بين حوار الحضارات وصراعها / قراءةٌ في النظريتين ـ القسم الثاني

img

د. السيد صادق حقيقت(*)

ترجمة: د. نظيرة غلاّب

3ـ نظرية نهاية التاريخ

في مقالٍ مثير للجدل طرح فوكوياما أطروحته حول «نظرية نهاية التاريخ»؛ فحَسْب رأيه إن انهيار المعسكر الشيوعي وسقوط الاتحاد السوفياتي سيفتح المجال لكي تتفرّد أمريكا بالزعامة الدولية بلا منازع، وستتغلّب الليبرالية على كل الأيديولوجيات. فوكوياما ياباني الأصل، أمريكي الجنسية، وكان إلى تاريخ قريب من المستشارين المعتمدين لدى وزارة الخارجية الأمريكية، ألّف كتابه «نهاية التاريخ والإنسان الأخير». يشارك فوكوياما كلاًّ من: هيغل، وماركس، في أن تطوّر المجتمعات البشرية له نهاية حتمية، وستصل المجتمعات يوماً إلى النهاية. لكنْ رغم أفكاره تلك يقدّم الديموقراطية الليبرالية على أنها أقصى ما ستصل إليه الإنسانية على المستوى الأيديولوجي. حاول فوكوياما التوفيق بين طريقين من التفكّر: الليبرالية الإنجليزية؛ وديالكتيك هيغل. ورغم نظرته المتفائلة كان متردّداً حول المستقبل البعيد للديموقراطية الليبرالية. توقف الحياة الاجتماعية من الآراء التي طرحها فوكوياما، مدّعياً احتمال أن نكون مستقبلاً «آخر إنسان»… فالإنسانية التي لا تفكر إلاّ في راحتها ورفاهيتها، وتفتقد الرغبة نحو الأهداف المتعالية، إنسانية محرومة([1]).

لقد كان فوكوياما أول مَنْ طرح نظرية «نهاية التاريخ»، مدّعياً أن الثقافة الغربية ستسود العالم، وأن الكولا والبيج مك (والأخيرة وجبةٌ في سلسلة مطاعم ماكدونالدز) ستكون بوّابة عرّافة العالم على الديموقراطية الليبرالية.

يقول في كتابه «نهاية التاريخ والإنسان الأخير»: إن التاريخ سيصل إلى نهايته حينما تصل البشرية إلى شكل من أشكال المجتمع الذي يشبع احتياجاتها ورغباتها. البشرية اليوم وصلت إلى مستوى لا تتصوّر معه إمكان عالمٍ يختلف بشكل جوهري عما هو عليه العالم الحاضر؛ لأنه ليس هناك أيّ مؤشّر على إمكانية تحسين قواعد النظام الحالي.

في السنوات القليلة الماضية، وموازاة مع انتصار الديموقراطية الليبرالية على الأيديولوجيات المنافسة، أمثال: الملكية الوراثية، الفاشية، وأخيراً الشيوعية، وقع اتفاقٌ عالمي على الليبرالية الديموقراطية، وأنها النظام العالمي الوحيد الذي يتمتع بشرعية، وأنه الموفق الوحيد بين كلّ أنظمة الحكم الأخرى. ومضافاً إلى ذلك فالديموقراطية الليبرالية ستمثّل «نقطة نهاية التكامل الأيديولوجي البشري»، و«آخر نظام حكومي ستعرفه البشرية»، وبذلك ستكون الدورة النهائية لتاريخ البشر «نهاية التاريخ»([2]).

يقول جون ندروين بيترز: لهذا السبب لم تَلْقَ نظرية فوكوياما نقداً في أول أمرها؛ لأن الكل كان ينظر إليها على أنها نظرية عديمة الأهمّية، لذلك كانوا يقولون في حقّها: إنها «بداية العبث». في كتاب «ظهور وسقوط القوى العظمى»، لپول كنيدي قال: إن الحديث عن توسع الإمبراطورية كان مبالغاً فيه أكثر من اللازم، كاشفاً عن عجز ميزانية أمريكا بثلاث تريليونات دولار، وإفلاس العديد من المؤسسات المالية، نظير: صندوق التوفير والاحتياط.

وبحَسَب نظرية فوكوياما فاللييبرالية الاقتصادية سابقة على الليبرالية السياسية، ومقدّمة عليها. وتمظهر الولايات المتحدة بمظهر الليبرالية الحديثة جعلها تمرّ بأزمة عميقة. فهو يعتقد أن أكثر الدول الأوروبية بقدر اعتقادها بمشروعية الليبرالية ليست ليبرالية. وهناك عدّة شواهد تكشف عن عدم نجاح النهج الليبرالي، كحركة تحرّر المقهورين، وظهور الحركات الاجتماعية التحررية الجديدة، الحركات العالمية المناهضة للعولمة والليبرالية. فالتاريخ الجديد ستحدّده الحركات الاجتماعية، والتي لا تدخل ضمن الإطار الوطني العالمي([3]).

فوكوياما، وبعد مضي ثماني سنوات على طرحه نظرية «نهاية التاريخ»، صرّح قائلاً: «لست في صدد التراجع عن آرائي السابقة، ولا زلت لا أقبل آراء وطروحات هنتينغتون؛ لأن الناس يشعرون بالانتماء إلى المجتمعات الصغيرة، ولا يشعرون بذلك في المجتمعات الحضارية الكبيرة»([4]).

يرى ريشارد نيكسون أن هذه النظرية ليست سوى حلمٍ؛ فلا زال النظام الشيوعي يحكم 1/3 مليارد نسمة. بعد الحرب الباردة لا زالت هناك صراعات وحروب أخرى تتّسم بالقومية والعرقية و…، ولا يعرف ما إذا كان العالم سيشهد حروبا أقلّ نسبةً من الماضي! فالتاريخ غير قابل للتنبّؤات والتوقّعات، وخطأ نظرية نهاية التاريخ واضح للعيان.

إن ادعاء دعاة العولمة البديلة أن الولايات المتحدة أمامها فرصة لا نظير لها لإيجاد نظام دولي جديد هي مجرد آمال لا واقعية لها، فالذين يتحدّثون عن نهضة ديموقراطية عالمية غير مدركين لمدى قوّة أمريكا وثباتها.

المثالية بدون واقعية غير مجدية، والواقعية بدون مثالية غير أخلاقية (كالعقل والعاطفة، فلا بُدَّ من الجمع بينهما). فسبب الحرب هو الصراع حول المصالح الوطنية، وهو سببٌ سيستمرّ دائماً([5]).

أدرك فوكوياما حجم المشكلات الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية التي تواجه أمريكا، لكنّه كان يظنّ أن أمريكا في تعاملها مع هذه المشكلات تمتلك المرونة الكافية.

الانحطاط النسبي لقوة الولايات المتحدة الأمريكية أمر سنثبته بالتدريج ضمن القسم المتبقي من هذا التحقيق. وهو ما سيرد على ادعاءات فوكوياما، ويكشف غلوّه. تعيش أمريكا أزمات مختلفة على المستوى الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، سواء على الصعيد الداخلي والخارجي. فأمريكا أصبحت أكبر مديون في العالم، ومصادرها المالية المحدودة لا تستوعب المسؤوليات الدولية التي تولي نفسها إيّاها. ويقرّر نيكسون أن نجاح الليبرالية غير مساوق لسقوط الشيوعية. وغير بعيد عن فوكوياما تُعَدّ نظرية أستاذه هنتينغتون نقداً لنظريته في «نهاية التاريخ»، حيث اختار عنوان «انحطاط أمريكا» توصيفاً فعلياً للحالة التي عليها، ويقول: إن العالم لم يصِلْ إلى النهاية، «فالعالم ليس واحداً»([6]).

هيكلة القوى في بنية النظام الدولي

1ـ النظام الهَرَمي

أوّل نظرية في هيكلة القوى العالمية بعد الحرب الباردة جعلت أمريكا على رأس هَرَم القوى، وجاءت باقي القوى العالمية في طولها. نظام تسلسل المراتب، لكابلان، واحدٌ من بين ستة نماذج أخرى طرحت في نفس الموضوع.

عرض مورتون كابلان في سنة 1957م ستة نماذج افتراضية من النظم الدولية المقارنة: نظام توازن القوى، نظام القطبية المَرِن (المهلهلة)، نظام القطبية الثنائية الصلب (المحكم)، النظام الهَرَمي([7])، النظام العالمي، وأخيراً الفيتو (الوحدة المعترضة).

النظام الهَرَمي نظام على نوعين؛ إما نظام وفق قواعد الديموقراطية (غير موجّه)؛ أو يعمل وفق قواعد السلطوية والديكتاتورية (موجّه). النظام العالمي يتنظم وفق أسس القوة العسكرية والاقتصادية الفائقة… وعلى أساس ذلك فدول العالم التي تقع في المستوى الأدنى تكون ملزمةً باحترام رغبات وآراء القوى العظمى. في هذا النمط النظامي الكلمة الأولى والأخيرة هي للقوى العظمى، التي تترأّس هَرَم النظم… وعلى هذا الأساس قدم جورج بوش نظريته تحت عنوان «النظام العالمي الجديد».

إن وجود هذا النوع من النظام يستلزم وجود قوة عظمى على مستوى التسلح والاقتصاد والسياسة، وقيادة باقي أعضاء النظام([8]). منظّري الواقعية البنيوية (الواقعية الجديدة)، أمثال: كينيث والتز، الذي يرى أن أمريكا تمثّل القوة العظمى الوحيدة بين كلّ الدول([9]).

يذهب نيكسون إلى أن جورج بوش ليس مثالياً محضاً، فجذور «النظام الجديد» استشفّها من واقع العلاقات الدولية. فهؤلاء يعتقدون أن لأمريكا صلاحية قيادة العالم، وأن أمامها فرصة لا تتكرّر، وكما يقول ماوتسيتونغ: «الزمان يمر بسرعة، فلا تدع الفرصة تمرّ من بين يديك»([10]).

الولايات المتحدة الأمريكية، وبعد الحرب الباردة وانهيار الماركسية، حدّدت لنفسها ثلاث مصالح كبرى:

1ـ المصالح الحيوية: حيث يكون فقدها أو فقد جزءٍ منها ملحقاً للضرر المباشر بأمن أمريكا، مثلاً: حفظ أوروبا الغربية، أو منع العدوّ أن يتملك السلاح النووي.

2ـ المصالح الكبيرة: حيث إن فقدها يجعل المصالح الحيوية في معرض الخطر.

3ـ المصالح الجانبية: وهي التي لها تأثيرٌ جزئي على المصالح الحيوية.

وفق هذه النظرية على الولايات المتحدة الأمريكية أن تلعب دوراً رئيسياً في العالم([11]). ولحفظ كوريا الجنوبية والكيان الإسرائيلي يفترض استعمال قوّة السلاح. ولم يكن دخول أمريكا في حرب الخليج، وخوضها لحرب الناتو ضدّ يوغسلافيا، ضرباً من السياحة، بل هو سلوكٌ لإظهار قوتها ضدّ كلّ مَنْ سوّلت له نفسه التمرّد على زعامتها للعالم.

وحدّد بوش أولوياته على صعيد السياسة الخارجية في الأمور التالية: حماية الديموقراطية، مشاركة حلفائها في قيادة العالم، تقوية المؤسّسات الدولية، إقامة علاقات مع الاتحاد السوفياتي، والتعاون مع دول حلف الناتو. ورغم أن نفوذ أمريكا أثناء الحرب الباردة فرض عليها تقوية ترسانتها النووية، نشر قوتها البرية والجوية والبحرية على الخطوط الساخنة في كلٍّ: من أسيا وأوروبا، إبرام الاتفاقيات الأمنية الثنائية، تطوير ترسانة الأسلحة من حيث الكيفية وسرعة الإرسال في الحرب المفترضة في دول العالم الثالث، لكنْ وفق المعطيات الميدانية الجديدة قد يتمّ التقليل من القوة العسكرية لتحلّ مكانها العمليات السياسية.

