تأريخ القرآن الكريم من وجهة نظر الشيخ معرفت

ـ القسم الثاني ـ

د. جعفر نكونام(*)

ترجمة: حسن مطر

فترة الوحي

الثابت على نحو القطع واليقين أن الوحي لم يكن متصلاً في جميع أيام الثلاثة والعشرين سنة لنزول القرآن بواسطة جبرائيل× على رسول الله‘، بل كان الاتصال بينهما يحصل من حينٍ لآخر بنزول الوحي على النبي الأكرم. وعلى هذا الأساس تكون فترات انقطاع الوحي القصيرة التي تتخلَّل نزول الوحي من حينٍ لآخر أمراً طبيعياً. والحدُّ الأقصى الذي ذكرته الروايات لبعض فترات انقطاع الوحي يُقدَّر بأربعين يوماً. وهي الفترة التي تذكرها الروايات قبل نزول سورة الضحى، والمدَّثر، والكهف، أو بين آيات سورة مريم([1]).

إلاّ أن الأستاذ معرفت لم يأخذ بنظر الاعتبار سوى فترة الوحي المذكورة بالنسبة إلى سورة المدَّثر، وذهب إلى القول بحدوث فترة استمرَّتْ ثلاث سنوات قبل سورة الحمد. حيث توصّل إلى هذا الرأي من خلال الجمع بين عدّة طوائف من الروايات، نأتي على ذكرها كما يلي:

الطائفة الأولى: الروايات التي تتحدّث عن السنوات الثلاثة من الدعوة السرية للنبي الأكرم‘ في بداية البعثة. فقد ذكر الأستاذ معرفت، نقلاً عن اليعقوبي، أن رسول الله‘ قد أخفى نبوّته ثلاث سنوات([2]). ونقل عن محمد بن إسحاق أن قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (الحجر: 94) قد نزل بعد ثلاث سنوات، حيث أمره الله تعالى بالجهر بدعوته، وتعميمها على الجميع([3]). وروى عن الإمام الصادق× أن النبيّ قد أخفى دعوته في بداية الأمر مدّة ثلاث سنوات، فلم يظهر أمره خلال تلك الفترة، حتّى أمره الله سبحانه وتعالى بأن يصدع بأمره، ويعلن دعوته على الملأ، فكان أن جهر بالدعوة عند ذلك([4]).

بَيْدَ أن الشيخ معرفت لم يبيِّن كيفية دلالة هذه الروايات على فترة الوحي.

الطائفة الثانية: الروايات التي حدَّدت مدّة نزول القرآن الكريم بعشرين سنة([5]). قال الشيخ معرفت بعد نقله روايات الطائفة الأولى: «وهذه الروايات، إذا لاحظناها مع رواياتٍ قائلة: إن فترة نزول القرآن على النبي‘ استغرقت عشرين عاماً، تعطينا أن مبدأ نزول القرآن كان متأخِّراً عن البعثة بثلاث سنوات»([6]).

ولكننا من خلال ضمّ هذه الروايات إلى الروايات والأدلة الأخرى التي تثبت نزول القرآن من السنة الأولى للبعثة، ندرك أن هذه الروايات إنما تبيِّن مدة نزول القرآن بعشرين سنة على نحوٍ تقريبي ونسبي، لا على نحو دقّي.

الطائفة الثالثة: الروايات التي تتحدَّث عن عمر النبي الأكرم عند نزول الوحي القرآني عليه. فبعد أن نقل الشيخ معرفت رواية سعيد بن المسيَّب القائلة بأن النبي الأكرم‘ قد نزل عليه القرآن وهو في السنة الثالثة والأربعين من عمره الشريف([7]) قال: لا شَكَّ في أنه‘ قد بُعث في سنّ الأربعين، وعليه نستنتج من هذه الرواية أن السنوات الثلاثة الأولى من النبوة كانت خاليةً من الوحي القرآني([8]).

ولكنْ علينا أن ندرك أن سنّ الثالثة والأربعين لرسول الله‘ حُدِّد كبداية لنزول القرآن الكريم وبداية البعثة النبوية أيضاً، كما رُوي ذلك عن عائشة أيضاً([9]). وهناك ما يُشبه هذا الاختلاف بشأن تحديد عمر رسول الله‘ عند رحيله عن هذه الدنيا([10]). وعليه لا يمكن إبداء رأي من خلال الاعتماد عليها.

الطائفة الرابعة: رواية الشعبي التي جاء فيها: أنزلت عليه النبوة وهو ابن أربعين سنة، وكان معه إسرافيل ثلاث سنين، ثم عزل عنه إسرافيل، وأقرن به جبريل عشر سنين بمكة، وعشر سنين مهاجره بالمدينة، فقبض رسول اللهﷺ وهو ابن ثلاث وستين سنة([11]).

ولكنْ يجب أن نعلم بأن هناك في هذا الشأن رواية أخرى أيضاً تعارضها؛ إذ روى القمّي في تفسيره: إن النبي‘ لما أتى له سبع وثلاثون سنة، كان يرى في منامه كأنّ آتياً يأتيه، فيقول: يا رسول الله! ومضت عليه برهةٌ من الزمان وهو على ذلك يكتمه، وإذا هو في بعض الأيام يرعى غنماً لأبي طالب في شعب الجبال، إذ رأى شخصاً يقول له: يا رسول الله! فقال له: مَنْ أنت؟ قال: أنا جبرئيل، أرسلني الله إليك ليتَّخذك رسولاً، فجعل يعلِّمه الوضوء والصلاة. وذلك عندما تمّ له أربعون سنة. فدخل عليه عليٌّ× وهو يصلّي، قال: يا أبا القاسم، ما هذا؟ قال: هذه الصلاة التي أمرني الله بها، فجعل يصلّي معه، وكانت خديجة ثالثهما([12]). من هنا يبدو أن هذه المرحلة، التي يُعبّر عنها بمرحلة إرهاصات النبوّة، قد بدأت عندما كان للنبيّ الأكرم‘ 37 سنة، وأن البعثة قد تحقَّقت وهو‘ في سنّ الأربعين.

وعلى أيّ حال يبدو أن ما اصطلح عليه بـ «فترة الوحي» لا يزيد على موردٍ واحد. وأما نقل قضية فترة الوحي في ذيل عددٍ من السور المتقدِّمة فينشأ عن أن الصحابة والتابعين إنما قاموا بذلك بحَسَب ما أملَتْه عليه أذواقهم واجتهاداتهم في تطبيق حادثة الفترة ـ التي تعود إلى عصر النزول ـ على الآيات والسور القرآنية، دون أن تكون هي السبب الواقعي لنزول تلك الآيات والسور.

ولا بُدَّ من الالتفات إلى عدم وجود رواية في تعدُّد فترة الوحي، بل إن كل واحدة من روايات الفترة إنما تتحدَّث عن حدوث أصل الفترة في الوحي.

كما أن ظاهر الآيات في أيّ سورة من سور القرآن ـ باستثناء سورة الكهف([13]) ـ لا يحمل دلالةً واضحة على فترة الوحي.

كما أن الأحداث التي ذكرت في الروايات ـ على فرض صحتها ـ بوصفها ذات صلة بفترة الوحي ـ إذا استثنينا الحدث المتعلِّق بسورة الكهف ـ لا تحمل صفة التعميم الذي يمكنه أن يلفت اهتمام المشركين.

من هنا يقوى احتمال أن لا تكون حقيقة فترة الوحي سوى تأخُّر النبي الأكرم‘ في الجواب عن أسئلة المشركين.

لقد كان أصل الحادثة هو أن مشركي مكّة، بإرشادٍ وتوجيه من يهود المدينة، سألوا النبيّ الأكرم‘ عن قصة أصحاب الكهف، وموسى والخضر، ويأجوج ومأجوج، فوعدهم النبي الأكرم‘ بأن يجيبهم في اليوم التالي، قائلاً على ما حكاه القرآن: ﴿إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً﴾ (الكهف: 23). بَيْدَ أن الإجابة تأخَّرت أربعين يوماً؛ بسبب فترة الوحي وانقطاعه عنه. ولذلك أحدثت هذه الظاهرة ضجّةً، وانعكس صداها عبر التاريخ، وإلاّ فبطبيعة الحال يجب أن تكون أمثال هذه الفترة قد حدثت في وحي القرآن أحياناً، ولكنّها حيث لم تُثِرْ اهتمام المشركين لم تحدث تلك الضجة، ولذلك لم تسجَّل في التاريخ.

