نظرية أُخرَويّة الدين ورساليّته دراسة تقويميّة في طروحات علي عبد الرازق ومهدي بازركان

img

حيدر حب الله([1])

تمهيد

يتّجه أنصار هذه النظريّة إلى القول بأنّ الدين إنّما جاء لتنظيم البُعد الأخروي في حياة الإنسان وليس البعد الدنيوي، فليست رسالة الدين تنظيم الحياة الاقتصادية والسياسية أو وضع خطط وبرامج لإدارة المجتمع اقتصادياً أو اجتماعيّاً أو صحيّاً أو غير ذلك، وإنّما كان الغرض منه هو تنظيم علاقة الإنسان بربّه ودفعه لخوض التجربة الروحيّة والأخلاقيّة، فإذا حمّلنا الدين مسؤوليّة وضع برامج للدولة والعلوم والتقدّم الصناعي والتكنولوجي والصحّة والاقتصاد والأمن وغير ذلك، نكون قد وضعناه في مأزقٍ حرج واضطررنا لجرّ نصوصه نحو تأويلٍ مفرط.

ولو أردنا مقاربة هذا المشهد تاريخيّاً في الفضاء الديني، فسيبدو في انعكاسات التصوّر اليهودي والمسيحي للدين؛ ففيما تتّجه اليهوديّة للنظر أكثر للبُعد الدنيوي للدين، حتى أنّ فكرة الآخرة في الديانة اليهوديّة تبدو نصوصُها متأخّرةً زمناً عن عصر النبيّ موسى×، ولهذا نجد جدلاً واضحاً في وجود نصوص توراتيّة تتحدّث عن الآخرة، ونلاحظ أيضاً تصوّرات ترى أنّ الآخرة ليست سوى النهاية السعيدة لحياة اليهود في فلسطين والعودة إليها، وكذلك نحن نجد أنّ المنجي المخلّص (المسيا) يستهدف إعادة اليهود إلى أرض الميعاد كي يعيشوا فيها كما وعدوا وبسلام ورخاء، حتى أنّ هناك من يرى أنّ القبور والجثامين اليهوديّة التي لا تكون في فلسطين، سوف تُنقل بإرادة إلهيّة إليها، ومن هنا نجد نقاشاً تاريخيّاً واضحاً في اليهوديّة حول قضيّة الآخرة بين الفرّيسيين والصدّوقيين، ففيما اعتقد الفرّيسيّون بالآخرة وظهرت في أدبيّاتهم وتنامى ظهورها بعد القرن الثاني الميلادي بقوّة، نُسب إلى الصدّوقيين ـ الذين أخذوا بالانقراض بعد تدمير المعبد الثاني حدود عام 70م من قبل الرومان ـ إنكارهم الآخرة؛ لأنّهم لا يعتقدون بغير التوراة مصدراً للمعرفة الدينيّة والتكليف الديني، والآخرة غائبة من وجهة نظرهم عن التوراة على ما هو المنسوب إليهم.

إنّ نهاية العالم وعاقبة المتقين في التصوّر اليهودي ظاهرة دنيويّة بقوّة، تمسّ قوم بني إسرائيل، ولا أريد أن اُنكر الآخرة في الفكر اليهودي، لكن مسار التطوّر في النصوص اليهوديّة يعزّز فكرة الدنيا بقوّة، وربما هذا ما زاد من ارتباط اليهوديّة والفرد اليهودي بالشريعة أكثر من ارتباطه بأيّ شيء آخر، حتى أنّ الاعتقاد بوحدانيّة الله ليس سوى تكليف شرعي وواجب شرعي على الإنسان ممارسته، فالرؤية اليهوديّة للاعتقادات هي رؤية شرعيّة فقهيّة، والتقسيم الثلاثي الذي عرفه المسلمون (العقائد ـ الأحكام ـ الأخلاق) لم تعرفه اليهوديّة في الماضي، وغالباً ما يغيب عنها لاحقاً، ولهذا وجدنا أنّ موسى بن ميمون القرطبي كان أوّل من صاغ أصول الدين اليهودي الثلاثة عشر متأثراً بالتجربة الإسلاميّة.

وفي مقابل هذه الهيمنة الفقهيّة لتنظيم حياة الفرد اليهودي بحيث تسيطر عليه الشريعة في كلّ حركاته، مستقاةً من الكتاب المقدّس (العهد القديم) ومن التلمود، رغم أنّ التوراة في التوصيف اليهودي لم تشتمل سوى على 613 حكماً فقهيّاً فقط.. نجد تحوّلاً واضحاً في المسيحيّة، نحو الذهاب أكثر إلى البعد الملكوتي من الدين (الدين بوصفه في السماء)، فلم يعد عيسى المسيح هو (المسيا/الماشيح) بالتصوّر اليهودي له، بل تمّ تحويله إلى (مسيا الملكوت)، فبدل أن يملك سلطان الأرض ها هو يملك سلطان السماء والملكوت، ومملكته ليست هنا بل هي هناك، وأنّ على المسيحيّ أن يعمل لكي يكون مع المسيح في مملكته السماويّة.

لا اُريد أن أذهب في الحديث بعيداً عن دور بولس (ما بين 64 و 67م) في إيجاد تحوّل عميق في المسيحيّة، كما يراه العديد من الباحثين المعاصرين، ففيما كانت المسيحيّة في البداية ليست سوى حركة داخل ـ يهوديّة، ها هي الآن تتحوّل مع بولس إلى حركة عالميّة، وتحوّلها هذا صاحبه قرار مهمّ، وهو أنّ غير اليهود من المؤمنين بعيسى المسيح لا يلزمهم الختان، وشيئاً فشيئاً لم يعد يلزمهم أن يدخلوا في المنظومة الفقهيّة الشرعيّة التي لحقت بني إسرائيل، وصارت الوصايا العشرة ومقولة الإيمان مع الالتزام بما تقرّره الكنيسة بوصفها ظلّ الله على الأرض وواسطةَ الفيض الإلهي، هي العناصر الكافية في ذلك.

وبلغ الأمر أوجه مع البروتستانتيّة في القرن السادس عشر الميلادي، بالذهاب خلف فكرة الإيمان، وأنّ العمل ليس سوى نتيج الإيمان، لا أنّه شرطٌ من شروطه، وهي قضيّة تركت تأثيراً كبيراً على الحياة المسيحيّة.

لا اُريد هنا أن أقول بأنّ اليهودية دنيويّة والمسيحيّة اُخرويّة، فهذا الكلام ليس دقيقاً من وجهة نظري، لكن من الواضح أنّ تنظيم الشأن الدنيوي البدني المادي للفرد حاضر بقوّة في اليهوديّة أكثر بكثير من حضوره في المسيحيّة، خاصّة البروتستانتيّة التي خفّفت من الشعائر (من الأسرار السبعة إلى الاثنين) وحيّدت سلطة الكنيسة.

وسط هذا الثنائي اليهودي ـ المسيحي، يبدو التصوّر النمطي عند الكثير من المسلمين قائماً على أنّ الإسلام قدّم رؤية معتدلة ومتوازنة بين الدنيا والآخرة، وأنّه في الوقت الذي اهتمّ فيه بالدنيا أبدى اهتماماً بالآخرة كذلك، وأنّه جمع بين الدنيا والآخرة ونظّمهما، ولكنّ هذه القضيّة غير واضحة على طول الخطّ، بل تختلف باختلاف المدارس الإسلاميّة من متصوّفة وعرفاء وفلاسفة ومتكلّمين وفقهاء ومحدّثين وغيرهم، وحيث كان الفقه الإسلامي حاضراً بقوّة كانت دنيويّة الإسلام فعّالة أيضاً بهذا المعنى للدنيويّة، أي تنظيم الشؤون المادّية للفرد والجماعة، والتدخّل في سلوكهم البدني والمادي بشكل واسع.

إنّ نفوذ الفقه الإسلامي والفقهاء في حياة المسلمين جعل القناعة الواضحة قائمةً على أنّ الإسلام يتدخّل بقوّة في تنظيم حياة الفرد والجماعة على الصعيد المادي لها، من أحوال شخصيّة، وقضايا ماليّة، وفعاليّات بدنيّة مختلفة، تصل إلى اللباس والطعام والشراب وغير ذلك.

في هذا الوسط، طرح بعض المفكّرين المسلمين في العصر الحديث تصوّراً آخر لموضوع هويّة الإسلام بين الدنيويّة والاُخرويّة، ومن أبرز هذه الشخصيّات التي عنونت مشروعها بهذا العنوان، كان المهندس مهدي بازرگان الذي آمن بهذا التوجّه في أواخر حياته بشكل أكبر وأوضح، ومن قَبْله الشيخ علي عبد الرازق.

بدوري هنا سوف آخذ علي عبد الرازق ومهدي بازرگان بوصفهما أنموذجين فقط للتفكير الرسالي والأخروي للدين، بعيداً عن المفهوم الواسع لدنيويّة الدين وسلطويّته وتدخّله في كلّ مساحات الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة، لنعالج نظريّة الرساليّة والاُخرويّة من خلال هذين الأنموذجين الدالّين.

الأنموذج الأوّل: الشيخ علي عبد الرازق وتجريد الرسالة من الخلافة

تمثل الاُطروحة التي قدّمها الشيخ الأزهري علي عبد الرازق (1966م) في تجريد الرسالة من الخلافة، واحدة من أكبر الهزّات الفكريّة التي عرفها العالم العربي في النصف الأوّل من القرن العشرين.

أ ـ السياق ظروف وملابسات مشروع رساليّة الدين

ولد علي بن حسن بن أحمد عبد الرازق عام 1887 أو 1888م في أبو جِرج بمحافظة المنيا، في صعيد مصر، في اُسرة عرفت بالمستوى العلمي والثقافي والمالي، وقد التحق بالأزهر ـ بعد حفظه للقرآن الكريم ـ لدراسة العلوم، ثم لمّا تمّ إنشاء الجامعة المصرية عام 1908م، جمع بين الدراسة الأزهريّة والجامعيّة، ثم سافر إلى إنجلترا للدراسة في جامعة أكسفورد، وعاد إلى مصر عام 1915م نتيجة الحرب العالميّة الأولى، وفي العام نفسه عيّن قاضياً شرعيّاً، وكان يقضي بمحكمة المنصورة الابتدائيّة الشرعيّة، حتى وقعت أزمة كتابه الذي سنتحدّث عنه، وذلك عام 1925م، فأثار كتابه غضباً واسعاً من قبل الملك والمؤسّسة الدينيّة، ففُصِل من عمله، بقرار من هيئة كبار العلماء في الأزهر، صدر في 12 ـ آب ـ 1925م، رغم وجود بعض الاختلافات بين العلماء في أنّ ما فعله عبد الرازق كان يستحقّ الطرد أو لا، وسُحبت منه شهادة الأزهر وتمام الامتيازات التي كانت لديه، وهاجمته الصحف والملتقيات العلميّة والدينيّة، واتهم في سبع تهم تضمّنها الكتاب، ثم اشتغل في المحاماة على إثر ذلك.

وعندما أصبح أخوه الشيخ مصطفى عبد الرازق باشا (1946م) شيخاً للأزهر عام 1945م، اُعيد الشيخ علي عبد الرازق، ليدخل في جماعة العلماء، ثم ليصبح لاحقاً عام 1948م وزيراً للأوقاف المصريّة، بل قد كان عضواً في مجلس النواب ومجلس الشيوخ، وعضواً في مجمع اللغة العربيّة.

يُعرف علي عبد الرازق بعمله السياسي أيضاً، فقد كان في صفّ المعارضة، ويرى محلّلون ومؤرّخون أنّ سبب الضجّة الكبرى التي حصلت لكتابه (الإسلام وأصول الحكم) هو أنّ هذا الكتاب صدر بعد فترةٍ بسيطة من انهيار الخلافة العثمانيّة، حيث صدر قرار إنهاء الخلافة من قبل مصطفى كمال أتاتورك (1938م) عام 1924م، وبهذا لم يعد يصبح في العالم الإسلامي شيءٌ اسمه الخليفة، ويذهب هؤلاء في تحليلهم إلى أنّ ملك مصر فؤاد الأوّل (1936م)، طمع في إعلان نفسه خليفةً على المسلمين، في سياق منافسة على هذا الموضوع بين الحجاز ومصر وأفغانستان و.. وتحرّكت بالفعل جماعاتٌ بدأت بالترويج لهذه الفكرة استعداداً لإعلانها، وفي هذه الفترة بالذات ظهر الكتاب إلى العلن، ليُشارك ـ أراد مؤلّفه أم لا ـ في إنهاء حلم الملك المصري بالخلافة عقب الخلافة العثمانيّة، وهذا ما وضع الكتاب في سياق معركةٍ سياسيّة حادّة جدّاً، ففيما كانت السلطة والأزهر وبعض الأحزاب مثل حزب الاتحاد ضدّ الكتاب وتيارات عديدة أخرى، كانت بعض أحزاب المعارضة تقف إلى جانب المؤلّف، مثل حزب الاتحاد، وكذلك الكتّاب الأحرار، الذين كان يقف على رأسهم شخصيّات بارزة من نوع عباس محمود العقّاد (1964م)، ومحمد حسين هيكل (1956م)، وأحمد حافظ عوض بك (1950م) وغيرهم([2]).

صدر كتاب (الإسلام وأصول الحكم) عام 1925م، وطبع مرّتين في عام واحد، ثم نشر في بيروت عام 1966م، من قبل دار ومكتبة الحياة، لتعود مجلّة الطليعة المصريّة فتنشر نصّه الكامل عام 1971م، ثم طبعته الهيئة المصرية للأوقاف عام 1993م، ثم المؤسّسة العربية للدراسات والنشر عام 2000م، ثم مكتبة الأسرة عام 2007م، ثم نشره دار الكتاب المصري ودار الكتاب اللبناني عام 2012م.

وقد ساهم هذا الكتاب في عاصفة من البحوث والدراسات التي أطلقت رحلةَ البحث في إشكاليّة العلاقة بين الدين والدولة في الفكر العربي، وكتبت حوله الكثير من الدراسات المؤيّدة والمعارضة إلى يومنا هذا، ومن بينها كتاب شيخ الأزهر الشيخ محمد الخضر حسين (1958م)، تحت عنوان (نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم)، وكتاب مفتي الديار المصريّة الشيخ محمد بخيت المطيعي (1935م) تحت عنوان (حقيقة الإسلام وأصول الحكم)، ونَقَدَه العلامة التونسي الطاهر بن عاشور (1973م) في كتابه (نقد علمي لكتاب الإسلام وأصول الحكم)، وعبد الرزاق السنهوري (1971م) في كتابه (أصول الحكم في الإسلام)، والقرضاوي في كتابه (الدين والسياسة، تأصيل وردّ شبهات)، وغيرهم.

