قانون العقوبات الجنائية

الأقليات الدينية أنموذجاً

السيد فاضل الموسوي الجابري(*)

 

 

أحكام القصاص لغير المسملين في الشريعة الإسلامية

القصاص لغةً واصطلاحاً

القصاص لغة مأخوذ من مصدر قاصّ يقاصّ، من قصّ أثره إذا تبعه. ومنه القصاص. فمن يحدث بالآثار والحكايات كأنه يتبع آثار الماضين. فتسمية القصاص بالقصاص لما فيه من متابعة الجاني في جنايته، فيوقع عليه مثل ما أوقعه على غيره([1]).

وفي القاموس: قصّ أثره قصّاً وقصيصاً تتبعه، والخبر أعلمه… والقِصاص بالكسر القود([2]).

وقد ورد لفظ القصاص بإرادة معناه الفقهي الإصطلاحي، وهو القود، في جملة من الآيات الكريمة:

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي القَتْلَى الحُرُّ بِالحُرِّ وَالعَبْدُ بِالعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى … وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الالبَابِ} (البقرة: 178 ـ 179).

وقال سبحانه: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالعَيْنَ بِالعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالجُرُوحَ قِصَاصٌ} (المائدة: 45).

 

فلسفة القصاص في الشريعة الإسلامية

وفلسفة القصاص حفظ الكيان الإنساني من العبث من قبل المستهزئين بدم الإنسان وحياته. فالعقوبات مهما تكن صارمة إذا لم يكن فيها الردع الشديد فسوف لن تجدي نفعاً. وهذا واضحٌ لمن تدبَّر الواقع الإنساني. انظر إلى البلدان التي تطبق عقوبة الإعدام على مَنْ يقتل إنساناً متعمِّداً كيف تقلُّ الجريمة فيها، بينما نجد أن الجرائم سائدة في البلدان التي تكتفي بالسجن إلى مدة طويلة بشكل كبير. وهذا دليل وجداني وحسّي على أن في القود والقصاص ردعاً على إقدام الإنسان على القتل.

فتأمل في قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الالبَابِ}، فإن الآية تبين أن في القصاص حفظ الحياة، سواء كانت حياة المقتول أو القاتل؛ لأن من تنازعه نفسه إلى قتل آخر سوف يتردد ألف مرة قبل الإقدام على مثل ذلك الأمر الشنيع إذا ما وضع القصاص نصب عينيه، فيحفظ بذلك حياة الشخص الذي يهمّ بقتله، وحياته كذلك.

وهذا الخطاب الإلهي موجَّه إلى جميع البشر، وليس إلى المسلمين خصوصاً، فكلمة {يَاْ أُولِيْ الالبَابِ} ـ وهم أصحاب العقول ـ ناظرة إلى العقلاء بما هم كذلك. فكأن الآية الشريفة تشير إلى أن المسألة ـ أي القصاص ـ مسألة عقلائية بغضّ النظر عن الدين والمعتقد. وتشير أيضاً إلى أن الله تعالى يحترم النفس البشرية بغض النظر عن دينها. فالاسلام لا يجوِّز القتل مطلقاً، وإنما جعل القصاص لحفظ الحياة، سواءٌ كانت حياة مادية جسدية أو حياة روحية معنوية. ومن هنا كان فقه القتل والقتال في الفقه الإسلامي منضبطاً بجملة من القواعد الصارمة، ولم يترك فوضى، وإنما جعل أمره بيد من يصون الدماء، ويحرص على الأنفس، سواءٌ كانت هذه النفس مؤمنة أو غير مؤمنة.

ومن هنا جاءت النصوص القرآنية الكثيرة، وكذلك روايات عديدة عن النبي‘ وأهل البيت^، تبين أن النفس الإنسانية عموماً محترمة، ولا يجوز التعدي عليها، إلا بالدليل والحجة الشرعية، المستندة إلى المنفعة العامة الشاملة لكل الإنسانية.

قال تعالى: {مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً} (المائدة: 32). فهذه الآية المباركة تعطي أعظم معنى واعتبار لاحترام النفس الإنسانية، حيث إنها جعلت موضوع الحكم النفس بما هي هي، المعبَّر عنها فيها بـ (نفساً)، التي تفيد الإطلاق وعدم التقييد، المشعر بكونها النفس بما هي هي، المجرَّدة عن الأوصاف الأخرى، كالإيمان، أو الذكورية، أو غير ذلك. نعم، هناك استثناء لهذا القتل، وهو عندما يكون صاحب هذه النفس قاتلاً لنفس أخرى، أو مفسداً في الأرض، وفي الأولى إشارة إلى إزهاق النفس باعتبار حياة الجسد، وفي الثانية إلى إزهاق النفس باعتبار حياة العقل والروح والخير والسلامة. فالقاتل والعابث بحياة الناس مستثنى من هذا الاحترام الالهي للنفس البشرية، أما ما عدا ذلك فداخلٌ تحت إطلاق الآية المباركة.

