حقيقة ودائرة «الحكم الولائي» ودَوْره في حلّ المسائل المستَحْدَثة

img

أ. محمد إسحاق عارفي شيرداغي(*)

ترجمة: سرمد علي

المقدّمة

هناك الكثير من الأبحاث المطروحة في مجال الحكم الولائي والحكومي، إلاّ أن الذي نتعرّض له من بينها في هذا المقال هو خصوص المسائل التالية:

1ـ ما هو معنى ومفهوم الحكم الولائي؟

2ـ أيّاً كان مفهوم الحكم الولائي، ما هي حدود مساحته؟ وهل يعتبر الوليّ الفقيه وحده هو المخوَّل تطبيق الأحكام الشرعية؟ وهل يمكنه إصدار الأحكام ضمن هذا الإطار، أم بالإضافة إلى تطبيق الأحكام يمكنه كذلك وضع الحكم من خارج إطار الأحكام الشرعية أيضاً؟

3ـ ما هو الحكم الذي يصدره الوليّ الفقيه ـ سواء أكان هذا الحكم من داخل إطار الأحكام الشرعية أم من خارجها ـ؟ وهل هو من الأحكام الأوّلية أم من الأحكام الثانوية أم هو نوعٌ ثالث؟

4ـ أيّاً كان نوع أو سنخ الحكم الولائي، هل يُعَدّ من الأحكام الشرعية أم لا؟

5ـ سواء أكان الحكم الولائي من الأحكام الشرعية أم لا، ما هو الدَّوْر الذي يلعبه في حلّ المعضلات الاجتماعية والمسائل المستَحْدَثة في المجتمع؟

بالالتفات إلى هذه الأسئلة سوف نعمل على دراسة المسائل التالية:

1ـ مفهوم الحكم الولائي.

2ـ مساحة الحكم الولائي.

3ـ ماهية وسنخ الحكم الولائي.

4ـ شرعية الحكم الولائي.

5ـ دَوْر الحكم الولائي في حلّ المسائل المستحدَثة.

مفهوم الحكم الولائي

هناك الكثير من التعاريف المطروحة بشأن الحكم الولائي. وفي ما يلي نستعرض بعضها:

1ـ عرَّف صاحبُ الجواهر الحكمَ ـ في معرض بيان الاختلاف بين الحكم والفتوى ـ قائلاً: «أما الحكم فهو إنشاء إنفاذٍ من الحاكم ـ لا منه تعالى ـ لحكمٍ شرعيّ أو وضعيّ أو موضوعهما في شيءٍ مخصوص»([1]).

بالالتفات إلى أن مورد كلام الشيخ النجفي في هذا التعريف هو خصوص الحكم الصادر عن القاضي قد يذهب التوهُّم إلى أن مراده من هذا التعريف هو تعريف الحكم القضائي، دون الحكم الولائي والحكومي. ولكنْ بالنظر إلى القراءة الموجودة في كلامه يمكن القول: إن مراده من التعريف المذكور هو مطلق حكم الحاكم، سواء أكان قاضياً أم قائداً وإماماً للمجتمع والشعب. ومن بين القرائن على ذلك أنه قال في خصوص هذا الحكم: «من هنا لم يكن إشكالٌ عندهم في تعلُّق الحكم بالهلال والحدود التي لا مخاصمة فيها»([2]). ومن الواضح أن الحكم بشأن رؤية الهلال يُعَدّ من الأحكام الولائية والحكومية، وليس مجرّد حكمٍ قضائي. وعلى هذا الأساس يمكن القول: إن مراد صاحب الجواهر من هذا التعريف هو تعريف مطلق حكم الحاكم.

وهناك ملاحظتان بشأن هذا التعريف:

1ـ في التعريف المذكور هناك شيئان تمّ اعتبارهما متعلّقاً للإنفاذ:

أـ الحكم التكليفي الذي تمّ التعبير عنه بالحكم الشرعي؛ والحكم الوضعي. إن الحكم التكليفي هو الحكم الذي يتعلّق مباشرة بأفعال المكلَّفين، من قبيل: الأوامر والنواهي التي تصدر من قِبَل الوليّ الفقيه والموجودة في القوانين. والحكم الوضعي من قبيل: تأسيس الشخصية الحقوقية، مثل: جعل المنصب القضائي أو العسكري لشخصٍ بعينه، أو من قبيل: إنشاء مجمع تشخيص مصلحة النظام من قِبَل الإمام الخميني&، أو الحكم بصحّة أو بطلان الطلاق أو العقد.

ب ـ موضوع الحكم التكليفي الوضعي، من قبيل: الحكم بثبوت رؤية الهلال، وأمثال ذلك.

2ـ على أساس هذا التعريف تنحصر مهمّة الوليّ الفقيه والحاكم الإسلامي بتطبيق وإنفاذ الحكم الشرعي في المجتمع الإسلامي. وإن جميع أوامره تصدر في هذا السياق.

وقد ذهب بعض الفقهاء المعاصرين إلى تعريف الحكم الولائي ـ كما صنع صاحب الجواهر ـ بوصفه حكماً تنفيذياً، حيث قال: «إن الأحكام الولائية أحكامٌ إجرائية وتنفيذية؛ لأنها مقتضى  طبيعة مسألة الولاية، وإنها دائماً ترجع إلى تشخيص الصغريات والموضوعات، وتطبيق أحكام الشرع عليها، وتطبيقها على أحكام الشرع»([3]).

2ـ عمد بعض الفقهاء والعلماء الآخرين إلى تعريف الحكم الولائي بشكلٍ آخر، وقال في هذا الشأن: «يمكن لوليّ الأمر أن يتّخذ سلسلةً من القرارات طبقاً لما تقتضيه المصلحة الراهنة، وأن يضع بعض القواعد على طبقها، وأن يعمل على تنفيذها في وقتها. وهذه القرارات واجبةُ التنفيذ، ولها من الاعتبار مثل ما للشريعة، مع فارق أن القوانين السماوية ثابتةٌ وغيرُ قابلةٍ للتغيير؛ والقرارات الوضعية قابلةٌ للتغيير، وهي في ثبوتها وبقائها تابعةٌ للمصلحة التي أوجدَتْها. وحيث إن الحياة الاجتماعية للإنسان في تحوُّلٍ وتكامل مستمرّ فإن هذه القرارات ـ بطبيعة الحال ـ تتحوَّل تدريجياً نحو الأفضل»([4]).

وبعد هذا البيان توصَّل إلى نتيجةٍ مفادها أن هذه القرارات تنقسم إلى قسمين، وهما:

القسم الأوّل: أحكام وقوانين الشريعة، وهي ثابتةٌ لا تقبل التغيير.

القسم الثاني: الأحكام الصادرة من منطلق الولاية، والتي يتمّ وضعها وتنفيذها على أساس المصلحة الآنيّة. وإن هذه القرارات في بقائها وزوالها تابعةٌ للمصلحة، وتتبدَّل بتبدُّل المصلحة([5]).

وقد ذكر بعض العلماء الآخرين تعريفاً مشابهاً لهذا التعريف، مع مزيدٍ من التوضيح؛ إذ يقول: «إن الحكم الولائي هو الحكم الذي يصدره وليّ الأمة على أساس الضوابط المحدّدة طبقاً للمصالح العامّة؛ من أجل الحفاظ على سلامة المجتمع، وتنظيم أموره، وإقامة العلاقات الصحيحة بين المؤسّسات الحكومية وغير الحكومية، وعلاقة المؤسّسات ببعضها، والأفراد ببعضهم، وفي مورد المسائل الثقافية والتعليمية، وما يتعلّق بالنظام الضريبي والعسكري، والحرب والسلم، والصحّة، والعمران، والطرق والمواصلات، والأوزان والمقادير، وإصدار العملات النقدية، والتجارة الداخلية والخارجية، والأمور الخاصّة بالعملة الصعبة، والحقوقية، والاقتصادية، والسياسية، ونظافة المدن وجمالها، وسائر المسائل الأخرى»([6]).

وبالالتفات إلى التعريف الثاني نتوصَّل إلى نقطتين، وهما:

أـ إن حكم الوليّ الفقيه على ثلاثة أقسام؛ فتارةً يكون هذا الحكم تكليفياً؛ وتارة يكون الحكم وضعياً؛ وتارةً ثالثة يكون هذا الحكم رَهْناً بتحقُّق موضوع الحكم الشرعي.

ب ـ إن مهمّة الوليّ الفقيه ـ طبقاً لهذا التعريف ـ لا تقتصر على تنفيذ الأحكام الشرعية فقط، بل إن الوليّ الفقيه، بالإضافة إلى الأوامر والأحكام التنفيذية، يمكنه أن يصدر الأحكام طبقاً لما يراه من المصلحة، بَيْدَ أن هذا الحكم ليس ثابتاً ودائماً، كما هو الحال بالنسبة إلى الحكم الشرعي، بل هو قابلٌ للتغيُّر وفي معرض الزوال.

مساحة الحكم الولائي

هناك الكثير من الآراء المتنوّعة المذكورة بشأن مساحة الحكم الولائي وحدود صلاحيات الوليّ الفقيه. فهناك مَنْ اعتبرها خاصّة بالأمور الحِسْبية([7])؛ وهناك مَنْ أضاف إلى الأمور الحِسْبية مسألة الدفاع عن الأراضي الإسلامية أيضاً([8])؛ وهناك مَنْ أضاف إلى ذلك إقامة الحدود والتعزيرات([9])؛ وقال بعض العلماء: إن الحكم الولائي مرتبطٌ بالأمور الاجتماعية والسياسية([10])، والمصلحة النوعية([11])؛ وهناك مَنْ اعتبر صلاحيات الوليّ الفقيه مرتبطة بإنفاذ الأحكام الإسلامية وإدارة شؤون الإسلام في إطار القوانين الإسلامية العادلة([12])؛ وهناك مَنْ عرّف القوانين والقرارات الإسلامية المتغيِّرة في إطار الأحكام الإسلامية بأنها من شؤون الوليّ الفقيه([13]).

