مستقبل البشرية في الآيات التي لم يَأْتِ تأويلها

img

د. زينب السالم(*)

د. محمد كاظم رحمان ستايش(**)

المستخلص

يُقصد من مقولة: (لم يأتِ تأويلها بعد)، المجسِّدة لمستقبل البشرية، والمذكورة في العديد من الروايات، بخصوص بعض النصوص القرآنية، هو أنّها لم يأتِ تحقيق مضمونها في واقع الحياة، ولم يجِئْ تجسيد مفهومها على الأرض. فهي تتحدث عن مستقبل البشرية، وما ستصير إليه الأحداث والوقائع المستقبلية، وما نترقّبه من تحقق حقائقها في آخر الزمان، وما ستؤول إليه حركة التاريخ، وصيرورة الدفع والتدافع، وما ترسمه من آفاق ومسارات، وآمال وتطلعات، وتربّص وترقّبات، ونبوءة واستشرافات… وهي مقولةٌ تؤمن بـ (الحتميات التأريخية)، التي هي صيرورة طبيعية للحركة التاريخية المحكومة بسنن وقوانين ونواميس، تجعلها ذات صيرورة خلاقة ومتجددة، تنأى بها عن الصدفة والاعتباطية، وتبتعد في تفسيرها عن الاستسلام للقضاء والقدر؛ لأنّها ليست خارجة عن إرادة الإنسان ووعيه وفاعليته، بل جرَتْ وتجري بين يديه، وليس من فوق رأسه! وقد شكلت النصوص المباركة التنبوء الصادق عن مستقبل البشرية بتمكين المستضعفين والصالحين المتقين، وإنّه لا يأتي اعتباطاً، ومن دون كدح وعناء، وبذل وعطاء، ومكابدة للشدائد والصعوبات، واقتحام العقبات التي تستوجب منا المزيد من العمل والسعي والصبر والمصابرة والمرابطة، كما تحتاج إلى أن نبذل الكثير من العرق والعلق؛ لأنّ هذه الحتميات التي يركز عليها الخطاب القرآني وإنْ كانت حتميات تاريخية ناجزة، ولكنها تستنبط جهداً إنسانياً كبيراً، وتستلزم جهاداً وسبحاً طويلاً.

المقدّمة

يتّضح من نظرةٍ استقرائية إلى النصوص القرآنية التي تتحدث عن مستقبل البشرية وما ستؤول إليه الأمور في نهاية المطاف على الأرض، ومستقبل البشرية، أنّها تسير نحو التقدُّم والتكامل والارتقاء، ورسم الأمل المشرق والزاهر الذي يسود فيه العدل والقسط والمحبّة والرخاء، في النصوص الدينية التي تشكل مجموعة كبيرة لا يمكن الإغماض عنها أو تجاوزها.

وحينما كان فرنسيس فوكوياما مزهوّاً بنشوة النصر؛ بسقوط الاتحاد السوفياتي عام 1991م، وانحلال ولاياته وتفكّكها وانفصالها عن المركز الأمّ (موسكو)، كتب كتابه الشهير (نهاية التاريخ)؛ ظنّاً منه أنّ الصراع قد انتهى بسيادة الحضارة الغربية الليبرالية، وهيمنتها على مسار الحركة التاريخية المستقبلية، وأنّ «الديمقراطية الليبرالية قد تشكل نقطة النهاية في التطوّر الأيديولوجي للإنسانيّة، والصورة النهائية لنظام الحكم البشري، وبالتالي فهي تمثّل نهاية التاريخ»([1]). وسرعان ما جاء الرد من أستاذه صموئيل هينتنغتن بكتابه (صدام الحضارات)، الذي يرى فيه أن الصراع الآن بدأ وبقوّة، بَيْدَ أنّه صراعٌ له طابعه الجديد ومضمونه الخاصّ، صراع يعتمد على أدوات الثقافة والقيم والمبادئ والمعتقدات والأفكار الكونية والأخلاق والتقاليد والعادات؛ لأنه صراع حضاري بآلياته الحضارية ووسائله الثقافية، بعد أن كان صراعاً يتَّخذ أشكالاً مختلفة وطبائع شتّى، قومية وإقليمية وإثنيّة وثروات نفطية ومعدنية. يرى هينتنغتن أن هناك ثماني حضارات في العالم في مقابل الحضارة الغربية الليبرالية، وأنّ هناك حضارتين أكثر تحدّياً وفاعلية، وهما: (الحضارة الإسلامية)؛ و(الحضارة الصينية الكونفوشوسية). ويحاول أن يتلمس عناصر القوة والضعف في هاتين الحضارتين، ويخشى من أمرين:

الأوّل: اتحاد عناصر الحضارة الإسلامية المتكوّنة من الحضارات الثلاث: الفارسية والتركية والعربية. وإنّ أيّ تنازع بين هذه المكوّنات يضعف الحضارة الكبرى الأمّ (الإسلامية).

الثاني: تقارب الحضارتين الإسلامية والصينية؛ للوقوف أمام الحضارة الغربية، ما يؤدي إلى قوّة جبهتهما في ميادين التحدّي والصراع. ولذا يقول: «مزاعم الغرب في العالمية تضعهُ بشكلٍ متزايد في صراعٍ مع الحضارات الأخرى، وأخطرها مع الإسلام والصين»([2]).

وكأن صاحب كتاب (صدام الحضارات) يريد أن يوحي إلى أمريكا والغرب بضرورة السعي الحثيث لمنع هذين الأمرين، بإثارة الخلافات القومية والإثنيّة العنصرية بين مكوّنات الحضارة الإسلامية، وبإبعاد الحضارة الصينية عنها، بالتأكيد على عناصر الخلاف وعوامل الافتراق. وهذا ما نقرأه وبوضوحٍ ما بين الأسطر في كتاب (صدام الحضارات)، ولا سيّما إذا عرفنا أن المؤلِّف ليس باحثاً وكاتباً عادياً، بل هو مسؤولٌ كبير في الحكومة الأمريكية، وأحد أهم المفكِّرين الذين يرسمون إستراتيجيا العلاقات الخارجية([3]).

إنّ النتيجة مهمّة جدّاً على صعيد علم الاجتماع وفلسفة التاريخ والسنن الحاكمة فيه؛ لاختلاف وجهات النظر في ما سيؤول إليه المستقبل، وما سيصير إليه الصراع الحضاري على الأرض. ومهما تعددت النظريات الإنسانية في رسم طبيعة مستقبل البشرية فإن الرؤية القرآنية واضحةٌ وجليّة، ولا سيَّما في الآيات التي يمكن أن نعطي لها عنواناً جامعاً، وهو: لم يأتِ تأويلُها بعد. ويتجلّى الموقف أكثر فأكثر في ما يحدِّده عِدْل القرآن من مصاديق واضحة ومحدّدة ومؤكّدة، في روايات مستفيضة، بل متواترة، كما سنرى خلال البحث.

وقد بدأ هذا العلم في الغرب بتصوّر الوضع الدولي أو الأقليمي ومساراته من خلال دراسات وبحوث تحدّد محتملات الأحداث المستقبلية لعقود من الزمن، انطلاقاً من مبادئ وقواعد ومعلومات وبيانات، ودراسة واعية لمسار الأحداث التأريخية في الماضي والحاضر للعلاقات الوثيقة والمتشابكة بين ثلاثية (الماضي والحاضر والمستقبل)، فإن للتاريخ مساراته الخاضعة لأسباب موضوعية وقوانين حاكمة وسنن اجتماعية وتداعيات طبيعية تجعل المسيرة المستقبلية محتملة التوقُّع في الكثير من مساراتها وتداعياتها.

الدراسات المستقبلية، المسيرة والتصنيف

شهد العالم الغربي بعد الحرب العالمية الثانية اهتماماً كبيراً بالدراسات المستقبلية، وتعميقاً مهمّاً لمفهوم المستقبلية في العقول والنفوس، حتّى غدت دراسات المستقبل صناعة أكاديمية، ونشاطاً علمياً قائماً بذاته، ومنهجاً عملياً للإدارة والتخطيط. وقد أُنشئت مراكز للبحوث، ومعاهد للدراسات، ومدارس ونظريات واتجاهات، تعنى بهذا المجال من مجالات البحث والتنظير والتخطيط والاستقصاء واستقراء سنن التاريخ وقوانين الاجتماع وعوامل نشوء الحضارات وزوالها.

من كلمات سقراط الشهيرة، والتي كانت نقطة البداية لفلسفته، والتي جعلته أعظم فلاسفة اليونان، هي هذه: «لا أعرف سوى شيءٍ واحد، وهو أنني لا أعرف شيئاً»([4]). ويعلِّق ديورانت على هذه الكلمة بقوله: «إنّ الفلسفة تبدأ عندما يبدأ الإنسان يتعلَّم الشكّ، وخصوصاً الشكّ في المعتقدات التي يحبّها، والعقائد والبديهيات أو الحقائق المقرّرة التي يؤمن بها ويقدِّسها». ثمّ يتساءل: «مَنْ يعرف كيف أصحبت هذه المعتقدات العزيزة علينا حقائق يقينيّة بيننا، وما إذا لم تلدها خلسةً رغبة سريّة، ملبسة الرغبة ثوب الفكرة؟»([5]).