والجدير بالذكر أن الآية قد بينت أن قتل النفس الواحدة يعدل عند الله، من حيث العقوبة والسخط الإلهي، قتل الناس جميعاً، وهذا أكبر تشدد في مسألة قتل النفس الإنسانية. ومن هنا وردت هذه الآية مورد السؤال من قبل المسلمين في جملة من الروايات، ومنها:

1ـ ما عن محمد بن مسلم، في الحسن، قال: سألت أبا جعفر× عن قول الله عز وجل: {مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً}؟ قال×: له في النار مقعد، لو قتل الناس جميعاً لم يرد إلا ذلك المقعد»([3]).

2ـ ما في حسنة حمران قال: قلت لأبي جعفر× في معنى قول الله عز وجل: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً}، قال: قلت له: كيف كأنما قتل الناس جميعاً، فربما قتل واحداً؟ فقال: يوضع في موضع في جهنم إليه ينتهي شدّة عذاب أهلها، ولو قتل الناس جميعاً لكان إنما يدخل ذلك المكان، قلت: فإنه قتل آخر، قال×: يضاعف عليه([4]).

فهذه الروايات وغيرها توقفنا على أن الإسلام العزيز يولي أهمية كبيرة لاحترام النفس البشرية عموماً.

ومن هنا نقف على أن فلسفة القصاص في الإسلام ليست نابعة من عدم احترام النفس البشرية، بل على العكس من ذلك تماماً. فهو بهذا التشريع يريد حفظ نفوس الناس، وعدم عبث العابثين بالدماء، ولذا كان الاحتياط في الدماء من الأسس الأساسية في التشريع الإسلامي. ولا مجال للحديث بتفصيل أكثر في هذا الموضوع.

إذا عرفت هذا نريد في هذا البحث أن نبيّن أحكام أهل الكتاب من الذميين وغيرهم في مسألة القصاص والقود، فنقول: هنا مسائل:

 

حكم المسلم إذا قتل ذمياً

الأولى: إذا قتل المسلم ذميّاً فهل يقتل به أو لا؟

لابد أن نذكِّر في البداية بأن الفقهاء ذكروا شرائط خمسة للقصاص:

الأول: التساوي في الحرية.

الثاني: التساوي في الدين.

الثالث: عدم كون القاتل أباً للمقتول.

الرابع: العقل والبلوغ.

الخامس: كون المقتول محقون الدم.

وبحثنا فعلاً منصبٌّ على الشرط الثاني والمسائل المتعلِّقة به. فإذا قتل المسلم ذمياً فهل يقتص من المسلم به أو لا؟

في المسألة اختلاف في الروايات وفي الفتاوى. ونذكر أولاً أقوال الفقهاء في الموضوع، ثم نتبعها بالروايات.

 

أولاً: أقوال العلماء

1ـ قال الشيخ في «النهاية»: «إن قتل المسلم ذمياً عمداً وجب عليه ديته، ولا يجب عليه القود، إلا أن يكون معتاداً لقتل أهل الذمّة، فإن كان كذلك، وطلب أولياء المقتول القود، كان على الإمام أن يقيده به، بعد أن يأخذ من أولياء الذمي ما يفضل من دية المسلم، فيردّه على ورثته، فإن لم يردّه، أو لم يكن معتاداً، فلا يجوز قتله به على حال»([5]).

2ـ وقال في «الخلاف»: «لا يقتل مسلم بكافر، سواءٌ كان معاهداً أو مستأمناً أو حربياً… دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم، وأيضاً قوله تعالى: {وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً}، ولم يفصِّل. والمراد بالآية النهي لا الخبر؛ لأنه لو كان المراد الخبر كان كذباً»([6]).

3ـ وقال الصدوق في «المقنع»: «وإذا قطع المسلم يد المعاهد خيّر أولياء المعاهد، فإن شاؤوا أخذوا دية يده، وإن شاؤوا قطعوا يد المسلم، وأدوا إليه فضل ما بين الديتين، وإذا قتله المسلم صنع كذلك»([7]).