إلاّ أن محلّ البحث يكمن في هذه المسألة، وهي: لو سلَّمنا بفرضية ولاية الفقيه المطلقة فما هي مساحة الحكم الولائي؟ هل مساحة حكم وصلاحيات الوليّ الفقيه في دائرة الأحكام الشرعية المطلقة، ولا يحقّ له إصدار الحكم من خارج هذا الإطار، أم يحقّ للفقيه ـ بالإضافة إلى كونه منفِّذاً للأحكام الشرعية، وله صلاحيات في هذه الدائرة ـ أن يصدر الأحكام في ما يراه صالحاً؟ هناك في هذا الشأن ـ على ما يبدو ـ قولان رئيسان بين القائلين بولاية الفقيه المطلقة، وهما:

1ـ هناك رأيٌ يقول: إن مساحة الحكم الولائي تختزل ضمن إطار الأحكام الشرعية، وإن الوليّ الفقيه ليس سوى منفِّذٍ للأحكام الشرعية، ولا يمكنه وضع حكمٍ خارج إطار الأحكام الشرعية.

إن هذه النظرية تُستفاد ـ كما سبق أن ذكرنا ـ من كلمات صاحب الجواهر([14])، وبعض الفقهاء الآخرين([15]).

2ـ يذهب الرأي الثاني إلى القول بأن دائرة الحكم الولائي لا تنحصر ضمن إطار الأحكام الشرعية، وإنما إذا رأى الوليّ الفقيه مصلحةً خارج نطاق الأحكام الشرعية أمكن له أن يصدر الحكم أيضاً. وهذا الرأي يتّضح من كلام الإمام الخميني&، ومن ذلك قوله: «…إذا كانت دائرة صلاحيات الحكومة منحصرةً ضمن إطار الأحكام الفرعية فقط وجب أن يكون عرض الحكومة الإلهية والولاية المطلقة المفوَّضة إلى النبيّ الأكرم| ظاهرة بلا معنى ولا مضمون؛ وذلك لأن هذا سيترتَّب عليه محاذير لا يمكن لأحدٍ أن يلتزم بها، من قبيل: شقّ الطرق المستلزم للتصرّف في المنازل الواقعة أمامها، والتجنيد وإجبار الأفراد على أداء الخدمة العسكرية، والمنع من دخول أو خروج العملة الصعبة، ومنع الاحتكار في غير الموارد المنصوصة، والجمارك والضرائب، والمنع من رفع الأسعار، والمنع من توزيع المخدّرات والإدمان، وحمل السلاح، وغير ذلك الكثير مما يدخل في دائرة صلاحيات الدولة… ومن هنا يمكن للحاكم أن يزيل مسجداً أو بيتاً من أجل توسيع الطريق، مع دفع ثمنه إلى صاحبه، كما يمكن للحاكم أن يعطِّل مسجداً عند الضرورة… كما يمكن للحكومة أن تفسخ العقود المبرمة مع الأشخاص من طرفٍ واحد إذا كانت مخالفةً لمصلحة البلاد والإسلام… ويمكن للحكومة أن تعطِّل الحجّ بشكلٍ مؤقَّت ـ رغم أنه من الفرائض الإسلامية الهامّة ـ عندما يكون مضرّاً بمصلحة الدولة الإسلامية…»([16]).

مناقشةٌ

في ما يتعلَّق بهذه المسألة، وما إذا كان الحكم الولائي مجرّد صيغةٍ تنفيذية، وأن وظيفة الوليّ الفقيه تُختزل في هذا الإطار، أو أن الحكم المذكور لا يقتصر على مجرّد تنفيذ الأحكام الشرعية، بل يمكنه أن يصدر الحكم من خارج إطار الأحكام الشرعية أيضاً ـ كما سبق أن ذكرنا ـ، هناك رأيان. ويبدو أن الاختلاف بين هذين الرأيين بحَسَب الظاهر جادٌّ وعميق.

ولكنْ يبدو في الوقت نفسه أن هذا الاختلاف مجرّد خلافٍ لفظيّ، لا أكثر، بمعنى أنه يعود إلى المراد من مصطلح «الأحكام الشرعية» [وما إذا كان يقتصر على الأحكام الأوّلية، أو يُراد منها الأعمّ منها ومن الأحكام الثانوية]. أي إن كلّ واحدٍ من القائلين بهذين الرأيين أراد من «الأحكام الشرعية» معنىً مغايراً للمعنى الذي يريده الآخر؛ ولذلك ذهب أحدهما إلى القول ـ على أساس المعنى المراد له من «الأحكام الشرعية» ـ بأن الحكم الولائي ليس مجرّد حكمٍ تنفيذي، وإنما يمكن للوليّ الفقيه أن يصدر حكماً خارج إطار الأحكام الشرعية [الأوّلية]؛ أما الآخر فقال ـ طبقاً للمعنى الذي أراده من «الأحكام الشرعية» ـ: إن الحكم الولائي له طابعٌ تنفيذي، ولا يمكن للوليّ الفقيه أن يصدر حكماً خارج إطار الأحكام الشرعية [الأوّلية والثانوية]، وإنما هو مجرّد منفِّذٍ لهذه لأحكام الشرعية، ويمكنه أن يصدر الحكم ضمن هذه الدائرة فقط.

توضيح ذلك: إن الذي يقول بأن الوليّ الفقيه ليس مجرّد منفِّذ للأحكام الشرعية، بل بالإضافة إلى تنفيذ الأحكام المذكورة يمكنه أن يصدر حكماً خارج إطار الأحكام الشرعية أيضاً، مرادُه من «الأحكام الشرعية» الأحكامُ الأوّلية والثانوية والشخصية والفردية. والشاهد على هذا المدَّعى يظهر من الكلام المتقدِّم للإمام الخميني؛ إذ يقول: «إذا كانت دائرة صلاحيات الحكومة منحصرةً ضمن إطار الأحكام الفرعية فقط وجب أن يكون عرض الحكومة الإلهية والولاية المطلقة المفوضة إلى النبيّ الأكرم| ظاهرة بلا معنى ولا مضمون؛ وذلك لأن هذا سيترتَّب عليه محاذير لا يمكن لأحدٍ أن يلتزم بها، من قبيل: شقّ الطرق المستلزم للتصرف في المنازل الواقعة أمامها، وقانون التجنيد وإجبار الأفراد على أداء الخدمة العسكرية، والمنع من دخول أو خروج العملة الصعبة، ومنع الاحتكار وما إلى ذلك… لا يندرج ضمن إطار الأحكام الشرعية»([17]). من الواضح أن هذه الأمور تتعلَّق بالأحكام الشخصية والحقوق الفردية. وعلى أساس هذا المعنى المراد من مصطلح «الأحكام الشرعية» يكون الوليّ الفقيه منفِّذاً للأحكام الشرعية الشخصية، وصائناً للحقوق الفردية لأفراد المجتمع الإسلامي، وبالإضافة إلى ذلك، وخارج إطار الأحكام الشرعية المذكورة، وعلى أساس مصالح الإسلام ومصالح نظام المجتمع الإسلامي، يمكنه أن يُصدر الحكم أيضاً. طبقاً لهذه النظرية إذا كانت الأحكام الشخصية والمصالح الفردية متطابقةً مع مصالح الإسلام وأحكام المجتمع والنظام الاجتماعي لن يكون هناك أيّ محذورٍ، ويتمّ ضمان المصالح الفردية والحقوق الاجتماعية على السواء. وأما عند وقوع التزاحم بين الأحكام الشخصية والحقوق الفردية وبين مصالح الإسلام والنظام الاجتماعي يتمّ تقديم مصالح الإسلام والأحكام الاجتماعية على الأحكام الفردية؛ إذ عند التزاحم يكون التقدُّم للأهمّ، ويتمّ رفع اليد عن المهمّ. ولا شَكَّ في أن الأحكام التي تؤدّي إلى الحفاظ على الإسلام وبقاء الدولة الإسلامية، وقطع دابر الأجانب، وانتصار الإسلام على الكفر، وتنظيم أمور المجتمع، وسلامة المجتمع، وما إلى ذلك، تحظى بأهمِّية عالية، وعند التزاحم تتقدَّم على جميع الأحكام الفردية. ومن هنا قال الإمام&: «يمكن للحاكم أن يزيل مسجداً أو بيتاً من أجل توسيع الطريق، مع دفع ثمنه إلى صاحبه، كما يمكن للحاكم أن يعطِّل مسجداً عند الضرورة… كما يمكن للحكومة أن تفسخ العقود المبرمة مع الأشخاص من طرفٍ واحد إذا كانت مخالفةً لمصلحة البلاد والإسلام… ويمكن للحكومة أن تعطِّل الحجّ بشكلٍ مؤقَّت ـ رغم أنه من الفرائض الإسلامية الهامّة ـ عندما يكون مضرّاً بمصلحة الدولة الإسلامية»([18]).

وأما القائل بأن الأحكام الولائية هي مجرّد أحكامٍ تنفيذية، وأن الوليّ الفقيه مجرّد منفِّذٍ للأحكام، وأن حدود صلاحياته وأوامره تنحصر في إطار الأحكام الشرعية فقط، فمرادُه من «الأحكام الشرعية» الأعمّ من الأحكام الأوّلية والثانوية والشخصية والأحكام الاجتماعية والأحكام المرتبطة بمصالح الإسلام ومصالح النظام والمجتمع الإسلامي. وطبقاً لهذا المعنى من «الأحكام الشرعية» يُعَدّ الوليّ الفقيه مجرّد منفِّذٍ للأحكام الشرعية، وإنما يمكنه إصدار الأحكام في إطار الأحكام المذكورة فقط، ولا يحقّ له إصدار الحكم خارج هذا الإطار.