ولذا كثرت الأسئلة لدى سُقراط، فكان يسأل عن ماهية كلّ شيء، وعن أسبابه وعلله، وعن كلّ كلمة يردّدها علماء الأخلاق والفضيلة والعرفان. وكان يخترق الفرضيات بأسئلته، ويتناول المسلّمات السائدة بمقولاته، حتّى اعترضَ بعضهم عليه قائلين: «إنّك تسأل أكثر مما يجب»، و«تترك عقول الرجال أكثر اضطراباً»([6]) وحيرةً، ما يؤدّي إلى تكريس الشكّ في نفوسهم. ولذا اتُّهم سقراط بالفساد الخلقي، والتشكيك بمسلَّمات الأجداد والآباء، والتحرُّر من الأعراف والتقاليد التي كانت سائدة في أثينا آنذاك. ولذا سقَوْه السمّ الزعاف، وشربه بنفسٍ مطمئنّة، وضميرٍ حرّ، وقلبٍ طامن، فخاطب أصدقاءه ومريديه: «افرحوا وقولوا: إنكم توارون في التراب جسدي فقط»([7]). وفي اللحظة الأخيرة ناشد كرتو قائلاً: «أنا مَدينٌ بديكٍ إلى إسكيبيوس، أرجوك أن لا تنسى دفع هذا الدَّيْن»([8]).

وهكذا هم العظماء في التاريخ، لا يتحمّلهم الطغاة والمترفون، فيسعَوْن للقضاء عليهم، وسقيهم السمّ، ليغادروا الحياة، ويتركوهم يستغفلون الناس البسطاء… الذين ليس لهم جواب غداً في محكمة العدل الإلهي يوم القيامة إلاّ أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا إِنََّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السََّبِيلَ * رَبََّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً﴾ (الأحزاب: 67 ـ 68). إنّهم لم يستفيقوا إلاّ في ذلك اليوم، ولات حين مناص، ولذا يأتيهم الجواب القاطع من العليّ الأعلى.

إنّ دراسات فرنسيس فوكوياما وصموئيل هينتنغتن في كتابَيْهما الشهيرين: (نهاية التاريخ)؛ و(صدام الحضارات)، لم تكن قد نتجت من فراغ في العالم الغربي، فقد سبقتها دراسات وبحوث وأطروحات حول المستقبل، وفكرة النهايات، وتطلع إلى الغايات. ولعلّ ما قدَّمه هيجل في فلسفته لنهايه التاريخ هو الأشهر حتّى يومنا هذا. وكذلك ما قدّمه كارل ماركس وماكس فيبر وتوينبي وإشبنجلر وغيرهم من أعلام الغرب الذين اشتغلوا في ما نسمّيه اليوم بـ (علم المستقبل) و(الاستشراف المستقبلي)([9]).

في عام 1907م ابتكر عالم الاجتماع كولم جليفان مصطلح أحداث المستقبل (Miloontologie)، وبعده العالم أوسيب فليشتاين مصطلح علم المستقبل (Futurologie)، وجاء العالم جاستون بمصطلح الاستشراف (Prospective)، وقد أنشأ غاستون برجيه عام 1951م مركزاً دولياً للاستشراف، أصدر ما عُرف بـ (كُرّاسات الاستشراف).

وقد تأسّست مدارس تولي اهتماماً بالغاً بالدراسات المستقبلية ومناهج الاستشراف، كما هو الحال في المدرسة البريطانية، التي أصدرت (مجلة الغد) عام 1938م. وقد أكّدت هذه المجلة إنشاء وزارة باسم (وزارة المستقبل) في بريطانيا، وأنشأت المدرسة الفرنسية عام 1975م المركز الدولي للاستشراف على يد العالم الفرنسي جاسمون بيرجر.

وبالتعاون مع مؤسسة فورد الأمريكية تمّ إنجاز مشروع المستقبلات الممكنة (Futuribless)، الذي يؤكّد أنّ المستقبل ليس قَدَراً، بل هو مجالٌ لممارسته الحرية والإرادة، من خلال التدخل الواعي والفاعل في بنية الواقع القائم، والأوضاع السائدة باتجاه الأفضل والأحسن([10]).

 

تصنيف الدراسات المستقبلية

 وقد تنوّعت الاتجاهات في تصنيف الدراسات المستقبلية والنبوءة بالمستقبل، فقد احتار الباحثون التاريخيون وعلماء الاجتماع في إرجاع تلكم الدراسات إلى علم من العلوم أو فنّ من الفنون. وكان من أهمها:

الاتجاه الأول: فنّ الكهانة

وقد كتب براتراند دي جوفنيل كتاباً بعنوان (فنّ التكهُّن)، أكّد فيه أن الدراسات المستقبلية فنٌّ من الفنون، ولا يمكن أن تكون علماً؛ لأنها لا تعدو أن تكون خيارات محتملة، وتوقعات طابعها الظنّ والتخمين، الذي لا يرقى إلى اليقين، في أحسن حالاته ونبوءاته([11]).

الاتجاه الثاني: الدراسات البينيّة

 وقد صنَّف بعض الباحثين الدراسات المستقبلية ضمن (الدراسات البينيّة)، باعتبارها من الفروع الجديدة التي تجمع أكثر من علم ومجال تخصّصي، فلا بُدَّ من المزاوجة بينها؛ لتكوين علم جديد موضوعه استشراف المستقبل، وما ستؤول إليه الأحداث والوقائع الآتية، بطريقةٍ علمية واعية. وتبني رؤاها على العلوم المختلفة. إنها مجالٌ معرفي بينيّ متداخل وعابر للتخصّصات، وتقنياته كلّ المعارف والمناهج العلمية، ومفتوحٌ على الإبداعات البشرية التي لا تتوقّف على الفنون والآداب والعلوم، ما يعني أن الدراسات المستقبلية مجالٌ شامل ومتعدِّد التخصُّصات العلمية والفنّية على حدٍّ سواء([12]).

الاتجاه الثالث: علم الإدارة والتخطيط

وقد صنف فريقٌ ثالث الاستشراف المستقبلي ضمن علم الإدارة والتخطيط، في ما يلعبه من دَوْرٍ في التنبّؤ بالوقائع، والتعرّف على الأزمات قبل وقوعها، وتوقع الكوارث قبل حلولها، ليكون فرعاً من علم الاجتماع، وأقرب إلى علم الاجتماع التاريخي، رغم ما بينهما من اختلافاتٍ أساسية. فبينما يهتم الأخير بأحداث الماضي، يستشرف «علم المستقبل» أحداث الزمن القادم، باحثاً في احتمالات وقوعها([13]).

الاتجاه الرابع: منطق التاريخ وفلسفته

وقد أطلق عالم الاجتماع والمؤرِّخ الألماني (فيليشتايم) مصطلح المستقبل في كتابه الشهير (التاريخ وعلم المستقبل)، رسم فيه تطبيقاته العملية، ومعالمه الأولية، وما تضمَّنه من أفكار وأساليب ونظريات ومبادئ، في بيان التطوُّر التاريخي واتجاهاته([14]).

فكرة النهايات وعلم المستقبليات

إنّ هذا العلم وإنْ كانت نشأته المعاصرة تربو على القرن بقليلٍ، كانت بداياته في العقد الأول من القرن العشرين. بَيْدَ أنّ الأفكار والمفاهيم والمؤشِّرات غارقة في القِدَم، منذ فلاسفة اليونان. فقد تبنّى أفلاطون في كتابه (الجمهورية)([15]) المستقبل السعيد للبشرية، الذي تقوم دولته على أيدي العلماء والحكماء؛ لتأسيس (الجمهورية) التي يحكمها (الفلاسفة)؛ والتي عبَّر عنها المعلِّم الثاني الفارابي بـ (المدينة الفاضلة)، التي يحكمها (الإنسان الكامل)؛ وعبَّر عنها توماس مور بـ (جزيرة طوبى)؛ وفرانسيس بيكون بـ (آتلانتا الجديدة)؛ وأسماها يوهان بـ (المدينة المسيحيّة)؛ وتوماز كامبلا بـ (مدينة الشمس)؛ إذ «يختلف اسم القائد الملهم الذي يقود هذه المدن عند الجميع». «وقلَّما نجد أحداً من الحكماء على مرّ التاريخ لم يحاول تخيُّل المجتمع المثاليّ الذي يقوده رجلٌ عظيم ومثاليّ وحكيم»([16]).

فكرة المهدوية طموح بشري فطري

إنّ (المهديّ) الموعود «ليس تجسيداً لعقيدةٍ إسلامية ذات طابع دينيّ فحَسْب، بل هو عنوانٌ لطموحٍ اتَّجهت إليه البشرية بمختلف أديانها ومذاهبها، وصياغة لإلهام فطريّ، أدرك الناس من خلاله ـ على الرغم من تنوُّع عقائدهم ووسائلهم إلى الغيب ـ أن للإنسانية يوماً موعوداً على الأرض، تحقِّق فيه رسالات السماء مغزاها الكبير، وهدفها النهائي، وتجد فيه المسيرة المكدودة للإنسان على مرّ التاريخ استقرارها وطمأنينتها، بعد عناءٍ طويل»([17]). إنّ اليهود يؤمنون بفكرة (المخلِّص) و(المنتظر الموعود)، «وهو عادلٌ ومنصور ووديع».

تمذهب القضية المهدوية

يحسن بنا، ونحن نبحث عن مستقبل البشرية المتمثِّل بالدولة العالمية العادلة بقيادة الإمام المهديّ ونزول عيسى بن مريم’، أن نسجِّل ملاحظةً مهمة وخطيرة، أشار إليها العديد من المفكِّرين القدماء والمعاصرين، وهي ظاهرة تمذهب قضايا إسلامية عامّة، وجعلها وكأنّها تخصّ الشيعة فحَسْب، ولا علاقة لها بالإسلام قرآناً وسنّة نبوية.

إنّ (تمذهب) الكثير من القضايا الإسلامية العامّة التي قد «صُبغت بطابع مذهبي أو طائفي؛ بسبب عوامل معينة، طرأت عليها، فقَوْلَبَتْها في إطار ذلك المذهب، أو نطاق تلك الطائفة…، أفقدها طابعها العام، بصفتها عقيدةً إسلامية عامة، وراحت تتغلغل في تمذهبها؛ نتيجة دفع كثير من الدراسات والبحوث غير المقارنة، أو غير الموضوعية، التي تدور حول القضية، على اعتبار أنها من عقائد مذهب معين أو طائفة معينة.

