لماذا التشكيك في الحقائق التاريخية؟!

 قراءة نقدية في مقالة «المحسِّن بن علي ×»

السيد محمد النجفي اليزدي(*)

ترجمة: السيد حسن علي البصري

(a)      مقدمة

لقد عمد كاتب مقال (المحسن بن علي×) إلى التشكيك في ولادة المحسن واستشهاده بعد رحيل رسول الله‘، فذكر أولاً ثلاث قرائن من مصادر أهل السنة على ولادته في حياة النبي الأكرم‘. وهي بأجمعها في غاية الضعف، وهذا ما أقرّ به الكاتب نفسه. ثمّ ذكر للقول الثاني ـ القائم على إسقاط المحسن بعد رحيل رسول الله، وإثر الهجوم على بيت فاطمة ÷ ـ ثمان روايات عن المعصوم× وغير المعصوم، ولما كانت الرواية الرابعة منقولة عن كتاب (سُلَيْم بن قيس)، والرواية الخامسة عن كتاب (الاختصاص)، والرواية السادسة والسابعة عن كتاب (كامل الزيارات)، والرواية الثامنة عن (المفضَّل بن عمر)، فقد عمد إلى تضعيف هذه الروايات وهذه الكتب، وبالتالي يتطرّق التشكيك إلى المسألة برمّتها.

وأما هذه المقالة التي نسعى فيها إلى نقد مقالة (المحسن بن علي×) فسوف تتضمن الإجابة عن بعض الادعاءات التي وردت في المقالة المذكورة، مع إضافة سبع روايات عن الأئمة المعصومين^ وغيرهم، مع بيان كلمات لثلاثين عالماً من علماء القرن الهجري الأول إلى القرن الثاني عشر، وأقوال الشيعة، وأهل السنة الذين يعتبرون هذه المسألة من المسائل المشهورة عند الشيعة، الأمر الذي يثبت حقيقة استشهاد المحسن× بما لا مجال معه للشك.

بادرت مجلة (طلوع) ـ وهي فصلية تخصُّصية تعنى بالمذاهب والفرق الإسلامية ـ في عددها التاسع والعشرين إلى نشر مقالة تحت عنوان (المحسن بن علي×). وقد تم التشكيك في هذه المقالة في أمور، من قبيل: تاريخ ولادة ووفاة المحسن بن الإمام علي والسيدة فاطمة الزهراء‘، كما شكَّك في سبب وفاته، وما إذا كان ذلك قد حصل إثر الهجوم الغاشم على بيت أمير المؤمنين×، أو ضرب السيدة الزهراء. لذلك وجدتُ من الواجب عليّ التذكير ببعض الأمور المتعلقة بهذه المسألة. وهي كالتالي:

1ـ لقد اقتصر كاتب المقالة المذكورة من بين الأحاديث والروايات التاريخية الموجودة في التراث المناوئ للشيعة على ثلاث روايات بوصفها قرائن على ولادة ووفاة المحسن في عهد رسول الله‘. وهي:

أـ رواية هانئ بن هانئ، عن عليt، قال: «لما ولد الحسن سميته حرباً، فجاء رسول اللهr، فقال: أروني ابني، ما سمّيتموه؟ قال: قلت: حرباً، قال: بل هو حسن. فلما ولد الحسين سميته حرباً، فجاء رسول اللهr، فقال: أروني ابني، ما سمّيتموه؟ قال: قلت: حرباً، قال: بل هو حسين. فلما ولد الثالث سميّته حرباً، فجاء النبيr، فقال: أروني ابني، ما سمّيتموه؟ قال: قلت: حرباً، قال: بل هو محسن. ثمّ قال: سميتهم بأسماء ولد هارون: شبر وشبير ومشبّر».

وقد ذكر الكاتب وجوهاً تشهد على ضعف هذا الحديث المروي من طرق أهل السنة، من قبيل: عدم وجود أثر له في المصادر الشيعية، وعدم وجود تسمية المحسن بعد الولادة في بعض طرق أهل السنة، ومخالفة هذه الرواية لرواية الكليني، التي ورد فيها: «سمّى رسول الله محسناً قبل أن يولد»، وأنه كيف يمكن القول بأنّ الإمام علي× يصرّ على اسم حرب رغم منع النبي الأكرم‘ إياه من هذه التسمية في المرّة الأولى ثمّ الثانية. وإذا تجاوزنا ذلك كلّه كيف يمكن لهذا الحديث أن يكون معارضاً للأحاديث والروايات الكثيرة الأخرى الواردة من طرق الشيعة وأهل السنة؟!

ومضافاً إلى هذه الوجوه هناك أمور أخرى تضعِّف هذا الحديث، من قبيل: اتّهام رواته بوضع الأحاديث للتقليل من فضائل أهل البيت^، وهناك نماذج متعدِّدة على ذلك، وإنّ سند حديث أهل السنة ضعيف على أية حال([1]).

الأمر الآخر هو الاختلاف الفاحش الموجود في هذه الرواية، فمنها ما ينسب تسميته إلى فاطمة الزهراء([2])، ومنها ما لم يأتِ على ذكر تسمية لولد ثالث، ثمّ إنه إذا كان المحسن× قد ولد في حياة رسول الله‘، كما هو الحال بالنسبة إلى الحسن والحسين’، فلماذا لم تذكر السنة التي ولد فيها، ومن هي قابلته، وما إلى ذلك من الأوصاف الأخرى؛ أسوة له بالحسنين‘؟!

ثم إن الشيء الآخر الذي يجعل هذه الرواية ضعيفة تعارضها مع رواية أحمد بن حنبل التي يرويها في مسنده، والتي تقول: «عن علي× أنه سمى الحسن حمزة، والحسين جعفراً، فغيَّرهما رسول الله| بعد ذلك»([3]).

وعلاوة على جميع ذلك فإننا نجد مسألة تسمية الإمامين الحسن والحسين‘ مختلفة عن هذه الرواية اختلافاً كاملاً. ففي المروي عن الإمام زين العابدين×: «لما ولدت فاطمة الحسن قالت لعلي: سمّه، فقال: ما كنت لأسبق باسمه رسول الله، فجاء رسول الله|، ثمّ قال لعلي: هل سمّيته؟ فقال: ما كنت لأسبقك باسمه، فقال: وما كنت لأسبق باسمه ربي عز وجل، حتى أمر الله جبرئيل× بالنزول على رسول الله مهنّئاً، وقال له: قل له: إنّ علياً منك بمنزلة هارون من موسى، فسمّه باسم ابن هارون، فهبط جبرئيل فهنأه من الله عز وجل، ثمّ قال: إنّ الله تبارك وتعالى يأمرك أن تسمّيه باسم ابن هارون. قال|: وما كان اسمه؟ قال: شبّر. قال: لساني عربي، قال: سمّه الحسن».

وهكذا كان الأمر بشأن الإمام الحسين×، حيث أمر الله تعالى نبيه بتسميته حسيناً، ففعل([4]).

وعليه لا نجد في هذه الرواية أثراً لتسميته حرباً، ولا معلماً لولادة وتسمية ولد ثالث للإمام علي والسيدة فاطمة الزهراء، بل إن تلك الروايات التي ورد فيها ذكر حرب إنما قالت: «كنت أحبّ أن أسميه حرباً»، لا أنه أسماه حرباً بالفعل. كما أنّ تلك الرواية لم تشتمل على ولادة المحسن وتسميته([5]). نعم، إنّ هذه الرواية من الناحية المضمونية لا تتمتع بما يؤيدها؛ لأنها مروية من طريق أسماء بنت عميس، وكانت أثناء ولادة الإمام الحسن× ـ أي في العام الثالث أو الرابع للهجرة ـ في الحبشة، ضمن مَنْ هاجر مع جعفر بن أبي طالب، ولم تعُدْ إلى المدينة إلا في السنة السابعة من هجرة النبي الأكرم|.

ب ـ الرواية الثانية التي ذكرت في المقالة كقرينة على وفاة المحسن في حياة رسول الله| هي رواية أسامة، وخلاصتها: «كنا عند النبي‘، فأرسلت إليه إحدى بناته تدعوه، وتخبره أنّ صبياً لها أو ابناً لها في الموت.. وفي رواية أخرى عن أبي هريرة التصريح بأن الولد كان للسيدة فاطمة الزهراء÷، وأن رسول الله| حضره وهو في النزع، وقرأ قوله تعالى: ﴿فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ(الواقعة: 83)، حتى لفظ الصبي أنفاسه، وبكاه رسول الله([6]).

إنّ هاتين الروايتين، علاوة على تعارضهما مع روايات الشيعة ـ كما سيأتي ـ، فإنّ الرواية الأولى لم تصرّح بابن فاطمة، إلا أنّ الرواية الثانية ـ مضافاً إلى ضعف سندها بأبي هريرة ـ لا تتفق مع الرواية الشيعية، ورواية بعض أهل السنة الدالّة على موت المحسن× في بطن أمه. فمثلاً: نجد ابن الصباغ المالكي يقول: «مات سقطاً»([7]). ولا يبعد أن تكون عبارة «ثقل ابن لفاطمة…» في رواية أبي هريرة من تحريفاته.

