- في أول الجزء الرابع عشر من القرآن الكريم هو إشارةٌ إلى الحَجر -بالفتح- المنزليّ لمدة أربعة عشر يومًا، وغير ذلك مما يضحك الثّكلى الغارقة في الأحزان وبالله المستعان.

  1. استعدّوا فإن أحداً ما قادم

لعلَّ هذه الجملة وما يوازيها معنًى ومغزى، من أكثر العبارات التي لا يزال ينشرها كثير من المؤمنين على صفحاتهم الافتراضية منذ الأسبوع الأوّل لانتشار الوباء حتى يومنا هذا، وذلك في إشارة -كما لا يخفى- إلى اقتراب موعد الظّهور الشّريف للإمام المهديّ .استنادًا على بعض المعطيات الواهية، فإنَّ انتشار الوباء وموت الآلاف وخلوّ المسجد الحرام والكعبة المكرمة، بالإضافة إلى شائعات موت الملك السعودي عزّزت من هذه الفكرة العاطفيّة، والحال أنها ليست المرة الأولى التي تصاب فيها البشريّة بأنواع الأوبئة والأمراض الأشد فتكًا، غاية الأمر أنه لم يكن هناك هواتفُ ذكيّة بين أيدي النّاس لتنتشر بينهم مثل هذه الأفكار، هذا مع الإشارة إلى أنّ الملك المذكور لا يزال حيًا يرزق، إذا لم نتبنَّ نظريّة التّكتّم الإعلاميّ، فماذا لو انتهى الأمر ولم يحدث شيءٌ ما ولم يأتِ القادم؟! وكيف ستكون ردة فعل ضعاف النّفوس والطيّبين؟! أما ادعاء البعض للمهدويّة في إحدى الدّول العربيّة فأمر لا يستحق التَّعليق بتاتًا.

  • أخبرني الإمام في المنام

أما عن النّبوءات والظّهورات والكرامات فحدّث ولا حرج، فصار يخرج بين الفَيْنة والأخرى جملةٌ من بسطاء المتدينين يحملون توصيات الأئمة والقدّيسين، فعلى المستوى الإسلامي انتشرت قضية فتح القرآن الكريم والبحث عن شعرة في داخله لنقعها وشرب مائها، في توصية من إمام رأته إحدى المتدينات النّائمات! وأما مسيحيًّا فقد نبشت أحواض قبر القديس مارشربل في بلدة عنَّايا اللبنانيَّة من قبل عشرات المتدينين امتثالًا لوصية بأكلها بشّرت بها حالمةٌ أخرى[4].

وقد أثار هذا الأمرُ جدلًا داخل ديني لحق قضية الاستشفاء بالتربة الحسينيّة وأضرحة المعصومين Eبل وأصل قضيّة التوسل بالأئمة والقديسين، ثم تبعته موجة سخرية لا دينية فتحت لها قنوات التّلفزة مما أساء لجمهرة كبيرة من المتديّنين والمعتقدين بقدسية مثل هذه الأعمال، وإن كانوا قد اصطدموا بعدم إعطاء نتيجة الشفاء المرجوّة على مرضاهم المفترشين لأسرّة المستشفيات.

نعتقد بكفاية ما تقدم في إيضاح الصورة، فلا داعي لتطويل القائمة أكثر، لذلك ننتقل إلى النقطة الثّانية التي نحاول فيها الإجابة عن سؤال: ما الذي حصل عند هذه الشّريحة من النّاس؟

ثانياً: توصيف نفسي – اجتماعي لما تقدم

يميل الإنسان بطبيعته إلى حالة الكمال والتّخلص من مختلف مستويات النّقص، التي منها المستوى المعرفي، لذلك يسعى -فيما لو كان مهتمًّا- إلى تكوين منظومة معرفيّة يحدد فيها موقفه من الاتّجاهات والاعتقادات على تنوّعها، في محاولة منه للوصول إلى إطار معرفيّ متناغم الأجزاء متكامل العناصر، يرتكز فيه على بنية معرفيّة عقديّة محكمة الأسس قدر المستطاع.