4ـ وقال المحقق الحلّي: «التساوي في الدين: فلا يقتل مسلم بكافر، ذمياً كان أو مستأمناً أو حربياً، ولكن يعزَّر، ويغرم دية الذمي، وقيل: إن اعتاد قتل أهل الذمة جاز الاقتصاص بعد رد فاضل ديته»([8]).

5ـ قال في «السرائر»: «وإذا قتل المسلم ذمياً عمداً وجب عليه ديته، ولا يجب عليه القود بحال. وقد روي: إن كان معتاداً لقتل أهل الذمة، فإن كان كذلك، وطلب أولياء المقتول القود، كان على الإمام أن يقيده به، بعد أن يأخذ من أولياء الذمي ما يفضل من دية المسلم، فيرده عليه أو على ورثته، فإن لم يردّوه، أو لم يكن معتاداً، فلا يجوز قتله به على حال. ولا ينبغي أن يلتفت إلى هذه ولا يعرج عليها؛ لأنها مخالفة للقرآن والإجماع، وإنّما أوردها شيخنا في «استبصاره»، وتأولها على هذا»([9]).

6ـ وقال السيد المرتضى في «الانتصار»: «ومما انفردت به الإمامية القول بأن من كان معتاداً لقتل أهل الذمة مدمناً لذلك فللسلطان أن يقتله بمَنْ قتله منهم، إذا اختار ذلك ولي الدم، ويلزم أولياء الدم فضل ما بين دية المسلم والذمي. وخالف باقي الفقهاء في ذلك، ولم يعرفوه.

ثم قال: دليلنا على صحته: الإجماع المتردد، ولأن ولي الدم إذا اختار قتل المسلم فقد أخذ نفساً كاملة بنفس ناقصة، فلابد من أداء الفضل بين القيمتين»([10]).

وعلى هذه الشاكلة سار باقي الفقهاء من الإمامية، كما في الوسيلة([11])، والغنية([12])، وغيرها.

 

ثانياً: الروايات

ومن تلك الروايات: موثقة إسماعيل بن الفضل، قال: «سألت أبا عبد الله× عن دماء المجوس واليهود والنصارى..؟ قال: وسألته عن المسلم، هل يقتل بأهل الذمة وأهل الكتاب إذا قتلهم؟ قال: لا، إلا أن يكون معتاداً لذلك لا يدع قتلهم، فيقتل وهو صاغر»([13]).

2ـ صحيحة يونس، عن ابن مسكان، عن أبي عبد الله× قال: «إذا قتل المسلم يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً فأرادوا أن يقيدوا ردّوا فضل دية المسلم وأقادوه»([14]).

3ـ موثقة سماعة، عن أبي عبد الله×، في رجل قتل رجلاً من أهل الذمة، فقال: «هذا حديث شديد لا يحتمله الناس، ولكن يعطي الذمي دية المسلم، ثم يقتل به المسلم»([15]).

4ـ صحيحة أبي بصير، عن أبي عبد الله× قال: «إذا قتل المسلم النصراني فأراد أهل النصراني أن يقتلوه قتلوه، وأدّوا فضل ما بين الديتين»([16]).

5ـ صحيحة محمد بن قيس، عن أبي جعفر× قال: «لا يقاد مسلم بذمي في القتل، ولا في الجراحات، ولكن يؤخذ من المسلم جنايته للذمي على قدر دية الذمي ثمانمائة درهم»([17]).

6ـ موثقة إسماعيل بن الفضل، قال: «سألت أبا عبد الله× عن المسلم هل يقتل بأهل الذمة؟ قال: لا، إلا أن يكون متعوّداً لقتلهم، فيقتل وهو صاغر»([18]).

7ـ صحيحة إسماعيل بن الفضل، عن أبي عبد الله× قال: «قلت له: رجل قتل رجلاً من أهل الذمة؟ قال: لا يقتل به، إلا أن يكون متعوداً للقتل»([19]).

 

الجهات المستفادة من الروايات

هذه هي الروايات المعتمدة في المسألة. وأنت ترى أن ثمة اختلاف بينها من جهات ثلاث:

الأولى: الحكم بعدم قتل المسلم بالذمي إلا أن يكون متعوداً لقتلهم، كما في موثقة إسماعيل بن الفضل الأولى، والثانية، والصحيحة الثالثة.

الثانية: الحكم بالقتل من دون ذكر كونه متعوداً أو لا، مع أداء فاضل الدية بينهما، كما في صحيحة يونس، وصحيحة أبي بصير، وموثقة سماعة.