ويطرح بعضُ خصوم الكتاب أنّ عليّ عبد الرازق ليس هو المؤلّف الحقيقي للكتاب وإنّما هو الدكتور طه حسين (1973م)، شبه ما قيل عن قاسم أمين (1908م) في كتابه (تحرير المرأة)، من أنّ آخرين ـ مثل الشيخ محمّد عبده (1905م) ـ قد شاركوا في تدوينه، فيما يقول آخرون بأنّ المؤلّف الحقيقي لكتاب (الإسلام وأصول الحكم) هو المستشرق البريطاني ديفيد مرجليوث (1940م)، الذي يقال بأنّه تأثر به طه حسين أيضاً في اُطروحته في الشعر الجاهلي، بينما ينقل عديدون ـ منهم الشيخ محمّد الغزالي (1996م) والدكتور محمّد عمارة([3]) ـ أنّ علي عبد الرازق تراجع آخر حياته عن الكتاب، ورفض نشره مرّةً أخرى، بل قيل ـ نقلاً عن أبنائه ـ بأنّه كان يهمّ بإعادة تدوين الكتاب بشكل جديد متراجعاً عن أفكاره فيه، والعلم عند الله.

وكالعادة، شكّل كتاب علي عبد الرازق مادّة جدليّة ـ ولو بشكل محدود جداً ـ بين الشيعة والسنّة، حيث لمسنا أحياناً بعض الكتّاب الشيعة([4]) يوظّفون ما طرحه الشيخ عبد الرازق بوصفه إعلاناً واعترافاً سنيّاً بأنّ الخلافة التي أخذها أبو بكر بعد النبيّ لا علاقة لها بالدين، بل هي عملية دنيويّة بحتة.

هذا، ولعلي عبد الرازق كتبٌ أخرى أهمّها كتابه (أمالي علي عبد الرازق) و (الإجماع في الشريعة الإسلاميّة).

ب ـ صورة الخلافة في الفهم الإسلامي العام

ينطلق علي عبد الرازق في رحلته من رغبته بتدوين دراسة حول القضاء وتاريخه بحكم عمله في هذا المجال، لكنّه يرى أنّ القضاء في المفهوم السائد له هو شعبة من شعب الولاية والحكومة والسلطة، الأمر الذي يضطرّه للذهاب خلف دراسة قضيّة الحكم ليكون ذلك مدخلاً واعياً لفهم مسألة القضاء والنظام القضائي؛ لأنّ أساس كلّ حكم هو الخلافة والحكومة.

وبعد مقدّمة تبدي في كلامه ملامح التواضع العلمي، يشرع عبد الرازق في رصد مفهوم الخلافة في اللغة والاصطلاح الإسلامي السائد، فيستنتج ـ بعد استعراض بعض النصوص العلميّة والفقهيّة ـ أنّ الخلافة هي نوع من الحكومة على أساس المعايير الشرعيّة، وهذا يعني أنّ منصب السلطة هو في الأصل للرسول صلى الله عليه وآله، لكنّ الخليفة بعد النبيّ يقوم بتولّي هذا المنصب عنه، ومن هنا يكون الخليفة خليفة رسول الله، وليس خليفة الله في رأي بعضٍ، وهذا يعني أنّ تمام المناصب والولايات والسلطات التي كان يملكها الرسول في شعبه وقومه، بتوجيه من الله سبحانه، باتت ثابتةً للخليفة بعد النبيّ في إدارة أمور الناس كلّها على منهاج الشرع، ويترتب على ذلك وجوب إطاعته ظاهراً وباطناً، إلى حدّ تصبح قضيّة الطاعة جزءاً لا ينفكّ من الإيمان نفسه.

بهذه الطريقة يصبح الخليفة سلطاناً مطلقاً تنبعث كلّ الأمور عنه، وتملك تمام الأمور شرعيّتها من شرعيّته، وبسبب ذلك لا شريك له، بل كلّ من يملك سلطةً غيره إنّما يملكها بوكالةٍ منه وتفويض، فالسلطة تتنزّل من الأعلى للأدنى وليس العكس.

وهذه السلطة المطلقة التي بات يحظى بها الخليفة جعلت الفقهاء المسلمين يسعون لتقييدها خوفاً من طغيانها، لهذا قيّدوها بأن تكون ممارَسةً على وفق الشرع، فإذا انحرف الخليفة عن جادّة الشرع فقد سقطت خلافته وانتهى مفعولها، وبهذا كلّه تتميّز الخلافة في المفهوم الديني السائد عن كلّ من الملك والسلطة السياسية الزمنيّة، فالملك الطبيعي قائم على الشهوة والهوى، فيما السلطة الزمنيّة قائمة على النظر العقلي، بينما الخلافة قائمة على منهاج الشرع الحنيف.

هذه الصورة التي يشرح عبد الرازق من خلالها مفهومَ الخلافة عند العلماء المسلمين، تفرض عليه سؤالاً ملحّاً وهو: من أين استمدّ الخليفة سلطته العليا هذه؟ ومن أعطاه هذه القدرة المطلقة؟

يُرشدنا علي عبد الرازق إلى وجود اتجاهين هنا:

الاتجاه الأوّل: وهو يرى أنّ هذه السلطة جاءت للخليفة من سلطة الله سبحانه وسلطانه، فالسلطة تنزّلت من الله للبشر، والله هو صاحب السلطة المطلقة الحقيقيّة، وهذا هو الرأي الأكثر شيوعاً بين المسلمين، حتى أنّك تجد أنّ العديد من العلماء والرموز يضعون في مقدّمات كتبهم الكثير من المديح للسلاطين والخلفاء بأوصاف تُظهر أنهم ظلّ الله على الأرض.

الاتجاه الثاني: وهو مذهب بعض العلماء ـ منهم العلامة الكاساني (587هـ) ـ ويرى أنّ هذه السلطة يحصل عليها الخليفة من الأمّة، فهي تقوم بتوكيله أو تفويضه بأمورها، فالسلطة تأتي من الأمّة نحو الخليفة، وليس من الخليفة نحو أحد دونه.

ويشبّه عبد الرازق هذا الخلاف في الداخل الإسلامي بالخلاف في العالم الأوروبي بين فلاسفة الاجتماع والسياسة، ففيما يذهب توماس هوبز (1679م) إلى أنّ السلطة حقٌّ سماوي، يرى جون لوك (1704م) أنّها منبعثة من الإرادة الشعبيّة.

هذا هو المدخل التعريفي الذي قدّم لنا به عبد الرازق صورةَ الخلافة ومفهومها في الأدبيّات الدينيّة الإسلاميّة، لينطلق بنا في المرحلة اللاحقة للموقف من نصب الخليفة والمسؤوليّات التي تترتب على ذلك.

ج ـ المبرّرات الموضوعية لضرورة نصب الخليفة تحت مجهر النقد

يشرح لنا عبد الرازق أنّ مشهور المسلمين يرون وجوب نصب الخليفة عقلاً أو شرعاً، فيما يشذّ قليلون عن هذا القول ـ مثل الأصمّ من المعتزلة، وبعض الخوارج ـ والدليل الذي يقدّمه الفريق السائد تارةً هو الإجماع، وأخرى هو أنّ الإمامة والخلافة ضرورة لقيام الحقّ والدين وفرائض المسلمين كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

هذا النوع من الأدلّة يثير حفيظة علي عبد الرازق، ويوفّر له أرضيّةً لنقد الفكرة السائدة، حيث يرى أنّ هذه الأدلّة خير شاهد على أنّ العلماء المسلمين لم يجدوا في القرآن الكريم الذي لم يفرّط في شيء، دليلاً واضحاً على قضيّة حسّاسة بهذا المستوى، ولهذا لجأوا إلى مقاربات عقليّة تارةً، وإلى مرجعيّة الإجماع تارةً أخرى، بل السنّة النبويّة هي الأخرى لم تتصدَّ لهذا الموضوع أيضاً، بدليل أنّهم لم يذكروا شيئاً في السنّة يؤيّد فكرة ضرورة نصب الخليفة، حتى جاء الشيخ محمّد رشيد رضا ليذكر نصوص وجوب لزوم جماعة المسلمين وأن من مات بلا بيعة مات ميتة جاهليّة وأنّ الأئمّة من قريش وأمثال ذلك.

يتوقّف علي عبد الرازق أمام هذا النوع من الأدلّة القرآنيّة والحديثيّة، ليرى أنّه لا يتضمّن مفهوم النيابة عن النبيّ. إنّه مهتمّ كثيراً بهذا المفهوم، ويريد أن يخلع عن الخلافة مفهوماً من هذا النوع. إنّ جميع هذه النصوص لا تدلّ على فكرة النيابة عن النبيّ أو أنّ هذا الأمير هو ممثل الله أو الرسول أو أنّه يأخذ قوّته من الله سبحانه، بل يذهب أبعد من ذلك حينما يرى أنّ منتهى دلالة هذه النصوص هو طاعة الإمام الذي بايعناه، لكنّ هذا لا يعني أنّ علينا إيجاد إمامٍ لكي نبايعه، بل لو بايعنا إماماً لزمنا طاعته، فهذا مثل الوفاء للمشركين بالعهد لا يعني الرضا بالشرك، ومثل الدعوة لإكرام الفقراء لا تعني الاهتمام بإيجاد الفقر في المجتمع لكي نكرم الفقراء، وكذا الأمر بإطاعة الولاة الباغين وعدم الخروج عليهم لو كان فيه فتنة لا يعني الدعوة لاختيار ولاةٍ من هذا النوع.

ينتقل بنا عبد الرازق هنا إلى مقاربة الخلافة من زاوية اجتماعيّة، ليُحلّل ادّعاء الإجماع على لزوم نصب الخليفة بعد النبيّ، ويشرع من الرصد التاريخي لمديات اهتمام المسلمين بعلوم السياسة، فهو يرى أنّ ما تركه المسلمون في علوم السياسة والملك قليلٌ للغاية مقارنةً بما قدّموه في غير ذلك، رغم أنّهم اهتمّوا بترجمة علوم اليونان الذين أكثروا من الاهتمام بعلوم السياسة وإدارة المدن، فلم يولوا جمهوريّة أفلاطون ولا سياسة أرسطو ما أولوه لسائر أعمالهما، رغم أنّه ما من خليفة أو حاكم عبر التاريخ الإسلامي إلا وكان له معارضون، حتى امتلأ تاريخ المسلمين بالمعارضات السياسيّة، ورغم هذا ما شهدنا لهم شيئاً مهمّاً في مجال علوم السياسة.

وسبب هذا كلّه في رأي عبد الرازق هو أنّ المسلمين يعرفون المُلك بالاختيار، لا بتنصيب أحد للسلطة عليهم من غيرهم، ولهذا كانت السلطة عندهم ـ إذا أرادت أن تنجح ـ بالقهر والغلبة عادةً، وهذا هو السبب وراء ضمور علوم السياسة عندهم؛ لأنّ الحكّام كان لهم نفوذ السلاح على جميع مراكز التعليم نتيجة انتشار الاستبداد، فلم يحيا علم السياسة؛ لانّه يناقض مصالح الحكّام.. من هنا نفهم أنّ السلطة في التاريخ الإسلامي ما دامت تقوم بالغلبة والقهر وتحت ظلّ السيوف فكيف يمكن لنا أن نحتجّ بالإجماع على شرعيّة الخليفة، وهو إجماع ينعقد تحت ظلّ السيف، فمَن يجرؤ في تاريخ المسلمين على أن ينكر ضرورة الخليفة وشرعيّة وجوده ولزوم طاعته بعد هذا؟! وكيف نحتجّ بإجماعٍ من هذا النوع؟!

وبهذا يخلص عبد الرازق إلى أنّه لا يوجد قرآنٌ ولا سنّة ولا إجماع معتبر هنا، فلم يبقَ سوى دليل العقل الذي أشرنا له سابقاً، وهو توقّف إقامة الدين وفرائضه على الخلافة. يُقارب عبد الرازق هذا الموضوع من زاوية أنّه لو قصدوا ضرورة أصل وجود سلطة مهما كان نوعها، استبداديًةً أو ديمقراطية أو بلشفية أو اشتراكيّة أو.. فهذا صحيح، في مقابل الفوضى العارمة، لكن هل هذا يُنتج مفهوم الخلافة بالمعنى الذي عرفه المسلمون؟! إنّ شعائر الدين وفرائضه لا تتوقّف ـ ويشهد بهذا التاريخ ـ على السلطة بنوعها الخاصّ المسمّى بالخلافة، فهل كان الدينُ في بغداد تحت رعاية الخليفة أفضل منه في سائر بلاد المسلمين الذين حكموا بعيداً عن خلافة هذا الخليفة؟ بل هل كانت الدنيا أفضل؟

د ـ قراءة مختلفة لظاهرة السلطة في التجربة النبويّة

بعد هذه النتيجة، لا يمكن لعلي عبد الرازق أن لا يقف مليّاً مع التجربة النبويّة نفسها هذه المرّة، وهي التي تُخبرنا بأنّ النبيَّ مارس السلطة، فكيف يقرأ عبد الرازق هذه التجربة؟

إنّه يشرع بالتوقّف قليلاً عند التجربة القضائيّة، فيرى أنّ النصوص قليلة للغاية في تجربة النبيّ القضائيّة، وأنّ من ولاهم على القضاء لا يزيدون عن أصابع اليد الواحدة، بل الروايات في توليتهم متضاربة. إنّنا لا نجد أبسط أشكال الدولة في التاريخ النبويّ، فلا توجد شرطة ولا وزارات ولا ماليّة ولا غير ذلك، فعادةً من يبحث في تاريخ دولة ـ كما يفعل العلماء في تاريخ الخلافة الأموية وما بعدها ـ يذكرون لك الولاة والقضاة والعمّال والموظفين والدواوين وأجهزة الدولة، الأمر الذي لا نجد شيئاً منه في التاريخ النبوي، ولهذا تراهم يتكلّفون في مقاربة هذا الموضوع نتيجة شحّ المعطيات..