ولأجل ذلك فهو إمّا أن يخوض بنفسه في مرحلة البحث والتّحقيق والمطالعة، وإما أن يكون مقلّدًا لأهل الاختصاص في العلم الذي يفتقد إليه، ليتلقّى حينها مادّة منظومته على طبق من فضة، إلا أنّه قد لا يوفّق بوجبة صحيّة دائمًا، فقد يبتلي بما لا ينفعه أو حتى بما يضرّه.

ومن هنا تشير بعض الدراسات في علم النفس الاجتماعي[5] إلى أن العلاقات القائمة بين عناصرنا المعرفية أو قل بين معتقداتنا وسلوكنا ليست متشابهة وإنما على ثلاثة أنحاء مختلفة: اللاعلاقة irrelevant، التوافق consonant، التنافر disconsonant.

ولتوضيح هذه الفكرة نفرض عنصرين معرفيين (أ) يشير إلى الاعتقاد و(س) إلى السلوك، ونعطي مثالًا حول كل نحو من أنحاء العلاقة المتقدمة.

التّوافق consonant: عندما تكون العناصر المعرفيّة منسجمة وتابعة لبعضها.

(أ): أنا اعتقد بوجود الله.

(س): عبادة الله.

اللّاعلاقة irrelevant: عندما لا يقود العنصر المعرفيّ إلى العنصر الآخر.

(أ): أعلم أنَّ التدخينَ مضرّ.

(س): شربُ كوبٍ من الحليب.

التّنافر disconsonant: عندما يكون عكس العنصر المعرفيّ متولّدًا من العنصر الآخر.

(أ): أنا أحبُّ صديقي يوسف.

(س): عدم احترام يوسف.

وبمزيد من الدقة يُعرَّف التنافر المعرفي بأنه: “نزاع بين السلوك والاعتقاد، وحالة عقلية صعبة محزنة، يحس فيها الناس أنهم يعملون أشياء غير مجهّزة بما يعرفونه، أو يحصلون على آراء ليست كالتي يحملونها”[6].

من هنا وإذا رجعنا إلى ما سردناه من ارتدادات في النقطة الأولى لنعرضه على ما تقدم أخيرا ندرك أننا لسنا أمام حالة من التوافق أو اللاعلاقة، بل نحن أمام نوع من “التنافر المعرفي” الذي تناقضت فيه العناصر المعرفية فيما بينها، وتنافرت فيه الاعتقادات وفقدت انسجامها مع بعضها من جهة، ومع سلوك أصحابها من جهة أخرى، ليعيشوا حالة من الصراع الداخلي لعدم رضاهم بما وصلوا إليه.

فعندما يكون الإنسان معتقدًا بأنَّ له صكَّ نجاة من بلاءات الله الدنيويّة التي لم ينجو منها الأنبياء والأوصياء، أو أنَّه وأقرانَه من شعب الله المختار والآخرين من أهل النَّار، ثم يفيق على سرير العناية وأنابيب التّنفس، سوف يصاب بالتنافر المعرفي!

عندما تُبنى معتقداته علىى المنامات والأساطير والخرافات ثم يُصفع بالحقيقة والواقع على وجهه، عندما يأخذ معالمَ دينه من رادود متحمّسٍ هنا أو خطيب جميل الصوت فاقد العلم هناك، عندما يجد غطاءً دينيًّا يواكبُ شعبويَّتَه وبساطته ويلوي له أعناق النّصوص الدينيّة وفق آرائه ومعتقداته، عندما تبنى مفاهيمه على الغرائز العاطفيّة المحضة المتفلّتة عن لجام العقل، عندما لا يسمع سوى الخطاب الدينيّ التقليديّ التّكراريّ الذي يبعد سنينًا ضوئيّةً عن العواصف الفكريًة المحيطة به، عندما تزيَّن أباطيلُه بزخارف المعنويات المتفلّتة ولا يُعطى لعقله فرصة النَّقد وإعادة التَّفكير، عند كل ذلك سوف يصاب بالتَّنافر المعرفيّ والعقديَ والدينيّ!

وتكمن خطورة عدم التوافق الذي يعيشه الفرد ضمن أي مستوى من المستويات، أنه يتم عنده في أعماق اللاوعي مسبّبًا في إضعافه أو عجزه بشكل واضح يؤثر على انتاجيَّته وفاعليته.

