أحدث المقالات

ـ القسم الأوّل ـ

 

الشيخ خالد الغفوري(*)

 

لقد اختلفت الأنظار بالنسبة إلى أنّ نبيّنا محمد| خاصّة هل يثبت له حكم الإرث من انتقال ما يملك إلى ورثته أو لا؟ وربما يعمّم السؤال بالنسبة إلى سائر الأنبياء^ أيضاً.

والمعروف أنّ هذا التساؤل يواجَه بإجابتين تقليديتين:

إحداهما: النفي. وهو المعروف لدى أهل السنّة بمذاهبهم المختلفة.

والثانية: الإيجاب. وهو المعروف عند الشيعة الإمامية.

وسنبدأ بدراسة الأدلّة التي يمكن إقامتها هنا لإثبات الحكم، سلباً أو إيجاباً. ومن خلال ذلك ستتّضح الاتجاهات كافّة بالنسبة إلى هذه المسألة بصورة أكثر دقّة.

وسنعقد البحث ضمن النقاط التالية:

 

النقطة الأولى: اشتراك الأنبياء^ مع سائر المكلَّفين في الأحكام

ونثير في مستهلّ البحث سؤالاً وهو: هل أنّ الأنبياء^ يشتركون مع سائر الناس في الأحكام الإلهية؟

وليُعلَمْ أنّه لا مانع من اختصاص الأنبياء^ ببعض الأحكام، دون غيرهم، بل قد وقع ذلك لبعض الأنبياء^، كصوم زكريا× ثلاثة أيام لا يكلِّم الناس إلاّ رمزاً([1]). وهذا لا بحث فيه. وإنّما البحث فيما لو شككنا في كون حكمٍ ما مشتركاً بين الأنبياء^ وغيرهم أو لا، فهل القاعدة هنا الاشتراك أو عدم الاشتراك؟

ويدلّ على قاعدة الاشتراك أمران:

الأول: إنّ المفهوم عُرْفاً من الخطابات العامة والمطلقة، سواء أكانت شرعية أو قانونية، هو شمولها لجميع المكلّفين دون استثناء، ومن دون فرق بين الأنبياء^ وغيرهم، وإلاّ للزم ارتكاب أحد محذورين:

أـ إبطال الإطلاقات والعمومات، والتي تمثِّل ركناً مهمّاً من الخطابات الشرعية الكاشفة عن سعة دائرة ما تدلّ عليه من أحكام. وهذا معناه إلغاء الدلالات اللغوية والعرفية والعقلائية.

ب ـ دعوى كون الأنبياء^ خارجين تخصُّصاً؛ لعدم بشريّتهم، أو لغير ذلك من التخرّصات والأوهام.

توهّم كون الأنبياء^ يختلفون عن غيرهم؛ لسموّ مقامهم، قد ردّه القرآن الكريم في عدّة موارد، ببيان أنّ الأنبياء^ ذوو طبائع بشرية كسائر البشر، وليسوا ملائكةً، وامتيازهم عن غيرهم هو طهارتُهم الروحية التي أهَّلتهم لمنصب النبوّة وتلقّي الوحي الإلهي. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ * وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ(الأنبياء: 7 ـ 8)؛ وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ (الكهف: 10).

إذن فالقاعدة العامّة والأصل الأوّلي في الأنبياء^ كونهم يشتركون مع غيرهم في الأحكام، إلاّ إذا دلّ الدليل على اختصاصهم بحكم دون الآخرين.

وإذا كان الاشتراك هو مقتضى الأصل الأوّلي فلا يحتاج لإثباته في كلّ موردٍ مورد إلى دليل.

الثاني: إنّ كون الأنبياء^ قدوةً لغيرهم يقتضي مسارعتهم لامتثال الأحكام؛ حتّى يمكن الاقتداء بهم من قِبَل غيرهم، وإلاّ فلا يتمّ الغرض المقصود من بعثهم وإرسالهم للناس. قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (الأنبياء: 90)؛ وقال عزَّ من قائل: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً(الأحزاب: 21).

ومن هنا ننبِّه على أمرين:

أوّلهما: إنّنا لا نعتقد أحداً يقول بعدم شمول الأحكام الإلهية للأنبياء^، ولكنّ البحث العلمي يقتضي استقصاء الاحتمالات والوجوه الممكنة من الناحية النظرية، وإنْ كانت لا قائل بها على أرض الواقع.

ثانيهما: إنّه سوف يأتي في البحوث القادمة التعرّض إلى بعض الأدلّة الخاصّة الدالّة على إرث الأنبياء، كقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً(مريم: 5 ـ 6)، الدالّ على توريث زكريا لابنه يحيى، وإرث يحيى من أبيه؛ وقوله ﴿وَوَرِثَ سُلَيَْمانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْء إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (النمل: 16).

فلو فُرض أنّ أحداً رفض دلالتها على المدَّعى، وناقش فيها، وحمل الوراثة في الآيتين على وراثة الأمور المعنوية، كالعلم والنبوّة، فمع ذلك لا تبطل دعوى إرث الأنبياء^؛ وذلك بسبب إمكانية التمسُّك بقاعدة الاشتراك هذه.

 

النقطة الثانية: اشتراك النبيّ| مع سائر المكلَّفين في الأحكام

والسؤال المطروح هنا هو: هل أنّ نبيّنا| لا يخرج عن قاعدة الاشتراك، فيكون مشمولاً لها ويكون مكلَّفاً بجميع الأحكام، إلاّ ما دلّ الدليل على نفيه أو لا؟

والجواب المتقدّم في النقطة السابقة يأتي بعينه هنا؛ فإنّ الاشتراك في الأحكام هو مقتضى القاعدة، ولا يتوقَّف إثباته على أيّ دليلٍ، لكنْ مع ذلك نضيف هنا أمراً آخر، وهو أنّ القرآن الكريم كان قد صرَّح بكون النبيّ| مشمولاً بهذه الأحكام، من قبيل:

أـ الآيات التي صرّّح فيها بكون الخطابات القرآنية موجَّهة إليه كغيره من الناس. قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (الزخرف: 44).

ب ـ الآيات التي وجّه الخطاب بالأحكام فيها إلى النبيّ|. قال تعالى: ﴿أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ الليْلِ وقُرْآنَ الْفَجْرِ (الإسراء: 78).

ج ـ الآيات التي صرّح فيها بعناوين عامّة، تشمل الجميع بمَنْ فيهم النبيّ|. قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (التكوير: 27)؛ وقال أيضاً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِق بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (الحجرات: 6).

د ـ الآيات التي صرّح فيها بأدوات العموم. قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ (النساء: 33).

وعليه فإنّ الأحكام الشرعية تتوجّه إلى النبيّ| كما تتوجّه إلى غيره من المكلَّفين. فمثل قوله عزَّ وجلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (البقرة: 183)؛  وقوله سبحانه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ (المائدة: 3)؛ ونحو ذلك من آيات الأحكام الشرعية، يشترك فيها النبيّ| وكلّ مكلَّف من البشر، لا فرق بينه وبينهم، إلاّ كونه مكلّفاً بتكليفٍ زائد على غيره، وهو تبليغ الأحكام، مضافاً إلى تكليفه بالعمل بالأحكام.

والمراد بالأحكام هنا الأعمّ من الأحكام الوضعية، كالملكية؛ والأحكام التكليفية، كوجوب الصلاة.

وفي هذا السياق تقع الآيات التي بيَّنت أحكام الإرث، كما ستأتي الإشارة إلى ذلك قريباً.

 

النقطة الثالثة: هل أنّ مقتضى القاعدة جريان أحكام الإرث والمِلْكية على الأنبياء^، بمَنْ فيهم نبيّنا|؟

لقد ذكرنا أنّ الأنبياء^ عموماً يشتركون مع غيرهم في الأحكام الشرعية، ولا سيما نبيّنا|، الذي صرّح القرآن بكونه مشمولاً بها. ومن هذه الأحكام ما يلي:

أوّلاً: أحكام الإرث، كقوله تعالى: ﴿وَلِكُلّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ (النساء: 33)؛  وقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ (النساء: 11)؛ وقوله تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض فِي كِتَابِ اللهِ (الأنفال: 75، الأحزاب: 6)؛ ونحو ذلك؛ فإنّها بإطلاقها وعمومها تشمل جميع البشر، ولا سيّما مثل قوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً(النساء: 7).

ولوضوح دلالة هذه الآيات فقد رُوي التمسُّك بها من قبل أهل البيت^ لإثبات إرث النبيّ|.

ومقتضى شمول أحكام الإرث الثابتة بالكتاب ـ وبالسنّة أيضاً ـ للنبيّ| ما يلي:

1 ـ ثبوت الموروثيّة له|؛ بمعنى أنّه لو ترك بعد موته مالاً فإنّه ينتقل الى ورثته النسبيّين والسببيّين.

2 ـ ثبوت الوارثيّة له|؛ بمعنى أنّه يرث من مورِّثه، كأبوَيْه.

ثانياً: أحكام المِلْكية، فهو ـ كسائر المُلاّك ـ مسلَّط على أمواله، ويتصرّف فيها بأنحاء التصرُّفات، كالبيع والهبة والوقف وغيرها.

وإذا ثبت أنّه كان مالكاً فبعد رحيله| ما هو مصير أمواله هذه؟

وهنا عدّة احتمالات:

الأول: كونها بعد موته بلا مالك.

وهو فاسد قطعاً؛ إذ لا بُدَّ من مالك([2])، شخصاً كان أم جهة.

الثاني: كونها باقية على ملكه|.

وكنتُ ظننتُ أنْ لا قائل بهذا الاحتمال؛ لوضوح بطلانه؛ لأنّ المِلْكية من شؤون الحياة بأيّ مرتبة كانت، ولو ضعيفةً، كمِلْكية الحَمْل، فلا مِلْكية للميت.

لكنّي بعد المراجعة وجدتُ مَنْ احتمله. وهو ما حكاه المناوي عن إمام الحرَمَين، وجعله أحد وجهين، بل قال: وهو الصحيح. وحُكي أنّه مال إليه السبكي. كما احتمله ابن عابدين في رسائله([3]).

وسيأتي تحليل هذه الدعوى ومناقشتها لاحقاً.

الثالث: انتقالها إلى ورثته|. وهو مقتضى القاعدة العامة.

الرابع: انتقالها إلى جهة عامّة، كوليّ الأمر، أو المسلمين عامّة.

وهذا الاحتمال وإنْ كان بعيداً جدّاً؛ لأنّه إنّما يتأتّى بالنسبة إلى الأموال العامة، لا الخاصة، لكنَّه ممكنٌ ثبوتاً، بَيْد أنّ إثباته يتوقَّف على ورود دليلٍ يدلّ على الاستثناء من القاعدة العامة.

 

النقطة الرابعة: القول باستثناء الأنبياء^ من الإرث

لو قام دليلٌ على استثناء الأنبياء^ عموماً، أو النبيّ| خاصة، من حكمٍ فيقتصر عليه، وبه نخرج عن تلك القاعدة العامّة.

وقد ادّعي وجود الدليل الخاصّ. وهذا الدليل المدَّعى ليس نصّاً قرآنيّاً؛ إذ قد مرّ عليك أنّ النصوص القرآنية على قسمين:

الأول: ما تعرّض لإرث الأنبياء^ إمّا يكون دالاًّ على كونهم مشمولين لقانون الإرث بناء على بعض الاحتمالات والاتّجاهات في التفسير، وإمّا أن يكون غير متعرِّض لذلك بناءً على الاحتمالات والاتجاهات الأخرى.