وعلى أية حال فإنّ هذا الحديث على ما هو عليه من الإبهام لا يمكن أن يكون معتمداً، وخاصّة أنّ راويه هو أبو هريرة الدوسي، وهو مَنْ هو! والعجيب أنّ كاتب المقالة، رغم نقله لعبارة «مات سقطاً» عن الصالحي الشامي وابن الصباغ المالكي، وكذلك عبارة ابن حزم، إذ يقول: «مات صغيراً جدّاً إثر ولادته»، يقول بعد ذكره للقرينة الثانية في معرض الجواب عن دعوى إجماع أهل العلم بالأخبار على ولادة المحسن ميتاً (سقطاً) بعد رحيل رسول الله‘: «إنّ إجماع أهل العلم بالأخبار قائم على وفاة المحسن في صغره»!! الأمر الذي يعني ولادته حياً، ولربما أراد من الصغر ما يشمل الجنين قبل الولادة، فإذا كان كذلك تكون عبارته مضلِّلة، وليس لها ما يبرِّرها، سوى المماشاة والتماهي مع عبائر أهل السنة.

وكما جاء في تلك المقالة فإن لبعض أهل السنة تعبيرات من قبيل: «مات صغيراً» أو «مات طفلاً»، والتي ينبغي حملها ـ بالالتفات إلى روايات الشيعة وبعض روايات أهل السنة (التي تقدّم ذكرها) ـ على كون الطفل سقطاً، وإلاّ كان كلاماً محرّفاً، يحتمل أن يكون ذكره بعض المتقدّمين من المؤرخين، ثم سار المتأخِّرون على آثاره.

وفي مثل هذه الموارد لا يبعد التحريف أبداً؛ من أجل تبييض صفحة الأسلاف، كما يشهد التاريخ لذلك. ويمكن لنا أن نشاهد نماذج لهذه المسألة في رزية الخميس، ومطالبة النبي الصحابة بأن يأتوه بدواة وكتف([8]). وللسيد المرتضى & كلام في هذا الشأن، فإنه بعد نقله لرواية التهديد بحرق بيت أمير المؤمنين، وحمل عمر للنار، قال: روى الشيعة هذا الحديث من طرق كثيرة، ولكن الملفت أن كبار المحدِّثين من أبناء العامة رووه أيضاً، ولكن بشكل لا يسيء إلى أحد، وقد التفتوا أحياناً إلى أنّ هناك في بعض رواياتهم ما يدينهم، فاستعاضوا عنه بالكناية. ثمّ أضاف قائلاً: «أيّ اختيارٍ لمن يُحرق عليه بابه حتى يُبايع؟»([9]).

وهنا أمرٌ آخر وهو أنّ الكاتب ينسب إلى مسلم بن الحجاج في صحيحه، والشوكاني الحنبلي في نيل الأوطار، أنهما يقولان بولادة ووفاة المحسن× في حياة النبي الأكرم‘، استناداً إلى رواية أسامة بن زيد. هذا في حين أنّ ما رواه هو بنفسه عن مسلم لا يدلّ على رأي مسلم بن الحجاج، بل حتى الشوكاني نفسه قد أنكر دلالة حديث أسامة على هذا الأمر؛ إذ يعتقد بأنّ السقط المذكور في رواية أسامة بن زيد كان بنتاً.

ومهما كان فإنّ فهم كاتب المقالة ومستنداته بحاجة إلى تمحيص أكبر.

ج ـ الرواية الثالثة المذكورة في المقالة كقرينة على ولادة المحسن× في حياة النبي الأكرم‘ هي كلام ابن الأثير في كتابه «أسد الغابة في معرفة الصحابة»، الذي استند فيه إلى القرينة الأولى، فعدّ المحسن من ضمن الصحابة، وفي الوقت نفسه قال: إنّ رواية سالم بن أبي الجعد خالية من ذكر المحسن. وبعد إبطال القرينة الأولى لا يبقى هناك وجه لهذه القرينة الثالثة، كما صرّح الكاتب نفسه بذلك.

2ـ وقد ذكر كاتب المقالة رواياتٍ أخرى كقرينة على وفاة المحسن× بعد رحيل رسول الله‘.

أما روايته الأولى فليست بشيء؛ وذلك لأنّ كلمات أهل السنة تذهب إلى القول بظهور ولادة ووفاة المحسن صغيراً بعد رحيل رسول الله، في حين لا وجود لمثل هذا الظهور. وسنعمل على بيان مجموع الروايات الموجودة في هذا المجال، وندعو المنصفين إلى الحكم وإبداء رأيهم في اعتبارها، ودلالتها على استشهاد المحسن بعد رحيل رسول الله‘، إثر الهجوم الظالم على بيت الإمام علي×. وفي البداية سنعرض الروايات التي عمد كاتب المقالة إلى بيانها، لنضيف إليها بعد ذلك روايات كثيرة أخرى.

(b)     الروايات الدالة على استشهاد المحسن من طرق الفريقين

1ـ روى إبراهيم بن يسار، المعروف بالنظّام(230هـ)، وهو من كبار المعتزلة، «أنّ عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتى ألقت الجنين من بطنها، وكان يصيح: أحرقوا دارها بمَنْ فيها، وما كان في الدار غير علي وفاطمة والحسن والحسين»([10]). ومن المعلوم أنه ما لم تكن مسألة على مثل هذه الأهمية ـ بحيث لا يسلم بها أي واحدٍ من أهل السنة ـ من الوضوح فإنّ شخصاً مثل النظام ـ وهو من شيوخ المعتزلة ـ لن يذعن بها، وخاصة أنه يعلم ما سيلحق به من التبعات المترتِّبة على الاعتراف بمثل هذه الحقيقة الخطيرة، وهذا ما حدث بالفعل؛ إذ تمّ تكفير النظّام بسببها.

وقد ذُكر قول عمر: «أحرقوا دارها بمن فيها» في العديد من مصادر أهل السنة بألفاظ متقاربة.ومن باب المثال: روى الواقدي وابن خيزرانة: «قال زيد بن أسلم: كنت ممّن حمل الحطب مع عمر إلى باب فاطمة حين امتنع عليّ وأصحابه عن البيعة أن يبايعوا، فقال عمر لفاطمة: أخرجي مَنْ في البيت وإلا أحرقته ومن فيه ـ قال: وفي البيت علي وفاطمة والحسن والحسين وجماعة من أصحاب النبي‘ ـ، فقالت فاطمة: تحرق على ولدي؟! فقال: إي والله، أو ليخرجنّ وليبايعنّ»([11]). وروى ابن قتيبة في الإمامة والسياسة، وابن عبد البر، وغيرهما، «أنّ أبا بكر تفقّد قوماً تخلوا عن بيعته عند علي، فبعث إليهم عمر، فجاء فناداهم وهم في دار علي، فأبوا أن يخرجوا، فدعا بالحطب، وقال: والذي نفس عمر بيده لتخرجون أو لأحرقنها على مَنْ فيها، فقيل له: يا أبا حفص، إنّ فيها فاطمة! قال: وإنْ»([12]).

من هنا ذهب شاعرهم (حافظ إبراهيم) إلى الإشادة بشجاعة عمر في هذا الموطن قائلاً:

وقولة لعليٍّ قالها عمر
أحرقت دارك لا أبقي عليك بها
مَنْ كان مثل أبي حفص يفوه بها
أكرم بسامعها أعظم بملقيها
إن لم تبايع وبنت المصطفى فيها
أمام فارس عدنان وحاميها([13])

 إنّ هذه الروايات وغيرها ممّا هو مرويٌّ عند أهل السنة أيضاً تؤيد الهجوم على بيت فاطمة، واستشهاد المحسن إثر ذلك، بالإضافة إلى ما هو موجود في رواياتنا وكلمات بعض أهل السنة؛ باعتباره أمراً طبيعياً تماماً.

2ـ جاء في الكتب الرجالية لأهل السنة في بيان حال أبي بكر أحمد بن محمد بن السري بن يحيى بن أبي دارم المحدّث الكوفي(357هـ): «إنه كان مستقيم الأمر عامة دهره، ثمّ في آخر أيامه كان أكثر ما يُقرأ عليه المثالب، حضرته ورجل يقرأ عليه: إنّ عمر رفس فاطمة حتى أسقطت بمحسن…»([14]).