الثالثة: الحكم بعدم القتل مطلقاً، سواءٌ كان متعوداً أم لم يكن كذلك، كما في صحيحة محمد بن قيس.

ويمكن الجمع بين هذه الطوائف من الروايات بحمل الطائفتين الثانية والثالثة على الطائفة الأولى، بأن يقال: إن الحكم في هذه المسألة يكون كالتالي:

إذا قتل المسلم ذمياً؛ فإما أن يكون متعوداً على قتلهم، أو لا يكون كذلك. فعلى الأول يقتل بهم، وعلى الثاني لا يقتل، وإنما يدفع الدية فحسب.

إذاً تكون نتيجة المسألة في أصل القتل بهذا الشكل. وحينئذ لا يلتفت إلى أقوال من خالف في المسألة ممن ذكرناهم من الفقهاء، كالشيخ في الخلاف، حيث منع القتل مطلقاً، مستدلاً بآية السبيل، التي لا يتناسب الاستدلال بها في المقام، ويكفيك كونها مبهمة من كون هذا السبيل في الدنيا أو الآخرة، أو هي على نحو الإنشاء والحكم، أو على نحو الإخبار؟ وعلى فرض كونها حكماً وإنشاءً، وهي مختصة بهذه النشأة دون الآخرة، فهل هي على نحو كلي، فالمقصود بها جميع المؤمنين بلحاظ جميع الكافرين، أو هي على نحو جزئي، شاملة لكل فرد فرد؟ وعلى فرض كونها على نحو جزئي فهل هي شاملة لمحل الكلام أو لا؟ وعلى فرض كونها شاملة فهل هي تعمّ ما لو طبق حكم القصاص بالمسلم الحاكم الإسلامي بسبب جنايته على الذمي أو هي مختصة بما لو اقتص أولياء الذمي بأنفسهم من المسلم؟!

ومن هنا لا معنى ولا مستند للاستدلال بهذه الآيات العامة في مثل هذه الأحكام. وكيف يتأتى التمسك بها مع ما ذكرنا من الإبهام في دلالتها، مع وجود روايات صحيحة سنداً وواضحة من حيث الدلالة على الخلاف؟!

ولا يُسمع في المقابل لمن يقول بالقود من المسلم مطلقاً، كالصدوق في المقنع؛ لأن ذلك خلاف ما ذكرناه من الجمع بين الروايات، ومخالف للروايات التي تمنع القتل بقول مطلق.

وعلى أية حال أصبحت المسألة من الوضوح بما لا نحتاج معه للوقوف أمام تلك الأقوال وإشغال البال بها.

 

حكم الذمي إذا قتل مسلماً عامداً

الثانية: لو قتل الذمي مسلماً عمداً دفع هو وماله إلى أولياء المقتول، إن شاؤوا قتلوه، وإن شاؤوا استرقّوه.

وهذا الحكم لا خلاف فيه بين الأصحاب. ويشهد به صحيح ضريس الكناني، عن أبي جعفر×: «في نصراني قتل مسلماً، فلما أخذ أسلم؟ قال×: اقتله به، قيل: وإن لم يُسلم؟ قال: يدفع إلى أولياء المقتول، فإن شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا عفوا، وإن شاؤوا استرقّوا، وإن كان معه مال دفع إلى أولياء المقتول هو وماله»([20]).

وروي نفس الخبر في التهذيب بنفس السند. عن عبد الله بن سنان، عن الإمام الصادق×، ولكن بإضافة «عين» إلى المال، فتكون الجملة هكذا: «وإن كان معه عين مال…»([21]).

فهذ النص يدل على أن أولياء المقتول مُخيَّرون بين ثلاثة أمور: القصاص، أو العفو، أو الاسترقاق، بأن يكون القاتل رقاً وعبداً لهم يتصرفون فيه. ولكن في ذيل هذه الرواية شيء من الإبهام وعدم الوضوح، حيث قالت: «وإن كان معه مال ـ أو عين مال ـ دفع إلى أولياء المقتول هو وماله». فهل دفع المال في كل الحالات الثلاث التي بينتها الرواية أو أنها مختصة في حالة اختيارهم للاسترقاق، دون القتل أو العفو؟! وهل أن المال المأخوذ هو الموجود في حوزته فعلاً أو الأعم من ذلك؟ وهل يشمل الدين أو هو مختص بالعين؟ وهل أن المال الذي يؤخذ منه هو خصوص ما كان مساوياً لدية المسلم أو يشمل الزائد عنه؟

وهناك إشكال آخر حول أصل الاسترقاق، فلو اختار أولياء المقتول استرقاقه فهل يشمل أولاده أيضاً أو أن الرواية تفيد اختصاص الحكم به؟

 

فروع المسألة

هذه إثارات وإشكاليات لابد من الوقوف عليها في هذه المسألة من خلال الفروع التالية:

 

هل يجوز لأولياء المسلم أخذ مال الذمي في الحالات الثلاث؟

الفرع الأول: إذا اختار أولياء المقتول القتل أو العفو أو الاسترقاق فهل لهم أخذ ماله أو لا؟

هناك احتمالان: شمول حكم أخذ المال لكل الحالات؛ الاختصاص بما لو اختاروا الاسترقاق.