إن دراسة عابرة للسور النازلة على طول مرحلة رسالة النبي الأكرم‘ كفيلة بتوضيح هذه الحقيقة. وإن ما يقرب من أكثر السور المكّية البالغ عددها 86 سورة قد نزلت ـ بشهادة وحدة السياق ـ دفعةً واحدة، ومع افتراض أن أربع سور منها قد اكتملت بعد نزولها على دفعتين، يبلغ عدد الوحي القرآني النازل في الحقبة المكّية 90 وحياً. وبتقسيم هذه السور على ثلاث عشرة سنة (سنوات الحقبة المكّية)، يكون معدل نزول السور سبعة في كلّ سنة، وسورة واحدة في كلّ شهرين تقريباً. وعليه يكون معدل فترات الوحي في الحقبة المكّية شهرين، وعلى هذا الأساس لا تكون ذات الفترة وانقطاع الوحي لأربعين يوماً أمراً مستغرباً.

طبقاً لإشارة الآيتين 33 ـ 34 من سورة الفرقان كان نزول الوحي تابعاً للمقتضيات والأحداث والمسائل الاجتماعية لسكّان شبه الجزيرة العربية في عصر رسول الله، ولذلك لا يمكن أن يكون تحديد معدَّل الفصل بين السور بشهرين مقبولاً؛ إذ إنه طبقاً لهاتين الآيتين كان الوحي ينزل كلما اقتضَتْ الحاجة إليه، وعليه يحتمل أن تكون الفترات التي شهدت الكثير من الأحداث الجليلة والعظيمة قد احتوَتْ على فواصل أقصر بين وحيٍ ووحي، وقد تقتصر على شهرٍ أو أقلّ، وإن الفترات التي شهدت هدوءاً نسبياً كانت الفواصل بين وحيٍ ووحي تستغرق وقتاً أطول، حتى قد تصل إلى عدّة أشهر أو أكثر. وقد يمكن من خلال مقارنة قوله تعالى: ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ (الفرقان: 5) النازل في سورة الفرقان ـ وهي مكّية ـ بقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلاَ نُزِّلَتْ سُورَةٌ﴾ (محمد: 20) الواردة في سورة محمد‘ ـ وهي مدنية ـ التوصُّل إلى نتيجة مفادها أن الفواصل الزمنية للوحي المكّي أقصر من الفواصل الزمنية للوحي المدني. وإن تقسيم سور الحقبة المكّية على ثلاث عشرة سنة، وتقسيم السور المدنية على عشر سنوات، مع افتراض دفعية نزول أكثر السور، يتمّ تأييد كون الفواصل بين السور المدنية أكبر من الفواصل بين السور المكية. وعليه يجب القول: إن معدل الفواصل بين السور في الحقبة المكية يقدَّر بشهرين تقريباً، وأما معدل الفواصل بين السور في الحقبة المدنية فيقدَّر بأربعة أشهر تقريباً.

إن ما تقدم يقوم على فرضية عدم تجاوز عدد السور القرآنية أربعة عشر ومئة سورة، وإلاّ فإن الفواصل الزمنية بين السور ستغدو أقصر بطبيعة الحال. غاية ما هنالك أنه على الرغم من أن بعض الروايات تقدِّر كمية الوحي النازل بخمس آيات في الحدّ الأقصى([14])، إلاّ أن هذا لا ينسجم مع الروايات التي تقول بنزول سور طوال، من قبيل: سورة الأنعام البالغة 165 آية، وسورة المائدة البالغة 120 آية، دفعةً واحدة([15]). ولا توافق وحدة سياق واتصال الآيات في أغلب السور. والثابت أن أقلّ الوحي قد نزل بثلاث آيات، كما في سورة الكوثر، وقد يصل في الكثرة إلى 165 آية، كما في سورة الأنعام.

 

وضع الآيات وإدراجها في السور

إن من الأمور التي تستحق البحث السؤال القائل: هل هناك آياتٌ وضعت في سور لا تنتمي لها، كما حصل ذلك بالنسبة إلى ذات السور، حيث وضعت في غير ترتيب نزولها؟

ذهب المشهور من علماء الإسلام إلى ذلك. ومن هؤلاء: جلال الدين السيوطي([16])، ومحمد عبد العظيم الزرقاني([17])؛ استناداً إلى رواية ابن عباس على هامش قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ﴾ (البقرة: 281)، ورواية عثمان بن أبي العاص على هامش قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ (النحل: 90)، ورواية عثمان بن عفان بشأن القرينتين (الأنفال والتوبة)([18])، حيث ذهبوا إلى القول بأن النبيّ الأكرم‘ قد وضع آيات على خلاف نزولها بأمرٍ من جبرائيل. كما يُستشهد لذلك ـ بالإضافة إلى هذه الروايات الثلاثة ـ بروايات أسباب النزول التي تنسب آيات من السور إلى تواريخ مختلفة.

بَيْدَ أن هذه الروايات تتعارض مع روايات أخرى، من قبيل: الروايات التي تقول بأن النبي الأكرم‘ قد أمر الإمام عليّ× بأن يؤلّف القرآن الكريم على ترتيب نزوله. وعليه من الواضح أنه قد ألَّف القرآن على ترتيب نزوله بأمرٍ من النبي الأكرم‘، وعليه لا يعقل أن يأمر جبرائيل× النبي الأكرم أن يؤلِّف القرآن على خلاف ترتيب نزوله، وفي الوقت نفسه يعمد النبي إلى توجيه الإمام عليّ× بتأليف القرآن على ترتيب نزوله. وهكذا هناك رواياتٌ تقول بأن رسول الله‘ والصحابة لم يكونوا يعلمون ببداية السور ونهايتها إلاّ بعد نزول سورة جديدة بـ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، حيث يعلم بذلك نهاية السورة السابقة وبداية السورة اللاحقة. وعلى هذا لا معنى بعد اكتمال سورةٍ أن نقول بأن النبيّ يأمر بعد ذلك، أو يقوم هو نفسه، بإضافة آياتٍ لها. وهذا هو الذي ذهب إليه العلاّمة الطباطبائي؛ استناداً إلى روايات البسملة، والعلاّمة جعفر مرتضى العاملي؛ استناداً إلى روايات ترتيب مصحف الإمام عليّ×([19]).

وقد ذكر الشيخ معرفت هاتين المجموعتين من الروايات المتعارضة، وسعى إلى الجمع بينهما بالقول: إن أكثر السور قد تمّ ترتيبها على ترتيب النزول، إلاّ أن رسول الله في الوقت نفسه كان يقوم في أحيان نادرة؛ بلحاظ بعض المناسبات، بوضع بعض الآيات ضمن آيات تناسبها، على خلاف ترتيب نزولها. وقد تبدأ سورةٌ قبل اكتمال سورةٍ قبلها، ثم يتمّ إكمال السورة السابقة بعد اكتمال اللاحقة، وهنا يكون تحديد مواضع الآيات إلى كل واحدة من السورتين بتوجيهٍ وإرشاد من رسول الله‘. كما حصل ذلك بالنسبة إلى سورة البقرة، حيث كان نزولها في بداية الهجرة إلى المدينة المنوَّرة، واستمر نزول آياتها لستّ سنوات؛ لأن بعض آياتها قد نزلت في أزمنة متأخِّرة. ومن ذلك: آيات الصفا والمروة([20])، التي يجب أن تكون قد نزلت بعد صلح الحديبية وعمرة القضاء، أي في السنة السادسة للهجرة تحديداً، فربما يكون النبي الأكرم قد أمر بوضع هذه الآية في هذا الموضع من سورة البقرة([21]).

وقد عدَّد الشيخ معرفت آياتٍ أخرى مثلها. ثم نبَّه قائلاً: يجب أن لا نغفل عن أن أصل السياق في الآيات بحسب الترتيب الطبيعي للنزول قد تمَّتْ المحافظة عليه، إلاّ ما ثبت خلافه بالدليل، وهو لم يثبت إلاّ فيما ندر، وذلك ـ كما تقدّم ـ إنما يكون بتوجيه وإشراف من النبي الأكرم‘ نفسه. من هنا لا بُدَّ من ملاحظة المناسبة التي تدعو إلى ذلك([22]).