ولهذا تضع أمريكا في الوقت الحاضر نصب عينيها النقاط التالية:

1ـ التحوّلات الأخيرة في الاتحاد السوفياتي، واحتمال انهيار حلف وارسو؛

2ـ الأخطار الإقليمية التي تلوح في الأفق؛

3ـ العلاقات بالحلفاء؛

4ـ اختلاف طبيعة وماهية الحروب القادمة([12]).

وقد أعرب الرئيس السابق للولايات المتحدة الأمريكية عن رضاه لما أبداه العالم من تعاونٍ في حربه على العراق، وصرح أن منظمة الأمم المتحدة كانت مفوّضة في التحرّك وفق رغبة أمريكا. وهذا ما عبّر عنه نيكسون بقوله: إن الأمم المتحدة بدل أن تُخضع أمريكا لقوانينها أخضعتها أمريكا لرغباتها، بل أكثر من ذلك، منحتها الفرصة، تحت مسمّى الدفاع الشخصي أو الدفاع عن أمن أمريكا وحلفائها، أن تستعمل القوّة كيفما أرادت، وأنّى أرادت، من دون قيد أو شرط([13]).

لكنّ أمريكا اليوم تجد نفسها أمام خمسة حالات طارئة:

1ـ الفراغ الأمني في أوروبا الشرقية وجمهوريات الاتحاد السوفياتي المنفصلة، وتفكّك حلف وارسو في آذار 1991م، وتفكّك الاتحاد السوفياتي في العام نفسه، والذي ترك نصف القارة الأوروبية بدون نظام أمني، أوجد معضلتين أمام أمريكا: فراغ السلطة في أوروبا الشرقية والجمهوريات المتفكّكة عن الاتحاد السوفياتي؛ وعدم الحاجة لأمريكا في أوروبا.

2ـ الديموقراطيات الجديدة وضعف الشرق.

3ـ ألمانية متّحدة وموحدة: وهذه الدولة دائماً مدعاة لقلق أمريكا؛ بلحاظين: الرصيد الجيوسياسي التاريخي لألمانيا في الحربين العالميتين؛ والسياسة غير المسؤولة في تصدير التكنولوجيا؛

4ـ الاندماج التدريجي لدول أوروبا، واتّباعها لسياسة حماية صناعتها الداخلية؛

5ـ سقوط الاتحاد السوفياتي الشيوعي.

وكلّ هذه المعطيات جعلت أمريكا أمام ضرورة استعمال إستراتيجية التحكم في الساكنة، الحدّ من الموانع الجمركية، حتّى تستطيع الزيادة من صادراتها التجارية العالمية، رفع المساعدات الاقتصادية، وإعطاء القروض مع تسهيل طرق تسديدها.

ويرى بعض عرّابي النظام الدولي الجديد أن هذا النظام حدّد خطواته العملية أمام الدول والكتل التالية:

1ـ أوروبا: أوّل ما كان على رأس جدول أعمال حلف الشمال الأطلسي هو الوقوف في وجه الاتحاد السوفياتي والكتلة الشرقية. فأمريكا بعد الحرب العالمية الثانية استطاعت، من خلال إعادة إعمار أوروبا، أن تجرّها إلى حلفها، وإيجاد الحلف الأطلسي من خلال:

ـ ضمانات حلف الناتو لأوروبا الشرقية؛

ـ تفعيل الدور الأمريكي في أوروبا الشرقية؛

ـ التعاون الوثيق بين ألمانيا وأمريكا رغم اختلاف المصالح؛

ـ احتضان الدول الجديدة المنفصلة عن الاتحاد السوفياتي؛

ـ إعادة هيكلة نظام الناتو: يرى المنظِّرون السياسيون ضرورة إعادة الهيكلة التنظيمية لحلف الناتو، بأن يصبح التحالف السياسي بدلاً عن التحالف العسكري([14]).

فأمريكا مكلّفة في ظل هذا النظام بأن توضّح بشكلٍ تام وصحيح مهمة الناتو في عالم ما بعد الحرب الباردة، وأن تضمن الصيرورة التامة للديموقراطية الجديدة، وتضمن بالتالي إعادة تأهيل أوروبا الشرقية حتّى تنضمّ لحلفها، من دون أن تبقى ساحة شاغرة منفتحة على كلّ المفاجآت.

يرى نيكسون أن أوروبا الغربية ستصل إلى مستوى عالٍ على صعيد القوة الاقتصادية، لكنها في المقابل ستنهار سياسياً([15]). وحَسْب قول أحد وزراء بلجيكا: إن أوروبا إذا لم تتّحد فإنها ستتحوّل إلى غولٍ اقتصادياً، وقزم سياسياً، ودودة عسكرياً. فمستقبل أوروبا منوطٌ بمدى توافق جميع الأعضاء حول تحقيق الأهداف المشتركة. وحدة العملة الأوروبية (Euro) استطاعت أن تقف في وجه الدولار، وأن تكسر سلطة الدولار، كما أن الجانب الاقتصادي انعكس على الجانب السياسي، حيث أوجد اتحاداً في العديد من الأهداف والمواقف.

لقد اعتمد بوش كثيراً على مسألة التقرّب من أوروبا، وربط علاقات مختلفة معها، والعمل على أوروبا متحدة وحرّة، وكشف أن من أولويات السياسة الخارجية الأمريكة إيجاد أوروبا متّحدة، وبالمقابل الوقوف في وجه الاتحاد السوفياتي والكتلة الشرقية، ودعم الديموقراطية.

2ـ اليابان، الصين ومنطقة المحيط الهادي: تدخُّل أمريكا في هذه المناطق ـ حَسْب رأيهم ـ إنما الغرض منه تنظيم مصالح موسكو وبكين وطوكيو، وليس القصد أن تدافع عن أيّ واحدة من تلك الدول. استطاعت اليابان أن تتفوّق اقتصادياً على جميع منافسيها، لذا يرى فنيكسون أن مهمة أمريكا على مستوى الجيوسياسي في مقابل اليابان وباقي الدول تكمن في:

ـ زيادة التعاون في مجال التكنولوجية الدفاعية؛

ـ زيادة مساعدات اليابان للدول الإستراتيجية، فميزانية اليابان العسكرية تفوق أمريكا بمقدار 15 مليار دولار.

ـ تأمين التكاليف المتعلّقة بمسألة تسوية النزاعات الإقليمية؛

ـ تقديم المساعدات اللازمة لتطوير الترتيبات الأمنية بزعامة أمريكا في منطقة الخليج الفارسي؛

ـ تقديم المساعدات الاقتصادية للجمهوريات المنفصلة عن الاتحاد السوفياتي؛

عجز ميزانية أمريكا أمام اليابان تقدر بـ 55 مليار دولار في سنة 1986م، و65 مليار دولار في سنة 1990م.

كذلك فاليابان تتفوّق على أمريكا من حيث نوعية السلع والكيفية والاحتياط.

يعتقدالمخطّطون للنظام الدولي الجديد أن قوة الثلاثي الهادئ بدون مشاركة أمريكا سيكون مدعاةً لعدم الثبات والاستقرار وللأمن([16]).

في اليابان يتمّ التدريب الجماعي على ضرورة أن يصل كلّ فرد إلى المستوى القياسي([17]).

الصين هي بالفعل قوّة اقتصادية، وقوة سياسية بالقوّة. ثم إن مجالات التعاون بين أمريكا والصين في المجال الاقتصادي وتعزيز عملية السلم السياسي يتوقّف على امتناع الصين عن معاداتها لأمريكا في عدة مواقع، وتحسين الموقف السياسي الدولي من تايوان([18]).

بلغ الدخل الفردي في كوريا الجنوبية سنة 1945م 85 دولاراً، وقبل الأزمة الأخيرة وصل إلى 2000 دولار. بينما وصل الدخل الفردي في سنغافورة إلى 1200 دولار، وتعدّ ثالث أكبر مركز لتكرير النفط في العالم.

هونغ كونغ أسرع دولة في النموّ الاقتصادي على الصعيد العالمي.

ويعتقد أن القرن القادم سيكون قرن دول الباسيفيك بامتياز. وأهمّية دول حوض المحيط الهادئ ليس لما تملكه من قوة اقتصادية، ولكنها ترجع إلى قدرتها على استقطاب جميع القوى العالمية نحوها، وقلة الصراعات الاقتصادية في هذه المنطقة.

من أسباب نجاح نمور آسيا على مستوى النموّ والتطوّر الاقتصادي:

ـ اعتمادها في التطوّر الاقتصادي على متطلّبات السوق العالمية؛

ـ اعتمادها على الموارد البشرية في الاستثمار الاقتصادي؛

ـ تنزيل مستوى العبء الاقتصادي للدولة إلى أدنى مستوى؛

ـ جلب رأس المال الخارجي على مستوى الصادرات، حيث تُعَدّ هذه العملية المحرّك الرئيس لتطوير الاقتصاد المحلّي([19])؛

وتكمن الفصول المشتركة لدى نمور آسيا الأربعة في: التركيز على مسألة التعليم؛ ارتفاع مستوى الاحتياط، إطار سياسي قوي؛ ممارسة التصدير بشكلٍ أكبر من الاستيراد، واتّباع النموذج الياباني([20]).

رغم أن الازمة الاقتصادية التي عاشتها دول جنوب شرق آسيا في سنة 1998م تُعَدّ سابقة في التاريخ الاقتصادي لهذه المنطقة، إلا أنها ظلت تحتفظ بمكانتها كقطب اقتصادي؛ لما لها من مقومات ثابتة.

3ـ العالم الثالث والعالم الإسلامي: هذه المنطقة من العالم كانت المتضرّر الأول بعد انتهاء الحرب الباردة؛ فسقوط النظام الاشتراكي على مستوى الاتحاد السوفياتي جعل أمريكا غير معتنية بمسألة تطوير الجنوب في مجال الاقتصاد والسياسة.

لتثبيت النظام العالمي الجديد في منطقة الشرق الأوسط لا بُدَّ من تجاوز الرؤى الثلاث التالية:

ـ رؤية الإطار الأمني الشامل: ظنّ البعض أن منطقة الشرق الأوسط تحتاج إلى الانخراط ضمن معاهدات أمنية، كحلف بغداد، سنتو… لكنّ الفشل كان نهاية التوافق الإستراتيجي لريغن، وكانت مذكراته مجرد مفاوضات ثنائية الجانب.

ـ رؤية ضبط التسلّح: أوّلاً: لديهم حاجة إلى دفاع مشروع؛ ثانياً: إملاء طرق للحلول ليست كفيلة بضبط التسلّح؛ ثالثاً: مصالح المصدّرين للأسلحة ستتعرض للخطر. ويرى نيكسون أن بيع السلاح للدول غير المعادية في المنطقة، كالكيان الإسرائيلي والسعودية (طبعاً حسب رأيه)، سيعزّز الأمن الإقليمي، ويحفظ توازن القوة في المنطقة.

ـ رؤية توزيع ثروات المنطقة: تكمن مشكلة دول الشرق الأوسط في مجال التنمية، وليس في توزيع الثروة، على شاكلة طريقة أسطورة روبن هود، الذي قام على سلب وسرقة الأغنياء؛ لأجل إطعام الفقراء! تجد أمريكا في تواجد إسرائيل في المنطقة وفي النفط مصلحتين كبيرتين لها، لكنهما لا ينسجمان مع بعضهما.

إن هدف أمريكا من اتفاقيات السلام هو الاعتراف الكامل بالكيان الصهيوني، وحفظ كيانها، وعودة أراضي 67، وتقرير المصير للفلسطينيين.

القاعدة الأساس في هذه الرؤية هو تركيز مسألة الصلح، وليس شكله وطريقته، وإن إيجاد التوافق مجرّد تكتيك، وليس الهدف الكامل، حفظ أسرار المفاوضات، الحوار فقط على أعلى المستويات، مع العمل على جرّ الحوار إلى أقصى ما يمكن على مستوى الزمن، بحيث يدوم الحوار لسنواتٍ طويلة([21]).