هذا كلّه يطرح السؤال المركزي الذي هو أصل فكرة علي عبد الرازق: هل كان النبيّ صاحب رسالة ودعوة دينيّة أو كان أيضاً صاحب دولةٍ سياسيّة؟

يبدأ عبد الرازق بمقاربة هذا الموضوع بوجلٍ وحذر واضحَين، ويتقدّم بشكل تدريجي، فيقرّر في البداية نوعاً من التغاير الذاتي بين الرسالة والملك، ففي ذاتهما لا تستدعي واحدة منهما الأخرى، والتاريخ يدلّ على أنّهما افترقا، بل أكثر الأنبياء لم يكونوا ملوكاً، فهذا عيسى يترك ما لقيصر لقيصر، وهذا يوسف كان عاملاً عند فرعون مصر، فهل كان محمّد مثل القليل من الأنبياء الذين جمعوا السلطةَ والرسالة؟

الشيء الذي يألفه المسلمون هو هذا، رغم أنّ هذا البحث بهذا العنوان قليلاً ما دُرس بشكل مركّز، ولكنّ بعض من تناوله اعتبر أنّ النبيّ مارس السلطة عبر جباية الزكاة وعبر السقاية وإدارة الحجّ، وعبر الجيش والجهاد وتنظيم الأمور والاهتمام بالمساجد ومراكز تعليم الشريعة، ونصب القضاة والولاة، ومقيمي الحدود ومجري القوانين. ويتوقّف عبد الرازق عند الجهاد الذي لم يكن ليمارسه النبي لفرض الدين على الناس فالأديان لا تقوم بالفرض، بل من الطبيعي أنّه مارسه لبناء الملك.

يعتبر عبد الرازق أنّ هذه الصورة التاريخيّة لا تكفي للوصول إلى الاستنتاج النهائي، إذ ما زال هناك سؤالٌ جادّ وهو: هل كلّ هذه التجربة النبويّة كانت تمثل جزءاً من الرسالة بحيث تكون رسالته البيان والتنفيذ معاً؟ يكاد يقرّ عبد الرازق بأنّه لم يتحدّث في هذا الأمر أحدٌ عدا من أنكر ضرورة الخلافة أصلاً ممّن ربما يكون قوله راجعاً لهذا، لكنّه مع ذلك لا يرى هذا القول كفراً ولا شركاً ولا إلحاداً، بل هو يرى أنّ العلماء المسلمين لم يجعلوا التنفيذ جزءاً من الرسالة عندما كانوا يتحدّثون عنها إلا ابن خلدون الذي يرى عبد الرازق أنّ كلامه ينافي روح فكرة الدعوة الدينيّة التي لا تقوم بالغلبة، بل يصرّ عبد الرازق: إذا كان النبيّ ملكاً ضمن رسالته، فلماذا خلا تاريخ النبوّة من أركان الدولة؟! فليس هناك من نصب الولاة والقضاة، ولا تكلّم عن قواعد السلطة وإدارة الملك أو الشورى، ولماذا ترك الناس بعده حيرى في كيف يديرون أمورهم؟!

يحاول الفريق الآخر هنا أن يقدّم أجوبة فيذهب بنا في البداية لتأكيد وجود نظام حكومي كامل في العصر النبوي، ويبرّر عدم وضوح الصورة بعدم وصول كلّ المعلومات التاريخيّة، ويعترف عبد الرازق بإمكانات الجهل هذه، لكنّه يسأل لماذا خفيت علينا هذه المعلومات؟ وما سبب اضطراب الصورة؟

ربما يلتمسون جواباً آخر، وهو بساطة السلطة النبويّة حيث لم تكن الأمور بمستوى فرض أجهزة دولة كبيرة، وهذه الأجهزة مصطلحات حادثة متأخّرة كانت تمارس ببساطة عالية آنذاك، والنبيّ شخصية غير متكلّفة، وكان يعيش البساطة في مجتمعٍ أمّي؛ لهذا ما كانت كلّ هذه الأبّهة في أنظمة الملك تعنيه أو يحتاجها، بل كان يدير الأمور ببساطة شديدة.

عبد الرازق هنا يقبل بمبدأ البساطة والعفويّة النبويّة، ويرى هذا التحليل أقرب الأجوبة إلى الصواب، لكنّه مع إقراره بكون الكثير من فروع الحكم اليوم تكلّفاً، لا يقدر على أن يستوعب غياب بعض أساسيّات وأوليّات الدولة مما كانت تفتقده التجربة النبويّة، فلا توجد دواوين ولا ميزانيات ولا حسابات للمصاريف والواردات، فهل إلى هذا الحدّ يكون غياب هذا فطريّاً وعفوياً وبسيطاً؟!

هـ نبوّةٌ لا حكم ودعوة لا دولة وأمّةٌ لا خلافة، تفسير واستدلال

بهذه الجولة النقديّة يصل عبد الرازق إلى فكرته المركزيّة، وهي أنّ النبي كان رسولاً وداعية لا ملكاً وسلطاناً، لكنّه يحذر جداً من الخطأ في فهم هذه الفكرة، فلا تعني أنّه ليس له نفوذ وزعامة اجتماعيّة في قومه وأمّته، تماماً كزعامة موسى وغيره، بل زعامة النبيّ أعمق بكثير من زعامة الملوك؛ لأنّها تلج الروح وتُحكم قبضتها ليُطاع في سلوك الناس وأعمالهم، لكنّ هذا غير إطاعة الملوك، بل هي شاملة مستوعبة لكلّ صغيرة وكبيرة في حياتهم، فهو الموجّه والقدوة والروح والتربية والمثال، وبهذا تمتاز الولاية الروحيّة النابعة من الإيمان عن الولاية السلطانيّة النابعة من القدرة الماديّة، فالأولى تدير دين الناس وروحهم وأخلاقهم، بينما الثانية تدير دنياهم وأبدانهم.

من الواضح أنّ عبد الرازق قلقٌ جداً من معضلة المصطلحات والتعابير وسوء الفهم، لهذا يؤكّد دوماً على أنّ ما ينفيه هو مفهوم الدولة والسياسة والملكيّة بالمعنى الذي يطرحه علماء السياسة، وهذا مغاير لمفهوم أنّ النبيّ هو رأس الجماعة المسلمة التي تمثل وحدة اجتماعيّة، وهذه الوحدة ـ التي يسمّيها الشيخ محمّد مهدي شمس الدين بالأمّة ـ ناضل النبيّ عنها ودافع وجاهد، وكان زعيمها المطاع.

يؤكّد القرآن على أنّ زعامة النبيّ ليست سلطوية بالمعنى السياسي، استناداً إلى النصوص العديدة التي تؤكّد أنّه ليس بوكيل ولا بحفيظ ولا برقيب ولا بجبّار ولا بمسيطر ولا غير ذلك من علائم الملوكيّة والسلطة السياسيّة، بل هو مبشّر ومنذر.

وليس القرآن فقط يشهد لهذا، بل السنّة الشريفة أقطع وأصرح في ذلك، فالنبيّ يعلن لذلك الذي تهيّب أمامه منه بأنّه ليس بملك ولا جبّار، بل شخصٌ عادي ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكّة، بل ورد في بعض الروايات أنّه خُيّر بين أن يكون مَلِكَاً أو عبداً رسولاً فاختار العبوديّة.

هذا الدين ـ عند عبد الرازق ـ موعود بالنصر، أي إنّه سوف يكون العالم وحدة دينيّة واحدة، وهذا لا يعني أنّهم وحدة سياسيّة واحدة، إذ هذا يوشك أن يكون خارجاً عن الطبيعة البشريّة، فالدنيا تركها الله لنا لنديرها وندير أمورنا فيها، ولهذا قال لنا النبيّ في حديث تأبير النخل بأنّكم أعلم بأمور دنياكم، بل الدنيا أهون عند الله أن يبعث لها رسولاً بعد أن خلق لنا عقولاً نديرها بها.

وبهذا يتوصّل عبد الرازق إلى اجتماع دليل القرآن والسنّة والعقل معاً لإثبات ما يريد. وبهذا كلّه يفهم معنى الجهاد النبوي الذي هو تكريس لوجود الأمّة وقوّتها وكينونتها، وبهذا يفهم كيف أنّ الإسلام لما دخل إلى سائر قبائل العرب وغيرهم لم يغيّر من أنظمة إدارتهم للحياة شيئاً.

العقبة المهمّة التي يواجهها عبد الرازق هنا هي منظومة التشريعات الفقهيّة والقانونيّة التي جاء بها الإسلام، إذ تكشف عن نظامٍ تجاري ومدني وجزائي وجنائي وهذا كلّه يعود بنا إلى تكوين دولة بوحدة سياسيّة واحدة، لكنّ عبد الرازق يرفض ذلك، ويرى ـ في مقاربة مهمّة ولو مختصرة ـ أنّ كلّ هذا النتاج الفقهي لا يمثل سوى جزء بسيط من لوازم إدارة دولة، وهو بهذا يقرّ بعدم شموليّة الشريعة لكلّ حاجيات الدولة وقواعد نشاطها، وكلّ تشريعات الدين هي لإدارة دين الناس لا دنياهم.

لهذا رحل النبي ولم ينصب أحداً بعده ولا إشار إلى دولة على الناس أن ترعاها بعده، ولو كان مهتماً لدولةٍ لما ترك أمرها هكذا، فبُناة الدول تكون هذه هي أولويّاتهم، وما ذكرته الشيعة من تنصيب عليّ هو ـ عند عبد الرازق ـ مما حظّه من النظر العلمي قليلٌ لا يُلتفت إليه، وما نقل عن بعض السنّة من أنّ النبيّ نصّب أبا بكر هو ـ عنده ـ تعسّفٌ لا وجه له.

عبر هذا كلّه، يستنتج عبد الرازق أنّه بموت النبي انتهى عصر الرسالة وانتهت زعامته، وليس لأحد أن يأخذ زعامته عنه بعد وفاته، بل هي زعامة جديدة تخضع لقواعد جديدة، ولهذا يعتبر عبد الرازق أنّ خلافة أبي بكر هي بداية عصر الملك في الإسلام؛ لأنّها نشأت من قواعد مدنيّة وليست دينيّة، فهي دولة عربيّة وليست إسلاميّة دينيّة؛ لأنّ الإسلام لجميع الأمم والشعوب، وما حصل لاحقاً من خلع صفات القداسة والدينيّة على تجربة أبي بكر وغيره، إنما هو شيء حصل فيما بعد، وبهذا نشأ لقب خليفة رسول الله، وهو لقب في ذاته ليست له أيّ دلالة سوى أنّه لحق به في الزمان، لكنّه اتخذ معنى دينيّاً خاصاً بمرور الزمن حتى صار خليفة خليفة الله خليفةً لله، رغم أنّه قد ورد عن أبي بكر نفسه استنكار توصيفه بأنّه خليفة الله، وهذه الصبغة الدينيّة التي ألحقوها بعد النبيّ بأبي بكر هي السبب فيما يبدو في وصفهم معارضي أبي بكر بالمرتديّن، وما كان جميعهم هكذا، بل كانوا معارضين للانضمام للوحدة السياسيّة التي كان يريد أبو بكر أن يتزعّمها؛ ولهذا تمنّعوا عن دفع الزكاة له. وقصّةُ خالد بن الوليد ومالك بن نويرة شاهد على أنّ النزاع لم يكن دينياً، بل كان سياسيّاً.

إنّ هذه الصفة التي خُلعت على أبي بكر ومن بعده راقت للسلاطين من بعد، كي يُحكموا سلطانهم ويضربوا الناس بالحديد والنار بلا معارضة، فتكرّس مفهوم الخلافة يوماً بعد يوم، وهو مفهومٌ لا أصل له([5]).

بهذا ينهي عبد الرازق اُطروحته، ليختمها بالنصّ الآتي: mالحقّ أنّ الدين الإسلاميّ بريء من تلك الخلافة التي يتعارفها المسلمون، وبريء من كلّ ما هيّأوا حولها من رغبة ورهبة ومن عزّ وقوة، والخلافة ليست في شيء من الخطط الدينيّة، كلا ولا القضاء ولا غيرهما من وظائف الحكم ومراكز الدولة، وإنّما كلّها خطط سياسيّة صرفة لا شأن للدين بها، فهو لم يعرفها ولم ينكرها ولا أمر بها ولا نهى عنها، وإنّما تركها لنا لنرجع فيها إلى أحكام العقل وتجارب الأمم وقواعد السياسة. كما أنّ تدبير الجيوش الإسلاميّة وعمارة المدن والثغور ونظام الدواوين لا شأن للدين بها، وإنّما يرجع الأمر فيها إلى العقل والتجريب أو إلى قواعد الحروب أو هندسة المباني وآراء العارفين. لا شيء في الدين يمنع المسلمين أن يُسابقوا الأمم الأخرى في علوم الاجتماع والسياسة كلّها، وأن يهدموا ذلك النظام العتيق الذي ذلّوا له واستكانوا إليه، وأن يبنوا قواعد ملكهم ونظام حكومتهم على أحدث ما أنتجت العقول البشريّة، وأمتن ما دلّت تجارب الأمم على أنّه خير أصول الحكمn([6]).

هذه هي عصارة أفكار علي عبد الرازق الذي ذهب إلى نوع من تقليص كبير لحضور الإسلام في الحياة السياسيّة والاجتماعيّة، نحو كونه رسالة روحيّة أو ـ إذا تركنا هذا التعبير (رسالة روحيّة) الذي حاول هو في بعض تعليقاته التي أعقبت صدور حكم علماء الأزهر أن يرفض انتسابه إليه رغم وجود هذا التعبير في كتابه ـ رسالة دنيويّة بالحدّ الأدنى لها.

من خلال هذا كلّه يصنَّف عبد الرازق رمزاً من رموز انطلاق العلمانيّة المؤمنة في العالم العربيّ، فوفقاً للتقسيم الثلاثي الذي قدّمه المفكّر الأردني فهمي جدعان لمستويات التغريب، يغدو علي عبد الرازق في المستوى الثالث، حيث يرى جدعان أنّ مستويات التغريب ثلاثة:

المستوى الأوّل: التمثل بالغرب تماماً في كلّ شيء، والقطيعة التامّة مع العروبة والإسلام، ومن نماذج هذا المستوى كلّ من أحمد لطفي السيد، وسلامة موسى، ومحمد عزمي.

المستوى الثاني: الليبرالية ومرجعيّة العقل المحض فقط لا غير في كلّ شيء، ومن أبرز نماذج هذا المستوى كلّ من إسماعيل مظهر، وطه حسين.

المستوى الثالث: العلمانيّة وفصل الدين عن الدولة، وهذا المستوى ارتبط عند جدعان بعلي عبد الرازق الذي سبقه الأتراك إليه([7]).

الأنموذج الثاني: المهندس مهدي بازركان، وتحويل الدين من الدنيا إلى الآخرة

يمكن الحديث عن نظريّة بازرگان بعد أن استعرضنا اُطروحة علي عبد الرازق، من خلال سلسلة من النقاط المتتالية التي توضح لنا فكرته وتضعنا في إطار مفاهيمه حول موضوع بحثنا هنا.