يبدو أن هذا الجمع الذي توصَّل إليه الشيخ معرفت ينطوي على بعض الإشكالات:

فأوّلاً: إن روايات أسباب النزول، التي هي ملاك تعيين موضع الآيات والسور على خلاف نزولها، هي بالنسبة إلى الكثير من المختصين في الشأن القرآني ـ ومنهم: الشيخ معرفت نفسه ـ فاقدةٌ للاعتبار، فهي بشكلٍ رئيس تعاني من مخالفتها لسياق ذات الآيات التي أقحمت ضمنها([23])، ومنها: قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ﴾ (البقرة: 281)؛ لأنها تبدأ بواو العطف، الأمر الذي يحكي عن اتّصالها بآيات قبلها، وعليه لا يمكن أن يكون لها نزولٌ مستقلّ. ومن الجدير قوله: إن العلامة الطباطبائي يعدّ محتوى روايات أسباب النزول قصصاً صاغها الصحابة والتابعون وطبَّقوها على آيات القرآن، دون أن تكون بالضرورة سبباً لنزول تلك الآيات([24]). من هنا نلاحظ أن سماحته قد عمد في تفسيره إلى حمل محتوى أغلب هذه الروايات على ذكر المصداق أو الجَرْي والتطبيق([25]). ويجب عدّ آية الصفا والمروة من هذا القبيل أيضاً؛ وذلك لأن السعي بين الصفا والمروة من قبل المسلمين لا يقتصر على السنة السادسة للهجرة، فقد كان رسول الله‘ والمسلمون يؤدّون مناسك الحجّ عندما كانوا في مكّة المكرمة، وكانوا يسعون بين الصفا والمروة، وعليه يمكن للسؤال بشأن السعي بين هذين الجبلين أن يكون قد صدر في الحقبة المكّية أيضاً.

ومضافاً إلى ذلك فإن الشيخ معرفت والكثير من المحقِّقين في الشأن القرآني لا يحصرون عموم وإطلاق الآيات بالمورد المذكور في روايات أسباب النزول، إلاّ إذا ذكرت الآيات الخصوصية الخاصّة بذلك المورد. وعليه يجب القول: إن سورة البقرة قد نزلت خلال السنة الأولى والثانية من الهجرة، وليس هناك ما يمنع من نزول آية السعي بين الصفا والمروة في تلك الفترة، ولذلك لا تكون فيها آية تنتمي إلى السنوات اللاحقة، وإنه ليست هناك أيّ آية قد تمّ وضعها في هذه السورة لاحقاً.

ومن ناحيةٍ أخرى لا يمكن تصوُّر غرض معقول للوضع على خلاف النزول. ففي الجواب المحتمل عن السؤال القائل: ما هو الدافع الذي دعا رسول الله‘ إلى وضع الآيات في سور على خلاف نزولها؟ يمكن أن يتبادر إلى الذهن أن الدافع هو ضمّ الآيات ذات الموضوع الواحد إلى بعضها. بَيْدَ أن هذا الاحتمال مرفوضٌ؛ إذ بناءً على هذا الاحتمال يجب أن لا يكون هناك موضوعٌ واحد مذكور في سور متعدِّدة، كما يجب أن لا تشتمل السورة الواحدة على موضوعات متعدِّدة، في حين أننا لا نقف على شيء من ذلك في السور القرآنية، حيث نرى وجود موضوعٍ واحد في سور متعدّدة، كما يمكن أن نشاهد في سورةٍ واحدة أكثر من موضوعٍ واحد، وقد فشلت محاولات أولئك الذين راموا تحديد موضوع واحد لكل سورة من السور القرآنية، حيث لم يقدِّموا لذلك سوى أموراً ذوقية متكلَّفة.

وعليه من الأفضل القول: إن الآيات موضوعةٌ في السور على ترتيب نزولها. وعليه يكفي لتحديد زمن نزول آية في سورة تدريجية النزول أن نحدِّد الفترة الزمنية التي نزلت فيها تلك السورة؛ إذ من خلال ذلك يمكن لنا أن ندرك أن الوحي السابق قد نزل قبلها أو بالتزامن معها، والوحي التالي لها قد نزل بعدها أو بالتزامن معها.

 

مضامين وأساليب القرآن الكريم

هناك الكثير من المعايير القرآنية الناجعة في تحديد تأريخ القرآن الكريم، ومنها: التصريحات والإشارات القوية في الآيات القرآنية إلى الأحداث الواقعة في عصر رسالة النبي الأكرم‘.

إن هذه المعايير، من خلال ضمّها إلى روايات السيرة النبوية التي تحدِّد تواريخ تلك الأحداث، تضع بأيدينا أفضل وأدقّ المعلومات المتعلقة بتأريخ القرآن.

إلاّ أن المشكلة الرئيسة في هذا الشأن تكمن في قلّة وندرة هذه الآيات؛ فإن مجموع الأحداث التاريخية التي ورد ذكرها في القرآن تصريحاً، أو تلويحاً قريباً من التصريح، لا يتجاوز الخمسين حادثة تقريباً، ومن أهمّها ما يلي: البعثة (السنة الأولى من البعثة)، ولادة السيدة فاطمة الزهراء (السنة الثانية من البعثة)، الجهر بالدعوة (السنة الثالثة من البعثة)، الهجرة إلى الحبشة (السنة الخامسة من البعثة)، اندحار جيش الروم أمام الفرس (السنة الثانية عشرة من البعثة)، الهجرة إلى مكة (السنة الثالثة عشرة من البعثة)، تغيير القبلة (السنة الثانية من الهجرة)، غزوة بدر (السنة الثانية من الهجرة)، غزوة أحد (السنة الثالثة من الهجرة)، غزوة بني النضير (السنة الرابعة من الهجرة)، غزوة الخندق (السنة الخامسة من الهجرة)، غزوة بني قريظة (السنة الخامسة من الهجرة)، صلح الحديبية (السنة السادسة من الهجرة)، فتح مكّة (السنة الثامنة من الهجرة)، غزوة حنين (السنة الثامنة من الهجرة)، غزوة تبوك (السنة التاسعة من الهجرة)، البراءة من المشركين (السنة التاسعة من الهجرة).

أما المعيار القرآني الآخر الذي يمكن توظيفه في تأريخ القرآن فهو الاستقلال اللفظي والمضموني لآيات السورة الواحدة، واستيعابية مضمون تلك الآيات. ويمكن توظيف هذا المعيار في حالتين؛ لغرض التعرُّف على السور النازلة بالتدريج.

الحالة الأولى: أن تكون تلك الآيات وما قبلها أو بعدها مشتملة على حادثة تأريخية، وأن تكون تلك الحادثة في كلّ واحدة من تلك الآيات متباعدة الوقوع بالنسبة إلى بعضها من الناحية الزمنية. فعلى سبيل المثال: إن الآيات 185 ـ 188 من سورة البقرة تتحدَّث عن الصيام في شهر رمضان، ثم تحدّثت الآيات 189 ـ 207 عن الحجّ، وهو مرتبطٌ بشهر ذي الحجّة. وبالالتفات إلى أن هاتين الفقرتين من الآيات في سورة البقرة تتحدَّثان عن حادثتين متباعدتين في الوقوع يجب اعتبار هاتين الفقرتين من آيات هذه السورة، والمشتملتين على الدلالتين المتقدِّم ذكرهما، نزولين مستقلّين، واعتبار ذلك شاهداً على تدريجية نزول سورة البقرة. ومن الجدير بالذكر أن هاتين الفقرتين من آيات سورة البقرة تقعان بعد فقرة الآيات التي تتحدَّث عن تغيير القبلة التي حدثت في شهر شعبان من السنة الثانية للهجرة([26]). وعليه يجب القول: إن فقرة آيات الصيام قد نزلت في شهر رمضان، وفقرة آيات الحجّ قد نزلت في شهر ذي القعدة أو ذي الحجّة من تلك السنة.

الحالة الثانية التي يمكن فيها الاستفادة من هذه المعايير القرآنية في تمييز السور تدريجية النزول: أن تكون آيات فقرتين من سورة واحدة متناظرتين من الناحية الزمانية.