يقول نيكسون في هذا الصدد: لا توجد في ذهن الأمريكيين سورة قاتمة للشعوب بقدر ما لديهم عن شعوب العالم الإسلامي. لذلك يعتقد السيناتور كابوس أن وقوف العالم الإسلامي في وجه موسكو وواشنطن أمرٌ مستحيل تحقّقه؛ فجغرافية العالم الإسلامي شاسعة، بحيث لا يمكن أن يتحرك بأجمعه نحو جهةٍ واحدة. نعم، الإسلام؛ ولأسباب مختلفة، استطاع الوقوف في وجه الشيوعية، مقارنةً بالمسيحية، التي استطاعت الشيوعية أن تخترق جغرافيتها، وتسيطر على قسمٍ كبير منها.

في العالم الإسلامي توجد ثلاثة توجّهات فكرية كبيرة:

1ـ الأصولية: مثل: اقتحام السفارة الأمريكية في إيران، وتفجير سفارة الولايات المتحدة في لبنان؛

2ـ التطرّف: مثل: القذّافي وحافظ الأسد؛

3ـ العصرنة: مثل: تركيا، وباكستان، ومصر، وأندونيسيا، حيث اختارت ممارسة سياسة «لا إكراه في الدين»، والجمع بين الثقافة الغربية وثقافتهم الاجتماعية([22]).

كشف جوزيف ناي أن الرغبة الأصلية لأمريكا من وراء حرب الخليج كانت الوصول إلى آبار النفط، والنظام، والأسلحة. فما يقدّر بـ 40 % من احتياجات أمريكا النفطية يتمّ تأمنها من منطقة الشرق الأوسط وحدها.

وأخيراً يستنتج نيكسون أن هناك أربعة تصوّرات خرافية حول السلام يجب أن نمحيها من ذهننا إلى الأبد:

1ـ إن حذف السلاح النووي سيجلب السلام الشامل، فليس هذا أمراً ممكناً، ولا فيه مصلحة.

2ـ إقامة حكم عالمي سيساهم في إيجاد السلام الشامل: يقول تشرشل: «إن أيّ دولة لن تسمح بإنشاء منظّمة عالمية ستجعل مصالحها الحيوية في معرض الخطر». كما أن الكيان الإسرائيلي لن يسلّم رقبته لأيّ منظمة أو مجموعة لتقرّر له مصيره في منطقة الشرق الأوسط.

3ـ التجارة بنفسها قادرة على جلب السلام. وهذه قضيةٌ منتفية بانتفاء محمولها؛ فقد شهدنا في الحربين العالميتين كيف كانت الحرب بين الكثير من الدول التي كانت تربطها ببعضها التجارة.

4ـ النزاع بين الدول سببه عدم التفاهم فيما بينها، والتعرّف على بعضها البعض يرفع النزاعات. وقد كشف لنا التاريخ أن النزاعات سببها تضارب المصالح بين الدول، وليس بسبب عدم التعارف.

هناك سببان يمكننا من خلالهما التطلّع إلى أفق سلامٍ حقيقي:

1ـ تدمير الأسلحة النووية، وهو ما سيجعل تكلفة الحرب بين الدول عالية، وبذلك ستختار طريق السلام. فعلى أعتاب القرن 21 الميلادي لا أحد يستطيع أن يقدم للمجتمع الدولي دليلاً منطقياً على الحرب النووية أو السياسية.

2ـ تزايد حجم الثروات في العالم قاعدة مناسبة لإيجاد السلام الشامل([23]).

قال نيكسون، في ردّه على نظرية «نهاية التاريخ»: في الغرب كلامٌ حول نهاية التاريخ، وتفوّق القيم الغربية، ونهاية المنافسة الجيوسياسية، ونادراً ما يكون خطاب بعيداً عن الحقيقة بهذا الشكل. نظرياتنا أثبتت جدوائيتها، لكنّ انتهاء المنافسة الجيوسياسية أظنّها أمراً بعيد التحقُّق. المستقبل كما نتوقّعه يجب أن نستمرّ في العمل على إيجاد قيادة عالمية حرّة.

القول بأن أمريكا في نهاية القرن 20 الميلادي ستكون في حال زوال خطأ كبير. نحن نواجه مشاكل معقّدة، كالعجز في الميزانية والمخدّرات والجرائم، لكن اقتصاد أمريكا لا زال يحتلّ الرتبة الأولى عالمياً، ولا زال الدولار يمثّل محور التعاملات المالية العالمية. على مستوى البعد الجيوسياسي أمريكا هي القوة العالمية الأولى على المستوى العسكري والاقتصادي والسياسي والأيديولوجي. وأمريكا بكل هذه الامتيازات هي التي تتولّى مسؤولية تحديد التوجه الدولي.

تراجع حصة أمريكا من 50 % سنة 1950م إلى 25 % سنة 1990م لا يتناسب واقعياً مع القول بزوالها؛ لأنه بعد الحرب العالمية الثانية رأينا كيف تحوّلت أوروبا الشرقية واليابان إلى دمار وخراب، لكنها بعد ذلك استجمعت قواها، ودخلت في حركة البناء والتطور.

25 % من الإنتاج العالمي حصّةٌ كبيرة، فهي تمثّل ضعفي نتاج اليابان، وثلاثة أضعاف نتاج الاتحاد السوفياتي، وأربعة أضعاف نتاج ألمانيا. وليس لدى أمريكا أطماع إمبريالية، لذلك هي تستطيع أن تتولّى مسؤولية قيادة العالم([24]).

زعامة العالم هي أطروحة نيكسون، التي تضمنها آخر كتاب له، تحت عنوان: «ما بعد السلام»، والذي انتهى من كتابته في آخر أسبوع من حياته. وقد وضع فيه صورة لأمريكا. توفي في سنة 1994م إثر سكتة دماغية. كان حامياً لمصالح أمريكا في كل أنحاء العالم، فعمّم مفهوم توازن القوى في السياسة الإقليمية. في جوابه على ماوسيتنغ قال: إن هدف أمريكا هو السلام العادل، وليس مطلق السلام.

وقد انتقد منظمة الأمم المتحدة في إثباته لسيادة أمريكا وقدرتها على تزعّم العالم. ويذهب إلى ضرورة عدم السماح لأن يكون «صراع الحضارات» هو السمة الغالبة على عصر ما بعد الحرب الباردة، ويقول: إن قضية البوسنة كانت شؤماً وفشلاً ذريعاً في تاريخ السياسة الخارجية لأمريكا في هذا القرن.

والذي يبدو من خلال كلّ تصريحات نيكسون أنه كان غافلاً عن المشاكل المهولة التي تتخبط فيها أمريكا، مثل: تدهور النظام التعليمي والتربوي، سقوط مؤسّسة الأسرة وانهيار الروابط الأسرية، تزايد حالات الفقر المدقع وما ينتج عن كلّ هذا من مشكلات معنوية في الداخل الأمريكي. بيَّنت القوة الاقتصادية للصين اليوم أن دعوى أمريكا الدفاع عن حقوق الإنسان مجرّد أضحوكة. والظاهر أن الصين في العقدين القادمين سوف لن تقبل الاستمرار في التعاون الاقتصادي مع أمريكا، إلاّ ضمن شروط عديدة تختارها هي([25]).

قال نيكسون، في نقده لنظرية «نهاية العالم»، ومن خلال تحليل واقعي: إن هذه النظرية تفتقد إلى دليلٍ منطقي، ولا تملك دعماً شعبياً، لكنّه نظر إلى نقطة أفول الحضارة الأمريكية بأنها مبالغٌ فيها، وأنكرها بشدّة. وحَسْب قول رابرت تاكر: إن القوى العظمى ليس من عادتها أن تتخلّى عن مخطّطاتها بطواعية! إن القول بأن أمريكا إلى حدود سنة 1990 أكبر قوة عالمياً على المستوى السياسي والاقتصادي لا يقبل الشكّ مطلقاً، لكنْ الآن نحن بصدد البحث في ظلّ معدّل النموّ الاقتصادي لليابان، والتطوّر الاقتصادي لجنوب شرق آسيا والاتحاد الأوروبي، وكذلك انتشار الفساد الاجتماعي في أمريكا والتراجع الاقتصادي لها. فهل نستطيع في ظلّ كلّ هذه المعطيات أن نتحدّث عن استمرار تصدُّر أمريكا لهَرَم القوى العظمى العالمية على مستوى المستقبل؟!

ورغم ادعاءات نيكسون لا مفرّ من الاعتراف: أوّلاً: باتّساع الهوّة بين الشمال والجنوب، وهو ما سيضعف من بناء السلام والمساواة الاقتصادية في العالم؛ ثانياً: رؤية عملية للسلام الشامل، وإقامة الحكومة العالمية، إنما تمّت من وجهة نظر استعمارية، تنسجم والسلطة الأمريكية.

نقد نظرية نظام التسلسل الهَرَمي

فكرة الخلاء في نظرية «نهاية التاريخ»، وقرب انهيار نجم الهيمنة الأمريكية، والانهيار النسبي والتدريجي لقوّة أمريكا، كلا النظريتين ترجع في جذورها الأولى إلى المثالية، فواقعية الإحصاءات والأرقام لا تؤيد هاتين النظريتين، فلا نحن وصلنا إلى نهاية التاريخ والسيطرة المطلقة لأمريكا، ولا أمريكا قد وقعت في أزمةٍ إثر ما تعانيه من معضلات مختلفة، بحيث ننتظر وقوعها في السنوات القليلة القادمة.

كون المنافس القوي في نظام ثنائية القطب قد اضمحلّ، وسوف تصعد قوة لديها القدرة التامة على التسلط على كلّ العالم، نظرةٌ جدّاً متفائلة، وتقوم على مغالطات كثيرة؛ لأنه أوّلاً: الشيوعية لم تنهَرْ بسبب قوة الليبرالية والرأسمالية، وإنما بسبب المعضلات الداخلية العميقة، مثل: عدم وجود محفّزات اقتصادية في ملكية الدولة لكلّ القطاعات، الأزمة الصناعية والبيروقراطية، أزمة الجانب السياسي، وأزمة الهويات وتعطيل الدين؛ ثانياً: ثبوت الأفول النسبي لقوّة أمريكا بالأدلة المادية، وكما قيل: سقوط الشيوعية ليس أمام القوّة الكاملة لأمريكا، حيث سقط وأمريكا على حافة الانهيار النسبي، وصعود نجم كلٍّ من: الصين واليابان وأوروبا الغربية وجنوب شرق آسيا على الصعيد الاقتصادي، إلى جانب انتشار الثقافات القومية مثل: الإسلام، والمشكلات التي شهدها العالم الإسلامي، وبالأخصّ في كلٍّ من: إيران وأفغانستان.

فكون أمريكا تعاني أزمات عدّة على المستويين الداخلي والخارجي ليس مؤشّراً على ضرورة سقوطها وانهيار قوتها في هذه المدة القصيرة، فالناتج المحلّي الإجمالي الفردي في أمريكا سنة 1985م كان 15000 دولار، وفي اليابان 11000 دولار. فأمريكا كانت ولا زالت أكبر قوة سياسية واقتصادية وعسكرية طوال سنوات ما بعد الحرب الباردة. ثم إن السير النزولي لقوة أمريكا في مدّة عقدين غير كافٍ لتتحوّل أمريكا من قوّةٍ عظمى إلى دولة عادية.

السقوط القريب لقوّة أمريكا قد يكون حلماً وأمنية لدى الثائرين في العالم الثالث والعالم الإسلامي والاشتراكيين، لكنّ هذا إلى حدٍّ يبقى مجرّد نظرة تفاؤلية، وكما قال آلفيت توفلر: إن أمريكا ليست نمراً من ورق، بحيث تسقط في زمنٍ قليل.