3ـ روى ابن أبي الحديد عن أستاذه ابن إسحاق: إنّ هبّار بن الأسود روّع زينب ابنة رسول الله بالرمح وهي في الهودج، وكانت حاملاً، فلما رجعت طرحت ما في بطنها، وقد كانت من خوفها رأت دماً وهي في الهودج، فلذلك أباح رسول الله| يوم فتح مكة دم هبّار بن الأسود.. قلت: وهذا الخبر أيضاً قرأته على النقيب أبي جعفر& (غير إمامي)، فقال: إذا كان رسول الله| أباح دم هبّار بن الأسود؛ لأنه روّع زينب، فألقت ذا بطنها، فظهر الحال أنه لو كان حيّاً لأباح دم مَنْ روّع فاطمة حتى ألقت ذا بطنها، فقلت: أروي عنك ما يقوله قومٌ: إنّ فاطمة رُوِّعت فألقت المحسن، فقال: لا تَرْوِه عني، ولا تَرْوِ عني بطلانه…»([15]).

إنّ هذا الكلام يُثبت بما لا غبار عليه أنّ إسقاط المحسن قد حدث بفعل هجوم الظلمة على دار فاطمة ÷ بعد رحيل النبي|. وكان من البداهة بحيث يجعله أبو جعفر النقيب أساساً لعقد المقارنة المتقدّمة.

4ـ روى سُلَيْم بن قيس الهلالي(القرن الأول الهجري) في كتابه ـ الذي هو من أقدم الكتب الإسلامية ـ حادثة الهجوم على بيت فاطمة، وحرق بابها، وإسقاط المحسن بفعل هذا الهجوم الآثم، عن سلمان الفارسي، قال: «قال عمر لأبي بكر: ما يمنعك أن تبعث إليه [يعني علياً×] فيبايع، فإنه لم يبقَ أحدٌ إلا قد بايع، غيره.. فقال له أبو بكر: مَنْ نرسل إليه؟ فقال عمر: نرسل إليه قنفذاً وهو رجل فظّ، غليظ، جاف، من الطلقاء، أحد بني عدي بن كعب، فأرسله وأرسل معه أعواناً، وانطلق فاستأذن على علي×، فأبى أن يأذن لهم، فرجع أصحاب قنفذ إلى أبي بكر وعمر.. فقالوا: لم يؤذَن لنا، فقال عمر: اذهبوا فإنْ أذن لكم وإلاّ فادخلوا بغير إذن، فانطلقوا، فاستأذنوا، فقالت فاطمة÷: أحرِّج عليكم أن تدخلوا عليّ بيتي بغير إذن..، فغضب عمر، وقال: ما لنا وللنساء، ثمّ أمر أناساً حوله أن يحملوا الحطب، فحملوا الحطب، وحمل معهم عمر، فجعلوه حول منزل علي وفاطمة وابنيهما، ثمّ نادى عمر حتى أسمع علياً× وفاطمة: والله لتخرجنّ يا عليّ، ولتبايعن خليفة رسول الله، وإلا أضرمت عليك النار، فقالت فاطمة÷: يا عمر، ما لنا ولك.. أما تتَّقي الله، تدخل عليّ بيتي! فأبى أن ينصرف، ودعا بالنار فأضرمها في الباب، ثمّ دفعه، فدخل، فاستقبلته فاطمة÷، وصاحت: يا أبتاه، يا رسول الله، فرفع عمر السيف وهو في غمده، فوَجَأ به جنبها، فصرخت: يا أبتاه، فرفع السوط فضرب به ذراعها.. وثار علي× إلى سيفه، فسبقوه إليه، وكاثروه.. وحالت بينهم وبينه فاطمة÷ عند باب البيت، فضربها قنفذ الملعون بالسوط..، فألجأها قنفذ إلى عضادة باب بيتها، ودفعها، فكسر ضلعها من جنبها، فألقت جنينها»([16]).

وللأسف الشديد فقد سعى كاتب المقالة من خلال التشكيك في كتاب سليم بن قيس إلى القول بضعف هذه الرواية. ومن هنا يقول: إنه لم ينقل هذه الرواية بعد سليم إلاّ شخص واحد جاء بعد ذلك بعشرة قرون (ألف سنة)([17])، وأنه في الفترة الزمنية الممتدة ما بين القرن الحادي عشر والرابع عشر لم يتبنَّ هذه الرواية غير رجلين، هما: العلامة البحراني؛ والعلامة المجلسي، وهما متعاصران، وأما بعد القرن الرابع عشر فكثرت روايتها.

لست أدري هل كان الكاتب يتوقَّع نشر مثل هذه المسألة الحسّاسة ـ التي كان نشرها يؤدي بالناقل إلى الوقوع في الكثير من المشاكل والمتاعب، سواء في ذلك الموافق والمخالف ـ على نطاق واسع، وفي جميع المصادر؟!

لا يمكن أبداً لمصادر أهل السنة ـ الذين كانوا هم القوة الفاعلة والسلطة المتنفّذة ـ أن تنقل هذه الواقعة بحذافيرها، وإذا أبدى أمثالُ النظّام مثل هذه الجرأة، من خلال اعترافه بوقوع هذه الحادثة المريرة، فقد نال قسطه الوافر من الطرد والتكفير([18]). علاوة على ذلك فإنّ هناك الكبت والرعب الذي فرضه حكام الظلم والجور، وخاصة حكام بني أمية، على المجتمع الإسلامي، حتى منعوا من رواية الحديث وتدوين سنة النبي الأكرم‘، وظلَّ هذا المنع سارياً حتى نهاية القرن الهجري الأول. وعليه فإنهم لم يكونوا ليسمحوا بنشر مثل هذه الحوادث الخطيرة التي تمسّ بأمن سلطانهم، لتنتشر بعد ذلك على تخوُّف وعلى نطاق محدود جدّاً، ثم ليتم تغليفها بحجب من الشكّ والغموض، وبالتالي التعريف بها على أنها مخالفة للحقيقة، كما هو حال الكثير من مطاعن أعداء أهل البيت× وفضائل آل بيت العصمة والطهارة عند أهل السنة.

وأما بالنسبة إلى الشيعة فإنهم؛ وبسبب الضغوط التي كانت تمارس بحقهم على نحو أشدّ، كانوا لقرونٍ يسعون للإبقاء على حياتهم، قبل القيام بنشر أفكارهم والحقائق الثابتة عندهم، فلم يكن بالإمكان نشر هذه الحقائق. وإنّ ما وصل منها إلينا حتى الآن على نحو متقطع وفترات متباعدة هو من قبيل المعجزة. وعلى أية حال فقد تعاضدت عناصر عديدة على منع الشيعة من نشر المسائل التي لا يسمح بها مبدأ التقية.

إذاً والحال هذه كيف يمكن لنا أن نتوقَّع أن تتضمَّن كتب علماء الشيعة ـ الموضوعة تحت مجهر الرقابة وعيون الحكومات الغاشمة طوال التاريخ ـ مثل هذه الحقائق، مع إحجام العدو والصديق عن نشرها؟!

ولم يتمكن الشيعة ـ بطبيعة الحال ـ من الكشف عن هذه الحقائق والأسرار المكتومة لآل بيت النبي محمد‘ إلا مع بداية القرن الحادي عشر، حيث بدأت بعض الحكومات الشيعية بالظهور، وتأسيس دول مستقلّة لهم.

ألا يكفي ـ والحال هذه ـ في صحة وقوع الحادثة ما ذكره النظّام المعتزلي من الجزم والقطع بها، رغم ما يحدق به من المخاطر الدينية والاجتماعية، ليقول بصراحة وملء الفم: «إنّ عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتى ألقت الجنين من بطنها، وكان يصيح: أحرقوا دارها بمَنْ فيها».

مضافاً إلى ذلك فإنّ مضمون هذه الرواية، أي ضرب فاطمة، وإحراق الباب، وإسقاط الجنين، قد ورد في الروايات الشيعية ومصادر أهل السنة الأخرى أيضاً حتى القرن الثالث عشر، وهو ما سنبحثه في الفقرات التالية:

(c)      مسار الروايات وكلمات أعلام المسلمين من الفريقين (منذ القرن الأول إلى القرن الثالث عشر) حول استشهاد المحسن بن علي×

ـ روى سُلَيْم بن قيس(حوالي 76هـ) في كتابه حادث شهادة الزهراء وما اقترفوه من الجرائم بحقّها، فقال: «فألجأها قنفذ إلى عضادة باب بيتها، ودفعها، فكسر ضلعها من جنبها، فألقت جنيناً من بطنها. فلم تزل صاحبة فراش حتى ماتت صلى الله عليها من ذلك شهيدة».

ـ روى إبراهيم بن سيار، المعروف بالنظّام(230هـ)، وهو من كبار علماء المعتزلة، «أنّ عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتى ألقت الجنين من بطنها، وكان يصيح: أحرقوا دارها بمَنْ فيها».

ـ روى ابن قتيبة الدينوري(276هـ): «إنّ محسناً فسد من زخم قنفذ العدوي»([19]).

ـ روى الحسين بن حمدان الخصيبي(334هـ): «ركل عمر الباب برجله حتى أصاب بطنها، وهي حاملة بمحسن لستة أشهر، وأسقطها»([20]).