الثاني: المطلقات والعمومات التي بُيِّن فيها أحكام الإرث التي تكون شاملة فعلاً للنبيّ|، أو فيها قابلية لشموله.

إذن فلو كان ثمّة استثناء فلا يمكن أن يكون بنصٍّ من الكتاب.

ومن هنا فقد التُجئ إلى أدلّةٍ أخرى، من قبيل: الإجماع، والسنّة النبوية الشريفة؛ لإثبات التخصيص أو التقييد.

 

النقطة الخامسة: دعوى الإجماع على استثناء الأنبياء^ من الإرث

لقد ادُّعي اتفاق كلمة فقهاء الصحابة والتابعين والمذاهب الأربعة السنّية على أنّ الأنبياء والرسل^ لا يرثون، ولا يورِّثون، وأنّ ما تركوه من أموال بعد موتهم ـ إنْ تركوا شيئاً ـ فهو صدقةٌ، بعد نفقة آل كلٍّ منهم([4])، إلاّ ما يُروى عن بعض الشافعية([5]) من أنّ الأنبياء^ يرثون، ولا يورِّثون([6]).

 

تقييم دعوى الإجماع

وإذا توخَّيْنا الدقّة نرى أنّ هذه الدعوى تنحلّ إلى عدّة مسائلٍ، وقد تمّ الخلط بينها من قِبَل الكثيرين:

الأولى: إنّ الأنبياء^ لا يَرِثون.

الثانية: إنّ الأنبياء^ لا يُورِّثون.

الثالثة: إنّ نبيّنا| خاصّة لا يَرِث.

الرابعة: إنّ نبيّنا| خاصّة لا يُورِّث.

وبسبب عدم الفصل الدقيق بين هذه الدعاوى وقع الخلط والخَبْط في الاستدلال. فكثيراً ما يُلاحِظ التشويش والاضطراب في كلمات المستدلِّين، باستثناء نَزْرٍ يسير فصل بين بعض هذه البحوث([7]).

أمّا بالنسبة إلى المسألة الأولى فإنّ دعوى الإجماع أو الاتّفاق هنا هي مجرّد وهم؛ إذ لا عين ولا أثر لمثل هذا الإجماع، لا في زمن الصحابة ولا التابعين، ولم تتَّفق كلمة أئمّة المذاهب الأربعة ـ فضلاً عن غيرهم ـ على ذلك إطلاقاً. فلم تكن هذه المسألة مطروحة سابقاً، والجدل الذي أثير إنّما كان في البَدْء حول المسألة الرابعة،ـ التي هي الأصل في هذا البحث كلّه، ثمّ بعد حينٍ من الدهر سرى الجدل إلى المسألتين الثالثة والثانية.

وممّا لا يخفى على أحدٍ أنّ المسألة الرابعة كانت محطّاً لاختلاف أنظار الصحابة منذ اليوم الأوّل الذي طُرحت فيه. وعليه فإنّ دعوى إجماع الصحابة والتابعين ما هي إلاّ دعوى جزافية. وسيأتي التصريح ببعض مَنْ خالف خلال البحث.

إذن عندما لا يكون هناك إجماعٌ من قِبَل الصحابة والتابعين على المسألة الأصلية ـ وهي الرابعة ـ فكيف يُدَّعى إجماعهم على فروعها ـ وهي المسائل الأولى والثانية والثالثة ـ، والتي طُرحت من قِبَل المتأخِّرين عنهم.

أجل، إنّما تتَّجه دعوى الإجماع من قِبَل المذاهب الأربعة على المسألة الرابعة خاصّة، وهي أنّ نبيَّنا| خاصّة لا يورِّث.

وهو ـ كما ترى ـ إجماعٌ متأخِّر عن زمن الصحابة والتابعين. مضافاً إلى أنّ اتفاق المذاهب الأربعة عليه لا لكونه من الأحكام الضروريّة والمسلَّمة والمستغنية عن الدليل، بل هي مسألةٌ نظرية واجتهادية، لا بُدَّ فيها من مراجعة الأدلّة ومحاكمتها؛ كي يثبت مدى قيمتها علمياً.

النقطة السادسة: المحاولات الفنّية لإثبات كون الأنبياء^ عموماً، أو نبيّنا| خاصّة، لا يورِّثون

وقد قام أصحاب هذه النظرية بعدّة محاولات فنّية؛ لإثبات كون الأنبياء^ عموماً، أو نبيّنا| خاصّة، لا يورِّثون. وهذه المحاولات هي:

 

المحاولة الأولى

وهي أهمّ المحاولات لإثبات الاستثناء من الإرث. وحاصلُها التمسّك بأحاديث نفي الإرث، وعلى رأسها حديث «لا نورِّث».

وليُعلَمْ قبل الخوض في غضون هذا البحث المفصَّل والشائك أنّه قد ورد كمٌّ هائل من السنّة الشريفة يُعالِج أحكام الإرث. وقد تنوّعت تلك الأحاديث في بياناتها من جهاتٍ عديدة. ونظراً لكثرتها قسَّمها أصحاب المصنَّفات الحديثية إلى عدّة أبواب.

والذي يتعلَّق بالمقام منها ثلاث طوائف:

الأولى: الأحاديث العامّة والمطلَقة الواردة في بيان أحكام الإرث، سواء أكانت في مقام بيان أصل تشريع الإرث على نحو الإجمال أم في مقام بيان أحكامه بنحو التفصيل، فإنّها تثبت بعموماتها وإطلاقاتها شمولها للأنبياء^ جميعاً ـ ومنهم نبيّنا| ـ، فيكونون وارثين وموروثين، كسائر الناس.

الثانية: الأحاديث الدالّة على إرث الأنبياء^ في الجملة.

الثالثة: الأحاديث التي ادُّعي دلالتها على عدم إرث الأنبياء^ في الجملة.

أمّا الطائفة الأولى فهي من قبيل قوله|: «مَنْ ترك مالاً فلورثته»([8]).

وأمّا الطائفة الثانية فهي من قبيل ما ورد في تفسير بعض نصوص الكتاب، كالنصّ الوارد في شأن يحيى وزكريا في سورة مريم، وكذا النصّ الوارد في شأن داوود وسليمان في سورة النمل، نظير: ما ورد في خطبة الزهراء÷ في المسجد النبويّ الشريف، والتي منها قولها لأبي بكر: «يا بن أبي قحافة، أفي كتاب الله أنْ ترث أباك ولا أرث أبي؟! لقد جئتَ شيئاً فريّاً. أفعلى عمد تركتم كتاب الله وراء ظهوركم؛ إذ يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيَْمانُ دَاوُودَ… (النمل: 16)؛ وقال عزَّ وجلَّ في ما اقتصّ من خبر يحيى بن زكريا: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً (مريم: 5 ـ 6)…»([9]).

وأمّا الطائفة الثالثة فهي من قبيل حديث «لا نورِّث»، ونحوه.

ولا بحث لنا في الطائفتين الأولى والثانية.

وإنّما يقع البحث في الطائفة الأخيرة؛ حيث ادُّعي ـ على ما هو المعروف بين أهل السنّة ـ كونها مخصِّصة لأدلّة الإرث العامّة، أو مقيِّدة لمطلقاتها.

وتُعتبر هذه أهمّ المحاولات لإثبات استثناء الأنبياء من قوانين الإرث وأحكامه، وهذا ما يستدعي البحث التفصيلي؛ لتحليل مثل هذه الدعوى، وتقييمها علميّاً.

ويقع البحث في هذا الحديث ضمن ثلاث نقاط:

 

أوّلاً: الأحاديث الدالّة على عدم إرث الأنبياء^

روى أهل السنّة في مصادرهم الحديثية بعض الأحاديث الدالّة على استثناء النبيّ| من أحكام الإرث. والذي يمكن الاستدلال به من هذه الأحاديث ما يلي:

1ـ روى مالك بن أنس، عن ابن شهاب الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عائشة أمّ المؤمنين، أنّ أزواج النبيّ| حين تُوفّي رسول الله| أردْنَ أن يبعثْنَ عثمان بن عفّان إلى أبي بكر الصدّيق، فيسألْنَه ميراثهنّ [أي ثمنهنّ] من رسول الله|، فقالت لهنَّ عائشة رضي الله عنها: أليس قد قال رسول الله|: «لا نورِّث، ما تركنا فهو صدقةٌ»([10]).

2ـ عن ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها، أنّ النبيّ| قال: «لا نورِّث، ما تركنا صدقةٌ»([11]).

3ـ عن معمّر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها، أنّ فاطمة والعبّاس رضي الله عنهما أتيا أبا بكر، يلتمسان ميراثهما من رسول الله|، وهما حينئذٍ يطلبان أرضَيْهما من فدك، وسهمَهما من خيبر، فقال لهما أبو بكر: سمعتُ رسول الله| يقول: «لا نورِّث، ما تركنا صدقةٌ، إنَّما يأكل آل محمّد من هذا المال». قال أبو بكر: واللهِ، لا أدَعُ أمراً رأيتُ رسول الله| يصنعه فيه إلاّ صنعته…([12]).

4 ـ عن حمّاد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أنّ فاطمة رضي الله عنها قالت لأبي بكر: مَنْ يرثك إذا مِتّ؟ قال: ولدي وأهلي، قالت: فما لنا لا نرث النبيّ|؟ قال: سمعتُ النبيّ| يقول: «إنّ النبيّ| لا يورِّث»، ولكنْ أعول مَنْ كان رسول الله| يعول، وأُنفق على مَنْ كان رسول الله| يُنفق([13]).

5ـ عن يحيى بن [عبد الله بن] بكير، عن الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب الزهري قال: أخبرني مالك بن أوس بن الحدثان ـ وكان محمد بن جبير بن مطعم ذكر لي ذكراً من حديثه ذلك، فانطلقت حتّى دخلت عليه، فسألته ـ فقال: انطلقت حتّى أدخل على عمر، فأتاه حاجبه يرفأ([14])، فقال: هل لك في عثمان وعبد الرحمن والزبير وسعد؟ قال: نعم، فأذن لهم، ثمّ قال: هل لك في عليّ وعبّاس؟ قال: نعم، قال عبّاس: يا أمير المؤمنين، اقضِ بيني وبين هذا، قال: أُنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، هل تعلمون أنّ رسول الله| قال: «لا نورِّث، ما تركنا صدقةٌ» يريد رسول الله| نفسه، فقال الرهط([15]): قد قال ذلك، فأقبل على عليٍّ وعبّاس فقال: هل تعلمان أنّ رسول الله| قال ذلك؟ قالا: قد قال ذلك، قال عمر: فإنّي أحدِّثكم عن هذا الأمر، إنّ الله قد كان خصَّ لرسوله| في هذا الفَيْء([16]) بشيءٍ لم يُعطِه أحداً غيره، فقال عزَّ وجلَّ: ﴿مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ، إلى قوله: ﴿قَدِيرٌ(الحشر: 6)، فكانت خالصةً لرسول الله|. واللهِ، ما احتازها([17]) دونكم، ولا استأثر بها عليكم. لقد أعطاكموها، وبثّها فيكم، حتّى بقي منها هذا المال. فكان النبي| ينفق على أهله من هذا المال نفقة سنته، ثمّ يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال الله. فعمل بذلك رسول الله| حياته. أنشدكم بالله هل تعلمون ذلك؟ قالوا: نعم. ثمّ قال لعليٍّ وعبّاس: أنشدكما بالله هل تعلمان ذلك؟ قالا: نعم، فتوفّى الله نبيه| فقال أبو بكر: أنا وليُّ رسول الله|، فقبضها، فعمل بما عمل به رسول الله|، ثمّ توفّى الله أبا بكر، فقلتُ: أنا وليّ رسول الله|، فقبضتها سنتين أعمل فيها ما عمل رسول الله| وأبو بكر، ثمّ جئتماني وكلمتكما واحدة وأمركما جميع، جئتني تسألني نصيبك من ابن أخيك، وأتاني يسألني نصيب امرأته من أبيها، فقلتُ: إنْ شئتُما دفعتُها إليكما بذلك، فتلتمسان منّي قضاءً غير ذلك؟ فواللهِ، الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، لا أقضي فيها قضاءً غير ذلك حتّى تقوم الساعة، فإنْ عجزتما فادفعاها إليَّ، فأنا أكفيكاهما([18]).

