مقدّمة في اللاهوت

المفهوم والأنواع

د. شهرام بازوكي(*)

ترجمة: وسيم حيدر

التعريف

قيل في تعريف علم اللاهوت (theology) باختصارٍ: هو علم يُبحث فيه عن الله (doctorina de Deo)([1]). إن هذا العلم، من حيث المنشأ ومبدأ التأسيس الذي يعود إلى الإغريق والعالم المسيحي، يتحدَّد في معناه الخاصّ بالمسيحية، بَيْدَ أنه في المعنى العام، ومن ناحية موضوعه، يشمل الأديان الأخرى أيضاً. إن المسائل الرئيسة التي يشتمل عليها هذا العلم عبارةٌ عن: الإنسان والعالم من حيث ارتباطهما بالله، وكونهما من جملة صنائعه ومخلوقاته. وأما المسائل الأخرى، من قبيل: مبدأ ومعاد الإنسان، وحدوث وقِدَم العالم، فهي من متفرِّعات تلك المسائل الرئيسة.

الاشتقاق اللغوي والجذور التاريخية

إن كلمة (theology) تعود بجذورها إلى الكلمة الإغريقية (theologia)، وهي مؤلفة من جزءَيْن، وهما: (theo)، بمعنى الله؛ و(logia)، بمعنى القول والنظر. وعليه يكون معنى كلمة (theology) هو: القول أو النظر في مفهوم الإله.

وقد تمّ استعمال هذا المصطلح للمرّة الأولى في أعمال إفلاطون، وفي رسالة الجمهورية بالتحديد، وعليه يكون بذلك هو الواضع له([2])، حيث يستعمل إفلاطون هذه المفردة في وصف أعمال الشعراء الذين يرسمون صورة ويقدمون شرحاً لتكوين العالم على أساس وجود الآلهة، أو وصف الآلهة نفسها، ويبحث في رسالة الجمهورية (a379) بشأن القواعد التي يجب اتباعها في إنشاء القصص والحكايات المتعلقة بالآلهة (theologia)([3]). كان إفلاطون يعتبر الـ (theologia) شرحاً وتفسيراً للحقائق الأسطورية (mythical)، ومن هنا فإنه يذهب إلى اعتبار (الثيولوجيا) و(الميثولوجيا) شيئاً واحداً. ومن هنا فقد تمّ اعتبار أشخاص، أمثال: (هسيود)، و(هومر) ـ وهما من الشعراء وكتّاب الأساطير في القرنين التاسع والثامن قبل الميلاد ـ، أو خدّام هاتف معبد دلفي ـ وهم الشهود والمبشرون بالأمور المتعلِّقة بالآلهة ـ، من زمرة أصحاب اللاهوت (theologians).

وقد اعتبر التاريخ الإغريقي ـ المتقدّم على إفلاطون ـ هذين الشاعرين هما أوّل مَنْ تحدّث عن الآلهة الإغريقية. فهاهو هيرودوتس في كتاب التاريخ الشهير (الباب الثاني، الفقرة 35) يقول: لقد دلّ الشاعران العريقان (هومر) و(هسيود) الإغريقَ على آلهتهم، فقد عمدا إلى تدوين الأقوال الشائعة حول منشأ الآلهة، وأسمائها، ومراتبها. ولذلك يذهب (جيغر وورنيغر)، المحقِّق الألماني الكبير في مجال الفلسفة الإغريقية، إلى اعتبار هذين الشاعرين هما المؤسِّسين للاهوت الإغريقي([4]). وهذا ليس اعتباطاً؛ فإن المنظومة الشهيرة لـ (هسيود) ـ على سبيل المثال ـ تحت عنوان تكوين الآلهة (theogony) هي من أقدم النصوص التي تحدّثت عن الكلمات الأولى بشأن الآلهة الإغريقية. ولكن لا بُدَّ من الالتفات إلى وجود اختلاف كبير بين الـ (theogony) لـ (هسيود)، والـ (theology) عند إفلاطون، فقد عاش إفلاطون مرحلة نسخت فيها هذه الآلهة، وتحولت إلى مفهومٍ ممسوخ.