فعلى سبيل المثال: هناك في الجزء الأخير من سورة التوبة، والذي يتحدَّث عن غزوة تبوك، جاء الخطاب في فقرة منها للمسلمين في المدينة، إذ يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿انفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (التوبة: 41)، ثم تتحدَّث الآيات اللاحقة في فقرةٍ أخرى من ذات السورة عن قبول توبة الأشخاص الثلاثة الذين تخلَّفوا عن غزوة تبوك([27]). إن مثل هذه الدلالة في كلّ سورةٍ من سور القرآن تتحدَّث فيها فقرةٌ من الآيات عمّا قبل وقوع حادثة ما، وتتحدَّث فيها فقرةٌ أخرى من الآيات عمّا بعد وقوع تلك الحادثة، يكون بينهما تناظرٌ زماني، ويكون هذا شاهداً على تدريجية نزول تلك السورة.

ومن الواضح أن بالإمكان توظيف هذا المعيار لمعرفة ترتيب نزول سور القرآن أيضاً. وذلك من جهة وجود تناظر زماني في الآيات متَّحدة الموضوع. وعلى هذا الأساس يمكن من خلال جمع الآيات متَّحدة الموضوع في السور المختلفة، وملاحظة طريقة النظرة الزمنية لكلٍّ منها إلى الأخرى، معرفة المتقدِّم والمتأخِّر منها على نحوٍ تحقيقي أو تقريبي.

فعلى سبيل المثال: إن المقارنة بين آيات سورة البقرة التي تتعلَّق بالنهي عن الخمر وبين مثيلاتها في سورة النساء والمائدة تشير بوضوحٍ إلى ترتيب نزولها. توضيح ذلك: أن لحن آيات سورة البقرة يسوده الهدوء والمرونة؛ إذ يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ (البقرة: 219)، حيث لم يتمّ النهي في هذه الآية عن الخمر والميسر صراحةً. وأما الآيات في سورة النساء فقد نهَتْ بشكلٍ صريح عن الدخول في المساجد والصلاة حالة السكر؛ إذ يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (النساء: 43)، الأمر الذي يعكس شدّة اللحن في هذه الآية بالمقارنة إلى الآية السابقة. وأما في سورة المائدة فنجد شدة اللحن قد بلغت المستوى الأقصى في النهي عن الخمر؛ إذ يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ﴾ (المائدة: 90 ـ 91). وهكذا يتَّضح أن سورة البقرة قد نزلت قبل سورة النساء، وأن سورة النساء بدورها قد نزلت قبل سورة المائدة.

إن هذه المعايير المتقدِّمة تشتمل على الاعتبار والعلمية اللازمة. وأما المعايير الأخرى، من قبيل: الطول، والقصر، والسجع، والأسلوب، والاشتمال على بعض الكلمات، من قبيل: «كلاّ»، أو نوع الخطابات، من قبيل: «يا أيها الناس»، و«يا أيها الذين آمنوا»، ونوع المضامين، من قبيل: أوصاف الجنّة والنار، وقصص الأنبياء، والآيات الإلهية في الطبيعة، وغير ذلك من الأمور المطروحة ـ حتّى بين المتقدِّمين ـ للتمييز بين السور المكّية والمدنية، فلا اعتبار ولا علمية لها في حدِّ ذاتها؛ إذ لو لم يتم تحديد تأريخ نزول الآيات والسور من طرق أخرى، مثل: التصريح والإشارة إلى الوقائع والأحداث التاريخية، أو روايات أسباب النزول، وترتيب النزول، لما أمكن لهذه المعايير في حدّ ذاتها وبشكلٍ مستقلّ أن تدلّ على تاريخ النزول أبداً.

ثم إن هذه المعايير لم تثبت على إطلاقها؛ حيث لا تشمل جميع الموارد. وهذا ما التفت له علماء الإسلام، حتّى المتقدمين منهم. فعلى سبيل المثال: قال الزركشي: «وهذا القول إنْ أخذ على إطلاقه ففيه نظرٌ؛ فإن سورة البقرة مدنية، وفيها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ (البقرة: 21)»([28])، ثم استطرد في ذلك قائلاً: «ويقع السؤال أنه هل نص النبيّﷺ على بيان ذلك؟ قال القاضي أبو بكر في الانتصار: إنما هذا يرجع لحفظ الصحابة وتابعيهم.. غير أنه لم يكن من النبيّﷺ في ذلك قولٌ»([29]). وقد عمد الشيخ معرفت من خلال نقل كلمات هؤلاء العلماء إلى إبداء موافقته لهم في هذه الآراء([30]).

 

روايات أسباب النزول

المصدر الآخر الذي يتمّ توظيفه للوصول إلى تأريخ القرآن الكريم هو روايات أسباب النزول. وقد ذهب الشيخ معرفت إلى تعريف سبب النزول بأنه عبارة عن مشكلة نزلت الآية لحلِّها، أعمّ من أن تكون هذه المشكلة حادثة مبهمة، أو سؤالاً يحتاج إلى جوابٍ، أو واقعة يتعذَّر فهمها. وبعبارةٍ أخرى: إن سبب النزول عبارة عن الأمر الذي أوجب نزول الآية([31]).

لا شَكَّ في أن الأمر الذي يمكنه أن يكون سبباً لنزول الآية يجب أن يكون مقارناً لنزول الآية. ومن هنا فقد عمد الشيخ معرفت إلى التفريق بين سبب النزول وشأن النزول، حيث قال: إن سبب النزول هو الأمر الواقع في وقت النزول، وأما شأن النزول فهو أعمّ منه، ولذلك فإنه يشمل الأمر الذي يعود إلى الأزمنة الماضية. فهو يرى أن «شأن النزول» هو المشكلة التي نزلت الآية لحلّها، أو بيان توضيحها، أو الاعتبار بها، أعمّ من أن تكون تلك المشكلة قد حدثت في وقت النزول أو في غيره، كما هو الحال بالنسبة إلى أحداث وقصص الأمم السابقة وسيرة الأنبياء وأخبارهم([32]).

ويبدو أنه لا بُدَّ من القول بأن سبب النزول هو الأعمّ من الأحداث الخاصة والمرحلية، وأنه يشمل حتّى المقتضيات والشرائط العامة التي أدَّتْ إلى نزول آيات القرآن. وفي الحقيقة فإن كل أمرٍ أوجب نزول القرآن الكريم لا دفعةً واحدة، بل بالتدريج عبر 23 سنة من عمر الرسالة، هو سبب نزول، سواء أكان حادثة خاصة ومرحلية أم كان من الشرائط العامة والمستمرة التي توفَّرت في مكان وزمان نزول القرآن الكريم.

وعليه يجب عدم البحث عن أسباب نزول الآيات والسور في كتب أسباب النزول فقط؛ إذ إن هذه الكتب إنما تناولت في الغالب الروايات المرتبطة بالأحداث الجزئية والشخصية. فلكي نتعرَّف على أسباب نزول القرآن كفايةً يجب علينا دراسة جميع الروايات الواردة في بيان تقرير شرائط ذلك العصر بجميع أبعاده المذهبية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، وحتّى التاريخية. وعلى هذا الأساس تتمّ دراسة روايات السيرة، وظاهرة المكّي والمدني، والناسخ والمنسوخ، وأسباب النزول، والأهمّ من ذلك كله آيات القرآن نفسها أيضاً.

لا شَكَّ في أن روايات أسباب النزول ليست جميعها معتبرةً وخالية من التدخُّل والتصرُّف، من هنا فإن نقدها وتقييمها يعتبر من أهم الشروط لحسن الإفادة منها.

إن روايات أسباب النزول ـ مضافاً إلى اختلاق بعضها ـ إنما هي في الأساس تحكي بعض القصص التي ترتبط بنحوٍ من الأنحاء بآيات القرآن، وقد عمد المفسِّرون والصحابة والتابعون إلى تطبيقها على آيات القرآن، دون أن تكون أسباباً لنزول آيات القرآن بالضرورة([33]).

قال الشيخ معرفت: «قولهم: (نزلت في كذا) في كلمات الصحابة والتابعين أعمّ من سبب النزول؛ فقد يُراد منها السبب العارض؛ وقد يُراد شأن أمر واقع في الغابر…؛ وأحياناً يراد بيان حكم وتكليف شرعي دائم… قال الزركشي: وقد عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال: نزلت هذه الآية في كذا… فإنه يريد بذلك أن هذه الآية تتضمَّن هذا الحكم، لا أن هذا كان السبب في نزولها… إلاّ أن السيوطي خصّ أسباب النزول بالنوع الأول، ورفض أن يكون بيان قصّة سالفة سبباً لنزول سورة أو آية قرآنية، ومن ثم اعترض على الواحدي ـ في أسباب النزول ـ قوله: نزلت سورة الفيل في قصّة أصحاب إبرهة الذي جاء لهدم الكعبة، في حين أن هذه القصة ليست سبباً لنزول سورة الفيل([34]).