6ـ مالك بن أنس، عن أبي الزناد، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، أنّ رسول الله| قال: «لا يقتسم ورثتي دنانير، ما تركتُ بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقةٌ»([19]).

7ـ أبو العباس محمد بن يعقوب، عن إسماعيل بن إسحاق، عن محمد بن أبي بكر المقدمي، عن فضيل بن سليمان([20])، عن أبي مالك الأشجعي، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة، عن النبيّ| قال: «إنّ النبيّ لا يورِّث»([21]).

8ـ إسماعيل بن عمرو([22])، عن حفص بن صالح، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله|: «إنّا لا نورِّث، ما تركنا صدقةٌ»([23]).

 

ثانياً: تقريب دلالة الأحاديث على عدم إرث الأنبياء^

لقد ذُكر في تقريب دلالة هذه الأحاديث بعض البيانات:

1ـ دلّت بعض هذه الأحاديث على قاعدة عامّة، وهي أنّ الأنبياء^ لا يورِّثون، وما يتركونه من أموال بعد موتهم يكون صدقةً، تُوزَّع على المحتاجين من المسلمين، بعد أداء نفقة نسائهم وخَدَمهم([24]).

وبناءً على ذلك اقترح بعضهم تقسيم الورّاث إلى أربعة أقسام:

مَنْ يرث ويورِّث، مَنْ لا يرث ولا يورِّث، مَنْ يورِّث ولا يرث، مَنْ لا يورِّث ويرث.

فالأوّل كزوجَين وأخوين؛ والثاني كرقيق ومرتدّ؛ والثالث كمبعّض وجنين في غرّته فقط، فإنّها تورث عنه لا غيرها؛ والرابع الأنبياء^، فإنّهم يرثون ولا يورِّثون([25]).

ومن أغرب ما رأيتُ ما قيل من أنّ الأنبياء لا يرثون ولا يورِّثون([26])؛ إذ لا دلالة عليه في تلك الأحاديث، كما ستأتي الإشارة إلى ذلك.

2ـ دلالة الحديث الأخير ـ مضافاً إلى ما سبق ـ على تقرير الصحابة الذين حضروا عند عمر، وهم: عثمان، وعبد الرحمن، والزبير، وسعد بن أبي وقّاص، وعليّ، والعبّاس، حيث قال لهم: هل تعلمون أنّ رسول الله| قال: «لا نورِّث، ما تركنا صدقةٌ». قالوا: قد قال ذلك.

3ـ دلّ بعضها على أنّ خليفتَيْ رسول الله| اقتفيا أثره، ونهجا نهجه، في الإنفاق على أهله نفقة سنتهم، ثمّ يجعلان الباقي في المحتاجين([27]).

4ـ دلّ بعضها على أنّ أقرباء الميت يرثونه إذا توفَّرت فيهم شروط الإرث، وانتفت عنهم موانعه. وهكذا كلّ ميت، ولكنّ النبيّ| «لا يورِّث». وهذه إحدى خصوصيّاته الخاصّة به، وليس ذلك قاعدة عامّة شاملةً للأنبياء^ جميعاً. وهذا المعنى صريح أو ظاهر في بعضها، ومحتمل في بعضها الآخر.

5ـ دلّ بعضها على أنّه يتوجَّب على وليّ الأمر أو الخليفة بعد الرسول| أنْ يعول مَنْ كان الرسول| يعول، وينفق على مَنْ كان الرسول| ينفق عليه([28]).

6ـ هذا، وقد ادَّعى بعض ـ كالدكتور برّاج، تبعاً لبعض مَنْ سبقه ـ عدم انحصار رواية الحديث الذي رواه أبو بكر به، بل رواه عددٌ من الصحابة، وهم: حذيفة بن اليمان، والزبير بن العوّام، وأبو الدرداء([29])، وأبو هريرة، والعبّاس، وعليّ، وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقّاص. بل ادّعى تواتر الخبر أو كاد([30]).

 

ثالثاً: تقييم المحاولة الأولى

ينبغي تقسيم الكلام هنا إلى عدّة أبحاث، وهي خمسة:

 

البحث الأول: في أسناد تلك الأحاديث

وليُعلَمْ أنّه تارة يُفرَض فتح ملفّ البحث مع مَنْ ادَّعى سماع الحديث مباشرة من النبيّ|، كالصحابي أبي بكر؛ وتارةً أخرى يُفرض فتح ملفّ البحث مع مَنْ عاصره من الصحابة، ممَّنْ وصله الحديث بالواسطة؛ وثالثة يُفرض فتح ملفّ البحث مع مَنْ تأخَّر، وأراد الاستدلال به على نفي إرث النبيّ|.

أمّا بناءً على الفرض الأوّل فمع ادّعاء الصحابيّ أبي بكر سماع ذلك الحديث بشكلٍ مباشر من النبيّ| لا معنى للبحث في سند الحديث حينئذٍ؛ لكون دعوى السماع المباشر تقتضي القطع بصدور الحديث بالنسبة إليه فقط، بَيْد أنّه يمكن فتح ملفّ البحث معه في دائرتين:

الأولى: هل أنّ نقله للحديث عن النبيّ| كان نقلاً حسّياً أو كان عن اجتهاد منه؟

الثانية: إنّه على أيٍّ من التقديرين يقع البحث في مدى دلالة الحديث على الحكم المدَّعى، وهو عدم إرث النبيّ|.

إذن فافتراض الصدور القطعي بالنسبة إلى الراوي المباشر لا يحسم النقاش تماماً، كما قد يتوهّمه بعض([31])، بل يحسمه في بعض الدوائر فقط، ويبقى البحث في الدائرتين المشار إليهما على قوّته.

وكذا الكلام بالنسبة إلى كلّ مَنْ افتُرض من الصحابة سماعه مباشرة من النبيّ|.

ومن هنا سنعقد البحث في أوسع المديات، ونبنيه على الافتراضَيْن الثاني والثالث، وننطلق بطرح الأسئلة التالية:

الأوّل: ما هو التقييم العلمي لأسانيد تلك الأحاديث المنقولة؟

الثاني: هل أنّها تعتبر أخبار آحاد؟

الثالث: هل أنّ هذه الأحاديث متعدِّدة أو أنّها تعبِّر عن حديث واحد فقط منقول عن الصحابيّ أبي بكر بعدّة طرق؟

 

جواب السؤال الأوّل

ونلفت نظر القارئ الكريم إلى أنّ الغرض من عقد هذه الزاوية من البحث هو الحدّ من حالة الإغراق والمبالغة في دعوى قطعيّة سند ما دلّ على نفي إرث النبيّ| من الأحاديث، وطرحه كأمرٍ مفروغ عنه.

وسنثبت أنّه ثمّة ما يمكن الاستناد إليه من الأدلّة التي تزعزع الوثوق بتلك الأسانيد. وعليه فإنّ دعوى التشكيك والخَدْشة فيها ليست جزافية، بل لها ما يبرِّرها من المستندات الرجالية.

أجل، ربما يمكن تصحيح تلك الأسانيد؛ طبقاً لرؤى أخرى؛ وذلك استناداً إلى ما ورد من توثيقات بشأن أولئك الرواة.

ولكنْ لكلٍّ رؤيته الرجالية حول أسانيد تلك الأحاديث، وموقفه في التقييم العلمي لها من حيث الصحّة والسقم. فلا يصح منطقياً فرض رؤية معيَّنة على الآخرين، ورمي رؤاهم بنعوتٍ غير لائقة([32])، بل لا بُدَّ من فتح ملفّ البحث مع كلّ رؤيةٍ علمية.

وإليك بيان بعض ما يمكن أن يورد على تلك الأسانيد من إشكالاتٍ وثغرات:

1ـ إنّ الحديث الأوّل الذي رواه مالك وقع في طريقه عروة بن الزبير([33]). وفيه مشكلتان:

الأولى: كونه متَّهماً بوضع الحديث. فقد روى ابن أبي الحديد المعتزلي، عن أبي جعفر الإسكافي ـ أحد شيوخ المعتزلة ـ، أنَّه قال: إنّ معاوية وضع [حمل] قوماً من الصحابة، وقوماً من التابعين، على رواية أخبار قبيحة في عليّ×، تقتضي الطعن فيه والبراءة منه، وجعل لهم على ذلك جَعْلاً يُرغَب في مثله، فاختلقوا له ما أرضاه. منهم:…، ومن التابعين: عروة بن الزبير…([34]).

وقد روى بعض روايات الطعن في عليّ×، ممّا تشمئزّ منه نفوس المؤمنين، وتقشعرّ منه جلودهم([35]).

الثانية: وهي أعقد من الأولى،  وهي أنّه كان ينصب العداء الشديد لأهل البيت^، ولا سيّما لعليّ×؛ بسبب الأحداث المرّة التي جَرَتْ في واقعة الجمل، من مقتل أبيه الزبير بن العوّام، وانكسار أمّ المؤمنين عائشة وفشلها، وهي خالته، فكيف يُطمأنّ إلى نقله للأحاديث، ولا سيّما المتعلّقة بأهل البيت^؟!

ومن الجدير بالذكر أنّ البيهقي قد أرسل هذا الحديث في موضعٍ عن أبي هريرة، ولم يسنده([36]). والظاهر أنَّه عوَّل على الأسانيد السابقة.

2ـ والحديث الثاني هو عين الحديث الأوّل.

3ـ والحديث الثالث قد وقع في طريقه عروة بن الزبير، الذي ناقشنا فيه في الحديث الأوّل.

4ـ والحديث الرابع في طريقه مشكلتان:

الأولى: في الراوي عن أبي هريرة، وهو أبو سلمة([37])؛ فإنّه:

1ـ كان من قضاة بني أمّية، المعروفين بشدّة العداء لأهل البيت^.

2ـ وكان ممَّنْ لا ينظر إلى أهل البيت^ بعين الودّ؛ لأسباب عائليّة وقبلية.

3ـ مضافاً إلى ما ورد في بعض الأخبار ممّا يُشعر بعدم الاطمئنان إلى نقله. كما ورد عنه ما يدلّ على اعتداده بنفسه وتزكيته لها، وأنّه كان مبتلى بالجَهْل المركَّب؛ فقد قال عمرو بن دينار: قال أبو سلمة: أنا أفقه مَنْ بال، فقال ابن عباس: في المبارك [أي المباول]، وتعجَّب من قوله. رواها ابن عيينة عنه.

وأيضاً رُوي عن الشعبي قال: قدم أبو سلمة الكوفة، فكان يمشي بيني وبين رجلٍ، فسئل عن أعلم مَنْ بقي، فتمنَّع ساعةً، ثم قال: رجلٌ بينكما([38]).