الولايات المتحدة الأمريكية لن تسقط بنفس الأسلوب الذي سقطت به الشيوعية، لكنْ يحتمل أن تدخل في سقوطٍ تدريجي، قد يدوم مدّة طويلة حتّى يصل إلى السقوط النهائي. زعم پول كينيدي، في كتابه «في إطار التحضير للقرن الواحد والعشرين، العالم إلى حدود سنة 2020»، أن دوران توازن القوى من واشنطن إلى طوكيو، وتضعيف مكانة أمريكا في العالم، في الواقع مجرّد نظرة تفاؤلية. قد تكون أمريكا على خلاف الكثير من الدول المتخلّفة، أو التي هي في طريق النموّ، غير متضرّرة في مقابل المتغيرات العالمية، لكنّها بلحاظ بنيتها الاقتصادية والاجتماعية لن تكون الفائزة([26]).

الواقع أنه لا يمكن الحديث عن تراجع قوّة أمريكا على المستوى الدولي، لكنّ أمريكا قد فقدت السياسة التي اتبعتها بعد الحرب العالمية الثانية، لتجد نفسها في صراع مع قوى منافسة شديدة. كلّ هذه الأمور، بالإضافة إلى إخفاقاتها المتكررة في السياسة الخارجية، تستطيع في الجملة أن تثبت السقوط النسبي والتدريجي على الصعيد العالمي، ومن الشواهد التي يمكن الاستناد إليها لمزيدٍ من التأكيد على هذا الأمر ـ لا أقلّ على مستوى التسلسل الهَرَمي للقوى ـ هو التالي:

1ـ على مستوى البعد الاقتصادي: يجب عدم الغفلة عن أن العامل الحاسم في العلاقات الدولية يتغيّر من الحالة العسكرية إلى السياسية، ومن السياسية إلى الاقتصادية. فأمريكا إذا فقدت من قوتها الاقتصادية الكثير مستقبلاً فإنها لن تكون قادرة على حفظ سيادتها الثقافية والعسكرية والسياسية؛ كذلك الأمر بالنسبة إلى اليابان إذا تمكّنت من أن تنتزع من منافسيها محورية السبق، فمن المحتمل أن تصدر ادعاءات بأنها إنما تريد الحصول على كرسيّ دائم في مجلس الأمن الدولي.

وعلى رغم زعم نيكسون أن تراجع قدرة أمريكا في النتاج الدولي من 50 % إلى 25 % من سنة 1950م إلى سنة 1990م كان بسبب اعتنائها بإعادة إعمار القوى الأخرى المتضرّرة من الحرب العالمية، وبسبب دخولها إلى الاقتصاد الدولي، فهذا الكلام لا ينسجم والمعطيات الواقعية، وأن 25 % حصّة كبيرة على مستوى النتاج الدولي. لكنّ هذا الكلام يحمل في طياته اعترافاً غير منطوق بالأفول التدريجي لقوة أمريكا من ذلك الحين إلى الوقت الحاضر.

أمريكا أمام عدّة أزمات: على الصعيد الاقتصادي تواجه أزمة عجز الميزانية، وانخفاضاً في مستوى الإيداعات، والنقص في ميزانية الدراسات والتحقيقات، وعدم قدرتها على دخول التنافس مع اليابان، وربما مع أوروبا أيضاً. فتراجع الإنتاج الصناعي لهذه الدولة من 65 % إلى 25 %، واستيرادها لصناعات الفولاذ من اليابان، شاهد واقعي على تراجع هذه القوة([27]). تراجع صناعة الأسلحة بعد الحرب الباردة هزّ نوعيّاً الاقتصاد الأمريكي والإنجليزي والفرنسي. وقد عرفت سنة 1991م هبوط قوة الإنتاج الصناعي لأمريكا إلى 8 %، بينما كانت 50 % سنة 1945م، و44.7 % سنة 1953م، من الإنتاج الصناعي العالمي تعتمد على أمريكا وحدها. في أواخر ثمانينات القرن الماضي كان 20 % من أعلى طبقات المجتمع الأمريكي تتحكم في 35 % من ثروة البلاد، و20 % من أدنى طبقات المجتمع الأمريكي تستفيد فقط من 2 % من ثروة البلاد. أمريكا من بداية الثمانينات الفائتة عرفت عجزاً في ميزانيتها قدر بـ 180 مليار دولار، بينما في السبعينات من نفس القرن كانت ميزانيتها التجارية مرتفعة. ووصل عجز ميزانيتها في بداية تسعينيات القرن الماضي إلى 250 مليار دولار.

كانت تصنع أمريكا في الستينات 52 % من سيارات العالم، لتصل في الثمانينات إلى 20 % فقط. وقد دخل العديد من بنوكها وشركاتها مرحلة الإفلاس. واليوم لا يوجد مجال لافتعال الحرب حتّى تستطيع أن تبيع نتاجها من الأسلحة([28]).

 وقد كان معدّل نموّ الناتج المحلي الإجمالي الداخلي للولايات المتحدة الأمريكية في سنة 1940م 4.47 %، وفي سنة 1990م كان 0.9 %، وفي سنة 1991م كان 0.5 %. وهذا الأمر سيجعل عجلة التوازن الاقتصادي تتحرك من واشنطن نحو طوكيو. النقطة الأصلية في مشكل العجز التجاري لأمريكا يرجع إلى تحليلها للوضع النسبي الصناعي على المدى البعيد. في أواخر الثمانينيات من بين القطاعات الصناعية الثمانية الرئيسة في أمريكا كان لدى قطاع الكيماويات وقطاع الطائرات والتجارة فائضاً للتصدير فقط لا غير، والظاهر من كلّ ذلك أن أمريكا ستستمر في معاملاتها بدون طرح أيّ برنامج، وهذا سيجعلها تعيش تراجعاً نسبياً على المدى الطويل([29]).

يقول نيكسون: «إن عجز ميزانية التجارة الأمريكية مع اليابان وصل إلى 55 مليار دولار في سنة 1986م، و65 مليار دولار في سنة 1990م. وإن جودة السلع اليابانية عالية جداً. وإن حل معضلة العجز في الميزانية يكون بخفض النفقات، وليس بمضاعفة الضرائب»([30]).

والظاهر أن الينّ الياباني سيكون المسيطر على المعاملات المالية العالمية في المستقبل القريب. بينما قبل سنوات كان 300 ينّ يعادل دولاراً واحداً، أما الآن 100 ينّ ياباني تعادل دولاراً أمريكياً. ودخول اليورو في السوق الدولي ساهم هو الآخر في إضعاف الدولار الأمريكي.

قروض دولة أمريكا في سنة 1982م كانت 36 %، وفي سنة 1991م وصلت إلى 64 %، وفي سنة 1992 وصلت إلى 70 %، من مجموع الإنتاج الإجمالي الوطني. وعجز ميزانية أمريكا، الذي كان في سنة 1980م في حدود 60 مليار دولار، وصل سنة 1990م إلى 386/7 مليار دولار([31]).

يقول بيدرو برويغر، أستاذ الجغرافية السياسية بالأرجنتين، نقلاً عن ليستر: قامت العديد من التحقيقات حول المعضلة الاقتصادية للولايات المتحدة الأمريكية. وتُعَدّ معلومات لستر ذات أهمية، ومن بين ما جاء فيها: في سنة 1960م يتمّ تسجيل 64 شركة من الشركات الصناعية الكبرى في أمريكا، 26 من الشركات في أوروبا، وفقط 8 شركات في اليابان. في سنة 1988م تمّ تسجيل 42 شركة في أمريكا، 33 في أوروبا، و15 في اليابان. في مجال البنوك، في سنة 1979م تمّ تسجيل 19 بنكاً من مجموع 50 بنكاً عالمياً من الولايات المتحدة الأمريكية، وفي سنة 1988م سجّل فقط 5 بنوك أمريكية، وفي سنة 1990م لم يكن ضمن 20 بنكاً عالميّاً مهمّاً أيّ بنك أمريكي. في مجال الخدمات، 9 مجموعات من المجموعات العشرة للشركات المهمّة في العالم الآن هي يابانية([32]).

الهدف من عرض الإحصائيات المتقدِّمة ليس رسم السير النزولي للاقتصاد الأمريكي على شكل رسمٍ بياني؛ لأن التغييرات الاجتماعية والاقتصادية لا تتغيّر على شاكلة الرسم الخطّي. حكومة كلينتون استطاعت في سنة 1998م أن تقف في وجه التضخم والفائض التجاري من خلال رفع الأجور. ويبدو أن وتيرة رشد ونموّ الولايات المتحدة الأمريكية ثابتة (ينتظر أن يصل معدل نموّها إلى 4 % في سنة 1997م)([33]). وقد وعد كلينتون بأنه سيرفع الأجور إلى ضعفَيْ ما عليه التضخُّم في السنوات المقبلة. وفي الجملة هذه الإصلاحات التي تقدّم بها كلينتون لا تتنافى والقول بالسير النسبي والتدريجي لاقتصاد أمريكا.

2ـ البعد السياسي ـ العسكري: عظمة أمريكا السياسية؛ بحكم تبعيتها للوضع الاقتصادي، أصبحت موضع سؤال؛ إذ إن فزّاعة الشيوعية والاتحاد الشيوعي، التي كانت وراء اتحاد أمريكا وأوروبا واليابان، قد تلاشت؛ ومن جهةٍ أخرى سقطت هيبة أمريكا؛ بسبب عدم نجاحها في فيتنام، ونجاح الثورة الإسلامية في إيران، ولأسبابٍ أخرى متعددة.

فقدت السياسة العسكرية لأمريكا حماسها. فالاقتصاد الأمريكي قد تم تصميمه على التسلّح العسكري، وقد سجلت هذه الأخيرة بعد سقوط الشيوعية في أفغانستان وأوروبا الشرقية بأنها عقيمة في حساب السياسة الخارجية. وحَسْب قول نيكسون: القرن العشرين قرن السلام، وسقوط الأسلحة النووية. ويرى برجنسكي أن سياسة كلينتون قصيرة المدى قد أثقلت كاهل أمريكا بالنفقات الكثيرة، مما جعل الولايات الأمريكية تسعى إلى أقلّ ما يمكن من الالتزامات الخارجية([34]).

يقول نيكسون: «إن القوة العظمى يجب أن تنضج حتّى تدرك أن لا أحد يكون له النصر. فنحن تحمّلنا في فيتنام وأنغولا وقرن أفريقيا ونيكارغوا هزيمة نكراء»([35]).

يقول ديك تشيني، نائب الرئيس جورج بوش: إنه في ظرف سنةٍ ونصف توقفت 250 قاعدة عسكرية أمريكية في مختلف نقاط العالم عن العمل. وفي أوائل الثمانينات، وفي أثناء حرب النجوم، تمّ طرح التراجع عن إستراتيجية الردع([36]) إلى إستراتيجية الدفاع. كان الهدف منها حماية أمريكا من الصواريخ البالستية، حفظ المعسكرات من الحملات الصاروخية، وكذا حفظ مصالح الحلفاء. لكنّ كلينتون في تموز سنة 1993م قامت بوقف هذا المشروع، وتذهب وكالة الاستخبارات المركزية CIA إلى ضرورة تفعيل الاقتصاد([37]).

3ـ البعد الاجتماعي والثقافي: يقول نيكسون: إن أغنى دولة في العالم لا يمكنها أن تتحمّل نقص الرعاية الصحية، استهلاك نصف الاستهلاك العالمي من المخدّرات، غياب الأمن وارتفاع معدل الجريمة، حيث يُقْتَل في أمريكا من الشباب عشرون ضعف ما يقتل في دول الخليج الفارسي([38]).

وقد أرخَتْ الأزمة الاقتصادية والسياسية في أمريكا ظلال الخيبة على ثقافتها، فسحبت منها رونقها وجاذبيتها. كما أن عودة الثقافة الاشتراكية إلى الساحة الأوروبية، والأصولية إلى الشرق، ألحق ضربةً موجعة بالثقافة الأمريكية. كذلك فراغ ادعاء رعاية حقوق الإنسان، التي لطالما تغنّت أمريكا بشعارها، خصوصاً بعد موقف اللامبالاة بالمذابح الجماعية التي شهدتها البوسنة والهرسك، حيث كتبت جريدة نيويورك تايمز: «إن مذابح البوسنة والهرسك جعلت سياسة النفاق التي مارستها كلينتون تنكشف، ويفتضح أمرها»([39]).