لقد صاغ أرسطوطاليس من كلمة إفلاطون (theologia) مفردة (theologike) للدلالة على معنى قريب من معناها الإفلاطوني. وقد عبّر في كتاب ما بعد الطبيعة (a1000) عن أتباع هسيود وجميع الذين خاضوا في معرفة الآلهة تحت عنوان (theologi) (theologians =)، وقال: إن هؤلاء قد اعتبروا أصول ومبادئ الكائنات هي ذوات الآلهة، أو منبثقة عنها. بَيْدَ أن أرسطوطاليس يريد من كلمة (theologia) معنى خاصاً أضحت له الشمولية العامة لاحقاً. وفي كتاب ما بعد الطبيعة (a1026)، بعد تقسيمه الشهير للفلسفة إلى ثلاثة أقسام، وهي: الفلسفة النظرية، والفلسفة العملية، والفلسفة الإبداعية، عمد إلى تقسيم الفلسفة النظرية (philosophia theologikia) بدورها إلى ثلاثة أقسام، وهي: الرياضيات، والطبيعيات، والإلهيات (theologike).

إن موضوع قسم الإلهيات هي الجواهر المفارقة، وهي لا متحرّكة. ووجه تسميتها بالعلم الإلهي هو أن هذه الجواهر المفارقة تندرج ضمن مجال الإلهيات. ويرى أرسطوطاليس هذا العلم أشرف من العلوم الأخرى، على قاعدة (أشرف علم بأشرف موضوع)؛ لأن موضوعه يتجاوز العالم المحسوس، ومن ناحيةٍ أخرى يسمّيه الفلسفة الأولى (prote philosophia)؛ إذ إنه وإنْ كان في الحقيقة متقدماً على سائر العلوم، ولكن يجب الإقبال على دراسته وتعلُّمه بعدها.

وفي مرحلة تأسيس المسيحية، حيث تمّ التخلي عن البحث بشأن الآلهيات الإغريقية والرومانية، وانحصر اللاهوت بالتعاليم المسيحية (doctrine fidei). وفي مرحلة الآباء المؤسسين للكنيسة (early patristic era) انحصر العلم الإلهي بالبحث عن وجود الله، ولم يكن يتطرّق إلى البحث عن الفعل الإلهي ومسائل من قبيل: التجسّد([5]). ولكنه أخذ بالتدريج يشمل جميع الحقائق التي أوحى بها الله، وأضحت من الحقائق ذات الصلة بالفعل الإلهي. وهكذا أصبحت البحوث الإيمانية والدينية (doctrina religionis) جزءاً منها، وأضحت الآراء والأعمال الدينية تابعة لها. وإن المثل القديم الشهير والمتداول في مجال المسيحية، والقائل: «إن اللاهوت يعلم بشأن الله، وإن الله يتعلم ذلك، ويوصله إلى الله» (Theologia Deum docet, a Deo docetur, ad ducit)، ناظرٌ إلى المقام السامي للاهوت، ولا سيَّما اللاهوت الملتزم بالوحي في العصور الوسطى.

وعلى طول المرحلة المسيحية في الغرب كانت جميع العلوم والفنون تابعة للاهوت، وتبحث على هامشه. فقد كان العلم الإلهي في البرنامج الدرسي للقرون الوسطى في المرحلة المدرسية على رأس جميع الفنون السبعة (liberal arts)، وكانت سائر العلوم في الحقيقة مجرد مقدمات لدراسة اللاهوت. وإن القول الشهير والسائد في القرون الوسطى: «الفلسفة خادمة اللاهوت» (philosophia est ancilla theologia) يُعبِّر بدوره عن هذا الأصل الإلهي المحوري في تلك المرحلة على مستوى التنظير والعمل.

أقسام اللاهوت

لقد عمد علماء اللاهوت إلى تقسيم هذا العلم والتحقيق فيه من عدّة جهات. وإن أهمّ أقسام اللاهوت من ناحية المقدمات والمبادئ العقلية أو النقلية هو تقسيمه إلى: (اللاهوت الطبيعي أو العقلي أو التكويني)([6])، و(اللاهوت الملتزم بالوحي أو اللاهوت النقلي)([7]). وهذا التقسيم الذي تمّ التصريح به، ولا سيَّما منذ عصر توما الأكويني، أصبح اليوم في غاية الأهمية في الأبحاث اللاهوتية.