وحدَّث عبد الرزّاق، عن معمّر، عن الزهري: كان أبو سلمة ينازع ابن عبّاس في المسائل، ويماريه، فحُرِم علماً كثيراً([39]). فبلغ ذلك عائشة، فقالت لأبي سلمة، وهو حدث: إنّما مَثَلك مَثَل الفرّوج يسمع الدِّيَكة تصيح، فيصيح معها. وقد روى ذلك عمرو بن دينار([40]).

الثانية: في الراوي عن أبي سلمة، وهو محمد بن عمرو([41]). فقد نُقل عن يحيى بن معين قوله: كانوا يتَّقون حديثه([42]).

5ـ والحديث الخامس ينتهي بأكثر طرقه إلى مالك بن أوس بن الحدثان([43])، الذي كان متَّهماً بنظر البعض عموماً، أو في خصوص هذا الحديث:

فقد روى ابن عساكر، عن أبي القاسم السمرقندي، عن ابن مسعدة، عن أبي عمرو الفارسي، عن أحمد بن عدي، قال: سمعتُ عبدان يقول: قلتُ لابن خراش([44]): حديث «لا نورِّث، ما تركنا صدقةٌ»؟ قال: باطلٌ. قلتُ: مَنْ يتَّهم في هذا الإسناد، رواه الزهري وأبو الزبير وعكرمة بن خالد، عن مالك بن أوس بن الحدثان؟ أتتَّهم كلّ هؤلاء؟ قال: لا، إنَّما أتَّهم مالك بن أوس([45]).

وروى شريك بن عبد الله، عن عثمان بن عفّان، أنّه طعن في مالك، واتَّهمه بالتواطؤ. فقد قال في شجبه لأمّ المؤمنين عائشة: ولفَّقتما معكما أعرابيّاً يتطهَّر ببوله مالك بن [الحويرث]([46]) بن الحدثان، فشهدتُم أنّ النبيّ| قال: «إنّا معاشر الأنبياء لا نورِّث، ماتركناه صدقةٌ»، فإنْ كنتما شهدتما بحقٍّ فقد أجزتُ شهادتكما على أنفسكما، وإنْ كنتما شهدتما بباطلٍ…إلخ([47]).

والمستفاد من خبر عثمان ليس فقط الطعن في مالك الذي روى الحديث، بل الطعن في صدور الحديث من النبيّ|.

أجل، أرسله الهيثمي عن شيخٍ من قريش من بني تيم([48]).

ورواه أيضاً أبو داوود([49]) والبيهقي([50])، عن عمرو بن مرزوق، عن شعبة، عن عمرو بن مرّة، عن أبي البختري.

والمشكلة في هذا السند هو عمرو بن مرزوق الباهلي([51])، حيث كان صاحب غزو، أي إنَّه كان متخصِّصاً بالسِّيَر والمغازي، ولا خبرة له بالحديث. مضافاً إلى أنّه قد ضعَّفه جماعةٌ، كالعجلي([52]).

6ـ والحديث السادس ضعيفٌ بأبي الزناد([53])، الذي ضعّفه بعضٌ، ومنهم: مالك بن أنس، ولا سيما أنّ تضعيفه معلَّل بكونه كان صنيعةً لبني أمّية. فقد رُوي عن سفيان قال: جلستُ إلى إسماعيل بن محمد بن سعد فقلتُ: حدَّثنا أبو الزناد، فأخذ كفّاً من حصى فحصبني([54]). وقال يحيى: قال مالك بن أنس: أبو الزناد كان كاتب هؤلاء القوم، يعني: بني أمّية. وكان لا يرضاه([55]).

7ـ والحديث السابع وقع في سنده فضيل بن سليمان النميري، الذي ضعَّفه القوم؛ فقد قال النسائي: ليس بالقويّ([56]). وعن ابن معين: ليس بثقةٍ([57]). وعن أبي زرعة: هو ليِّن الحديث([58]).

8ـ والحديث الثامن في سنده إسماعيل بن عمرو البجلي، وقد ضعَّفه كثيرٌ من الرجاليّين، منهم: أبو حاتم، والدارقطني، وابن عقدة، والعقيلي، والأزدي([59]). وقال عنه الخطيب: وهو صاحب غرائب ومناكير، عن سفيان وعن غيره([60]).

والمتحصِّل أنّ أسانيد الأحاديث المتقدِّمة ـ بالنسبة إلى خصوص الرواة بالواسطة وغير المباشرين ـ لم تسلم من القدح، طبقاً لرؤيةٍ ولمبنى في التوثيق والقدح، فلا تصحّ دعوى المفروغيّة من صحّتها. بل يمكن لأحد أن يدَّعي الخَدْشة فيها، وعدم الاطمئنان بنقلها عن الصحابة، الذين هم الرواة المباشرين.

 

جواب السؤال الثاني

من خلال ما بيَّناه في الجواب عن السؤال الأوّل يتَّضح أنّ تلك الأحاديث تعتبر أحاديث آحاد ـ بلحاظ رواتها غير المباشرين ـ في كلّ طبقات رواتها، أو في بعضها.

ومن هنا يتجلّى أنّ دعوى تواترها هي دعوى جزافية، لا تستند إلى أيّ دليلٍ، طبقاً لجميع المباني الرجالية والحديثية. فحتى لو فُرض تصحيح أسانيدها فإنّها لا تخرج عن كونها أحاديث آحاد، كما هو واضحٌ.

جواب السؤال الثالث

أمّا الحديثان الأوّل والثاني فإنّ الراوي المباشر لهما هو عائشة أمّ المؤمنين، كما مرّ. قال ابن عبد البرّ: وكلّ أصحاب مالك روَوْه عنه كذلك، إلاّ إسحاق بن محمد الفروي فإنَّه قال فيه: عن أبي بكر الصدّيق، عن النبيّ|([61]).

وأورده الدارقطني في «الغرائب». وأشار إلى أنّ الفروي تفرَّد بزيادة أبي بكر في سنده [مسنده] ([62]).

أقول: سوف يتَّضح أنّ إسناد الحديث كان إلى أبي بكر، وأنّ عائشة أمّ المؤمنين لم تسمَعْه مباشرةً من النبيّ|، وإنّما سمعَتْه من أبيها، فأرسلته عن النبيّ|. وقد ذكر الحافظ ابن حجر ذلك ثاني الاحتمالين في سنده، وإنْ لم يرجّح أحدهما([63]). إلاّ أنّ هذا الاحتمال هو الأرجح في نظرنا؛ وذلك:

1ـ إنّ المنقول أنّ أوّل مَنْ طالب بالإرث هي السيّدة فاطمة الزهراء÷، سواء أكانت مطالبتها منفردة أو كان معها العباس، وقد ذكر الصحابيّ أبو بكر هذا الحديث جواباً لها. وكانت تلك الحادثة من الحوادث المهمّة التي حدثت أوائل خلافة أبي بكر. وقد شاع ذكرها في المجتمع الإسلامي، ولا سيّما المدني. وبعد وقوع هذه الحادثة بدأت أمّهات المؤمنين بالتفكير بالمطالبة بالإرث. فمن الطبيعي سماع أمّهات المؤمنين بتلك الحادثة، وما جرى فيها من حوارٍ، وما ذُكر فيها من أحاديث، والتي منها حديث «لا نورِّث»، الذي رواه أبو بكر.

2ـ كما أنّ ما جرى في تلك الواقعة من مطالبة السيدة فاطمة الزهراء÷ أبا بكر بإرثها من أبيها|، وادّعائه أنّ النبيّ قال: «لا نورِّث»، وما يمثِّل كلٌّ من المطالبة والردّ من أبعادٍ خطيرة؛ لأنّها تؤول إلى لوازم يستحيل أو يصعب الالتزام بها، ومنها: توجيه اتِّهام كبير للخليفة أبي بكر. وفي مثل هذه الحالة عادةً لا محيص من الإفادة من كافّة وسائل الإثبات المتاحة للدفاع عن الموقف المُحْرِج الذي اتَّخذه الخليفة تجاه مطالبة السيدة الزهراء÷، وكان عليه أن يبرِّئ ساحته ممّا رُمي به من هضم الحقّ بكلّ ما أوتي من قوّةٍ، ولا سيّما مع حدّة الموقف، وشدّة لحن الحوار الذي دار بين الطرفين، إلى حدٍّ وصل إلى المحاججة، وأغلظ كلٌّ منهما للآخر في الخطاب، بحيث انتهى في آخر المطاف إلى القطيعة بينهما والهجران. فلو كان ثمّة شخص واحد من الصحابة ـ عدا أبي بكر ـ قد سمع شيئاً من هذه الأحاديث من النبيّ| لاستدعاه الخليفة للإدلاء بشهادته، ولقطع دابر اللغط والقيل والقال، ولجَدَّ في طلب مَنْ سمع الحديث من النبيّ| من المسلمين، وأحضره للشهادة على ذلك، ولو بعد حينٍ لو فُرض أنّه قد فوجئ بتلك المطالبة، ولم تكن تسعفه وسائل الدفاع أو الإقناع حينها، أو لم تكن تحضره الحجّة القاطعة وقتها. فلو كانت السيّدة عائشة أمّ المؤمنين قد سمعَتْ الحديث من النبيّ| لما غاب عن أبيها توظيف هذا السند لإثبات حقّانيته؛ لكون الشاهد هو أمّ المؤمنين، التي يكون لشهادتها بالغ الأثر في مثل تلك الحال، ولما ضنَّتْ بالشهادة لو كانت قد طُلبَتْ منها.

وليُعلَمْ أنّ هذه الواقعة التي جَرَتْ أحداثها بهذا السياق التاريخي تعتبر من القرائن المهمّة والمؤثِّرة في تقييم هذه الطائفة من الأحاديث طُرّاً من ناحية السند، بل ومن ناحية المتن أيضاً.

3ـ إنّ أمّ المؤمنين عائشة هي نفسها إحدى رواة حديث مطالبة السيّدة الزهراء÷ بإرثها من أبيها|، كما مرّ في الحديث الثالث. وقد اشتملت تلك القصة على رواية أبي بكر لحديث «لا نورِّث». فمن المظنون قويّاً ـ بل من المطمأنّ به ـ كونها روَتْ ما سمعَتْه من أبي بكر، ولم تكن قد سمعَتْ من النبيّ| بصورةٍ مباشرة.

لكنْ لو كان الحديث مرويّاً عن عائشة أمّ المؤمنين بلفظ (سمعتُ) ونحوه، ممّا هو صريحٌ في السماع المباشر من النبيّ| ـ كما ورد عن أبي بكر بهذا اللفظ في بعض النقول ـ، لربما كان مثل هذا الاحتمال في كيفية نقل الحديث هنا مستبْعَداً.

ومن هنا جعل الحافظ حديث مطالبة السيدة الزهراء÷ مؤيِّداً وموافقاً لهذا الحديث، برواية الفروي الذي أسنده إلى أبي بكر([64]).

أجل، ورد في رواية الطبراني: …قالت عائشة: …فقلت: ألا تتَّقين الله، ألم تسمَعْنَ رسول الله| يقول: «إنّا لا نورِّث». والحديث بهذا اللفظ ظاهرٌ في سماع أمّهات المؤمنين ذلك من النبيّ| سماعاً مباشراً، ولا سيّما مع ملاحظة التعبير بالفعل المضارع (يقول).