لقد واجهت الأيديولوجية الديموقراطية الليبرالية اعتراضات عدة من الداخل والخارج، من أهمها: المثقفون الجدد، المتعصبون، المحافظون، اليساريون، والأصوليون.

يقول جيمس بيكر، وزير الخارجية الأمريكية الأسبق: إن 73 % من مجموع سكان أمريكا يعترضون على الانحرافات الأخلاقية المنتشرة في بلدهم([40]). وقد أعلنت الأمم المتحدة أن الغرب سيشهد إلى حدود السنوات الستّ والأربعين القادمة فاجعة اجتماعية، تطوّق عنقه بالكامل([41]). أقدم محامي البيت الأبيض، في 23/5/1972م على الانتحار، ومن الكلمات التي تركها في مذكّراته كلمةٌ يتهم فيها البيت الأبيض بإقدامه على اتّهام أشخاص وجرائم أخرى. ادّعى غورباتشوف أن الغرب قد وصل إلى خطّ نهايته، ولم يَعُدْ يملك ما يقدّمه للبشرية([42]).

الأزمة الأخلاقية التي يعيشها الغرب ـ وبالأخصّ أمريكا ـ لا تحتاج إلى أدلّة أو شواهد، فأركان الأسرة قد هدمت، ولم يبقَ منها إلاّ الرسم، وبيَّنت الإحصاءات أن الانتحار قد أصبح فكرةً رائجة بين فئة الشباب ما بين سن الثالثة عشرة والخامسة عشرة([43]). بل إن دولاً، مثل: دولة كندا، وصلت إلى ضرورة تقليص حجم ما يعرض لديها من برامج وأفلام أمريكية([44]). والظاهر أن الكلّ في الولايات المتحدة الأمريكية قد أدركوا حجم هذه الأزمة القاتلة التي يعيشها بلدهم، فقد أعلن كلينتون عند دخوله إلى البيت الأبيض بصفته رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية أن حزبه قد حمل على عاتقه رسالتين مهمتين: تصريف أزمة الفرد والعائلة؛ واحتواء أزمة السياسة الخارجية الأمريكية.

2ـ النظام الواحد ثلاثي الأقطاب

يرى نعوم نشومسكي أن نظام القطب الواحد هو الذي سيحكم العالم من ناحية عسكرية، أما من ناحية اقتصادية فسيكون ثلاثي الأقطاب. فأمريكا ستكون القوة السياسية والعسكرية الوحيدة، بينما ستشارك قوّةٌ جديدة أخرى، مثل: أوروبا واليابان، أمريكا في الواجهة؛ فنظام الثنائية القطبية قد ذهب بذهاب الماركسية، ولم يَعُدْ هناك قوة تعادل أمريكا. وبالنسبة إلى الجانب الاقتصادي فاليابان قد أحرزت قصب السبق على الآخرين، وتمثل القوة الاقتصادية للاتحاد الأوروبي قوّة لا بأس بها، وتحظى ألمانيا بمكانة خاصّة في هذا الباب.

ويتبين من خلال ما تطرحه هذه النظرية: أوّلاً: إن العالم يسير باتجاه المجتمع المدني، وليس العسكري، وفي المستقبل سيتغيّر دور نظام التسلُّح الحالي؛ ثانياً: هيمنة السياسة في المستقبل ستكون تابعةً للقوة الاقتصادية وهيمنتها.

 

3ـ ظهور الدول التجارية

أشار ريتشار روزكرانس، في كتابه «ظهور الدول التجارية، التجارة والصراع في العالم المعاصر»، إلى تراجع النفوذ الأمريكي والروسي في أواخر الحرب الباردة، في مقابل ازدياد نفوذ اليابان ودول أوروبا الغربية. وهذا علامة على تغيّر الأنظمة العالمية، حيث ستتبدل فيه المنافسة العسكرية والهيمنة الإقليمية، وستأخذ هذه الدول مكانتها من خلال المشاركة التجارية، التي ستكون مصدر الربح بين الدول([45]).

انتقد ريتشار روزكرانس الأنظمة القائمة على نظام الثنائية القطبية ونظام تعدد القطبية، ورأى أن النظام الذي يناسب العالم في هذه المرحلة وفي المستقبل هو النموذج بين «ثنائية القطب ـ وتعدّد القطبية»، فهو يحتوي على عناصر إيجابية، ويعمل على صنع نمط الثنائية القطبية والتعدّدية القطبية. وفي الواقع التفصيل في بيان هذا النموذج لا يعني وجوده في الواقع الدولي، لكنْ هو طرحٌ واقتراح للمستقبل. فنظام القوتين المتنافستين يعمل من خلال التعاون على عدم تصادم التوازن والموازنة بين القوى من الدرجة الأولى المرتبطة بنظام تعدّد القطبية([46]).

يرى هنري كيسنجر أن «الاقتصاد الأعلى» هو الذي يصنع الحضارة، ويرى أن من الاحتمالات الموجودة أن تنتمي الاقتصادات الخمس الأعلى إلى الحضارات الخمس في العالم، ويحدّد القوى الكبرى الخمس في كلٍّ من: أمريكا، أوروبا، اليابان، روسيا، والهند، وأنها ستكون القوى العالمية الكبرى في القرن الحادي والعشرين([47]).

4ـ تحوّل القوى

بحَسَب نظرية أولوين توفلر فإن الثلاثي برلين ـ طوكيو ـ واشنطن يكمل بعضهم البعض في العلم والمعرفة. أمريكا ستنفصل عن أوروبا، وفي المرحلة الثالثة سيزول الاتحاد السوفياتي، وأما الصين فمن المحتمل أن تتعرّض للتقسيم؛ ليتّحد قسمها الجنوبي مع تايوان وسنغافورة، وإن على أمريكا؛ لكي تحفظ بقاءها، أن تستمر في توطيد علاقتها باليابان.

يقول توفلر: رغم أن پول كينيدي قد ادعى أن أمريكا ليست ضعيفة بالقدر الذي يؤدّي بها للسقوط في المستقبل القريب، لكنّه في حقيقة الأمر قد عمل على نشر فكرة سقوط أمريكا. فالقوة الوطنية ستقاس بالقوة العسكرية، بينما سيكون الأثر كبير للأيديولوجيات والثقافات. ليس هذا فحَسْب، ففي المستقبل سيكون لكلّ التنظيمات والمنظّمات الدولية، بل حتّى عصابات المخدّرات، سيكون لها تأثير في تكوين النظام العالمي الجديد. وتُعَدّ فتوى السيد الخميني بالحكم بالإعدام على سلمان رشدي، الذي كتب كتاباً في شتم النبيّ محمد| وشتم عرضه وأزواجه وأهل بيته، دليلاً على أن الدول غير محصورة بالعلاقات الدولية([48]).

عرَّف أولوين توفلر، في آخر كتاب له تحت عنوان: «الحرب ومناهضة الحرب»، المدنية بأنها أسلوبٌ في الحياة لها نظامها الخاصّ في الإنتاج. وحَسْب نظره إن تصارع الحضارات في المستقبل أمرٌ حتمي، لكنْ ليس كما نسجه هنتنغتون، ولا على شاكلة الخطوط التي رسمها، فالتاريخ سجّل ثلاث حضارات عظمى:

1ـ حضارة الـ 10 آلاف سنة الزراعية، حيث مثّلت الموجة الأولى للتغيير والتطور؛

2ـ الحضارة الصناعية، والتي كانت ثاني موجة في التغيير والتطوير، أقامت أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية، وانتشرت في باقي الدول؛

3ـ التمدّن العلمي، والذي تقدّم فيه كلٌّ من: الغرب واليابان والكنفوشيوشية. وحَسْب رؤية توفلر فإن الحرب الكبرى القادمة ستكون بين مجموع هذه الحضارات؛ بسبب صعود البعض ونزول الآخر؛ وبسبب المنازعات واستعلاء الواحدة على الأخرى، وبلغةٍ أخرى: سيظهرصراعٌ بين أمواج التاريخ الثلاثة([49]).

يقول توفلر: من جهة كون التغيير والتحول في المجتمع لا يمكن أن يقع من دون حصول الصراع فلعلّ تشبيه التاريخ بأمواج التغيير هو أكثر ديناميكية، وأكثر تعبيراً، فحين تضطرب هذه الأمواج وتتلاطم مع بعضها البعض آنذاك يظهر صراع الحضارات.

أعمق تغيير اقتصادي وإستراتيجي تقسيم العالم في المستقبل إلى ثلاث حضارات مختلفة بالفعل، ومتصارعة بالقوة. فالموجة الأولى من الحضارة لا محال كانت مرتبطة بالأرض، وكانت نتاج الثورة الزراعية. بعض المؤرّخين يقولون: إن ظهور حضارة الموجة الثانية ترجع في جذورها إلى النهضة أو تابعةٌ لها.

توسّع حضارة الموجة الثانية في طرقها الجديدة لإنتاج الثروة سبّبت ارتباكاً في العلاقات بين الدول، وخلقت نوعاً من الفراغ في القوة، ونوعاً آخر من التعديل والتغيير. وقد كانت النتيجة النهائية للحرب وعصر الصناعة أن انقسم العالم إلى صفين: صفّ اصطفت فيه حضارات الموجة الثانية العظمى والمهيمنة؛ والثاني مجموعة من المستعمرات الخاضعة والخانعة.

حضارة الموجة الثالثة تسارع نحو الهيمنة، من خلال اكتشاف طرق جديدة عن طريق استخدام العلم والابتكار العلمي. وتعمل أمم الموجة الثالثة على الاتجار بالعلم، من خلال عرضها لمعلوماتها في الإدارة والمعلوماتية والثقافة لشعوب ومؤسّسات العالم.

في الموجة الثالثة العلم والثروة الخفية نظير: المعلوماتية ستكون هي المصادر الرئيسية. هذه التغييرات في الموجة الثالثة تهدّد بفكّ العديد من المعاهدات والاتفاقيات الاقتصادية بين أغنياء الاقتصاد وفقرائه. فأيديولوجية الدولة القومية هي التي تقوم بالثورة الصناعية.

إن التحول التاريخي من عالم قوتين إلى ثلاث قوى يستلزم دخول العالم إلى حرب القوى، وهي حرب تختلف تماماً عن الحرب التي نتخيّلها([50]).

ويضيف توفلر: إن الحضارات ستدخل في صراعٍ، لكن ليس ضمن الخطوط التي رسمها هنتنغتون.

حَسْب نظرية توفلر الموجة الثالثة لن تكون ضد اليوتوبية، كما جاء في كتاب 1984م، أو كتاب عالم جديد جميل، لكنّها ستخلق للمستقبل يوتوبيا جديدة أكثر واقعية. بناء حضارة الموجة الثالثة أكبر من إزالتها، فلا بُدَّ من إيجاد أركان وأسس من النظم والهدفية، وإلا فإيجاد بنيات سياسية جديدة لحضارة الموجة الثالثة لن تأتي من خلال ثورة شاملة، ولكنها حاصل آلاف الابتكارات والصراعات في مناطق مختلفة ومتعدّدة، وفي مدّةٍ لا تقلّ عن عدّة عقود. وهذا لا ينفي إمكانية حصول صراعات دموية وعنيفة ضمن حركة التطوّر نحو المستقبل، فلا أحد يعلم علم القطع ما سيتمخض عنه المستقبل، ولا ما سيقع في مجتمعات الموجة الثالثة. وكما كانت الثورات قبلنا، نحن كذلك علينا خلق مستقبلنا، وتحديد مصيرنا([51]). وعلى هذا الأساس لا بُدَّ من رؤية مستقبلٍ غير مستقرّ ضمن معادلة العنف والثروة والفطنة. والنظام العالمي الجديد لا بُدَّ وأن يواجه ثلاث قوى:

1ـ خصوم العلمانية ومخالفيها، مثل: الصين وديانات الشرق؛

2ـ أنصار البيئة الداعين إلى المحافظة على البيئة؛

3ـ القوى المتطرّفة، مثل: القبلية، والعنصرية، والطائفية.

