بين السيد الطباطبائي والسيد فضل الله.. قراءة في المنهج

img
كانت المدرسة الشيعية الفقهية ولفترات زمنية متتابعة تعيش في صراع بين العقلوالنص الروائي، وكان هذا الأمر طبيعي لأن عمر النص امتد إلى زمن الإمامالحسن العسكري وفترة الغيبة الصغرى حيث النص هو المحور بين الإمام المعصوموبين قاعدته الجماهيرية، وأيضا بعد عصر الغيبة الصغرى ولقرب الناس من زمنالأئمة لم يكن هناك من داع لمواكبة الحركة العقلية تحت ما يسمى في المدرسةالفقهية السنية بعلم الأصول الذي سبقونا إليه بفترات زمنية طويلة لأن النصعندهم انقطع برحيل النبي الكريم، أما نحن الشيعة فاستمر زمن النص إلى عهد الإمام الحسن العسكري،نعم لقد كانت المدرسة الشيعية في زمن الغيبة الكبرى ولفترات زمنية قابعةبين ثنائيتين المدرسة الفقهية الإخبارية والمدرسة الفقهية الأصولية حيثكانت الغلبة للمدرسة الإخبارية في مراحل متقدمة، ثم كانت الغلبة للمدرسةالفقهية الأصولية لاحقا ولكن الامتداد للثنائيتين امتداد سياقي.

 

غير أن هذه المدرسة الإخبارية ولِما لها من امتداد تاريخي لا يمكنللمدرسة الأصولية المتأخرة تجاوزه أو التملص منه بحيث أنها أثرت في حاضرناوبشكل عميق، وكل ذلك يتأكد من محاربة التيار «الأخباأصولي» الجديد القديمالمتأصلن بالعقل لكل ما هو نقد عقلي وخاصة إذا نظر إليه من منظار حداثيوالذي هو بالضرورة من أساسيات المدرسة الأصولية «أي العقل»، فإذا كان شخصبمنزلة العلامة الطباطبائي ونتيجة لتعليقته على كتاب البحار للعلامةالمجلسي الذي يعتبر من أعمدة المدرسة الفقهية الإخبارية قد تعرض لمضايقاتمن قبل بعض المراجع «الأخباأصولية» المتنفذين والتي أدت إلى منع كتابةتعليقات العلامة الطباطبائي في حاشية البحار حيث طُلب من العلامة عدم نشرهافرد العلامة قائلا” في المذهب الشيعي مكانة الإمام جعفر بن محمد الصادقأكبر من مكانة المجلسي وعندما يدور الأمر بين المجلسي ورد الإيرادات التيتسجل على كلمات المعصومين نتيجة شروحاته فلست حاضرا لبيعهم من أجلالمجلسي،وإنني أرى أن أكتب ما أراه لا أنقص حتى كلمة واحدة “[2] .

 

للأسف هذا هو الواقع الشيعي الذي يرفض العقل ويرفض أي نقد عقلي حتى لوكان من علماء كبار كالسيد الطباطبائي، فضلا عن غيرهم ويرفض النقد مهما كانتمكانته ودرجته، فالصراع واضح في عبارات العلامة الطباطبائي ورفضه لذلكالمنهج المقعد على الإخبار دون إعمال العقل فيما يطرح حوله فالعلامة ناقشمنهج وفكر المجلسي ومع هذا قوبل من قبل المدرسة «الإخباأصولية» الحديثةالتي لم تستطع التملص من كامل الإرث للمدرسة الإخبارية بالرغم من ادعاءالمدرسة الأصولية للعقلكمصدر للتشريع خلافا للمدرسة الإخباريةالمتولدةمن المنهج الأصولي الفقهي والإخباري الروائي، إن تحييد أدوات العقلالأصولية في النص الروائي أو أقوال السلف من العلماء بهذا الشكل يعتبر نكسةخطيرة في فكرنا المعاصر ومستقبلنا وبناء على هذا نقول إن تجذر المنهج «الأخباأصولي» الرافض لإعمال أدوات العقل النقدية في النصوص الحديثية يعتبرمن المناهج المثبتة في الوجدان الشيعي الشعبي يقول العلامة المطهري في هذاالخصوص “إن الأفكار الإخبارية نفذت بعد الملا أمين الاسترابادي «1036هـ» إلى العقول والأدمغة لتسود وتهمين قرابة القرنين من الزمان دون أن تخرج منالعقول واليوم أيضا نرى الكثيرين لا يجيزون تفسير القرآن إذا لم يكن هناكحديثا في البين، فجمود الإخبارية في الكثير من القضايا الأخلاقيةوالاجتماعية بل في بعض المسائل الفقهية ما يزال مسيطرا ومهيمنا”.