إننا لو أردنا أن نخدع أنفسنا -لنقع بدورنا في تنافر معرفيّ آخر- يمكننا أن نهمل جميع ما تقدّم، أو أن نعتقد بأنَّ الغارق في أزمة التّناقضات المعرفيّة المتقدّمة، سوف يبقى إنسانًا هادئًا مسالًما متغاضيًا عن تبعات الموضوع، وأما لو أردنا مواجهة الواقع والوقوف على الحقيقة، فعلينا -ومن واقع المسؤوليّة- الاعترافُ بأنَّ مثل هذا الإنسان سوف يسعى جاهدًا للتَّخلص من هذا الاضطراب الشديد خاصّة إذا كان يمسّ بمعتقداته الدينيّة، وإن حاول إظهار الهدوء والسكون.

فإنه وطبقًا لنظريّة “التّنافر المعرفيّ” [7] Cognitive dissonance المتقدّمة التي وضع فروضها عالم النفس الاجتماعي ليون فستنجر ) Leon Festinger 1919-1989) في عام 1957[8]. يميل الأفراد لإيجاد اتساق وتوافق بين اعتقاداتهم وآرائهم، وعندما يكون هناك تضارب ما بين الاعتقاد والسلوك فإن الإنسان يلجأ إلى العديد من الخطوات كتغيير المعتقد أو السلوك سعيًا منه للعودة إلى حالة التّوازن المعرفي، وتكمن الخطورة في أن هذه العمليّة قد تكون أحيانًا لا شعوريّة ليكون الإنسان أمام معتقدات وسلوكيّات من نوع جديد[9].

الصورة: رسم توضيحي لحالة التّنافر المعرفيّ ومحاولة إخفائها[10]

وعندما نتحدّث عن أهم شيء في حياة الإنسان المتديّن، أي الدّين والإيمان، يجب علينا أن نوليَ عمليّة إعادة توازنه المعرفيّ والعقديّ كثيرًا من الاهتمام، فصحيح أنه لو وفّق في عمله هذا سوف يكون قد أعاد إحكام منظومته الدينيّة وأبعد عنها ما يستطيع من الشوائب والعيوب، إلا أنّه لن يسلم دائمًا من خطر انهدام أسسه المعرفيّة وانقلابها رأسًا على عقب، فعندها إمّا أن يتخلّى عنها، وإمّا أن يحافظ على رسمها وقشورها تماشيًا مع المحيط والأقران.

ثالثاً: التّنافر المعرفيّ العوامل والمخاطر

من الأخطاء الفادحة في عملية التّطبيب تخطي أسباب المرض والانتقال المستعجل إلى مرحلة العلاج، لذلك لا بد في العمليّات العلاجيّة من الوقوف على علل المرض ومستوياته وشدّة خطورته، لكيلا نخطأ في جرعة العلاج فنشلّ المريض أو نقضي عليه. لذا ولكي يعالج الفردُ تنافرَه ويعيد حالة توازنه المعرفيّ يجب عليه أن يعيَ المشكلة ويعرف طبيعتها ودرجتها أولًا ثم يبحث عن الدواء المناسب لحالته ثانيًا.

ولا يسعنا في هذه العجالة أن نتعرّض لكل أسباب التنافر المعرفي التي ذكرت في الدراسات النفسيّة الاجتماعيّة[11]، وإنما سنكتفي بما وقع محلًّا لكلامنا في الوريقات السابقة. فمن العوامل التي تؤثر على التنافر المعرفي والعقدي:

  • حجم المعلومات: كلما ازداد حجم معلومات الفرد، كلما احتاج إلى حجم أكبر من المعرفة والاطلاع، لفهم حالة التّنافر المعرفيّ بين معلوماته المخزونة والمعطيات الواردة.
  • حدّة التّنافر وقوّته: كلما كان الصّراع المعرفيّ الذي يواجهه الفرد قويًّا، كلما اندفع إلى مزيد من عمليّات تحليل العناصر المعرفية واستبعاد بعضها، وإلى المناقشة الطّويلة مع نفسه والآخرين للوصول إلى حالة التوازن.
  • الثّقافة والمستوى العلمي: مع تنوّع ثقافة الفرد ومطالعاته وتقدم مستواه العلمي، تزداد لديه حالات التّنافر المعرفيّ بدرجات مختلفة، وذلك لأنه يكون أمام مخزون من المعتقدات التي تلقّاها من أسرته ومجتمعه، ويقوم بمقابلتها مع ما يرد على ذهنه من المعلومات والأفكار الجديدة، فيقوم باتّخاذ مواقفَ تجاه تلك القضايا، الذي لا يخلو من القبول أو الرّفض أو المهادنة[12].
  • أهميّة الاعتقادات، كلّما كانت اعتقادات الفرد أكثر أهميّة، كلما كانت حالةُ التّنافر المعرفيّ أشدَّ تأثيرًا على اتجاهاته وسلوكيّاته، خاصّةً إذا كانت على مستوى المنظومة الدينيّة، وكان فردًا مهتمًّا ببنائه العقدي.
  • الانتماء الحزبي، كثيرًا ما يفرض الانتماءُ إلى الجهات الحزبيّة والمؤسّسات الدينيّة  أو المدنيّة قيودًا على المنتسبين يحول دون بَوْحِهم باتّجاهاتهم ومعتقداتهم الخاصّة، فيعيش الفرد طيلة فترة انتمائه حالة من التّنافر المعرفي.

إذا توجّهنا إلى هذه العوامل، وتذكّرنا أنّنا بصدد محاكمة أزمة تنافرٍ معرفيّ شديدة الأهمية كثيرة المعلومات ترتبط بجانب الاعتقاد الدينيّ، نعرف مدى خطورة فشل عمليّة إعادة التّوازن المعرفيّ التي يمارسها الفرد بعد أزمة التناقضات. فنحن لسنا دائمًا أمام باحثٍ مطالعٍ موضوعيّ مثقَّفٍ نقّاد يعرف غثَّ المعلومات من سمينها، بل غالبًا ما نكون أمام مؤمنٍ فطريّ صالح السّريرة يتعاطى مع الأمور ببساطة دون توجّهٍ إلى بواطن الأمور.

فإذا لم تتم عمليّة إعادة التوازن الدينيّ لدى تلك الفئات الآنفة الذكر، وازدادت نسبة الإصابة بالتّنافرات المعرفيّة التي عرضناها في النّقطة الأولى، وازداد حجمها مع توالي الأيام، أو تغيّرت أهميّتها حسب قناعات الأشخاص وأولويّاتهم، فإنّنا سوف نكون أمام مخاطرَ من النّوع التالي:

  • عدم الثّبات أمام أي شبهةٍ عَقَديّة أشدّ خطورة مما تقدم.
  • فقدان لغة التّواصل المشتركة بين الفرد المثقّف وعالم الدّين.
  • تزلزل الثّقة بقسمٍ كبير من الموروث الدّينيّ المتمثل بالآيات والرّوايات.
  • زيادة شعور فئة من المتديّنين بالتّناقض بين المعطيات العلميّة والدينيّة.
  • تضييق دائرة الاعتقاد بالماورائيّات والغيبيّات والانكباب على المعطيات الماديّة التجريبيّة.
  • الابتعاد عن محوريّة “الله – الوحي – الآخرة” ، والاقتراب نحو محوريّة أخرى متمثلة بـبديل “الفرد – العقل – الدنيا”.

رابعًا: توصيات ختام البحث

إذا كانت منظّمة الصّحة العالميّة معنيَّةً في مثل هذه الظروف بتوعية النّاس وإرشادهم لسبل العلاج من أمراض الأوبئة الماديّة، فإننا كطلّاب علوم دينيّة، معنيّون بإرشاد من يثق بنا ويتطلّع إلينا، نحوَ أسباب الحماية المعنويّة والعقديّة والدينيّة من تبعات الأوبئة الفكريّة. لذلك نعرض في ختام بحثنا جملة من التّوصيات لأنفسنا ولكل من يسمع صوتنا ويقرأ مقالنا.

