دور قاعدة الصحّة في التعايش والسلام العالميّين

img

د. الشيخ محمد رحماني(*)

ترجمة: السيد حسن علي الهاشمي

المقدّمة

هناك الكثير من العوامل التي تدعو الشعوب في العالم المعاصر إلى التعايش السلمي والتفاهم والصلح وبناء الثقة والسلام العالمي، وأصبحت مصائر المجتمعات البشرية من التشابك بحيث لم يعُدْ من السهل ـ بل أصبح من المستحيل ـ على شعب أن يختار حياة العزلة عن سائر الشعوب والمجتمعات الأخرى.

ومن هنا يسعى أكثر المصلحين في العالم إلى الحدّ من انعدام الثقة والنزاعات المدمّرة الناشئة من اختلاف الأديان والمذاهب والنزاعات السياسية، والعثور على طريقة لتحقيق السلام والثقة والوئام بين الشعوب والمجتمعات. ومن الواضح جدّاً أن هذا الأمر لا يبدو ممكناً إلاّ من خلال وضع حلول تأسيسية لإقامة السلام والتعايش السلمي على المستوى العالمي، وتقديم صورة مسالمة للمخاطبين في العالم.

لقد أثبتت التجارب على طول التاريخ ـ ولا سيَّما في العقود الخمسة المنصرمة، عبر منظومة الأمم المتحدة ـ أن إقامة الصلح وبناء التعايش السلمي بين شعوب العالم لا يبدو ممكناً إلا من خلال الاستعانة بالدين، وإن الإسلام هو الدين الوحيد ـ من بين الأديان الإلهية ـ الذي يمكنه تلبية مختلف الاحتياجات البشرية في العصر الراهن. ومن هنا يحظى بيان موقف الإسلام من تمهيد الأرضية للسلام العالمي بأهمّية بالغة. نسعى في هذا المقال إلى إثبات أن قاعدة الصحّة في الفقه من شأنها أن تشكّل واحدة من الحلول الفقهية في إطار تحقيق السلام والوفاق وبناء الثقة والتعايش السلمي بين الأمم؛ وذلك لأن الفقهاء قد وسّعوا من دائرة هذه القاعدة، وأضحَتْ تشمل في تطبيقها حتى أفعال وأقوال ومعتقدات غير المسلمين أيضاً.

تحرير موضع النزاع

قبل الدخول في صُلب البحث، يجدر التذكير بأن الفقهاء قد ذكروا الكثير من الأبحاث في ما يتعلّق بقاعدة الصحة، ومن تلك الأبحاث ما يلي:

1ـ اختلاف أصالة الصحّة عن قاعدة التجاوز.

2ـ مباني وأدلّة القاعدة.

3ـ هل المراد من الصحّة هو الصحّة الحقيقية أم الصحّة عند العامل؟

4ـ الثمرة الفقهية لكلا هذين المبنيين.

5ـ موارد جريان وعدم جريان القاعدة بحَسَب علم وجهل العالم بصحّة وفساد العمل.

6ـ جريان وعدم جريان القاعدة في موارد الشكّ في قابلية الفاعل أو قابلية المورد أو الشكّ في فقدان الشرط أو الجزء أو وجود المانع.

7ـ ما الذي يعنيه البحث عن مفهوم الصحّة، القائل بأن صحّة كل شيء بحَسَبه؟

8ـ البحث عن شرائط جريان القاعدة، ومن بينها: إحراز العمل الجامع بين الصحيح والفاسد.

9ـ حجّية وعدم حجّية اللوازم العقلية والعرفية لأصالة الصحّة.

10ـ البحث عن طرق حلّ التعارض بين أصالة الصحّة والاستصحاب.

11ـ موارد الاستثناء من جريان أصالة الصحّة.

12ـ جريان أصالة الصحّة بالنسبة إلى الأفعال الخاصّة بالمكلَّف.

13ـ جريان أصالة الصحّة بالنسبة إلى الأحكام التكليفية والوضعية.

14ـ أدلة ومباني أصالة الصحّة.

15ـ توسيع دائرة قاعدة الصحّة بالنسبة إلى أفعال وسلوكيات غير المسلمين، وترتيب آثار الصحّة على أعمالهم.

16ـ توسيع دائرة قاعدة الصحّة بالنسبة إلى أقوال غير المسلمين.

17ـ توسيع دائرة قاعدة الصحّة بالنسبة إلى معتقدات غير المسلمين.

والذي يشكّل المحور الرئيس لهذا المقال هي العناوين المذكور ضمن الأرقام: 15 و16 و17 من العناوين المتقدّمة، وسوف نبحث العنوان رقم 15 تَبَعاً وعلى نحو الإجمال.

أدلة القاعدة ومبانيها

من الواضح جداً أن البحث عن المباني وأدلة القاعدة يُعَدّ من المسائل المحورية والأساسية في الدراسة؛ إذ بالإضافة إلى توقّف إثبات حجّية واعتبار القاعدة على هذا البحث، فإن توسعة وضيق المساحة التطبيقية رهنٌ به أيضاً.

وعلى أيّ حال ذكر بعض العلماء، ومنهم: المحقق المشكيني ـ صاحب الحاشية على كفاية الأصول ـ، أن مباني وأدلة هذه القاعدة تصل إلى ثمانية، وذكر على هامش بعض هذه الأدلة أربع آيات كأمثلة للعناوين([1]).

وقد ورد في كلام العلماء الآخرين، من أمثال: كاشف الغطاء، أدلّة أخرى لم يذكرها المشكيني في كلامه([2]).

وحيث لا يخلو التعرّف الإجمالي على عناوين الأدلة من فائدةٍ نشير هنا إلى الأدلة التي ذكرها المحقّق المشكيني، على نحو الإجمال.

1ـ إن الأصل الأوّلي في كل عملٍ يقوم على الصحّة والسلامة.