 

هذا النص للشهيد المطهري يعكس حقيقة واقع العقلية الشيعية الجامدة علىالموروث الروائي والنصي فحتى التفسير لم يكن مسموح لأحد تجاوز النص الروائيومن هنا نفهم مدى عظمة العلامة الطباطبائي ووعيه الغير مألوف في عرفالحوزة، وتشخيصه الواعي في صنع منهجية تكون نواة لتحرير الحوزة من الفكرالجمودي والثابت والغير قابل للتغير وبالفعل لقد ظهرت علائم التغير تبرزبشكل جلي في المجتمعات الشيعية وبعث روح النقد، وتحرير العقل من الموروثالنصي دون إعمال العقل ولعل إشارة الإمام الصادق عليه بما معناه بإعراضالنص على القرآن فإن توافقا فنعم وإن اعترضا فاضربوا به عرض الحائط” نوع منعدم القبول بالنص لأنه نص، لأن القرآن الكريم لا يتعارض مطلقا مع العقلومن هنا نلاحظ تأكيد العلامة الطباطبائي على دور العقل من خلال ما بثهالعلامة الطبطبائي من بعث لروح العقل في حوزاتنا والتي نأمل أن تجد لهاقراء يواكبون الحركة الطبطبائية في حوزة الفتية في قم.

 

قصة العلامة الطباطبائي صراع في المنهج

 

مع أنهذه القصة طويلة إلا أني رأيت من المناسب أن يطلع القارئ العزيز علىالمصاعب التي واجهها المصلحون أصحاب المناهج التجديدية في حوزاتنا، والتيلولا جهودهم وصبرهم على البلاء لما رأينا فيما بعد تلك العقول المنيرةوالناقدة.

 

يقول العلامة الطباطبائي: عندما قدمت إلى قم، أمعنت النظر وتفحصت الواقعبحثا عما تحتاجه الحوزة في ذلك الوقت، فوجدت أن أهم ما ينقص الحوزةوبرامجها الدراسية:تفسير القرآن والبحوث العقلية،ولهذا باشرت بتدريسالتفسير والفلسفة على الرغم من أن ذلكتفسير القرآنلم يكن آنذاكحسبنظر البعضعلما يحتاج إلى تحقيق وتأمل، بل غير لائق بمن يملك إمكانيةالتحقيق في مجال الفقه والأصول، حتى إن البعض كان يعتبر تدريس التفسيروالانشغال به دليلا وأمارة على قلة المعلومات.

 

على أي حال لم اتخذ ذلك ذريعة أو مبررا مقبولا أمام الله تعالى لأنأتنازل عن مشاريعي، بل على العكس واصلت المشوار حتى تمخض عنه تفسيرالميزان.

 

أما الفلسفة فلم تكن أحسن حالا من التفسير في أجواء حوزة قمإذ كان درسها هو الآخر لا يلقى القبول عند البعض مما دفعهم للتحريض علىتعطيل الدرس حيث أوغروا صدر آية الله البروجردي كي يطلب من العلامةالطباطبائي إيقاف درس الفلسفة، الذي كان يحضره حوالي مائة شخص والذي كانيدرس فيه الأسفار يقول العلامة الطباطبائي في مذكراته “فوجئنا بقرار من قبلآية الله البروجردي«رحمة الله عليه» بقطع رواتب الطلبة الذين يحضرون درسالأسفار عندي، وعندما بلغني الأمر تملكتني الحيرة لا أدري ماذا أصنع غيرأنني كنت أعلم أن معظم هؤلاء الطلبة من الفقراء المحتاجين الذين لا يملكونقوت يومهم غير ما يصلهم من المرتبات، وإذا كان الدرس سببا في قطع ذلك فماذاأفعل؟

 

هل أعطل الدرس من أجل استمرار مرتبات الطلبة وبذلك أساهم في توجيه ضربة لمستوى الطلبة العلمي والإعتقادي.

 

وبينماأن في حيرة من أمري إذ أرسل آية الله البروجردي خادمه إلي مع هذه الرسالة “ونحن في عمر الشباب عندما كنا ندرس في حوزة أصفهان كنا نحضر خفية وبرفقةقليل من الزملاء درس الأسفار عند المرحوم جهانكيرخان، أما أن تطرح الدرسبهذا الشكل علني فهذا ما لا صلاح فيه وعليك التوقف من إعطاء الدرس» فيجوابي والحديث للعلامة الطباطبائي خاطبته قائلا:

 

“أخبر السيد البروجردي بأن ما اعتادت عليه الحوزة من تقديم الدروسالمتداولة كالفقه والأصول لطلابها لسنا عاجزين عنها.لقد جئت من تبريز إلىقم لمجرد القيام بعملية تصيح ما تسرب إلى أذهان الطلبة وكذلك لمواجهةالماديين وغيرهم، والعصر الذي ذكر فيه سماحة آية الله أنه وبمعية عدد قليلمن زملائه كانوا يحضرون خفية درس المرحوم جهانكيز، ذلك العصر كان فيهالطلبة ومعظم الناس المؤمنين ولم ينزغ الشيطان بينهم لتنحرف أفكارهموعقائدهم ولم تكن هناك وفي ذلك الوقت أية حاجة لعقد مثل هذه الدروس، أماالآن فإن الأمر قد اختلف…ولذا فإني لن أتوقف عن تدريس الأسفار، ولكن فيذات الوقت وبلحاظ أنني أعتبر سماحة آية الله البروجردي حاكم الشرع فإنالأمر سيأخذ بعدا آخر إن أصدر حكما بهذا الخصوص”.