ـ روى علي بن الحسين المسعودي(346هـ)، المؤرّخ الشهير: «فهجموا عليه، وأحرقوا بابه، واستخرجوه منه كرهاً، وضغطوا سيدة النساء بالباب حتى أسقطت محسناً»([21]).

ـ روى المقدسي(355هـ): «وولدت محسناً، وهو الذي تزعم الشيعة أنها أسقطته من ضربة عمر»([22]).

ـ قال الراوي عن أحمد بن محمد بن السري بن يحيى بن أبي دارم المحدّث الكوفي(357هـ): «حضرته ورجل يقرأ عليه أنّ عمر رفس فاطمة حتى أسقطت بمحسن…»([23]).

ـ روى جعفر بن محمد بن قولويه(367هـ) حديثاً عنه جاء فيه: «وتطرح ما في بطنها من الضرب، وتموت من ذلك الضرب»([24]).«وأول من يحكم فيهم محسن بن علي، وفي قاتله، ثمّ في قنفذ»([25]).

ـ روى الشيخ الصدوق(381هـ) عن بعض مشايخه: «المحسن بن علي هو السقط الذي ألقته فاطمة لما ضغطت بين البابين»([26]).

ـ روى أبو الحسن الملطي(377هـ) عن رجل اسمه هشام: «..إنّ أبا بكر مرّ بفاطمة فرفس في بطنها، فأسقطت، وكان سبب علتها ووفاتها»([27]).

ـ قال محمد بن جرير الطبري الشيعي(القرن الرابع الهجري): «وكان سبب وفاتها أنّ قنفذاً مولى عمر لكزها بنعل السيف بأمره، فأسقطت محسناً، ومرضت من ذلك مرضاً شديداً»([28]).

ـ قال أحد قدماء علماء الشيعة: «قضت [فاطمة ] شهيدة؛ إذ ضربوا باب دارها على بطنها حتى هلك ابنها الجنين، الذي سمّاه رسول الله المحسن»([29]).

ـ قال الشيخ المفيد(413هـ): «فرفسها برجله، وكانت حاملة بابن اسمه المحسن، فأسقطت المحسن من بطنها»([30]).

ـ قال أبو الحسن العمري النسابة (حي سنة 425هـ): «وقد روت الشيعة خبر المحسن والرفسة»([31]).

ـ قال الشيخ الطوسي(460هـ) «المشهور الذي لا خلاف فيه بين الشيعة أن عمر ضرب على بطنها ـ صلوات الله عليها ـ حتى أسقطت، فسمّي السقط محسناً، والرواية بذلك مشهورة عندهم»([32]).

ـ قال مقاتل بن عطية (505هـ): «عصر عمر فاطمة خلف الباب حتى أسقطت جنينها، ونبت مسمار الباب في صدرها، وسقطت مريضة حتى ماتت»([33]).

ـ روى الشيخ الطبرسي(548هـ) رواية سُلَيْم المذكورة في رأس هذه السلسلة([34]).

ـ قال الشيخ الطبرسي(548هـ): «وولد ذكر قد أسقطته فاطمة بعد النبي عليه التحية والسلام، وقد كان رسول الله‘ سمّاه وهو حملٌ محسناً»([35]).

ـ وقد نقل ابن شهرآشوب عبارة ابن قتيبة نفسها عن المعارف، وترتبيها هو الثالث في هذه السلسلة([36]).

ـ نقل ابن أبي الحديد المعتزلي(656هـ)، ضمن ما نقله عن أستاذه أبي جعفر النقيب أنه قال: «لو كان| حيّاً لأباح دم مَنْ روّع فاطمة حتى ألقت ذا بطنها»([37]).

ـ قال شرف الدين الشافعي عمر بن شجاع الدين(668هـ): «ومحسن درج صغيراً؛ لرفسه، وقيل: لردّ الباب على صدرها، وذلك مشهور»([38]).

ـ قال العلامة الحلي(736هـ): «وضُربت فاطمة، وألقت جنيناً اسمه محسن»([39]).

ـ روى أبو محمد الديلمي الحسن بن أبي الحسن(القرن الثامن الهجري) عن النبي الأكرم‘ حديثاً جاء فيه أنه قال: «ومنعت إرثها، وكسر جنبها، وأسقطت جنينها»([40]).

ـ قال السيد ابن طاووس(664هـ)، ضمن نقله زيارة السيدة فاطمة الزهراء: «صلّ على البتول الطاهرة..، المقتول ولدها»([41]).

ـ قال ابن الصباغ المالكي(855هـ): «وذكروا أنّ فيهم محسناً شقيقاً للحسن والحسين، ذكرته الشيعة وإنْ كان سقطاً»([42]).

ـ قال علي بن يونس العاملي(877هـ): «واشتهر في الشيعة أنه حصر فاطمة ÷ حتى أسقطت محسناً»([43]).

ـ نقل الحسن بن سليمان الحلي(القرن التاسع الهجري) رواية الديلمي المذكورة في ما تقدم من هذا التسلسل([44]).

ـ نقل شرف الدين الحسيني(965هـ) رواية كامل الزيارات: «أول من يحكم فيهم المحسن بن علي×»، التي ذكرناها في ما تقدَّم من هذا التسلسل([45]).

ـ قال محمد تقي المجلسي(1070هـ): «وشهادتها كانت من ضرب عمر الباب على بطنها، والحكاية مشهورة عند العامة والخاصة…، وسقط بالضرب غلام [جنين] كان اسمه محسناً»([46]).

ـ قال محمد باقر المجلسي(1111هـ): «وهو [خبر الشهادة ] من المتواترات، وكان سبب ذلك..، فضرب قنفذ غلام عمر الباب على بطن فاطمة، فكسر جنبها، وأسقطت لذلك جنيناً كان رسول الله‘ سمّاه محسناً»([47]).

ـ قال مرتضى الزبيدي(1205هـ) في كتابه اللغوي: «المحسّن بتشديد السين: ذهب أكثر الإمامية إلى أنه كان حملاً فأسقطته فاطمة الزهراء لستة أشهر، وذلك بعد وفاة النبي‘»([48]).

وأما فيما يتعلق بمسألة اعتبار كتاب سُلَيْم بن قيس فهي مسألة أشبعت بالبحث والتحقيق في مواطنها ومظانّها، وكثرت الآراء حولها. ومن ذلك مثلاً: ما قاله العلامة المجلسي في شأن هذا الكتاب: «كتاب سُلَيْم بن قيس في غاية الاشتهار، وقد طعن فيه جماعة، والحقّ أنه من الأصول المعتبرة»([49]). وعلى أية حال فإنّ كتاب سُلَيْم لا يقل شأناً في الاعتبار عن الكتب التاريخية لدى أهل السنّة، التي هي في غالبها من المراسيل، أو مجهولة الأسانيد. يضاف إلى ذلك أن الطبرسي، الذي أورد هذا الحديث في كتاب الاحتجاج، قال في مقدمته باعتبار جميع ما ورد فيه من الروايات، باستثناء الأحاديث والروايات المنقولة من التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري×، الأمر الذي يرفع من رصيد الروايات المأخوذة من كتاب الاحتجاج، وكتاب سُلَيْم بن قيس.

5ـ في كتاب الاختصاص، المنسوب إلى الشيخ المفيد(413هـ)، رواية عن الإمام الصادق×، أن فاطمة الزهراء÷ بعد أخذ أبي بكر فدكاً منها دارت حول بيوت المهاجرين والأنصار مدة أربعين يوماً، دون أن يستجيب أحد منهم لمساعدتها، حتى تحدّثت مع أبي بكر على انفراد، فكتب كتاباً بإرجاع فدك إلى فاطمة ÷، ولكنها وفي طريق عودتها صادفت عمر، فطلب منها الكتاب، فامتنعت من دفعه إليه، «فرفسها برجله، وكانت حاملة بابن اسمه المحسن، فأسقطت المحسن من بطنها، ثمّ لطمها، فكأنّي أنظر إلى قرط في أذنها حين نقفت، ثمّ أخذ الكتاب فخرقه»..، ثم بقيت الزهراء مريضة خمساً وسبعين يوماً، حتى ماتت متأثِّرة بتلك الضربة.

وقد سعى كاتب المقالة إلى تضعيف هذه الرواية، من خلال التشكيك في نسبة كتاب الاختصاص إلى الشيخ المفيد، يضاف إلى ذلك التعارض والاختلاف الفاحش بين رواية سليم ورواية الاختصاص، فبينما تذهب رواية سليم إلى تحديد زمن حادثة إسقاط المحسن بيوم الهجوم على الدار في الأيام الأولى التي أعقبت رحيل رسول الله‘ نجد رواية الاختصاص تحدِّد زمن الحادثة بما بعد احتجاج السيدة فاطمة الزهراء÷ المتكرِّر مع أبي بكر في أمر فدك، وبعد أن دارت على بيوت المهاجرين والأنصار. كما أنّ السيدة الزهراء لو كانت طريحة الفراش؛ بفعل ضربها، وكسر ضلعها، وإسقاط جنينها، لما تمكنت من الخروج من بيتها، كما هو مضمون رواية سليم بن قيس، ولما تمكنت من الذهاب إلى أبي بكر.