وقضيتنا هذه (قضية المهدي المنتظر) هي إحدى تلكم القضايا، التي حوَّلتها العوامل الطارئة إلى قضيّةٍ خاصّة، فقَوْلَبَتْها في إطار مذهب الشيعة، وقَوْقَعَتْها في نطاق هذه الطائفة من طوائف المسلمين»([18]).

التنبُّؤ بالمستقبل والسنن الحاكمة

ينظر الخطاب القرآني إلى حركة التاريخ على أنّها حركة تصاعدية ارتقائية، تسير نحو الأفضل والأحسن والأكمل. ويرفض المسار التنازلي للتاريخ، معتمداً على السنن التي لا تتخلَّف ولا تتبدل. وإنّ البشرية في تقدُّمٍ مستمرّ، وارتقاء مطرد، وتطور دائم، ورقي حضاري، وكدح رباني، مع كل ما تشهده من نكسات مؤلمة، وحروب دامية، ونزاعات حامية، وإخفاقات هنا وهناك. وإن هذه الحركة التاريخية التصاعدية الارتقائية لم تأتِ من تكهُّنات ونبوءات وأمنيات، بل هي نابعةٌ من طبيعة حركة التاريخ، المحكومة بسنن ثابتة، وقوانين مطردة، ونواميس منضبطة. وإننا إذا تدبَّرنا تلك السنن والقوانين نجدها على شكلين ونحوين:

الشكل الأول: السنن الشرطية

إن السنّة التأريخية في هذا الشكل تتمثّل «في قضية شرطية تربط بين حادثتين أو مجموعتين من الحوادث على الساحة التأريخية، وتؤكد العلاقة الموضوعية بين الشرط والجزاء»([19]). وهذا الشكل يحثّ الإنسان على السعي والكدح، ويدعو المجتمع إلى توفير الشروط الموضوعية والأسباب الفاعلة والعوامل المؤثِّرة في إنتاج التغيُّرات، وتحقيق النتائج، وتحسين الأوضاع والحالات.

ومن أكبر تلكم السنن هي السنّة التي تعطي العلاقة بين ما في القوم وما في الأنفس؛ فإن تغيير الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية… لا يتأتّى إلاّ من خلال تغييرٍ إنساني أعمق ينفذ إلى النفوس في ما تحمله من وعيٍ وإرادة، وعلم وعزم، وبصيرة وشجاعة: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11)، وفي ما توفِّره من شروط النصر: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: 7)، وكون الإنسان بين الاستقامة والإعراض: ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً﴾ (الجنّ: 16 ـ 17)، والدعوة إلى إقامة أحكام الله في الأرض: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ (المائدة: 65 ـ 66)، وإنْ كانت بغير خطاب الشرط ولكنّها تعطي معناه، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 200).

ولمّا تصاغ السنّة التاريخية بشكل القضية الشرطية تكون في شروطها معبّرة عن إرادة الإنسان واختياره، أي إنّ اختيار الإنسان وفعله يمثِّل شرط القضية الشرطية ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ﴾، من عافيةٍ أو نعمة، ورفاه وبسطة، وقوّة وغنى ومنعة، ﴿حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾» (الرعد: 11)؛ «لأن سنّته جرَتْ أن لا يغيّر ما بقوم من الأحوال حتّى يغيِّروا ما بأنفسهم من الحالات الروحية، كأن يغيِّروا الشكر إلى الكفر، والطاعة إلى المعصية، والإيمان إلى الشرك، فيغيِّر الله النعمة إلى النقمة، والهداية إلى الإضلال، والسعادة إلى الشقاء، وهكذا»([20]).

وقد طبّق أئمة أهل البيت^ ما جاء في الآية على ما يحصل في آخر الزمان.

وممّا جاء من أقوالهم في الآية: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ * لاَ تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى‏ مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ (الأنبياء: 12 ـ 13): «﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا﴾ يعني بني أمية إذا أحسّوا بالقائم من آل محمد، ﴿إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ * لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى‏ ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ يعني الكنوز التي كنزوها، قال: فيدخل بنو أمية إلى الروم إذا طلبهم القائم×، ثم يخرجهم من الروم، ويطالبهم بالكنوز التي كنزوها، فيقولوا كما حكى الله: ﴿يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ﴾، قال: بالسيف وتحت ظلال السيوف‏…». وهذه الرواية وأمثالها: «ممّا لفظه ماضٍ ومعناه مستقبلٌ، وهو ممّا ذكرناه ممّا تأويله بعد تنزيله»([21]).

ومن خلال النصوص التي تستقرئ سنن التاريخ بشكلها الشرطي نرى التأكيد القرآني على إرادة الإنسان ودَوْره الفاعل في حركة التاريخ، بنتائجها المستقبلية، الإيجابية والسلبية، باعتباره الشرط والعلّة في تلكم المعادلات السُّنَنيّة، فيما جعل الله تعالى فعله وإرادته جزاءات ومعلولات، فلنتدبَّر جدليّة الترابط بين التغييرين في الآيتين الآنفتين: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11)، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الأنفال: 53).

نرى بوضوح أن التغيير هنا أسند إلى القوم، فهو فعلهم وخيارهم، وهو إبداعهم وإرادتهم، ليكون مصيرهم بأيديهم، وعواقب أمورهم ترتبط بمدى وَعْيهم وبصيرتهم، ومدى فاعليتهم وعطائهم وعزمهم، وما يسعون إليه من توفير الأسباب التي تجعلهم يحقِّقون مستقبلاً زاهراً، مفعماً بالعزّة والكرامة والإباء والشهامة، «فإنّ شخصية الإنسان صنيعة سلوكه الاختياري»، وإنّ الإرادة الحرّة للإنسان لها «سهمٌ أساسيّ ومن الدرجة الأولى في تبلور وتحوُّل الشخصية الإنسانية»([22]).

 إنّ السنّة التأريخية حينما تصاغ بلغة القضية الشرطية، ويكون إبداع الأمة موضوع الشرط في معادلتها، تصبح هذه السنّة متلائمة تماماً مع اختيار الإنسان، تزيده قوّةً وقدرة وتمكناً من التحكم في مستقبله، وصناعة مصيره، وتحديداً لوجوده ومقامه ومكانته، كمجتمع ودولة وحضارة. «هذه السنّة التاريخية للقرآن بيّنت بلغة القضية الشرطية؛ لأنّ مرجع هذا المفاد القرآني إلى أنّ هناك علاقة بين تغييرين، بين تغيير المحتوى الداخلي للإنسان وتغيير الوضع الظاهري للبشرية والإنسانية. مفاد هذه العلاقة قضية شرطية، أي متى ما وجد ذاك التغيير في أنفس القوم وجد هذا التغيير في بناء القوم وكيان القوم. هذه القضية قضية شرطية، بيّن القانون فيها بلغة القضية الشرطية»([23]).

وهكذا الحال في عشرات السنن الشرطية التي يزخر بها القرآن الكريم، كالآية: ﴿وَأَنْ لَوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً﴾ (الجنّ: 16)، التي «تتحدث عن سنّة من سنن التاريخ، عن سنّة تربط وفرة الإنتاج بعدالة التوزيع، هذه السنّة أيضاً هي بلغة القضية الشرطية، كما هو الواضح من صياغتها النحوية. ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (الأعراف: 96)، هذه العلاقة مؤدّاها أنه كلما ازدهرت العدالة في علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان أكثر فأكثر ازدهرت علاقات الإنسان مع الطبيعة، وكلّما انحسرت العدالة عن الخطّ الأول انحسر الازدهار عن الخطّ الثاني، أي إن مجتمع العدل هو الذي يصنع الازدهار في علاقات الإنسان مع الطبيعة، ومجتمع الظلم هو الذي يؤدّي إلى انحسار تلك العلاقات، علاقات الإنسان مع الطبيعة. وهذه العلاقة ليست ذات محتوى غيبي فقط، بل هي، «إضافة إلى محتواها الغيبي الرباني، تشكِّل سنّةً من سنن التاريخ، بحَسَب مفهوم القرآن الكريم»([24]).

وهذه حقيقةٌ مهمّة، وهي أنّ «القانون الموضوعي بنهج القضية الشرطية موجِّه عملي للإنسان في حياته. ومن هنا تتجلّى حكمة الله سبحانه وتعالى في صياغة نظام الكون على مستوى القوانين، وعلى مستوى الروابط المطّردة والسنن الثابتة؛ لأنّ صياغة الكون ضمن روابط مطّردة وعلاقات ثابتة هو الذي يجعل الإنسان يتعرف على موضع قدمَيْه، وعلى الوسائل التي يجب أن يسلكها في سبيل تكييف بيئته وحياته، والوصول إلى إشباع حاجته»([25]).

الشكل الثاني: السنن الناجزة (الحتمية)

والحديث في هذا البحث حول الآيات التي لم يأتِ تأويلها بعد، ولم يتحقَّق مضمونها على الأرض. ويطلق عليها (الحتميات التأريخية)، أو السنن التأريخية التي لم يطرحها القرآن الكريم في آياته بالشكل الشرطي، وإنما بشكلٍ وجودي ناجز، لا بُدَّ أن يتحقَّق في المستقبل القريب أو البعيد.