بداية أوصي نفسي والقارئين بتقوية علاقتنا بالله تعالى من خلال العبادة والاستغفار والدّعاء، خاصة وأننا نعيش في ظل نفحات أشهر النّور المباركة، فلتكن عبادتنا عبادة تضرّعٍ وخشوع لا إسقاط واجب وتكليف، فإنَّ الله أمرنا أن نأخذ بالسبل والأسباب الطبيعية، ولا نرتمي في أحضان الوهم والخيال.

إنَّ على من أصيب منا -ولو بنحو بسيط- بما تقدم من تنافرات، أن يعيدَ حساباته بوعي وهدوء، ولْيكن ما حصل عنده من هزة طفيفةٍ إنذارًا يدعوه لإصلاح بنائه المعرفي والعقديّ، وذلك من خلال قراءة موضوعيّة بعين فاحصة عن الدّليل غير العليل، واستشارة علماء الدين الحقيقيين أصحاب التقوى والعلم والوعي والمعرفة بمقتضيات الزّمان والمكان، ليكون في ذلك بمأمنٍ من لوابس الأيَّام.

إن منطق القرآن الكريم يبعِدنا عن وادي التّقليد العقائديّ الأعمى، ويدفعنا إلى التّفكر والتّعقل والتّدبر، لذا يتحتّم على كلّ مسلم أن يفتحَ بصيرتَه ويتزودَ بسلاح الواقعيّة، ولا يقتنع بجميع الأفكار الصادرة عن الآخرين، ولا يؤمن اعتباطًا بجميع المعتقدات والأقوال، بل يجب على الواعي منّا أن يكون حرًّا في الفكر، فإن حرّيتنا هذه هي أهمُّ رصيدٍ يفصلُ به الإنسان عن الجماد والحيوان، وهي التي يحاجّ بمقدارها يوم الحساب.

إن إغلاق باب الفكر وتمييز الاعتقادات الجيّدة من الرّديئة، هو وقوف في وجه الدّعوات التي بذلها القرآن الكريم، من حثّ الإنسان على الناطقية واتباع الدليل. إنَّ كتاب الله هو قولٌ فصلٌ ليس فيه هزلٌ، وهو حجّة حيّة على الدّوام ولكل إنسان، وإنّ كتابًا هاديًا مثله، لا ينحصر فهمُه بفئةٍ معيّنة دون غيرها.

إذا كنَّا على بصيرة من أمرنا فسوف نكون في ظل عقيدة مصونة من الوهن، لا تشوبها أيُّ خرافة من الخرافات التي تدكّ الإيمان دكًّا، أما لو لم يكن الإنسان ذا عقيدة من هذا النوع تبصّره بما يأتي وما يذر، فإنه لا يكون على شيء من الحق، فإن الخرافة هي التي أفقدت الناس الصلة بالله تعالى وجعلتهم يتعلّقون بالأوهام والعواطف والخيالات بدلًا من التّعلق بالسّبب الحقيقي، حتى صاروا مؤمنين عاطفيين بسطاء عرضة لتقلّبات العواصف الفكريّة.

أما إلى إخوتي من طلبة العلوم الدينيّة، أدعو نفسي وأدعوهم إلى عدم غضّ الطّرف عن مثل هذه الارتدادات وعدم تسخيفها والتقليل من شأنها، فإنَّ انهيار الجبال العظيمة يبدأ بسيل ترابيّ بسيط، فلننظر إلى واقعنا نظرة تأمل، ولنتصور أمتنا إنسانًا عليلًا يشكو من بعض الآلام والأوجاع، ولننظر إليها نظرة الطبيب الدوار بطبه، كي لا تتّسع رقعة مرضها ويلتهمها الموت السريري.

علينا أن نختار الهمّ الدينيّ على نزعة “التّعالم” التي تسبب في الأوساط الدينية والعلميّة الكثير من الأزمات، وتعطّل طاقات عقليّة جبّارة تستهلك جهودها في دراسة الحاشية تلو الحاشية، وكتابة التعليقة تلو التعليقة، مما لا ينفع دين النّاس ولا يخدم حركة الأمة، بل قد يكون بعيدًا عنها بسنوات ضوئيّة.