طبقاً لهذا الرأي لو حصل التعارض بين الأحكام الشخصية والحقوق الفردية وبين الأحكام الاجتماعية والأحكام المرتبطة بمصالح الإسلام والمجتمع الإسلامي يكون التقدّم للأحكام الاجتماعية والأحكام المرتبطة بالمصالح الاجتماعية؛ لأهمِّيتها؛ لأن أنصار هذا الرأي يرَوْن أن المباح، من قبيل: تعاطي التنباك، إذا كان مخالفاً لمصالح المجتمع الإسلامي أمكن للوليّ الفقيه أن يمنع منه([19]). أو إذا أصبح عملٌ واجب، مثل: الحجّ، على خلاف مصالح الإسلام والمجتمع الإسلامي أمكن للوليّ الفقيه أن يعطِّله مؤقَّتاً. كما يمكن للوليّ الفقيه من أجل تقوية وتنظيم جيش الإسلام وتطوير الأحكام القضائية للمجتمع أن يفرض الضرائب، أو يعزل القادة العسكريين والقضاة في المحاكم، أو تنصيبهم([20]). كما يمكن للوليّ الفقيه والحكومة الإسلامية ـ في ما يتعلَّق بتنظيم أمر المجتمع وتسهيل حركة المرور والمواصلات والحدّ من حوادث السير ـ أن تزيل منزل شخصٍ يقع في الطريق. ويمكن للوليّ الفقيه قطع العلاقات التجارية مع الدول غير الإسلامية إذا كان ذلك في مصلحة المجتمع الإسلامي([21]). وهكذا يمكن للوليّ الفقيه ـ من أجل إقامة العدالة الاجتماعية، والحيلولة دون استغلال الطامعين والجشعين ـ أن يمنع من احتكار بعض البضائع، أو يفرض تسعيرةً محدّدة لها.

يتّضح ممّا تقدَّم أن الاختلاف بين أصحاب هاتين الرؤيتين إنما كان على مستوى الألفاظ، وأما من حيث المحتوى فهما متّفقان، بمعنى أن الوليّ الفقيه على كلا الرؤيتين، وكما هو منفِّذ للأحكام الشخصية وصائنٌ للحقوق الفردية، يمكنه أن يعمل على صيانة المصالح الإسلامية وبقاء النظام الإسلامي وإقامة العدالة في المجتمع الإسلامي، وأن يصدر أحكاماً على خلاف الأحكام الشخصية والحقوق الفردية. غاية ما هنالك أن أحد الرأيين يقول: «إن هذه الأحكام خارج إطار الأحكام الشرعية الفردية»، وعليه يحقّ للوليّ الفقيه أن يصدر الأحكام من خارج إطار الأحكام الشرعية؛ إلاّ أن الرأي الآخر يقول: «إن هذه الأحكام داخلةٌ ضمن إطار الأحكام الإسلامية»، إذن فالوليّ الفقيه إنما يمكنه إصدار الأحكام في هذه الدائرة، ولا يحقّ له أن يصدر الأحكام من خارجها.

ومن هنا فإن الأحكام الولائية المخالفة للأحكام الشخصية تكون ـ طبقاً لهذه الرؤية ـ خارجةً عن «إطار الأحكام الشرعية»، إذن يمكن للوليّ الفقيه أن يُصدر الأحكام من خارج إطار الأحكام الشرعية؛ وأما في الرأي الآخر، فقد أراد بـ «إطار الأحكام الشرعية» دائرة جميع الأحكام الشرعية، سواء في ذلك الأحكام الفردية أو الأحكام الاجتماعية أو الأحكام المرتبطة بمصالح الإسلام، وعلى هذا الأساس تكون الأحكام الولائية المرتبطة بالمجتمع ومصالح الإسلام ـ طبقاً لهذا الرأي ـ غير خارجةٍ عن إطار الأحكام الشرعية، وعليه فإن الحكم الولائي إنما يمكن تصوُّره ضمن «إطار الأحكام الشرعية»، ولا معنى له خارج هذا الإطار.

لا شَكَّ في أن صاحب الجواهر وأنصاره من القائلين: إن الوليّ الفقيه لا يستطيع أن يصدر حكماً من خارج الأحكام الشرعية إذا كان مرادهم من إطار الأحكام الشرعية خصوص دائرة الحكم الشخصي فإنهم لا شَكَّ يقولون بإمكانية أن يصدر الحكم من خارج هذا الإطار المذكور؛ والدليل على ذلك تصريحاتهم التي سبق أن أتَيْنا على ذكرها([22]).

وأما العلماء الآخرون، مثل: الإمام الخميني& وأنصاره من القائلين: إن الوليّ الفقيه يمكنه أن يصدر الأحكام من «خارج الأحكام الشرعية»، وإلاّ فقدت ولاية الفقيه المطلقة معناها، إذا كانوا يريدون من «إطار الأحكام الشرعية» جميع الأحكام الشرعية ـ الأعمّ من الشخصية والاجتماعية والأحكام المرتبطة بمصالح الإسلام ـ فإنهم لا شَكَّ يقولون: لا يمكن للوليّ الفقيه أن يصدر حكماً من خارج إطار الأحكام الشرعية؛ والدليل على هذا المدَّعى هو ما أشار إليه الإمام& في الكثير من المواطن، بمعنى أنه يريد من هذا الإطار جميع الأحكام الشرعية، الأعمّ من الشخصية والاجتماعية ومصالح الإسلام، حيث قال: لا يحق لأيّ أحدٍ أن يصدر حكماً من خارج هذا الإطار. ولذلك فإن سماحته قد صرَّح في موضعٍ أن الحاكم في المجتمع الإسلامي إنما يطبِّق «قانون الإسلام»، ولا يمكن لأيّ أحدٍ أن يخطو خطوةً خارج إطار القوانين الشرعية والإسلامية.

«فالحاكم الأعلى في الحقيقة هو القانون، والجميع يستظلّون بظلّه… وإذا قدَّر الله للحكومة الإسلامية أن تقوم… فالكلّ آمنٌ على نفسه وماله وأهله؛ لأنه لا يحقّ للحاكم أن يخطو في الناس بما يتنافى وما قرّر في الشرع الإسلامي الحنيف»([23]).

وقد أشار& في موضعٍ آخر إلى أن الغاية من إقامة الحكومة الإسلامية هي تطبيق القانون الإلهي فقط، حيث قال: «فالحكم ليس غايةً في نفسه، وإنما هي وسيلةٌ تكون لها قيمةٌ ما دامت غايةً نبيلة. فإذا طلب باعتباره غاية، واتّخذت لنيله جميع الوسائل، فقد تدنّى إلى درك الجريمة… ولم تسنَحْ الفرص لأئمّتنا للأخذ بزمام الأمور، وكانوا بانتظارها حتّى آخر لحظةٍ من الحياة، فعلى الفقهاء العدول أن يتحيَّنوا هم الفرص وينتهزوها من أجل تنظيم وتشكيل حكومةٍ رشيدة، يُراد بها تنفيذ أمر الله، وإقرار النظام العادل…»([24]).

وقال& في موضعٍ آخر بأن الوليّ الفقيه والحاكم الإسلامي إنما هو منفِّذ للأحكام الإلهية، مثل النبيّ الأكرم|: «وقد كان الرسول| مكلَّفاً بتطبيق الأحكام وإقرار النظام. كذلك الفقهاء؛ فإليهم الحكم، وعليهم يقع عبء تنفيذ الأحكام، وإقامة حدود الله»([25]).

وقال& في موضعٍ آخر: إذا تمّ تأسيس الحكومة الإسلامية فإن هذه الحكومة لا تحتاج إلى وضع قانونٍ جديد؛ لأن القوانين الإسلامية موضوعةٌ من قِبَل الشارع، والحكومة إنما تقوم على تنفيذها: «أنا على يقينٍ من أنكم قادرون على إدارة دفّة الحكم عند تقويض أسس الجَوْر والظلم والعدوان. وكلّ ما تحتاجون إليه من قوانين ونظم فهو موجودٌ في إسلامنا، سواء في ذلك ما يتّصل بإدارة الدولة والضرائب والحقوق والعقوبات وغيرها. لا حاجة بكم إلى تشريعٍ جديد. عليكم أن تنفِّذوا فقط ما شرِّع لكم. وهذا يوفِّر عليكم الكثير من الوقت والجهد، ويغنيكم عن استعارة قوانين من الشرق أو الغرب»([26]).

وفي كلامٍ آخر، بعد اعتباره الأحكام الشرعية بياناً لجميع القوانين والضوابط التي تلبّي جميع احتياجات الناس، قال& بأن العمل بهذه القوانين إنما يكون من طريق إقامة الحكومة الإسلامية: «أوّلاً: أحكام الشرع تحتوي على قوانين متنوّعة لنظام اجتماعي متكامل. وتحت هذا النظام تلبّى جميع حاجات الإنسان… ثانياً: عند إمعان النظر في ماهية أحكام الشرع يثبت لدينا أن لا سبيل إلى وضعها موضع التنفيذ إلاّ بواسطة حكومةٍ ذات أجهزة مقتدرة»([27]).