2ـ إن التديّن بكل دينٍ يقتضي القيام بالفعل كما وجب.

3ـ إن الغالب في الأفعال هو الصحّة.

4ـ إن ظاهر حال كلّ فاعلٍ أنه يقوم بالأفعال بشكلٍ صحيح.

5ـ الكتاب (أربع آيات).

6ـ السنّة (خمس روايات).

7ـ إن حكم العقل بالصحّة يأتي من باب الحيلولة دون اختلال النظام؛ لأن عدم جريان أصالة الصحّة في أفعال الآخرين يؤدّي قطعاً إلى اختلال النظام الاجتماعي.

8ـ يقوم الإجماع القولي والعملي للمسلمين وبناء العقلاء على حمل أفعال الآخرين على الصحّة([3]).

وكما سبق أن أشرنا هناك أدلةٌ أخرى مذكورة في كلمات الآخرين أيضاً، وفي المجموع لا يتجاوز عدد الأدلة العشرة.

وقد تعرّضت أكثر هذه الأدلة للانتقاد من قِبَل العلماء والمنظِّرين. والدليل الوحيد الذي أجمعوا على سلامته من النقد هو السيرة العقلائية. ولذلك سوف نقصر البحث على خصوص هذا الدليل بشكلٍ إجمالي؛ رعايةً للاختصار.

بناء العقلاء

يمكن القول: إن عمدة أدلة القائلين بحجّية هذه القاعدة هو بناء العقلاء. ومن ذلك مثلاً أن الإمام الخميني يقول في هذا الشأن: «قد استدلّ على اعتبار القاعدة بأمور من الكتاب والسنّة والإجماع والعقل، مما يمكن الخدشة في جلّها ـ لولا كلّها ـ. والدليل عليها هو بناء العقلاء والسيرة العقلائية القطعية، من غير اختصاصها بطائفة خاصّة كالمسلمين، ولا اختصاص جريانها بفعل المسلم. وليس للمسلمين في ذلك طريقة خاصّة تكشف عن كون أصالة الصحّة ثابتة من قِبَل شارع الإسلام»([4]).

كما أن للإمام ما يشبه هذا الكلام في «تنقيح الأصول» أيضاً. وقد صرّح هناك بأن أصالة الصحّة هي من قبيل: «خبر الثقة» و«قاعدة اليد»؛ حيث لا اختصاص لحجّيتها واعتبارها بالمسلمين([5]).

وقال السيد صادق الروحاني، بعد نقد مختلف الأدلة: «فالأَوْلى أن يُستدل لها ببناء العقلاء على ذلك، والسيرة المستمرّة غير المختصّة بالمسلمين، بل كلّ ذي دين، بضميمة عدم الردع. وهذا هو العمدة»([6]).

وقال الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في هذا الشأن: «أما الإجماع العملي من العلماء ـ بل من المسلمين جميعاً ـ، وهو الذي يُعبَّر عنه بسيرة المسلمين، فهو غير قابل للإنكار»([7]).

وقال السيد البجنوردي: «والظاهر أن عمدة الدليل عليه هي سيرة العقلاء كافّة، من جميع الملل، في جميع العصور، من أرباب جميع الأديان، من المسلمين وغيرهم، والشارع لم يردَعْ عن هذه الطريقة، بل أمضاها»([8]).

وقال السيد الگلبايگاني: «الظاهر أن بناء العقلاء على ذلك، من دون اختصاص بالمسلمين»([9]).

وعليه فإن الظاهر هو بناء العقلاء على العمل بقاعدة الصحّة، دون اختصاصها بالعقلاء من المسلمين.

تقريب الاستدلال

إن الاستدلال بسيرة العقلاء يتكوَّن من قياسٍ مؤلَّف من: صغرى؛ وكبرى، على النحو التالي:

أـ الصغرى: لا شَكَّ في أن العقلاء بما هم عقلاء ـ سواء أكانوا من المسلمين أم غيرهم ـ، إذا لم يكونوا ناظرين إلى أعمال الآخرين، هم في موارد الشكّ في اشتمالها على الأجزاء والشرائط وفقدان موانع الصحّة أم لا يحملون هذه الأعمال على الصحّة، ويرتبون عليها آثارها.

ب ـ الكبرى: لا شَكَّ في أن هذه السيرة العقلائية كانت جاريةً في عصر المعصومين^، وعلى مرأى ومسمع منهم؛ لأن هذا النوع من السِّيَر ليس مستحدثاً، وإنما هو ضاربٌ بجذوره في أمورهم المرتكزة والعقلية. ومن ناحيةٍ أخرى إن هذه السيرة لم يتمّ الردع عنها من قبل المعصومين^؛ إذ انطلاقاً من القاعدة القائلة: «لو كان لبان» لو كانت هذه السيرة ـ التي تشمل جميع أبعاد حياة الناس ـ قد نهى عنها الشارع لوصل ذلك إلينا، وحيث لم يصل إلينا يثبت أنه لم يردع عنها، ومع عدم ردع الشارع عنها يثبت أن الشارع المقدّس ـ الذي هو واحدٌ من العقلاء [بل سيّدهم] ـ قد أمضى هذه السيرة، وبذلك تكون حجّة علينا؛ لتمامية أركان حجّية سيرة العقلاء التي هي عبارة عن تمامية الصغرى والكبرى المتقدّمتين.

وبعبارةٍ أخرى: كلما كانت السيرة العملية للعقلاء على أمرٍ أكثر رسوخاً وأوسع انتشاراً وأطول زماناً ـ كما هو الحال في اعتماد العقلاء على خبر الثقة ـ وجب أن يكون الردع والنهي عنها أقوى وأشدّ.