والمراد من الـ (natural theology) هي الأبحاث المختلفة بشأن الله والدين، من خلال الاستعانة بالعقل مجرَّداً، ودون الاستناد إلى الوحي. وقد تؤدّي صفة الـ (natural) هنا بمعنى (الطبيعي) إلى إحداث شبهة؛ إذ المراد من الـ (natural) هنا هو التكويني، في مقابل الوحياني والتشريعي، بمعنى أن هناك في طبيعة وتكوين الإنسان قوّة تحظى بإمكانية المعرفة والتمييز بين الحق والباطل، وتلك القوة هي العقل. وبناء على هذا الاعتقاد السائد في التعاليم المسيحية ـ ولا سيَّما في العصور الوسطى ـ تمّ الحديث عن الـ (النور الطبيعي)([8])، وقيل في تعريفه: إن هذا النور الطبيعي هو العقل([9]). إن القول بوجود نعمة العقل في تكوين الإنسان، الذي يستطيع التعرّف على الحقائق، مسبوقٌ بالاعتقاد القائل بأن العقل الإنساني([10]) هو ـ مثل سائر الكائنات ـ من المخلوقات الإلهية، مع فارق أنه نعمة من الله إلى الإنسان؛ ليتمكن بواسطته من الوصول إلى المعرفة الحقيقية، التي هي عبارة عن مطابقة العلم البشري لحقائق الكائنات (الأعيان الثابتة) في العلم الإلهي([11]) (divinus intellectus). وعلى هذا الأساس يمكن للإنسان في العصور الوسطى أن تكون لديه معرفة حقيقية. وتعريف الحقيقة هو مطابقة العلم الإنساني للعلم الإلهي (Veritas est adequatio intellectus et rei)([12]).

أما اللاهوت الوحياني (revealed theology) أو اللاهوت النقلي فهو اللاهوت الذي يبحث في أمور كامنة في طور وراء طور العقل. كما أن مسائل من قبيل: التثليث أو المعصية الأولى في التعاليم المسيحية تعتبر من وجهة نظر الكثير من العلماء المسيحيين مسائل تستند إلى الوحي، ولا يمكن الحديث عنها إلا على مستوى النقل. ومن هنا كان هذا النوع من اللاهوت هو من لاهوت ما وراء العقل (supernatural theology).

ومن ناحيةٍ أخرى يمكن القول: إن اللاهوت العقلي (التكويني) هو منشأ للأحكام التكوينية بشأن الله والدين مما يُعَدّ من الأحكام الخبرية، بَيْدَ أن اللاهوت النقلي (التشريعي) هو منشأ للأحكام التشريعية، والتي هي من الأحكام الإنشائية. ولا يخفى أن الغلبة في العصور الوسطى كان للاهوت الوحياني، ومن هنا كانت الأحكام الإنشائية هي الغالبة على الأحكام التكوينية.

وهناك الكثير من الأبحاث المطروحة في مجال الفلسفة وعلم الكلام بشأن إمكان أو امتناع اللاهوت العقلي أو اللاهوت الوحياني بحَسَب ما نراه للوحي والعقل من الحدود والثغور والصلاحيات، وما هي النسبة القائمة بينهما؟ فهناك ـ على سبيل المثال ـ مَنْ يقول: إن اللاهوت العقلي تعبيرٌ آخر عن «اللاهوت الفلسفي» (Philosophical theology)، وإنه لا فرق بينهما. وحيث ينحصر اللاهوت العقلي بالطريقة العقلية لا يكون له ربط بالاعتقاد الديني للأفراد، كما سار الفيلسوف الإنجليزي التجريبي (ديفد هيوم) في كتابه (حوارات حول الدين الطبيعي) ـ في ضوء موقفه العقلي والتجريبي البَحْت ـ على ذات الطريق الذي سلكه الحكيم اللاهوتي توما الأكويني ـ مثلاً ـ في رسالته في الردّ على الملحدين (summa contra Genties)([13]). وعلى هذا المنوال هناك مَنْ لا يجد فرقاً جوهرياً بين فلسفة الدين (philosophy of religion) والفلسفة الدينية (religious philosophy) من جهةٍ، وبين اللاهوت الفلسفي (philosophical theology) واللاهوت العقلي من جهةٍ أخرى، ويرَوْنها بأجمعها ـ مع شيء من غضّ الطرف عن الاختلاف في الفروع والجزئيات ـ شيئاً واحداً، ويمكن تعريفها بتعريف واحد يكمن في «التعلق والتشبّث الفلسفي بالدين».

وهناك جماعةٌ من الفلاسفة وعلماء اللاهوت ينكرون إمكان وجود اللاهوت العقلي، ويقولون: إن العلم الحقيقي للدين خارج عن حدود العقل، فهو رهنٌ بمراتب الشهود والتجليات الإلهية. وهناك مَنْ يقول بإمكانية الكلام بشأن حقائق من قبيل: وجود الله في اللاهوت العقلي، بَيْدَ أن العلم الكامل بوجود الله يتوقف على الدخول والخوض في اللاهوت الوحياني([14]). وهناك مَنْ يذهب إلى الاعتقاد بأن اللاهوت في حدّ ذاته علم عقلي؛ لأنه من المعارف والمدركات البشرية.

