علم الدلالة المعاصر – ومباحث الألفاظ في أصول الفقه – قراءة أوّلية مقارنة على ضوء الهرمنوطيقا التوحيدية

لمحة في علم الدلالة والهرمنوطيقيا التوحيدية ومشكلة اصطلاحات العلوم

يعتبر علم الدلالة من أوسع فروع علم اللغة المعاصر ثراءً، ويصطلح عليه عندهم بـ Semantics أو «السيمانطيقا» عند التعريب، والذي نقرّ به توحيدياً، ونسمِّيه بعلم «السِّمات»، وهو بدوره يتفرّع عن علم أشمل منه يشترك معه في الاشتقاق والمعاني، وأنظمة العلامات والدلالات ويعرف بـ (Semiotics)، وعند التعريب يكون «السيموطيقا»، الذي يُعنى أكثر ما يُعنى بعلم العلامات ونظامها Science of Signs المتشابه الرابطة في اللغتين العربية والإنجليزية وغيرهما في الجذور واشتقاقاتها؛ حيث تلاحظ هنا بشكل لغوي توحيدي علاقة «العلم» بـ «العلامات» وعلاقة «Science» بـ «Signs» صوتاً ودلالة، وقد يعرف هذا العلم عندهم أيضاً بالسميولوجي (Semiology)([1]).

ويعتبر علم السيمانطيقا والسيموطيقا «الحكم الفصل» والمرجع الذي يرجع إليه عندما تشتدّ الأزمات الدلالية، وتكثر الخصومات الجدلية، بين الدالّ، والمدلول، والدلالة في مباحث علم اللغة المعاصر، والوضع والموضوع، والموضوع له، والواضع في مباحث الألفاظ في أصول الفقه، تعييناً أو تعيّناً، حقيقةً أو مجازاً، جموداً أو اشتقاقاً، صورةً أو معنىً، وما إلى ذلك من اصطلاحات واستخدامات؛ وإنْ قيل: لا مشاحّة في الاصطلاحات الرائجة في عصر من العصور أو علم من العلوم؛ ولا سيّما «المشتركة» منها هو سبب سوء الفهم أو التفاهم في المعاني والمباني؛ لأنّ النـزاعات غالباً ما تكون صغرويةً وليست كبروية، كما يقال.

ومن علم الدلالة هذا تتفرّع علوم كثيرة أيضاً، تُعنى بالمعاني والمفاهيم التي تعالج الموضوعات اللغوية والأصولية وغيرهما من علوم المعرفة التي تطرح للتفاهم والتواصل وانتقال الآراء والأفكار بين الناس من خلال اللغة ـ النصوص الكلامية والكتابية ـ التي هي الأداة في نقل الرسائل وتوصيل الأحاسيس الإنسانية. والسبب الأساس في التشعّب في الحديث هو المنظور الخاص، والمنطلق المعيّن الذي ينطلق منه المتكلّم أو الكاتب في آفاق حديثه وكتابته؛ متأثّراً بوجهة نظره عن الحياة والعالم الخارجي، وهذا ما يعرف عندهم باصطلاح: «The Point of view» الذي يمكن تقريبه ـ توحيدياً ـ عندنا بمصطلح «البؤرة» في المعاني، وارتكاز المفاهيم، وبشكل أوضح: «وجهة النظر».

فعندما يُجرَّد النصّ من خصوصيّة المتكلّم أو الكاتب؛ ومن ظروف القول أو الكتابة، ويركّز فيه على معاني المفردات والتراكيب اللغوية ووصفها وتبيان دلالتها، يُسمّى حينئذٍ بعلم السيمانطيقا حَسْبُ؛ ولكنّه عندما ينظر إلى النصّ من خلال «المتكلّم» وخصائصه الفرديّة والثقافيّة والاجتماعيّة والظروف المحيطة التي أوجدت النصّ، فيطلق عليه البراغماتيك Pragmatics، وقد جاء في تعريفه: «he charakriza of spadber – meaning»([2]).