كان هذا جانبٌ من كلمات الإمام الخميني& في هذا الشأن. وكما يتّضح من هذه الكلمات فإن سماحته يرى أن «إطار الأحكام الاجتماعية» أوسع من الأحكام الشخصية، بحيث تشمل حتّى الأحكام الاجتماعية والأحكام المرتبطة بمصالح الإسلام أيضاً. ومن هنا فقد عدّ& الوليّ الفقيه والحكومة الإسلامية مجرّد منفّذين للأحكام الشرعية، وإنما يحقّ له إصدار الأحكام في «إطار الأحكام الشرعية» فقط، ولا يمكنه أن يصدر حكماً من خارج هذه الدائرة.

وحاصلُ الكلام أن كلا الرأيين يتّفقان على أن الوليّ الفقيه يمكنه ـ من أجل الحفاظ على مصلحة الإسلام ونظام المجتمع الإسلامي وإقامة العدالة في المجتمع ـ أن يصدر حكماً على خلاف الحكم الشخصي والمصالح الفردية، إلاّ أن هذا الحكم طبقاً لرأيٍ خارج إطار الأحكام الشرعية، وعليه يمكن للوليّ الفقيه أن يجعل حكماً من خارج إطار الأحكام الشرعية؛ إلاّ أنه على أساس الرأي الآخر يكون هذا الحكم داخلاً ضمن «الإطار الشرعي»، وعليه فإن الوليّ الفقيه إنما يمكنه جعل الحكم ضمن إطار الأحكام الشرعية، ولا يحقّ له أن يقوم بذلك خارج هذا الإطار.

والنتيجة النهائية أنه قد اتّضح مما تقدَّم أن النزاع بين أصحاب هذين الرأيين هو لفظيٌّ بالكامل، وأما في المعنى والمضمون فلا يوجد أيُّ خلافٍ بينهما.

حقيقة الحكم الولائي

هناك الكثير من الأقوال التي ظهرت في معرض بيان ماهية الحكم الولائي. ومن أهمّ تلك الأقوال ما يلي:

أـ هناك مَنْ يذهب إلى القول بأن الحكم الولائي هو من نوع الأحكام الأوّلية، وأنه واحدٌ من مصاديقها. وقد استدلّ أنصار هذا القول بكلمةٍ للإمام الخميني&؛ إذ يقول: «إن ولاية الفقيه والحكم الولائي من الأحكام الأوّلية»([28]).

وقيل في بيان وتوضيح هذا الرأي: «إن أحكام الإسلام، ولا سيَّما الأحكام السياسية والاجتماعية والاقتصادية والحدود والتعزيرات، وحتّى الأحكام العبادية، من قبيل: الحجّ، مقيَّدة منذ البداية بعدم وجود حكم من قِبَل الحاكم الإسلامي (الوليّ الفقيه). وبهذا المعنى يمكن للمستطيع أن يذهب إلى الحجّ بشرط عدم تعطيله من قِبَل الولي الفقيه… وعلى هذا المبنى فإن جميع الأحكام الولائية التي يصدرها الوليّ الفقيه بعد تشخيص المصلحة ستكون من الأحكام الأوّلية، رغم أنه قد يمكن تطبيقها في بعض الموارد على الأحكام الثانوية أيضاً…»([29]).

حصيلة هذا الرأي أن الحكم الولائي يُعَدّ من الأحكام الأوّلية، بمعنى أن جميع الأحكام الأوّلية تكون مقيَّدة بعدم وجوده، وعليه يكون عدم الحكم المذكور من قيود الأحكام الأوّلية، بحيث إن وجوده يؤدّي إلى ظهور نوعٍ من الأحكام الأوّلية، وعدمه يؤدّي إلى ظهور نوعٍ آخر من الأحكام الأوّلية. فمثلاً: مع عدم الحكم بتعطيل الحجّ من قِبَل الوليّ الفقيه يتحقَّق الحكم بوجوب الحجّ على المستطيع، ومع وجود الحكم المذكور من قِبَل الولي الفقيه يتحقَّق الحكم بحرمة وجوب الحجّ، وإن كلاًّ من هذا الوجوب والحرمة يعتبر من الأحكام الأوّلية. إن هذا القيد المذكور هو مثل قيد الاستطاعة إلى الحجّ تماماً، والتي بوجودها يتحقَّق وجوب الحجّ، ومع عدمها يتحقَّق استحباب الحجّ أو إباحته، وإن كلاًّ من هذا الوجوب والاستحباب والإباحة يعتبر من الأحكام الأوّلية.

المناقشة

يبدو أنه لا أصل النظرية والمدّعى قابلٌ للدفاع، ولا الإيضاحات التي تمّ تقديمها بشأنها، ولا الدليل الذي تمّ الاستناد إليه.

أما عدم إمكان الدفاع عن أصل المدّعى فلأن الأحكام الأوّلية أحكام تمّ جعلها على أساس المصالح الذاتية والأوّلية للأشياء، في حين أن الأحكام الولائية تُجْعَل على أساس مصالح المجتمع الإسلامي. فمثلاً: إن الحكم بحرمة التنباك من قِبَل الميرزا الشيرازي لم يجعل من أجل المفسدة الذاتية في التنباك؛ إذ ليس في التنباك مفسدةٌ ذاتية، وإنما جعلت الحرمة المذكورة من أجل مصلحة المجتمع الإسلامي، بمعنى أن التنباك إنما تمّ تحريمه في تلك المرحلة الزمنية لأن فيه تقويةً للدولة البريطانية المستعمرة، وإضعافاً للمجتمع الإسلامي. وهكذا الأمر بالنسبة إلى تحريم الحجّ من قِبَل الإمام الخميني&، فإنه لم يكن لأن الحجّ كان يشتمل في حينها على مفسدة ذاتية، بل إن هذه الحكم قد جُعل من أجل رعاية مصالح المجتمع الإسلامي، هذا أوّلاً.

وثانياً: إن الأحكام الولائية يتمّ جعلها على شكل القضية الشخصية والجزئية والمؤقَّتة، في حين أن الأحكام الأوّلية تأتي على شكل القضية الحقيقية دائماً، وعلى نحوٍ كلّي ودائمي. ومن ذلك مثلاً أن حرمة التنباك ومقاطعة الحجّ تُعَدّ من الأحكام الولائية، وتجعل لفترةٍ خاصّة من الزمن، وعلى نحوٍ جزئي وشخصي، وأما وجوب الصوم والصلاة وحرمة شرب الخمر وأمثال ذلك من الأحكام الأوّلية فيتمّ جعلها بشكلٍ كلّي ودائم، ولجميع المكلَّفين، في كلّ زمانٍ ومكان.

وأما عدم تمامية توضيح هذا الرأي فلأنه على أساس هذا التوضيح تكون جميع الأحكام الأوّلية مقيَّدة بعدم صدور الحكم المخالف من قِبَل الوليّ الفقيه. فمثلاً: إن وجوب الحجّ للمستطيع مشروطٌ ومقيَّد بعدم تعطيله وحظره من قِبَل الوليّ الفقيه، وحيث إن عدم الحكم المخالف من قِبَل الوليّ الفقيه قيدٌ في الأحكام الأوّلية فالحكم الذي يصدر من قِبَل الوليّ الفقيه يعتبر من الأحكام الأوّلية.

يبدو أن هذا التوضيح غير مقبولٍ؛ إذ صحيحٌ أن الوليّ الفقيه إذا أصدر حكماً مخالفاً على خلاف الحكم الأوّلي لا يتمّ العمل بالحكم الأوّلي، ويجب العمل بحكم الوليّ الفقيه، إلاّ أن هذا لا يعني أن الأحكام الأوّلية مقيّدة بعدم صدور الحكم المخالف من قِبَل الوليّ الفقيه، ولا يعني أن الحكم الولائي يصبح من الأحكام الأوّلية.

وبيان المسألة على النحو التالي:

أـ إن عدم الحكم الولائي، أي عدم صدور الحكم المخالف من قِبَل الوليّ الفقيه، يعتبر قيداً في الأحكام الأوّلية.

ب ـ عندما يعتبر عدم الحكم قيداً في الأحكام الأوّلية فإن ذلك الحكم يُعَدّ من الأحكام الأوّلية.

ينتج عن هذين الأمرين أن الأحكام الولائية سوف تكون من الأحكام الأوّلية.

ولكنْ يبدو أن كلا هذين الأمرين غير قابلين للدفاع، وعليه فإن النتيجة المترتِّبة عليهما ستكون باطلةً أيضاً.

أما بطلان الأمر الأوّل فمن جهة أنه على الرغم من ترك الحكم الأوّلي عند صدور الحكم المخالف من قِبَل الولي الفقيه، ووجوب العمل بحكم الوليّ الفقيه في مثل هذه الحالة، ولكنْ هناك احتمالان في ترك الحكم الأوّلي:

1ـ يحتمل أن تكون جميع الأحكام الأوّلية التي تمّ جعلها على أساس المصلحة الذاتية مقيّدة بعدم صدور الحكم المخالف من قِبَل الوليّ الفقيه، بحيث يكون لهذا القيد وجوداً وعدماً تدخُّل في مصلحة الأحكام الأوّلية، بمعنى أن هذا القيد إذا كان متحقِّقاً كانت هناك مصلحةٌ، وكان الحكم المنشود متحقِّقاً أيضاً؛ وإنْ لم يكن ذلك القيد متحقِّقاً لن تكون هناك مصلحةٌ، ولا يكون هناك جعلٌ للحكم المنشود له. فمثلاً: إن وجوب الحجّ المجعول على المستطيع على أساس المصلحة يكون من البداية مقيّداً بعدم صدور تعطيله من قِبَل الوليّ الفقيه، بحيث إنه مع افتراض عدم هذا القيد (أي صدور الحكم بتعطيله من قِبَل الوليّ الفقيه) لا تكون هناك مصلحةٌ في الحج، ولا يكون هناك وجوبٌ مجعول له، ومع افتراض تحقُّق هذا القيد (أي عدم صدور حكم بتعطيله من قِبَل الوليّ الفقيه) تكون هناك مصلحةٌ في ذلك الحجّ، ويكون واجباً أيضاً. تماماً كما هو الحال في شرط الاستطاعة، الذي يكون له دخل في مصلحة الحجّ، كما يكون له دخلٌ في وجوبه، ومع افتراض عدمه لا تكون في الحج مصلحةٌ ملزمة، ولا يكون الوجوب مجعولاً له.