وظاهر الرواية الإطلاق في جميع الحالات. وكذا الظاهر من قول الإمام×: «وإن كان معه مال دفع إلى أولياء المقتول هو وماله» أنه تأسيس لحكم آخر مصاحب للحالات الثلاث، يعرف من المقطع المزبور، وكأنه جواب عن سؤال مقدَّر، بعد أن أجاب بالدفع إلى أولياء المقتول، فإن شاؤوا…إلخ، فيسأل عما إذا كان معه مال؟ فيجيب: إذا كان معه مال دفع هو وماله.

فتكون النتيجة هكذا: إذا قتل الذمي مسلماً متعمداً؛ فإن كان معه مال دفع هو وماله لأولياء المقتول؛ وإن لم يكن معه دفع هو فحسب إليهم.

وعلى هذا الأساس يمكن أن يختار أولياء المقتول القتل وأخذ المال؛ ويمكن أن يختاروا الاسترقاق وأخذ المال؛ ويمكن أن يختاروا أخذ المال، دون القتل والاسترقاق، وهكذا.

 

هل يجوز الأخذ لمطلق ماله أو لخصوص ما في حوزته؟

الفرع الثاني: هل أن المال المحكوم بأخذه هو خصوص ما في حوزته أم هو شامل لمطلق ماله، وإن كان في بيته أو دكّانه أو غير ذلك؟

وظاهر إطلاق الرواية الشمول للجميع؛ بقرينة عدم انحصار لفظ «ماله» بخصوص ما في حوزته، وشموله للأعم؛ لأن الجميع يسمى ماله. والتفريق بين مواضع ماله مما لا دليل عليه؛ لأنه لو قال الحاكم ـ مثلاً ـ: «فلان محجور على ماله» لا يفهم منه خصوص ما في حوزته. إلا أنه يمكن التأمل فيه أيضاً؛ ضرورة أن ثمّة فرق بين قوله: «عنده مال»، الموجب للشمول؛ لأن العندية غير مقيدة بما يحمله معه، وبين أن يقول: «معه مال»، الذي يفهم منه شرطية المعية، أي المال المحمول معه فعلاً، دون سواه. وعلى هذا الأساس يشكل التعدي عن المحل المتيقَّن، الذي هو خصوص المال المحمول، دون غيره.

 

هل هذا المال هو خصوص العين أو يشمل الدين كذلك؟

الفرع الثالث: على فرض أن يكون المراد هو مطلق ما عنده من مال فهل أن هذا المال هو خصوص العين، كما في رواية التهذيب، أو هو شامل للدين كذلك؟

قد يقال بشمول لفظ المال للدين أيضاً، وقد يقال بأن التقييد بالعين، كما في رواية التهذيب، يفهم منه إرادة خصوصه، دون الشمول للدين.

ولكن الأظهر هو عدم الشمول؛ لما ذكرناه من أن الأظهر هو إرادة المال الذي معه، وهو غير شامل للدين. مضافاً إلى أن الذي عنده دين لا يقال له عرفاً: «عنده مال» مجرَّداً، من دون إضافة جملة «عند الناس» مثلاً، في حين ليس في الرواية إطلاق شامل لمثل هذه الحالة. هذا إذا تجاوزنا لفظ «العين»، الذي يطلق عرفاً على خصوص المال الفعلي، دون الذي يكون في الذمة.

هل هذا المال خاصّ بالمنقول أو شامل لغيره؟

الفرع الرابع: هل أن دفع المال خاصّ بالمنقول أو أنه شامل لغيره، كالبساتين والبيوت وغيرها؟

ظاهر الرواية وإطلاقها هو الشمول، وعليه الأصحاب.