إن مشاكل روايات أسباب النزول تتجلّى بشكلٍ أكبر في موضعين:

الموضع الأول: أن تنقل على هامش آيةٍ ما قصصاً متباعدة الوقوع، من قبيل: قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى﴾ (التوبة: 113)، التي أوردوا في هامشها، من جهةٍ، أنها نزلت بسبب استغفار النبيّ الأكرم‘ لأمّه عند عمرة الحديبية في السنة السابعة للهجرة، أو فتح مكّة في السنة الثامنة للهجرة، أو عند عودته من غزوة تبوك في السنة التاسعة للهجرة، ومن جهةٍ أخرى، قيل: إنها نزلت بسبب استغفاره‘ لأبي طالب في السنة العاشرة من البعثة([35]).

وقد سعى بعض العلماء لتبرير هذا التعارض بين الروايات إلى وضع قاعدة باسم «وحدة النازل وتعدُّد النزول»، حيث تقول هذه القاعدة: إن بعض آيات القرآن ـ نظير هذه الآية مورد البحث ـ قد تكرَّر وتعدَّد نزولها؛ بمعنى أنها نزلت مرّةً في السنة العاشرة من البعثة، ومرّةً في السنة السابعة للهجرة، ومرّةً في السنة الثامنة للهجرة، ومرّةً في السنة التاسعة للهجرة([36]). هذا في حين أن الحقيقة هي أن هذه الروايات إنما هي في الأساس روايات مختلقة، يرى الشيخ معرفت أنها تنبثق من نزعة أموية ممقوتة، عمدت إلى الحطّ من كرامة بني هاشم، وتشويه جانب أقرباء النبيّ‘([37]). ويرى سماحته أن الصحيح في نزول هذه الآية هو ما ذكره أبو عليّ الطبرسي، من أن المسلمين جاؤوا إلى النبي الأكرم‘ يطلبون إليه الاستغفار لموتاهم الذين مضوا على الكفر والنفاق، قالوا: ألا تستغفر لآبائنا الذين ماتوا في الجاهلية، فنزلت الآية([38]).

وأضاف سماحته قائلاً: «وممّا يدلّنا على صحّة هذه الرواية، وبطلان الرواية الأولى، أن الآية الكريمة جاءت بلفظ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا…﴾. فلو صحّت تلك الرواية لما كان هناك سببٌ معقول لإرداف غيره‘ من المؤمنين معه في هذا الإنكار الصارم»([39]). وعليه يكون سبب الآية مورد البحث ونزولها واحداً، ولا تعدُّد فيها.

الموضع الآخر: أن تذكر قصة واحدة في عدّة آيات متباعدات في نزولها، من قبيل: قصّة سؤال أمّ سلمة النبيَّ الأكرم‘ عن سبب عدم تطرُّق القرآن لهجرة النساء، المذكورة على هامش العديد من الآيات، من قبيل: قوله تعالى:

ـ ﴿أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ (آل عمران: 195).

ـ ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ… أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ (الأحزاب: 35).

ومن الواضح هنا أن هذه القصة قد تمّ تطبيقها على هذه الآيات، وإلاّ فإن سياق هذه الآيات أنها عامّة، ولا تختصّ بهجرة النساء، إلاّ أن البعض ـ من أمثال: السيوطي ـ قد عمد إلى تبرير هذا الكلام من خلال اختلاق هذه القاعدة تحت عنوان: «وحدة السبب وتعدُّد النازل»([40]).

 

روايات ترتيب النزول

وحدها الروايات التي يمكن التعويل عليها في تحديد التاريخ التقريبي لنزول سور القرآن الكريم هي روايات ترتيب النزول. إن هذه الروايات على الرغم من صدورها عن أربعة عشر راوياً من الصحابة والتابعين، ولكنْ هناك توافقٌ نسبي واحد في بيان ترتيب السور([41]). وعلى الرغم من وجود بعض الغموض والشكوك في ما يتعلق بترتيب بعض السور القرآنية ـ المذكورة في روايات ترتيب النزول ـ، إلاّ أن كثرة طرق هذه الروايات، وعرضها لترتيب نزول واحد للسور تقريباً، قد أثار اهتماماً جادّاً بها من قبل الباحثين والمختصّين في الشأن القرآني، بحيث ـ كما تقدَّم أن ذكرنا ـ قام بعضُهم بتأليف تفسير القرآن أو سيرة النبي الأكرم‘ على أساس تلك الروايات.

وقد قال الشيخ معرفت بشأن هذه الروايات: «اعتمدنا في هذا العرض على عدّة روايات متفق عليها، وثق بها العلماء أكثريّاً، وعمدتها رواية ابن عبّاس بطرق وأسانيد اعترف بها أئمّة الفنّ»([42]).

يمكن الاستفادة من الترتيب الذي تقدِّمه روايات ترتيب النزول بأحد طريقين في معرفة التاريخ التقريبي لنزول السور.

الطريق الأوّل: جمع عدد الآيات أو السور النازلة طوال مدة ثلاثة وعشرين سنة من عمر رسالة النبي الأكرم‘، وتقسيم حاصل جمعها على مجموع سنوات أو أشهر هذه السنوات الثلاثة والعشرين. ويكون الحد المتوسِّط الحاصل كنتيجة لهذا التقسيم هو المحدَّد للفترة الزمنية التقريبية لنزول كلّ سورة([43]).

الطريق الآخر: الذي يحدِّد الفترة الزمنية الأدقّ لنزول السور، بالقياس إلى الطريق الأوّل، بالنسبة إلى السورة التي تخلو من التصريح أو الإشارة إلى حادثة تاريخية هو الرجوع إلى السور النازلة قبلها أو بعدها ممّا تحتوي على تصريحٍ أو إشارة لحادثة تاريخية، وبالالتفات إلى ذلك يتمّ تحديد التاريخ التقريبي لنزول تلك السورة التي تخلو من الحادثة التاريخية. فعلى سبيل المثال: إن سورة الانشقاق تخلو من أيّ واقعةٍ تاريخية، إلا أن سورة البقرة، التي نزلت بعد الانشقاق بخمس سور، تحتوي على وقائع تاريخية، وهي تُعَدّ أول سورة نزلت في المدينة المنوّرة، ولذلك يمكن الاعتماد عليها في تحديد الفترة الزمنية التقريبية لنزول سورة الانشقاق، ونسبتها إلى أواخر الحقبة المكّية([44]).

يذهب الشيخ معرفت إلى الاعتقاد بأن ترتيب السور المذكور في روايات ترتيب النزول إنما كان على أساس الآيات الأولى من كلّ سورة. وعلى هذا الأساس فإن بيان تسلسل كل سورة لا يعني بالضرورة نزول جميع آيات تلك السورة في تلك المرتبة والفترة الزمنية. فقد تنزل بعض الآيات الأولى من سورةٍ، ثم تنزل سورةٌ أخرى، وبعد ذلك تكتمل آيات السورة السابقة([45]). غاية ما هناك أنه يرى ـ كما تقدَّم أن أسلفنا ـ أن المسار الغالب في وضع الآيات ضمن السور هو المسار الطبيعي لترتيب النزول، بمعنى أنه عندما ينزل سطر بسم الله لا تنزل سورةٌ أخرى إلاّ بعد اكتمال هذه السورة بجميع آياتها([46]).

 

روايات السور المكية والمدنية

لقد عملت روايات ترتيب النزول على الفصل بين السور المكّية والسور المدنية، فقد تمّ تحديد ستٍّ وثمانين سورة ضمن الحقبة المكّية، وستٍّ وعشرين سورة ضمن الحقبة المدنية.

وقد أشار الشيخ معرفت إلى عدم وجود إجماع بين علماء المسلمين من هذه الناحية، ثم أخذ يعدِّد موارد الاختلاف. وبعد مناقشة كلّ واحد منها، عمد إلى تأييد ما ورد في روايات ترتيب النزول. وخلاصة أدلته في هذا الشأن ما يلي:

أوّلاً: إن روايات أسباب النزول المعتمدة من قبل المخالفين ضعيفة([47]).