2ـ الاحتمال الآخر أن الأحكام الأوّلية تشتمل على مصالح ذاتية دائماً، ويتمّ جعل أحكامها على أساس هذه المصلحة، وإن صدور الحكم المخالف من قِبَل الوليّ الفقيه لا يُعَدّ قيداً لها، وليس له دخلٌ في المصلحة وجعل الحكم لها، غاية ما هنالك أن مصلحتها إنما تكون لازمةَ الاستيفاء، ومفسدتها واجبةَ الدفع في الخارج، فيما إذا لم تكن في مقابلها مصلحةٌ أو مفسدةٌ أشدّ، وأما إذا زاحمتها مصلحةٌ أو مفسدةٌ أشدّ تجري قاعدة باب التزاحم، ويكون التقدُّم للأقوى، ونتيجةً لذلك تكون المصلحة أو المفسدة المقابلة للمصلحة أو المفسدة الأشدّ غير لازمة الاستيفاء أو واجبة الدفع في الخارج، بل لا بُدَّ من التوجُّه إلى المصلحة الأقوى أو السعي إلى دفع المفسدة الأشدّ.

وطبقاً لهذا الاحتمال فإن عدم العمل بالأحكام الأوّلية بعد صدور الحكم المخالف من قِبَل الوليّ الفقيه إنما هو من أجل مزاحمته بمصلحةٍ أو مفسدةٍ أقوى، أي إن ترك مناسك الحجّ بعد تعطيله من قِبَل الوليّ الفقيه إنما هو لأجل معارضته بمصلحةٍ أو مفسدةٍ أقوى منه، وعلى أساس قواعد باب التعارض يتمّ ترك الحكم الأوّلي، ويتمّ العمل على طبق حكم الحاكم، بمعنى أنه من أجل جلب المصلحة الأهمّ أو دفع المفسدة الأكبر يتمّ التخلّي عن الحكم الأوّلي، والعمل بحكم الوليّ الفقيه.

ونتيجة هذا الاحتمال هي أن الحكم الولائي ليس هو قيداً وشرطاً للأحكام الأوّلية، ولا يندرج ضمن الأحكام الأوّلية.

ومن بين هذين الاحتمالين لا يكون الاحتمال الثاني مرجَّحاً فحَسْب، بل يمكن القول: إنه هو المتعيِّن؛ إذ لا شَكَّ في أن الأحكام الشرعية تبقى على مصلحتها، ولكنْ حيث تقف أمامها المصلحة الاجتماعية الأهمّ فإن الوليّ الفقيه يصدر حكمه على أساس تلك المصلحة، وحيث لا يمكن استيفاء كلتا المصلحتين يتمّ تقديم حكم الوليّ الفقيه على الحكم الشرعي الأوّلي؛ طبقاً لقاعدة الأهمّ والمهمّ. وعلى فرض عدم تعيُّن أو رجحان الاحتمال الثاني فلا أقلّ من تساوي الكفّتين، ومع افتراض تساوي الاحتمالين لا يمكن إثبات تقييد الأحكام الأوّلية بعدم صدور الحكم المخالف من قِبَل الولي الفقيه.

وأما بطلان المسألة الثانية فإنه على فرض صوابية المسألة الأولى، أي إن جميع الأحكام الأولية المجعولة من قِبَل الشارع مقيّدة بعدم صدور الحكم المخالف من قِبَل الوليّ الفقيه، لا ينهض هذا الأمر في الوقت نفسه دليلاً على اعتبار صيرورة الحكم الولائي من الأحكام الأوّلية؛ إذ لازم أن يكون عدم صدور الحكم المخالف من قِبَل الوليّ الفقيه قيداً للأحكام الشرعية الأوّلية أنه مع انتفاء هذا القيد ينتفي الحكم الشرعي الأوّل، بمعنى أنه بعد صدور الحكم المخالف من قِبَل الوليّ الفقيه، المتمثِّل بإبطال الحجّ في وقتٍ خاصّ على سبيل المثال، يزول حكمه الأوّلي، الذي هو الوجوب. وأما ما هو حكم الحجّ المذكور بعد انتفاء الحكم الأوّلي؟ وهل سيكون له حكم أوّليّ آخر، أو سيكون له حكمٌ ثانوي، أو سيكون له حكمٌ ثالث، أو ليس له أيّ حكمٍ أساساً؟ هذا ما لا يمكن استفادته من وجود أو عدم القيد المذكور؛ إذ هناك بعض القيود ما يظهر الحكم الثانوي بعد انتفائه، من قبيل: وجوب الصوم الذي هو من الأحكام الأوّلية، فهو مقيَّد بأن لا يترتَّب عليه حَرَج أو ضَرَر، وبعد انتفاء هذا القيد يزول الحكم الأوّلي للصوم، وبعد انتفاء الحكم المذكور، على أساس عنوان الحَرَج أو الضَّرَر، يظهر الحكم الثانوي. وفي بعض الموارد بعد انتفاء القيد يتحقَّق حكمٌ أوّلي آخر، من قبيل: الاستطاعة، التي هي قيدٌ لوجوب الحجّ، وبعد انتفاء هذا القيد يزول الحكم الأوّلي بوجوب الحجّ، وينشأ بدلاً منه حكمٌ أوّلي آخر باستحباب الحجّ. وفي بعض الموارد بعد انتفاء القيد لا يظهر أيّ حكم، مثل: وجوب الصوم والصلاة وما إليهما ممّا يكون مشروطاً ومقيّداً بوجود العقل لدى المكلَّف، ومع انتفاء العقل تنتفي الأحكام الأوّلية المذكورة، ولكنْ بعد انتفائها لا يظهر أيّ حكمٍ آخر. وعلى هذا الأساس فإن انتفاء قيدٍ من قيود الحكم الأوّلي إنما يكون دليلاً على انتفاء الحكم المذكور فقط، وأما ما هو الحكم الذي يحلّ محلّه بعد الانتفاء فهذا لا يُستفاد من وجود القيد المذكور ولا من عدمه. وعليه حتّى لو افترضنا عدم الحكم الولائي قيداً للأحكام الأوّلية لا يقوم ذلك دليلاً على أن يكون الحكم الولائي من الأحكام الأوّلية.

والنتيجة هي أن المسائل المذكورة في توضيح الرأي المذكور قد اتّضح بطلانها، فالنتيجة المترتِّبة عليها ستكون باطلة أيضاً.

وأما الدليل الذي تمّ الاستناد إليه فهو غيرُ صحيح؛ لأنه يستند فيه إلى كلام الإمام الخميني&، القائل بأن «ولاية الفقيه المطلقة من الأحكام الأوّلية». وهناك احتمالان في هذا الكلام:

1ـ الاحتمال الأوّل أن يكون المراد هو الأحكام الصادرة عن الوليّ الفقيه، بمعنى أن الأحكام الصادرة من الوليّ الفقيه تكون من الأحكام الأوّلية. وطبقاً لهذا الاحتمال يصحّ الاستناد إلى كلام الإمام&، ولا يمكن الشكّ فيه.

2ـ الاحتمال الآخر أن يكون مراد الإمام& هو أن أصل ولاية الفقيه ومشروعية حكمه من الأحكام الأوّلية؛ لأن هذا الحكم ـ مثل سائر الأحكام الأوّلية ـ قد جُعل من قِبَل الشارع، وفي هذا الجعل لم يكن أيّ من العناوين الثانوية ملحوظاً. وعلى أساس هذا الاحتمال لا يكون لكلام الإمام& ربطٌ بالرأي المذكور، ولا يمكن إثباته به.

وبالالتفات إلى هذين الاحتمالين يمكن القول: إن كلام الإمام& لا يمكن أن يكون دليلاً على الرأي المذكور؛ إذ أوّلاً: إن مراد الإمام من هذا الكلام هو الاحتمال الثاني، بمعنى أن المراد هو أن أصل ولاية الفقيه ومشروعية حكم الوليّ الفقيه من الأحكام الأوّلية، وليس الأحكام التي يصدرها الوليّ الفقيه؛ والدليل على ذلك هو كلام الإمام نفسه؛ إذ يقول في موضعٍ آخر: «إن ولاية الفقيه ليست شيئاً أسّس له مجلس الخبراء، إنما ولاية الفقيه مفهومٌ أقامه الله تبارك وتعالى، فهي ذاتُ ولاية رسول الله|»([30]).

إن هذه العبارة صريحةٌ في أن المراد من ولاية الفقيه هو أصل ولاية الفقيه ومشروعيتها من قِبَل الله سبحانه وتعالى؛ إذ إن الذي يرتبط بالله تعالى ويكون مجعولاً له مباشرةً وبلا واسطة هو أصلُ مشروعية ولاية الفقيه، وأما الحكم الولائي مورد البحث فهو مجعولٌ من قِبَل الوليّ الفقيه، وليس مجعولاً من قِبَل الله تعالى.

وفي كلامٍ آخر له& قال: «إن الحكومة التي تمثِّل شعبةً للولاية المطلقة لرسول الله| واحدةٌ من الأحكام الأوّلية للإسلام»([31]).

ومن الواضح أن المراد من الولاية المطلقة لرسول الله| هو أصل الولاية والمشروعية للحكم الولائي للنبيّ الأكرم.