وهذا هو «الشكل الثاني الذي تتَّخذه السنن التاريخية، شكل القضية الفعلية الناجزة الوجودية المحقّقة». وإنّ هذا الشكل «له أمثلة وشواهد في القوانين الطبيعية والكونية، مثلاً: العالم الفلكي حينما يصدر حكماً علمياً على ضوء قوانين مسارات الفلك بأن الشمس سوف تنكسف في اليوم الفلاني، أو أن القمر سوف ينخسف في اليوم الفلاني، هذا قانونٌ علمي وقضية علمية، إلاّ أنها قضية وجودية ناجزة، وليست قضيةً شرطية. ولا يملك الإنسان تجاه هذه القضية أن يغيِّر من ظروفها وأن يعدِّل من شروطها؛ لأنّها لم تبيّن كلغة قضية شرطية، وإنما بيّنت على مستوى القضية الفعلية الوجودية»، التي «تنظر إلى الزمان الآتي، وتخبر عن وقوع هذه الحادثة على أيّ حالٍ».

 وكذا الحال في توقُّعات (الأنواء الجوية)، وطبيعة الطقس، وما تسجِّله من هطول الأمطار ودرجات الحرارة وسرعة الرياح، فإنّها قضايا فعلية وجودية، «صيغت بلغة التنجيز والتحقيق، بلحاظ زمانٍ معين ومكانٍ معين»([26]).

وعلى صعيد سنن التاريخ وقوانين المجتمع وما ستؤول إليه الأحداث والوقائع في المستقبل، وما سيصير إليه الصراع في العالم،ـ وطبيعة التحدّيات الدولية والتنافس العالمي بين القوى والإرادات، وسقوط الدول ونشوئها، وسيادة العدل بعد سيادة الظلم والجَوْر، هناك العديد من النصوص القرآنية التي جاءت بالصيغة الناجزة، والتي تؤكِّد انتصار قوى الحقّ والعدل والسلام في صراعها مع قوى الباطل والعدوان والإجرام. كما تؤكِّد أن الحركة التاريخية متّجهة نحو نور الإسلام الذي سيشرق على الأرض، ويتحقَّق ظهور المدينة الفاضلة والمجتمع الأمثل، الذي يعبّر عنه بعض المحقِّقين بـ (المجتمع المعصوم)([27]).

ويطلق المفكِّرون على هذا الشكل من النصوص بشكلها السُّنَنيّ الناجز بـ (الحتميات)، والتي «تنطوي قبل كل شيء على نظرة تفاؤلية تجاه المسيرة العامة للنظام الطبيعي، وتجاه مسيرة التاريخ، وتبعث الأمل في المستقبل، وتزيل كلّ النظرات التشاؤمية بالنسبة إلى ما تنتظره البشرية في آخر تطلُّعاتها»([28]).

الحتميّات التاريخيّة ومستقبل البشريّة

لا بُدَّ من عملية استقراء للنصوص القرآنية التي تتضمّن (الحتميات التاريخية)، والتي تعدّ نبوءات قرآنية صادقة لا بُدَّ من أن تنتهي إليها البشرية في مسيرتها اللاّحبة وكدحها المستمرّ، وما عانته من بأساء وضراء، ومشقّة وعناء، وحروب ودماء.

وسيكون بحثنا في الحتميات التاريخية في الآيات الكريمة، ودَوْر الإرادة الإنسانية فيها:

الحتمية الأولى: انتصار رسالة السماء وسيادة الدين

تظهر هذه الحتمية التاريخية بقراءة الآيات التالية، التي تؤكِّدها وتوضِّحها:

﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى‏ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون﴾ (التوبة: 33).

﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى‏ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون﴾ (الصف: 9).

﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى‏ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى‏ بِاللهِ شَهِيداً﴾ (الفتح: 28).

وهذه الآيات الثلاث تؤكِّد على حقائق أساسية، مستنتجة من تفسيرها وسياقها:

الحقيقة الأولى: حتمية غلبة الإسلام كدينٍ سماوي على جميع الأديان السماوية والأرضية. وهذا هو معنى إظهار دين الحقّ على الدين كلّه في الآيات. واللام هنا للجنس. «وظهوره على الأديان هو أن لا يُدان الله تعالى إلاّ به‏»([29]). وقد نزلت هذه الآيات والإسلام لم يخرج في انتشاره من الجزيرة العربية، ولمّا يصل إلى الصين بعد!

وقد «أثبتت أحداث المستقبل صدق هذا التنبّؤ العظيم، وغلبة الإسلام من الناحية المنطقية على كافّة المذاهب الأخرى. وقد حقّق خطوات عظيمة في طريق التقدُّم على الأعداء، واكتسح مناطق واسعة من العالم. وهو الآن في تقدُّمٍ مستمرّ، وقوّةً يُخْشى منها عالميّاً»([30]).

الحقيقة الثانية: إنّ هذه الغلبة لا تكون بالسيف والعنف والقوّة الخشنة، كما توقع أعداؤنا، بل ستكون أوّلاً وقبل كلّ شيءٍ بالحجّة والبرهان والقوّة الناعمة، بقوّة الحقّ والهدى الذي يحمله، وما سيظهره الله من حقائق وبراهين ودلائل تجعل البشرية جمعاء تدين بهذا الدين الإنساني الفطري، الذي يواكب المسيرة الإنسانية في تطوُّرها وارتقائها؛ لأنّه لم يأتِ لزمانٍ دون زمان، أو مكانٍ دون مكان: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ (فصّلت: 53)، والهاء في (أَنَّهُ) تعود إلى القرآن بحَسَب السياق.

الحقيقة الثالثة: مدى مقاومة قوى الشرك والضلال والظلام لهذا الظهور، ومحاولتها الحثيثة لإيقافه أو تحجيمه أو تضعيفه، واستعمالها كافّة الأساليب لمحاربته ومكايدته، وهذا ما يعطيه قوله: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ‏﴾ في ختام الآيتين، ما يعني أن الأمر لا يكون سهلاً ويسيراً، ولا بُدَّ من جهادٍ وعطاء وتضحيات، وتحمُّلٍ للبأساء والضراء.

واذا تدبّرنا سياق الآيات الثلاث الآنفة يتّضح الأمر جليّاً، فقد جاءت الآية التي قبلها في سورة التوبة لترسم مساعي الأعداء ومكرهم وإرادتهم في محاولات الإطفاء: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (التوبة: 32)، وكذا في سياق سورة الصفّ: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (الصف: 8).

إنّها إرادة الإطفاء ذاتها، رغم اختلاف التعبير في النصّين الذي يقتضيه السياق، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ﴾ و﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ﴾. وإنّها الإرادة الربّانية ذاتها التي ترفض وبقوة تلك المحاولات: ﴿وَيَأْبَى اللهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ و﴿وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾. والتعبير في الآيتين عن الإطفاء بـ (الأفواه) تعبيرٌ عن مدى يأس تلك المحاولات، وعجزها في إطفاء (نور الله)، بإضافة النور إلى الله.

ولا بُدَّ من ذكر الروايات التفسيرية الصحيحة الواردة عن مدرسة أهل البيت^، والتي تطبق ذلك على الإمام المهديّ×، وإظهار دينه على الأرض كلّها. وهي من الآيات التي ذكرت الأحاديث أنّه (لم يأْتِ تأويلها بعد):

الرواية (1): في كتاب كمال الدين وتمام النعمة، «بإسناده إلى أبي بصير قال: قال أبو عبد الله×، في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى‏ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (التوبة: 33؛ الصفّ: 9)، فقال: والله ما نزل تأويلها بعد، ولا ينزل تأويلها حتّى يخرج القائم×. فاذا خرج القائم لم يبْقَ كافرٌ بالله العظيم ولا مشركٌ بالإمام إلاّ كره خروجه، حتّى لو كان كافر أو مشرك في بطن صخرةٍ لقالت: يا مؤمن، في بطني كافرٌ فاكسرني واقتله»([31]).

والمقصود من التأويل الذي لم يأتِ هو تحقُّق مضمون الآية على الأرض، بسيادة الدين وتمكينه بخروج القائم×. والمقصود من الشرك بالإمام هنا هو اتّخاذ أئمة الضلال بَدَلاً من أئمة الهدى، الذين دعت آية أولي الأمر إلى طاعتهم، جنباً إلى جنب مع طاعة الله ورسوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء: 59)؛ فإن أهمّية الإمام تتجلّى في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ (الإسراء: 71)، فهناك أئمة هدى وأئمة ضلال.

وفي أمالى الصدوق، «بإسناده إلى أبي عبد الله× قال: سأل رجلٌ يُقال له: بشر بن غالب أبا عبدالله الحسين×، فقال: يا بن رسول الله، أخبرني عن قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ (الإسراء: 71)، قال: إمامٌ دعا إلى هدىً فأجابوه إليه، وإمامٌ دعا إلى ضلالةٍ فأجابوه إليها، هؤلاء في الجنّة، وهؤلاء في النّار، وهو قوله عزَّ وجلَّ: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ (الشورى: 7)»([32]).

الرواية (2): في تفسير عليّ بن إبراهيم القمّي: «قوله: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ قال: بالقائم من آل محمد^، حتّى إذا خرج يظهره الله على الدين كلّه، حتى لا يعبد غير الله، وهو قوله×: يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً»([33]).

الرواية (3): في أصول الكافي: «عليّ بن محمد، عن بعض أصحابنا، عن ابن محبوب، عن محمد بن الفضيل، عن أبي الحسن الماضي×، قال: قلتُ: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى‏ وَدِينِ الْحَقِّ﴾ (التوبة: 33)، قال: هو الذي أرسل رسوله بالولاية لوصيِّه، والولاية هي دين الحقّ، قلتُ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ قال: يظهر على جميع الأديان عند قيام القائم»([34]).

الرواية (4): وروى العيّاشي، «عن سماعة، عن أبي عبد الله×: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى‏ وَدِينِ الْحَقِّ﴾ قال: إذا خرج القائم لم يبْقَ مشركٌ بالله العظيم ولا كافرٌ إلاّ كره خروجه»([35]).