ولكن قد يتأمل فيه، بقرينة قول الإمام×: «وإن كان معه مال»، فلفظ «مع» غير لفظ «عند». فلو كان يريد الشمول لكان من الأفضل استعمال لفظ «عنده» الشامل لكل ما يسمى مالاً، سواء كان منقولاً أم لا. أما استعمال المعية فكأنه إشارة إلى ما ينقل، حيث يمكن أن يكون مصاحباً له في حلّه وترحاله، خلافاً لـ «العندية»، التي تشمل ما يمكن أن يصاحبه وغيره.

 

هل يؤخذ خصوص المساوي للدية أو يشمل الزائد عليها؟

الفرع الخامس: هل أن المال الذي يؤخذ من الذمي خصوص ما كان مساوياً للدية أو يشمل الزائد عنها أيضاً؟

أقول: المال الذي عند الذمي له ثلاثة احتمالات:

الأول: أن يكون مجموع ما معه بقدر دية المسلم.

الثاني: أن يكون مجموع المال الذي معه ناقصاً عن دية المسلم، أو ليس معه مال أساساً.

الثالث: أن يكون مجموع ما معه أكثر من دية المسلم.

هذه ثلاثة احتمالات مرتبطة بالمال الذي يكون مع الذمي.

فأما مع المساواة لدية المسلم فلا كلام؛ لأنه القدر المتيقَّن. ولكن بقي الكلام في الاحتمالين الآخرين.

وأما الاحتمال الثاني فهل يؤخذ من تركته أو عاقلته لو كان المال أنقص من دية المسلم أو لا؟

ظاهر كلام الحلبيين ـ على ما ينقل عنهما ـ أنه يرجع فيه إلى أهله وتركته([22]).

ولكن هذا الكلام لا دليل عليه؛ لأن مقتضى ظاهر النص ـ مع عدم وجود حيثية تقييدية فيه ـ هو مسؤولية القاتل شخصياً عن ذلك، وعدم شمول النص لما زاد عن ذلك؛ لأن المفروض دفعه هو وماله، فلا فرق حينئذ بين كون ماله مساوياً أو أنقص، بل حتى وإن لم يكن معه مال أصلاً، فلا يتحمل ذلك أحد من أهله؛ لانتفاء موضوع الحكم، كما هو واضح؛ لأن موضوعه هو كونه «معه مال».

أضف إلى ذلك أن مقتضى رواية التهذيب هو الفرض؛ أعني فرضية كون المال معه، وهي بمثابة الشرط الذي ينتفي بانتفاء المشروط.

وأما مع الاحتمال الثالث، وهو ما لو كان معه مال أزيد من الدية، فهل يؤخذ أيضاً أو يكتفى بقدر الدية؟

يظهر من كلام الصدوق ـ كما ينقل عنه ـ أنه يؤخذ بقدر الدية، وليس أكثر من ذلك.

ولكن ذلك مخالف لإطلاق النص، حيث لم يقيد المأخوذ منه بقدر الدية.

وعليه تكون المسألة بهذا الشكل: لو قتل الذمي مسلماً متعمداً، وكان معه مال، يدفع هو وماله ـ زاد أو نقص ـ إلى أولياء المقتول، وإن لم يكن معه مال أصلاً يدفع هو فحسب إليهم.

 

حكم الذمي إذا قتل مسلماً ثم أسلم

الثالثة: لو قتل الذمي مسلماً، ثم أسلم، يسقط الاسترقاق، ويتعين القتل.

أقول: يعرف حكم هذه المسألة من المسألة السابقة؛ فإن إسلام الذمي بعد القتل وقبل الاسترقاق يغير موضوع الحكم، أعني الاسترقاق؛ لأن حكم الاسترقاق إنما كان للكافر الذمي، فاذا أسلم انتفى موضوعه، ويعامل حينئذ معاملة القاتل المسلم، فيكون أولياء المقتول بالخيار بين القتل أو العفو. وهذا واضح، وعليه الإجماع([23]).

 

حكم الذمي إذا قتل ذمياً

الرابعة: لو قتل الذمي ذمياً يقتصّ من القاتل به، وكذا لو قتلت الذمية ذمية.

وهذه المسألة أيضاً من الواضحات؛ حيث إن حكم القصاص ثابت للذمي كثبوته للمسلم بلا فرق. ومدرك ذلك أمور:

1ـ الإجماع الظاهر من عبارات كل الفقهاء.

2ـ قوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (المائدة: 45) المفيد للعموم.

3ـ معتبرة السكوني، عن أمير المؤمنين× قال: «يقتص اليهودي والنصراني والمجوسي بعضهم من بعض، ويقتل بعضهم بعضاً إذا قتلوا عمداً»([24]).