أقول: إنّه يمكن التعليق بأنّه لا مناص من رفع اليد عن هذا الظهور، بل والمناقشة فيه؛ وذلك:

1ـ إنّ الحديث مبتورٌ لم ينقل الأحداث والحوار بشكلٍ كامل. فلم ينقل موقف أمّهات المؤمنين بعد هذا الكلام، وما هو جوابهنّ لعائشة. فيحتمل سكوتهنَّ أو تأييدهنَّ أو ردّهنَّ.

وعليه فلا ظهور للحديث في سماعهنَّ الحديث مباشرة.

2ـ إنّه لا يمكن الالتزام بكون أمّهات المؤمنين قد سمعنَ حديث نفي الإرث من النبيّ| مباشرة؛ فإنّ لازمه اتّفاق الجميع ـ عدا عائشة ـ على مخالفة أمر النبيّ|، وتواطئهنّ على ذلك مع عثمان، الذي ليست له أيّ مصلحة شخصية في حصولهنَّ على شيءٍ من إرث النبيّ| أو عدم حصولهنّ. وهذا أمرٌ من المستبعد التسليم به، بل ممّا يطمأنّ بعدمه.

3ـ ورد في بعض الروايات أيضاً أنّ عائشة أمّ المؤمنين نفسها كانت قد تقدّمت بالمطالبة بإرثها من النبيّ|، لكنْ بعد حين، وذلك في زمان خلافة عثمان بن عفّان([65]). فلو كانت سامعةً لهذا الحديث منه| مباشرةً فلا وجه لتعقُّل تلك المطالبة.

4ـ من المستبعد جدّاً تفرُّد عائشة بسماع الحديث من النبيّ، دون نظيراتها من أمّهات المؤمنين، ولا سيّما أنّ الحديث يتعلَّق بهنَّ ويهمّهنّ جميعاً.

وأمّا الحديثان الثالث والرابع فهما مسندان إلى أبي بكر، الراوي المباشر عن النبيّ|.

وأمّا الحديث الخامس فقد يُتصوَّر أنّه دالٌّ صريحاً على سماع جميع مَنْ حضر مجلس المرافعة عند الخليفة عمر بن الخطّاب، وهم: المترافعان عليّ بن أبي طالب والعبّاس بن عبد المطّلب، والرهط عثمان بن عفّان وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوّام وسعد بن أبي وقّاص([66])، ولا سيما مع مناشدة عمر لهم، حيث قال: أنشدكم باللهِ الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، هل تعلمون أنّ رسول الله| قال: «لا نورِّث، ما تركنا صدقةٌ»، يريد رسول الله| نفسه، فقال الرهط: قد قال ذلك، فأقبل على عليٍّ وعبّاس فقال: هل تعلمان أنّ رسول الله| قال ذلك؟ قالا: قد قال ذلك.

لكنْ يَرِدُ على هذا التفسير للحديث:

1ـ رغم كون المناشدة حاسمة إلاّ أنّ التعبير الذي وردَتْ به هو (هل تعلمون) و(هل تعلمان). وهو ـ كما ترى ـ تعبيرٌ غير معيِّن لسبب حصول العلم، وهل هو السماع المباشر من النبيّ| أو السماع عنه بالواسطة. فلا تنعقد لهذا الحديث أيّ دلالة على كون أولئك النفر قد سمعوا الحديث من النبيّ| مباشرة.

2ـ إنّ أحد أولئك الرهط هو عثمان بن عفّان، وهو ممَّنْ لم يسمع الحديث من النبيّ| بشكل مباشر قطعاً؛ وذلك:

1ـ إنّ الوارد في حديث عائشة المتقدِّم أنّ أمّهات المؤمنين كنَّ قد انتخَبْنَه رسولاً إلى أبي بكر؛ ليطالب بإرثهنَّ من النبيّ| بالوكالة، فكيف يتناسب ذلك مع كونه سمع مباشرةً من النبيّ| حديث نفي الإرث؟!

2ـ لقد رُوي عن عثمان بن عفّان ـ عندما طالبَتْه بإرثها من النبيّ| أيّام خلافته ـ تصريحه بردّ هذا الحديث، حيث طعن فيه، واتَّهم راويه بالتواطؤ([67]). وكان لذلك الردّ للحديث من قِبَل عثمان، وشجبه لأمّ المؤمنين عائشة، التأثير الكبير على برودة العلاقة بينهما، بل على إعلان عائشة معارضتها وتحريضها عليه، ونبزها له، ونعتها إيّاه بما لا يليق.

أقول: ولعلَّه لمعروفية موقف عثمان السلبي من حديث نفي الإرث يلاحظ في بعض روايات حديث ابن الحدثان أنَّه جعل بدل (عثمان) (طلحة)، ودُلِّس في الحديث([68]).

3ـ كما أنّ محور القصّة المنقولة في هذا الحديث هو المنازعة بين عليٍّ وعباس على ميراث النبيّ|، فكيف يتلاءم هذا مع كونهما كانا قد سمعا الحديث من النبيّ|، ولو بالواسطة، فضلاً عن سماعهما منه مباشرة، كما هو المدَّعى؟!

هذا، مع قطع النظر عن اشتمال متن الحديث على مضامين غير مقبولة بحالٍ، كما سيأتي بيان ذلك بشيء من التفصيل.

وأمّا سائر الأحاديث فيظهر الحال فيها:

1ـ ممّا تقدَّم في النقطة الأولى لدى الكلام حول الحديث الأوّل، حيث ذكرنا قرينة هامّة، ألا وهي شيوع قصّة مطالبة السيدة الزهراء÷ أبا بكر بإرثها من أبيها|، وردّه لها بحديث «لا نورث»؛ إذ بعد وقوعها وشيوعها بدأت ظاهرة رواية الصحابة لهذا الحديث، وأمّا قبلها فلا عين له ولا أثر.

2ـ ممّا مرّ في النقطة الثانية، من توفُّر الدواعي الكثيرة والملحّة لرواية هذا الحديث ونقله من قِبَل الصحابة الذين سمعوه مباشرة من النبيّ|، وإقامة الشهادة بالحقّ؛ نظراً لوقوع الاختلاف الحادّ بين السيدة الزهراء÷ وبين الخليفة، وما ينطوي عليه ذلك الاختلاف من أبعاد خطيرة.

3ـ ممّا ذكرناه أيضاً في النقطة الثالثة، من عدم ورود تلك الأحاديث بلفظ (سمعتُ) ونحوه، ممّا هو صريح في السماع المباشر من النبيّ| ـ كما ورد عن أبي بكر بهذا اللفظ في بعض النقول ـ، حتّى يُستبعَد السماع عن النبيّ| بالواسطة؛ فإنّ الوارد لفظ (قال) ونحوه. وهذا اللفظ وإنْ كان ظاهر سياقه دالاًّ على النقل المباشر عن النبيّ|، لكنّنا نصرفه عن ظاهره؛ بحسب مقتضى القرينة المتقدّمة.

4ـ بل حتّى لو فُرض ورود التعبير بلفظ (سمعتُ) ونحوه، ممّا هو صريح في الدلالة على كون السماع من النبيّ| مباشرةً، فإنّه لا بُدَّ من تأويلها إلى السماع عن النبيّ| بالواسطة؛ وذلك بلحاظ القرائن الحالية المتقدّمة، التي توجب القطع بانحصار السماع المباشر بالصحابيّ أبي بكر فقط وفقط.

5ـ ثمّ إنّ اختلاف التعبير في نقل الحديث لا يدلّ على تكرُّر سماع أبي بكر هذا الحديث من النبيّ| لأكثر من مرّة؛ فإنّه ممّا يستبعد جدّاً ـ بل يُطمأنّ بعدمه ـ، ولا سيّما إذا لاحظنا ظاهرة انحصار النقل المباشر عن النبيّ| به، وهذا ما يرجّح فرضية كون المنقول عن النبيّ| ليس نقلاً حرفيّاً، بل هو منقولٌ بالمعنى. فلا تعدّد في حديث نفي الإرث، سواء أكان بصيغة «لا نورِّث» أو بصيغة «لا يقتسم ورثتي ديناراً». بل سيأتي أنّ بعض المحقِّقين ـ كالقرطبي ـ يرى أنّ أبا بكر لم يسمع هذا البيان من النبيّ|، لا بهذه الألفاظ ولا ما يشابهها، وإنّما استنبط ذلك من بيانٍ آخر صدر من النبيّ|.

فتحصَّل أنّ هذه الأحاديث وإنْ تعدّد رواتها المباشرون بحسب الظاهر، إلاّ أنّه يتّضح ـ بعد التأمُّل ـ انحصارُهم في راوٍ واحد لا أكثر، وهو الصحابيّ أبو بكر.

وعليه فيتمّ القول بكون حديث «لا نورِّث» هو خبرُ واحدٍ، حتى أنّ بعض الأصوليّين استدلّ في بحث حجّية خبر الواحد، وفي بحث جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد، برواية الصحابيّ الواحد، ومثَّلوا له بحديث «لا نورِّث»([69]). وليس هو من قسم الخبر المستفيض، فضلاً عن دعوى كونه من المتواتر بالنسبة إلى الصحابة، كما زعمه بعضٌ، كالباجي.

وإذا ثبت كونه خبر آحاد إذن يمكن البحث في مدى حجّيته شَرْعاً لإثبات الأحكام الشرعية.

 

البحث الثاني: في حجّية حديث «لا نورِّث» بلحاظ كونه خبر آحاد

1ـ وليُعلَمْ أنّه لم يَرِدْ في الأدلّة اللفظية عنوان (أنّ خبر الواحد حجّة)، حتّى ندور مدار العنوان المأخوذ في لسان الدليل اللفظي وجوداً وعدماً، فهو ليس نظير عنوان (الصعيد) المأخوذ في دليل التيمّم، كي يُقال: متى ما صدق الصعيد ساغ التيمُّم به؛ فإنّ خبر الواحد عنوان منتزَعٌ من الأدلّة. هذا من جهةٍ.

ومن جهة أخرى إنّ حجية خبر الواحد بالرغم من أنّها مستفادة من الأدلّة الشرعية ـ لفظية وغير لفظية ـ، إلا أنّها ليست أمراً تعبّدياً صِرْفاً أسَّسه الشارع، بل هو أمرٌ عقلائيّ، أمضَتْه الشريعة، ومشى الشارع المقدَّس في إيصال أحكامه على طريقة العقلاء المعتمدة عندهم. والعقلاء إنّما يعتمدون على خبر الواحد بلحاظ كاشفيته نوعاً عن الواقع الذي أخبر عنه، فتدور الحجّية معها حيثما دارت. فحين يكون ثمّة نقص أو تشكيك في هذه الكاشفية لا يُعلَم حينئذٍ حجّية إخبار الواحد.

وليس مرادنا الكاشفية الشخصية، بل مرادنا الكاشفية النوعية، أي إنّ العقلاء نوعاً يتردَّدون في قبول الخبر والاعتماد عليه فيما لو كان ناقل الخبر مشكوكاً في نقله؛ لأيّ سبب كان، ولا سيّما إذا كان الناقل ينقل خبراً لصالحه، وخاصّة إذا كان طَرَفاً في خصومةٍ. ومن هنا نرى الرجاليّين وعلماء الجرح والتعديل لا يبنون على رواية تزكّي راوياً ينقلها الراوي نفسه.

ربما يُقال: إنّ حجّية خبر الواحد نظير حجّية شهادة الشاهد في باب القضاء، فإنّ الشاهد إذا كان واجداً لشرائط الشهادة تكون شهادته معتَبَرة شَرْعاً، ولا أثر للتشكيك ـ سواء أكان شخصياً أو نوعياً ـ في صحّة ما يشهد به.