1 ـ السياق الفكري والزمني لنظريّة بازركان

ومقدّمةً لا بأس بالتعريف بعض الشيء ببازرگان كي يتمّ فهم سياقه الفكري الزمني، فمهدي بازَرْگان (1995م) شخصيّة سياسيّة فكريّة بارزة في تاريخ إيران الحديث، من أصول آذربيجانيّة في الشمال الغربي من إيران، كان من الفاعلين في زمان حركة محمّد مصدّق (1967م) ضدّ الشاه في خمسينيّات القرن العشرين، ثمّ وقف مع السيّد الخميني في ثورته، وتولّى رئاسة الحكومة المؤقّتة بعد سقوط نظام الشاه عام 1979م، في خطوة قيل بأنّ الخميني في حينها كان يريد تأليف التيار الليبرالي لصالحه وتطمين الغرب ناحية الثورة حديثة الولادة، ولكنّ تولّي بازرگان هذا لم يدم طويلاً (تسعة أشهر فقط)، بسبب اختلافه في وجهات النظر مع الخميني في أكثر من موضوع، مثل قضيّة الحكومة الثيوقراطيّة، وتشكيل مجلس خبراء القيادة، والموقف من العلاقات مع الغرب والشرق، وقد بلغت الأمور ذروتها في قضيّة اقتحام مبنى السفارة الأميركيّة في طهران من قبل أنصار خطّ الإمام الخميني، أواخر عام 1979م، حيث استقال بازرگان بعدها، وظلّ في المجلس النيابي في دورته الأولى، ثمّ ترك الحياة السياسيّة البرلمانيّة والحكوميّة كليّاً، وتمّ حظر حزبه (نهضة الحرية ـ حركة الحريّة) إلى يومنا هذا.

يصنّف بازرگان على أنّه شخصيّة امتلكت الساحة الثقافيّة في العقد الستيني من القرن العشرين، فيما كان العقد السبعيني هو عقد الدكتور علي شريعتي، والعقد الثمانيني هو عقد الشيخ مرتضى مطهّري، والعقد التسعيني هو عقد الدكتور عبد الكريم سروش، ويرى بعضٌ ـ مثل سروش في بعض محاضراته ـ أنّ الأسلوب الخطابي والبياني الساحر الذي كان يملكه شريعتي أثّر في تراجع نفوذ كتابات وأعمال بازرگان، رغم التقائهما في أفكار كثيرة جدّاً، فبازرگان لم يكن يملك الأسلوب البياني والحضور الكاريزمي الذي كان يتمتع بهما شريعتي؛ لهذا اجتاح شريعتي المشهد الإيراني الثقافي دون أن يغيب بازرگان أبداً.

بل إنّ نموّ التوجّه الثوري الراديكالي ضدّ نظام الشاه جعل خطاب شريعتي أقرب للمرحلة من خطاب بازرگان الذي لم يجد مشكلة في العمل مع وزارات دولة الشاه، حتى أنّه يرجع إليه الفضل في تأسيس شبكة مدّ المياه الصالحة لمدينة طهران، والذي كان إنجازاً تاريخيّاً في حينه، فبازرگان لم يكن ثوريّاً بمعنى قلب كلّ شيء على خلاف شريعتي الذي ينتقده بعضٌ بأنّه كان انتقائيّاً في فهم التاريخ، بتحويله صورة الإسلام إلى صورة مجتزءة وملخّصة في التجربة العلويّة والحسينية والزينبيّة فقط، بينما كان بازرگان داعية محاربة للاستبداد، أكثر منه داعية تغيير جذري للسلطة أو للحياة الاجتماعيّة كليّاً.

ترك بازرگان أكثر من مائة مؤلَّف، ورغم أنّ اختصاصه العلمي (الهندسة والديناميكا الحراريّة) الذي أخذه من الدراسة في الجامعات الفرنسيّة لم يكن داخلاً في مجال الفكر الديني ولا حتى مجال العلوم الإنسانيّة ـ على خلاف شريعتي المتخصّص في مجال العلوم الإنسانيّة ـ لكنّه أبدى اهتماماً كبيراً بالفكر الإسلامي، وكتب فيه الكثير من الكتب والمصنّفات، وكانت من أولى أنشطته في هذا المجال سعيه للتوفيق بين العلم (بمعنى العلوم التجربيّة لا الإنسانيّة) والدين، فبحكم اختصاصه العلمي اتجه بازرگان لهذا الأمر واهتمّ به وظهر في غير واحد من كتبه، مثل كتابه المشهور (المطهّرات في الإسلام)([8])، حيث حمل همّ التوفيق بين العلم والدين، وتفسير الظواهر والمفاهيم والمقولات الدينيّة تفسيراً علميّاً بالمعنى الحديث لكلمة (علم)، وهو ما شكلّ انطلاقة مهمّة في فكره وتوجّهه، فبازرگان انطلق من زاوية العلم التجربي الحديث([9])، على خلاف العديد من رجالات عصره الذين انطلقوا من زاوية الفلسفة، مثل العلامة الطباطبائي والشيخ المطهري، أو من زاوية العلوم الإنسانيّة ـ خاصّة علم الاجتماع ـ مثل الدكتور علي شريعتي.

ومن اهتمامه بالعلم حاول بازرگان الجواب عن السؤال الذي أرّق رجالات النهضة الإسلاميّة، وهو أسباب تخلّف المسلمين، فكتب في هذا المجال العديد من الأعمال منذ عام 1950م، مركّزاً على قضايا مثل العمل، والوقت، والتنظيم، والنشاط، وظهور التصوّف والدروشة، والمفهوم المغلوط للقضاء والقدر، وتكوّن الطبقة البررجوازية بين المسلمين، وظهور طبقة رجال الدين بوصفها الطبقة المعنيّة بالآخرة بما أدّى إلى فصل الدنيا عن الآخرة في الفئات الاجتماعيّة، وغير ذلك من الأسباب التي ساعدت على تراجع المسلمين حضاريّاً من وجهة نظره.

الأمر الآخر البارز في فكر بازرگان هو دراساته القرآنيّة، فقد ترك اهتماماً عظيماً بالدراسات القرآنيّة وله طريقته الخاصّة في مقاربة النصّ القرآني ليست مجال حديثنا هنا([10])، حتى أنّه ربما يمكن تصنيفه بأنّه أقرب للقرآنيّين من غيره، نظراً لقلّة حضور الحديث الشريف في منظومته الفكريّة مقارنةً بحضور النصّ القرآني.

وإلى جانب التراجع النسبي للحديث الشريف في أعمال بازرگان، لم نجد عنده ـ تماماً كما كانت الحال مع شريعتي ـ رغبة أو حماسة للفلسفة، ربما لأنّه اعتبرها في بلاد المسلمين قد تحوّلت إلى ترفٍ فكريّ وتعالٍ عن الحياة اليوميّة، ولهذا نجد تديّنه بسيطاً بعيداً عن التكلّف الاستدلالي الكلامي والفلسفي المعقّد، وقريباً من الوجدان العفوي، والممارسة الحياتيّة التجربيّة، ومنتجات العلوم الحديثة، دون أن يعني ذلك أنّه يؤمن بمذاهب التفكيك الخراساني، فالمؤشرات لا تساعد على ذلك أبداً، خاصّة من جهة موقفه العملي من مرجعيّة القرآن والحديث.

علاقة بازرگان برجال الدين والمؤسّسة الدينية تدهورت لاحقاً، كما كانت عليه الحال بين شريعتي والمؤسّسة الدينية، فقد كان يُنقل عنهما ـ بازرگان وشريعتي ـ أكثر من نقد، خاصّة على مستوى قدرة رجال الدين على إدارة المجتمع وتولّي شؤون الحياة، كما يعدّ التوجّه الخاصّ لبازرگان أحد الأسباب الرئيسة في المواقف السلبيّة منه من قبل العديد من رجال الدين وكذلك النظام السياسي في إيران، فقد رفض بشدّة سياسات الخطف والاغتيال واحتجاز الرهائن وكذلك الحروب غير الدفاعيّة، حيث لا يوجد في الإسلام إلا الحرب الدفاعيّة، وبذلك اعترض على شعار (الحرب حتى إبادة الاستكبار من الأرض)، وكذلك رفض إعدام المرتديّن أو السابّين للمقدّسات، متمسّكاً بشعار نفي الإكراه في الدين، ودعا بازرگان للتعايش مع أهل الأديان والمذاهب وللعلم والتقدّم، وآمن بالديمقراطيّة معتبراً إيّاهاً شعاراً إسلاميّاً تمّت ممارسته تحت عنوان الشورى في القرن الهجريّ الأوّل([11])، ولهذا كان من المنتصرين جداً لفكرة (الجمهوريّة الديمقراطيّة الإسلاميّة) في بدايات انتصار الثورة في إيران، وهي الفكرة التي رفضها السيّد الخميني، ليتمّ الاستفتاء لاحقاً على عنوان (الجمهوريّة الإسلاميّة) فقط.

2 ـ بازركان من (البعثة والأيديولوجيا) إلى اُخرويّة الدين، رحلة عقود

وعلى أيّة حال، ففي الفترة الأولى من حياته، خاصّة في العقود (1960 ـ 1980م) وبشكل واضح، كان بازرگان يرى الدين بحدّه الأعلى تقريباً، فالدين عنده له رؤية علميّة وتجربيّة، وله رؤية سياسيّة واقتصاديّة وصحيّة وماليّة وقضائيّة وغير ذلك، وأنّ علينا مراجعة النصّ الديني لاستلهام هذه المعارف منه بما فيها الكثير من المعارف العلميّة والتجربيّة، وقد مثّل كتابه الشهير (البعثة والأيديولوجيا)([12]) نقطةً مفصليّة في هذا المجال، حيث اعتبر فيه أنّ الإسلام يحمل أيديولوجيا واسعة، وأنّه قادر على النهوض بالمجتمعات والتخلّص من أشكال الفوضى والاستبداد، وأنّ الدين لديه من القدرة ما يمكّنه من الحكم وممارسة السلطة.

هذا الكتاب الذي انطلقت رحلته بين عامي: 1961 ـ 1964م، شكّل سابقة كبيرة، ولقي ترحيباً واسعاً في الوسط الديني في تلك الفترة، وحظي باهتمام كبير ورضا من قبل المؤسّسة الدينيّة (على الأقل الثوريّة منها) كما يقول بازرگان نفسه، إنّ ما فعله بازرگان في هذا الكتاب وأمثاله هو الكشف عن العقد القائم بين الدين والدنيا في الفكر الإسلامي، وأنّهما غير منفصلين عن بعضهما، وهذا ما جعل بازرگان يتجه نحو استنطاق الإسلام للخروج منه برؤية واضحة للدولة والسلطة، بما يشكّل مواجهة صريحة للفكر العلماني القائم على الفصل بين الدين والدولة.

في هذه الفترة من عمره، بدا بازرگان مؤمناً بنظريّة شموليّة الدين والشريعة، ربما حتى بالمفهوم المشهور لها والذي تقدّم سابقاً، وهو ما كان شريعتي متحمّساً له أيضاً في رؤيته الأيديولوجيّة الدنيويّة للدين، والتي بلغت أوجها في جملته الشهيرة: (إذا لم ينفع الدين للدنيا قبل الموت، فلن ينفع للآخرة بعد الموت).

لكن شيئاً فشيئاً أخذ بازرگان يعيد النظر في رؤيته للدين وهويّته ودوره وتوقّعاتنا منه، وهو ما بلغ أوجه في التحوّل والصيرورة عنده([13])، في المحاضرة الطويلة التي ألقاها عام 1992م، قبل وفاته بعامين([14])، والتي عادت وطُبعت بعد ثلاث سنوات في العدد الثامن والعشرين من مجلّة كيان، واُدرجت في المجلّد السابع عشر من مجموعة أعماله الكاملة، والتي تحتلّ فكرة رسالة الأنبياء والبعثة حيّزاً مهمّاً منها، كما طبعت في كتابٍ مستقلّ حمل العنوان نفسه.

في هذه المحاضرة/الدراسة التي حملت عنوان (الآخرة والله هما الهدف من بعثة الأنبياء)، اختار بازرگان اتجاهاً اُخروياً في الدين، ورفض ما اعتبره أدلجةً له.

يشرع بازرگان في رؤيته التحوّليّة هذه من زاوية منهجيّة مهمّة؛ إذ يعتبر أنّ معرفة دور الدين وغايته في الحياة الإنسانيّة لا يكمن في دراسة الأديان نفسها على مستوى نصوصها وعلى مستوى نصوص الأنبياء وتجربتهم، ولا في رصد التجربة الدينية التاريخيّة، وماذا حقّقت؟ وفي أيّ مجال أثرت وغيّرت وحوّلت وبدّلت؟ فهذا المدخل ـ من وجهة نظره ـ غير دقيق، وعلينا مجدّداً أن نسأل أنفسنا السؤال الآتي: ما هي وظيفة الدين والغاية منه؟ وما هي توقّعاتنا وما نترقّبه منه أن يقوم به؟

هذا النوع من تناول القضيّة يبدو جديداً على الساحة الدينيّة، فبازرگان هنا يقع في قلب التوجّه الحديث في علم الكلام الجديد والذي يحاول الإجابة عن سؤال: توقّعات البشر من الدين، وربط هذا السؤال بحدود الدين ومساحات اشتغاله، بل إنّ بازرگان نفسه يصرّح هنا بأنّ هذا النوع من التفكير أو من الأسئلة لم يكن مطروحاً بشكلٍ حقيقي قبل نصف قرن.

يبدو بازرگان هنا واضحاً في أنّ السؤال عن حدود الدين وتوقّعاتنا منه لا ينبغي التفتيش عن جوابه في الدين نفسه (النص ـ التجربة)، أي إنّ الجواب عن هذا السؤال عنده هو جواب خارج ـ ديني، تماماً كما هو السؤال بعينه، إنّنا مطالبون بتعيين دور الدين، ثم بعد ذلك نذهب إلى النصوص لفهمها واكتشاف ما هو الديني منها من غير الديني، وليس العكس، وهو بالضبط ما رأيناه بشكل واضح عند العديد من رجالات النقد والتحديث الدينيّين في العقود الأربعة الأخيرة مثل محمد مجتهد شبستري وعبد الكريم سروش وغيرهما.