والجدير بالذكر أن هذا الحكم لا يفرق فيه بين أصناف أهل الكتاب؛ لأن الكافر ملة واحدة، كما ذكرت الروايات؛ ولما مر من إطلاق رواية السكوني، كما عرفت.

 

حكم الذمي إذا قتل ذمية

الخامسة: لو قتل الذمي ذمّية اقتصّ من الذمي مع رد فاضل الدية.

وهذا الحكم أيضاً من الثوابت في الفقه الإمامي؛ لإطلاق النصوص الدالة على أن أولياء المرأة المقتولة إذا قتلوا الرجل القاتل أدوا نصف ديته إلى أوليائه([25]).

 

حكم الذمية إذا قتلت ذمياً

السادسة: لو قتلت الذمّية ذمياً اقتص من الذمية فحسب، للإجماع المحكيّ، كما عن المحقق الأردبيلي([26])؛ ولأن الجاني لا يجني على أكثر من نفسه، كما في الروايات.

 

حكم المسلم إذا قطع يد الذمي فأسلم ثم مات

السابعة: إذا قطع مسلم يد الذمي، فأسلم، وسرت الجناية إلى نفسه، وهو مسلم، فلا قود على القاطع؛ لما ذكرناه سابقاً من أن القود مشروط بالتكافؤ وقت الجناية، في حين أن القطع حديث في وقت كان هذا الشخص كافراً، فلا يقاد به([27]).

نعم، يستحق الدية؛ لإزهاق نفسه بسبب ذلك القطع، كما هو واضح.

 

حكم المسلم إذا قطع يد الحربي فاسلم ثم مات

الثامنة: لو قطع المسلم يد الكافر الحربي، فأسلم، ثم سرت، فلا قود، ولا دية.

أما عدم القود؛ فلعدم المماثلة وقت الجناية.

وأما عدم الدية؛ فلأن الجناية لم تكن مضمونة؛ لأنها وقعت في وقت كان ذلك الشخص كافراً حربياً.

ولكن ربما قيل بضمان الدية؛ اعتباراً بحال الاستقرار. وقوّاه صاحب الجواهر([28]).

ولكن فيه إشكال، بل منع؛ لأن الجناية كانت غير مضمونة على العاقلة، فلا موجب للتغيير. بل مقتضى الأصل بقاء عدم الضمان مطلقاً، وما كان أصله بلا أثر لا يحصل فيه ذلك إلا بدليل قاطع وبرهان ساطع.

فإن قيل: إن هذا من سنخ الأفعال التوليدية، فيترتب الأثر على البقاء، وإن لم يكن في الحدوث كذلك.

نقول: إن هذا وإن كان صحيحاً في الجملة، إلا أن سنخ التوليديات يحتاج إلى دليل خاص في الجنايات. وهو مفقود في المقام.

نعم، لو أراد الاحتياط بالتراضي والتصالح مع أولياء المقتول كان حسناً على كل حال([29]).

 

حكم المرتد إذا قتل ذمياً

التاسعة: إذا قتل المرتد ذمياً ففي قتله تردُّد. وسبب التردُّد هو عدم شمول رواية السكوني السابقة لمثل المورد؛ لأنها مختصة بأهل الكتاب، والمفروض أن المرتد ليس كذلك.

نعم، قد يقال بالتفريق بين من كان مرتدّاً عن فطرة، فالحكم كما ذكر، وبين المرتد عن ملّة، فليس كذلك؛ لأن من كان نصرانياً ـ مثلاً ـ، ثم أسلم، ثم ارتدّ، فإن معنى ارتداده رجوعه إلى النصرانية، فتنطبق عليه أحكام أهل الكتاب، وتشمله رواية السكوني. وهو قوي.

ولكنّ الأقوى القصاص؛ لأن هذا المرتدّ أصبح بارتداده كافراً، فتنطبق عليه عمومات القصاص. إضافة إلى انطباق قاعدة «إن الكفر ملّة واحدة» عليه، فيتحقق التساوي بينهما لا محالة.

هذا في حالة بقائه ـ أي المرتدّ ـ على ارتداده، ولكن لو رجع إلى الإسلام فهل يقتص منه كذلك؟

قال الشيخ في المبسوط: «إذا قتل مرتدٌّ نصرانياً له ذمّة ببذل أو جزية، قال قوم: عليه القود، وقال آخرون: لا قود عليه، سواءٌ رجع إلى الإسلام أم أقام على الكفر. ويقوى في نفسي أنه إن أقام على الكفر فيجب عليه القود، وإن رجع فلا قود عليه.