والجواب: إنّ الفرق بين البابين شاسع؛ إذ إنّ عنوان (الشاهد) قد ورد في لسان الأدلّة الشرعية، وقد تعبَّدنا به الشارع، وإنْ كان لذلك جذورٌ عقلائية، فيكون معتبراً مطلقاً، إلا في الموارد المستثناة. ولا قيمة للشكّ البتّة؛ فإنّ للشارع نظراً خاصّاً في كيفية القضاء، وطرق الإثبات، وله ملاكاته في فصل الخصومات، بخلاف باب خبر الواحد الذي هو أمرٌ عقلائيّ بَحْت، وليس للشارع فيه نظر خاصّ، في مقابل طريقة العقلاء في تعويلهم في شؤونهم الحياتية المختلفة على إخبار الواحد، وكون الملاك في ذلك عندهم هو محض كاشفيّته عن الواقع ليس إلاّ. ولذا تنهدم حجّيته بمجرّد الشكّ في تلك الكاشفية النوعية، وإنْ لم يقطعوا بكذبه ومخالفته للواقع.

ومن هنا جنح بعض الأصوليين إلى تبنّي موقفٍ آخر تجاه حجّية خبر الواحد، وقد تمثَّل ذلك في اتّجاهين:

الأول: الذي يرى بأنّ الحجّية تدور مدار الوثوق بصدور الخبر، حتّى ولو كان الراوي غير ثقة.

الثاني: الذي لا يرى حجّية خبر الواحد مطلقاً، بل إنّ الحجّية تثبت لخصوص الخبر المقطوع صدوره، مهما كان منشأ القطع.

ولسنا في صدد البحث في ترجيح أيٍّ من الاتجاهات هنا، وإنّما نريد بيان أنّ هذه الاتّجاهات تنطلق ممّا هو مرتكز في أذهان المتشرِّعة من أنّ الملاك هو الكاشفيّة.

إذن فعندما يكون ثمّة شكّ في كاشفيّة خبرٍ من أخبار الآحاد نوعاً فسوف تتزعزع هذه الكاشفية، وبالتالي تتزعزع حجّيته؛ لابتنائها عليها.

وبالنسبة إلى ما نحن فيه، وهو حديث «لا نورِّث»، لو ادّعى أحد الفقهاء التشكيك فيه؛ من خلال إبراز بعض القرائن الحاليّة الخاصّة أو العامّة، ودراسة الظروف الموضوعية التي رُوي فيها، فسوف تكون النتيجة هي عدم حجّيته بالنسبة إليه.

ثمّ إنّ عدم الحجّية لا يساوق بالضرورة كذب المُخْبِر واتّهامه بالوضع، فإنّ دعوى ذلك ـ مضافاً إلى كونه خارجاً عن مسؤوليّة الفقيه ـ بحاجة إلى مُثبِتات علمية ومسوِّغات شرعية، فإنّ هناك ما لا يُعَدّ ولا يُحصى من الأسباب الكامنة وراء ظاهرة عدم نقل الخبر كما صدر من النبيّ|؛ إذ لعلّ الناقل اشتبه في السماع، أو لعلّه نسي، أو لعلّه نقل المضمون وأخطأ في الفهم، أو لعلّ المنقول كان حكماً مستنبطاً من قِبَل الناقل ومستفاداً من نصٍّ شرعيّ، أو لعلّ حال الناقل وظروفه لم تكن اعتياديّة، كما لو كان في حالة غضب وخصومة أو كان خائفاً ومجبراً.

وإنّما أنبِّه على ذلك من أجل أنْ لا ينجرّ الباحث بهذا الشأن إلى المهاترات والاتّهامات والخروج عن منطق البحث العلميّ.

2ـ ثمّ إنّ القرائن المشكِّكة التي يمكن إثارتها تجاه النقل لهذا الحديث ما يلي:

1ـ قبل كلّ شيء لا بُدَّ من ملاحظة مدى تأكّد الخليفة أبي بكر نفسه من صحّة الحديث الذي زعم دلالته على نفي توريث التركة النبوية، واطمئنانه إلى سماع ذلك من رسول الله|، وثباته عليه.

ويُمكننا فهم ذلك ممّا تُحدِّثنا به الروايات والنقول التاريخية. وهي وإنْ أمكن المناقشة في بعضها، لكنّها بمجموعها يمكن أن تُثير الشكّ في كون أبي بكر كان واثقاً تمام الوثوق بسماعه حديث نفي الإرث من رسول الله|. ومنها:

أـ رُوي أنّ الخليفة أبا بكر سلَّم فَدَكاً للزهراء÷، وكاد الأمر أن يتمّ لولا أن تدخَّل عمر واعترض عليه، قائلاً له: ما هذا؟ فقال له: كتاب كتبتُه لفاطمة بميراثها من أبيها، فقال: ماذا تُنفق على المسلمين وقد حاربَتْك العَرَب كما ترى؟! ثمّ أخذ الكتاب فشقَّه([70]).

ب ـ إظهار الخليفة أبي بكر الندم ساعة وفاته على عدم تسليم فدك لفاطمة÷([71])، وقد بلغ به التأثُّر حيناً أنْ قال للناس، وقد اجتمعوا حوله: أقيلوني بَيْعتي.

وفي ذلك يقول الشهيد الصدر: «وندرك من هذا أنّ الخليفة كان يطوي نفسه على قلقٍ عظيم، مردُّه إلى الشعور بنقص مادّي في حكمه على فاطمة÷، وضعف المدرك الذي استند إليه»([72]).

ج ـ ولا ننسى أنّ أبا بكر أوصى([73]) أنْ يُدفن إلى جوار رسول الله|، ولا يصحّ ذلك إلاّ إذا كان قد عدل عن اعتبار روايته مَدْرَكاً قانونياً في الموضوع، واستأذن ابنته في أن يدفن في ما ورثته من أرض الحُجْرة ـ إذا كان للزوجة نصيبٌ في الأرض، وكان نصيب عائشة يَسَع ذلك ـ. ولو كان يرى أنّ تركة النبيّ| صدقةٌ مشتركة بين المسلمين عامّة للزمه الاستئذان منهم. وهَبْ أنّ البالغين أجازوا ذلك فكيف بالأطفال والقاصرين ممَّنْ كانوا في ذلك الحين؟!([74]).

د ـ ونحن نعلم أيضاً أنّ الخليفة لم ينتزع من نساء النبيّ بيوتهنَّ ومساكنهنّ التي كنَّ يسكنَّ فيها في حياة رسول الله|. فما عساه أن يكون سبب التفريق الذي أنتج انتزاع فدك من الزهراء، وتخصيص حاصلاتها للمصالح العامّة، وإبقاء بيوت نساء النبيّ| لهنّ يتصرَّفْنَ فيها كما يتصرَّف المالك في ماله، حتّى تستأذن عائشة في الدفن في حجرتها؟! أكان الحكم بعدم التوريث مختصّاً ببضعة النبيّ| أو إنّ بيوت الزوجات كانت نحلةً لهنّ؟ فلنا أن نستفهم عما أثبت ذلك عند الخليفة، ولم تقُمْ بيّنة عليه، ولا ادَّعَتْه واحدة منهنّ. وليست حيازتهنّ للبيوت في زمان رسول الله| شاهداً على ملكيتهنَّ لها؛ لأنّها ليست حيازة استقلالية، بل من شؤون حيازة النبيّ|، ككلّ زوجة بالنسبة إلى زوجها. كما أنّ نسبة البيوت إليهنّ في الآية الكريمة: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ (الأحزاب: 33) لا يدلّ على ذلك؛ لأنّ الإضافة يكفي في صحّتها أدنى ملابسة، وقد نُسبت إلى النبيّ| في القرآن الكريم بعد تلك الآية بمقدارٍ قليل؛ إذ قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ (الأحزاب: 53). فإذا كان الترتيب القرآني حجّةً لزم الأخذ بما تدلّ عليه هذه الآية. وورد في صحاح السنّة عن رسول الله| إسناد البيت إليه في قوله: «إنّ ما بين بيتي ومنبري روضةٌ من رياض الجنّة»([75]).

2ـ إنّ الخليفة الأوّل هو راوٍ، وهو مدَّعٍ وطَرَف في الدعوى، في آنٍ واحد. وليس له دليل في تلك الدعوى سوى هذا الحديث، الأمر الذي يثير الشكّ، ويدعو إلى التوقّف في قبولها؛ لأنّها رُويت في ظروفٍ غير اعتيادية؛ نظراً لروايته هذه الرواية بعد وقوع الخصومة، لا قبلها.

3ـ لو كان مثل هذا المضمون صادراً عن النبيّ| فكيف يبيِّنه لأبي بكر، مع عدم حاجته إليه؛ لعدم كونه محلاًّ لابتلائه، فإنّه ليس وارثاً للنبيّ|، ولم يبيِّنه لوَرَثته؟! بل كان ينبغي للنبيّ| ـ بل يجب عليه ـ أن ينبِّه أهل بيته وعترته وبنته وأزواجه على ذلك، وإلاّ لسبَّب السكوت الإغراء بالمعصية، والتقصير في أمر تبليغ الرسالة؛ باعتبار أنّ الأمر يخصُّهم بالذات، وهو محلّ ابتلائهم؛ ولأنّ جهلهم بهذا الحكم سيبعث على اختلاف الأمّة. وفي ذلك يقول الشهيد الصدر: «هل يمكننا أن نقبل أنّ رسول الله| يجرّ على أحبِّ الناس إليه، وأقربهم منه، البلايا والشدائد، وهي التي يغضب لغضبها، ويسرّ لسرورها، وينقبض لانقباضها([76]). ولم يكن ليكلّفه دفع هذه المحن عنها أكثر من إعلامها بحقيقة الأمر؛ لئلاّ تطلب ما ليس لها بحقّ. وكأنّ رسول الله| لذَّ له أن تُرزى ابنته، ثمّ تتّسع هذه الرزيّة فتكون أداة اختلاف وصخب بين المسلمين عامّة، وهو الذي أرسل رحمةً للعالمين، فبقي مُصِرّاً على كتمان الخبر عنها، مع الإسرار به إلى أبي بكر؟!»([77]).

4ـ ثمّة تساؤلات حَرِجَة تواجه هذا الحكم المستغرَب في نفسه. ومن هذه التساؤلات ما يلي: إنْ كان الحكم بعدم التوريث خاصّاً بالنبيّ| فحَسْب، دون سائر الأنبياء^، فلِمَ لم يُبلِّغه لورثته؟! وإنْ كان عامّاً فلِمَ أهمل الرُّسُل السابقون تبليغه للناس، وتعريف ورثتهم به؟! أو أنّ الحكم بعدم توريث الأنبياء^ الذي ذهب إليه الخليفة ممّا اختزنه الوحي لخاتم المرسلين|، واقتضت المصلحة تأخير بيانه عن وقت الحاجة، فلم يطّلع عليه أحدٌ من أنبياء الله^ قبله|؟! أو أنّ المصلحة الإلهية اقتضت إجراءَه على ابنته الصدّيقة÷ دون سائر ورثة الأنبياء^؟! أو أنّهم كانوا قد انتهجوا هذا الطريق، ونفّذوا الحكم بعدم التوريث، ومع ذلك لم يُؤثَر في التواريخ جميعاً؟! أو أنّ هناك عللاً وأسباباً أخرى وراء ذلك؟!([78]).

5ـ قد دلّت كافّة الدلائل التاريخية على أنّ جميع أزواج النبيّ| ـ بالإضافة إلى فاطمة÷ ـ قد طالبْنَ أبا بكر بحقهنَّ من الإرث، باستثناء أمّ المؤمنين عائشة([79])، بل نُقِل مطالبتُها بالإرث زمن خلافة عثمان، كما سيأتي.