ثانياً: إن روايات أسباب النزول إنما تذكر المصاديق، في حين أن الآيات ذات صبغة عامّة([48]).

ثالثاً: على فرض مكية أو مدنية آية أو بضع آيات في سورةٍ لا يكون ذلك دليلاً على اعتبار جميع السورة مكية أو مدنية([49]).

رابعاً: إن مجرّد مشابهة آيات من سورة مكية لآيات من سورة مدنية في الأسلوب والنبرة والمضمون لا يشكِّل دليلاً على أنها مكية أو مدنية؛ لأن هذه الخصائص إنما تصحّ في الغالب، ولكنّها لا تصحّ على نحوٍ دائم. نعم، إذا كانت تلك الخصوصية حصرية في السور المكية أو المدنية أمكن الحكم بمكية أو مدنية تلك الآية التي تحتوي على تلك الخصوصية([50]).

خامساً: إن روايات أسباب النزول هي من قبيل: روايات الآحاد، ولا يمكنها أن تقاوم روايات ترتيب النزول المجمع عليها([51]).

سادساً: إن مكّية السورة لا يتنافى مع تجدُّد نزولها في الحقبة المدنية؛ لغرض تذكير النبي الأكرم‘([52]).

وبعد نقل الشيخ معرفت لما ذهب إليه المتقدِّمون، من القول بأن بعض السور المكّية قد تحتوي على آيات مدنية، أو بعض السور المدنية قد تحتوي على آيات مكّية، علَّق سماحته على ذلك، قائلاً: إن هذا الكلام يعتمد في الأكثر على روايات ونقول ضعيفة، وإن القائلين بها إنما قالوا بها عن حَدْس أو اجتهاد في الرأي، من غير أن يستندوا إلى نصٍّ صحيح مأثور. ولذلك فإننا نضرب عن كلّ ما قالوه بهذا الشأن صَفْحاً؛ إذ لا شَكَّ في أن الآيات كانت تسجَّل تباعاً في كلّ سورة بعد نزول بسملتها، وأما أن تبقى آية مكية غير مسجلة في سورة حتّى تنزل سورة بالمدينة، ثم تسجَّل فيها، فهذا أمرٌ غريب خارج عن طريقة الثَّبْت المعروف. كما أن آية مدنية تسجل في سورة مكّية بحاجةٍ إلى نصٍّ صريح خاصّ، وليس بالأمر الذي يتدخَّل فيه الحَدْس أو الاجتهاد النظري([53]).

وقد عمد سماحته في الكثير من الموارد إلى الردّ على الآيات المستثنيات، من خلال الاستدلال بسياق الآية، بمعنى الهيئة التركيبية لمفردات الآية([54]). فقد قالوا ـ على سبيل المثال ـ: إن قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ (النحل: 95) مدنيّ، وناظرٌ إلى رجل اغتصب أرضاً، ثم حلف بالله يميناً أنه لم يغصبها.

فردَّ سماحته على ذلك بالقول: لكنّ القصة لم تثبت، ولهجة الآية عامّة، وسياقها يشهد بانسجامها الوثيق مع آيات قبلها، تهدف تقريعاً عنيفاً بأولئك المشركين المعاندين. وملاحظةٌ عابرة بالآية تجعلنا نطمئن بأنها مرتبطةٌ تمام الارتباط مع الآية 91 من هذه السورة، وهي قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلاَ تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا([55]).

وقالوا أيضاً في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ارْكَعُوا لاَ يَرْكَعُونَ﴾ (المرسلات: 48): إنها نزلت في ثقيف، حين أمرهم رسول الله‘ بالصلاة، فقالوا: لا ننحني، فإن ذلك سُبّةٌ علينا، وثقيف أسلمت بالمدينة.

وردَّ الشيخ معرفت على ذلك، قائلاً: لكنّ وجه الآية وسياقها مع المكذِّبين، وهم مشركو العرب، ولا معنى لأن يكون هذا الموضع من السورة خلواً من هذه الآية إلى أواخر سنيّ الهجرة، ثم تكتمل؛ إذ إن ذلك يخلّ بفصاحة السورة، ويخلخل من نظمها المنسجم([56]).

إن ملاحظة وتتبُّع مباحث الشيخ معرفت في ما يتعلَّق بظاهرة المكي والمدني يُثبت أنه لا يرتضي أيّاً من هذه الآيات المستثنيات، ويرى أن لا وجود لآيةٍ مكّية في سورة مدنية، ولا وجود لآية مدنية في سورة مكّية. غاية ما هنالك أننا في بعض الموارد، من قبيل: قوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ (الإسراء: 26) نحتمل فيها تعدُّد النزول؛ وأنها نزلت مرّةً في مكّة، ومرّةً أخرى في المدينة؛ لتذكير النبي الأكرم‘ ([57]).

إلاّ أن هذا الاحتمال بدَوْره من دون دليلٍ أيضاً، فليس هناك روايةٌ تثبت نزول آية أو سورة لأكثر من مرّةٍ. إن القول بتعدُّد النزول إنما كان محاولةً من بعض المفسِّرين لخلق الانسجام والتناغم بين الروايات المتعارضة في أسباب النزول. ثم إن هذا التبرير ينقص من شأن النبي الأكرم‘؛ لأنها تعني أن النبي لم يكن من النباهة في تنفيذ وتطبيق آيات القرآن الكريم، بحيث يحتاج إلى التذكير في كلّ مورد ومصداق، من خلال تكرار الآيات وإعادتها على مسامعه لأكثر من مرّةٍ!

 

روايات الناسخ والمنسوخ

إن من المصادر الأخرى لتحديد تاريخ القرآن روايات الناسخ والمنسوخ.

والنسخ يعني إبطال حكمٍ سابق وإحلال حكم جديد محلّه.

وإن النسخ في الروايات يحمل مفهوماً مختلفاً عن النسخ في أصول الفقه.

وقد ذهب الشيخ معرفت إلى القول بأن النسخ الأصولي عبارةٌ عن رفع جميع الحكم الشرعي السابق ـ الذي كان يبدو في ظاهره دائمياً ـ، واستبداله بحكمٍ شرعي لاحق، مع ثبات الموضوع.

وقد ذهب إلى عدم اعتبار بعض الموارد من النسخ، وهي:

أوّلاً: رفع حكم تمّ التصريح منذ البداية بكونه مؤقتاً.

وثانياً: رفع جزء من الحكم السابق، والذي يعبَّر عنه بالتخصيص والتقييد.

وثالثاً: رفع الحكم بسبب الحَرَج، أو الاضطرار، أو الضَّرَر الشخصي، أو المصلحة الزمنية.

ورابعاً: رفع الحكم بسبب تبدُّل الموضوع.

وخامساً: نسخ التكوينيات، وهو الذي يُعبَّر عنه بـ «البداء»([58]).

وأما النسخ الروائي فهو من وجهة نظره أعمّ من ذلك، حيث يراه شاملاً لتخصيص العام وتقييد المطلق([59])، وحتّى تبيين المجمل أيضاً([60]).

وقد ذكر سماحته أربع موارد للاختلاف بين النسخ والتخصيص، وهي:

أوّلاً: إن النسخ قطعٌ لاستمرار التشريع السابق بالمرّة، وأما التخصيص فهو قصر الحكم العام على بعض أفراد الموضوع.

وثانياً: يشترط في النسخ العمل بالحكم السابق، وأما في التخصيص فيشترط عدم العمل بالعام.

وثالثاً: في النسخ يحصل اختصاص للحكم ببعض الأزمان، والتخصيص اختصاصه ببعض الأفراد.

ورابعاً: في التخصيص يزول توهُّم عمومية اللفظ العام، وأما في النسخ فيزول توهُّم استمرار الحكم السابق([61]).