فمن قال: لا قود عليه قال: عليه دية النصراني، فإن رجع كانت في ذمته، وإن مات أو قتل في ردته تعلقت بتركته يستوفى منها، والباقي لبيت المال عندهم، وعندنا لورثته المسلمين»([30]).

وقال مثل ذلك الكلام في «الخلاف»، وزاد فيه: «دليلنا على أنه لا يقتل إذا رجع: قوله‘: «لا يقتل مسلم بكافر»، ولم يفصِّل. ودليلنا على أنه يقتل إذا لم يرجع: قوله: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (المائدة: 45)، وقوله: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ﴾ (البقرة: 178)، ولم يفصّل، وقوله تعالى: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً﴾ (الإسراء: 133)، وهذا قتل مظلوماً»([31]).

 

حكم المسألة إذا جرح ذمياً ثم ارتد وسرت الجراحة

العاشرة: إذا جرح مسلم ذمياً، ثم ارتد الجارح، وسرت الجراحة، فلا قود. وسبب ذلك أن قتل العمد غير ثابت؛ ضرورة أنه لا يصدق هنا «أن كافراً قتل كافراً عمداً» حتّى يقاد به.

نعم، لبُّ المشكلة في لزوم صدق هذا العنوان. فلو كان باقياً على إسلامه فإن الداعي لعدم القود حينذاك هو شمول قاعدة «لا يقاد»، ولكن الفرض أنه لم يبقَ على إسلامه، فلا يصدق الخبر.

وأما لزوم التساوي حال الجناية فغير لازم مع فرض وجود العام في المسألة، وهو موجود على الفرض. فالأشبه أن فيه قصاص([32]).

 

حكم الذمي إذا قتل مرتداً

الحادية عشرة: لو قتل ذمي مرتداً، ولو عن فطرة، قتل به.

وقد ذكروا أن مستند ذلك هو إطلاقات أدلة القصاص وعموماتها، بلا مقيد ومخصِّص في البين. مضافاً إلى الإجماع([33]).

الشك في ذمية الكافر

الثانية عشرة: لو شككنا في كافر أنه ذمّي، حتى تترتَّب عليه أحكامه، أو لا، لا يجري عليه أحكام أهل الذمة.

ومستند ذلك الأصل بعدم إحراز الموضوع.

هذا تمام الكلام في موضوع قانون العقوبات المتعلِّق بغير المسلمين في الشريعة الإسلامية.

أرجو أن نكون قد أعطينا فكرة إجمالية عن أحكام أهل الكتاب في هذا الموضوع، ومن الله العون.

 

الهوامش

(*) أستاذ في الحوزة العلمية، وباحث في مجال الفلسفة والكلام، من العراق.

([1]) الميزان 1: 432.

([2]) القاموس المحيط 1: 809.

([3]) وسائل الشيعة 29: 9.

([4]) المصدر السابق، ح2.

([5]) النهاية: 749.

([6]) الخلاف 7: 5.

([7]) المقنع: 534.

([8]) شرائع الإسلام 4: 211.

([9]) السرائر 3: 352.

([10]) الانتصار: 542.

([11]) الوسيلة: 431.

([12]) الغنية: 407.

([13]) الوسائل 29: 107.

([14]) المصدر السابق، ح2.

([15]) المصدر السابق، ح3.

([16]) المصدر السابق، ح4.

([17]) المصدر السابق، ح5.

([18]) المصدر السابق، ح6.

([19]) المصدر السابق، ح7.

([20]) الوسائل 29: 110.

([21]) التهذيب 10: 190، ح47.

([22]) فقه الصادق× 26: 43.

([23]) مباني تكملة المنهاج 2: 65؛ مهذب الأحكام 28: 224؛ فقه الصادق× 26: 44.

([24]) الوسائل 29: 110.

([25]) مباني تكملة المنهاج 2: 64؛ رياض المسائل 16: 244.

([26]) مجمع الفائدة 14: 28.

([27]) المبسوط 7: 224؛ السرائر 3: 397.

([28]) جواهر الكلام 42: 160.

([29]) مهذب الأحكام 28: 226؛ فقه القصاص: 168.

([30]) المبسوط 7: 47.

([31]) الخلاف 3: 102.

([32]) فقه الصادق: 171.

([33]) مهذَّب الأحكام 28: 227؛ مباني تكملة المنهاج 2: 69.

الكاتب السيد فاضل الموسوي الجابري

السيد فاضل الموسوي الجابري

مواضيع متعلقة

اترك رداً

downloadfilmterbaru.xyz bigoporn.club bok3p.site sablonpontianak.com