والأهمّ من ذلك أنّ إسقاط المحسن لا يمكن أن يحدث لأكثر من مرّة واحدة. وعليه لا بد من القول بسقوط واحدة من هاتين الروايتين عن الاعتبار، فلا يمكن الأخذ إلاّ بواحدة منهما.

ونقول في الجواب:

أولاً: إنّ الاختلاف في تفاصيل الحادثة التاريخية مسألة يألفها كلّ متتبِّع في النصوص والمصادر التاريخية. فهذه الظاهرة من الكثرة بحيث تُعدّ مسألة وظاهرة طبيعية ومألوفة. وعليه فإنّ هذا الاختلاف لا يعني إنكار أصل وقوع الحادثة. وهكذا الأمر بالنسبة إلى حادثة إسقاط المحسن. وعليه لا بد من الالتزام بالنتيجة التي وصل إليها كاتب المقالة حيث قال: «لا بدّ من القول بصحة إحدى هاتين الروايتين». وعليه سيثبت المطلوب، سواء التزمنا برواية سليم أو برواية الاحتجاج.

ثانياً: إن كتاب سليم بن قيس أيضاً لم يذكر وقوع تلك الجرائم في الأيام الأولى من رحيل رسول الله‘. فالذي ورد في رواية سليم بن قيس هو قوله: «بعد أن اغتصبت الخلافة من علي× حمل فاطمة÷ والحسن والحسين’ ليلاً، وطاف بهم على بيوت المهاجرين والأنصار، فدعاهم إلى نصرته، فما استجاب له منهم إلا أربعة..، فلما رأى علي× غدرهم وقلّة وفائهم له لزم بيته، وأقبل على القرآن يؤلِّفه ويجمعه..، وبعث إليه أبو بكر: اخرج فبايع، فبعث إليه علي×: إني مشغول، وقد آليت على نفسي يميناً أن لا أرتدي برداء ـ إلا للصلاة ـ حتى أؤلِّف القرآن وأجمعه، فسكتوا عنه أياماً، فجمعه في ثوب واحد وختمه، ثمّ خرج إلى الناس، وهم مجتمعون مع أبي بكر في مسجد رسول الله‘، وجاءهم بالقرآن، بتأويله وتنزيله وناسخه ومنسوخه..، فقال له عمر: ما أغنانا بما معنا من القرآن عمّا تدعونا إليه، ثم دخل علي× بيته..، فأرسل إليه أبو بكر: أجِبْ خليفة رسول الله، فقال علي: سبحان الله ما أسرع ما كذبتم على رسول الله‘..، فلما كان الليل حمل علي× فاطمة÷، وأخذ بيد ابنيه الحسن والحسين’، فلم يَدَعْ أحداً من أصحاب رسول الله‘ إلا أتاه في منزله، فناشدهم الله حقه، ودعاهم إلى نصرته، فما استجاب منهم رجل غير الأربعة..، ثم ذكر بعد ذلك حادثة الهجوم على دار فاطمة، وضربها، وإسقاط جنينها»([50]).

على هذا الأساس نرى أنّ حادثة الهجوم على دار فاطمة، وما رافقه من أعمال يندى لها الجبين، لم تحصل في الأيام الأولى بُعيد رحيل رسول الله‘، حتى بناءً على هذا النقل؛ فإنّ رواية سُليم وإن لم تصرّح بالأربعين ليلة، ولكن لا يستحيل جمعها مع رواية الاختصاص.

نعم، إنّ رواية الاختصاص، حيث تذكر مسألة كتاب فدك، ووقوع تلك الفجائع إثر ذلك، لا يمكن جمعها مع رواية سُليم التي ترتِّب الحوادث على الهجوم على دار فاطمة ÷. إلا أنّ هذا النوع من الاختلاف حول الوقائع التاريخية ليس بالأمر المستغرب ـ كما أسلفنا ـ، ولا يقوم دليلاً على إنكار أصل وقوع المسألة. وهذا ما نشاهده في الروايات الفقهية أيضاً.

وأما الرواية التي تقول: «لما حضرت فاطمة ÷ الوفاة دعت علياً صلوات الله عليه فقالت: إما تضمن وإلاّ أوصيتُ إلى ابن الزبير، فقال علي: أنا أضمن وصيتك يا بنت محمد» فإنه وإنْ كان من المستبعد أن تتمّ الوصية إلى ابن الزبير ولم يكن له من العمر سوى عشر سنين، مع وجود أفراد آخرين، مثل: أبيه، وغيره من رجالات بني هاشم، ولكن لا يبعد في الوقت نفسه وقوع التصحيف في الرواية، بمعنى أنّ الأصل كان هو الزبير، ولكنْ تمّ تصحيفه بابن الزبير. وإنّ أرباب التحقيق في علم رجال الأحاديث يعلمون بأنّ هذا النوع من الأخطاء في إسناد الحديث أو متنه وارد، وهو واقع بكثرة. ومن هنا لا يعتبرونه دليلاً على بطلان أصل المسألة.

وعليه فإنّه وإنْ كان هناك كلامٌ في صحّة واعتبار كتاب الاختصاص، إلا أن كبار العلماء، من أمثال: العلامة المجلسي&([51])، يقرّون بصحته، كما هو الشأن في كتاب سُليم بن قيس. وهذا المقدار يكفي في تأييده من الناحية التاريخية، وخاصّة أنه على أية حال من تأليف المتقدّمين، والتفصيل في هذا المجال لا تستوعبه هذه المقالة المختصرة.

6ـ في رواية كتاب «كامل الزيارات»، للعالم الجليل القدر جعفر بن محمد بن قولويه(367هـ)، بسنده عن الإمام الصادق×، عن النبي الأكرم‘، أنه ألقي له في المعراج: «وأما ابنتك فتظلم، وتحرم، ويؤخذ حقها غصباً الذي تجعله لها، وتضرب وهي حامل، ويدخل عليها وعلى حريمها ومنزلها بغير إذن، ثمّ يمسّها هوان وذلّ، ثمّ لا تجد مانعاً، وتطرح ما في بطنها من الضرب، وتموت من ذلك الضرب»([52]).

7ـ وجاء في تكملة الحديث السابق: «أول من يحكم فيهم محسن بن علي×، وفي قاتله، ثمّ في قنفذ، فيؤتيان ـ هو وصاحبه ـ، فيضربان بسياط من نار…»([53]).

والعجيب أنّ كاتب المقالة يصرّ على تضعيف الرواية، حيث يقول: «إنّ المسألة الملفتة للانتباه في نصّ رواية المعراج، المنقولة في كامل الزيارات، أنه لم ينقلها سائر العلماء من الشيعة المعاصرين لصاحب هذا الكتاب وغير المعاصرين، حتى تصرمت السنون ومضى ما يقرب من ستة قرون، أي حتى القرن الهجري العاشر. وفيما يتعلق بما لروايات كتاب كامل الزيارات من الاعتبار هناك الكثير من الآراء الموافقة والمخالفة. وخلاصة القول: إنّ السيد الخوئي قد ضعّف الكثير من رجال هذه الرواية».

ولكننا نقول في الجواب: إنّ عدم مواصلة نقل رواية لمدّة ستة قرون لا ينهض دليلاً على ضعفها، بل قد تكون لها أسباب أخرى، من قبيل: عدم توفّر الظروف الملائمة، كما تقدم أن أشرنا إلى ذلك، وخاصّة أنّ الموضع المناسب لمثل هذه الروايات هو كتب المطاعن، وليس الكتب التاريخية أو التفسيرية أو الفقهية أو ما إلى ذلك، وإنّ نفس ذكر المطاعن في حدّ ذاته مع عدم توفُّر الظروف المناسبة لها يكفي في عدم انتشارها على نطاق واسع، والاقتصار في ذكرها على كتاب كامل الزيارات فقط.

وما قيل من أنّ «هناك فيما يتعلق باعتبار روايات كتاب كامل الزيارات الكثير من الآراء الموافقة والمخالفة» فهو في غاية البعد عن الحقيقة والصواب والإنصاف؛ وذلك لأنّ كتاب «كامل الزيارات» من أكثر الكتب الشيعية اعتباراً، ولم يسمح أيّ عالم لنفسه بأدنى تشكيك في هذا الكتاب ومؤلِّفه، بل هناك مَنْ ذهب إلى توثيق جميع رواته؛ اعتماداً على ما جاء في مقدمته، إلا إذا قام المعارض في ذلك. وقلما يتوفر ذلك لكتابٍ من الكتب، حتى أن الذين لا يرون للكتب الشيعية الأربعة ذلك الاعتبار لا يحملون هذه النظرة القاسية لكتاب كامل الزيارات، كما هو الحال بالنسبة إلى السيد الخوئي في كتابه معجم رجال الحديث، رغم عدوله عن هذا الرأي في الآونة الأخيرة.