من الواضح جدّاً أن السيرة قائمة على حمل أفعال الآخرين على الصحّة من قِبَل عقلاء العالم؛ إذ بالإضافة إلى استمرار التاريخ الطويل لهذه السيرة فإنها تتمتع بدائرة واسعة من الانتشار في الأفعال والأقوال والمعتقدات الدينية، ومن ناحيةٍ أخرى لم يرِدْ من قبل الشارع أيّ بيان دالّ على الردع عنها.

اختلاف سيرة المتشرّعة عن سيرة العقلاء

إن بين سيرة العقلاء وسيرة المتشرّعة اختلافات، وتترتب على بعضها ثمار عملية أيضاً، ومنها:

أـ إن حجية السيرة العقلائية متوقّفة على عدم الردع الكاشف عن إمضاء الشارع، في حين أن سيرة المتشرّعة المتصلة بعصر المعصوم كاشفةٌ بنفسها عن الإمضاء.

ب ـ ليس للتعبّد طريق في السيرة العقلائية، بخلاف سيرة المتشرّعة.

ج ـ إن سيرة المتشرّعة محدودة بالمسلمين، خلافاً للسيرة العقلائية التي هي أعمّ منها.

د ـ إن كل سيرة عقلائية متصلة قطعاً بعصر المعصوم، في حين أن سيرة المتشرّعة قد لا تكون متصلة.

بالالتفات إلى هذه الاختلافات يتّضح أن استدلال الفقهاء بالسيرة العقلائية عبارة عن إثبات ما يلي:

أوّلاً: إن هذه السيرة كانت موجودة في عصر المعصومين^. وعليه يكون اتصال السيرة بعصر المعصومين محرزاً.

ثانياً: إن هذه السيرة لا تختصّ بأفعال وأقوال ومعتقدات المسلمين.

ثالثاً: إن هذه السيرة تمتدّ بجذورها في الأمور الارتكازية والعقلية، وليس في الأمور التعبّدية البَحْتة.

جريان أصالة الصحّة بالنسبة إلى غير المسلمين

إن أكثر الفقهاء لم يتعرّضوا لجريان أصالة الصحّة في أفعال وأقوال غير المسلمين والكفّار أو عدم جريانها. ولكن لا شَكَّ في أن قاعدة الصحّة لا تختص بأفعال وأقوال المسلمين، بل هي أعمّ، وتشمل الكفّار أيضاً.

والشاهد الأول على هذا المدّعى عبارة عمّا تقدَّم في عنوان الأدلة والمباني على هذه القاعدة، وهو أن أهمّ دليل لإثباتها، والذي عليه إجماع كافة الفقهاء، هو بناء وسيرة العقلاء. ومن الواضح جدّاً أن سيرة العقلاء لا تختصّ بجماعة أو طائفة بعينها، بل تشمل جميع العقلاء بما هم عقلاء؛ لأن الملاك والضابط الموجود عند العقلاء هو المرتكزات العقلائية، وهي عامة، ولا تختصّ بجماعة دون أخرى. وعليه فإن أهم أدلة هذه القاعدة دليلٌ واسع يشمل جميع العقلاء، ومن بينهم غير المسلمين أيضاً.

الشاهد الثاني على ذلك أن الكثير من الذين ألَّفوا في القواعد قد أضافوا إلى هذه القاعدة لاحقة «فعل الغير»، وجعلوا عنوان هذه القاعدة: «أصالة الصحّة في فعل الغير»، ومن بينهم: السيد الگلبايگاني في «إفاضة القواعد»([10])، والشيخ الأنصاري في «فرائد الأصول»([11])، والشيخ مكارم الشيرازي في «القواعد الفقهية»([12])، والآخوند الخراساني في «كفاية الأصول»([13]).

إن هذه اللاحقة بمنزلة التصريح بأن هذه القاعدة تشمل العقلاء بأجمعهم، الأعمّ من المسلمين وغير المسلمين.

كما أن بعض الفقهاء، مثل: الإمام الخميني في كتاب «الاستصحاب»([14])، والسيد الخوئي في «مصباح الأصول»([15])، والسيد البجنوردي في «القواعد الفقهية»([16])، والسيد صادق الروحاني في «زبدة الأصول»([17])، والسيد محمد الروحاني في «منتقى الأصول»([18])، وإنْ أطلقوا الكلام في هذه المسألة، إلاّ أن كلامهم يشمل غير المسلمين أيضاً؛ إذ بالإضافة إلى أن ذات الإطلاق يكفي لشمول غير المسلمين قد صرّحوا في المتن بالتوسعة والتعميم.

وعلى أيّ حال فإن تقييد عنوان القاعدة بقيد «في فعل الغير»، أو حتّى إطلاق القاعدة وبيانها دون هذه اللاحقة، يدلّ على أنها تشمل غير المسلمين أيضاً. إن لهذا الأمر دَوْراً أساسياً ومحورياً لإثبات عنوان هذا المقال، أي «دور أصالة الصحّة في السلام العالمي».

وإذا تجاوزنا هذه الأمور فقد صرّح بعض كبار العلماء بتوسعة هذه القاعدة لتشمل حتّى الكفار أيضاً. ومن ذلك: ما ذكره الشيخ جعفر كاشف الغطاء في مقام استدلاله على هذه القاعدة، حيث قال: «وكذا [من الأدلة على هذه القاعدة] ما أوجده الإنسان البالغ العاقل من أقوال أو أفعال فيُبنى فيها على وقوعها على نحو ما وضعت له…، من مسلم مؤمن أو مخالف أو كافر كتابي أو غير كتابي»([19]).

لقد ذهب الشيخ جعفر الكبير ـ من خلال الأدلة المتنوّعة التي أقامها على إثبات أصالة الصحّة ـ إلى نتيجة مفادها عدم اختصاص هذه القاعدة بالمسلمين.