وثانياً: لو افترضنا أننا لم نجزم بأن المراد من كلام الإمام& هو الاحتمال الثاني فلا أقلّ من تساوي الاحتمالين، ومع تساوي الاحتمالين يكون الكلام المذكور مُبْهَماً، ومع الإبهام لا يكون الكلام قابلاً للاستدلال.

ب ـ هناك مَنْ يرى أن الحكم الولائي يعتبر من الأحكام الثانوية. وهذا ما يبدو من كلمات السيد الشهيد الصدر. فهو، بعد أن قال بأن منطقة الفراغ لا تمثِّل نقصاً في الدين الإسلامي، تمسَّك بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء: 59) بوصفه دليلاً شرعياً على مشروعية حكم الوليّ الفقيه والحكومة الإسلامية، وأضاف قائلاً: «حدود منطقة الفراغ التي تتَّسع لها صلاحيات أولي الأمر تضمّ في ضوء هذا النصّ الكريم كلّ مباحٍ تشريعيّ بطبيعته، فأيّ نشاط وعمل لم يَرِدْ نصٌّ تشريعي يدلّ على حرمته أو وجوبه يسمح لوليّ الأمر بإعطائه صفةً ثانوية بالمنع عنه أو الأمر به. فإذا منع الإمام عن فعل مباحٍ بطبيعته أصبح حراماً، وإذا أمر به أصبح واجباً. وأما الأفعال التي ثبت تشريعياً تحريمها بشكلٍ عامّ فليس من حقّ وليّ الأمر الأمر بها. كما أن الفعل الذي حكمت الشريعة بوجوبه لا يمكن لوليّ الأمر المنع منه… فألوان النشاط المباحة بطبيعتها في الحياة الاقتصادية هي التي تشكِّل منطقة الفراغ»([32]).

كما ذهب بعض العلماء الآخرين إلى اعتبار الحكم الولائي من الأحكام الثانوية أيضاً؛ فقال العلاّمة محمد تقي الجعفري في هذا الشأن: «إن جزءاً من التعاليم الإسلامية عبارةٌ عن القوانين والتشريعات التي يتمّ وضعها عبر المراحل الزمنية من قِبَل وليّ أمر المسلمين، تَبَعاً لتجدُّد أو ظهور المصالح والمفاسد. وإن هذه الأحكام، التي يصطلح عليها بالأحكام الثانوية، تبقى ثابتة ما دامت المصالح وموجبات وعلل صدورها باقية، أو ما دامت تلك المفاسد والموانع لم يتمّ إزاحتها، ومتى ما زالت تلك الأسباب زال هذا الحكم أيضاً»([33]).

كما يمكن استظهار الحكم بثانوية الحكم الولائي من بعض كلمات الإمام الخميني& أيضاً. فقد تحدَّث بشأن حكم الميرزا الشيرازي، قائلاً: «عندما حكم المرحوم الميرزا الشيرازي([34]) بحرمة التنباك كان صادراً في حكمه عن موقف ولاية الفقيه العامّة على الناس والفقهاء الآخرين. وكان فقهاء إيران ـ باستثناء قلّةٍ منهم ـ قد التزموا بهذا الحكم. ولم يكن حكمُه ذاك قضاء في نزاعٍ أو خلافٍ بين اثنين، وإنما كان حكماً حكومياً رُوعيت فيه مصالح المسلمين بحَسَب الوقت والظروف والملابسات [بالعنوان «الثانوي»]، وبارتفاع تلك الظروف ارتفع الحكم»([35]).

مناقشةٌ

يبدو أن الحكم الولائي، وكما لا يُعَدّ من الأحكام الأوّلية، كذلك لا يُعَدّ من الأحكام الثانوية أيضاً؛ إذ أوّلاً: إن الأحكام الثانوية تقوم على أساس المصالح والمفاسد الشخصية والفردية؛ وذلك لأن العناوين الثانوية التي تشكّل موضوعاً للأحكام الثانوية أمورٌ شخصية وفردية، أي هي عناوين من قبيل: الضَّرَر، والحَرَج، والاضطرار، والإكراه، والنذر، والقسم، والعهد، وما إلى ذلك، ممّا يُعَدّ من العناوين الثانوية، وإنما تكون موضوعاً للحكم الثانوي وترفع الحكم الأوّلي إذا تحقّقت لشخص الإنسان. فمثلاً: لو اضطرّ عموم الناس في فترةٍ من الزمن إلى أكل الميتة، ولم يتحقَّق هذا الاضطرار لي على المستوى الشخصي، لا يجوز لي أكل لحم الميتة. وذات هذا الحكم يجري في سائر العناوين الثانوية أيضاً. وأما الأحكام الولائية فتقوم على المصالح والمفاسد النوعية والاجتماعية والسياسية، ولا ترتبط بالمصالح الشخصية؛ وعليه فإن دائرة الحكم الولائي تختلف عن دائرة الحكم الثانوي.

وثانياً: إن ملاك الأحكام الثانوية يرتبط بالإنسان، ولا ربط له بغير الإنسان، بمعنى أن المصالح والمفاسد التي تقوم عليها الأحكام الثانوية ترتبط بشخص الإنسان؛ بمعنى أن الأحكام الثانوية حيث تؤدّي إلى حصول مصلحةٍ للإنسان أو دفع المفسدة عنه يتمّ جعل تلك الأحكام المذكورة. وأما ملاك الحكم الولائي فلا يُعَدّ من مختصّات الإنسان، ويرتبط أحياناً بأصل الإسلام وبقاء النظام الإسلامي. فمثلاً: قد يؤدّي عملٌ ما إلى الإضرار بأصل الإسلام أو يقضي عليه، دون أن يضرّ بأيّ واحدٍ من أفراد الإنسان، وهنا يتحقَّق موضوع الحكم الولائي، ويتمّ جعل الحكم الولائي، إلاّ أن ملاكه ليس له أيّ ارتباطٍ بالإنسان.

ثالثاً: إن تحديد المصالح والمفاسد في الأحكام الثانوية مرتبطٌ بالله، وقد لا يمكن للأشخاص تحديد تلك المصالح والمفاسد. وأما تشخيص المصالح والمفاسد في الأحكام الولائية فهو من مختصّات الوليّ الفقيه.

والنتيجة هي أن الحكم الولائي يختلف عن الحكم الثانوي في كيفية الملاك، ومن جهة متعلّق الملاك، ومن جهة تشخيص الملاك. فمن جهة كيفية الملاك إن ملاك الأحكام الثانوية شخصي؛ وملاك الأحكام الولائية اجتماعي ونوعي. ومن حيث متعلّق الملاك إن متعلق الملاك في الأحكام الثانوية هو الإنسان؛ وفي الأحكام الولائية قد يكون هو أصل الإسلام وبقاء النظام الإسلامي. وأما من حيث تشخيص الملاك إن تشخيص الملاك في الأحكام الثانوية مرتبطٌ بالله تعالى، وفي الأحكام الولائية مرتبطٌ بالوليّ الفقيه.

3ـ هناك مَنْ يرى أن الأحكام الولائية لا هي من سنخ الأحكام الأوّلية، ولا من سنخ الأحكام الثانوية، بل هي قسمٌ ثالث من الأحكام، ولها مبانيها الخاصة، بمعنى أن الأحكام ـ طبقاً لرأي العَدْلية ـ ذات ملاكات، وتابعة للمصالح والمفاسد، وإن تشخيص المصالح والمفاسد في الأحكام الأوّلية والثانوية مرتبطٌ بالله، وفي الأحكام الولائية مرتبطٌ بالوليّ الفقيه([36]).

مناقشةٌ

بالالتفات إلى ما تقدَّم يتعيَّن الرأي الثالث؛ إذ من جهةٍ لا يمكن تصوُّر أكثر من ثلاث فرضيّات في ما يتعلَّق بماهية الحكم الولائي. فالحكم الولائي إما أن يكون من سنخ الحكم الأوّلي؛ أو من سنخ الحكم الثانوي؛ أو هو نوعٌ ثالث. ومن ناحية أخرى، بالالتفات إلى ما تقدَّم اتّضح أن الحكم الولائي لا يمكن أن يكون من سنخ الحكم الأوّلي، ولا من سنخ الحكم الثانوي، وعليه يتّضح أن هذا الحكم ينتمي إلى سنخٍ ثالث من الأحكام.

والسؤال الذي يمكن طرحه في هذا البحث هو أنه قد اتّضح حتّى الآن أن الأحكام الولائية من الناحية الماهوية لا هي من الأحكام الأوّلية ولا هي من الأحكام الثانوية، ولكنْ ما هي النسبة المنطقية القائمة بين الحكم الولائي والحكم الأوّلي والحكم الثانوي بلحاظ المصداق الخارجي؟

للإجابة عن هذا السؤال يجب أن نقارن بين كلّ واحدٍ من الأحكام الأوّلية والأحكام الثانوية بشكلٍ منفصل وبين الأحكام الولائية؛ كي تتّضح النسبة القائمة بينهما.

يبدو طبقاً للمباني المعروفة([37]) أن النسبة بين الأحكام الولائية والأحكام الأوّلية هي نسبة التباين، وأن النسبة بين الأحكام الولائية والأحكام الثانوية هي العموم والخصوص من وجه.