 

هذه القصة الطويلة تبين لنا وبعمق مدى التخلف الذي عليه الحوزة وعدمإدراكها لتحديات العصر، وما يمكن أن يؤدي لو مُنِع العلماء الواعون منتأدية دورهم الريادي، فالعلامة الطباطبائي يعتبر من العباقرة النادرين فيزماننا هذا والذي استطاع أن يغرس بذور التطور المعرفي والعلمي في التفسيروالفلسفة، وإن هذه القصة تعبر عن مدى المأزق الذي نعيشه إذ لم نستوعب أهميةالمناهج في الحياة فالعلامة الطباطبائي غرس منهجا ومدرسة في التفسيروالفلسفة، حيث قام العلامة الطباطبائي بأكبر عملية إحيائية في تاريخ الفكرالشيعي الحديث ولكن إذا لم تنمى هذه المدرسة فإننا حتما سنرجع إلى الخلفوالوراء.

 

السيد فضل الله منهاج عصري وواقعي

 

ومن هذاالمنطلق فإن الرافضين لمناهج النقد في المعرفة الإسلامية إنما يحكمون علىالمجتمعات بالموت والخمول، لأن هذا الزمان ليس زمانا نختفي فيه حول الفتوىالتي تمنعنا من قراءة فكر الضلال مثلا!!!، فهل يستطيع العلماء مثلا أنيحرموا التلفاز لأن الكثير مما يعتبرونه من فكر الضلال يعرض عليه، الأفضلأن تكون هناك مناهج فكرية وفلسفية ويكون هناك تحريك ثقافي عالي للعقل، لأنهذا الزمان أيضا ليس كزمان العلامة الطباطبائي هذا الزمان يسمى زمانالعولمة والقرية الصغيرة، فإذا كنا سنتعامل مع العقول بنفس التعامل في زمنالعلامة الحلي والمجلسي وغيرهم من علماء القرون الماضية فاسمحوا لي لقدأضعنا حتما البوصلة، وتهنا في عمق المحيطات، فالطالب الجامعي الذي يدرس فيمدارس الغرب هل ستقول له إن دراسة فكر المادية ضلال ولا يجوز لك أن تدرسها،أنا أسأل إذا كان فكر آية الله السيد فضل الله فكر ضلال فما رأيكم ياحضرات العلماء في أن الآلاف من طلابنا في الجامعات الغربية وغيرها يدرسونالفكر الإلحادي والمادية السياسي والفكري والاقتصادي والنفسي وجميع المناهجالتي تعتبرونها ضلال، فما هو رأيكم وما قولكم؟، فهل السيد فضل الله حينمايطرح الإسلام بشكل منفتح تعتبرونه فكر ضلال، إنه يحاول أن يعطي للعقلالشيعي الذي أقفلتموه بفتاويكم مساحة للتفكير والنقاش وحتى حينما يذهبالطالب والتاجر والمسافر إلى الخارج، يعرف كيف يحاور ويناقش هذا ما فعلهالسيد فضل الله ولكن ماذا فعلتم أنتم أيها السادة الذين أرحتم عقولكم ولمتعرفوا ماذا يحدث لهذا الجيل للأسف إن جيل الصدر والمطهري والعلامةالطباطبائي والدكتور شريعتي لم يبق منه غير نفر قليل وعلى رأسهم السيد فضل،الذي لم يسلم من سهامكم، بل إن أي محاولة لتنوير العقل تقذفونها بحجارتكمولكن من بعيد دون أي احتراف ونظر للواقع العالمي، ماذا تنظلرون هل تنظرونأن يأتيكم جيل مغترب يناقشكم في أصولكم التوحيدية وغيرها، نعم يعتبر منهجآية الله السيد فضل الله المنهج الوحيد القادر على مواكبة العصر وشحذ العقلوذلك من خلال مؤلفاته القيمة التي حرمتم الناس من معينها، ويلكم ماذافعلتم بهذا الجيل لأنه حتما لا نرى لكم أية مؤلفات تتناول الفكر والحواروالحضارات والأديان وتنفتح على الآخر مع المحافظة على الأصول، إنني أدعواالله أن ينير هذه العقول بعين الحق ونور البصيرة بعيدا عن التعصب الأعمىالذي أغرقنا في وحول الحياة وشتتنا وفرقنا، لنعرف أي العلماء أقدر علىمواكبة العصر ولغة العصر وروح العصر

 

 

 

الكاتب مازن مهدي الشماسي

مازن مهدي الشماسي

مواضيع متعلقة

اترك رداً

downloadfilmterbaru.xyz bigoporn.club bok3p.site sablonpontianak.com