كما قال المحقق الآشتياني ـ صاحب الحاشية على فرائد الأصول ـ في هذا الشأن: «ثم إن هنا أموراً لم يُنبِّه عليها الأستاذ العلاّمة فبالحريّ أن ننبّه عليها: الأوّل: إنّ ظاهر كلماتهم في بيان الأصل المذكور اختصاصه في بادئ النظر بفعل المسلم، فلا يجري في فعل الكافر في ما له صحيح وفاسد لو شكّ في صحيحه و فساده. إلاّ أن مقتضى عميق النظر جريانه فيه؛ فإن بعض أدلته، كالكتاب والسنّة، وإنْ كان مختصّاً بفعل المسلم…، إلا أن العقل من حيث لزوم الاختلال والسيرة قاضيان بعدم الفرق»([20]).

إن هذه العبارة تدلّ بوضوح على شمول هذه القاعدة للكفار، سواء الكتابيين منهم أو غير الكتابيين. ومن الجدير بالذكر أن الشيخ جعفر كاشف الغطاء قد ذكر أربعة فروق بين إجزاء قاعدة الصحة في مورد الكافر والمسلم، وقد فصّل الكلام في هذا الشأن. ولكنْ حيث إن هذا التفصيل لا يرتبط بغاية هذا المقال لا نجد ضرورةً لذكره([21]).

وقد صرّح الإمام الخميني& بعدم اختصاص القاعدة بالمتدينين، حيث قال في هذا الشأن: «وتوهم اختصاص أصالة الصحّة بالمتديّنين بدين الإسلام في غايه الفساد؛ لما نشاهد بالعيان من بناء غير المتديّنين عليها أيضاً»([22]).

أثبتنا حتى الآن أن موضوع دائرة أصالة الصحة هو الأعمّ من المسلم وغير المسلم. وبعد ذلك سوف نبحث في أيّ أمرٍ من أمور غير المسلمين تجري هذه القاعدة؛ فتكون نتيجتها التفاهم والتعايش السلمي والصلح العالمي.

جريان القاعدة في الأفعال

إن القدر المتيقّن من أصالة الصحّة عبارة عن أفعال الآخرين ـ الأعمّ من المسلمين وغير المسلمين ـ؛ لأن البرهان الأصلي على قاعدة الصحّة هو سيرة العقلاء، وهي جارية في الأفعال قطعاً. وعليه لو شككنا في فعلٍ من أفعال المسلمين، وله أثرٌ شرعي، ولم نعلم ما إذا كان صحيحاً أو فاسداً، تجري فيه أصالة الصحّة، وترتّبت عليه الآثار الشرعية، مثل: إقامة الصلاة، وإجراء صيغة عقد النكاح، والطلاق، والبيع، والذباحة.

وكذلك لو صدر فعل من غير المسلم، وكان ينطوي على أثر شرعيّ بالنسبة لنا، تجري فيه أصالة الصحّة أيضاً، كأنْ نشكّ في أن عقد النكاح على أساس دينه صحيحٌ أم لا فإننا نحمله على الصحّة، وتترتّب عليه الآثار الشرعية للصحّة. وهذا البحث من الوضوح بحيث لا حاجة معه إلى التفصيل.

وعليه إن النتيجة العملية المترتبة على هذه القاعدة أنه إذا كان هناك شخصٌ مسلم يعيش في بلاد الكفر يمكنه الاستناد إلى هذه القاعدة في موارد الشكّ في ما إذا كانت أفعال الناس هناك مطابقة لدينهم بشكلٍ صحيح أم لا، وأمكنه حمل أفعالهم على الصحّة، ورتب الآثار على أساس ذلك.

ومن الواضح جدّاً أن هذا الحمل على الصحّة يشكّل أرضية مناسبة للوفاق والتعايش السلمي، المقترن بالتفاهم والمساواة.

جريان القاعدة في الأقوال

لا يخفى ما لجريان أصالة الصحّة في أقوال المسلمين وغير المسلمين من تأثير في نشر السلام في المجتمعات، وإقامة الصلح والوئام، والبُعْد عن الأحقاد والضغائن وسوء الظنّ بالآخرين.

هناك في ما يتعلّق بجريان أصالة الصحّة في الأقوال صور، يجب بحث كلّ واحدة منها بشكلٍ مستقلّ:

الصورة الأولى: أن يصدر كلامٌ من شخص، ثم نشكّ في ما إذا كان مصداق هذا الكلام محرّماً أم لا؟ كما إذا لم نكن نعلم هل هو من الكذب الذي يؤدي إلى فسق قائله، فيجوز اغتيابه؛ أم لا، فلا يجوز اغتيابه؟ أو لا نعلم هل ينطوي كلامه على اغتياب مؤمن، فيحرم استماعه، ويجب الدفاع عن المغتاب؛ أم هو سلامٌ، فيجب ردّه؛ أو شتيمة، فيستحقّ قائلها التعزير؟

وفي هذه الحالة تجري أصالة الصحّة، وتنتفي الآثار الشرعية المترتبة على الحرام. ففي المثال الأخير ـ مثلاً ـ لا يترتب الأثر الشرعي على الشتم، بمعنى انتفاء التعزير، ولكنّه لا يثبت السلام حتّى يترتّب عليه وجوب الردّ.

وفي المثال الثاني، من خلال جريان أصالة الصحّة تنتفي الغيبة، وتنتفي الآثار الشرعية المترتّبة على ذلك، من فسق القائل، ووجوب الدفاع عن المغتاب، وحرمة الاستماع.

وفي المثال الأوّل ينتفي الأثر الشرعي المترتّب على الكذب والفسق، ولا تحمل عليه آثار الصدق والمطابقة مع الواقع.

إذ ثبت في محلّه أنه لا فرق في أصل الصحّة بالنسبة إلى اللوازم العقلية والآثار الشرعية بين ما إذا اعتبرناه أمارة أو أصلاً عملياً. والدليل على هذا المدّعى، على مبنى القائلين بحجّية أصالة الصحّة، هو التمسّك بآياتٍ من الكتاب، ومنها: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (الحجرات: 12).