وبهذه القيود التي يسوقها الشيخ معرفت في تعريف النسخ الأصولي كان لا بُدَّ له من الذهاب إلى ما ذهب إليه السيد الخوئي تقريباً من القول بعدم وقوع النسخ في القرآن الكريم. وهو ما ذهب إليه بالفعل في أواخر حياته([62])، وخاصّة أن سماحته قد ذهب إلى القول بأن فلسفة النسخ تعني تغيير الحكم السابق؛ بسبب تغيير مصالح وشرائط الأمّة الإسلامية([63])، وأضاف قائلاً: قد تستوجب بعض المصالح والشرائط تقديم تشريعٍ خاصّ بما يتناسب ومجتمع خاصّ، وكلما تغيَّرت تلك الشرائط والمصالح أوجب ذلك ضرورة العودة إلى التشريع السابق([64]). فإذا كان ما تقدَّم هو فلسفة النسخ فما هي الضرورة إلى أن نأخذ قيد (أن يبدو النسخ دائمياً بحَسَب الظاهر) شرطاً في تعريف النسخ؟ وهو ما لم يشترطه العلاّمة الطباطبائي. وكذلك ما هي الضرورة إلى عدم اعتبار رفع بعض الحكم السابق نسخاً، إذا علمنا بالعمل بعموم الحكم العام؟ وكذلك ما هو المبرِّر لعدم اعتبار تغيُّر الحكم بسبب الشرائط الخاصة المستجدّة نسخاً؟

وقد اضطرّ الشيخ معرفت عند مواصلة بحثه في النسخ إلى القول به، والتعبير عنه بـ «النسخ المشروط». وعَدَّ منه التغيير التدريجي للأحكام أيضاً([65]). يرى سماحته أن تشريع الحكم الجديد، حيث يمكن الرجوع عنه بفعل تغيير الشرائط والمقتضيات، سواءٌ في بلدٍ أو زمن آخر، يجب بحكم الحكمة أن يكون الحكم المنسوخ قابلاً للعودة أيضاً؛ لأن الحكم الشرعي تابعٌ لشرائطه ومصالحه الخاصة. وعلى هذا الأساس، وكما كان يجب على المسلمين حال ضعفهم مهادنة الكفّار، يجب عليهم عند عودتهم إلى حالة الضعف العودة إلى مهادنة الكفّار أيضاً([66]).

وقد ذهب سماحته في ذات الشأن إلى القول بنوعٍ آخر من النسخ باسم «النسخ التمهيدي»، والتعبير الأصحّ ـ بطبيعة الحال ـ هو «تمهيد النسخ». ومرادُه من هذا النسخ هو أن الشارع يبادر أحياناً ـ من أجل القضاء على بعض العادات والتقاليد الخاطئة ـ إلى تشريع حكمٍ يبدو منسجماً مع تلك العادة الاجتماعية الخاطئة؛ تمهيداً للقضاء عليها في الوقت المناسب. وعَدَّ سماحته من ذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ (النساء: 34)، وقال في هذا الشأن: في العصر الجاهلي كان ضرب الرجل لامرأته أمراً مألوفاً ومتداولاً، وقد نزلت هذه الآية تمهيداً لنسخه. وقد سمح في هذه الآية بنوعٍ من الضرب الذي يؤدّي بالمرأة إلى الرضوخ للصلاح والطاعة([67]).

وعلى أيّ حال فإننا في ما يتعلَّق بتأريخ القرآن نحتاج إلى نسخٍ يعبّر عن تغيير الحكم السابق بحكمٍ لاحق، سواء أكان هذا التغيير جزئياً، ومن قبيل: التخصيص والتقييد، أو كلِّياً، ومن قبيل: النسخ الأصولي، أو بفعل تغيُّر الشرائط والمقتضيات قابلاً للعودة من جديدٍ، أو تتغيَّر المصالح والمقتضيات بحيث لا يقبل العودة.

إن ملاحظة بحث النسخ عند الشيخ معرفت تثير بعض المسائل في مجال تأريخ آيات القرآن، وفي ما يلي نتناول هذه المسائل.

في بعض الموارد، من قبيل: آية النجوى، وآية عدد المقاتلين، حيث تَرِد الآية الناسخة مباشرة بعد الآية المنسوخة، قال الشيخ معرفت بوقوع النسخ فيها أوّل الأمر، وقال على هامش آية عدد المقاتلين، في جواب مَنْ استبعد أن يأتي الناسخ فيها بعد المنسوخ مباشرة: إن ثبت الآيات في موضعها الراهن لا يعني بالضرورة أن الآية الناسخة قد نزلت بعد الآية المنسوخة مباشرةً؛ إذ يحدث أحياناً أن لا يتمّ ثبت الآيات على ترتيب النزول، وقد يحدث أحياناً أن تكون هناك فترةٌ زمنية ـ قصيرة أو طويلة ـ بين آية وأخرى، ثم يتمّ إلحاقها بها فور نزولها.

ولكنْ في هذه الموارد، التي يقول فيها الشيخ معرفت باحتمال وجود فاصل زمني قصير بين الآية الناسخة والآية المنسوخة، يمكن القول بعدم نزول أيّ آية أخرى خلال هذه الفاصلة القصيرة، ومن هنا يكون ثبت الآيات على ترتيب نزولها.

وبطبيعة الحال إذا كان الشيخ معرفت في ما يتعلَّق بآية عدد المقاتلين قد مال إلى ما ذهب إليه أستاذه السيد الخوئي يجب القول: لا يكون هناك من وجهة نظره نسخٌ في هذا المورد أصلاً؛ لأن هاتين الآيتين قد نزلتا متزامنتين([68])، إلاّ إذا قيل بأن الشيخ معرفت يقول بالنسخ المشروط في هذا المورد. وخاصّة أنه قال في استناده إلى قوله تعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً﴾ (الأنفال: 66): من خلال ذلك التكليف الصعب السابق تمّ تخفيفه بعد اتّضاح ضعف المسلمين في معركة بدر([69]).

بل ذهب الشيخ معرفت أيضاً إلى الادعاء بأن السيد الخوئي لم يكن من القائلين بالنسخ في آية النجوى بالمعنى الشرعي، بل كان يراه نوعاً من النسخ الحكومي، وأن هذا الحكم إنما يتمّ تشريعه في ظروف وأزمنة خاصّة، ولذلك ليس هو بالحكم الشرعي الذي لا يتغيَّر([70]).

وفي ما يتعلَّق بآية إمتاع الزوجة المتوفّى عنها زوجها إلى نهاية الحَوْل([71]) كان الشيخ معرفت يذهب أول الأمر إلى القول بأنها قد نُسخت بالآية التي تحدِّد عدّة المتوفّى عنها زوجها بأربعة أشهر وعشرة أيام([72])، هذا في حين أن الآية الناسخة مثبتة في ترتيب النزول قبل الآية المنسوخة([73]). إلاّ أن سماحته رجع عن هذا الرأي في الآونة الأخيرة، ومال إلى رأي أستاذه السيد الخوئي، القائل بعدم وجود منافاة بين هاتين الآيتين، والقول بأن وجوب عدّة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشراً لا يتنافى مع استحباب بقائها في بيت زوجها والإنفاق عليها إلى الحَوْل، وعليه لا يكون هناك نسخٌ في ما نحن فيه. وكان الرأي الأخير للشيخ معرفت ناظراً إلى تلك النساء اللائي يتزوَّجْنَ في أعمار متقدِّمة، ولا يُنْجِبْنَ أولاداً([74]).

وقد مثَّل الشيخ معرفت للنسخ التدريجي بتشريع القتال، قائلاً: إن قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (الحج: 39) هي أول آية نزلت في تشريع الجهاد والقتال، حيث سُمح فيها للمسلمين بقتال مشركي مكّة([75])، هذا في حين أن هذه السورة قد نزلت ـ طبقاً لروايات ترتيب النزول ـ بعد سورة البقرة، والأنفال، وآل عمران، والأحزاب، والممتحنة، والنساء، والحديد، ومحمد، وهي تشتمل بأجمعها على الأمر بقتال المشركين في مكّة. وعليه لو صحّ القول بأن الإذن بالقتال الوارد في سورة الحجّ هو الأول من نوعه يجب القول بأن هذه السورة هي أول سورة نزلت في المدينة. على فرض صحّة ذلك يجب القول: إن الترتيب الوارد في الروايات غير صحيح. إلاّ إذا قيل: إن الآية مورد البحث قد نزلت قبل سورة الحجّ، ثم أدرجت فيه. ولكنْ سبق للشيخ معرفت أن استبعد هذه الفرضية([76])؛ إذ لا معنى لأن تنزل آية ولا يتمّ تحديد موضعها، ليتم إدراجها بعد ذلك ضمن آيات سورة الحجّ بعدّة سنوات، إلا إذا اعتبرنا قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ في مقام بيان دليل وجوب قتال المشركين، وليس مجرَّد بيان جواز قتالهم؛ إذ لا تشتمل الآية على ما يثبت أن القتال لم يكن مسموحاً به، وقد سمح به في إطار هذه الآية. ويبدو أن هذه الآية تذكر المسلمين بالظلم والجَوْر الذي كان يمارسه مشركو مكّة في حقِّهم، وأنها في الحقيقة تحرِّض المسلمين على قتال المشركين في مكّة؛ لأنهم كانوا يتخوَّفون من قتالهم، ويحاولون التنصُّل من ذلك، كما يُفهم ذلك من الآيات الأخرى أيضاً([77]).