بهذه المحاولة يحرّر بازرگان نفسه من سلطة النصّ في تعيين ذاته وهويّته، فالعقل هو من يحدّد هوية النصّ ودينيّته، وليس النصّ نفسه، وهذا يعني أنّنا بتنا قادرين على امتلاك السلطة المسبقة على النصّ، وليس العكس، وهذا مدخل في غاية الحساسية والأهميّة.

3 ـ لماذا يتجه الفكر الديني نحو الدنيويّة؟!

بعد فتحه هذه الكوّة، يتجه بازرگان لتحليل سبب اتجاه الفكر الإسلامي الحديث نحو الأيديولوجيا والشموليّة والسلطة والإمساك بكلّ مفاصل الحياة، إنّه يعتقد بأنّ ظهور تيار اليسار الماركسي والاشتراكي بما كان يحمل من نزعة أيديولوجيّة وشموليّة، وتحدّيات الاستبداد الذي كانت تواجهه بلدان المسلمين ـ خاصّة إيران ـ دفعا المفكّر المسلم نحو البحث عن حلول لوضعه ومنافسة خصومه وسط هذا الفضاء الثقافي والسياسي، من هنا كان طرحُ أيّ مشروع ديني يحمل تصوّراً أيديولوجيا عن العالم والإنسان، ويوصل إلى السلطة محيِّداً الاستبداد القائم في النظام الشاهنشاهي هو تصوّر مقبول ومرحّب به، إن من جانب عموم الناس المؤمنين بالله بطبعهم وإن من جانب المؤسّسة الدينيّة([15])، وهذا برأيه ما دفع إلى الترحيب الواسع بكتابه الذي خصّصه للبعثة والأيديولوجيا قبل عقود، وقد بلغ هذا التوجّه أوجه بانتصار الثورة الإسلاميّة في إيران، حيث تعزّزت القناعة التامّة بالعلاقة الوثيقة غير القابلة للنقض بين الدين والدنيا.

لكنّ بازرگان يحاول هنا العودة بهذه القضيّة إلى الوراء، وتحليل جذور مقولة (الدين لأجل دنيا أفضل)، إنّه يذهب بنا بعيداً في تحليلٍ نفسي للإنسان، فيعتبر أنّ الإنسان بطبعه يميل لتوظيف كلّ المقولات، حتى أكثرها معنويّةً؛ لتحقيق مصالحه الدنيويّة، والقرآن حدّثنا عن الإنسان الذي يحبّ العاجلة ويذر الآخرة، وعن الإنسان الذي يؤثر الدنيا ويترك ما هو الخير له والأفضل من الآخرة. هذا الميل النفساني البشري يجعل القضيّة الدينيّة عرضة للاستغلال بهدف تحويلها إلى قضيّة قابلة للتوظيف في مصالح الإنسان الدنيويّة، هنا تصبح علاقة الإنسان بالله علاقة مصلحة دنيويّة، فهو يريد منه أن يخلّصه من مشاكل الدنيا، ولهذا نجد هذا الإنسان ـ كما يصفه الله في القرآن الكريم في قوله: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ لِيَكْفُرُوا بِمَا آَتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (العنكبوت: 65 ـ 66) ـ يتخلّى عن الله بمجرّد تحقق مصالحه الدنيويّة هذه، فقد كان يدعوه للخلاص من الغرق، لكنّه يُشرك به بعد أن ينجيه([16]).

4 ـ محوريّة الله والآخرة، المقاربة الفلسفيّة

وفق هذا التصوّر، يحاول بازرگان أن يقتحم سرّ الرسالة النبويّة، فلماذا تمّ إرسال الأنبياء؟ وما هي الغاية من وراء ذلك بالضبط؟

يحدّد بازرگان غايتين هنا هما:

أ ـ الثورة على محوريّة الإنسان، لدفعه للدوران حول الله، أي تحقيق انقلاب كوبرنيكي في هذا المجال، فبعد أن كان الإنسان هو المدار يأتي الأنبياء ليُعلنوا أنّ الله هو المدار، وأنّنا نقوم بالدوران حوله، وهو مركز كلّ شيء.

ب ـ الإعلان عن عالم آخر وحياة أخرى أكبر وأوسع وأفضل من هذه الدنيا، وأنّ تلك الحياة تتسم بالخلود والأبديّة.

هذان هما المحوران العمدة في رسالة الأنبياء وفقاً لتحليل بازرگان، وهو التحليل الذي يحاول هو نفسه أن يقدّم له مقاربة فلسفيّة عبر القول بأنّ الدين يأتي لملء ما لا يستطيع الإنسان ملؤه، فما قيمة النبوّات أن تأتي لإبلاغ البشر بما يمكن للبشر بعقولهم أن يفعلوه ويحقّقوه. إنّ رسالة الأنبياء هي الخطاب الذي يعطي الإنسان ما لا يقدر هو على الوصول إليه، وهذا ما يذكّرنا في كلام بازرگان بما يطرحه أمثال مرتضى مطهري في تحليل وجه الحاجة للنبوّات، حيث يعتبر أنّ قيمة الأنبياء في أنّه يمكنهم أن يخبرونا عن الآخرة وطريق الخلاص بما لا نقدر نحن على الوصول إليه، فالإنسان كالعالق في وسط محيطٍ متلاطم، ولا يعرف إلى أيّ جهةٍ يتحرّك، وقيمة الرسالة النبويّة في أن تخبره عن الجهة الأفضل للوصول إلى اليابسة بدل أن يتحرّك في جهةٍ تُبعده عن اليابسة.

وهذا التحليلُ المطهريُّ ـ البازرگانيُّ، يرجع في روحه ـ بعد اختلاف موقف مطهري وبازرگان من موضوع بحثنا كما هو واضح ـ يرجع للفكرة التي تقول بأنّ الدين إنّما أتى ليسدّ فراغاً في الإنسان لا يقدر الإنسان على سدّه؛ وإلا لم تكن هناك حاجة للدين أبداً، إنّ تقديم الأنبياء بوصفهم حملة مشاريع يمكن للبشر أن يصلوا إليها بعقولهم هو ـ في رأي بازرگان ـ تقليلٌ من شأن الأنبياء بإنزالهم إلى مستوى ماركس وغاندي وجمشيد وغيرهم، ليس هذا فحسب بل هو خلق لقطبين متعارضين، بمعنى أنّ الدين يأتي ليجذب الإنسان إلى الله والآخرة في الوقت عينه الذي يشغل كلّ طاقته لكي ينظّم له الدنيا ومصالحه المادية! لكن هل هذا يعني أنّ الدين يأتي لإلغاء الدنيا؟ هذا ما يرفضه بازرگان، بل يصرّ على أنّه قد تقع الدنيا في صراط الآخرة، كما سنوضح ذلك قريباً.

5 ـ بازركان واستنطاق النصّ والتجربة الدينيّين لترجيح اُخرويّة الدين

لا يقف بازرگان عند هذا الحدّ، بل هو يتحوّل بنا ناحية التجربة الدينيّة التاريخيّة([17])، حيث يحاول أن يستنطق تجربة أهل البيت النبويّ، فيرى أنّهم لم يكونوا يريدون السلطة بذاتها، بل كانوا يُمسكون بها عندما كان الناس ينتخبونهم لذلك، وكان الجهاد عندهم بهدف رفع الاستبداد والظلم والقهر، لا بهدف الإمساك بالسلطة وفرض الدين والشعائر على الناس، ولهذا لم يقم علي بن موسى الرضا× بالأخذ بالسلطة رغم عرضها عليه، ولو كانت السلطة حقّاً شخصيّاً أو إلهيّاً لما صالح عليها الإمام الحسن×، ولم يقم الإمام الحسين× لأجل السلطة بل رفضاً للبيعة للملوكيّة الاستبداديّة التي تمّ إنشاؤها في حياة المسلمين، ولهذا لو تسنّى له العودة لرجع، حتى أنّنا نلاحظ الإمام عليّاً× رفض استلام السلطة عندما عرضت عليه بعد عثمان، بل في عهده لمالك الأشتر يركّز على العدل والإحسان والإنصاف والعفو والمشورة ولا يطلب من الأشتر فرض الدين على الناس أو ملاحقتهم في إيمانهم.

وينتقل بازرگان من التجربة إلى النصّ، فيحاول استنطاق النصّ القرآني، مؤكّداً على أنّه كان يستهدف بناء النبيّ من جهة، وتوجيه الناس نحو الله والآخرة من جهة ثانية، حتى أنّ ثلث القرآن كان يدور حول الآخرة، ولم تأتِ سوى القليل جداً من الآيات التي تتكلّم عن وجود الله وإثباته، لأنّ وجود الله مسألة يلامسها الإنسان بروحه وعقله، بينما كان كلّ التركيز القرآني على الشرك وتحرير الإنسان من العبوديّة لغير الله تعالى، وبهذا نلاحظ تشكّل أغلبيّة النصوص القرآنية حول مداريّة الله والآخرة، فيما النصوص الفقهيّة لا ترقى سوى إلى الاثنين في المائة من مجموع نصوص القرآن الكريم، في مقابل أنّ أيّ سورة في القرآن نقرؤها أو صفحة في هذا الكتاب نفتحها إلا وهي ترتبط ـ تصريحاً أو تلويحاً ـ بالله أو بالآخرة.

بل بالتأمّل في القرآن الكريم، نلاحظه بنفسه يعلن غائيّة ذاته، فنحن لا نجد في القرآن أنّ الله أنزله أو بعث الأنبياء لإقامة الدولة والاقتصاد وبناء الحياة الدنيويّة للناس، بينما نجده يؤكّد بشكل كلّي على ضرورة إقامة العدل وتحقيق الإحسان والإصلاح والإنفاق وخدمة الناس.

ولا يستطيع بازرگان ـ وهو يكوّن نظريّته ـ أن يمرّ دون اهتمام بالإرث القانوني الفقهي الإسلامي، وإن كان يصرّح في بعض كتبه بتورّم علم الفقه، ويذكر أنّ حال الإسلام مع الفقه كحال شخص يتناول الغذاء فينمو عضوٌ واحد من جسده دون سائر الأعضاء، فلنتصوّر شخصاً اُذُنه كبيرة وتتغذى دوماً فيما سائر جسده يبقى كما هو صغيراً لا ينمو، كيف ستكون الحال، إنّ الفقه نما وتعاظم ـ عند بازرگان ـ بشكلٍ أضرّ بنموّ سائر الجهات في الدين..([18]).

وعلى أيّة حال، فقد كان بازرگان يُدرك ويقرّ بأنّ هناك منظومة كبيرة من التشريعات الفقهيّة في الإسلام، خاصّة مثل الحدود والتعزيرات والقوانين الاجتماعيّة، وهو لا يريد أن يخرج منها، لكنّه يوجّه لنفسه السؤال الآتي: ما هي الغاية من وراء هذه المنظومة الفقهيّة التي تتدخّل في الكثير من قضايا الإنسان؟ إنّ بازرگان هنا يريد أن يقرأ هذا النظام الفقهي بشكل مختلف، ففيما قرأ السيّد الخميني ـ مثلاً ـ فريضةً مثل الخمس على أنّها مؤشر للتوجّه السلطوي الإسلامي، يحاول بازرگان أن يستنطق القضيّة بشكل مختلف، ففيما كنّا نجده في أعماله العلميّة السابقة يركّز على بعض الأبعاد الماديّة للأشياء والتشريعات بدرجةٍ ما، ها نحن اليوم نلاحظه يشرع في مقاربة التشريعات برؤية مختلفة بعض الشيء، تحاول أن تنسجم أكثر مع ثنائيّة الله والآخرة، فالنهي عن شرب الخمر عنده ليس لأجل تأثيره المضرّ على البدن، بل لأجل السلامة الروحيّة حال الصلاة كي لا نقربها ونحن سكارى (النساء: 43)، ولأجل السلامة الأخلاقيّة الاجتماعيّة والدينيّة كي لا نترك ذكر الله ولا نقع في مشاحنات وبغضاء فيما بيننا (المائدة: 90 ـ 91)، وهكذا مجموعة التشريعات المرتبطة بالإنفاق (الخمس ـ الزكاة ـ الصدقة ـ النفقة..) يفهمها بازرگان بأنّها على صلة بالتربية الروحيّة لخلع الإنسان عن الارتباط بالمال والدنيا، والقرآن لم يقل بأنّ فعلكم هذا سوف يؤدّي إلى حصول رفاهٍ اقتصادي في ما بينكم ولهذا أنا أشرّعه، أو أنّني اُريد بذلك أن أنظّم حياتكم الاقتصادية الدنيويّة، ولهذا هو يركّز على خلوص النيّة لله في الإنفاق ويربطه بسبيل الله وعدم التوجّه به للرياء أو السمعة، وهذا هو الفرق بين النظام الضريبي الإسلامي والنظام الضريبي في الدول الحديثة، فإنّ الغاية منه في الإسلام تحرير الإنسان من عبوديّة المال، دون أن نعني بذلك أنّ القرآن لا يقرّ بالنتائج الدنيويّة لهذه التشريعات، بل المهم هو الغاية والمقصد منها، ففي الدول الحديثة يراد تأمين الاقتصاد فيؤخذ المال ولو قهراً من المواطنين، بينما في الإسلام تبدو العمليّة تربويّة اختياريّة تستهدف إعلاء الروح ودفعها نحو التسامي.

وهكذا يواصل بازرگان مسيرته في تحليل الأحكام الاجتماعيّة والأحوال الشخصيّة، حيث يرى الهدف منها رفع الظلم وتحقيق العدل في العلاقات وعدم خضوع البشر للشيطان ونوازع النفس في رغباتها تجاه الآخرين، ومن هنا نحن نرى أنّ تشريعات القصاص وأمثاله لم تأتِ لبناء دولة وقوانين إلزاميّة، ويشهد لذلك أنّنا نجد القرآن ـ بعد الحديث عن حقّ الاقتصاص ـ يتكلّم بوضوح عن أنّ الذي يتصدّق ويعفو فسيكون ذلك كفّارة له وخير (المائدة: 45)، فما معنى الحثّ على التصدّق والعفو هنا إذا كان الغرض من القصاص هو الضرب على يد الجاني فقط؟! وفي هذا السياق نفهم كيف بيّن الرسول الغاية من بعثته بتتميم مكارم الأخلاق.

وفقاً لذلك، لن يصبح الدين ناقصاً عندما لا تكون فيه كلّ تلك التنظيمات المرتبطة بإدارة البلاد والعباد؛ لأنّه حدّد غايته بإطار ثنائيّة الله والآخرة، واستخدم بعض التشريعات ليخدم هذا الإطار.