ودلالة هذه الآية واضحة؛ إذ إن مقتضى اجتناب الظنّ هو حمل الكلام الذي نشكّ فيه على غير الحرام، وعدم ترتيب آثار الحرام عليه.

وكذلك تمّ التمسّك لحجّية أصالة الصحّة بالروايات الدالة على حمل فعل المسلم على الصحّة، من قبيل: المرويّ عن أمير المؤمنين× أنه قال: «ضَعْ أمر أخيك على أحسنه، حتّى يأتيك ما يغلبك عنه، ولا تظنّن بكلمة خرجت من أخيك سوءاً وأنت تجد لها في الخير سبيلاً»([23]).

ودلالة هذه الرواية على المدّعى مورد البحث واضحة؛ إذ الرواية تدلّ على أنه ما دام يمكن حمل كلام أخيك على الخير تعيّن عليك عدم حمل كلامه على غير ذلك.

وأما على مبنى أولئك الذين لا يقبلون بالاستدلال بهذه الآيات والروايات؛ إذ إن هذه الآيات والروايات في حدّ ذاتها، وبغضّ النظر عن دلالتها على حجّية أصالة الصحّة أو عدم دلالتها على ذلك، تدلّ على حمل فعل الغير على الصحّة، ولكنْ لا من باب قاعدة أصالة الصحّة. وعلى أيّ حال إن السيرة [العقلائية] التي تمثل الدليل الأصلي على هذه القاعدة تشمل هذه الصورة أيضاً؛ لأن سيرة المسلمين ـ بل سيرة العقلاء التي هي الدليل الرئيس والقطعي على أصل الصحّة ـ تعمل في هذا المورد على حمل كلام الآخرين على الوجه الصحيح. وهذا ما قال به كبار العلماء، ومنهم: الشيخ الأنصاري.

قال الشيخ الأنصاري في هذا الشأن: «أما الأقوال فالصحّة فيها تكون من وجوه:

الأوّل: من حيث كونه حركة من حركات المكلَّف؛ فيكون الشكّ من حيث كونه مباحاً أو محرماً. ولا إشكال في الحمل على الصحّة من هذه الحيثيّة»([24]).

الصورة الثانية: صدر كلامٌ من البعض، فإذا كان صدوره على الوجه الصحيح ترتبت عليه الآثار. كما لو شككنا أثناء عقد النكاح أو إيقاع الطلاق ما إذا كانت الصيغة مشتملة على القواعد العربية أم لا؛ أو شككنا في صحّة أداء مادّة هذه الصيغة أم لا؟

لا شَكَّ في جريان أصالة الصحّة في هذه الموارد، وتترتّب عليها الآثار الشرعية، من قبيل: صحّة عقد النكاح، أو إيقاع الطلاق، أو صحّة صلاة إمام الجماعة. ولا فرق في ذلك بين أن يكون الدليل هو سيرة العقلاء أو الأدلة الأخرى.

الصورة الثالثة: صدر كلامٌ عن متكلِّمٍ، وشككنا في كون هذا الكلام كاشفاً عن شيء أم لا؟ وهناك عدّة شقوق لهذه الحالة:

الشق الأوّل: نشكّ في ما إذا كان الكلام كاشفاً عن المعنى أم لا. وبعبارةٍ أخرى: هل كان المتكلم قاصداً المعنى ومدلول الكلام؛ أم أنه كان يقصد مجرّد التمرين أو المزاح؛ أو أنه أخطأ في الكلام؟ مثلاً: لو صدرت صيغة: «بعتُ» أو «أنتِ طالقٌ» من شخصٍ، وشككنا في قصد الإنشاء أو الإرادة الجدّية، ففي هذه الحالة يكون مقتضى الاستصحاب الموضوعي بقاء الملكية والزوجية، إذا لم تجْرِ أصالة الصحّة.

ولكنّ الحق أن أصل الصحّة يجري؛ لأن سيرة العقلاء قائمة على أن الألفاظ الصادرة عن المتكلِّم كاشفة عن المعنى، وأنها مقرونة بالإرادة الجدّية، إلاّ إذا ثبت الخلاف.

والشاهد على ذلك أنه لو وقع النزاع في مدلول اللفظ، فقال المتكلِّم: لم أقصد المعنى والإنشاء، لن يقبل منه العقلاء ذلك، إلاّ إذا جاء على ذلك بدليلٍ. وهذا ما قال به الكثير من كبار العلماء، ومنهم: الشيخ الأنصاري، حيث قال، بعد أن رأى الصورة الثالثة مشتملة على بعض الحيثيات: «أحدها: من جهة أن المتكلِّم بذلك القول قصد الكشف بذلك عن معنى، أم لم يقصد، بل تكلم به من غير قصد لمعنى. ولا إشكال في أصالة الصحّة في هذه الجهة، بحيث لو ادّعى كون المتكلّم لغواً أو غلطاً لم يسمع منه»([25]).

الشق الثاني: قال المتكلم كلاماً، ونحن نعلم أنه قصد المعنى، ولكننا لا نعلم ما إذا كان كاشفاً عن اعتقاد المتكلم أم لا. وبعبارةٍ أخرى: أن نشك في أن المتكلم يعتقد ويلتزم بذلك المعنى الذي قصده من كلامه أم لا، كما في قول المنافقين أنهم يشهدون بأن النبيّ| رسول الله، ولكنّ الله يقول عنهم: ﴿وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ (المنافقون: 1).