وقد يعرَّب «بالبراغماطيقية» وقد توسِّع فيه إلى منظور فلسفي ترجم ـ معنىً ـ إلى العربية «بالفلسفة الذرائعية» أي الدلالات التي ساعدت على إخراج النصّ من مفهومه اللغويّ الأوَّلي إلى الدلالات التي عيّنها المتكلِّم أو الكاتب؛ وظروف السامع أو المتلقي في المحاورات التي تقرُب من مفهوم «مقتضى الحال» المطابق «للمقال» أو «ظروف الكلام» المطابقة «للمقام» وهو من تعريف «علم البلاغة» المتشابه ـ صوتاً ودلالة ـ مع «علم البراغماطيقية»، وإن أفيد منه معنى سلبياً في الفلسفة الذرائعية.

وعندما يقصد تفسير النصوص الدينيّة وغيرها من منظور شرح دلالتها، وتبيان معانيها، حَسْبَ «قراءة خاصّة» يكون للمفسِّر أو المتلقِّي الدور الفعّال في فهم النصّ وتفهيمه، أو التأثّر به والتأثير فيه فيطلق عليه علم الهرمنوطيقا hermenuetics، وهو الذي يُعنى بتفسير الإيحاءات والقراءات المتعدّدة للنصّ الواحد؛ فقد يفهم النصّ «لُغَويَّاً» فهو lexical، أو شرعياً فهو relIgious، أو اجتماعياً فهو historical، أو نفسياً فهو psy chogical، أو تاريخياً فهو historical، وما إليها من نواحي ومناحي قد تؤثّر في تفسير النصّ وترجمته النهائية؛ حيث ترادف هذه اللفظة عندهم مصطلح inte rpretation وهي الترجمة التفسيرية؛ إشارة إلى دور المتلقي الفعّال في فهم النصّ وتفسيره، وتأثّره وتأثيره به، وهذا التفسير «الهرمينوطيقي» هو التفسير الخاصّ للكتب الإلهية المقدسة Scripture غالباً، والذي تدلّ عليه كلمة «الحُرمة» الدينية في العربية التي تتشابه ـ صوتاً ودلالة ـ مع الجذر اللاتيني لمصطلح hermen uelics، كما سندللِّ على ذلك.

من هنا، فقد يأتي الخلط والغموض في درك المفاهيم والمعاني للمصطلحات والمفردات الخاصّة حَسْبَ مستويات الأفراد وفهم المتلقين؛ فالترجمة تعادل مصطلح translation ولكن تفسير النصّ وتدويره يعادل مصطلح intcrpretation، وهو تدخّل المترجم وشخصيّته.

الخلط بين الترجمة والتفسير

في فهم النصّ ونقله إلى الآخرين من خلال فرديته وتعاقده الخاصّ؛ ومن هنا ميّزوا بين المترجم translator والمفسِّر interpreter وخُطَورة الأمر ـ في الواقع ـ تكمن هنا عند الخلط؛ من هنا يجب تحديد المصطلحات التي تسمّى لذلك أيضاً بالحدود terms في اللغتين: العربية والإنجليزية وغيرهما، وتبيان معاني المفردات والتراكيب التي يُتعامل بها في كلّ علم من العلوم؛ ولا سيّما في العلوم التي تُعنى بالنصوص الدينية؛ فقد يتعقّد الأمر ويلتبس الموضوع، ويحصل الإبهام الذي قد يؤدِّي إلى سوء الفهم والتفاهم في العقائد والمعتقدات، وكم هي الموارد والأمثلة التي يمكن الاستشهاد بها في المقام، ومنها ـ في نظرنا ـ فكرة التثليث trinity([3]) في المسيحية التي خلقها الخلط في الترجمة والتفسير؛ وفهم كلمة الربّ يسوع وهو «المعلِّم» في الدلالة المقصودة، والتوسّع بها إلى كلمة «الربّ» مطلقاً.

وقد تتكثّر المفردات ويُراد بها معنى واحداً؛ ولكن عدم فهم اللغات يكون سبباً لسوء الفهم والتفاهم، ومنها المثل المعروف عندنا بـ «عنب، وأنكور، وأزوم» في اللغات العربية والفارسية والتركية على الترتيب؛ وردّ سوء الفهم عندما يتبيَّن «المصداق» وتتّضح الدلالة في التأويل، والمعنى المقصود وهو في الحقيقة واحد.