بيان الأمر: إن الأحكام الأوّلية هي الأحكام التي يتمّ جعلها في الظروف العادية على جميع المكلَّفين، ويشملهم بأجمعهم، وعليه فإن جعل الحكم الولائي بما يتطابق مع الأحكام الأوّلية سيكون لاغياً وبلا معنى. فمثلاً: عندما يجب عملٌ على جميع المكلَّفين على أساس الأحكام الأوّلية فإن جعل وجوب العمل المذكور من قِبَل الوليّ الفقيه لن يكون له معنى. أجل، لو كانت مصلحة الإسلام والنظام الإسلامي في ترك العمل المذكور فإن الحكم بمنعه وتحريمه سوف يصدر من قِبَل الوليّ الفقيه، بَيْدَ أن الحكم الأوّلي لن يكون له مصداقٌ في مثل هذه الحالة.

وبعبارةٍ أخرى: في مورد جعل الحكم الأوّلي من قِبَل الشارع على جميع المكلَّفين هناك ثلاث فرضيّات يمكن تصوُّرها بشأن جعل الحكم الولائي، وهي: إما أن يكون الحكم الولائي المجعول متطابقاً مع الحكم الأوّلي المذكور؛ أو أن يكون الحكم الولائي مخالفاً له؛ أو لا يكون هناك حكمٌ مجعول بالحكم الولائي في هذا المورد أساساً. والفرض الأوّل من بين هذه الفرضيّات باطلٌ؛ إذ إن جعل الحكم الولائي المتطابق مع الحكم الأوّلي لغوٌ. وبالنسبة إلى الفرض الثاني يكون الحكم الولائي موجوداً، ولكنْ لا يكون هناك مصداقٌ للحكم الأوّلي. وفي الفرض الثالث هناك تحقُّقٌ للحكم الأوّلي، ولكنّ الحكم الولائي لا مصداق له. وعليه يتّضح أن ليس هناك مصداقٌ مشترك في جميع الفرضيّات المتقدّمة بين الحكم الولائي والحكم الأوّلي.

وأما الأحكام الولائية والأحكام الثانوية فلهما مصداقٌ مشترك؛ كما أن لكلّ واحدٍ منهما مصداقه الخاصّ الذي لا تشترك فيه مع الأخرى، وبذلك تكون النسبة بين الأحكام الولائية والأحكام الثانوية هي نسبة العموم والخصوص من وجهٍ. فمثلاً: قد يكون العمل في وقتٍ واحد بضَرَر الشخص وبضَرَر الإسلام، فيكون هناك حضورٌ للحكم الولائي، كما يكون هناك حضور للحكم الثانوي أيضاً، بمعنى أنه حيث يكون ذلك الأمر بضَرَر الشخص يتحقّق العنوان الثانوي والحكم الثانوي، ومن حيث إنه مضرٌّ بالإسلام يتحقَّق الحكم الولائي، وسوف يكون محرَّماً على جميع المكلَّفين. وقد ينطوي عملٌ على حَرَج بالنسبة إلى شخصٍ أو عددٍ من الأشخاص، دون أن يكون له أيّ صلةٍ بالمصالح الاجتماعية والسياسية للإسلام، وهنا يتحقَّق الحكم الثانوي، دون أن يكون هناك مصداقٌ للحكم الولائي. وقد يكون عملٌ بضَرَر الإسلام والنظام الإسلامي، دون أن يكون مصداقاً لأيّ واحدٍ من العناوين الثانوية، فيكون الحضور هنا للحكم الولائي فقط، ولا يكون هناك مصداقٌ للأحكام الثانوية. وعليه اتضح أن هناك بين الأحكام الأوّلية والأحكام الثانوية عمومٌ وخصوص من وجهٍ.

شرعية الحكم الولائي

المسألة الأخرى التي يجب بحثها هي: هل الحكم الولائي يُعَدّ من الأحكام الشرعية أم لا؟ هناك في هذه المسألة رأيان في الحدّ الأدنى، وهما:

1ـ الرأي القائل: إن الحكم الولائي يعتبر من الأحكام الشرعية، وإن الحكم الولائي الصادر عن النبيّ الأكرم| والأئمّة المعصومين^ والوليّ الفقيه هو حكم الله([38]).

2ـ الرأي القائل: إن الحكم الولائي وإنْ كان واجب التنفيذ والاتّباع([39])، إلاّ أنه لا يُعَدّ من الأحكام الشرعية([40]).

المناقشة

يبدو أن صحّة وخطأ كلّ واحدٍ من هذين الرأيين يقوم على أساس أن الأحكام الشرعية هل تشمل الأحكام غير المباشرة أم لا؟ إنْ قلنا: إن الحكم الشرعي، كما يشمل الحكم غير المباشر، يشمل الحكم المباشر أيضاً، بمعنى أن الحكم الشرعي، كما يصدق على أحكام الشارع المباشرة، يصدق كذلك على الأحكام التي تنتهي إلى الشارع عبر واسطةٍ أو أكثر، فلا يبعد أن يكون الحكم الولائي من الأحكام الشرعية أيضاً. وأما إذا قلنا بأن الحكم الشرعي لا يشمل الأحكام غير المباشرة، وإنما يختصّ بالمجعول من قِبَل الشارع مباشرةً فقط، فلا يُعَدّ الحكم الولائي من الأحكام الشرعية؛ إذ من الواضح أن الحكم الولائي هو الحكم المجعول من قِبَل الوليّ الفقيه مباشرةً، وليس صادراً عن الشارع المقدَّس.

طبقاً لبعض التعاريف المذكورة للحكم الشرعي فإن الحكم الشرعي يشمل الأحكام غير المباشرة أيضاً، ومن بينها التعريف القائل: «قد ذكروا له تعريفاتٍ، لعلّ أنسبها بمدلوله هو: الاعتبار الشرعي المتعلّق بأفعال العباد تعلّقاً مباشراً أو غير مباشر»([41]).

إن قيد «غير المباشر» في هذا التعريف صريحٌ بأن الحكم الشرعي يشمل الأحكام غير المباشرة أيضاً. وعلى أساس هذا التعريف يمكن القول: إن الأحكام الولائية تُعَدّ من الأحكام الشرعية غير المباشرة.

وعلى أيّ حالٍ، سواء أكان الحكم الولائي من الأحكام الشرعية أم لا، فقد اتّفقت كلمة جميع الفقهاء على اعتبار هذا الحكم حكماً مشروعاً، بمعنى أن الشارع قد أجازه وأمضاه، واعتبر طاعته واجبةً على الجميع. والدليلُ على ذلك هو الأدلّة المذكورة على إثبات ولاية الفقيه، وهي خارجةٌ عن محلّ بحثنا.

دَوْر الحكم الولائي في حلّ المسائل الاجتماعية المستَحْدَثة

لا كلام في أن الحكم الولائي يلعب دَوْراً في حلّ الكثير من المعضلات الاجتماعية والمسائل المستَحْدَثة في المجتمع، إنما الكلام في أن المشاكل والمسائل المستَحْدَثة في المجتمع هل يتمّ حلّها بأجمعها من هذا الطريق، بحيث لا يوجد طريق آخر، أم هناك طريقٌ آخر لحلّ بعض المسائل والمشاكل؟

هناك من الفقهاء مَنْ يقول: إن جميع الأسئلة والمسائل المستَحْدَثة التي تظهر بفعل التحوُّلات الزمانية والمكانية إنما يمكن حلّها من طريق الأحكام الولائية فقط. وقد عمد العلاّمة الطباطبائي في توضيح ذلك إلى تقسيم احتياجات الإنسان إلى قسمين، وهما:

1ـ الاحتياجات الثابتة التي تنشأ من فطرة الإنسان وطبيعته.

2ـ الاحتياجات المتغيِّرة التي تظهر بفعل المتغيِّرات والظروف الزمانية والمكانية.

طبقاً لهذين النوعين من الاحتياجات يكون لدينا نوعان من الأحكام، وهما:

1ـ الأحكام الثابتة التي يتمّ جعلها من قِبَل الله سبحانه وتعالى على أساس خلق الإنسان وحاجاته الفطرية والطبيعية، ويتمّ إبلاغها إلى النبيّ الأكرم|.

2ـ الأحكام المتغيِّرة التي يضعها الوليّ الفقيه على أساس الاحتياجات الزمانية والمكانية المتغيِّرة والمتحوِّلة باستمرارٍ، وليس هناك ما يحول دون الوليّ الفقيه ودون وضع وتنفيذ هذه الأحكام. إن هذه الأحكام المتغيِّرة تلبّي المسائل والاحتياجات المتغيِّرة في كلّ زمانٍ ومكان، وتعمل على رفع حاجات المجتمع الإنساني، دون التعرُّض إلى الأحكام الإسلامية الثابتة بالنسخ والإبطال([42]).

وهناك من الفقهاء مَنْ اعتبر الأحكام الولائية ـ بوصفها عناصر متحرّكة في نظام التشريع الإسلامي ـ تلبية لجميع المسائل المستَحْدَثة في المجتمع([43]).

ولكنْ يبدو أن حصر حلّ المشاكل الاجتماعية المستَحْدَثة والإجابة عنها بالأحكام الولائية موضع تأمُّل؛ إذ مهما كان دَوْر الأحكام الولائية هامّاً في حلّ المشاكل والمسائل المذكورة، وإن الكثير منها لا يمكن حلّه إلاّ بواسطتها، كما في الإرسال القَسْري للجنود إلى جبهات القتال عند الحاجة، وفتح الشوارع والطرق وبناء المدن، والمنع من تهريب العملة الصعبة، والحيلولة دون الاحتكار في غير الموارد المنصوصة، والمنع من رفع الأسعار، وبيع المخدِّرات، وحمل السلاح، وكذلك تعطيل الحجّ مؤقَّتاً إذا كان أداؤه مخالفاً لمصلحة البلاد، وأمثال ذلك، إنما يمكن تحقيقه بواسطة الحكم الولائي، ولكنْ ليس جميع المسائل والمعضلات يمكن حلّها بهذه الطريقة، وإنما يمكن حلّ بعض المسائل والمشكلات بطريقةٍ أخرى؛ فإن بعض المسائل ـ على سبيل المثال ـ يتمّ العثور على أجوبتها من خلال الفهم الصحيح لأحكامها وموضوعاتها وتشخيص مصاديقها الجديدة، وإن جواب بعض المسائل يأتي من طريق استنباط الأحكام من القواعد العامّة. وبعض المشكلات والمعضلات تُحَلّ من طريق الأحكام الثانوية، وبعض المسائل والأسئلة المستَحْدَثة تُحَلّ من طريق الخصائص الأخرى المذكورة للأحكام الإسلامية([44]).