أما القسم الآخر العام والهامّ من اللاهوت فهو عبارةٌ عن([15]): اللاهوت المكتوب والجامع (systematic theology). وهذا القسم من اللاهوت يمثِّل في الحقيقة مجموع أبحاث اللاهوت، ويتم فيه الاهتمام بمختلف وظائف هذا العلم. إن وصف الـ (systematic) هنا لا يعني أن هذا القسم من اللاهوت يكون فيه لكل الموجودات من الله إلى أصغر الذرّات مقامه الخاص في نظام محدَّد (system)، بل إن عنوان الـ (system) دالٌّ على أن موضوع اللاهوت المكتوب والجامع هو أوّلاً: قد عمل على تدوين وتنظيم جميع الأجزاء المقوّمة للعلم الإلهي ضمن منظومة جامعة ومكتوبة. وثانياً: تحديد النسبة إلى سائر العلوم والمعارف البشرية، ولا سيَّما القريبة من اللاهوت. وثالثاً: تعزيز هذا الارتباط وهذه الصلة. ومن هنا يمكن تقسيم اللاهوت إلى ثلاثة أقسام فرعية كما يلي:

1ـ اللاهوت الفلسفي (philosophical theology): يمكن اعتبار اللاهوت الفلسفي معادلاً للاهوت العقلي تقريباً بحسب الشرح المتقدِّم. ويوجد هناك اختلاف من ناحية أخرى، حيث إن أسلوب اللاهوت الفلسفي تشريحي وتوصيفي([16])، بينما منهج اللاهوت العقلي قياسي استنتاجي([17])، ولكن له ذات وظيفة إيجاد الربط بين التفكير الدنيوي وغير الديني (secular) واللاهوتي، ويسير في اتجاه إيضاح وشرح المفاهيم اللاهوتية الأصيلة، ويمارس التحقيق في ظلّ شرائط تجعل بحسب الأصول علماً باسم اللاهوت أمراً ممكناً. وبذلك يقوم في الوقت نفسه بالدفاع عن اللاهوت في مواجهة معارضيه، ويثبت أن اللاهوت علمٌ مستقلّ له موضوعه وهويته الخاصة التي تميِّزه من سائر العلوم البشرية الأخرى. ومن خلال هذا الشرح الأخير يمكن القول: إن له شأناً دفاعياً (apoplogetic)، وهو بطبيعة الحال ليس شأناً ذاتياً، وإنما هو بالعَرَض.

كما أن هناك اختلافاً بين اللاهوت الفلسفي وفلسفة الدين (philosophy of religion) أيضاً. ففي فلسفة الدين يتمّ الخوض في البحث والتحقيق العام بشأن الدين بغضّ النظر عن التعلُّق به، بَيْدَ أن اللاهوت الفلسفي يمثِّل جزءاً من اللاهوت الداخل في دائرة العقل، ولذلك يكون له تعلُّق بالدين.

2ـ اللاهوت الحتمي (dogmatic theology)([18]): وهو يخوض في التحقيق في الأصول والعقائد (dogma) الدينية، حيث يتم البحث في أمور من قبيل: التثليث، والخلق، والهبوط، والمعاد، وما إلى ذلك من المسائل الرئيسة من هذا القسم من اللاهوت، والتي تمثِّل في الحقيقة لبّ اللاهوت.

3ـ اللاهوت الإطلاقي (applied theology): حيث يتم الاهتمام فيه بشرح وتوصيف وإطلاق الإيمان في مختلف وجوه الحياة الحقيقية، وينظر فيه إلى مختلف النواحي الثقافية والاجتماعية والأخلاقية للحياة الإيمانية. وبطبيعة الحال فإن التحقيق التفصيلي في هذه الأمور يقع على عاتق اللاهوت العملي (practical theology) بمختلف شعبه الخاصة، من قبيل: اللاهوت التقشفي (ascetical theology)، واللاهوت الرعوي أو الكنسي (theology pastoral)([19])، وهو أيضاً جزء من وظائف اللاهوت الأخلاقي (moral theology).

أما الأقسام الأخرى من اللاهوت، من قبيل: الدفاعيات (aoplogetics)، أو لاهوت الكتاب المقدّس (biblical theology)، أو اللاهوت التاريخي (historical theology)، فلا يجب عدّها من الأقسام الممتازة والمستقلّة من اللاهوت، بل إنها طرق خاصّة في النظر إلى مسائل اللاهوت. ولذلك يجب اعتبار الأحكام الصادرة في لاهوت الكتاب المقدّس واللاهوت التاريخي مشمولةً لمجال اللاهوت الحتمي.