ويرى الفقهاء جريان أصالة الصحّة في هذه الموارد أيضاً؛ وذلك لأن سيرة العقلاء تقوم على نسبة مضمون ومدلول الكلام في موارد الشكّ إلى المتكلِّم، ويعتبرون ذلك بمنزلة معتقد له. وعليه لو قال شخص: «أشهد أن علياً وليّ الله» على نحو الإخبار فإن مدلول هذه العبارة يؤخذ بوصفه دليلاً على العقيدة التي يؤمن بها قائلها، فينسب إلى التشيُّع، ويتمّ ترتيب الآثار على ذلك.

وهكذا الأمر بالنسبة إلى العبارات الإنشائية، فإذا قال المولى: «بِعْ داري»، وشككنا ما إذا كان الأمر حقيقياً أم هو لمجرّد الاختبار، حُمل كلامه على الصحّة، وأن الأمر حقيقي، وأن مدلول كلامه مقصود ومُلزم. والشاهد على ذلك أنه في كلتا هاتين الصورتين لو قال المتكلم، دون أن ينصب قرينة: إنه لم يكن يقصد أو يعتقد بمدلول الكلام لم يُقبل ذلك منه. وهذا هو الذي أشار إليه الشيخ الأنصاري بقوله: «الثاني: من جهة أن المتكلِّم صادق في اعتقاده، ومعتقد بمؤدّى ما يقوله، أم هو كاذب في هذا التكلم في اعتقاده. ولا إشكال في أصالة الصحّة هنا أيضاً. فإذا أخبر بشيءٍ جاز نسبة اعتقاد مضمون الخبر إليه»([26]).

الوجه الثاني: الشكّ عبارة عن أن المتكلّم هل يعتقد بمدلول كلامه أم هو كاذب؟

لا شَكَّ في جريان أصالة الصحّة في هذا المورد أيضاً. وعلى هذا الأساس كلّما أخبر شخص عن شيء أمكن لنا أن ننسب مضمون الخبر إليه بوصفه معتقداً له. وهكذا الأمر في الإنشاءات أيضاً.

الشق الثالث: لو شككنا في ما إذا كان الكلام الصادر عن المتكلِّم كاشفاً عن مطابقة مدلول الكلام مع الواقع أم لا، وبعبارةٍ أخرى: نعلم أن قائل هذا الكلام قد قصد المعنى، ونعلم أنه يعتقد به أيضاً، ولكننا لا نعلم ما إذا كان هذا المدلول والمعتقد متطابقاً مع الواقع أم لا؟

إن لهذا الشك حيثيتين أيضاً، وهما:

أـ من حيث صدق وكذب المتكلم؛ إذ لو لم يكن متطابقاً مع الواقع كان كلامه ومعتقده كاذباً. والأثر الشرعي المترتب على ذلك هو فسق المتكلم وسقوط العدالة عنه.

وبالنسبة إلى هذه الحيثية يكون مصداقاً للحالة الأولى، ويتمّ الحمل على الصحّة، وتنتفي الآثار الشرعية للحرمة؛ إذ بالإضافة إلى سيرة العقلاء، فإن روايات: «ضَعْ فعل أخيك على أحسنه» تشمل هذا المورد على نحو القطع واليقين أيضاً. وقد تقدم تفصيل البحث في هذا الشأن، فلا نعيد.

ب ـ الحيثية الثانية: إن هذا الشك عبارة عمّا إذا كان يتمّ حمل آثار الواقع على هذا الكلام أم لا، وبعبارةٍ أخرى: نشكّ في ما إذا كان قول المتكلم حجّة أم لا؛ لأننا نشكّ في الصدق وعدم الصدق. وعلى حدّ تعبير الشيخ الأنصاري: يساوق الشك في الحجية وعدم الحجية([27]).

يقول الشيخ الأنصاري: هناك مَنْ يتصوّر وجود كبرى كلية على قيام الأصل على حجّية قول كلّ مسلم، إلا إذا ثبت الخلاف. ودليلهم في ذلك روايات، ومنها:

1ـ «قول الصادق× لمحمد بن الفضل: يا محمد، كذِّبْ سمعك وبصرك عن أخيك. فإنْ شهد عندك خمسون قسامة أنه قال، وقال: لم أقُلْ، فصدّقه وكذّبهم»([28]).

2ـ الرواية القائلة: «ضَعْ فعل أخيك على أحسنه»([29]).

3ـ الروايات الدالة على عدم جواز اتّهام المؤمن: «المؤمن لا يتّهم أخاه»([30]).

وقد خدش الشيخ الأنصاري في دلالة هذا النوع من الروايات على حجية قول المسلم، وذلك من خلال النقاط التالية:

أوّلاً: إن مضمون هذه الروايات عدم حمل قول وفعل أخيك على الوجه القبيح، وعدم ترتيب الآثار الشرعية للحرمة. ولكنها لا تدلّ على الحمل على الواقع، وترتيب آثار الواقع عليه. فمثلاً: لو سمعت كلاماً، ولم تعلم ما إذا كان سلاماً أو شتيمة، فإن هذه الروايات تدلّ على عدم ترتيب آثار الشتيمة، ولكنْ لا يستفاد منها ترتيب آثار السلام ووجوب الردّ.

والشاهد على هذا المدّعى أنه في الرواية الأولى هناك خمسون قسامة من جهة، وشخص واحد من جهة، فإذا أردنا ترتيب آثار الواقع لكان لازم ذلك هو الجمع بين الضدّين؛ لوجود واقعين في البين.

ثانياً: لو كان مدلول الروايات حجّية قول المسلم لزم تخصيص الأكثر؛ وذلك لعدم حجّية قول مسلم واحد في باب الشهادة. وإن خبر الواحد بما هو خبر واحد ليس حجّة إلاّ مع اجتماع الشرائط، ومن بينها: العدالة أو الوثاقة. وفي باب الحدّ لا يكون خبر الواحد حجّة، وفي الأمور النظرية لا يكون قول الواحد حجّة أيضاً([31]).