البنية الإلكترونيكية والاقتصادية للموجة الثالثة لها ستّ خصوصيات: قابلة للتفاعل، الحركة، قابلة للتحوّل والانتقال (مثل: الانتقال من الخطاب الشفاهي إلى الخطاب المكتوب)، قابلية الاندماج، الحضور في كلّ مكان، والعالمية. في الموجة الثالثة سيحظى الزمان بقيمةٍ أكبر بالمقارنة مع قيمة السلع الرئيسة. ويعتقد الكثير من المحلِّلين أن اليابان ستكون أكبر قوّة تكنولوجية وصناعية في السنوات المقبلة([52]).

يقول توفلر: إن المستقبل سيشهد حربين سياسيتين شديدتين في آنٍ واحد؛ على مستوى واحد سيقوم نزاعٌ سياسي روتيني بين مجموعات الموجة الثانية؛ وعلى المستوى العميق ستتّحد المجموعات التقليدية للموجة الثانية حتّى يقفوا في وجه القوى الجديدة في الموجة الثالثة. المدافعون عن الموجة الثانية ينظرون باستهزاءٍ للشعوبيين، وبقلقٍ شديد للمحيط الاجتماعي، ولا يولون أهمّية لمسألة النظام العادل، ولموضوع المرأة في المجتمعات الصناعية وما تعانيه من استعباد. وعلى العكس تماماً مثقَّفو الموجة الثالثة ينظرون بعين الريبة للعبة السياسية، وما تتعرض له البيئة من استنزاف، وكذا يولون عنايةً شديدة بموضوع الأسرة، وبالمرأة بشكلٍ خاصّ([53]).

في دراسة هذه النظرية لا بُدَّ من الالتفات إلى النقاط التالية: أوّلاً: إن السيادة المطلقة لأمريكا على المستوى السياسي والاقتصادي والثقافي غير قابلة للإثبات؛ ثانياً: كان على توفلر، بَدَل أن يستغرق في طرح القوى العرضية والثانوية، مثل: حركة الهبيزم والطائفية وأصدقاء الطبيعة، أن يتوجه إلى التيارات السياسية والجغرافية؛ ثالثاً: تهديد السيادة في القرن الآتي بمعنى التطوّر المتزايد للمعلومات، صغر العالم وتحوّله إلى قرية صغيرة، ظهور أفكار وشركات عابرة للحدود، تزايد قوة المنظمات غير الحكومية، واحتمال تزايد تأثير منظمة الأمم المتحدة، وأخيراً الاهتمام بالرأي العام وبحقوق الإنسان، ومع كلّ هذا فإن المصالح الوطنية وحدود الدولة ستظلّ إلى العقود القادمة أهمّ ملاك ومعيار أمام الدولة.

5ـ نظام ترتيب وسائل اللعبة

وهي النظرية التي طرحها الدكتور محمد جواد لاريجاني، بيَّن فيها أن مستقبل النظام العالمي يعني ترتيب وسائل اللعبة، ويعني في المفهوم الداخلي شيئاً بين النظام والأناركيزم (الفوضى).

أوجد سقوط الماركسية عدّة متغيّرات، من جملتها: سقوط نظام الثنائية القطبية، توحيد الألمانيتين، تحرير أوروبا الشرقية ووقوعها في الحيرة والتيه، تزلزل أركان الاتحاد السوفياتي، التغيير الجدّي في قيمة الصراعات الإقليمية، وتضعيف الفكر الاشتراكي وآثاره السياسية. وظهرت في العالم قوتين جديدتين: واحدة في أوروبا تمثلها ألمانيا؛ وأخرى في منطقة الباسيفيك تمثلها اليابان. ويرى لاريجاني أن السبب وراء سقوط الإمبراطوية الماركسية العظمى ليس الفشل الاقتصادي، أو حتى السياسي، لكنه غياب الهوية الناتجة عن النظام المادّي والإلحاد الماركسي. لهذا فإن نظرية أمريكا والغرب محكومة بهذه النتيجة؛ لما تتبناه من أفكار اللاهوية.

يرجع العداء الغربي في الأصل إلى عداء المسيحية واليهودية للإسلام. وقد صرّح الرئيس الأمريكي أن التهديد الجدّي بعد سقوط الشيوعية هو الأصولية، والتوترات التي تعرفها المنطقة. فسقوط الماركسية كنظام سببه اعتمادها عنصر التخطيط الاقتصادي المركزي، واستبداد الحزب الواحد، لكنّ العنصرين وحدهما غير كافيين في تسقيط الحكومة، وإنما الذي أسقط الحكومة هو ماهية الأيديولوجية الماركسية التي أرادت أن تنزع من شعوبها هويتها العَقْدية.

إن ما توجده هيمنة القطب الواحد من أجواء ثقيلة، بالمقارنة مع هيمنة القطبين، وتراجع اقتصاد أمريكا أمام صعود اقتصاد كلٍّ من: أوروبا واليابان، وعدم وجود قاعدة مستقبلية للقدرة العسكرية والثقافية الأمريكية، وأخيراً انتعاش القومية الأوروبية، كلها عوامل تتضافر لتتحدّى فكرة سيطرة أمريكا المطلقة على كلّ العالم. عمل منطق نظام القطبين في الأساس على إيجاد تعادل في القدرة، وليس في النظام. لذا فالتعريف المناسب لمفهوم «النظام العالمي» هو نظرية ترتيب وسائل اللعبة. إن طبيعة اللعبة العالمية تصبح ممكنة حين السيادة العالمية لقوّة أو قوّتين معاً. التفاعل والتعاون بين اللاعبين هما عنصري نجاح اللعبة. إن دخول العالم ضمن محورين يتضمن الأمر التالي:

1ـ قيمة أيّ دولة في المجتمع الدولي بمستوى قدرتها السياسية.

2ـ معيار القدرة السياسية هو الاستفادة من القدرة العسكرية والاقتصادية والقدرة الصناعية والعلمية.

بالنسبة إلى الأمر الأول هو مقبول، لكنّ التردّد يطال المورد الثاني. فتأثير الكلمة بين الدول والحكومات يستطيع أن يرفع من شأن القدرة السياسية([54]).

نادي الزعامة: مثلث أمريكا وألمانيا واليابان في الدرجة الأولى، في الدرجة الثانية تأتي روسيا وأوروبا الشرقية وما يشبهها، لتأتي دول العالم الثالث في المرتبة الأخيرة([55]).

في النظام الدولي اللاعبون وقواعد اللعبة دائمو التغيّر. وأمريكا ترغب في وجود اللانظام في العالم، وعدم تمكن قطب من السيطرة على زعامة العالم بعد سقوط نظام القطبين. في لعبة النظام يتمتّع اللاعبون بصفتين: بالحكمة والتعقّل (بحيث هم يجرون وراء مصالحهم)، وبالذكاء (بحيث يدركون ما لدى الآخر ويقرؤون أفكار الآخر).

ويرى لاريجاني أن القرن الواحد والعشرين سيشهد صعود تمدّن وحضارة تحت عنوان: «النظام الإسلامي الجديد»، حيث تكون نقطة بدايتها الثورة الإسلامية في إيران، ويقول: أهم نقطة في ادّعائنا أننا على أعتاب ولادة حضارة جديدة، ونستطيع أن نحتلّ موقعاً خاصاً في هذه المرحلة الانتقالية، باعتبارنا قوة إقليمية ثابتة، وأن نكون قوة فاعلة في هذا النظام الإسلامي الجديد. وهذا أمرٌ طبيعي إذا كان لنا تصوّر شامل ودقيق عن هذا التمدّن الجديد. فكلما كانت العقلانية شاملة كلما كانت مقبولة لدى الناس كافّة، وبذلك تكون لها فرصة طويلة في الاستمرارية. وكل هذا يتبلور ليصنع بناءً مدنياً جديداً يتناسب وهذه العقلانية، ويتمظهر في مظاهر مختلفة. كل إطار يُراد له أن يكون مثالاً للعقلانية، ويُراد منه أن يكون في مستوى صنع حضارة، لا بُدَّ له في الحدّ الأدنى من ضروريتين:

الأولى: الضرورة المنطقية، بحيث يكون لها على المستوى النظري إمكانية بناء حضارة؛

الثانية: أن تتلقّاها الجماهير بالقبول، لا أقلّ في دورة زمنية([56]).

بنظر لاريجاني «العقلانية الإسلامية» تقع في مقابل «العقلانية الليبرالية». وقد بين الموانع والعقبات التي تقف في وجه التمدّن الإسلامي الجديد. يقول لاريجاني في نقده لنظرية صراع الحضارات: إن التمدن الليبرالي قبل أن يخرج إلى عالم الثبوت كان له تشخّص وتمايز في ذهن الساسة الغربيين؛ لأن الشروط الاجتماعية في الغرب تظهر أن ذهنية الإنسان الغربي لا يمكن أن تقبل التمدّن الغربي ببساطةٍ وسهولة. ويقول لاريجاني أخيراً: اللاعبون في التجمعات العاملة (collective Agent) مستقبلاً على الساحة السياسية هم الذين يمكنهم أن لا يكون لهم موطن جغرافي. فمفهوم «الأمة» هو أفضل ظرفٍ لتحديد مفهوم التجمع العامل، الذي يتمحور حول العقلانية (Rationality) الإسلامية.

نتائج السفر في المستقبل على متن مركب «الحكومة» هي نتائج جدّ مهمة لنا، على مستوى إستراتيجيتنا القومية، وسياستنا الفعلية في الساحة العالمية([57]).

وفي الجملة فالنتيجة التي تسفر عنها النظرية أن طبيعة النظام الدولي الآتي هي ترتيب لأوراق اللعبة، مع الطعن في العقلانية الليبرالية.

6ـ نظرية توازن القوى

توازن القوى (Equilibrium Tendency) هي أحد النماذج الستّة لمورتون كابلان. رأى الدكتور محمدي نظري، وبعد إثبات تراجع نفوذ أمريكا على صعيد المستقبل، أن النظام الذي سيسود العالم هو نظام تقسيم القدرة وتوازن القوى ونظام اللاقوة عظمى.

كلّ واحد من النماذج الستة يمكنه عبر التاريخ أن يتحوّل إلى آخر. ومن الطبيعي أن نشاهد في المرحلة الانتقالية([58]) وقوع مثل هذه الحالات: نوع من اللانظم، احتمال تزايد الأزمات بين الدول مثل: الانقلابات، تزايد الائتلاف والتكتّلات، غياب ميكانيزمات التوازن، توسّع القدرة، وغلبة مواقف الدولة القوية، وانتفاضة الرأي العام ضدّ استعمال القدرة العسكرية والتدخّل في شؤون الدول الأخرى.

تتشكّل سياسة الدول مبدئياً تحت تأثير عاملين أساسيين:

الأوّل: الفعل وردّة الفعل الداخلية، نظير: المصالح القومية، القدرة العسكرية والاقتصادية، قوة النظام القومي والمنافسة الداخلية.

الثاني: تأثير سياسة النظام وقوانينها على اللاعبين، أو ما يمكن الاصطلاح عليه بالجهات الفاعلة، وبالأخص الحكومات. في المرحلة الانتقالية تسعى إلى التحرك وفق ما تمليه عليها المصالح الوطنية أو القومية، من دون الخضوع لضغوطات النظام الدولي.

اليوم لا يوجد قوّة عملاقة؛ لأن القوة العملاقة في المرحلة السابقة كان لها خصوصيات، تتمثل في: ترسانة نووية (عامل الردع)؛ وأيديولوجيا. سقوط النظام السوفياتي في العام 1989 ـ 1990م لم يكن الاقتصاد هو سببه الأوّل، بل كانت الأيديولوجيا هي التي أسقطته، مع الإشارة إلى أن سقوط الاقتصاد كان آخر نقطة في أفول الاتحاد السوفياتي.