وينتبه بازرگان للآية التي تمثل مرجعاً مهماً لمن يختلف هو معهم، وهي قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (الحديد: 25)، فيرفض فهمها بالفهم السياسي السلطاني، ويرى أنّ المراد بها هو أنّ الناس إذا عملوا بتعاليم الأنبياء وتربّوا بتربيتهم، فإنّ العدل والقسط سيقوم فيما بينهم، لا أنّ الأنبياء بُعثوا بنظام دنيوي ومناصب حكوميّة وسلطانيّة لتحقيق العدل وفرضه، فالعدل هو نتيجة للتربية الروحية النبويّة.

وفق هذه المعادلة يضعنا بازرگان أمام فكرة الغاية من جهة، ومقولة التأثير الفرعي للتوجيهات الإلهيّة من جهة ثانية، فالغاية والمطلوب بالذات من التشريعات هو الله والآخرة (البعد المعنوي السماوي)، بينما التأثيرات الفرعيّة التلقائيّة لها تظهر في الدنيا، والخطأ الذي حصل هو أنّنا ركّزنا النظر على التأثيرات الدنيويّة لها، بحيث بدت هي الغاية، فيما اختفت الغاية الحقيقيّة خلف الستار، وبهذا بدا الدين دنيويّاً، وتمّ تحميله مسؤوليّات ليس هو معنيّاً بها.

وبهذه المقاربة يحلّ بازرگان إشكاليّة يبدو أنّه توقّع أنّه سوف يواجهها، وهي أنّ إلغاء دنيويّة الدين سوف يؤدّي إلى هجر الدنيا، فهل يقبل الإسلام بهجر الدنيا وممارسة الرهبانيّة؟ وكيف يفسّر بازرگان رفض الإسلام لذلك ولا يكون في الوقت عينه دنيويّاً؟

إنّ بازرگان يؤكّد على التأثير الدنيوي للسلوك، لكنّه يريد سلب صفة الغاية عنه، إنّه يوجّهنا في تفسيره، لا أنّه يرفض وجود التأثير الدنيوي للدين، فالدين يعلّمنا كيف نعيش الدنيا، لا بمعنى أنّه يعلّمنا كيف نأكل ونشرب، بل بمعنى أنّه يربّينا كيف نعيش أحراراً ونرفع عن أنفسنا كاهل العبوديّة ونعيش بأخلاقيّة عالية، هذه هي دنيويّة الدين، لا أنّها تنظيمٌ للحياة الدنيويّة بحيث يصبح الدين مسؤولاً عن سياسة واقتصاد وأمن الناس.

لا يغيب عن بال بازرگان وجود الكمّ الهائل من النصوص النبويّة وغيرها والتي تتحدث في القضايا المادية البحتة، مثل النصوص الطبيّة الكثيرة، لهذا لا يقوم بإعادة تفسيرها من حيث المضمون عبر الربط بقضيّة الآخرة، إذ ربما تبدو دنيويّتها واضحة لديه، بل هو هذه المرّة يقوم بإعادة فهم منطلقاتها وحيثيّات صدورها، وذلك عندما يُخرجها عن حيّز الرسالة الدينيّة إلى حيّز التجربة النبويّة التاريخيّة، فهو يرى أنّ النبيّ يصدر الكثير من النصوص ويمارس الكثير من التجارب منطلقاً من بُعده الإنساني الذي يستهدف خدمة الناس، لا من بعده الرسولي، ومن ثمّ فمثل هذه النصوص لم تصدر من النبيّ بوصفها جزءاً من الرسالة، بل صدرت منه بوصفه خادماً للأمّة والناس، يقدّم علمه ومعرفته وخبرته لهم بما ينفعهم، وبهذا خلع بازرگان الصفة الرسوليّة عن مجموعة النصوص التي يبدو أنّها محض دنيويّة، ليعيد إنتاجها بفهمٍ تاريخي بشري، لا بفهمٍ وحياني رسولي.

6 ـ بازركان والفصل بين الدين والسلطة السياسية

وعبر هذه السلسلة من المداخلات، يؤسّس بازرگان لفصل الدين عن الدنيا والسلطة، لكنّ هذا الفصل عنده ليس إثنينيّ الطرف، بمعنى أنّ السلوك الديني يترك تأثيره الإيجابي على الحياة الدنيويّة، بينما السلوك الدنيوي لا يفعل ذلك في الحياة الروحيّة، فالسلوك الديني مبارك، بينما السلوك الدنيوي قد ينجح في الدنيا لكنّه لا يحقّق الغاية الأخرويّة إلا بحمل الرسالة النبويّة الروحيّة (الله ـ الآخرة)، ولهذا يؤكّد القرآن في غير موضع على أنّ من يريد الدنيا نعطه إيّاها لكنّه سيخسر الآخرة (الشورى: 20)، وهذا يعني أنّ التوجّه نحو الدنيويّة لا يساوي التوجّه نحو الآخرة، بينما التوجّه نحو الآخرة يترك ثماراً طيّبة على الحياة الدنيا.

من هنا يوجّه بازرگان نقده لدعاة الدمج بين الدين والسلطة السياسيّة، ويرى أنّهم واهمون في افتراضهم أنّ الدين سوف يزول إذا لم تكن السلطة قائمةً، بل إنّ الدين منصهرٌ في السلطة! إنّه يرى خطأ هذا التفكير الذي يمثل الخميني رمزاً من رموزه، ويعتبر أنّ تجربة الأنبياء الذين حكموا إنّما هي تجربة استثنائية في تاريخ عددٍ هائل من الأنبياء، ولا تمثل القاعدة، كما أنّ حكومتهم لم تنطلق من بُعد ديني وحيّي بقدر ما انطلقت من بُعد زمني؛ ولهذا كانت شؤون السلطة عندهم مبنيّة على قاعدة المشاورة في الأمر، كما نصّ على ذلك القرآن الكريم (آل عمران: 159)، لا على قاعدة انتظار الوحي، ولهذا كرّر القرآن الإعلان عن أنّ الأنبياء ليسوا موكّلين بالبشر بل هم دعاة مبشرون ومنذرون، ولهذا وجدنا تأصيل الفصل بين الدين والسياسة في القرآن في قصّة طالوت وجالوت وداود (البقرة: 246 ـ 251).

وهذا ما يدفع بازرگان للتعليق على الفكرة التي تقول بأنّ إيمان الناس لابدّ له من بيئة حاضنة، وهذه البيئة الحاضنة هي المناخ الاجتماعي الدنيويّ الذي به نحفظ إيمان البشر، وهو ما يستدعي منظومة دنيويّة في الدين.. إنّ بازرگان لا يمانع ذلك أبداً، لكنّه يعتبر أنّ حصر هذه البيئة الحاضنة بالإمساك بالسلطة غير صحيح، بل إنّ فرض الدين على الناس بحجّة خلق البيئة الحاضنة يُنتج عكس ما نريد، فلكي ننتج ما نريد، على السلطة أن لا تتدخّل بالقهر والإلزام في دين الناس، وبهذا يُعلن بازرگان بوضوح أنّ دين الناس يؤدّي إلى السلطة العادلة الصالحة، وليس العكس mكما تكونوا يولّى عليكمn([19])، تماماً كما كنّا نرى شيئاً شبيهاً بهذا عند أمثال العلامة شمس الدين، فالبيئة الحاضنة هي بيئة اجتماعيّة وليست بيئة سلطويّة، والجهاد والدفاع يتصلان بدفع العدوان على البيئة الحاضنة لا بممارسة السلطة لفرض هذه البيئة، وبهذا يمكننا تصنيف بازرگان في سياق الإسلام الاجتماعي المفاصل للإسلام السياسي.

ويقترب بازرگان من إنهاء رؤيته عبر الحديث عن الأضرار اللاحقة نتيجة الدمج بين الدين والسلطة الزمنيّة، فيذكر عدّة مضارّ:

أ ـ فقدان أصالة التوحيد نحو الشرك، فعندما يكون الدين دنيويّاً، فهذا يعني أنّ الناس سوف تتجه نحو الدنيا ورفاهية حياتها أكثر من الآخرة، وهذا بالضبط ما حصل في التجربة الغربيّة، بل يرى بازرگان أنّ هذا ما يحصل في التجربة الإيرانية عقب انتصار الثورة، إذا بدأ التوحيد يختفي لصالح السلطة نفسها، بوصفها العنصر الذي يحمل أولويّة كلّ شيء، وكأنّه هو الذي له الأصالة والتقدّم، ولهذا نجد التضحية بالأمور الدينيّة لصالح السلطة نفسها التي يفترض أنّها جاءت لحفظ الدين وتأمين البيئة الحاضنة.

بهذا نفهم أنّ نظريّة بازرگان لا تنبع فقط من عدم رؤيته مشروعاً دنيويّاً في الإسلام فحسب، بل من اعتقاده أيضاً بأنّ تحويل الإسلام من الأخرويّة إلى الدنيوية يُلحق الضرر بأهداف البعثة النبويّة، كما أنّ وضع الإسلام في سياق مشروع دولة متكاملة يضرّ بالغايات نفسها، فبازرگان يرى أنّ رفع سقف الاهتمام الديني بالقضايا الدنيوّية سيحوّل المقاصد إلى الدنيا وسيرتفع مستوى اهتمام الفرد بالدنيا مما سيُفقد الدين عنصر الإخلاص العبادي لله، وسينقلنا ـ من حيث لا نشعر ـ إلى الشرك بدل التوحيد، وسيخسر الدينُ بذلك عمقَه وأصالته ورسالته الأساسيّة.

ب ـ إنّ وضع أيديولوجيا دينيّة وإقامة دولة دينيّة أيضاً سوف يفضي إلى إخفاق؛ لأنّنا نستمدّ وضعنا الإداري من الدين مع أنّه لا يملك برنامجاً، الأمر الذي سيوصل إلى الفشل، ثم إلى ظهور حالة إحباط عامّة في المجتمع ورفض للدين وخيبة أمل منه واتخاذ مواقف سلبيّة من الدين نفسه، بل سيؤدي ذلك أيضاً إلى التكاسل عن وضع حلولٍ ما دامت تُرتجى من النصوص نفسها.

ج ـ إنّ القضيّة عند بازرگان لا تقف عند حدّ الإحباط، بل إنّه يرى أنّ هذه الذهنية لو تمّت إدارة الدولة بها ستفضي إلى القمع والاستبداد ومواجهة الناس للمآسي والمحن، مستشهداً بحكم الكنيسة وحكم العباسيّين والصفويّين والقاجاريّين، وستحلّ ثقافة الإكراه والقهر الديني، الأمر الذي يخالف القرآن نفسه.

7 ـ بازركان وتخطئة مقولتَي: الدين للدنيا، وترك الدنيا للدين

وهكذا يخلص بازرگان إلى أنّ الإفراط والتفريط يتمثلان بمقولتَي: (الدين لأجل الدنيا)([20])، و (ترك الدنيا لأجل الدين)، وإنّ التخلّي عن هذين الأمرين هما السبيل الوحيد للخلاص والعبور بالدين من الدنيا إلى الآخرة، وهكذا يؤكّد بازرگان على عدم الفرق بين تعليم الدين للطبخ والتجارة وتعليمه إدارة الحياة الاقتصادية والصحيّة والحكوميّة، فكلاهما لا شأن للدين به. إنّ هذه جميعاً من وجهة نظره شؤون بشريّة تركها الأنبياء للإنسان كي ينظّمها بتراكم خبراته، فيما أخذ الدين العمق الروحي في هذا الكائن ليُضفي على حياته بعداً معنوياً واُخرويّاً.

لكن ما يظهر لنا من كلمات بازرگان أنّه يرى أنّ كلّ نشاطات الإنسان في مختلف المجالات يجب أن تكون في هدي الدين وأن لا تخالفه أيضاً، فهو الذي يضع الأصول العامّة والمعايير الكليّة، معتبراً أنّ هدي الدين والقيم الأخلاقيّة وعدم مخالفتهما هو ما يجعل الدولة إسلاميّةً والاقتصاد إسلاميّاً والأيديولوجيا إسلامية، لكنّ اتصافها بوصف الإسلاميّة عنده لا يعني أزليّتها وعدم قابليّتها للتغيّر على مستوى الجزئيّات؛ لأنّ المفروض أنّها نابعة من الإنسان، فتخضع لمنطق الصيرورة الذي يخضع له الإنسان نفسه، والدين لا يتدخّل بالتفاصيل.

ما يبدو لي هو أنّ بازرگان كان محتاطاً هادئاً في عمليّة التحوّل هذه التي مرّ بها من الدنيويّة إلى الأخرويّة، فنجد في بعض كلماته ما يشير دوماً إلى الجانب الدنيويّ أيضاً، وكأنّه لا يريد أن ينقطع بالدين تماماً عن الجانب التنظيمي للحياة الدنيويّة، فهو يقرّ بوجود اهتمام إسلامي بقضايا الناس اليوميّة والشؤون الدنيويّة رغم تأكيده على الخطّ العام الأخروي الذي أشار إليه، لكنّه من ناحية ثانية يصنّف القوانين الدنيويّة هذه في النكاح والطلاق والقضاء وغير ذلك في سياق دعوة الدين للإنسان كي يبتعد عن العصبيّة والغضب؛ لأنّ مثل هذه المفاسد الأخلاقيّة تحرم الإنسان من السعادة الأخرويّة.

بهذه الطريقة يفهم بازرگان ـ رحمه الله ـ مساحة الدين وحدوده ودائرة نشاطه، محاولاً الإخلاص للدين في نظرته هذه، فكأنّه يريد القول: إنّ الفصل بين الدين والدولة هو حفظٌ للدين وحفظ للدولة معاً([21]).

إنّ مراجعة كلّ من نصوص بازرگان منذ انطلاقته الفكريّة وتجربته السياسية والاجتماعيّة، تعطي انطباعاً بأنّه لم يحدث لديه تحوّل جذري واسع غير متوقّع، بل كان مناخه الفكري مهيّئاً للصيغة النهائيّة التي قدّمها في محاضرته المشهورة، إنّ نسق تفكير بازرگان يعطينا أنّ هذه النتيجة التي وصل إليها كان الكثير من مفرداتها كامناً في منظومة تفكيره السابقة، ومن ثمّ فالتحوّل كان هادئاً وغير حادّ ولا مفاجئ.

مقاربة تحليلية تقويمة لنظريّة اُخرويّة الدين ورساليّته

يبدو لي أنّه يمكن تصنيف أمثال علي عبد الرازق وبازرگان على أنّهما أنموذج المثقّف الذي أنتج من التجربة وعياً دينيّاً، فسواء كنّا نوافقه على ما توصّل إليه أم نخالفه، جملةً أو في الجملة، فإنّه قدّم لنفسه وعياً جديداً استلهم بعض عناصره من التجربة، وهذا عنصر قوّة، فليس بازرگان وعلي عبد الرازق مثقّفاً مخمليّاً، بل هو مثقف حياة وتجربة وتاريخ.