ضرورة التمييز بين التفسير والتطبيق

وقد ذهبت كلّ مدرسة فكرية وروّادها إلى استعمال اصطلاحاتهم الخاصّة؛ بل أحياناً إلى فهم المصطلحات المشتركة وشرحها وتفسيرها في ضوء النظرية التي تتبنّاها تلك المدرسة، أو المنهج المتبع فيها في التطبيق أو التقنيات المستفادة من ذلك، كما هي الحال في تفسير القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، وتعدّد المدارس التفسيرية، وطبقات المفسِّرين. وهنا تجدر الإشارة إلى ضرورة عدم الخلط بين «التفسير» و «التطبيق» ـ كما حذّر العلاّمة الطباطبائي في مقدّمة الميزان([4]) من ذلك. وهذا لا يعني عدم استساغة التطبيق؛ لكنّه عندما يفهم «تفسيراً» سيخلق مشكلةً؛ وقد يتهم المفسِّر عندها بالتفسير بالرأي، أي الذي يعتمد على «قبليّات وخلفيّات» المفسِّر، وقد يستشفّ منه تحميل النصّ ما لا يحتمل، ولا سيّما في العقائد الذي قد يجرّ إلى الويلات؛ وإليه أشار الحديث الشريف: «من فسّر القرآن برأيه فليتبوَّأ مقعده من النّار»، لكن يستطيع المفسِّر أن يقول: هذا ما أفهمه هنا؛ وهذا ما أذهب إليه أنا؛ وليس هو التفسير القطعيّ للنصّ، شريطة أن يقوم التطبيق أو التفسير على ملاكات، وقواعد وضوابط، يعرفها أهل الفنّ والاختصاص.

تأويل النصّ الديني

من هنا، يأتي التعدّد في النظريّات والمناهج الظاهرية والباطنية عند المفسِّرين، وكذلك الأمر بالنسبة لفهم مصطلح التأويل، ولا سيما في القرآن الكريم، فهل المقصود به التفسير المتعارف؟ أو ما يصطلح عليه في أمثال كتب «تأويل مشكل القرآن» و «مجاز القرآن» و «معاني القرآن» و «غريب القرآن» وما إليها من الكتب المؤلَّفة في القرون الهجرية الأولى؟ وهل يُفاد منها التفسير اللغويّ عموماً؛ أو المصداق الذي تتبنّاه مدرسة أهل البيتE غالباً، وقد تبلور عند العلامة الطباطبائي في ميزانه، حيث بحث بشكل مفصَّل وبدلالات قرآنية رائعة يمكن الرجوع إليها في موضعها، ولا سيّما في تفسيره للآيات الأولى من سورة آل عمران؟ هل هو التفسير الموضوعي (التوحيدي) الذي تبلور عند الشهيد الصدر في دروسه الحوزويّة؟ بعد أن حاول معالجته في «بحث الخارج» أو على مستوى السطوح العالية، بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران، وإحساسه بضرورة التفسير التوحيدي([5]) لا التجزيئي، ومعالجة السُّنن القرآنية واستنباطه الخاصّ لتلك السُنن والمفاهيم القرآنية الصادحة بالعبرة والاعتبار من خلال مواقف الأنبياء من أممهم ومواقف الأمم من أنبيائها، وإن كانت دعوة الجميع واحدة.

ولا يعني ذلك عدم وجود الثوابت والأصول في التفسير الديني وغيره كما هو الحال في التفسير الهرمنوطيقي الغربي، الذي قد يجرّ إلى عدم وجود الملاكات والأسس الثابتة؛ وهنا يجب التمييز بين مصطلح «الهرمنوطيقية الغربيّة»([6]) و «الهرمينوطيقية التوحيديّة» التي نذهب إليها نحن.

والذي نريد أن نخلص إليه هنا هو أهمية دور المفسِّر أو الفقيه ولا سيما المجتهد المطلق في فهم النصوص الدينية واستنباطه الخاصّ للأحكام الشرعيّة وفق قواعد الاستنباط المعروفة عند أهل الفنّ من قولهم بحجيَّة ظواهر الكتاب والسنّة الشريفة في الدلالات والأدلّة الشرعية.