الشق الرابع: أن يُشكّ في كون الكلام الصادر عن المتكلم كاشفاً عن المعنى الحقيقي، وبعبارةٍ أخرى: هل يُحمل على المعنى الحقيقي أم على المعنى المجازي؟

في هذه الحالة يُحمل على المعنى الحقيقي أيضاً، إلاّ إذا نصبت قرينة على إرادة المعنى المجازي. والدليل على ذلك عبارة عن أصل عقلائي، وهو أصالة الحقيقة، التي يجمع عليها كافّة العقلاء. وإن الشارع المقدس بوصفه أحد العقلاء لم يردَعْ ولم ينْهَ عنها. ولذلك يتمّ الحمل على المعنى الحقيقي، وترتّب عليه الآثار الشرعية أيضاً.

جريان القاعدة في العقائد

إن مجال العقائد الدينية يعَدّ من بين مجالات تطبيق أصالة الصحّة أيضاً. ومن الواضح جدّاً أن جريان أصالة الصحّة في هذه الأمور يلعب دَوْراً محورياً في بناء مجتمع مسالم، تحكمه روح الوئام والتفاهم، بعيداً من الأحقاد والضغائن وسوء الظنّ، ولا سيَّما في المجتمعات متعدّدة الطوائف والأديان والمعتقدات.

إن الكثير من المفكِّرين الذين حققوا في أصالة الصحّة لم يتعرضوا لهذا البحث. وعلى أيّ حال فإن الشك في الأمور الاعتقادية ذات الأثر الشرعي على ثلاث صور:

أـ الاعتقاد في أصول الدين.

ب ـ الاعتقاد في فروع الدين.

ج ـ الاعتقاد المتعلّق بالموضوعات الخارجية، من قبيل: الاعتقاد بأن هذا الماء كرّ.

أما الصورة الأولى: لو أظهر شخص عقيدة ذات أثر شرعي، وقد تكون هذه العقيدة فاسدة وقد تكون صحيحة، ونشكّ فيما إذا كانت صحيحة أم فاسدة، جرت أصالة الصحّة وترتّبت آثارها الشرعية. ومن باب المثال: لو أظهر شخص الإيمان بالله، ولكننا لا نعلم ما إذا كان هذا الاعتقاد فاسداً، كما لو اعتقد بأن الله جسمٌ، أو قال بزيادة الصفات على الذات، وما إلى ذلك، فهنا تجري أصالة الصحّة، وبالتالي يتمّ حمل إيمانه ومعتقده على النوع الصحيح، وترتّبت على ذلك الآثار الشرعية، من قبيل: حلّية الذبيحة وما إلى ذلك.

إن هذا الأمر لا يختصّ بالشخص الشيعي فقط، فحتّى غير الشيعي ـ الأعمّ من أن يكون من المذاهب الإسلامية الأخرى، بل وحتّى غير الإسلامية ـ يمثِّل مصداقاً لهذا الحكم أيضاً.

مثلاً: لو ادّعى شخص أنه مسيحي ومن أهل الكتاب، وشككنا في ما إذا كان مسيحياً منحرفاً أم لا؟ جَرَتْ أصالة الصحة في حقه، وترتبت عليه الآثار الشرعية للاعتقاد بالمسيحية، من قبيل: الطهارة، بناء على القول بطهارة أهل الكتاب، وما إلى ذلك.

والدليل على هذا المدّعى هو سيرة العقلاء القائمة على حمل الأمر عند الشكّ في هذه الموارد على المصداق الصحيح، وترتيب الآثار على ذلك.

يُضاف إلى ذلك بعض الآيات القرآنية، التي قد تشمل بإطلاقها مورد البحث أيضاً، من قبيل: قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً﴾ (النساء: 94).

وفي هذا الشأن لا بُدَّ من الالتفات إلى نقطتين، وهما:

الأولى: في موارد الشكّ في صحّة وفساد العقائد لا تجري أصالة الصحّة فحَسْب، بل لا يجب التحقيق والبحث في الصحّة والفساد أيضاً.

الثانية: طبقاً للتعاليم الدينية وفتاوى الفقهاء لو كان شخصٌ يعيش في دار الإسلام، أي المنطقة التي تكون فيها السلطة والغلبة للمسلمين، وشككنا في إسلامه، حُكم عليه بالإسلام، والدليل على ذلك هو السيرة القطعية القائمة بين المسلمين على إجراء أحكام الإسلام عليه، من قبيل: النكاح والذبح والطهارة.

وقال الشيخ الأنصاري في بيان أصل المدّعى: «إذا كان الشكّ في أن اعتقاده ناشٍ عن مدرك صحيح، من دون تقصير عنه في مقدّماته، أو من مدرك فاسد؛ لتقصير منه في مقدّماته، فالظاهر وجوب الحمل على الصحيح»([32]).

الصورة الثانية: الشكّ في المعتقدات المتعلقة بالفروع، من قبيل: الواجبات والمحرّمات، كأن يذهب شخصٌ ـ على سبيل المثال ـ إلى الاعتقاد بطهارة أهل الكتاب، ثم يشكّ في أن هذا الاعتقاد هل يقوم على أساس الأدلة الشرعية أو هو مخالف للأدلة؟

وفي هذا الشأن لا بُدَّ من ملاحظة منشأ الشكّ، وذلك للأمور التالية:

1ـ أن يكون منشأ الشكّ في صحّة العمل أم لا، فلا شَكَّ هنا في أن الأصل يكون جارياً؛ حيث يتمّ حمل عقيدته على الصحّة، ويتمّ ترتيب الآثار الشرعية عليه، كما لو جاء بصلاةٍ نيابية بثوبٍ رطب قد مسّ بشرة الكافر الكتابي، فيكون ذلك مجزياً، ولا تجب الإعادة على أولياء الميّت.