عندما نترك غرف دراستنا وطاولة مطالعتنا لننزل إلى وسط بيئتنا ونكون على تماس مباشر مع همومها، سوف نكون أمام كمّ لا يستهان به من الأساطير والخرافات التي أخذت حيّزًا من النفوس، لتكون مشربًا لتفسير الكثير من القضايا الاجتماعية، بل وحتى الحوادث الكونية كما نشهد حاليا، ويكفي للمستغرب من كلامنا أن يسهرَ مع عدد من المثقّفين وطلبة الجامعات ويفتحَ هاتفه الذي بين يديه، علّه يقتنع بما نقول.

والسؤال الأخير هل تخرّجُ المؤسّسات الدينيّة طلّابًا قادرين على الدّخول بين مفاصل هذه الصراعات الفكريّة؟ ألا يعاني عددٌ كبير من طلّاب العلوم الدينيّة من أزمة التنافر المعرفيّ بين واقعهم العلميّ والثقافيّ من جهة وبين تحدّيات مجتمعاتهم من جهة أخرى؟

إذا كان ما عرضناه هو خطر تناقضات بسطاء النّاس، فما هي تبعاتُ التّنافر المعرفيّ لدى الخطباء والوعّاظ؟ إنها أسئلةٌ حرجة تحتاج إلى تقديم الإجابة الشّافية والموضوعيّة، علّنا نوفّق لذلك في وقت لاحق.

إننا نسأل الله عز وجل أن يرأف بخلقه وعياله سواء كان ما نمرّ به نوعًا من البلاء أو نحوًا من العقاب فإننا صابرون محتسبون ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْۚ قَالُوا خَيْرًا﴾ ­والحمد لله رب العالمين.

__________________________

[1]  https://youtu.be/sgwVFp1fGUs

[2]  https://youtu.be/s_X0NwBOOpQ

[3]  https://youtu.be/LrXmavWurSU

[4] https://www.tayyar.org/News/Lebanon/336494/%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D9%88—%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A4%D9%85%D9%86%D9%88%D9%86-%D9%8A%D8%AA%D9%88%D8%A7%D9%81%D8%AF%D9%88%D9%86-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%B6%D8%B1%D9%8A%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%AF%D9%8A%D8%B3-%D8%B4%D8%B1%D8%A8%D9%84-%D9%84%D9%84%D8%AD%D8%B5%D9%88%D9%84-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%A8-%D9%85%D9%86-%D9%82%D8%A8%D8%B1%D9%87

[5]  انظر: قطامي، يوسف نظرية التنافر والعجز والتغيير المعرفي، ط1، دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة، 2012، عمَّان – الأردن، ص 28.

[6]  م. ن. ص 36.

[7] تعد نظرية التنافر المعرفي واحدة من أهم النظريات المؤثرة والفعالة في تاريخ علم النفس الاجتماعي ومنذ انطلاقتها الاولى منذ نحو ستين عاما تقريبا الهمت في إنتاج أكثر من ألف ورقة بحثية. (قطامي، 2012، ص 33)

[8] لمزيد من التفصيل انظر المصادر التالية:

 Festinger, L. (1957). A Theory of Cognitive Dissonance. California: Stanford University Press.

 Festinger, L. (1962). “Cognitive dissonance”. Scientific American. 207 (4): 93–107

https://data.bnf.fr/en/12245913/leon_festinger/

[9] انظر: قطامي، يوسف، نظرية التنافر والعجز والتغيير المعرفي، ط1، دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة، 2012، عمَّان – الأردن، ص 89.

[10] سلاري فر ودیگران، روان شناسى اجتماعى با نگرش به منابع إسلامي، چاپ هفتم، پژوهشگاه حوزه ودانشگاه، قم – إيران، 1398ه.ش.، ص 138. [مصدر باللغة الفارسية] مع نحو من التعديل.

[11] لمزيد من التفصيل انظر: انظر: قطامي، يوسف، نظرية التنافر والعجز والتغيير المعرفي، ط1، دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة، 2012، عمَّان – الأردن، ص 89 وما بعد.

[12] م. ن. ص 89.

الكاتب السيّد محمّد بدر الدين

السيّد محمّد بدر الدين

مواضيع متعلقة

اترك رداً