فالنصوص القرآنية قطعيّة الصدور مظنونة الدلالة ـ على حدّ تعبير الأصوليين ـ وكذلك الأحاديث الصحيحة (حتَّى الأعلائية) منها ـ على حدِّ تعبير أهل الحديث ـ مظنونة الدلالة ومحتملتها بعد أن تثبت قطعية صدورها، وإلاّ فهي مظنونة الصدور مظنونة الدلالة أيضاً؛ وليس الاجتهاد إلاَّ طلب الظنّ بحكم شرعيّ، وفق قواعد الاستنباط والاستدلال الثابتة المعلومة.

ومدرسة أهل البيت E تعتبر أهل البيت أنفسَهم القرآنَ الناطق الذي يفسِّر القرآن الصامت، و «لا يعرف القرآن إلاّ مَن خوطب به» كما ورد النصُّ القرآني في وصفه ووصفهم، على أنَّه >فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ<(الواقعة: 77 ـ 78)، وأنّهم هم «المطهّرون» بنصِّ الكتاب: >إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا<( الأحزاب: 33)، فبذلك يكون تفسيرهم للقرآن بمثابة تفسير القرآن للقرآن نفسه، وقد ورد عنهم أِنّ هذا القرآن يفسِّر بعضه بعضاً، وبتفسيرهم للقرآن الكريم يُفهم المعنى المقصود، والدلالة القطعية أيضاً ببركة عصمتهم وطهارتهم اللّتين يصرِّح الكتاب بهما.

فإذا ما قالوا مثلاً: المقصود بالكوثر الزهراء & فهو المعنى المصداقي، ولا ينافي دلالتها على الكثير الطيّب، أو الخير الكثير، أو الشفاعة المقبولة، أو المقام المحمود، أو العلم اللَّدنّي. أو الولاية المطلقة، وما إلى ذلك من تفاسير متعدّدة، يحملها النصّ ويتحملّها؛ وإذا ما قالوا: المقصود بالراسخين في العلم أهلُ البيت المعصومون؛ فهو المعنى المصداقي وهو التأويل الذي يعرفه أهل التأويل، ولا ينافي دلالته على الثابتي القدم في المعرفة مطلقاً؛ وكذلك الأمر نفسه في تفسير أهل الذكر، فهم أهل الذكر، كما أشار الإمام الرضاB إلى نفسه في مجلس المأمون العلمي، واستدلّ بقوله ـ بما مضمونه ـ إذا كان المقصود بأهل الذكر أهل الكتاب؛ فسيدلّون على دينهم لا ديننا.

العلاقة بين الدال والمدلول، هل هي اعتبارية أم طبيعية؟

وهناك نظرات ونظريات تبحث في العلاقة بين الدالّ Signifieant والمدلول Signified([7]) في علم اللغة والأصول وما إليهما، وهل الدلالة «sigh» اعتبارية محضة واصطلاحية conventional أو ذاتية طبيعية nutural؟ وقد تفرّعت عن هذين السؤالين أسئلة، وعن أصحاب هذه النظريات والمدارس نظريات ومدارس لغوية وأصولية ما شاء الله.

وقد غالى بعضهم في الاعتبارية حتّى اعتبرها «اعتباطيّةً» humty dumty أو كما يفيدون من الاعتبار arbitrary مفهوماً ذهنياً غير واقعي؛ كما غالى بعضهم في الطبيعية والمحاكاتية حتى جعلها صدىً شاعرياً onomatoroeic، أيّ انعكاس الأصوات الطبيعية وأصداءها الدالَّة على الأشياء؛ مثل ما جاء في العربية عن خرير المياه، وحفيف الأشجار، وصهيل الحصان، وزئر الأسد، وفحيح الحيَّات، وسقسقة العصافير وما إليها؛ ويوجد مثل ذلك في جميع اللغات بنسبة مئوية محدودة؛ وقد نسبوا الأولى، أي الاعتبارية الاصطلاحية إلى أرسطو، كما نسبوا الثانية، أي الذاتية المحاكاتية إلى أستاذه أفلاطون.