إن قاعدة القدرة لن تكون عسكرية بَحْتة، بل ستجمع بين الثلاثي: القدرة العسكرية والاقتصادية (التكنولوجية) والاجتماعية.

يعتبر جاك أتالي أمريكا مخزن الذخيرة لليابان، وحذّر من خطر سقوط أمريكا. نظام بدون وجود قوّة عظمى ونوع من توازن القوى هو الذي سيحكم العالم؛ إذ:

ـ من المحتمل أن تلحق روسيا بأوروبا، وليس بأمريكا؛

ـ من المحتمل أن ترى ألمانيا مصالحها أفضل خارج الناتو (خطر ألمانيا في أن تكون معتدية)، فألمانيا المتحدة لا ترى في الناتو سوى اتحاد رمزي؛

ـ ستواجه اليابان تصاعداً كبيراً؛

ـ بسقوط نظام ثنائية القطبين فإن نفوذ أمريكا وقدرتها سيعرف تراجعاً كبيراً؛

ـ تملك روسيا كذلك قوة عسكرية، وألمانيا واليابان هما قدرتان في الاقتصاد والمال، والصين والهند يملكان قوّة بشرية هائلة، وأمريكا لديها قدرة اقتصادية وعسكرية.

لكنّ كلّ المؤشرات تنبئ بأن العالم يخطو نحو نظامٍ تتوازن فيه القوى. وفي الوقت الحاضر لايوجد أيّ توافق حول ماهية وطبيعة النتائج المحتملة عن تفكّك الاقتصاد العالمي، إنما الذي يلوح في الأفق هو أن الخلافات والنزاعات الاقتصادية ستعرف في المستقبل تزايداً في تعقّد وتيرتها، بحيث تستعصي على الحلّ([59]).

بملاحظة النقاط الإيجابية في هذه النظرية، وبالأخصّ في ما يتعلّق بإثباتها لأفول القدرة الأمريكية وقوتها، وتصاعد اليابان، وتأكيدها على دور الجمهورية الإسلامية في تشكيل النظام العالمي الجديد، لا بُدَّ من القول: إن توازن القوى على معنيين؛ فإذا أخذناه بالمعنى الأعم سيشمل مرحلة ثنائية القطب والحرب الباردة. فتوازن القوى كمصطلح له خصوصيات عدّة، من جملتها: عدم رجحان قدرة أحد جوانب القدرة، ومنع قيام السيطرة أو الهيمنة من قبل طرفٍ على طرف، وذلك من خلال تضافر جهود كلّ الحكومات لردم الهوّة الكبيرة في الإمكانات العسكرية بين القوى العالمية، وكذلك القضاء على كلّ بؤر التوتّر حتّى تصبح القوى متوازنة.

أما توازن القوى بالمعنى الأخصّ فيمكن القول: إنه بدأ مع القرن 19 إلى بداية الحرب العالمية الأولى، وكان هو الذي يحكم العلاقات الدولية([60]).

وعلى أيّ حالٍ فسيادة توازن القوى بالمعنى الأوّل في القرن 21 أمرٌ لا مجال فيه للشكّ، لكن خصوصيات ميزان القوى بالمعنى الأخصّ، والتي لا يمكن الجزم بتحقّقها، كلها تجعل مسألة تحقّقه أمراً غير مؤكّد. ويرى المنتقدون لنظرية ميزان القوى أن القرن 21 لم يعرف بأيّ وجهٍ كان تعادلاً للقوى([61]).

ثانياً: كما أشرنا سابقاً إن الاقتصاد وإنْ لم يكن قاعدة في العلاقات الدولية، ولا يستفاد منه بشكلٍ كبير، لكنْ كان له دورٌ محوريّ في سقوط الاتحاد السوفياتي، كما كان له دورٌ في ازدياد قوّة أوروبا ودول الباسيفيك. صحيح أن الاقتصاد ليس هو الهدف والقاعدة في التحولات الاجتماعية، لكنه يستطيع أن يكون مبدأً وفاعلاً في كثير من الميادين الأخرى.

إيران، النظام الدولي الجديد ونظرية حوار الحضارات

لا أحد يمكنه أن ينكر أن للجمهورية الإسلامية في إيران دوراً في التطورات التي يعرفها العالم الإسلامي. أما عن دعوى دور إيران في النظام الجديد فهذا لا يمكن ما لم يتمّ تحديد دور العالم الإسلامي في هذا النظام.

يقول الرئيس الأمريكي السابق نيكسون: الإسلام؛ ولأسباب متنوّعة، استطاع أن يقف في وجه الاشتراكية أفضل مما كانت عليه المسيحية. لما كانت أوروبا في القرون الوسطى تعيش في الانحطاط العلمي والمعرفي كانت الحضارة الإسلامية قد تسلقت قمم المجد والرقي. عندما فتحت شخصيات أوروبية في مرحلة النهضة عينيها على العلم، من خلال تسلّق أكتاف علوم العالم الإسلامي، استطاعت أن تفتح لأوروبا آفاقاً واسعة ما كانت لتحلم بها لولا اقتداؤها بالعلوم الإسلامية وما أبدعه العقل المسلم آنذاك من معارف في كلّ مجالات الحياة. والإسلام سياسياً ليس لوحةً واحدة، بحيث يمكن تفسيره تفسيراً أحادياً، بل هو في معرضية التفاسير المتعددة.

ويجب علينا النظر بحذرٍ إلى تقارب إيران والغرب، وإلى العلاقات التي تنسجها مع أوروبا؛ لأن لإيران يداً في حالات الإرهاب الذي نعاني منه، فلا يمكن نسيان حادثة لوكربي([62]).

أما عن كون العالم الإسلامي يستطيع أن يجعل المصالح الحيوية للغرب في منطقة الخطر فهذا لا شَكَّ فيه، فساسة الغرب وخبراؤه يذعنون لهذه الحقيقة ويعترفون بها. لكنّ الغرب، وبعد انهيار فزاغة الاتحاد السوفياتي، سعى إلى أن يلبس الدول الثورية والراديكالية لباس العنف والإرهاب العنيف؛ حتى ينشر الرعب في الدول الضعيفة، وبذلك ينفتح أمامه الباب لتحقيق أغراضه، والوصول إلى مطالبه. فدول الخليج؛ وبحجة الخوف من إيران، راحت تطلب من أمريكا أن تجيرها وتحميها، وهو نفس ما عملت به أوروبا حين عملت على تخويف اليابان وبعض دول العالم الثالث من الشيوعية؛ لتسارع هذه الدولة وبكلّ جرأةٍ إلى أحضان أمريكا. إن القصد من وراء إلصاق تهمة تفجير المركز الصهيوني في الأرجنتين، وانفجار الظهران في المملكة العربية السعودية، والانفجار بالقرب من السفارة الإسرائيلية في لندن…، بالجمهورية الإسلامية الإيرانية سببان:

1ـ الطعن في الثورة الإسلامية والخطاب الإسلامي؛

2ـ تصوير إيران في صورة القدرة المبالغ فيها، وإعطاء صورة سلبية عن إيران؛ لغرض جذب المخالفين، وتأليب المنطقة وكلّ العالم ضدّها؛

يقول الأمين العام لحلف الناتو: «بعد الماركسية ـ اللينينية جاءت الأصولية الإسلامية لتجعل مصالح الغرب في معرض الخطر؛ لما تحمله من تهديد([63]).

بينما يصف الدكتور محمدي إمكانيات الجمهورية الإسلامية الإيرانية بأنها خير لقدرتها على إحداث توازن القوى.

والجمهورية الإسلامية؛ نظراً لما لديها من عوامل القوة المتنوعة، ونذكر في الجملة: وجود قوميات مختلفة، الاستقلال في صنع القرار، التأثير المعنوي في أوساط الدول الإسلامية ودول الاستكبار العالمي، الموقع الجغرافي الإستراتيجي، الاحتياطات النفطية، والقدرة الاقتصادية والعسكرية، سواء ما ظهر على الواقع أو ما كان بالقوة، وكونها تمثّل القوى الكبرى في منطقة الشرق الأوسط، ومن أهم اللاعبين في العلاقات الدولية في المنطقة، كلّ هذا، مع اتّباعها سياسة حكيمة وديبلوماسية معقلنة، أهّلها لأن تفرض نفسها عنصراً فعالاً له مكانته في مجال العلاقات الدولية، وأن تفرض توازناً غيَّر من موازين القوّة نحو تعادلها.

مقتضى دور الجمهورية الإسلامية وديبلوماسيتها الفعّالة والحاسمة وموفّقيتها في منطقة سمتها الغالبة التوتر، في عالمٍ تتلاطمه الأزمات والتوترات، استفادتها من العناصر الستة التالية:

ـ القيادة والإدارة العبقرية والإستراتيجية في تطبيق السياسة الخارجية؛

ـ الوعي والفهم الدقيق لتطورات العالم السريعة، والممارسة الفاعلة للفاعلين في مجال العلاقات الدولية؛

ـ استيعاب وفهم الكتل والتيارات السياسية الداخلية لهذا الوضع الدولي الحسّاس، واتفاقهم بنحو الإجماع على خطوطه العريضة([64])؛

ـ الجمهورية الإسلامية الإيرانية تملك موقعاً خاصاً في السياسة والاقتصاد، وحتى على المستوى الأيديولوجي والفكري.

«إيران اليوم تستمدّ قوتها من الاستقرار السياسي والثقافات الإسلامية والعالمية، ومن امتلاكها مصادر طبيعية هامّة، مثل: النفط والغاز، وتحكّمها في مياه الخليج الفارسي، بالإضافة إلى تحكّمها في مضيق هرمز»([65]).

ليس النظام العالمي الجديد في حقيقته سوى وجهٍ جديد لنظرية الإمبريالية الخاسرة، والتي تريد بسياستها الحسّاسة ضدّ إيران التعتيمَ على رسالة الإسلام، وتسعى من خلال تجميد وسدّ الطريق الاقتصادي أن تجعل شعارات الثورة والنهج السياسي والدولي للجمهورية الإسلامية ينطفئ نورها، وتَسْكُن من تلقاء نفسها، حيث اعتمدت في سياستها ضدّ إيران تحرير الأسعار (تضعيف دور الدولة في الاقتصاد)، تحرير التجارة الخارجية، ولا أقلّ من خلال سحب الرسوم الجمركية، جذب رؤوس الأموال الخارجية من خلال تابعية الثروة النقدية للسوق العالمي، وكمثال على ذلك: إن الخبراء في الاقتصاد قد حدّدوا قيمة البرميل الواحد من النفط 60 دولاراً مقارنة بقيمة الفحم الحجري، إلاّ أن الإمبريالية أوصلته إلى 10 دولارات.

مع أن مفهوم السوق العالمي ليس سوى مفهومٍ انتزاعيّ، لكنّ الغرب، وعلى رأسه أمريكا، تهيمن عليه بشكلٍ كامل، بحيث توليه وجهتها، وتخضعه لسياساتها([66]).

يقول الدكتور لاريجاني: اتّخذ مصمِّمو النظام الدولي الجديد من القدرة السياسية ملاكاً يشخِّصه الموقف من النظام الدولي. لكننا نقول: إن القدرة السياسية هي قدرة إرادة الأفراد والشعوب. نحن نسعى لأن يكون لنا دورٌ في المجتمع الدولي، لكنّ موقعنا لا نكتسبه من عدد الصورايخ العابرة للقارات و…. نحن لنا كلمتنا في المجتمع الدولي، وشأننا باقتدارنا بمنطق «ولاية الفقيه». في المرحلة الحالية إذا كان بلد قادراً على تقديم أسلوب «التعامل الجمعي» حتّى الإنجازات الفردية ستكون مضاعفة، وهذا إنما هو بإمكان إيران الإسلامية، التي تُعَدّ بحقٍّ محور هذا التجمّع([67]).