الحتمية الثانية: نهاية عصور الفتن

تعدّدت اتجاهات المفسِّرين في معنى الفتنة في قوله: ﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: 193)، وقوله: ﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (البقرة: 39).

فإنّ «الفتنة ما يمتحن به النفوس، وتكون لا محالة ممّا يشق عليها. وغلب استعمالها في المقاتل وارتفاع الأمن وانتقاض الصلح. وكان كفّار قريش يقبضون على المؤمنين بالنبيّ| قبل الهجرة وبعدها إلى مدّةٍ في مكّة، ويعذِّبونهم ويجبرونهم على ترك الإسلام والرجوع إلى الكفر، وكانت تسمّى فتنة»([36]).

إنّ هناك العديد من الروايات التي طبّقت زوال عصور الفتن في آخر الزمان، وذلك في عصر ظهور الإمام، في ما تمثِّله الفتن من التباس الأمور، وخفاء الحقّ بلبسه بالباطل؛ لأنّ الفتن «إِذَا أَقْبَلَتْ شَبَّهَتْ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ نَبَّهَتْ، يُنْكَرْنَ مُقْبِلاَتٍ، وَيُعْرَفْنَ مُدْبِرَاتٍ»([37]).

وقد ذكرت روايات مدرسة أهل البيت^ أنّ هاتين الآيتين من الآيات التي (لم يأتِ تأويلها بعد):

الرواية (1): في روضة الكافي: «عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن محمد بن مسلم قال: قلتُ لأبي جعفر×: في قول الله عزَّ ذكره: ﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ﴾، فقال: لم يجِئْ تأويل هذه الآية بعد، إنّ رسول الله| رخَّص لهم لحاجته وحاجة أصحابه، فلو قد جاء تأويلها لم يقبل منهم، ولكنهم يقتلون حتّى يوحَّد الله عزَّ وجلَّ، وحتّى لا يكون شرك»([38]).

الرواية (2): في مجمع البيان: «﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ…الآية﴾: روى زرارة وغيره، عن أبي عبد الله× أنّه قال: لم يجِئْ تأويل هذه الآية، ولو قد قام قائمنا بعد سيرى مَنْ يدركه ما يكون من تأويل هذه الآية، وليبلغنّ دين محمد| ما بلغ الليل، حتّى لا يكون مشركٌ على ظهر الأرض»([39]).

الحتمية الثالثة: التولّي والاستبدال

نقرأ هذه الحتمية في الآية الكريمة: ﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (محمد: 38).

مع أنّ لسان هذه الآية لسانٌ شرطيّ؛ إذ تضمّنت جملتين شرطيتين: ﴿مَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾، و﴿إِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾، بَيْدَ أننا نفهم من السياق أنّ الشرط لا بُدَّ أن يتحقَّق في الجملتين. وإذا تحقَّق الشرط تحقَّق الجزاء. وبذلك يمكن اعتبارها من النصوص التي ترسم مستقبل البشرية، وما سيأتي من قومٍ أشدّاء في آخر الزمان يحملون نفوساً كريمة شجاعة أبية.

وقد حدّدت الروايات الواردة طبيعة هؤلاء القوم الذين سيكونون بديلاً عن البخلاء المتخاذلين المهادنين:

الرواية (1): في مجمع البيان: «روى أبو هريرة أن أناساً من أصحاب رسول الله| قالوا: يا رسول الله، مَنْ هؤلاء الذين ذكر الله في كتابه؟ وكان سلمان إلى جنب رسول الله|، فضرب× يده على فخذ سلمان، فقال: هذا وقومه، والذي نفسي بيده، لو كان الإيمان منوطاً بالثريّا لتناوله رجالٌ من فارس»([40]).

الرواية (2): تفسير الدرّ المنثور، للسيوطي: «أخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما نزلت ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾ قيل: مَنْ هؤلاء؟ وسلمان رضي الله عنه إلى جنب النبيّﷺ، فقال: هم الفرس، هذا وقومه‏»([41]).

الرواية (3): تفسير روح المعاني، للآلوسي: «فقد أخرج عبد الرزّاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط والبيهقي في الدلائل والترمذي، وهو حديثٌ صحيح على شرط مسلم، عن أبي هريرة قال: تلا رسول اللهﷺ هذه الآية ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا﴾…إلخ، فقالوا: يا رسول الله، مَنْ هؤلاء الذين إنْ تولَّيْنا استبدلوا بنا ثم لا يكونون أمثالنا؟ فضرب رسول اللهﷺ على منكب سلمان، ثم قال: هذا وقومه، والذي نفسي بيده، لو كان الإيمان منوطاً بالثريّا لتناوله رجالٌ من فارس»([42]).

كثيرةٌ هي الروايات الواردة عن النبيّ الأكرم| التي تعطي مصداقاً للبديل في آية الاستبدال، وهم الفرس أو قوم سلمان أو رجال من فارس. وهذا ما تذكره موسوعات التفسير السنّية قبل الشيعية. يقول ابن خلدون: «وكان علماء أصول الفقه كلهم عجماً كما يعرف، وكذا حملة علم الكلام، وكذا أكثر المفسِّرين. ولم يقُمْ بحفظ العلم وتدوينه إلاّ الأعاجم، وظهر مصداق قولهﷺ: لو تعلَّق العلم بأكناف السماء لناله قومٌ من أهل فارس»([43]). وقد حاول بعض المفسِّرين المعاصرين أن يعمّي على تلك الروايات، مع استفاضتها، وكأنّها لم تذكر!

الحتمية الرابعة: التنازع وحكومة السلاطين الظلمة

من الآيات التي ورد فيها أنّها (لم يأتِ تأويها بعد): ﴿قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلَى‏ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ (الأنعام: 65). فلا بُدَّ من أن يبعث العذاب بأبعاده الثلاثية أو الرباعية، ليصيب الأمة الإسلامية في نفوسها وصفوفها، لما تكون عليه من التقهقر والضعف والوهن.

والآية وإنْ كان ظاهرها في «إثبات القدرة لله سبحانه على بعث العذاب عليهم من فوق أو من تحت، والقدرة على الشي‏ء لا تستلزم فعله، وهو أعني إثبات القدرة على الفعل الذي هو العذاب كافٍ في الإخافة والإنذار، لكنّ المقام يعطي أن المراد ليس هو إثبات مجرد القدرة، بل لهم استحقاقٌ لمثل هذا العذاب، وفي العذاب اقتضاء أن ينبعث عليهم إنْ لم يجتمعوا على الإيمان بالله وآياته، كما مرّ من استفادة ذلك من معنى البعث، ويؤيِّده قوله بعد: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾؛ فإنّه تهديدٌ صريح»([44]).

وفي موردٍ مشابه يهدِّد تعالى هذه الأمّة بصريح الخطاب، كقوله: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِي‏ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ـ إلى أن قال ـ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ (يونس: 47 ـ 53)، وقوله: ﴿إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ * وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ…إلى آخر الآيات﴾ (الأنبياء: 93 ـ 97)، وقوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً ـ إلى أن قال ـ وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً…إلى آخر الآيات﴾ (الروم: 30 ـ 45)([45]).

لقد أكدت الروايات الواردة من الفريقين أنّ العذاب واقعٌ لا محالة، بأقسامه المذكورة، في الأمة الإسلامية، أمّة محمد|، وسيصيبها في الصميم. وهذه بضعة من الروايات الواردة في الآية: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلى‏ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ (الأنعام: 65).

الرواية (1): في تفسير الدرّ المنثور، للسيوطي: «أخرج أحمد والترمذي، وحسَّنه، ونعيم بن حمّاد في الفتن وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن سعد بن أبي وقّاص، عن النبيﷺ، في هذه الآية ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلى‏ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾، قال النبيّﷺ: أما إنها كائنةٌ، ولم يأتِ تأويلها بعد»([46]).

الرواية (2): في الدرّ المنثور: «أخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية، من طريق أبي العالية، عن أبيّ بن كعب، في قوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقادِرُ…الآية﴾، قال: هُنَّ أربع، وكلّهن عذاب، وكلّهن واقعٌ لا محالة، فمضت اثنتان بعد وفاة رسول اللهﷺ بخمس وعشرين سنة، فألبسوا شيعاً، وذاق بعضهم بأس بعضٍ، وبقيت اثنتان واقعتان لا محالة: الخسف والرجم‏»([47]).

الرواية (3): وفي الدرّ المنثور: «أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن زيد بن أسلم قال: لمّا نزلت ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى‏ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً…الآية﴾ قال رسول اللهﷺ: لا ترجعوا بعدي كفّاراً، يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيوف، فقالوا: ونحن نشهد أن لا إله إلاّ الله وأنك رسول الله؟! قال: نعم، فقال بعض الناس: لا يكون هذا أبداً، فأنزل الله ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ * وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ إلى قوله: ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُون﴾»([48]).

الرواية (4): في تفسير القمّي: «رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر×، في قوله: ﴿هُوَ الْقَادِرُ عَلَى‏ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ﴾، قال: هو الدخان والصيحة، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ وهو الخسف، ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً﴾ وهو اختلاف في الدين، وطعن بعضكم على بعض، ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾، وهو أن يقتل بعضكم بعضاً، فكلّ هذا في أهل القبلة…»([49]).

الرواية (5): في تفسير القمّي: «قوله: ﴿يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال: السلطان الجائر، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: السفلة ومَنْ لا خير فيه، ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً﴾ قال: العصبية، ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال: سوء الجوار»([50]).

وإذا أمعنّا النظر في الروايات الواردة نرى أنّها تؤكِّد على أمور:

أوّلاً: هذه الأنواع من العذاب واقعة لا محالة.

ثانياً: إنّ أنواع العذاب هذه ستصيب الأمة الإسلاميّة وأهل القبلة، على اختلاف المصاديق التي ذكرتها للعذاب الواحد.