وبالتالي لا بُدَّ من التذكير بأن الحدّ الفاصل بين أقسام وأنحاء اللاهوت ليس بالدقّة التي لا يمكن التشكيك فيها. ومن هنا فإنه غالباً ما يحصل التداخل بينها، ولكنْ يمكن الربط بينها جميعاً، والقول بوجود وحدة اعتبارية بينها، وإدراجها ضمن لاهوت جامع.

الـ (theology) في عالم الإسلام

إن مفردة الـ (theology) بمعناها المتداول في اللغات الغربية والتعاليم المسيحية ليس لها ما يشبهها أو ما يرادفها بشكل دقيق في أيّ مفردة من مفردات العلوم الإسلامية؛ لأنها تحتوي على معنى أكثر شمولية، حيث تستوعب الكثير من الأقسام النظرية والعملية. وعلى الرغم من اشتمال تاريخ الحضارة الإسلامية على أقسام مختلفة من العلوم والتعاليم الإسلامية، الأعمّ من المعقول والمنقول، من الكلام والتصوّف والفقه والفلسفة، تدور ـ كما هو الحال بالنسبة إلى التعاليم المسيحية ـ مدار التوجه الإلهي وإعلاء كلمة الله، إلا أنها لا تحتوي على كلمة أو اسم مشترك يرادف الـ (theologia). بَيْدَ أن اللغة العربية تغلبت على هذا المشكلة، من خلال تعريب هذه الكلمة في مجال الحكمة الإسلامية على شكل (أثولوجيا)([20]). وفي بداية الأمر كان يعتقد أن الـ (أثولوجيا) هو عنوان كتاب لأرسطوطاليس([21])، حتى تبين في المرحلة المتأخرة أنه عنوانٌ لعلم مستقلّ اسمه (العلم الربوبي)، أو (المعرفة الربوبية)، أو (اللاهوت)، بدلاً من أن يكون عنواناً لمجرّد كتاب.

وقد دأب المترجمون مؤخراً على ترجمة هذه المفردة عادة بـ (علم الكلام)، وهي ترجمة ناقصة؛ لأن (الثيولوجيا) أعمّ من الكلام، وبذلك تكون هذه الترجمة من باب تعريف العامّ بالخاص. نعم، يمكن القول: حيث إن من بين المسائل الرئيسة لـ (الأثولوجيا) في بداية المرحلة المسيحية كانت ترصد الدفاع عن الأصول المسيحية في مواجهة المخالفين والمبتدعين (Gentiles) فإنها بذلك تشبه الكلام الإسلامي في المرحلة المتقدّمة([22]). ولكنْ لا بُدَّ من الالتفات إلى أن قسم الـ (Apologetics) واللاهوت ـ الذي يمثِّل قسم الدفاع الديني في مواجهة شبهات المنكرين والمخالفين، والذي كان في السابق جزءاً من اللاهوت الحتمي ـ هو وحده المتطابق مع الموضوع الرئيس للكلام الإسلامي عند المتقدمين، ولكنْ كما نلاحظ فقد تمّ إخراج هذا القسم من اللاهوت، واعتباره بحكم المنهج أو المقدمات للاهوت الحتمي. إن الوضع الحاصل في اللاهوت مشابهٌ تماماً لذلك الوضع الذي شهده علم الكلام الإسلامي عند المتقدمين.

إذن من غير الصحيح ترجمة الثيولوجيا إلى علم الكلام. من هنا يذهب أصحاب الاصطلاح ودقة النظر في ترجمة الكلام الإسلامي إلى إبقائها على ما هي عليه (Kalam)، أو ترجمتها إلى (dialectical theology)، فيضيفون صفة الـ (dialectical) للدلالة على الأسلوب الجدلي في الكلام([23]). وبطبيعة الحال يجب أن لا يحمل هذا المعنى على اللاهوت الديالكتيكي (dialectical theology) عند كارل بارت، الذي يُعَدّ من أقسام اللاهوت الهامة في المرحلة المعاصرة.

وبالنظر إلى هذا المعنى العام لكلمة الـ (theology) عندما يُراد منها علم الكلام ـ على سبيل المثال ـ يؤتى قبلها بصفة الـ (mystical)، ومن هنا كان التعبير بـ (theology mystical) مرادفاً ـ إلى حدٍّ ما ـ لعلم العرفان (mysticism)، أو التصوّف (sufism)، في الثقافة الإسلامية.