نحن من جهةٍ أمام فشل طرح النظام العالمي الجديد، ونرى في مقابله اليابان والصين والاتحاد الأوروبي والعديد من دول العالم الثالث؛ ومن جهةٍ أخرى، ومن خلال نظرية «حوار الحضارات» أخذنا موقعاً مناسباً في العلاقات الدولية. نظرية الدكتور خاتمي الموفقة منحتنا موقعنا بالقوّة، لكنّ تحويل هذه المكانة الكامنة (بالقوة) إلى مكانة بالفعل يحتاج إلى متابعةٍ شاملة، وتفعيل جميع أدوات السياسة الخارجية، وانسجام السياسة الداخلية معها.

ومن جملة الإستراتيجيات الفعّالة نشير إلى: تفصيل وتبيين دقيق لطرح الرئيس خاتمي وتحويله إلى نظرية في حوار الحضارات، وتحديد وتنفيذ الإستراتيجيات الملائمة للوصول إلى الأهداف التي تمّ الإجماع عليها، وتنشيط الديبلوماسية وإعادة تشكيل بنيتها بما ينسجم والأهداف الإستراتيجية، وتغليب كفّة العقلنة على خطابات التآمر والدسيسة، والاستفادة المثلى من مبدأ المنافسة في مجال العلاقات الدولية، والاستفادة من الأمم المتحدة لتفعيل مسألة حوار الحضارات، والانفتاح على دول المنطقة وأوروبا، والتعامل ضمن سياسة محنّكة مع أمريكا، والتحرك المَرِن بين القِيَم والواقعية (السعي للحفاظ على القِيَم الإسلامية الأصيلة، وأخذ حدودها بعين الاعتبار)، وتحكيم القانون داخل الدولة، وأخيراً التنسيق بقَدْر المستطاع بين السياسة الداخلية والخارجية للجمهورية الإسلامية في إيران.

النتيجة

من مجموع المباحث التي تمّ تناولها ضمن هذه الدراسة نخلص إلى النقاط التالية:

ـ تراجع الماركسية وأفول نجم الاتحاد السوفياتي لا يرجع في علّته إلى قوة الخصم، بل هو ناتجٌ عن الصراع الداخلي المستعصي عن الحلّ في الجانب الاقتصادي والسياسي، وبالأخصّ تصارع الأيديولوجيات والثقافات؛

ـ خلافاً لادّعاء بيتروفسكي، لا مكان لإعادة انبعاث الشيوعية؛

ـ النظام العالمي الجديد بزعامة وهيمنة أمريكا مطعونٌ فيه، ومعترض عليه؛

ـ نظرية صراع الحضارات منهجياً وفكرياً وسياسياً أمام عدّة إشكالات معقّدة؛

ـ تحظى نظرية حوار الحضارات بالنجاح، وإنْ كانت لا تزال في مهدها؛

ـ نظرية نهاية التاريخ، التي طرحها فوكوياما، ليست سوى كلام الصحف والإعلام، ولا تمتلك المباني علمية المقوّمة؛

ـ ليس فقط نظام التسلسل الهَرَمي للقوى في المدينة الفاضلة الأمريكية هو الذي قوّضت دعائمه، بل إن عظمة أمريكا تسير وإنْ بشكلٍ تدرّجي نحو المنحدر؛ بلحاظ تراجعها في العديد من المجال. وبطبيعة الحال هذا التنازل لا يلاحظ على شاكلة الخطّ التنازلي؛

ـ بالجملة العالم في الوقت الحاضر يرسم الخطوات نحو نظامٍ عالمي جديد، وكلّ واحدة من النظريات التي تناولناها في هذه الدراسة قد أدلَتْ بدَلْوها في محاولة منها لتوصيف أبعاده، لكنْ لم تستطع أيّ واحدةٍ منها أن ترسم شكل هذا النظام. وما يهمّ إيران المسلمة هو أن يكون لها دورٌ معقول وموثوق في هذا النظام الذي يعيش فترة المخاض.

الهوامش

(*) أستاذٌ مشرف في جامعة المفيد في إيران.

([1]) موسى غني نجاد، «نهاية العالم والإنسان الأخير» المعلومات السياسية والاقتصادية، العددان 63 ـ 64 (آذر ودِيْ 1371هـ.ش)؛ وكذلك العددان 49 ـ 50، 55 ـ 56.

([2]) هنتينغتون، «صراع الحضارات»، المعلومات السياسية والاقتصادية، العددان 69 ـ 70: 16، ترجمه للفارسية: مجتبی أميري.

([3]) جون ندروين بيترز، «فوكوياما والليبرالية الديموقراطية، نهاية التاريخ»، ترجمة: پرويز صداقت، المعلومات السياسية والاقتصادية، العددان 80 ـ 79: 42 ـ 48 (فروردين وأرديبهشت 1373هـ.ش).

([4]) الطريق الجديد (راه نو)، 23/4/1377هـ.ش.

([5]) ريشارد نيكسون، فرصت أز دست ندهيد (لا تضع الفرصة تفلت منك): 10 ـ 31، ترجمة: محمود حدادي، معلوميات، طهران، 1371هـ.ش.

([6]) أميري، «نظرية صراع الحضارات ونقّادها»: 100  ـ  102، 108.

([7]) Hierarchical International System.

([8]) منوشهر محمدي، «النظام العالمي الجديد»، كلية الحقوق والعلوم السياسية، العدد 28 (آذر 1371هـ.ش).

([9]) المصدر نفسه.

([10]) ريشارد نيكسون، فرصت أز دست ندهيد (لا تضع الفرصة تفلت منك): 9، 30.

([11]) المصدر السابق: 11 ـ 33.

([12]) كلية الإعلاميات، النظام الجديد: 50 ـ 55، شركة النشر والتبليغ، طهران، 1371هـ.ش.

([13]) ريشارد نيكسون، فرصت أز دست ندهيد (لا تضع الفرصة تفلت منك): 31.

([14]) المصدر السابق: 126 ـ 140.

([15]) ريشارد نيكسون، در صحنه (في الميدان): 99، ترجمة: أحمد عزيزي، معلوميات، طهران، 1370هـ.ش.

([16]) ريشارد نيكسون، فرصت أز دست ندهيد (لا تضع الفرصة تفلت منك): 151.

([17]) پل كندي، العالم إلى 2025، ترجمة: عباس مخبر، طهران، صهبا، 1372هـ.ش.

([18]) ريشارد نيكسون، فرصت أز دست ندهيد (لا تضع الفرصة تفلت منك): 171 ـ 177.

([19]) المصدر السابق: 236 ـ 239.

([20]) پل كندي، العالم إلى 2025: 285 ـ 287.

([21]) ريشارد نيكسون، فرصت أز دست ندهيد (لا تضع الفرصة تفلت منك): 208 ـ 225.

([22]) المصدر السابق: 193 ـ 2 ـ 6.

([23]) المصدر السابق: 464  ـ  467.

([24]) ريشارى نيكسون، در صحنه (في الميدان): 430، 99  ـ 102؛ فرصت أز دست ندهيد (لا تضع الفرصة تفلت منك): 17 ـ 22.

([25]) مجتبى أميري، «ريشارد نيكسون ونظرته في زعامة أمريكا للعالم»، اطلاعات سياسي  ـ  اقتصادي، العددان 79 ـ 80: 30 ـ 36 (فروردين  ـ  أرديبهشت 1372هـ.ش).

([26]) پول كندي، العالم إلى 2025: 421، 461.

([27]) محمد جواد لاريجاني، «النظام أو اللانظام الجديد»، مجلة جام، العدد 3، ومجلة الصفحة الأولى، العدد 10.

([28]) عزت الله سحابي، «نظم نوين جهاني ومسائل توسعه كشورهاي جنوب»، كتاب التنمية، العدد 5.

([29]) پول كندي، العالم إلى 2025: 421 ـ 462.

([30]) ريشارد نيكسون، فرصت أز دست ندهيد (لا تضع الفرصة تفلت منك): 155، 281.

([31]) مراجعة كتاب: الإفلاس في سنة 1995م، نقلاً عن: إيران اليوم، العدد 12.

([32]) بروغر، «به سوي برخورد جديد ميان تمدّنها»: 385، ترجمه للفارسية: منير سادات مادرشاهي، السياسة الخارجية (صيف 1377هـ.ش).

([33]) السيد أحمد مير مطهري، «القوة والسياسة، النظام الاقتصادي الجديد في العالم»، اطلاعات سياسي  ـ  اقتصادي، العددان 115 ـ 116 (فروردين وأرديبهشت 1376هـ.ش).

([34]) جمهوري إسلامي (24/8/1372هـ.ش).

([35]) ريشارد نيكسون، در صحنه (في الميدان): 434.

([36]) Detterence.

([37]) كلية الإعلاميات، النظام الجديد: 57، 61، 168.

([38]) ريشارد نيكسون، فرصت أز دست ندهيد (لا تضع الفرصة تفلت منك): 285 ـ 286.

([39]) اطلاعات، 23/11/1372هـ.ش.

([40]) اطلاعات، 26/4/1372هـ.ش.

([41]) همشهري، 20/5/1372هـ.ش.

([42]) همشهري، 6/6/1372هـ.ش.

([43]) كيهان، 15/1/1368هـ.ش.

([44]) جرائي، 4/9/1374هـ.ش.

([45]) منوشهر محمدي، «نظم نوين جهاني»، کلية الحقوق والعلوم السياسية، العدد 28.

([46]) علي أصغر قائمي، «العلاقات بين الدول بين النظرية والتطبيق»: 83، طهران، 1372هـ.ش.

([47]) بهداد، «نقش جوان در راهبرد گفتگو تمدّنها»، جريدة کيهان، 17/8/1377هـ.ش.

([48]) أولفين توفلر، «التحوّلات في القوى»، جام، العدد 2.

([49]) أولفين توفلر، «صراع أمواج التاريخ أو صراع الحضارات»: مقدّمة المترجم، ترجمه إلى الفارسية: مهدي بشارت، اطّلاعات سياسي  ـ  اقتصادي، العددان 75 ـ 76 (آذر ودي 1372هـ.ش).

([50]) المصدر نفسه.

([51]) توفلر، الموجة الثالثة: 494 ـ 495، 523، 610  ـ 611.

([52]) المصدر نفسه.

([53]) توفلر، الموجة الثالثة: 5 ـ 602.

([54]) محمد جواد لاريجاني، نظام ترتيب اللعبة، طهران، اطلاعات، 1371هـ.ش.

([55]) محمد جواد لاريجاني، «نظرية اندراج العالم ومسألة دور الحكومات» جام، العدد 5.

([56]) محمد جواد لاريجاني، دروس في السياسة الخارجية: 198 ـ 203، طهران، مشكاة، 1377هـ.ش.

([57]) المصدر السابق: 219، 282، 322.

([58]) trandformation period

([59]) منوشهر محمدي، «نظم نوين جهاني»، کلية الحقوق والعلوم السياسية، العدد 28.

([60]) عبد الوهاب الكيالي، موسوعة السياسة 1: 797، بيروت، المؤسسة العربية، 1990م.

([61]) مجتبى علي بابايي، موازنه قوا بين الملل (توازن القوى في العلاقات الدولية): 162  ـ 164، طهران، همراه، 1370.

([62]) ريشارد نيكسون، در صحنه (في الميدان): 196 ـ 199، 213.

([63]) منوشهر محمدي، «نظم نوين جهاني»، کلية الحقوق والعلوم السياسية، العدد 28.

([64]) المصدر نفسه.

([65]) محمد حسين ميرزا آقايي، «ماهيت نظم نوين بين المللي» (طبيعة النظام الدولي الجديد)، العلاقات الدولية، العددان 1 ـ 2.

([66]) انظر: عزت الله سحابي، «نظم نوين جهاني»، کتاب التوسع، العدد 5.

([67]) انظر: لاريجاني، دروس في السياسة الخارجية.

الكاتب د. السيد صادق حقيقت

د. السيد صادق حقيقت

مواضيع متعلقة

اترك رداً

downloadfilmterbaru.xyz bigoporn.club bok3p.site sablonpontianak.com