وعلى أيّ حالٍ، حتّى إذا لم نقُلْ بأن جميع المعضلات والمسائل المستَحْدَثة يتمّ حلّها بواسطة الحكم الولائي فلا شَكَّ في أن هذا الحكم يلعب دَوْراً جوهرياً في حلّ مشاكل المجتمع ومسائله المستَحْدَثة، ويضطلع بالإجابة عن المهمّ منها.

الهوامش

(*) طالبٌ على مستوى الدكتوراه في الجامعة الرضويّة للعلوم الإسلاميّة.

([1]) النجفي، جواهر الكلام 40: 100، دار إحياء التراث العربي، ط7، بيروت.

([2]) المصدر نفسه.

([3]) ناصر مكارم الشيرازي، بحوث فقهية هامّة: 513، مدرسة الإمام عليّ بن أبي طالب×، 1422هـ.

([4]) محمد حسين الطباطبائي، بررسيهاي إسلامي (بحوث إسلامية) 1: 164، إعداد: هادي خسروشاهي، بوستان كتاب، قم، 1387هـ.ش. (مصدر فارسي).

([5]) انظر: المصدر نفسه.

([6]) أبو القاسم گرجي، مقالات حقوقي 2: 287، انتشارات جامعة طهران، طهران، 1369هـ.ش. (مصدر فارسي).

([7]) انظر: محمد علي نجفي، رسالة في الولاية: 454، تحقيق: محمد كاظم رحمان ستايش ومهدي مهريزي، المطبوعة ضمن (رسائل في ولاية الفقيه)، بوستان كتاب، قم، 1384هـ.ش.

([8]) انظر: جعفر كاشف الغطاء، كشف الغطاء 4: 333، تحقيق مكتب الإعلام الإسلامي، بوستان كتاب، قم، 1380هـ.ش.

([9]) انظر: المولى أحمد النراقي، عوائد الأيام: 75 ـ 102، تحقيق: محمد كاظم رحمان ستايش ومهدي مهريزي، المطبوعة ضمن (رسائل في ولاية الفقيه)، بوستان كتاب، قم، 1384هـ.ش؛ المير عبد الفتاح علي الحسيني المراغي، العناوين: 112 ـ 115، تحقيق: محمد كاظم رحمان ستايش ومهدي مهريزي، المطبوعة ضمن (رسائل في ولاية الفقيه)، بوستان كتاب، قم، 1384هـ.ش.

([10]) انظر: محمد المؤمن القمّي، الولاية الإلهية الإسلامية أو الحكومة الإسلامية 3: 525، مؤسّسة النشر الإسلامي، قم، 1429هـ.

([11]) انظر: مصطفى الخميني، ثلاث رسائل: 808 ـ 819، مؤسّسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني، طهران، 1418هـ.

([12]) انظر: حسين علي المنتظري، دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية 2: 3، المركز العالمي للدراسات الإسلامية، قم، 1408هـ.

([13]) انظر: جعفر السبحاني، مباني حكومت إسلامي (أسس الحكومة الإسلامية) 1: 197 ـ 198، إعداد: جعفر خوش نويس، ترجمة: أبو الفضل موحّد، توحيد، قم، 1362هـ.ش. (مصدر فارسي).

([14]) النجفي، جواهر الكلام 40: 100.

([15]) تنحصر مهمّة الفقهاء في أمرين، وهما: أوّلاً: الاجتهاد والكشف عن الأحكام من أدلتها؛ وثانياً: تطبيق هذه الأحكام على مصاديقها والعمل على تنفيذها. والأولى تسمّى فتوى؛ والثانية تسمّى ولاية وحكومة. انظر: مكارم الشيرازي، بحوث فقهية هامّة: 515، 1422هـ.

([16]) الخميني، صحيفه إمام (صحيفة الإمام) 20: 451 ـ 452، مؤسّسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني، طهران، 1387هـ.ش. (مصدر فارسي).

([17]) المصدر السابق 20: 451.

([18]) المصدر السابق 20: 452.

([19]) انظر: مكارم الشيرازي، بحوث فقهية هامة: 498.

([20]) انظر: المصدر السابق: 499.

([21]) انظر: المصدر نفسه.

([22]) انظر: المصدر السابق: 499 ـ 500.

([23]) الخميني، الحكومة الإسلامية (ولاية الفقيه): 79، مؤسّسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني ـ الشؤون الدولية، ط8، طهران، 1426هـ ـ 2005م.

([24]) المصدر السابق: 76 ـ 77.

([25]) المصدر السابق: 96.

([26]) انظر: المصدر السابق: 127.

([27]) انظر: المصدر السابق: 49 ـ 50.

([28]) الخميني، صحيفه إمام (صحيفة الإمام) 20: 457.

([29]) عدد من المؤلِّفين، مجموعه آثار إمام خميني وحكومت إسلامي (سلسلة تراث الإمام الخميني والحكومة الإسلامية) (سلسلة من عشرة أجزاء) 7: 340، مؤسّسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني، طهران، 1387هـ.ش. (مصدر فارسي).

([30]) الخميني، صحيفه إمام (صحيفة الإمام) 10: 308.

([31]) المصدر السابق 20: 425.

([32]) محمد باقر الصدر، اقتصادنا: 804، مركز الأبحاث والدراسات التخصّصية للشهيد الصدر، ط1، قم، 1424هـ.

([33]) محمد تقي جعفري، جايگاه تعقّل وتعبُّد در معارف إسلامي، مجلة حوزه، العدد 49: 89، السنة التاسعة، 1371هـ.ش. (مصدر فارسي).

([34]) الميرزا حسن (أو محمد حسن) بن محمود الحسيني الشيرازي (1230 ـ 1312هـ): فقيهٌ وأصولي ومرجع الإمامية في عصره. درس على يد الشيخ الأنصاري، وآلت له المرجعية بعد وفاته. أصدر في السنة الأخيرة من حياته فتواه المعروفة بتحريم التنباك، التي أدَّتْ إلى ترك استعمال التبغ من قِبَل ملايين الإيرانيين، فنتج عن ذلك إلغاء الاتّفاقية مع الإنجليز. المعرِّب.

([35]) الخميني، الحكومة الإسلامية (ولاية الفقيه): 113، 1373هـ.ش.

([36]) مجموعة من المؤلِّفين، مجموعه آثار كنگره بررسي مباني فقهي إمام خميني (سلسلة تراث مؤتمر دراسة مباني الإمام الخميني) (سلسلة من أربعة عشر جزءاً) 14: 333 ـ 335، مؤسّسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني، طهران، 1374هـ.ش. (مصدر فارسي).

([37]) بمعنى مباني أولئك الذين إما يرفضون «منطقة الفراغ» و«ما لا نصّ فيه» من الأساس، أو أنهم إذا قبلوا بها لا يرَوْن موارد الحكم الولائي منحصرةً بها، وأما بناء على أساس مباني أولئك الذين يرَوْن الحكم الولائي يختصّ بمنطقة الفراغ (مثل: السيد الشهيد محمد باقر الصدر، اقتصادنا: 726، 1408هـ)، تكون النسبة بين الأحكام الولائية والأحكام الأولية، وكذلك النسبة بين الأحكام الولائية والأحكام الثانوية، هي نسبة التباين؛ إذ طبقاً للمباني المذكورة لا يكون هناك أيُّ مصداقٍ مشترك بين الأحكام الولائية والأحكام الأولية والثانوية؛ إذ إن الحكم الولائي طبقاً لهذا الرأي إنما يمكن جعله في موردٍ لم يجعل حكمٌ من قِبَل الشارع بعنوان الحكم الأوّلي أو بعنوان الحكم الثانوي.

([38]) انظر: مجموعة من المؤلِّفين، مجموعه آثار كنگره بررسي مباني فقهي إمام خميني (سلسلة تراث مؤتمر دراسة مباني الإمام الخميني) (سلسلة من أربعة عشر جزءاً) 14: 333 ـ 335.

([39]) انظر: الطباطبائي، بررسيهاي إسلامي (بحوث إسلامية) 1: 86.

([40]) انظر: المصدر السابق: 81.

([41]) محمد تقي الحكيم، الأصول العامة للفقه المقارن: 55، مؤسّسة آل البيت^، ط2، 1979م.

([42]) انظر: الطباطبائي، بررسيهاي إسلامي (بحوث إسلامية) 1: 84.

([43]) انظر: محمد باقر الصدر، اقتصادنا: 400.

([44]) لقد صنَّف كاتب السطور كتاباً مستقلاًّ في بيان أن الكثير من المسائل المستحدَثة يتمّ حلّها من طريق الخصائص الأخرى للأحكام الإسلامية غير الأحكام الولائية، وهو كتابٌ قيد الطبع، عنوانه: «اجتهاد ونقش آن در خاتميت» (الاجتهاد ودَوْره في الخاتمية).

الكاتب أ. محمد إسحاق عارفي شيرداغي

أ. محمد إسحاق عارفي شيرداغي

مواضيع متعلقة

اترك رداً

downloadfilmterbaru.xyz bigoporn.club bok3p.site sablonpontianak.com