ثالثاً: إنّ هذه المصاديق الاجتماعية قد وقعت في الأمة الإسلاميّة، فمزّقتها تمزيقاً، وجعلتها طرائق قدداً، بعد أن اتَّحد طغاة الأمة وسلاطينها الظَّلَمة مع الهَمَج الرعاع والسَّفَلة، ليشكِّلوا حكومات ظالمة جائرة، تحارب المصلحين، وتقطع رؤوس الأولياء والصديقين، وتقلع الأحرار المستضعفين.

و«الحقّ أن اللفظ ممّا يقبل الانطباق على كلٍّ من المعاني المذكورة. وقد وقع بعد النزول ما ينطبق عليه اللفظ. والمحتد الأصلي لهذه الوقائع الذي مهَّد لها الطريق هو اختلاف الكلمة، والتفرُّق الذي بدأت به الأمّة، وجبهت به النبيّ| في ما كان يدعوهم إليه من الاتفاق على كلمة الحقّ»([51]).

 وقوله تعالى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾، «ظاهره أنه أريد به التحزُّبات التي نشأت بعد النبيّ|، فأدّى ذلك إلى حدوث مذاهب متنوّعة، ألبست لباس العصبية والحمية الجاهلية، واستتبعت حروباً ومقاتل، يستبيح كلُّ فريقٍ من غيره كلّ حرمةٍ، ويطرده بمزعمته من حرمة الدين وبيضة الإسلام»([52]).

 

الحتمية الخامسة: وراثة المستضعفين والصالحين والمتَّقين

ينقل أكثر المفسِّرين الروايات الواردة في الآيتين الكريمتين: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء: 105)، ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ (القصص: 5 ـ 6).

في قوله: ﴿أَنَّ الأرض يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ «قال أبو جعفر×: هم أصحاب المهديّ في آخر الزمان‏. ويدلّ على ذلك ما رواه الخاصّ والعامّ‏ عن النبيّ| أنّه قال: لو لم يبْقَ من الدنيا إلاّ يومٌ واحد لطوَّل الله ذلك اليوم، حتّى يبعث رجلاً من أهل بيتي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً»([53]).

وفي قوله: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ قال: الكتب كلّها ذكر، و﴿أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾، قال: القائم× وأصحابه…»([54]).

«وأما ما تأويله بعد تنزيله فالأمور التي حدثت في عصر النبيّ| وبعده، من غصب آل محمد حقّهم، وما وعدهم الله به من النصر على أعدائهم، وما أخبر الله به من أخبار القائم وخروجه، وأخبار الرجعة والساعة، في قوله: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾»([55])، ويرى أنّ ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ…﴾ وأمثالها كثيرٌ «ممّا تأويله بعد تنزيله»([56]).

و«قوله عزَّ وجلَّ: ﴿أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ هم أصحاب المهديّ× في آخر الزمان»([57]). «والروايات في المهديّ×، وظهوره، وملئه الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً، من طرق العامّة والخاصّة، عن النبيّ| وأئمّة أهل البيت^، بالغةٌ حدَّ التواتر، مَنْ أراد الوقوف عليها فليراجِعْ مظانّها من كتب العامة والخاصة»([58]).

ولذا فإن الدولة العالمية هي الأمل الكبير الذي يتطلَّع إليه المؤمنون في شرق الأرض وغربها. وهذا التطلُّع يدعونا إلى السعي الحثيث لتهيئة ذلك وتحقيقه. وقد علَّمنا أئمة أهل البيت^ أن نتطلّع إلى ذلك من خلال ما يوحية دعاء الافتتاح، الوارد في كلّ ليلة من شهر الله، وهو في أعلى درجات الفصاحة، ومن إنشاء الحجّة×([59]): «اَللّهُمَّ وَصَلِّ عَلى وَلِيِّ أَمْرِكَ الْقائِمِ الْمُؤَمَّلِ، وَالْعَدْلِ الْمُنْتَظَرِ، وَحُفَّهُ بِمَلائِكَتِكَ الْمُقَرَّبينَ، وَأَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ يا رَبَّ الْعالَمينَ، اللّهُمَّ اجْعَلْهُ الدّاعِيَ إِلى كِتابِكَ، وَالْقائِمَ بِدينِكَ، اسْتَخْلِفْهُ في الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفْتَ الَّذينَ مِنْ قَبْلِهِ، مَكِّنْ لَهُ دينَهُ الَّذي ارْتَضَيْتَهُ لَهُ، أَبْدِلْهُ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِ أَمْناً يَعْبُدُكَ لا يُشْرِكُ بِكَ شَيْئاً…»([60]).

الحتمية السادسة: إبادة إليهود وزوال كيانهم

تظهر هذه الحتمية في الآية: ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً﴾ (الإسراء: 7). وهي من الحتميات التاريخية التي ستنزل باليهود الفاسدين المفسدين في الأرض، الذين يثيرون الحروب ويوقدون نيرانها، والذين يرفعون شعار: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ (آل عمران: 76). إنّهم يعتبرون أنفسهم شعب الله المختار الذي يحقّ له أن يحتلّ الأرض ويسفك الدم ويهتك العرض، ويفعل ما يشاء بالأمم الأخرى؛ لأنّ الآخرين همج رعاع بنظرهم، لا يستحقّون الحياة!

والقضاء في الآية التي تسبقها: ﴿وَقَضَيْنَا إِلى‏ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (الإسراء: 4)، كما يقول الراغب: «فصل الأمر قولاً كان ذلك أو فعلاً.. فهذا قضاء بالإعلام والفصل في الحكم، أي أعلمناهم وأوحينا إليهم وَحْياً جزماً. وعلى هذا ﴿وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاَءِ مَقْطُوعٌ﴾ (الحجر: 66)»([61]).

إنّ هذا النصّ القرآني واضحٌ بأمرين:

الأمر الأوّل: الفساد الكبير الذي سينشره بنو إسرائيل في الأرض، ومدى علوّهم وطغيانهم وظلمهم وعدوانهم الواضح في قوله: (علوا). «والعلوّ هو الارتفاع، وهو في الآية كناية عن الطغيان بالظلم والتعدّي. ويشهد بذلك عطفه على الإفساد عطف التفسير»([62]). أمّا معنى القضاء ﴿وَقَضَيْنَا إِلى‏ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ هو الإخبار والإعلام القاطع والجزمي بفسادهم وإفسادهم وعلوّهم، أي «أخبرنا وأعلمنا بني إسرائيل إخباراً قاطعاً في الكتاب، وهو التوراة: أقسم وأحقّ هذا القول أنكم شعب إسرائيل ستفسدون في الأرض، وهي أرض فلسطين وما يتبعها، مرّتين، مرّة بعد مرة، وتعلون علوّاً كبيراً، وتطغون طغياناً عظيماً»([63]).

الأمر الثاني: الهلاك والدمار الذي سيحلّ بهؤلاء القوم جرّاء فسادهم وعلوّهم. و«التتبيرُ الإهلاك، من التبار، بمعنى الهلاك والدمار»، ومدى الذلّ والهوان والصغار، جرّاء ما يصيبهم من القتل الذريع والسبي والاستعباد والهزيمة المنكرة والخسارة الفادحة، التي تفتِّتهم وتحطِّمهم وتمزّقهم تمزيقاً، وتجعلهم طرائق قدداً، فتذلّ كبرياءهم، وتسحق عنجهيتهم، وتحطِّم كيانهم. والتعبير بالتتبير تعبيرٌ له دلالاته وإيحاءاته: ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً﴾، أي «ليهلكوا الذي غلبوا عليه إهلاكاً، فيقتلوا النفوس، ويحرقوا الأموال، ويهدموا الأبنية، ويخربوا البلاد»([64]).

وقد اختلف المفسِّرون في تطبيق الإفسادين والإبادتين اختلافاً كبيراً؛ فبعضهم يرى أنهما قد حصلا قبل الإسلام؛ وبعضٌ آخر يرى أنّهما لم تحصلا أصلاً، ليكون حصولها في زمان الإسلام؛ وبعضٌ ثالث يرى أنّ الأولى حصلت؛ والثانية ستحصل.

ولا يَسَع المجال في الدخول في التفاصيل؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ يجعل الباب مفتوحاً للإفساد والتدمير. ولكنّ الروايات تؤكِّد حتمية إفساد اليهود، وحتمية إبادتهم وزوال ملكهم ودولتهم وتحطيم كيانهم. وهذا يتوافق مع مصداق قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ﴾ «يعني القائم صلوات الله عليه وأصحابه‏»([65]).

دَوْر الإرادة الإنسانية في الحَتْميات

قد يقول قائلٌ، أو يعترض مستشكلٌ من اجتماع السنن الحتمية الربانية التي تحدِّد مستقبل البشرية مع الإرادة البشرية الإنسانية، فإذا كنا نؤمن بالأولى تسقط الثانية، وتكون لا قيمة لها!

والجواب يكون على نحوين:

النحو الأوّل: إنّ هذه الإشكالية ناظرة إلى الشكل الثاني من السنن الحاكمة، وهي الفعلية الناجزة المتحقّقة؛ بينما إذا نظرنا إلى الشكل الأول من السنن، وهي الشرطية، فإنّنا سندرك مدى فاعلية الإنسان ودَوْره الكبير في صناعة الأحداث والوقائع وبناء المستقبل، باعتبار أنّ فاعليته وجهده وسعيه وإرادته تمثل الشرط في المعادلات من النوع الأول.

النحو الثاني: إنّنا لو ركَّزنا النظر في طبيعة الشكل الثاني من السنن، وهي الناجزة الفعلية، فسنرى بوضوح أنّها تتضمّن مواصفات وصفات تكون بمثابة الشروط لتحقّق مضمونها وتجسيد منطوقها، وإنْ كان لسانها ليس على نحو القضية الشرطية. ولتوضيح الفكرة لا بُدَّ من استحضار تلك النصوص التي مرَّ ذكرها كحتميات تاريخية ووقائع مستقبلية.