إن ترجمة كلمة الـ (theology) إلى اللاهوت بالمعنى الخاص أو الإلهيات الخاصة ـ الذي هو مختار بعض مترجمينا ـ أنسب من ترجمتها إلى الكلام. بَيْدَ أن هذه الترجمة بدورها غير دقيقة؛ إذ إن نفس عبارة الإلهيات الخاصة لها في اللغات الأوروبية ما يعادلها بشكلٍ دقيق، حيث نجد ذلك في ترجمات الغرب لآثار الفلاسفة المسلمين، إذ ترجمت إلى اللاتينية على شكل (metaphysica specialis)، في مقابل (metaphysica generalis) (بمعنى الإلهيات بالمعنى العام، أو اللاهوت العام). وإن موضوع العلم الأخير هو العلوم العامة التي تبحث في الحالات والعوارض الموجودة بشكلٍ عامّ، ومن هنا فإنها تسمّى بـ (ontosophia) أو الـ (ontologia)([24]) أيضاً، في مقابل الإلهيات الخاصة التي تبحث بشأن موجود خاص باسم واجب الوجود، ومن هنا يكون مشابهاً للإلهيات العقلية([25]). وعليه فإن كلمة (theology) في هذه الترجمة قد اختصت بواحدٍ من أقسامها.

وقد التفت المترجمون في العالم العربي إلى سعة مفهوم هذا اللفظ وجذوره، فترجموه إلى اللاهوت، وعلم الإلهيات، وعلم التوحيد، وعلم الربوبية، والأثولوجيا، كما ترجموه أحياناً إلى علم الكلام([26]) أيضاً.

أما أهم المرادفات الفارسية التي رصدت من قبل المترجمين الإيرانيين لهذه الكلمة، فهي عبارة عن: دين شناسي([27])، وخداشناسي([28])، وحكمت إلهي، وإلهيات، وإلهيات خاصة، وعلم لاهوت، وحكمت لاهوتي، ويزدان شناسي([29]). ولكن يبدو ـ بالالتفات إلى جذور هذه المفردة ـ أن أفضل مرادف لهذا المعنى هو ما وضعه المتقدِّمون بإزاء لفظ الـ (أثولوجيا)، وهو عبارةٌ عن: العلم الربوبي أو الإلهيات([30])، أو يمكن استعمال مصطلحات من قبيل: العلم الإلهي أو العلم الربوبي التي استعملها لأول مرّة فلاسفة من أمثال: ابن سينا([31])، وناصر خسرو، أو العلم الرباني. ومع ذلك لا بُدَّ من الالتفات إلى أن لا شيء من هذه المفردات يفيد المعنى الدقيق والكامل لكلمة (theology) السائدة في الثقافة والتعاليم المسيحية.

الهوامش

(*) أستاذٌ جامعيّ بارز، عضو الهيئة العلميّة لمركز دراسات العلوم الإنسانيّة، متخصِّصٌ في الفلسفة والعرفان. له مجموعة أعمال علميّة، كان منها: ترجمة كتابين لآتين جيلسون، ومقارنات فلسفيّة، وقراءات في الفلسفة الغربيّة.

([1]) the Catholic Encyclopedia, vol. XM, p. 580.

([2]) من هنا لم يكن اعتبار (أوغسطين القديس) إفلاطون بوصفه أب اللاهوت أمراً اعتباطياً. وهكذا نجد العارف الألماني الكبير (مايستر إكهارت) يعتبره (المتألِّه الأكبر). (نقلاً عن: فورنيغر، أومانيسم وتئولوژي: 48 (مصدر فارسي)).

([3]) Greek Philosophical Terms, F. E. Peters, 1967, P. 193.

([4]) Jeager, Werner, Humanism and Theology, Marquette Uni., p. 47.

([5]) في هذه المرحلة أخذت الأفعال الإلهية، ومسائل من قبيل: التجسّد (Incarnation)، والتضحية (Redemption)، تبحث في هامش مبحث بعنوان (Divine economy)، بمعنى (علم التدبير الإلهي). (انظر: دائرة المعارف الكاثوليكية، ذات الصفحة).

([6]) natural theology.

([7]) revealed theology.

([8]) Lumen natural.

([9]) natural light of reason.

([10]) intellectus humanus.

([11]) تم التعبير عن هذا المعنى من العقل في التراث الإسلامي بـ (الرسول الباطني)، الذي يهدي الإنسان، كما هو الحال بالنسبة إلى الرسول الظاهري المتمثِّل بالأنبياء^.

([12]) انظر: توما الأكويني، مسائلي در باره حقيقت، المسألة الأولى، الفقرة الرابعة (مصدر فارسي).