نظرية الهرمنوطيقا التوحيدية

وهناك بين هذه وتلك، نظريات ومدارس وسطى من بينها نظريّتنا التوحيدية Uni – the – ism (الاسم ـ الذات ـ الواحدة)، والتي تقول بضرورة وجود العلاقة بين الدّال والمدلول؛ ولكن بمفهوم توحيدي Uni the tical؛ ولا بدَّ من وجود نِسبَة مّا ـ على الأقلّ ـ كما قال بها المحقّق النائيني P، وقد عالجنا هذا الأمر في مباحث الألفاظ ودلالتها في مقالة متواضعة، من خلال نظر تفسيري هرمنوطيقي توحيدي، أطلقنا عليه مصطلح «الهرمنوطيقيا التوحيدية»، تمييزاً لها عن الهرمنوطيقيا الغربية التي قد يُفهم منها عدم وجود ثوابت ويقينيات؛ بعكس نظريتنا التي تقوم على فكرة التوحيد اليقيني، كما سنعالج مبحث الدلالة هذا في مباحث الألفاظ، من خلال النظرات النقدية التي تتبنّاها مدرسة الشهيد الصدر وموقفها من تحديد الاصطلاحات الأصولية وضرورة التجديد في بعضها ـ على الأقلّ ـ كما نرى ذلك نحن أيضاً، تسهيلاً للدارسين، وتحديداً للمعاني والمفاهيم.

ونودّ أن نؤكّد ثانيةً ضرورة التّحديد والتّجديد ما أمكن في اصطلاحات العلوم المختلفة «توحيديّاً»؛ ولا سيّما المشتركة منها عند المدارس المختلفة التي قد يتمّ تفسيرها وشرحها بمعاني ودلالات مختلفة عد إطلاقها على عوامها وعلاّتها؛ وعلى الأقل أن نشير إلى جذورها التوحيدية ـ كما نفعل نحن غالباً في دراساتنا ـ ليتسنّى انجلاء المعنى السيَّال في الاشتقاقات وفي مختلف اللغات.

وكمثالٍ على التباس المفاهيم في المصطلحات المختلفة، ما يظهر على السطح حالياً وعلى أصعدة مختلفة من قبيل: الحريّة Freadom، والديمقراطية denocracy، والاشتراكيّة socialism، والتعدّدية pluralism، والعلمية scientism، والعلمانية Secularism، التي قد تفسّر ـ سلبياً وإيجابياً ـ في لغات مختلفة ومدارس مختلفة، ومنها مصطلح «الهرمنوطيقيا» هذا الذي ظهر مؤخراً في مقالات وكتب ومجلات([8]) في العربية والفارسية هنا وهناك، وفي استعمالات مبهمة أحياناً، وَقَدْ يُصنَّف النّاس في ضوء فهمهم لها إلى خطوط وخيوط، وقد تُسحب عليهم أوصاف ونعوت، ما لا يحمد عقباها؛ كلّ ذلك للاختلاف في دلالات المصطلحات عند قراءات مختلفة وأفهام متباينة؛ بعد فرض الخلوص والموضوعية في محاولة الفهم والتفهم، ونحن نريد هنا بمصطلح الهرمنوطيقا التفسير الذي يتدخّل فيه المفسِّر شريطة الالتزام بقواعد وضوابط تفسيرية، يتبنَّاها ذلك المفسِّر، ويقول مثلاً هذا: تفسير لغويّ للنصّ، وهذا تفسير بلاغيّ له، أو تفسير عرفانيّ، أو ظاهريّ، أو باطني، أو توحيدي، و.. وليس هو بالتفسير الذي لا يمكن خلافه، ولا سيّما في النصوص الدينية التي تدلّ عليها لفظة heremuentics ـ توحيدياً ـ وهي ذات الحرمة الدينيّة، والجذور فيها «herma» و «hermes» نسبة إلى المَلَك الذي ينقل رسائل اللآلهة([9]) ودساتيرها إلى الأرض ـ في اليونانية واللاتينية ـ وقد أثَّرت فكرة تعدّد الآلهة عند الغربيين على التثليث المسيحي الذي هو في الأصل دين توحيدي.