 والآيات واضحةٌ في حضور الفعل الإنساني والإرادة البشرية في الوصول إلى النتيجة من التمكين في الأرض، ووراثتها، واستخلافها؛ وذلك من خلال المواصفات التي يتمتَّع بها هؤلاء المستخلفون، من إيمان وصلاح وإصلاح وصبر على الاستضعاف، بتقديم التضحيات ومقاومة الطغاة. والوصف مشعرٌ بالعلّية؛ فإنّ الوراثة لا تأتي اعتباطاً، وإنّما من خلال جهود وتضحيات وعرق ودماء: (لا والله، حتّى نمسح نحن وأنتم العرق والعلق)([66]).

مستقبل البشرية في الفكر الغربي

يختلف علماء الاجتماع وفلاسفة التاريخ الغربيين في تطلعهم إلى طبيعة مستقبل البشرية، وما ستؤول إليه ميادين الصراع على الأرض، ومَنْ سيكون هو السائد في نهاية المطاف. ويمكن أن نسجِّل نظريتين متعاكستين في ذلك:

النظرية الأولى: المستقبل السعيد للبشرية بسيادة الحضارة الغربية

يرى هؤلاء أنّ العالم سيؤول إلى خير، وسينحسر الظلم والجور في الأرض، وستسود الحضارة الغربية، حتّى كتب فرانسيس فوكوياما كتابه المعروف نهاية التاريخ والإنسان الأخير (صدر عام 1992م)، الذي يتبنّى فيه نهاية الصراع في العالم، وذلك بسيادة الديمقراطية الليبرالية الغربية على العالم، وتبنّي العالم لها؛ باعتبارها الحضارة الأرقى التي وصلت إلى أَوْج التقدُّم والتطوُّر الفكري الأيديولوجي لإنسان ما بعد الحداثة.

ولذا يرى أنّه لا بُدَّ من (عولمة الديمقراطية) كصيغةٍ نهائية، وكأطروحة إنسانية لا ترقى إليها أيّ أطروحة في العالم، في ما تعنيه العولمة من جعلها مبادئ عالمية متفوقة على الأرض، شرقها وغربها، ولا بُدَّ من النضال والكدّ والكدح من أجل تحقيق هذا التفوُّق والهيمنة، بحَسَب ما يمليه منطق التاريخ وفلسفة الأحداث العالمية الكبرى، بعيداً عن روح اليأس والتشاؤم التي سادت في أوروبا جرّاء الدمار الذي ألحقته الحربان العالميتان الأولى والثانية، وصعود الفاشية والنازية وغيرهما من الأفكار المدمِّرة، التي جعلت العالم وكأنّه يسير باتجاه الخراب والدمار.

إنّ مقولة (نهاية التاريخ) لا تعني انتهاء العالم وتوقُّف الوقائع والأحداث فيه، وإنّما تعني انتصار الأفكار والمبادئ والقيم الليبرالية وسيادتها، وقناعة العالم بمدى أفضليتها ورقيّها؛ لما توفِّره من سعادة حقيقية وكرامة إنسانية وتقدّم على صعيد السياسة والاجتماع والاقتصاد والعمران، ولو في المنظور البعيد. فإنّ العالم لا خيار له إلاّ الإذعان بغلبتها وتفوُّقها وسيادتها.

وقد سار فوكوياما في أطروحته (نهاية التاريخ) على خطى هيجل (الفيلسوف الألماني)، الذي يؤمن بروح التاريخ التي تدفعه إلى الصعود والارتقاء، من خلال مسيرة جهادية ونضالية على أكثر من صعيد، وفي أكثر من مجال، ليشمل السياسة والاقتصاد والقِيَم والأخلاق… ولذا لم تكن نهاية التاريخ كفكرة جديدة عند فلاسفة التاريخ الغربيين، فقد ذهب إليها العديد منهم، من أمثال: هيغل وفرانسيس بيكون وإيمانويل كانْت وتوماس مور وكارل ماركس، وإنْ اختلفت أطروحاتهم في مضمونها ومحتواها وأدواتها ووسائلها.

وقد كان هيغل يقول: «الوصول إلى حالة التطابق بين المثل والواقع، تلك الحالة التي تغدو استثناءً تمييزياً أعلى، لا يناله إلاّ أولئك المُعدّون سلفاً ومقدّماً لكسر الحلقة التأريخية، وبلوغ الكمال الأخير»([67])، يشير بذلك إلى ما ستؤول إليه الوقائع في العالم، إلى إقامة الدولة الدستورية الحديثة المقتدرة، القائمة على أساس الحرّية بمعناها الديمقراطي الليبرالي.

النظرية الثانية: انهيار الحضارات وسقوطها

إنّ هذه النظرية والرؤية في قراءة مسيرة الحضارات الإنسانية يسودها اليأس والقنوط من محاولات الإصلاح. ولذا يرى أصحابها أنّ الأفق أسود حالك، نظراً إلى قوس النزول الذي تصير إليه الحضارة الغربية، وما يعتمل فيها من عوامل السقوط والانهيار والفناء!

 وقد اعتبر بعض الألمان أنّ الغرب تجاوز مرحلة خلق الثقافة، وانتقل إلى مرحلة المدنية أو الحضارة والرفاه الاجتماعي. ويرى أنّ الحضارة كائنٌ حيّ لا بُدَّ أن يمرّ في مراحل العمر المختلفة: الطفولة والشباب والكهولة والشيخوخة، والحضارة تصل إلى مرحلة الشيخوخة حينما تتحوّل إلى مدنية؛ لأن الحضارة ـ كما يقول ـ تقوم على الصيرورة (Becoming) التي تعطي الإبداع، بينما المدنية تقوم على الصير (Become)، وبذلك تتحول الصيرورة إلى صير، فينتهي عصر الإبداع والعطاء والاستمرار… حينما يختفي الضمير الحيّ والروح المبدعة والعقل المعطاء والقِيَم الفعّالة السامية، ولا تبقى إلاّ قِيَم المادة والمصالح الاقتصادية، ولا تسود إلاّ لغة القوّة والعسكر([68]).

ويرى أنّ «الاستعمار هو الرمز المميِّز لاحتضار المدنية الغربية وموتها». كما يرى «أنّ حيوية الإنسان الحضاري تتّجه في مجراها إلى الباطن، بينما تتّجه حيوية الإنسان المدني إلى الخارج»([69]).

ويذكر المفكِّر الأوروبي ألفين توفلر، في كتابه صدمة المستقبل (Future shock)، الذي نشره عام 1970م، أنّ الأسرة على وشك الاندثار الكلّي في الغرب، وأنّ الشاذّين جنسياً يقومون بتبنّي أطفال ممّا يشكل صورة جديدة للأسرة.

ويرى المؤرِّخ البريطاني الشهير أرلوند توينبي، الذي توفّي في السبعينيات، وقد كتب حول انهيار الحضارة الغربية، أنّ الحضارات تولد في أجواء التحدّي والمعاناة والصعوبة والعقبات، وذلك في نظريّته (التحدّي والاستجابة)، وقد درس ستّاً وعشرين حضارةً، ولم يبْقَ منها إلاّ ستّ حضارات فقط. ويرى أنّ معيار البقاء والارتقاء يكمن في ما يسمّيه بـ (التسامي)، الذي يمثِّل مستوى تحشيد طاقات الأمة للاستجابة لتلكم التحدّيات التي تنطلق من النفوس والقلوب، والحضارات تنهار حينما تتحوَّل الأقلّية المبدعة إلى أقلّية مسيطرة، تفقد ولاء الأمّة لها والتماشي معها؛ لتعيش الأقلية الحاكمة في وادٍ والمجتمع المحكوم في وادٍ آخر. لذا تحاول الحضارة قبل السقوط أحيانا أن تمتدّ خارجياً لتؤسِّس دولة عالمية. يرى (توينبي) أنّ هذا الامتداد يحاول أن يخفي ما يعتمل في الحضارة من أزماتٍ وأمراض وتفكّك.

وقد رأى البعض أنّ الصراع لا زال مستمرّاً، بَيدَ أنّ العالم سيشهد صراعاً من نوعٍ آخر، ليكون صراعاً حضارياً بكلّ ما تتضمّنه الحضارة من مفردات القِيَم والدين والأفكار والمعتقدات والعادات والتقاليد، وسيكون الصراع حامياً بين الحضارة الغربية والحضارات الأخرى الثمانية، ومنها: الحضارة الإسلامية والحضارة الصينية الكونفوشوسية واليابانية… ويرى أنّ الصراع سيكون عنيفاً مع الحضارة الإسلامية المتحدية([70]).

نتيجة البحث

يستهدف البحث أموراً عديدة تجعله بحثاً له أهمّيته وضرورته في عالمنا اليوم، وفي طبيعة الأهداف والوقائع في ساحة الصراع وميادين المواجهة. ومن نتائج البحث:

المستقبل لا بُدَّ أن يقع، وستؤول إليه البشرية، وهو مستقبلٌ زاهر، يسود فيه الصالحون المتَّقون. ويقابل الاتّجاه الذي مفاده أن البشرية تسير من السيّئ إلى الأسوأ، وهو اتجاه الفلاسفة التشاؤمي، وفي النهاية يسود الظلم والجور. وعليه فإن الإنسان يتحمّل ما يمرّ به من مِحَنٍ وآلام وبأساء وضراء؛ لأنّه يعرف مستقبل النجاح والفوز والفلاح: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلاً﴾ (فاطر: 43).