ومهما كان فإنّ روايات «كامل الزيارات» كسائر روايات المصادر المعتبرة. وإذا كان هناك ضعف في أسانيد بعضها من الناحية الرجالية فهذا لا يعني بطلانها بالضرورة، وخاصّة في المسائل التاريخية، حيث لا يوجد هناك ما يضارع كتاب كامل الزيارات من هذه الناحية في الاعتبار.

8ـ جاء في رواية عن المفضَّل بن عمر، عن الإمام الصادق×: «وإشعال النار على باب أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين؛ لإحراقهم بها، وضرب يد الصديقة الكبرى فاطمة بالسوط، ورفس بطنها، وإسقاطها محسناً…»([54]).

كما جاء في تتمة هذه الرواية: «وضرب عمر لها بالسوط على عضدها حتى صار كالدملج الأسود، وركل الباب برجله حتى أصاب بطنها وهي حاملة بالمحسن ستة أشهر، وإسقاطها إياه»([55]).

قال كاتب المقالة: «وقد نقل هذه الرواية العلامة المجلسي(1111هـ) في بحار الأنوار بلفظ: «ورُويَ في بعض مؤلفات أصحابنا»…، الأمر الذي يُشعر بالدلالة على عدم اعتبارها ومصدرها عنده.والصحيح أنّ العلامة المجلسي& لم يشأ أو لم يستطع أن يذكر اسم الكتاب ومؤلِّفه، ومن هنا عبّر عنه بما تقدم، وإلاّ فما أكثر الروايات المسندة وهي ضعيفة متناً وسنداً.

وبشكل عام عندما تكون الرواية مرسلة فإنها تسقط عن الاعتبار من الناحية الفقهية، ولكن هذا لا يعني بطلانها، وعدم صحّة الاستناد إليها كمؤيِّد، وإلا فإنّ أكثر الروايات التاريخية ستسقط عن الاعتبار، ولن يمكن الاستناد إليها؛ بسبب إرسالها.

ثم قال كاتب المقالة: «وقد صرح محقِّق هذا الجزء من بحار الأنوار الشيخ محمد باقر البهبودي في هامش تلك الصفحة ـ ضمن إجابته عن تضعيف المفضل بن عمر ـ بكذب هذه الرواية، وأنها من موضوعات ابن فرات أو النميري».

ونقول في الجواب:

أولاً: إنّ مبادرة محقِّقٍ ما إلى تضعيف رواية ليس معياراً لصحّتها أو سقمها، بل على المحقِّق أن ينظر في الأدلة.

ثانياً: إنّ السيد البهبودي محقِّق هذا المجلّد من بحار الأنوار لم يكذِّب الرواية، بل قال: إنّ عمر بن فرات الكاتب البغدادي كان يعمد إلى الأحاديث الصحيحة والحسنة والضعيفة والمجهولة فيزيد عليها، ويجمع بين مضامينها. وقال: راجعوا الجزء الثاني والخمسين، البابين الثالث والعشرين والرابع والعشرين، لتجدوا مضامين هذه الرواية مبثوثة هناك، وفيها الصحيح والسقيم.

ثمّ قال كاتب المقالة: «كما صرح المختصّون في علم الرجال بكذب هذه الرواية».

إلا أنني، ومن خلال بحثي في كتاب رجال النجاشي، لم أعثر على ما يكذب هذه الرواية. نعم، لقد عمد النجاشي إلى تضعيف المفضَّل بن عمر، وقال بعدم اعتبار كتبه، ولكنه لم يذكر ما يدل على أنّ هذه الرواية مأخوذة من كتبه. هذا وإنّ عدم اعتبار كتابٍ من الكتب لا ينهض دليلاً على كذبه. وإنّ محقِّق بحار الأنوار ـ كما جاء في المقالة ـ دافع عن المفضّل بن عمر.

إنّ في سند الحديث بعض الفاسدين، من أمثال: محمد بن نصير، وعمر بن فرات، الأمر الذي يخدش في سند الحديث. إلا أنّ بعض فقراته الموافقة للأدلة الأخرى تصلح لأن تكون مؤيِّدة للمضامين الأخرى الواردة في الروايات المعتبرة.

9ـ جاء في كتاب «دلائل الإمامة»، لمحمد بن جرير بن رستم الطبري الشيعي(القرن الرابع أو الخامس الهجري)، عن الإمام الصادق×، أنه قال: «وكان سبب وفاتها أنّ قنفذاً ـ مولى عمر ـ لكزها بنعل السيف([56]) بأمره، فأسقطت محسناً»([57]).

بعد ذكر هذا الحديث اكتفى كاتب المقالة في تضعيفه بهذه العبارة: «هناك كلامٌ كثير في شأن كتاب «دلائل الإمامة» لا يسعنا ذكره في هذا المختصر»، ثمّ أحال في الهامش إلى رسالة لبعض الفقهاء هي قيد النشر.

اتَّضح مما سبق أنّ الاعتبار الفقهي لكتابٍ ما هو غير اعتباره فيما يتعلق بالمسائل التاريخية. وإنّ علم التاريخ؛ حيث لا يكون علماً تعبُّدياً، يمكن لنا أن نستفيد فيه من كلّ قرينة أو رواية تعزِّز جبهة أو تياراً بعينه، لا أن يعمد كلُّ من راق له ذلك إلى التشكيك والتضعيف، من خلال عبارات مبهمة، وإحالات إلى أمور مجهولة.

ومهما كان فإنّ سند هذه الرواية في كتاب «دلائل الإمامة» هو أقوى من الكثير من أسانيد الروايات الأخرى.

إن ما تقدم هو مجموع الروايات الواردة في مقالة الكاتب حول وفاة المحسن بعد رحيل النبي الأكرم‘، والتي يمكن من خلالها لكلّ محقِّقٍ منصف أن يحصل في الحدّ الأدنى على ظنٍّ بوقوع جريمة إسقاط المحسن على يد الظلمة. وإنه من خلال ما سنضمّه إلى ما تقدم سيحصل على يقين واطمئنان بما حدث. وإليك بعض الروايات الأخرى التي لم يرِدْ ذكرها في المقالة المذكورة، الأمر الذي يثبت عدم استقصاء الكاتب لجميع الروايات الواردة في هذه الحادثة.

10ـ قال المسعودي، المؤرّخ الشهير، في كتابه التأريخي: «فهجموا عليه، وأحرقوا بابه، واستخرجوه منه كرهاً، وضغطوا سيدة النساء بالباب حتى أسقطت محسناً، وأخذوه بالبيعة»([58]).

وهكذا نجد أنّ هذا المؤرّخ الكبير، الذي عاش في القرن الرابع الهجري، يذكر وقوع هذه الحادثة من الحرق والضغط وإسقاط الجنين، بشكل واضح وصريح لا لبس فيه.

11ـ نقل الشيخ الصدوق& في «الأمالي» رواية عن النبي الأكرم‘ أشار فيها إلى ما سيقع بعد رحيله من الظلامات على أهل بيته^. ومن ذلك أنه قال: «وأما ابنتي فاطمة فإنها سيّدة نساء العالمين في الأولين والآخرين، وهي بضعة مني، وهي نور عينيّ، وهي ثمرة فؤادي، وهي روحي التي بين جنبي، وهي الحوراء الإنسية.. وإني لمّا رأيتها ذكرت ما يُصنع بها بعدي، كأني بها وقد دخل الذلّ بيتها، وانتهكت حرمتها، وغصبت حقها، ومنعت إرثها، وكسر جنبها، وأسقطت جنينها، وهي تنادي: يا محمّداه، فلا تجاب..»([59])، ثم تواصل الرواية: «فتقدم عليّ محزونة مكروبة مغصوبة مقتولة، فأقول عند ذلك: اللهم العن من ظلمها، وعاقب من غصبها، وذلّ من أذلها، وخلّد في نارك من ضرب جنبها حتى ألقت ولدها، فتقول الملائكة عند ذلك: آمين»([60]).

12ـ نقل العلامة المجلسي& في بحار الأنوار كتاباً بعث به عمر بن الخطاب إلى معاوية بن أبي سفيان، أشار فيه إلى حادثة الهجوم على دار فاطمة الزهراء÷. وممّا جاء فيه: «فركلت الباب، وقد ألصقت أحشاءها بالباب تترّسه، وسمعتها وقد صرخت صرخة حسبتها قد جعلت أعلى المدينة أسفلها، وقالت: يا أبتاه، يا رسول الله، هكذا يُفعل بحبيبتك وابنتك. آهِ يا فضّة، إليك فخذيني، فقد والله قتل ما في أحشائي من حمل، وسمعتها تمخض وهي مستندة إلى الجدار، فدفعت الباب..، واشتدّ بها المخاض، ودخلت البيت فأسقطت سقطاً سمّاه عليٌّ محسناً»([61]). وأستميح القارئ عذراً على نقل هذه المشاهد القاسية عليه.