ولا بدَّ من التأكيد أيضاً على أهميّة دور المفسِّر الديني وأهليّته؛ والدور الاجتهادي للفقيه، والقانوني الضليع، الذي يفهم دلالات النصوص وقداستها، كما فعل الشهيد الصدر في كتابه (المرسل والرسالة والرسول) إلماعاً وإلماحاً إلى ذلك.

فالمعاني والدلالات على صَعيد النصّ والكلام ـ وليس المتكلِّم ـ هي semantics، وعلى صعيد المتكلّم ـ وليس الكلام حَسبُ ـ وثقافته وظروفه فهي pragmatics، وعلى صعيد الدلالات اللغويّة فقط فهي lexical، وعلى صعيد التداعي الذهني فهي associative، وعلى صعيد تحليل إلقاء المحاضرات فهي discourse analysis، وعند تحليل الكلام إلى مكوّناته components الأساسيّة فهي cohesive، وعلى صعيد تحليل المتحاورين فهي coherence، وتتدخّل في تحديد ذلك عوامل وعوامل مثل أرضية المعرفة bacbground hnowledy وقبلياتها وخلفياتها، وكذلك الذكريات والتجارب الفرديّة والجماعيّة، في رسم المعنى الذهني وتخطيطه، ويُطلق عليه schemata، فمصطلح السُّوق عند العرب قديماً في مثل أسواق عكاظ، وذي المجاز، والمربد، الذي يقوم فيه الناس على ساق، لا بدّ وأن يختلف عن مفهوم السوق العصري بكلّ ملابساته العمرانية والصناعية والتقنيّة، وما يؤثِّره على الروابط السياسيّة والاجتماعية والاقتصادية على الأمم المعاصرة؛ في مثل فكرة السوق المشتركة الأوروبية أو السوق المشتركة الإسلامية.

والخلاصة: إذا لم تحدّد الدّلالات والأدلَّة؛ في المصطلحات أو المفردات والتراكيب اللغوية وغيرها دقيقاً فسيختلط الحابل بالنابل، وتتشابك المعاني والمفاهيم، ويحصل سوء الفهم والتفاهم بين الناس، كما هي العادة؛ ولا سيّما في عصرنا العتيد، من هنا تأتي خطورة الرسالات السماويّة وأهمية دور المرسلين؛ وتوكيد كون القرآن الكريم بياناً للناس: >هَـذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ< (آل عمران: 138)، وبأنّ النبيّ 2 هو المبيِّن له؛ وكذلك أهل بيته الطيبّون الطاهرون، كما تقدّمت البرهنة على ذلك: >وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ * بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ< (النحل: 43 ـ 44).

*     *     *

الهوامش



([1]) انظر تفصيل هذا في كتابنا: علم اللغة التوحيدي: 15 فما بعد، (نظريات في علم اللغة الحديث). ط. طهران، 1997م.

([2]) انظر تفصيل ذلك في كتاب: the study of languaye، لمؤلّفه: Gearge yale، ص: 91.

([3]) انظر مقالتنا: حول فنّ الترجمة في ضوء النظرية التوحيدية، مجلة التوحيد، العدد 43: 126، ط. طهران، 1988م.

([4]) انظر تفصيل ذلك في مقدمة الميزان في تفسير القرآن للعلاّمة السيد محمد حسين الطباطبائي.

([5]) انظر تفصيل ذلك في كتاب الشهيد الصدر الذي يحمل هذا العنوان.

([6]) انظر معجم مادة hermenuekcs:sasslls English pic tionary، p548.

([7]) انظر تفصيل ذلك في كتابنا: علم اللغة التوحيدي: 18.

([8]) على سبيل المثال الكثير مما جاء في مجلة قضايا إسلامية معاصرة، العدد السادس.

([9]) المصدر نفسه: 134.

الكاتب د. محمد علي الحسيني

د. محمد علي الحسيني

مواضيع متعلقة

اترك رداً

downloadfilmterbaru.xyz bigoporn.club bok3p.site sablonpontianak.com