إنّ صناعة المستقبل بارتقاء الحضارة الإسلامية بعناصرها المختلفة، من دراسة الواقع المعاصر والماضي والمستقبل الغيبي، ليلتزم المسلمون بالمعطيات التالية: الاتحاد والتآلف والتآزر، وإعداد القوة، والإصلاح، والنظرة السُّنَنيّة الواعية للأحداث، والتفاؤل بالمستقبل، والتخطيط له، من خلال فهم الآيات وتجسيدها في حياتنا، وملاقاة الشدائد التي توجب الجهود الكبيرة وسيلان العرق من الكدح والعناء، والقتلى والشهداء والجراحات النازفة بالدماء.

في الوقت الذي يقصّ علينا القرآن قصص الماضين من الأنبياء والمرسلين، وتاريخ الأمم والدول والحضارات، التي سادت ثمّ بادت؛ لاستقراء سنن التاريخ وقوانين الحركة الاجتماعية، يرسم للبشرية حركة المستقبل، ومآلات المسيرة الإنسانية على الأرض، ومساراتها المستقبلية، كحتميات تاريخية ووقائع حتميّة، لا بُدَّ أن ترسو عليها سفينة العالم الماخرة في بحر التيارات الاجتماعية المتلاطمة، ورياح الصراعات المحتدمة، لتشقّ أمواج الفتن وتبحر عبر الزمن، رغم الآلام والمصائب والمصاعب والآهات والعرق والعلق والمحن، لتصل إلى ساحل السعادة والقسط والعدل والحرية، وموانئ السلام والأمن والأمان والكرامة الإنسانية. وهذه الأمنية الكبرى التي تتطلع إليها البشرية المعذَّبة، وهي تنوء بحملها، وتكابد آلامها، وتعاني مخاضاتها، ليست أحلاماً وردية، ولا أضغاث أحلام ماركسية، وإنما هي حتميات تاريخية، ووعود ربّانية، محكومة بسنن التاريخ المطردة، وقوانين حراك المسيرة الإنسانية الثابتة، المنضبطة بنواميس تداول الأيام، ومعادلات التغيير والتدافع، والممانعة والتمانع، التي لا تعرف التبديل والتحويل: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ (آل عمران: 140).

إنّ الحركة التاريخية تسير نحو التقدُّم والتكامل والارتقاء، ولا تعرف التقهقر إلى الخلف والوراء. فإننا مهما رأينا مظاهر الظلم والجور والعدوان والطغيان فإنها لا بُدَّ أن تزول وتتلاشى وفق منطق التاريخ الذي يؤمن إيماناً عميقاً بأنّ الإرادة الربّانية هي الغالبة القاهرة على كلّ الإرادات الطاغوتية الفرعونية، التي تريد أن تذلّ المستضعفين وتقهر المؤمنين: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِين﴾ (القصص: 5).

الهوامش

_____________________

(*) دكتوراه في علوم القرآن والحديث من جامعة قم.

(**) أستاذٌ في قسم علوم القرآن والحديث في جامعة قم.

([1]) فرانسيس فوكوياما، نهاية التاريخ وخاتم البشر: 8، ترجمة: حسين أحمد أمين، القاهرة، مركز الأهرام، 1993.

([2]) المصدر نفسه.

([3]) راجع: صموئيل هينتنغتن، صدام الحضارات، ترجمة: طلعت الشايب، تقديم: صلاح قانصوه، ط2، القاهرة، 1999.

([4]) ويل ديورانت، قصة الفلسفة: 11، ترجمة: فتح الله محمد المشعشع، بيروت، مكتبة المعارف، 1988.

([5]) المصدر السابق: 12.

([6]) المصدر نفسه.

([7]) المصدر السابق: 15.

([8]) المصدر نفسه.

([9]) راجع: يحيى سعيد قاعود، أطروحات فوكوياما وهانتنغتن والنظام العالمي الجديد، دراسة تحليلية مقارنة: 107 ـ 108، الرياض، مكتب مجلة البيان، 1436؛ وديفيد وولش، عصر ما بعد الأيديولوجيا: 32 ـ 33، القاهرة، مكتبة مدبولي، 1995.

([10]) راجع: محمد بن سعيد الفطيسي، مستقبل في قبضة اليد، مدخل نظري إلى مناهج الدراسات المستقبلية وأساليب التفكير المبكر، السيب، مكتبة الضامري، 2014.

([11]) راجع: رابح عبد الناصر جندلي، الدراسات المستقبلية: تأصيل تاريخي، مفاهيمي ومنهجي. مجلة العلوم السياسية والقانون، جامعة باتنة، الجزائر، العدد 1، 2017.

([12]) المصدر نفسه.

([13]) المصدر نفسه.

([14]) راجع: سعيد عبد الهادي، علم المستقبل، قراءة في ضرورة التأسيس. جريدة الصباح، الجمعة 5/8/2006: www. siironline. org/alabwab/deras.

([15]) الجمهورية هو حوار سقراطي ألّفه أفلاطون حوالي عام 380 قبل الميلاد، يتحدث عن تعريف العدالة والنظام، وطبيعة الدولة العادلة والإنسان العادل.

([16]) ألكسيس كاريل، الإنسان ذلك المجهول، ترجمة: شفيق أسعد فريد، بيروت، مكتبة المعارف، 1980.

([17]) محمد باقر الصدر، بحث حول المهدي: 19، بيروت، دار التعارف، 1977.

([18]) عبد الهادي الفضلي، في انتظار الإمام: 13، بيروت، دار الأندلس، 1979.

([19]) محمد باقر الصدر، مقدمات في التفسير الموضوعي للقرآن: 85 ـ 98، بيروت، دار التوجيه الإسلامي، 1980.

([20]) محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن 11: 310، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1971.

([21]) تفسير عليّ بن إبراهيم القمّي 2: 69، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1991.

([22]) محمد تقي مصباح، النظرة القرآنية للمجتمع والتاريخ: 224، بيروت، دار الروضة، 1996.

([23]) مقدّمات في التفسير الموضوعي للقرآن: 88.

([24]) المصدر السابق: 191.

([25]) المصدر السابق: 86.

([26]) المصدر السابق: 89 ـ 90.

([27]) راجع: محمد صادق الصدر، تاريخ ما بعد الظهور: 46، بيروت، دار التعارف، 1992.

([28]) مرتضى مطهّري، نهضة المهديّ في ضوء فلسفة التاريخ: 33، بيروت، دار التيار الجديد، 2006.

([29]) الحسين بن مسعود البغوي، معالم التنـزيل (تفسير البغوي) 2: 340، الرياض، دار طيبة، 1989.

([30]) الأمثل في تفسير كتاب الله المنـزل 18: 297.

([31]) العروسي الحويزي، تفسير نور الثقلين 2: 212 ـ 213، قم، مؤسسة إسماعيليان، 1415.

([32]) بحار الأنوار 44: 313.

([33]) تفسير نور الثقلين ‏5: 318.

([34]) أصول الكافي 2: 414.

([35]) تفسير محمد بن مسعود العياشي 2: 87، بيروت، مؤسسة الأعلمي، 1991.

([36]) الميزان في تفسير القرآن ‏9: 76.

([37]) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة 7: 44، قم، دار إحياء الكتب العربية، 1965.

([38]) الفيض الكاشاني، الوافي 26: 432، إصفهان، مكتبة الإمام أمير المؤمنين، 1406.

([39]) الطبرسي، تفسير مجمع البيان في تفسير القرآن والفرقان 4: 834، طهران، دار الأسوة، 1426.

([40]) مجمع البيان 9: 108.

([41]) السيوطي، الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور 6: 67، بيروت، دار الفكر، 1993.

([42]) الآلوسي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني 13: 236، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1985.

([43]) تاريخ ابن خلدون: 40، بيروت، دار ابن حزم، 2003.

([44]) الميزان في تفسير القرآن 7: 136.

([45]) راجع: المصدر نفسه.

([46]) الدر المنثور في التفسير بالمأثور 3: 17.

([47]) المصدر نفسه.

([48]) المصدر السابق 3: 20.

([49]) تفسير القمّي 1: 204.

([50]) المصدر السابق 1: 203.

([51]) الميزان في تفسير القرآن ‏7: 136.

([52]) المصدر السابق 7: 137.

([53]) مجمع البيان 7: 106.

([54]) تفسير القمّي 2: 77.

([55]) المصدر السابق 1: 14.

([56]) المصدر السابق 2: 15.

([57]) الأسترآبادي، تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة 1: 332، قم، مؤسّسة النشر الإسلامي، 1409.

([58]) الميزان في تفسير القرآن 14: 336.

([59]) راجع: الصافي الكلبايكاني، منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر 3: 403، قم، مسجد مقدس جمكران، 1433.

([60]) عباس القمّي، مفاتيح الجنان. دعاء الافتتاح.

([61]) الراغب الإصفهاني، المفردات في غريب القرآن 1: 406، دمشق ـ بيروت، دار القلم ـ الدار الشامية، 1412.

([62]) الميزان في تفسير القرآن ‏13: 38.

([63]) المصدر السابق: 39.

([64]) المصدر السابق: 42.

([65]) تفسير القمّي 2: 14.

([66]) النعماني، الغيبة: 285، قم، آسيانا، 2007.

([67]) نهاية التاريخ وخاتم البشر: 13.

([68]) راجِعْ: أسوالد إشبنغلر، تدهور الحضارة الغربية 1: 15، 122، ترجمة: أحمد الشيباني، بيروت، دار مكتبة الحياة.

([69]) تدهور الحضارة الغربية 1: 97.

([70]) راجِعْ: صدام الحضارات، إعادة صنع النظام العالمي: 13.

الكاتب د. زينب السالم د. محمد كاظم رحمان ستايش

د. زينب السالم د. محمد كاظم رحمان ستايش

مواضيع متعلقة

اترك رداً

downloadfilmterbaru.xyz bigoporn.club bok3p.site sablonpontianak.com