من الممكن دراسة علاقة نظريّة أمثال علي عبد الرازق وبازرگان بفضائها الزمني، ومن الطبيعي أن تكون التجربة تركت تأثيرها عليهما، كما تترك تأثيرها على غيرهما، فليس من هو منزّه عن ذلك منّا، لكن علّة ولادة النظريّات شيء، وأدلّة هذه النظريّات شيء آخر.

بدورنا، سوف نتوقّف عند هذا العطاء الغنيّ لأمثال علي عبد الرازق ومهدي بازرگان لنتأمّل فيه، ونحاول الكشف عن قوّته وضعفه، لنتوصّل لتصوّرٍ مقنع لنا حوله([22]):

1 ـ النقد المنهجي على بازركان وسروش في المقاربة الداخل ـ دينيّة

لم يقدّم لنا المهندس بازرگان ـ رغم حديثه عن ضرورة السير على نهج الكتاب والسنّة ـ شرحاً واضحاً لأدلّة استيعاب الدين كلّ الوقائع، كالنصوص القرآنيّة والحديثيّة التي مرّت بنا في الفصل الأوّل من هذا الكتاب، كما لم يقم بتسجيل نقدٍ عليها، وإنّما قدّم نظريّته ضمن سياق خارج ـ ديني، دون أن يُتابع السياق الداخل ـ ديني (النصّ) للموضوع نفسه بشكل كامل، مع أنّ من الضروري ـ وفق حديثه ـ متابعته، فعدم نقده لهذه النصوص أو تقديمه تفسيراً لها ينسجم مع نظريّته يعدّ نقصاً في ما قدّمه، كما سنوضح قريباً.

مرجع هذه الفكرة أنّ بازرگان مارس مزدوجاً في تحليله هذا، فمن جهة كان من الواضح أنّه يعتمد النصوص ـ كمّاً وكيفاً ـ في الوصول إلى نظريّته، ولكنّه من جهة ثانية كان يمارس مقاربة خارج ـ نصيّة، يحاول من خلالها تكوين الصورة النهائيّة لديه، ولن نتكلّم في هذه المداخلة الآن عن مديات النجاح في مقاربته النصيّة للموضوع، وإنّما سأتوقّف قليلاً عند المقاربة الخارج ـ نصيّة التي حدّثنا عنها مطلع دراسته.

يعتبر سروش أنّ بازرگان وقع في فخّ سلطة النصّ، عندما حاول تأصيل نظريّته معتمداً على ثنائيّة النصّ ـ التجربة الدينيّين، فهذه المحاولة من بازرگان سوف تضعنا في مسير لن ينتهي النقاش فيه مع الفكر الديني الرسمي، لهذا يعتبر سروش أنّ المرجعيّة الحصريّة في الجواب عن سؤال حدود الدين هو المرجعيّة الخارج ـ دينيّة، ويقدّم لذلك تبريراً فلسفيّاً هرمنوطيقيّاً، وخلاصة تبريره أنّ الذي يحمل مسبقاً عقيدة شموليّة في النصّ الديني ويراه يتصدّى للحديث عن كلّ صغيرة وكبيرة في الحياة، سوف يقدّم تفسيراً للنصّ ويضيء فيه على قضايا علميّة وطبيّة وسياسية واقتصادية وغيرها، مما ينتج لنا الشموليّة ذاتها التي كانت مفروضاً قبليّاً لقارئ النصّ الديني نفسه، بخلاف ذلك الشخص الذي يقرأ النصّ معتقداً مسبقاً بأنّه لا يحكي سوى عن مساحة محدّدة، فإنّ فهمه للنصّ سوف يكون مختلفاً تماماً ولن يفهم ذلك الذي فهمه الشخص الأوّل، وهذا يعني أنّ المصادرات القبليّة حول النصّ هي التي تساعد في تفسير النصّ، وليس النصّ هو الذي يقوم بإخبارنا عن هذه المصادرات القبليّة، وهذا ما يؤكّده شبستري أيضاً، فيما سنلمح له لاحقاً ـ في طيّات نقده للقراءة الرسميّة للدين ـ ناقداً الشيخَ محمّد تقي مصباح اليزدي.

بل يذهب سروش أبعدَ من ذلك حين يرى أنّ النصّ حتى لو أخبر بنفسه عن مساحته فإنّ هذا لا يكفي للقبول بادّعائه، بل لابدّ لنا أن نملك دليلاً على صحّة هذا الادّعاء، فلا يكفي أن تقول الماركسيّة لي بأنّها برنامج شامل للحياة، بل لابدّ أن اُثبت ذلك بالدليل والشواهد، وهذا ما يُنتج أنّ فهم حدود الدين أمرٌ يرجع إلى ثنائيّة متقابلة: فهم جوهر الدين، وفهم حاجات الإنسان، وكلا هذين الأمرين لا يُخبرنا عنهما النصُّ نفسه([23]).

بل دعوني أقول شيئاً، وهو أنّ القارئ للدكتور سروش في مجمل دراساته، يرى بوضوح رغبةً أكيدة وقناعة راسخة بكون الاجتهاد الداخل الديني يكاد يكون في كلّ القضايا لا معنى له عنده ولا قيمة، ففكرة أنّ هذه القضية أو تلك لا تؤخذ من الداخل، بل من الخارج، تمثل ـ بنظري المتواضع بوصفي قارئاً لسروش ـ واحدة من أعمدة فهمه للدين، وربما يمكن رؤيتها في عشرات المواضع من كتاباته.

أودّ هنا أن أتوقّف قليلاً عند محاولتَي بازرگان وسروش معاً، وأتأمّل بعيداً عن كلامهما أيضاً؛ لاتخاذ موقف في القضيّة:

أوّلاً: إنّ ما قاله سروش في نقده الأوّل صحيح تماماً، وألمحنا إليه مراراً، بمعنى أنّ أيّ شخص لو أعطيته نصّاً، ثم أقنعته بأنّ هذا النصّ يتكلّم عن كلّ شيء في العالم، فمن الطبيعي أن يستنطقه ليرى فيه كلَّ شيء، فيرى سكوته عن فكرةٍ تأييداً لها، ويحصل الإمضاء السكوتي، ويرى كلامه عن ضرورة الغذاء الصحيح برنامجاً يغطّي كلّ الحياة الصحيّة للإنسان وهكذا، أمّا لو حمل هذا الشخص قناعةً بأنّ هذا النصّ يتصدّى للحديث عن الحياة الاُسريّة فقط، فلن يفهم منه قضايا علم الفلك.

هذه الفكرة منطقيّة جداً، بل رأيناها في التجربة الزمنيّة لمفسّري النصوص الدينية عبر التاريخ وعبر الأديان، لكن يوجد هنا نوعان من النصوص الدينيّة:

أ ـ نصوص الدرجة الأولى، وهي النصوص التي تحكي عن شيء خارج النصّ ـ بوصفه كليّة منتظمة ـ وهويّته ومعالمه، وهذا النوع من النصوص هو الأغلبيّة الساحقة من النصوص الدينيّة، فهي تتكلّم عن الصلاة والصوم والله والآخرة والأخلاق وغير ذلك.

ب ـ نصوص الدرجة الثانية، وهي النصوص التي تحكي عن منظومة النص (النصوص) نفسها، فتعرّف بهويّة سائر النصوص في المنظومة، وتخبرنا عنها بأنّها تتصدّى لكلّ شيء أو تتصدّى لمساحة معيّنة، إنّ المحكيّ عنه هنا ليس شيئاً خارج النصّ، بل هو النصّ نفسه، لكن لا عين النصّ الذي يحكي عن سعة النصوص، بل سائر النصوص الصادرة عن المتكلّم نفسه والتي يحكي هذا النصّ عنها.

والسؤال الذي نوجّهه هنا لبازرگان وسروش معاً: إذا كان النوع الأوّل من النصوص لا يحكي بذاته عن هويّة النصّ بوصفه منظومة نصوصيّة متكاملة (القرآن والسنّة معاً)، لكنّ النوع الثاني ليس كذلك، وإذا كانت المقاربة الهرمنوطيقيّة تمنعنا من تأمين المصادرة القبليّة عبر النوع الأوّل من النصوص، فهي لا تمنعنا ـ قهراً ودائماً ـ عنها عبر النوع الثاني من النصوص، وهذا يعني أنّ (الإمكان) الفلسفي التفسيري موجودٌ هنا في إخبارنا من داخل النصّ عن هويّة النصّ نفسه، ومن ثمّ يمكن تأمين المصادرة القبليّة من النصّ نفسه لا من خارجه، إلا إذا كنّا نقول مسبقاً بأنّ النصوص مطلقاً لا تحكي عن شيء وإنّما نحن الذين نحكي بالنصوص عن الشيء، وإذا كان الأمر كذلك ـ وهو تفكير فلسفي وجودي هايدغري ـ فلا معنى لأبحاثنا هذه كلّها؛ لأنّ النصّ لن يكون هنا حاكياً عن شيء، بل سيكون مولّداً لشيء، ومعنى أنّه مولّد لشيء هو أنّ احتكاكي به احتكاك بذاتي ووجودي، وليس هناك شيء خارج ذاتي أبحث عنه، وفي هذه الحال لن تكون هناك قيمة حقيقيّة للنصّ الديني سواء أخضعناه لهذه المصادرة أو تلك؛ لأنّ البحث في النصّ لن يعود بحثاً في هويّة المؤلّف ومراداته، ومن ثمّ علينا إغلاق البحث في مرادات النصّ على جميع الاتجاهات وفي أيّ موضوع، وإذا كان سروش يؤمن بذلك فنحن معه أمام نقطة خلاف مبنائي، وليس لموضوع بحثنا أيّ خصوصيّة إضافيّة.

بهذا نكتشف أنّ النصّ يمكنه بالإمكان التفسيري أن يحكي عن هويّة نفسه، ونعني بذلك أنّه يمكن أن يكون في النصّ الديني ما يدلّ بشكل واضح وصريح عن مساحة اشتغالات هذا النصّ/المنظومة. ولن نبحث هنا في حالة الشخص الذي يدخل النص وهو بالفعل لا يعرف مساحته، وليس له موقف أيديولوجي مسبق فيه، كيف سيفهم النصّ؟ نترك ذلك لمناسبة أخرى.

ومن هنا نكتشف أنّ بازرگان لم يعرض للأدلّة القرآنيّة والحديثيّة التي يقدّمها الفريق الآخر لإثبات شموليّة الشريعة من النصّ، بل اقتصر على عرض أدلّته خاصّةً، بل الشيء الأكثر غرابة هو أنّ الأدلّة الخارج ـ نصيّة التي قدّمها الفكر المدرسي، والتي وضعناها سابقاً في إطار الأدلّة العقليّة في الفصل الأوّل من هذا الكتاب، كانت هي الأخرى غائبة أو مغيّبة عن مقاربة بازرگان، فضلاً عن سروش، مع أنّ هذه المقاربات يفترض أن تكون حاضرة في تحديد موقف من سعة الدين ومجالاته.

ثانياً: إنّ فكرة سروش حول أنّه لا يكفي أن يدّعي النصُّ السّعةَ والشمول حتى تثبت هذه الصفة فيه، هي فكرة صحيحة من حيث المبدأ؛ لكنّ تطبيقها على النصّ الديني غير واضح؛ وذلك أنّ هذا التطبيق إمّا أن نمارسه ضمن مصادرة الاعتقاد بعصمة النصّ الديني، وأنّه من الله سبحانه، أو أن نطبّقه خارج هذه المصادرة، فإذا طبّقناه خارج هذه المصادرة، فما قاله سروش في غاية الوضوح والإقناع، وهكذا لو لم نتمكّن من الوصول إلى دلالة واضحة في النصّ تحسم الموقف، بينما لو طبّقناه في سياق هذه المصادرة فهذا يعني الوقوع في مفارقة؛ إذ كيف نكون مقتنعين بعصمة النصّ الديني من جهة، ثم لا نكتفي بشهادة النصّ نفسه على شموليّته وسعته؟! يبدو هذا متنافياً بشدّة، خاصّة وأنّ النصّ الديني هو نصّ تاريخي في هويّته الوجوديّة والحدوثيّة، ومن ثمّ فما وصل إلينا منه قد لا يكون مساوياً لما صدر منه بالفعل حتى نحاكم الصادرَ بالواصل دوماً.

وليس أمام سروش من مخرج هنا سوى أن يفترض أنّ المقاربة الخارج ـ نصيّة تُثبت عدم شموليّة الدين، وليس فقط لا تُثبت الشموليّة، فإذا قدّمنا شواهد لهذه النتيجة فمن الممكن أن تكون هذه الشواهد موجبةً للتشكيك في دلالة النصّ الديني على ما شهد عليه، ولا أقلّ من أنّها تفرض تناقضاً أمام القول بشموليّة الدين وسعة الشريعة.

من هاتين المناقشتين نستخلص أنّ المقاربة الخارج ـ نصيّة، والداخل ـ نصيّة، هما معاً حاجة في دراسة موضوع من هذا النوع، ولكنّ المقاربة الخارج ـ نصيّة إذا أفضت بنا إلى إثبات المحدوديّة أو إثبات الشموليّة ببرهانٍ علمي موضوعي، فإنّ هذه النتيجة تفرض نفسها على فهم النصوص وعلى المقاربة الداخل ـ نصيّة، بينما لو لم تقدر المقاربة الخارج ـ نصيّة سوى على عدم إثبات الشموليّة، بمعنى أنّها حملت موقفاً سكوتياً عاجزاً، ونفت وجود دليل خارج ـ ديني على الشموليّة فحسب، فإنّ هذا لن يُغلق الباب أمام المقاربة الداخل ـ نصيّة عن أن تقدّم ـ إمكاناً ـ موقفاً إضافيّاً في هذا المجال.

وبهذا نعرف أنّ طريقة تناول علي عبد الرازق للموضوع ـ رغم العديد من النواقص التي فيها ـ كانت ألصق بدراسة قضيّة من هذا النوع من المقاربات الخارج ـ دينيّة المحضة التي غالباً ما لا تكون ملامسة للواقع النصّي والتاريخي للدين، وإن لم تكن كافية.