6ـ لقد أفاد العلاّمة الحلّي بأنّ أبا بكر فعل بخلاف ما يتضمَّنه حديث «لا نورِّث، ما تركنا صدقةٌ». فقد ناقض فعله أيضاً هذه الرواية؛ لأنّ أمير المؤمنين× والعبّاس اختلفا في بغلة رسول الله| وسيفه وعمامته، وحكم بها ميراثاً لأمير المؤمنين×، ولو كانت صدقةً لما حلّت على عليّ×، وكان يجب على أبي بكر انتزاعها منه([80]).

وروى أحمد في مسنده، عن إسماعيل بن رجاء، عن عمير ـ مولى العبّاس ـ، عن ابن عبّاس قال: لمّا قُبض رسول الله|، واستُخلف أبو بكر، خاصم العباس عليّاً في أشياء تركها رسول الله|، فقال أبو بكر: شيءٌ تركه رسول الله| فلم يحرِّكه، فلا أحرّكه…الحديث([81]).

وروى ابن أبي الحديد، عن أبي بكر الجوهري، عن الضحّاك، عن هشام بن محمد، عن عوانة بن الحكم، عن أبي بكر أنّه قال: أمّا بعد فقد دفعتُ آلة رسول الله| إلى عليّ…الحديث([82]).

أقول: والغريب أنّه قد ورد في تتمّة هذا الحديث نفسه مسألة نفي الإرث، حيث عطف أبو بكر على ما تقدَّم القول: وأمّا ما سوى ذلك فإنّي سمعتُ رسول الله| يقول: «إنّا معاشر الأنبياء لا نورِّث…»([83])، ولم يقُلْ: إنّني خوَّلتُ علياً باعتباري وليّ الأمر بعد النبيّ|، بل عدَّها خارجةً عن الأموال العامّة.

7ـ لقد ورد في بعض النقول للحديث أنّه ورد فيه تتمّة: «إنّا معاشر الأنبياء لا نورِّث ذهباً ولا فضّة، ولا أرضاً ولا عقاراً ولا داراً، ولكنّا نورِّث الإيمان والحِكْمة والعلم والسنّة»([84]). فبناءً على وجود هذه الفقرة ينفي الحديث نفسَه بنفسه. وهذا غير معقول؛ إذ إنّ مفاد الحديث كما فهمه الخليفة الأول يثبت أنّ أهل بيت النبيّ| قد ورثوا منه علمه وحِكْمته، فكيف يكونون جاهلين بما صدر عن مورِّثهم، وهو رسول الله|؟!

فكلُّ ما يقوله أهل البيت^ من نقلٍ لحديث أو ردٍّ له أو بيان له يجب اتّباعهم، بل يدلّ هذا الحديث على حصر العِلْم النبويّ بهم فقط وفقط، وإلاّ فلا معنى لوراثة النبيّ| حينئذٍ.

8ـ قد ردَّ هذا الحديث عددٌ من الصحابة الكبار، كالإمام عليّ× والعبّاس والسيّدة فاطمة الزهراء÷. وقد أشار مسلم إلى ذلك في صحيحه، في كتاب الجهاد والسير، حيث ورد في حديث مالك بن أوس، وفيها قول عمر: فقال أبو بكر: قال رسول الله|: «لا نورِّث، ما تركنا صدقةٌ»، فرأيتماه كاذباً آثماً غادراً خائناً… وأنا وليّ رسول الله| ووليّ أبي بكر، فرأيتماني كاذباً آثماً غادراً خائناً…([85]). وأيضاً ورد في حديث عائشة: فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة شيئاً، فوجَدَتْ فاطمة على أبي بكر في ذلك، فهجَرَتْه فلم تكلِّمْه حتّى توفِّيت([86]).

وهؤلاء نفَوْا صدور الحديث، لا أنّهم نفَوْا سماعه فقط، وإلاّ لا معنى لأن يردّ شخصٌ حديثاً لم يسمعه، ولا سيّما إذا كان عالماً، ولا سيّما الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب× الذي كان أعلم الصحابة بالكتاب والسنّة، الذي يكون نفيه للحديث بأيّ صيغة كانت كاشفاً عن نفيه لصدوره. بل ورد عن أهل البيت^ الردّ الشديد، وبيان مخالفته لحكم الله وكتابه.

ثمّ كيف يسوغ شرعاً للمؤمن تكذيب مَنْ نقل له حديثاً لم يسمَعْ به من قبل وتخوينه وتأثيمه؛ بسبب عدم سماعه للحديث قبل هذا النقل؟!

 

ـ يتبع ـ

الهوامش:

(*) أستاذٌ في الحوزة العلميّة، ورئيس تحرير مجلّة فقه أهل البيت^، من العراق.

([1]) كما جاء في الآيتين من: آل عمران: 41؛ مريم: 10.

([2]) السرخسي، المبسوط 12: 30.

([3]) انظر: الكاندهلوي، أوجز المسالك إلى موطّأ مالك 15: 324.

([4]) برّاج، أحكام الميراث في الشريعة الإسلامية: 261.

([5]) انظر: الشربيني، الإقناع في حلّ ألفاظ أبي شجاع 2: 50؛ البكري الدمياطي، حاشية إعانة الطالبين 3: 263؛ علاء الدين، تكملة حاشية ردّ المحتار 1: 361.

([6]) أحكام الميراث في الشريعة الإسلامية: 261.

([7]) انظر: أوجز المسالك الى موطّأ مالك 15: 318 ـ 326، فإنّه وإنْ تورّط أحياناً في عدم الفصل في الاستدلال، لكنّه عقد لإرث نبينا| بحثاً، ولسائر الأنبياء^ بحثاً آخر، في ذيل البحث الأوّل.

([8]) صحيح البخاري 3: 85، 8: 5، 11؛ مسند أحمد 2: 456، 4: 133؛ سنن أبي داوود 2: 19، ح2955؛ البيهقي، السنن الكبرى 3: 214، 6: 201، 351؛ تذكرة الفقهاء 14: 281؛ مستدرك الوسائل 17: 207، باب 2 من أبواب ولاء ضمان الجريرة والإمامة، ح1.

([9]) الطبرسي، الاحتجاج 1: 138.

([10]) الموطّأ 2: 993، ح27؛ صحيح البخاري 5: 24 ـ 25، 8: 5؛ صحيح مسلم 5: 153؛ سنن أبي داوود 2: 25، ح2976، 2977؛ البيهقي، السنن الكبرى 6: 299، 301؛ النسائي، السنن الكبرى 4: 66، ح6311.

([11]) صحيح البخاري 8: 3.

([12]) صحيح البخاري 4: 42، 209 ـ 210، 5: 82، 8: 3؛ صحيح مسلم 5: 153 ـ 154، 155. مسند أحمد 1: 4، 6، 9، 10، 13، 2: 353؛ سنن أبي داوود 2: 23، ح2968، 2: 24، ح2973؛ سنن الترمذي 3: 81 ـ 82، ح1658. سنن النسائي 7: 132 ـ 133؛ البيهقي، السنن الكبرى 6: 300، 301، 302، 303، 7: 64 ـ 65، 10: 143.

أقول: لقد رويت قصة مطالبة السيدة الزهراء÷ بإرثها بصيغ مختلفة، إحداها: ما أوردناه؛ وفي بعضها لم يُذكَر العباس معها؛ وفي بعضها أنّ فاطمة÷ لم تأتِ إلى أبي بكر، وإنّما أرسلت إليه، كما أنّها اشتملت على مضمونٍ مخالف لحديث «لا نورِّث، ما تركناه صدقةٌ»، كما سيأتي في حديث أبي الطفيل.

([13]) مسند أحمد 1: 10؛ البيهقي، السنن الكبرى 6: 302؛ سنن الترمذي 3: 81، 1658، مع اختلاف في اللفظ.

([14]) يرفأ: اسم حاجب عمر بن الخطاب، وهو من مواليه، أدرك الجاهلية، وقد حجّ مع عمر بن الخطاب في خلافة أبي بكر الصديق، ويقال بأنّه عاش إلی خلافة معاوية بن أبي سفيان.

([15]) الرهط: الجماعة، من ثلاثة إلی ما دون العشرة.

([16]) الفَيْء: الغنيمة بلا قتال.

([17]) حاز الشيء واحتازه إذا ضمَّه إليه دون الآخرين.

([18]) صحيح البخاري 4: 43، 5: 23، 6: 190، 8: 4، 146؛ صحيح مسلم 5: 151 ـ 152؛ مسند أحمد 1: 25، 47، 48، 49، 60، 162، 179، 191، 208؛ البيهقي، السنن الكبری 6: 297 ـ 298، 299، 7: 58 ـ 59، 10: 102؛ سنن أبي داوود 2: 20، ح2963، 2964، 2965؛ سنن الترمذي 3: 82، ح1659؛ النسائي، السنن الكبری 7: 136.

([19]) الموطّأ 2: 993، ح28؛ صحيح البخاري 3: 197، 4: 45، 8: 4؛ صحيح مسلم 5: 156؛ مسند أحمد 2: 242، 376، 464؛ البيهقي، السنن الكبری 6: 299، 302، 7: 65؛ سنن أبي داوود 2: 25.

([20]) فضيل بن سليمان، أبو سليمان، النميري، بصري. مات سنة ستّ وثمانين ومئة. [النسائي، كتاب الضعفاء والمتروكين: 227، رقم494؛ ابن حِبّان، الثقات 7: 316 ـ 317].

([21]) الموطّأ 2: 993؛ صحيح البخاري 3: 197، 4: 45، 8: 4؛ صحيح مسلم 5: 156؛ مسند أحمد 2: 376؛ البيهقي، السنن الكبری 6: 302؛ الطبراني، المعجم الأوسط 5: 157؛ الهيثمي، مجمع الزوائد 9: 40.

([22]) إسماعيل بن عمرو بن نجيح البجلي، كنيته أبو إسحاق. من أهل الكوفة، سكن إصبهان. ولد سنة بضع وثلاثين ومئة. توفّي سنة سبع وعشرين ومئة. [ابن حبّان، الثقات 8: 100؛ ابن حيّان، طبقات المحدّثين بإصبهان 2: 71، رقم98؛ سير أعلام النبلاء 10: 435، رقم136].

([23]) الموطّأ 2: 993، ح 27؛ صحيح البخاري 3: 197، 4: 45، 8: 4؛ صحيح مسلم 5: 156؛ مسند أحمد 2: 376؛ المعجم الأوسط 5: 157؛ مجمع الزوائد 9: 40.

([24]) أحكام الميراث في الشريعة الإسلامية: 262، 263 ـ 264.

([25]) الإقناع في حلّ ألفاظ أبي شجاع 2: 50؛ وانظر: حاشية إعانة الطالبين 3: 263.

([26]) تكملة حاشية ردّ المحتار 1: 361.

([27]) أحكام الميراث في الشريعة الإسلامية: 264.

([28]) المصدر نفسه.

([29]) أقول: لقد فحصت كثيراً في كتب الحديث وغيرها فلم أعثر على نصّ الحديث الذي رواه أبو الدرداء، ولا على ما يثبت أنّه كان من رواة حديث «لا نورِّث»، والله أعلم.

([30]) انظر: أحكام الميراث في الشريعة الإسلامية: 271 ـ 272.

([31]) انظر: المصدر السابق: 273.