13ـ جاء في كتاب «الخلافة والإمامة» عن مقاتل بن عطية(505هـ)([62]): بادر أبو بكر بعد أخذ البيعة لنفسه إلى إرسال عمر وقنفذ وآخرين إلى بيت علي وفاطمة، وهم مدجّجون بالقوّة والسلاح، فجمع عمر الحطب لإحراق بيت فاطمة، «ولما جاءت فاطمة لتردّ عمر وأصحابه عصر عمر فاطمة خلف الباب حتى أسقطت جنينها، ونبت مسمار الباب في صدرها، وسقطت مريضة حتى ماتت»([63]).

14ـ ذكر ابن قتيبة، وهو من العلماء البارزين بين أهل السنة: «إنّ محسناً فسد من زخم قنفذ العدوي»([64]). ولكن تمّ تحريف هذه العبارة في الطبعات الأخيرة من هذا الكتاب (المعارف) على النحو التالي: «هلك المحسن بن علي صغيراً»([65]).

15ـ ذكر السيد ابن طاووس(664هـ)، ضمن الزيارة التي أوردها للسيدة فاطمة الزهراء÷: «وصلّ على البتول الطاهرة..، المظلومة المقهورة، المغصوبة حقها، الممنوعة إرثها، المكسور ضلعها، المظلوم بعلها، المقتول ولدها، فاطمة بنت رسول الله‘»([66]).

ومع افتراض أن تكون هذه الزيارة من إنشاء ابن طاووس نفسه ـ وهو أمر مستبعد ـ فإنها تدلّ أيضاً على أنّ مسألة إسقاط المحسن× وقتله كانت في عصر السيد ابن طاووس، أي في القرن السابع، من الوضوح بحيث تدرج في هذه الزيارة الخاصّة بفاطمة الزهراء÷.

(d)     اشتهار استشهاد المحسن× بين الشيعة باعتراف الفريقين

يتَّضح من خلال كلمات العديد من علماء الشيعة وأهل السنة أنّ حادث استشهاد المحسن من المسائل المشهورة بين الشيعة، وأنّ هذه الحقيقة كانت معلومة لدى الموافق والمخالف على السواء.

1ـ قال الشيخ الطوسي&: «المشهور الذي لا خلاف فيه بين الشيعة أنّ عمر ضرب على بطنها ـ صلوات الله عليها ـ حتى أسقطت، فسمّي السقط محسناً، والرواية بذلك مشهورة عندهم»([67]).

2ـ قال العلامة المجلسي&، بعد ذكره رواية «إنّ فاطمة÷ صدّيقة شهيدة»، الواردة في الكافي بسند صحيح: «إنّ هذا الخبر يدلّ على أنّ فاطمة÷ كانت شهيدة، وهو من المتواترات، وكان سبب ذلك أنهم لما اغتصبوا الخلافة، وبايعهم أكثر الناس، بعثوا إلى أمير المؤمنين× ليحضر للبيعة، فأبى×، فبعث عمر بنار ليحرق على أهل البيت^ بيتهم، وأرادوا الدخول عليه قهراً، فمنعتهم فاطمة عند الباب، فضرب قنفذ غلام عمر الباب على بطن فاطمة÷ فكسر جنبها، وأسقط لذلك جنيناً كان سمّاه رسول الله‘ محسناً، فمرضت لذلك، وتوفيت÷ في ذلك المرض»([68]).

3ـ قال الزبيدي(1305هـ) في تاج العروس، مادة (شبر): «المحسّن بتشديد السين: ذهب أكثر الإمامية إلى أنه كان حملاً فأسقطته فاطمة الزهراء لستة أشهر، وذلك بعد وفاة النبي‘»([69]).

4ـ روى المقدسي(355هـ) في كتاب (المبدأ والتاريخ)، في بيان أولاد فاطمة الزهراء÷: «وولدت محسناً، وهو الذي تزعم الشيعة أنها أسقطته من ضربة عمر»([70]).

5ـ قال علي بن يونس العاملي(877هـ): «ما رواه البلاذري، واشتهر في الشيعة، أنه حصر فاطمة÷ حتى أسقطت محسناً»([71]).

6ـ قال أبو الحسن العمري النسابة (حي سنة 425هـ) في المجدي، في بيان أولاد أمير المؤمنين×: «وقد روت الشيعة خبر المحسن والرفسة»([72]). وقد شاهدت في بعض كتب أهل النسب ذكر المحسن، ولكنها لم تذكر خبر الرفسة من المصادر المعتمدة لديّ.

7ـ جاء في كلام ابن أبي الحديد المعتزلي، الذي نسب القول باستشهاد المحسن إلى الشيعة، معتبراً إيّاه مما انفردت الشيعة به: «فأما الأمور الشنيعة المستهجنة التي يذكرها الشيعة في إرسال قنفذ إلى بيت فاطمة، وأنه ضربها..، وأنّ عمر ضغطها بين الباب والجدار، فصاحت: واأبتاه، يا رسول الله، وألقت جنيناً ميتاً..، لا أصل له عند أصحابنا، ولا يُثبته أحدٌ منهم، وإنما هي شيء تنفرد الشيعة بنقله»([73]).

كما تلاحظون فإنه قد نسب هذه الحوادث إلى الشيعة، وهذا يعني أنّ انتساب هذه العقيدة إلى الشيعة كانت من الوضوح والشهرة بحيث يرسله إرسال المسلَّمات. وهذا ما فعله غير ابن أبي الحديد أيضاً.

وهو بذلك يسعى ـ كما صنع كاتب المقالة ـ إلى التشكيك أو إنكار وقوع هذه الحادثة؛ بسبب قصوره أو تقصيرة في الاستقصاء والتتبع، وإلا فإنه بعد اعتراف كبار علماء السنة والمعتزلة ومؤرِّخيهم، من أمثال: ابن قتيبة (276هـ)، ومقاتل بن عطية (505هـ)، وأحمد بن محمد المحدّث الكوفي(357هـ)، وحتّى النظّام المعتزلي(230هـ)، بل هو من كبار المعتزلة، لا يبقى هناك مجالٌ لإنكار وقوع هذه الحادثة.

8ـ قال ابن الصباغ المالكي(855هـ) في الفصول المهمة: «قالت الشيعة: كان للحسن والحسين’ شقيق اسمه المحسن، وقد أسقط. وواضح عند الشيعة من هو الذي تسبّب في إسقاطه».

9ـ قال محمد تقي المجلسي(1070هـ)، بعد نقل رواية «إنّ فاطمة ÷ صدّيقة شهيدة»: «وشهادتها ـ صلوات الله عليها ـ كانت من ضرب عمر الباب على بطنها.. والحكاية مشهورة عند العامة والخاصة…، ومفصّلة في كتاب سُلَيْم بن قيس الهلالي، وسقط بالضرب غلام [جنين] كان اسمه محسناً»([74]).

(e)      كلمة أخيرة

إنّ ما قاله الكاتب في آخر مقالته: «والذي نفهمه من هذه الروايات هو عدم تواترها، لا بالتواتر اللفظي، ولا بالتواتر المعنوي، وعليه فلا يمكن الوثوق بها، لا على نحو اليقين، ولا على نحو الاطمئنان» كلامٌ عارٍ من التحقيق؛ إذ بعد اعتراف الكاتب نفسه بضعف وبطلان قرائن القول المخالف، وخاصّة مع وجود جميع الدواعي لتحريف الحقائق القائمة عند المخالفين، وشهادة كبار علماء أهل السنة بإسقاط المحسن بفعل ظلم وقع على السيدة فاطمة الزهراء÷، فإنّ مسألة المحسن عند الشيعة ـ خلافاً لرأي الكاتب ـ لم تبقَ بعد سُليم بن قيس الهلالي متروكة لألف عام، فلم يروها خلال عشرة قرون سوى شخص واحد، بل قد ذكرت خلال هذه المدة في بطون العشرات من كتب الفريقين من الشيعة وأهل السنة، كما تقدم أن ذكرنا، وقد شاعت في كلمات الشيعة منذ القدم، ولا تزال من المشهورات والمسلَّمات عندهم.

ومن هنا إذا لم تكن هذه القرائن ـ في الحدّ الأدنى ـ كافية لحصول الاطمئنان لدى شخص تعيَّن على ذلك الشخص التشكيك في سلامته العقلية والذهنية؛ لأنّ وجود هذه القرائن يؤدي إلى حصول الاطمئنان لكلّ إنسان منطقيّ على نحو طبيعي.