([13]) Kenney, Anthony, the God of the Philosophers, P. 3.

([14]) فمثلاً كان توما الأكويني يعتقد بإمكان إثبات وجود الله من طريق اللاهوت العقلي. بَيْدَ أن الاعتقاد بوجود الله في مصاديق التثليث لا يمكن الاستدلال عليه عقلياً، بل مردّ ذلك إلى اللاهوت الوحياني، وإن الخلط بين هذين الأمرين في المسائل الخاصة بكلّ واحدٍ منهما يؤدي إلى ظهور مشاكل تضرّ بكلٍّ من: الدين والفلسفة على السواء. ومن هنا يكون كلٌّ من: اللاهوت الوحياني واللاهوت العقلي مطلوباً في دائرته الخاصة. (انظر: أتين جيلسون، عقل ووحي در قرون وسطى، ترجمة كاتب المقال، الفصل الأخير).

([15]) يقوم هذا التقسيم الأخير لعلم اللاهوت على تقسيم جون ماك كواري (John Mackquarie) في كتابه مبادئ اللاهوت المسيحي (Principles of Christian Theology): 39 ـ 40.

([16]) descriptive.

([17]) deductive.

([18]) لقد ذكر ماك كواري في تقسيمه هذا القسم تحت عنوان: اللاهوت الرمزي (symbolic theology)، وقال: في هذا القسم يتم إيضاح وتفسير الرموز (symbols)، أو المفهوم المبيّن في الحقائق السماوية، ولكنه حيث لا يبحث في المسائل الخاصة بالكنيسة يعتبر أخص من اللاهوت الحتمي. وفي الحقيقة فإن ماك كواري كما يقرّ بذلك يرمي إلى تجنُّب استعمال مفردة الـ (dogma) الذي اكتسب بعد (كانْت) في اللغات الغربية معنى سلبياً. (مبادئ اللاهوت المسيحي: 40).

([19]) (pastoral theology): إن هذا القسم  من العلم الإلهي يعني علم آداب مراقبة النفس وتهذيبها، بما يتفق والأحكام المنـزلة وحياً؛ كي يتمكن القساوسة بعد العلم بها من الوصول إلى مقام (خدمة المسيح والوكالة على أسرار الله). (العهد الجديد، الرسالة الأولى لبولس رسول القرنتيين، الباب الرابع، الخط الأول).

([20]) هناك من المحققين مَنْ يرى أن كلمة (أثولوجيا) تعود في الأصل إلى (أبولوجيا) كتعريب لكلمة (apologia) بالإغريقية، بمعنى (الدفاع). وهناك مَنْ ذهب إلى الاعتقاد بأنها في الأصل مأخوذةٌ من (أتولوجيا) كتعريب لكلمة (aitiologia) بالإغريقية، بمعنى (علم العلل والأسباب). (انظر: عبد الرحمن بدوي، إفلوطين عند العرب: 9). ويبدو أن لا صحة لأيٍّ من هذه الآراء؛ لأن مترجم كتاب الـ (أثولوجيا) ـ وهو ابن ناعمة الحمصي ـ قد صرَّح بنفسه قائلاً: (أثولوجيا وهو القول على الربوبية). (انظر: أثولوجيا: 20، تصحيح: السيد جلال الآشتياني، أنجمن حكمت وفلسفة).

([21]) قال الخوارزمي في مفاتيح العلوم: 132 بشأن الـ (theologia): (إنه العلم بالأمور الإلهية التي يطلق عليها بالإغريقية مصطلح الثاولوجيا).