([32]) من ذلك ما تفوّه به الباجي في مسألة عدم إرث الأنبياء^ من نعت الإمامية بنعوتٍ قاسية. قال: والذي أجمع عليه أهل السنّة أنّ حكم جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وقال ابن علية: إنّما ذلك لنبيّنا| خاصة. وقالت الإمامية: إنّ جميع الأنبياء يورِّثون، وتعلَّقوا في ذلك بأنواع من التخليط لا شبهة فيها، مع ورود هذا النص عن النبيّ| على وجهه. [الباجي، المنتقى: شرح موطّأ مالك 9: 500].

أقول: والعجيب من هذا الرجل أنّه لم ينقل عن مصادر الإمامية مورداً واحداً يثبت ضعف رأيهم، في الوقت الذي لم يعلِّق بمثل ذلك على رأي ابن علية، مع أنّه مخالف لما عليه أهل السنّة، بحسب زعم الباجي!

أجل، نقل بعد ذلك عن شيخه ـ أبي جعفر السمناني ـ مناظرة شفوية وقعت بين أبي عليّ بن شاذان وبين أبي عبدالله بن المعلّم، الذي كان إمام الإمامية. وسيأتي التعرّض لها في البحث الدلالي.

([33]) عروة بن الزبير بن العوّام بن خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصي بن كلاب، أخو عبد الله بن الزبير، أمّهما أسماء بنت أبي بكر. كنيته أبو عبدالله. ويقال له: عرية. ولد في آخر خلافة عمر، وقيل: في سنة ثلاث وعشرين. واختلف في موته؛ فمنهم مَنْ قال: مات سنة أربع وتسعين، وقيل: سنة خمس وتسعين، وقيل: سنة تسع وتسعين، وقيل: سنة مئة، وقيل: سنة إحدى ومئة. ولقد وُصف بالعلم الغزير وأثني عليه. [إكليل المنهج في تحقيق المطلب: 572، رقم223؛ تاريخ خليفة: 112؛ طبقات خليفة: 420؛ الباجي، التعديل والتجريح 3: 1147 ـ 1148، رقم1177؛ التاريخ الكبير 7: 31، رقم138؛ الرازي، الجرح والتعديل 6: 395، رقم2207؛ ابن حِبّان، الثقات 5: 194 ـ 195؛ مشاهير علماء الأمصار: 105، رقم428].

([34]) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة 4: 63، الباب 56.

([35]) انظر: ما أورده ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 4: 63، الباب 56.

([36]) البيهقي، السنن الكبرى 6: 299.

([37]) أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرّة بن كعب القرشي الزهري. قيل: اسمه عبدالله، وقيل: إسماعيل. أمّه تماضر بنت الأصبغ بن عمرو، من أهل دومة الجندل. ولد سنة بضع وعشرين. وأرضعته أمّ كلثوم، فعائشة خالته من الرضاعة. توفّي سنة أربع وتسعين في خلافة الوليد وهو ابن اثنتين وسبعين سنة أو سنة أربعة ومئة. وقد استقضاه سعيد بن العاص، فلم يزل قاضياً حتّی عُزل سعيد سنة أربع وخمسين. [سير أعلام النبلاء 4: 287 ـ 291، رقم108].

([38]) سير أعلام النبلاء 4: 287 ـ 291، رقم108.

([39]) الباجي، التعديل والتجريح 2: 932، رقم832؛ تاريخ مدينة دمشق 29: 304.

([40]) التعديل والتجريح 2: 932، رقم832.

([41]) أبو الحسن محمد بن عمرو بن علقمة بن وقّاص الليثي، صاحب أبي سلمة. توفّي سنة أربع وأربعين ومئة أو خمس وأربعين ومئة. [سير أعلام النبلاء 6: 136، رقم46].

([42]) انظر: ميزان الاعتدال 3: 673، رقم8015.

([43]) مالك بن أوس بن الحدَثان بن الحارث بن عوف [بن سعد] بن ربيعة بن يربوع بن وائلة بن دهمان بن نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن. أبو سعيد أو أبو سعد. مخضرم، أدرك النبيّ|، قيل: له صحبة، لكن لم يثبت ذلك. [تاريخ مدينة دمشق 36: 110؛ الإصابة في تمييز الصحابة 5: 527، رقم7611].

([44]) ابن خراش هو عبد الرحمن بن يوسف بن سعيد بن خراش البغدادي، وهو مروزي الأصل. توفّي ببغداد سنة ثلاث وثمانين ومئتين. [تاريخ مدينة دمشق 36: 107 ـ 110].

([45]) تاريخ مدينة دمشق 56: 360.

([46]) أقول: إنّ كلمة [الحويرث] مصحّف [أوس] أو [أويس]؛ فإنّ مالك بن الحويرث أبو سليمان هو ابن أشيم الليثي الذي سكن البصرة، وليس هو ابن الحدثان الذي كان بالمدينة، والذي كان إسلامه متأخّراً، حتى أنّه لم تثبت له صحبة، وكان مخضرماً، وقضّى غالب عمره جاهليّاً، أي كان تغلب عليه الطبيعة البدوية والجاهلية، وهذا ما يتناسب مع وصفه من قِبَل عثمان بأنّه (أعرابيٌّ يتطهَّر ببوله).

([47]) الفضل بن شاذان الأزدي، الإيضاح: 256؛ المفيد، الأمالي: 67.

([48]) الهيثمي، مجمع الزوائد 4: 207.

([49]) سنن أبي داوود 2: 25، ح2975.

([50]) البيهقي، السنن الكبرى 6: 299 ـ 300.

([51]) أبو عثمان البصري عمرو بن مرزوق، مولی باهلة. مات بالبصرة سنة أربع وعشرين ومئة. [الذهبي، تاريخ الإسلام 16: 303 ـ 304؛ ابن المبرّد، بحر الدم: 119، رقم777، 193، رقم1300].

([52]) العجلي، معرفة الثقات 2: 185، رقم1407؛ العقيلي، الضعفاء 3: 292، رقم1294؛ الرازي، الجرح والتعديل 6: 263 ـ 264، رقم1456.

([53]) أبو الزناد هو لقب عبدالله بن ذكوان، وكنيته أبو عبد الرحمن. وقيل: له كنيتان: أبو عبد الرحمن وأبو الزناد، فغلب عليه أبو الزناد، وكان يغضب منه. وهو مولی رملة بنت شيبة، وكانت تحت عثمان. وقيل: كان مولی لعبد الحميد بن عبد الرحمن. وكان من أتباع التابعين. عمّه أبو لؤلؤ قاتل الخليفة الثاني عمر بن الخطّاب. مات فجأة في مغتسله سنة ثلاثين ومئة أو إحدی وثلاثين ومئة. كان كاتباً لخالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم، وولاّه عمر بن عبد العزيز خراج العراق، وأيضاً ولي خراج المدينة. [التستري، قاموس الرجال 11: 335، رقم366؛ البخاري، التاريخ الصغير؛ الشيباني، العلل 2: 300، رقم2331؛ تاريخ مدينة دمشق 28: 49، 54].

([54]) العقيلي، الضعفاء 2: 251، رقم806.

([55]) الدوري، تاريخ ابن معين 1: 174، رقم1110.

([56]) النسائي، الضعفاء والمتروكين: 227، رقم494.

([57]) الرازي، الجرح والتعديل 7: 72، رقم413.

([58]) الباجي، التعديل التجريح 3: 1187 ـ 1188، رقم1230.

([59]) ابن حجر، تهذيب التهذيب 1: 279 ـ 280، رقم582.

([60]) تاريخ بغداد 1: 62.

([61]) انظر: فتح الباري 12: 7.

([62]) انظر: المصدر نفسه.

([63]) انظر: المصدر نفسه.

([64]) انظر: أوجز المسالك إلى موطّأ مالك 15: 324 ـ 326.

([65]) الفضل بن شاذان الأزدي، الإيضاح: 256؛ المفيد، الأمالي: 67.

([66]) لقد بدّل الآلوسي ودلّس في لفظ الحديث، بما يدلّ على أنّ الحضور كان عددهم أكثر ممّا ذُكر، حيث قال: إنّ عمر بن الخطّاب قال بمحضرٍ من الصحابة، فيهم عليّ والعباس وعثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوّام وسعد بن أبي وقّاص…. [الآلوسي، روح المعاني 4: 217 ـ 218].

([67]) الإيضاح: 256؛ المفيد، الأمالي: 67.

([68]) انظر: مسند أحمد 1: 25، 162، 164، 179، 191، وغيره.

([69]) انظر: الغزالي، المنخول: 253، 344؛ الرازي، المحصول 3: 86، 4: 369؛ الآمدي، الإحكام 2: 66.

([70]) الصدر، فدك في التاريخ: 147 ـ 148؛ السيرة الحلبية 3: 488؛ ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة 16: 334.

([71]) فدك في التاريخ: 147 ـ 148؛ السيرة الحلبية 3: 493.

([72]) فدك في التاريخ: 148 ـ 149.

([73]) الطبري، تاريخ الأمم والملوك 2: 614.

([74]) فدك في التاريخ: 149.

([75]) المصدر السابق: 149 ـ 150.

([76]) الحاكم النيسابوري، المستدرك 3: 153 ـ 154؛ مجمع الزوائد 9: 203. مسند زيد بن عليّ: 549؛ كنـز العمّال 12: 111، ح34237، 13: 674، ح37725؛ الضحّاك، الآحاد والمثاني 5: 363، ح2659. الزرندي الحنفي، نظم درر السمطين: 177؛ ميزان الاعتدال 1: 525، رقم2002، 2: 492، رقم4560؛ المزّي، تهذيب الكمال 25: 250؛ ابن النجّار البغدادي، ذيل تاريخ بغداد 2: 140، ح426؛ تاريخ مدينة دمشق 3: 156؛ المعجم الكبير 1: 108، ح182؛ ابن الأثير، أسد الغابة 5: 522؛ علل الدارقطني 3: 103، ح305؛ ابن عدي، الكامل 2: 351؛ ابن حجر، الإصابة 8: 265؛ تهذيب التهذيب 12: 392، رقم9005؛ المقريزي، إمتاع الأسماع 4: ؛ الطبري، ذخائر العقبی: 39؛ الصدوق، الأمالي: 467، ح622؛ الطوسي، الأمالي: 427، ح954؛ دلائل الإمامة: 146؛ الطبرسي، الاحتجاج 2: 103؛ مناقب آل أبي طالب 3: 107؛ شرح الأخبار 2: 29، 3: 522.

([77]) فدك في التاريخ: 151.

([78]) انظر: المصدر السابق: 150.

([79]) صحيح مسلم 5: 153؛ الموطأ 2: 993؛ البلاذري، فتوح البلدان 1: 34، ح110، 35 ـ 36، ح115.

([80]) العلامة الحلّي، نهج الحق وكشف الصدق: 268.

([81]) مسند أحمد 1: 13؛ وانظر: مجمع الزوائد 4: 207؛ مسند أبي يعلی الموصلي 1: 34، ح26؛ ابن عبد البرّ، التمهيد 8: 159؛ كنـز العمّال 5: 586 ـ 587، ح14044.

([82]) شرح نهج البلاغة 16: 214.

([83]) المصدر نفسه.

([84]) المصدر نفسه.

([85]) انظر: صحيح مسلم 5: 152، كتاب الجهاد والسير، باب حكم الفَيْء.

([86]) انظر: صحيح مسلم 5: 154، كتاب الجهاد والسير، باب حكم الفَيْء.

Facebook
Twitter
Telegram
Print
Email

اترك تعليقاً