وفيما يلي نذكر مؤيِّداً آخر على وقوع هذه الحادثة: «قال سُلَيْم بن قيس الهلالي: فأغرم عمر بن الخطاب تلك السنة جميع عماله أنصاف أموالهم لشعر أبي المختار، ولم يغرم قنفذ العدوي شيئاً.. قال سليم: فلقيت عليّاً×، فسألته عمّا صنع عمر؟ فقال: هل تدري لِمَ كفّ عن قنفذ، ولم يغرمه شيئاً؟ قلت: لا، قال: لأنه هو الذي ضرب فاطمة بالسوط حين جاءت لتحول بيني وبينهم»([75]).

وفي رواية أخرى، في بيان سبب عدم تغريم عمر لقنفذ: «قال العباس لعليّ×: ما ترى عمر منعه من أن يغرم قنفذاً كما أغرم جميع عمّاله؟ فنظر علي× إلى من حوله، ثمّ اغرورقت عيناه، ثمّ قال: شكر له ضربة ضربها فاطمة بالسوط، فماتت وفي عضدها أثره كأنه الدملج»([76]).

وفي الختام أسأل الله تعالى أن يحفظنا جميعاً من الانحراف والزلل، وأن يوفقنا جميعاً إلى الدفاع عن مذهب أهل البيت^، وأن يضاعف لأعدائهم العذاب، وأن يوفقنا في هذا العصر، الذي شمّر فيه أعداء الإسلام المحمّدي الأصيل، والمتمثِّل بمذهب أهل البيت، عن سواعدهم في إلقاء الشبهات، إلى منع هؤلاء من بلوغ أهدافهم وغاياتهم، وأن يمتّع العالمين بالأفكار المشرقة للمظلومين من أهل بيت العصمة الأطهار؛ لكونها هي التجسيد الأصيل للدين الإسلامي الحنيف.

الهوامش

_________________________

(*) باحث وأستاذ في الحوزة العلمية، من إيران.

([1]) راجع: المحسن السبط: 41.

([2]) عماد الدين القرشي، عيون الأخبار. وانظر: المحسن السبط: 35.

([3]) مسند أحمد 1: 159.

([4]) علل الشرائع، وأمالي الصدوق، ومعاني الأخبار. وانظر: بحار الأنوار 43: 338، 341.

([5]) عيون الأخبار. وانظر: بحار الأنوار 43: 238.

([6]) ابن حجر العسقلاني، فتح الباري: 264.

([7]) الفصول المهمة 1: 50؛ ابن قتيبة، المعارف؛ محمد بن أسعد الجوزاني؛ محمد بن طلحة الشافعي في مطالب السؤول؛ جمال الدين المزي في تهذيب الكمال؛ وآخرون. انظر: المحسن السبط، الفصل الثالث.

([8]) انظر: الغدير 8: 324.

([9]) الشافي في الإمامة: 204. وانظر: ظلامات فاطمة الزهراء.

([10]) الشهرستاني في الملل والنحل؛ الصفدي في الوافي بالوفيات 6: 17. وانظر: المحسن السبط: 121.

([11]) انظر: دلائل الصدق 3: 45.

([12]) المصدر السابق.

([13]) ديوان حافظ إبراهيم 1: 575. وانظر: الغدير 8: 85.

([14]) الذهبي، ميزان الاعتدال في نقد الرجال 1: 139، تحقيق: علي محمد البحاوي، بيروت، دار المعرفة للطباعة والنشر؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء 15: 576 ـ 578؛ ابن حجر العسقلاني، لسان الميزان 1: 268، بيروت، ط2، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1971م ـ 1390هـ.

([15]) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة 14: 192 ـ 193، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة، ط2، دار إحياء الكتب العربية، 1387هـ ـ 1967م، أوفست قم؛ وكذلك انظر: محمد باقر المجلسي، المصدر السابق 19: 351، 28: 323؛ التستري، قاموس الرجال 12: 327، قم، تحقيق: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، ط1، 1425هـ.

([16]) كتاب سليم بن قيس: 83 ـ 85، منشورات دار الفنون، بيروت، 1980م.

([17]) الطبرسي، الاحتجاج.

([18]) الشهرستاني في الملل والنحل 1: 57. وانظر: المقالة المذكورة أيضاً.

([19]) المعارف، النسخة الأصلية، نقلاً عن ابن شهرآشوب في المناقب 3: 159.

([20]) الحسين بن حمدان الخصيبي، الهداية الكبرى، مؤسسة البلاغ، بيروت، لبنان.

([21]) علي بن الحسين المسعودي، إثبات الوصية: 143.

([22]) انظر: المحسن السبط، المبدأ والتاريخ.

([23]) الذهبي، ميزان الاعتدال في نقد الرجال 1: 139؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء 15: 576 ـ 578؛ ابن حجر العسقلاني، لسان الميزان 1: 268.

([24]) جعفر بن محمد بن قولويه، كامل الزيارات 2: 10، مؤسسة نشر إسلامي.

([25]) المصدر السابق 2: 13.

([26]) أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين، معاني الأخبار 1: 250.

([27]) أبو الحسين محمد بن أحمد الملطي، التنبيه والرد 1: 25، المكتبة الأزهرية، القاهرة.

([28]) محمد بن جرير الطبري، دلائل الإمامة.

([29]) مجموعة نفيسة، نشر مكتبة آية الله المرعشي النجفي.

([30]) أبو عبد الله محمد بن النعمان، الاختصاص: 185.

([31]) المجدي.

([32]) تلخيص الشافي 3: 156.

([33]) الإمامة والخلافة: 16.

([34]) الاحتجاج 1: 109.

([35]) الشيخ الطبرسي، تاج المواليد 1: 12.

([36]) مناقب آل أبي طالب 3: 159.

([37]) شرح نهج البلاغة 14: 195.

([38]) النعيم المقيم.

([39]) كشف المراد: 511.

([40]) إرشاد القلوب 2: 145.

([41]) الإقبال: 100.

([42]) الفصول المهمة.

([43]) الصراط المستقيم 3: 2.

([44]) المختصر: 109.

([45]) تأويل الآيات: 840.

([46]) روضة المتقين 5: 342.

([47]) مرآة العقول 5: 327؛ بحار الأنوار 43: 318.

([48]) تاج العروس، مادة (شبر).

([49]) بحار الأنوار 1: 32.

([50]) انظر: بحار الأنوار 28: 264 ـ 270.

([51]) بحار الأنوار 1: 7، 27.

([52]) السيد شرف الدين في تأويل الآيات؛ بحار الأنوار 28: 61؛ كامل الزيارات.

([53]) كامل الزيارات: 108، 332، 335. وانظر: بحار الأنوار 28: 64.

([54]) بحار الأنوار 53: 14.

([55]) بحار الأنوار 53: 19.

([56]) الفيومي، المصباح المنير: 433 (مادة: لَكَزَ)، 477 (مادة: النعل)، دار إحياء التراث العربي، ط1، بيروت، 2009م: لكزه، لكزاً: ضربه بجمع كفّه في صدره، ونعل السيف، الحديدة التي في أسفل جفنه…

([57]) انظر: بحار الأنوار 43: 170.

([58]) إثبات الوصية: 143.

([59]) انظر: بحار الأنوار 43: 173.

([60]) بحار الأنوار 43: 173. كما نقل هذه الرواية كلٌّ من: الديلمي في إرشاد القلوب، والحسن بن سليمان الحلي في المختصر، والحمويني ـ وهو من أهل السنة ـفي فرائد السمطين، بسنده عن النبي الأكرم|.

([61]) بحار الأنوار 8: 231، طبعة الكمباني.

([62]) الخلافة والإمامة: 507، طبعة بيروت، تقديم: الدكتور حامد حفني داوود.

([63]) انظر: الرحماني الهمذاني، فاطمة الزهراء بهجة قلب المصطفى: 780.

([64]) انظر: مناقب آل أبي طالب 3: 358، نقلاً عن كتاب المعارف، لابن قتيبة، وبحار الأنوار 43: 233.

([65]) المعارف: 92، خلافة علي بن أبي طالب.

([66]) الإقبال: 100. وانظر: بحار الأنوار 97: 20.

([67]) تلخيص الشافي 3: 156.

([68]) مرآة العقول 5: 318، دار الكتب الإسلامية، ط2، 1404هـ.

([69]) تاج العروس، مادة (شبر).

([70]) انظر: المحسن السبط، المبدأ والتاريخ.

([71]) الصراط المستقيم 3: 12.

([72]) المجدي: 12.

([73]) شرح نهج البلاغة. وانظر: بحار الأنوار 8: 61، طبعة الكمباني.

([74]) روضة المتقين 5: 342.

([75]) كتاب سُليم بن قيس: 134.

([76]) المصدر السابق.

الكاتب السيد محمد النجفي اليزدي

السيد محمد النجفي اليزدي

مواضيع متعلقة

اترك رداً

downloadfilmterbaru.xyz bigoporn.club bok3p.site sablonpontianak.com