الهوامش

____________________________

(*) أستاذٌ مساعد في جامعة قم.

([1]) انظر: محمد بن جرير الطبري، جامع البيان؛ جلال الدين السيوطي، الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور؛ الفضل بن الحسن الطبرسي، مجمع البيان؛ محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، على هامش تفسير تلك السور.

([2]) انظر: ابن واضح اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي 2: 19. نقلاً عن: محمد هادي معرفت، التمهيد في علوم القرآن 1: 111.

([3]) انظر: ابن هشام، السيرة النبوية 1: 280؛ ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب 1: 40؛ محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار 18: 193. نقلاً عن: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 1: 111.

([4]) انظر: الطوسي، الغيبة: 217؛ محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار 18: 253. نقلاً عن: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 1: 111.

([5]) انظر: محمد بن يعقوب الكليني، الكافي 2: 628؛ محمد بن مسعود العياشي، تفسير العياشي 1: 80؛ الصدوق، الاعتقادات: 101. نقلاً عن: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 1: 111.

([6]) معرفت، التمهيد في علوم القرآن 1: 111.

([7]) انظر: الحاكم النيسابوي، المستدرك على الصحيحين 2: 61. نقلاً عن: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 1: 111.

([8]) انظر: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 1: 111 ـ 112.

([9]) انظر: البلاذري، أنساب الأشراف 1: 115.

([10]) انظر: المصدر نفسه؛ محمد بن جرير الطبري، تاريخ الطبري 1: 527؛ 2: 241.

([11]) انظر: جلال الدين السيوطي، الإتقان في علوم القرآن 1: 45؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى 1: 127؛ تاريخ اليعقوبي 2: 18. نقلاً عن: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 1: 112.

([12]) انظر: المجلسي، بحار الأنوار 18: 184 ـ 194. نقلاً عن: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 1: 101 ـ 102.

([13]) الكهف: 23 ـ 24.

([14]) انظر: البيهقي، شعب الإيمان 2: 331؛ السيوطي، الإتقان في علوم القرآن 1: 95.

([15]) انظر: الحويزي، نور الثقلين 1: 584 و696؛ السيوطي، الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور 1: 82.

([16]) انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن 1: 133.

([17]) انظر: محمد عبد العظيم الزرقاني، مناهل العرفان 1: 347.

([18]) انظر: السجستاني، المصاحف: 39.

([19]) انظر: الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن 12: 128؛ معرفت، التمهيد في علوم القرآن 1: 169 ـ 237؛ جعفر مرتضى العاملي، حقائق هامة: 143 ـ 144.

([20]) انظر: البقرة: 158.

([21]) انظر: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 1: 277.

([22]) انظر: المصدر السابق: 280.

([23]) انظر: نكونام، در آمدي بر تاريخ گذاري قرآن: 96 ـ 102.

([24]) انظر: محمد حسين الطباطبائي، قرآن در إسلام (القرآن في الإسلام): 120.

([25]) انظر على سبيل المثال: الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن 1: 41، 153، 217، 266.

([26]) انظر: السيوطي، الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور 6: 267؛ ابن هشام، السيرة النبوية 2: 391.

([27]) انظر: التوبة: 118.

([28]) بدر الدين الزركشي، البرهان في علوم القرآن 1: 190 ـ 191.

([29]) المصدر نفسه.

([30]) انظر: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 1: 132 ـ 133.

([31]) انظر: المصدر السابق 1: 254.

([32]) انظر: المصدر نفسه.

([33]) انظر: الطباطبائي، قرآن در إسلام (القرآن في الإسلام): 120.

([34]) انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن 1: 31 ـ 32؛ السيوطي، الإتقان في علوم القرآن 1: 120. نقلاً عن: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 1: 254 ـ 255.

([35]) انظر: السيوطي، الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور؛ الطبري، جامع البيان، تفسير الآية.

([36]) انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن 1: 120.

([37]) انظر: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 1: 230.

([38]) انظر: الطبرسي، مجمع البيان 5: 76. نقلاً عن: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 1: 231.

([39]) معرفت، التمهيد في علوم القرآن 1: 231.

([40]) انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن 1: 72 ـ 73.

([41]) انظر: الطبرسي، مجمع البيان، تفسير سورة الإنسان؛ الشهرستاني، مفاتيح الأسرار 1: 128 ـ 258؛ السيوطي، الإتقان في علوم القرآن 1: 18، 51؛ نكونام، درآمدي بر تاريخ گذاري قرآن: 303 ـ 307، الجدول رقم 5.

([42]) انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن 1، 193 ـ 194. نقلاً عن: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 1: 133.

([43]) انظر: نكونام، درآمدي بر تاريخ گذاري قرآن: 308، الجدول رقم 6.

([44]) انظر: المصدر نفسه.

([45]) انظر: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 1: 134.

([46]) انظر: المصدر السابق 1: 170.

([47]) انظر: المصدر السابق 1: 157 ـ 158 (هامش سورة القدر)، 163 ـ 168 (هامش المعوذتين).

([48]) انظر: المصدر السابق 1: 155 ـ 156 (هامش سورتي الأعلى والليل).

([49]) انظر: المصدر السابق 1: 147 (هامش سورة النساء)، 149 (هامش سورة الفرقان)، 156 (هامش سورة الأعلى).

([50]) انظر: المصدر السابق: 148 (هامش سورة الرعد)، 150 (هامش سورة الرحمن)، 154 (هامش سورة الإنسان)، 159 (هامش سورة الزلزلة).

([51]) انظر: المصدر السابق: 149 (هامش سورة التكاثر)، 161 (هامش سورة الماعون)، 162 (هامش سورة الكوثر).

([52]) انظر: المصدر السابق: 163 (هامش سورة التوحيد).

([53]) انظر: المصدر السابق 1: 169 ـ 170.

([54]) انظر: محمد هادي معرفت، التفسير الأثري الجامع 1: 57.

([55]) انظر: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 1: 185.

([56]) انظر: المصدر السابق 1: 222.

([57]) انظر: المصدر السابق 1: 187 ـ 188.

([58]) انظر: المصدر السابق 2: 277 ـ 278، 282 ـ 285.

([59]) انظر: محمد هادي معرفت، (حوار)، مجلة بينات، العدد 44: 65.

([60]) انظر: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 2: 330.

([61]) انظر: المصدر السابق: 281 ـ 282.

([62]) انظر: معرفت، (حوار)، مجلة بينات، العدد 44: 65.

([63]) انظر: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 2: 278 ـ 279.

([64]) انظر: المصدر السابق 2: 298.

([65]) انظر: معرفت، (حوار)، مجلة بينات، العدد 44: 69.

([66]) انظر: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 2: 296 ـ 297.

([67]) انظر: معرفت، (حوار)، مجلة بينات، العدد 44: 72.

([68]) انظر: أبو القاسم الخوئي، البيان في تفسير القرآن: 375 ـ 376.

([69]) انظر: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 2: 304؛ معرفت، التفسير الأثري الجامع 1: 65.

([70]) انظر: معرفت، التفسير الأثري الجامع 1: 67.

([71]) انظر: البقرة: 240.

([72]) انظر: البقرة: 234.

([73]) انظر: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 2: 282، 306.

([74]) انظر: معرفت، (حوار)، مجلة بينات، العدد 44: 67.

([75]) انظر: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 2: 316 ـ 317.

([76]) انظر: المصدر السابق 1: 170.

([77]) انظر: النساء: 75، 84؛ التوبة: 13.

الكاتب د. جعفر نكو نام

د. جعفر نكو نام

مواضيع متعلقة

اترك رداً

downloadfilmterbaru.xyz bigoporn.club bok3p.site sablonpontianak.com