2ـ أن يكون منشأ الشكّ في صحّة عقيدته، فيجوز تقليده أم لا؟ وهنا يكون الأمر دائراً مدار أدلة حجّية قول المجتهد بالنسبة إلى العامّي، والآراء في ذلك مختلفةٌ.

الصورة الثالثة: لو شكّ في اعتقاد شخصٍ بالنسبة إلى الموضوعات الخارجية، كما لو اعتقد شخص بكرّية الماء، أو المسافة الشرعية، أو الغروب الشرعي، وما إلى ذلك، وشككنا في صحّة أو فساد اعتقاده، أي هل كان مقصِّراً في تحصيل هذا الاعتقاد أم حصل عليه بالطرق المتعارفة، بحيث لو كان مخطئاً في الواقع كان معذوراً أمام الشارع؟ فهنا تجري أصالة الصحّة من دون شكٍّ، وبالتالي يتمّ ترتيب الآثار الشرعية على ذلك.

وجميع هذه الموارد التي تقدَّم ذكرها تجري في المجتمعات غير الإسلامية أيضاً. وعلى هذا الأساس لو أظهر الكافر عقيدةً في الأصول أو الفروع أو الموضوعات الخارجية، وقام على أساس ذلك الاعتقاد ببعض الأعمال، وشككنا في ما إذا كان هذا الاعتقاد صحيحاً في دينه ومذهبه أم لا، حمل هذا الاعتقاد على الصحة، وترتبت عليه الآثار أيضاً.

الهوامش

(*) أستاذٌ في الحوزة العلميّة في قم، وأستاذٌ مساعِدٌ ومدير قسم الفقه والأصول في جامعة المصطفى| العالميّة.

([1]) انظر: الميرزا أبو الحسن المشكيني، حاشية كفاية الأصول 5: 91، الشيخ سامي الخفاجي، انتشارات لقمان، ط1، قم، 1413هـ.

([2]) الشيخ جعفر كاشف الغطاء، كشف الغطاء 1: 91، دفتر تبليغات خراسان / مركز انتشارات دفتر تبليغات إسلامي، ط1، قم، 1422هـ.

([3]) انظر: المشكيني، حاشية كفاية الأصول 5: 91.

([4]) الإمام الخميني، الاستصحاب: 358، مطبعة مؤسسة العروج / مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام، ط1، 1375هـ.ش.

([5]) انظر: الخميني، تنقيح الأصول (تقرير: حسين تقوي الاشتهاردي) 4: 406، مطبعة مؤسسة العروج / مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام، ط1، 1377هـ.ش.

([6]) السيد محمد صادق الروحاني، زبدة الأصول 4: 232، مدرسة الإمام الصادق، ط1، قم، 1412هـ.

([7]) ناصر مكارم الشيرازي، القواعد الفقهية 1: 117، مدرسة الإمام عليّ بن أبي طالب×، ط2، قم، 1385هـ.ش، 1417هـ.

([8]) السيد محمد حسن البجنوردي، القواعد الفقهية 1: 288، تقرير: مهدي مهريزي ومحمد درايتي، انتشارات دليل ما، ط3، قم، 1386هـ.ش / 1428هـ.

([9]) السيد محمد رضا الگلبايگاني، إفاضة العوائد (تعليق على درر الفوائد) 2: 318، مطبعة مهر، دار القرآن الكريم، ط1، قم، 1411هـ.

([10]) انظر: الگلبايگاني، إفاضة العوائد (تعليق على درر الفوائد) 2: 316.

([11]) انظر: الشيخ مرتضى الأنصاري، فرائد الأصول 2: 717، لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم، نشر: شريعت / مجمع الفكر الإسلامي، ط5، قم، 1381هـ.ش.

([12]) انظر: مكارم الشيرازي، القواعد الفقهية 1: 113.

([13]) انظر: الآخوند محمد كاظم الخراساني، كفاية الأصول، مؤسسه نشر إسلامي، ط7، قم، 1425هـ.

([14]) انظر: الخميني، الاستصحاب: 358.

([15]) انظر: السيد أبو القاسم الخوئي، مصباح الأصول (تقرير: السيد محمد سرور واعظ الحسيني) 3: 321، مؤسسة  إحياء آثار الإمام الخوئي، قم، 1422هـ.

([16]) انظر: البجنوردي، القواعد الفقهية 1: 113.

([17]) انظر: السيد صادق الروحاني، زبدة الأصول 4: 180.

([18]) انظر: الروحاني، منتقى الأصول (تقرير: السيد عبد الصاحب الحكيم) 7: 92، مطبعة الهادي، ط1، قم، 1418هـ.

([19]) كاشف الغطاء، كشف الغطاء 1: 202.

([20]) الميرزا محمد الآشتياني، بحر الفوائد في شرح الفرائد 3: 21، منشورات مكتبة المرعشي النجفي، ط1، قم، 1430هـ.

([21]) انظر: كاشف الغطاء، كشف الغطاء 1: 202.

([22]) الخميني، تنقيح الأصول (تقرير: حسين تقوي الاشتهاردي) 4: 406؛ وانظر أيضاً: الخميني، الاستصحاب.

([23]) الكليني، الكافي، باب التهمة وسوء الظن، ح3.

([24]) الأنصاري، الرسائل (فرائد الأصول): 731.

([25]) المصدر السابق: 381.

([26]) المصدر نفسه.

([27]) انظر: المصدر السابق: 382.

([28]) الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 8: 609.

([29]) المصدر السابق 8: 614.

([30]) المجلسي، بحار الأنوار 10: 100.

([31]) الأنصاري، الرسائل (فرائد الأصول): 382.

([32]) المصدر نفسه.

الكاتب د. الشيخ محمد رحماني

د. الشيخ محمد رحماني

مواضيع متعلقة

اترك رداً

downloadfilmterbaru.xyz bigoporn.club bok3p.site sablonpontianak.com