([22]) لقد تمّ التفريق في تاريخ الكلام الإسلامي بين كلام المتقدِّمين وكلام المتأخِّرين، حيث شهدت الكتب الكلامية المتأخِّرة ـ ولا سيَّما بعد القرن السابع [الهجري]، وتأليف كتاب (تجريد الاعتقاد)، للخواجة نصير الدين الطوسي، وشروحه ـ تسلُّلاً للمسائل الفلسفية في المسائل الكلامية. فقد سعى الخواجة نصير الدين الطوسي ـ طبقاً لمشربه المشّائي ـ إلى تقريب الكلام من الحكمة، ولذلك فقد عمد إلى إبعاده عن أسلوب الحكمة الجدلية، وساقه نحو الحكمة البرهانية، بحيث أصبح كلّ همّ المتكلِّمين في المراحل المتأخرة يركز على الاستدلال البرهاني. كما أن التقسيم المتأخِّر لعلم الكلام من حيث مسائله إلى: (جليل الكلام) و(دقيق الكلام) يعود في منشئه إلى المقدّمات المذكورة فيما سبق. ونشاهد الفصل بين كلام المتقدِّمين وكلام المتأخِّرين في التعريف الذي يقدّمه عبد الرزاق اللاهيجي لهذه المرحلة بشكلٍ ملحوظ، حيث يقول: (إن كلام المتقدمين صناعة تمكّن من محافظة أوضاع الشريعة للأدلة المؤلفة من المقدمات المسلمة والمشهورة بين أهل الشرائع، سواء أدَّتْ إلى البديهيات أم لم تؤدِّ إليها). لا يرى اللاهيجي أيّ نقطة اشتراك بين هذه الصناعة وبين الحكمة، لا في الموضوع، ولا في الأدلة، ولا في الفائدة، ويرى أن العلة الرئيسة التي تكمن في حاجة المتقدمين إلى هذه الصناعة هي الحفاظ على العقائد الشرعية من أن تُمَسّ من قبل أهل العناد. في حين اعتبر كلام المتأخِّرين قسيماً للحكمة، وأنه يشترك مع الحكمة في الموضوع والغاية، ويخالفها في المبادئ وأدلة القياسات، وقال في تعريفه: (إنه العلم بأحوال الموجودات على نهج قوانين الشرع). (مختصر گوهر مراد: 18 ـ 19، إعداد: صمد موحد).

([23]) على سبيل المثال: ذهب هاري وولفسون (H. Wolfson)، في كتابه الشهير في علم الكلام بعنوان: (the philosophy of the Kalam)، من جامعة هارفارد، عام 1976م، إلى الحفاظ على لفظ علم الكلام في نقله إلى اللاتينية على شكل (Kalam)؛ أو آتين جيلسون، في كتابه العقل والوحي في العصور الوسطى (ترجمة: كاتب السطور)، حيث غالباً ما كان يذكر هذه الكلمة بعد إضافة مصطلح الـ (dialectical) إليها. وهو ما ذهب إليه الدكتور جميل صليبا في كتابه المعجم الفلسفي 2: 235 (دار الكتاب اللبناني) أيضاً. أما سهيل أفنان، في كتابه واژه نامه فلسفي: 195 (طهران)، فقد اختار مصطلح (speculative theology) مرادفاً لعلم الكلام، ويبدو أنه كان في ذلك ناظراً إلى الحيثية النظرية لعلم الكلام، وأراد من خلال إضافة هذه الكلمة غضّ الطرف عن الحيثية العملية للثيولوجيا.

([24]) إن لفظ (ontologia) اللاتيني (بالإنجليزية: ontology) يعني علم الوجود أو بحث الوجود، الذي وضعه رودولف غوكلنيوسن (R. Goclenius)، وهو من أساتذة القرن السابع عشر للميلاد تبعاً لهذا التقسيم، ثم تمّ تداوله، وأضحَتْ له المرجعية بفضل كريستين وولف، وألكساندر بومغارتين.

)[25]) Handbook of Metaphysics and Ontology, ed. By H. Buhkardt and B. Smith, Vol. 2, p 530.

([26]) انظر: أبو العلاء عفيفي و…، مصطلحات الفلسفة: 94، القاهرة، 1964م. وانظر أيضاً: د. جميل صليبا، المعجم الفلسفي 2: 277.

([27]) المعرفة الدينية. المعرِّب.

([28]) المعرفة الإلهية. المعرِّب.

([29]) معرفة الله. المعرِّب.

انظر: ماري بريجانيان، فرهنگ اصطلاحات فلسفة وعلوم اجتماعي: 893، طهران، 1373هـ.ش (مصدر فارسي).

([30]) لقد استعملت هنا مفردة (الإلهيات) الأقرب من جذور لفظ (theology)، وتشتمل على معنى عام، وهي أكثر تداولاً وانتشاراً، مع إدراكي ـ بطبيعة الحال ـ للمشاكل الناشئة من ذلك. وقد تمّت ترجمة لفظ (الإلهيون) الواردة في الإلهيات من الشفاء [لابن سينا] إلى اللغة الللاتينية بـ theologoi)) (بالإنجليزية: theologians). انظر:

Avicenna Latinus, Lexiques, S. Van Riet, Leiden, P. 5.

([31]) انظر: إلهيات دانشنامه علائي: 8، إعداد: د. محمد معين، طهران، 1353هـ.ش (مصدر فارسي).

الكاتب د. شهرام بازوكي

د. شهرام بازوكي

مواضيع متعلقة

اترك رداً

downloadfilmterbaru.xyz bigoporn.club bok3p.site sablonpontianak.com