ولا بأس بالإشارة أخيراً، إلى أنّنا نجد بعض الباحثين المتحمّسين لحصريّة القراءة الخارج ـ دينية يستندون للنصوص منتقين ما ينفعهم منها فقط ومتجاهلين ما يضرّهم؛ لكي يُثبتوا نظريّتهم، وهذا نوعٌ من التحكّم، إن لم يكن الهدف مجرّد الجدل والإفحام الاحتجاجي؛ إذ جعل نصوص أصل ونصوص هامش، أمرٌ يحتاج لمعايير دقيقة، تماماً كما تحتاج لمعايير مثل نظريّة الباحث السوداني محمود محمّد طه في جعله النصوص المكيّة القرآنية هي الأصل، دون المدنيّة؛ ليستنتج من ذلك أصالة النزعة الأخلاقية (والاُخرويّة) في الإسلام، دون النزعة القانونيّة والتشريعيّة.

2 ـ من دنيويّة الدين إلى تديّن الدنيا (معيار الدنيوي والاُخروي)

يقدّم بازرگان رؤيته على أنّها انتصار لاُخرويّة الدين وثورة على مصلحيّة الإنسان تجاهه، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ما هي الجوانب الدنيويّة المتصلة بالآخرة؟

إنّ الفصل بين الدنيا والآخرة في غائيّة الدين عند بازرگان ليس فصلاً زمنيّاً بالتأكيد؛ فليست الآخرة التي عالجها الدين في حياة الإنسان هي قطعة زمنيّة محدّدة، بل هي مجموعة من القيم والسلوكيات التي تنفع الإنسان في الآخرة ـ بفعلها أو تركها ـ لتحقّق سعادته فيها، وهذا يعني أنّ الذي يميّز اُخرويّة سلوكٍ أو عملٍ ما عن دنيويّته، هو أمران:

نوع العمل

غاية العمل

فالزنا هو عمل دنيوي عادةً، والجلوس في المسجد عملٌ اُخروي كذلك، كما أنّ التصدّق على فقير لكي يحصل الإنسان بذلك على مكانة اجتماعيّة ونفوذ بين الناس للتلذّذ بالسلطة والزعامة هو عمل دنيوي؛ لأنّ الغرض دنيوي، بينما الفعل نفسه إذا كان لغاية التحرّر من حبّ المال والتعلّق بحبّ الله فقط هو عمل اُخروي.

فنوع الفعل وغايته شريكان في توصيف الفعل بالاُخرويّة والدنيويّة، وهذا معناه أنّ نقطة الخلاف بين بازرگان والمخالفين له ليست في اُخرويّة الدين بالضرورة، بل في تعيين هذه الأخرويّة في الدنيا، بمعنى وضع اليد على السلوكيات والاهتمامات والأفعال التي يمكن خلع صفة الاُخرويّة أو الدنيويّة عليها ضمن معيار واضح، فبازرگان يقول بأنّ أمر الله الناس بالصلاة هو لآخرتهم، كي يقتربوا من الله سبحانه، وأمره لهم بالزكاة هو لخلع عبوديّتهم للمال، وهذا يعني أنّ بازرگان قدّم تفسيراً روحيّاً لظاهرة ماديّة (الصلاة ـ الزكاة..) يخلع عليها صفةً اُخرويّة.

وانطلاقاً من معياريّة الفعل والغاية، يكفي لتوصيف السلوك الفردي أو الجماعي بكونه اُخرويّاً أن يكون السلوك في نفسه حسناً وصالحاً وأخلاقيّاً وأن يكون القصد من ورائه هو الله والآخرة، حتى تلتقي نوعيّة الفعل وغايته في تصحيح التوصيف المذكور، وهذا ما يمكن استنتاجه من كلام بازرگان أيضاً، ومن الأمثلة التي قدّمها لنا وهو يقوم بتحليل الإلزامات الشرعيّة الواردة في الدين، ومن غير المنطقي أن يقصد التمييز بين الدنيوي والاُخروي من خلال التمييز بين التعبّدي والتوصّلي بعد أن أقرّ بنفسه بالتشريعات التي وضعتها الشريعة في مجال الأحوال الشخصيّة ونحوها من الأمور غير التعبديّة (العباديّة) بذاتها.

إذا توصّلنا لهذا المعيار الثنائي المتعاضد؛ لم يعد يمكن لبازرگان فصل السلوك السياسي عن الديني، أو فصل الدين عن السلطة، بحجّة دنيويّة السلطة، فهذه الطريقة لا تحلّ المشكلة؛ لأنّ الطرف الآخر بإمكانه أيضاً أن يقول بأنّ إدارة حياة الناس في الدنيا وتنظيمها هو خدمة للآخرين ورفع الظلم والتمييز عنهم، وإذا كان بازرگان يمكنه أن يدافع عن نفسه بأنّ السعي لامتلاك حياةٍ اقتصاديّة هانئة هو أمرٌ دنيوي؛ لأنّ القصد والغاية فيه هو الدنيا، فإنّ هذا لا علاقة له بالسلوك نفسه، وإنّما بخاصية القصد والنيّة، فالنيّة لديها القدرة على تحويل كلّ شيء، ومن ثم فمن يعيّن اُخرويّة السلوك ليس هو السلوك نفسه فقط بل النيّة القابعة خلفه أيضاً، وبإمكان الدين أن يقوم بتوجيه سلوكيّاتنا الدنيوية بحيث يقوم بتحويلها إلى سلوكيّات اُخرويّة عبر تصويب القصود وتصحيح النوايا ونحو ذلك.

لقد تجاهل بازرگان ـ في حديثه عن الانقلاب من التوحيد إلى الشرك ـ حقيقةً صوفيّة أخلاقية تقضي بإمكان تحويل الدنيوي إلى أخروي ـ في الأفعال الأخلاقيّة بذاتها، أي غير القبيحة ـ عبر تعديل القصود والنوايا والأغراض، فأيّ أمر دنيوي غير قبيح في ذاته يمكن بالقصد القربي ومراعاة الحضور الإلهيّ تحويله إلى أمر أخروي، فلماذا لا يكون الاهتمام بدنيا الناس عملاً دينياً مقرّباً إلى الله تعالى عبر تصحيح النيّة، كالاهتمام برفع الطبقيّة المجحفة عبر الاشتغال على وضع القوانين وتكوين المؤسّسات التنظيميّة التي توفّر شيئاً من ذلك؟! والعكس صحيح؛ فإنّ أكثر العبادات عباديّةً يمكن أن يصيّره الإنسان الفاسد والمجتمع الفاسد أمراً دنيويّاً مصلحيّاً، كما قال بازرگان نفسه!

إنّ الاهتمام بدنيا الناس ـ بمعنى حياتهم الكريمة الهانئة ـ ليس شأناً يتعالى عنه النبيّ أو البعثة النبويّة؛ فإنّ دنيا الناس التي اهتمّ بها الأنبياء هي أن يعيشوا حياةً عادلة، وهذا العيش ليس كلمة تطلق في الهواء، بل لها مستلزمات قانونيّة تفرض تنظيم نفسها على أرض الواقع عبر سلسلة من القوانين الجزائية والجنائيّة والمدنيّة والتجاريّة وغير ذلك، فهذه المنظومة الفقهيّة القانونيّة ترتقي بحياة الناس وتحول دون تورّطهم في ظلم بعضهم بعضاً، أفهل هذا شأن دون شأن الأنبياء؟ وهل من المعيب على الأنبياء أن يديروا حياة الناس بما يحقّق لهم الأمن والاستقرار والعدالة الاجتماعية ويؤمّن لهم حقوقهم وحريّاتهم؟

بل هل أنّ الذي يمارس نشاطه البشري اليوم لكي يضع القوانين البشريّة يمارس فعلاً غير أخلاقي أو أنّه يمارس فعلاً أخلاقيّاً؟ فإذا كان يمارس فعلاً غير أخلاقي فكيف كان بازرگان يدافع عن حقّ الإنسان في إدارة حياته؟ فهل هو يدافع عن حقّ غير أخلاقي؟ وإذا كان يمارس فعلاً أخلاقيّاً ـ وهو كذلك ـ فلماذا لم يكن مناسباً للأنبياء، بما هم رسلٌ وأنبياء، أن يمارسوا هذه الأخلاقيّة؟ ولماذا لم يكن ذلك مناسباً لأهداف البعثة؟ وهل هناك أخلاق دانية لا تليق بالأنبياء وأخلاق عالية تليق بهم؟ بل يمكن أن نقول بأنّ هناك فرقاً بين أن يكون هدف الأنبياء هو الدنيا وأن يكون هدفهم الدنيا والآخرة معاً، وهذا ما ميّزهم عن سائر البشر والقادة.

إنّ هذا التوصيف من بازرگان ـ وقَبله علي عبد الرازق ـ يبدو غير منطقي وهو يبحث في دراسته هذه عن قيمة الحريّة الإنسانيّة ويعلن رفضه الواضح للاستبداد والقمع، فهل تدخّل الأنبياء في الحفاظ على الحريّة الإنسانيّة المسؤولة هو تقليل من شأنهم، وهل خدمة العباد والبلاد دون مستوى الأنبياء؟! ومن ثمّ فالتجربة النبوية والعلوية والسليمانية والداوديّة هل كانت هبوطاً نبويّاً أو ارتقاءً؟ وكيف عظّم القرآن قائلاً عن آل إبراهيم: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 54)؟!

إنّ المدافعين عن سعة الفقه الإسلامي ليسوا مدافعين عن الدنيويّة الرخيصة، بل هم يرون أنّ الفقه يرفع الظلم، ويحقّق العدالة، ويحدّ من الفحشاء واللاأخلاقيّة، ويضرب على يد الجاني، ويقوّي موقع الإنسان الأخروي الصالح في المجتمع، ويعيد إنتاج الطبقيّة الاجتماعيّة وفقاً لمعايير مختلفة، ويخرج من أموال الأغنياء للفقراء، ويرفع من مستوى المجتمع المسلم أمام الآخرين وهكذا، فهل هذه المهمّات معيبة ودنيويّة منافية للآخرة؟ فلماذا لا نعتبر الفقه إطاراً تبعيّاً يهدف لتوفير الإطار الأصلي الروحي؟

يقول السيد الخوئي: mوالقرآن بسلوكه طريق الاعتدال ، وأمره بالعدل والاستقامة، قد جمع نظام الدنيا إلى نظام الآخرة، وتكفّل بما يصلح الأولى، وبما يضمن السعادة في الأخرى، فهو الناموس الأكبر جاء به النبيّ الأعظم ليفوز به البشر بكلتا السعادتين، وليس تشريعه دنيويّاً محضاً لا نظر فيه إلى الآخرة، كما تجده في التوراة الرائجة، فإنّها مع كبر حجمها لا تجد فيها مورداً تعرّضت فيه لوجود القيامة، ولم تخبر عن عالم آخر للجزاء على الأعمال الحسنة والقبيحة. نعم صرّحت التوراة بأنّ أثر الطاعة هو الغنى في الدنيا، والتسلّط على الناس باستعبادهم، وأنّ أثر المعصية والسقوط عن عين الربّ هو الموت وسلب الأموال والسلطة. كما أنّ تشريع القرآن ليس أخرويّاً محضاً لا تعرض له بتنظيم أمور الدنيا كما في شريعة الإنجيل. فشريعة القرآن شريعة كاملة تنظر إلى صلاح الدنيا مرّةً وإلى صلاح الآخرة مرّةً أخرىn([24]).

ما نريد أن نصل إليه هو أنّ السلطة ليست أمراً قبيحاً في ذاته، بل قبح السلطة وإدارة دنيا الناس إنّما يكون بنوع ممارستها من جهة، مثل عدم عدالتها بين الناس، وبنوع القصد الذي ينبعث الناس به نحو ممارسة السلطة الدنيويّة والغاية التي ينشدها المهتمّ بقضايا السلطة، وإلا فلو كانت السلطة والاهتمام بدنيا الناس أمراً قبيحاً في ذاته يفترض أن يتنزّه الدين عنه؛ لأنّه دنيويّ والمفروض أنّ الدينَ اُخرويٌّ، فبماذا يفسّر لنا بازرگان التجربة السلطويّة النبويّة والعلويّة والحسنيّة والداوديّة والسليمانيّة؟ وهل يراها خروجاً عن المسار التوحيدي وعودةً غير شعورية إلى منحى الشرك بالله سبحانه؟! بل لنا أن نذهب أكثر من ذلك ـ وفقاً لعقيدة بازرگان المذهبيّة ـ لنسأله: كيف يفسّر تنصيب الإمام علي للخلافة بعد النبيّ؟ وهل يعتبر هذا التنصيب دينيّاً فقط أو أنّه تنصيب سياسي؟ وإذا كان الإمام عليّ قد نصّب دينيّاً فقط فلماذا كان التنازع على السلطة بعد وفاة النبي كما هي توصيفات بازرگان نفسه للتاريخ؟

نقطة الخطأ التي وقع فيها بازرگان ومعه علي عبد الرازق، تكمن ـ في تقديري ـ في المعيار الذي بنى عليه في تمييز الدنيوي عن الاُخروي، والمعيار لا يسمح له بافتراض السلطة شأناً دنيويّاً حتى يتنزّه الدين وأهل الإيمان عنه، بل هو شأن يمكن أن يكون اُخرويّاً، فتصدّي الدين له واهتمامه به هو لممارسة تصويب أخلاقي في القوانين والإجراءات من جهة حتى لا تكون ظالمةً من حيث لا يشعر الإنسان، وكذلك للقيام بدور تصحيحي للنوايا ومحاربة أشكال القصد الدنيوي في الحياة السلطويّة، وبهذا كما يمكن تصيير الدين دنيويّاً يمكن للدين أن يصيّر الدنيا دينيّةً بنظامه الأخلاقي هذا.

وإذا صحّت نظريّة بازرگان، وتخطّينا خصوصيّة فكرة فصل الدين عن السلطة انطلاقاً من الهويّة الاُخرويّة للدين، فنحن نسأله عن أساس اشتغال الفرد بالقضايا الدنيويّة، فهل يشجّع المسلمين على كسب الثروات وتحصيل التقدّم العلمي والتكنولوجي وتثوير الثروات الكامنة ووضع خطط وبرامج دنيويّة متطوّرة دائماً لحياتهم أو لا؟ فإذا كان جوابه إيجابياً فلماذا لم تكن هذه الدعوة الإنسانيّة لتنظيم الحياة وإقامتها وتطويرها سيراً في خطّ الشرك على خلاف الدعوة الدينيّة لذلك؟ وأمّا إذا كان جوابه بالنفي، فهذا يعني أنّ بازرگان لا يرى فقط القطيعة بين الديني والدنيوي، بل يرى التنافي بينهما، ومن ثم فهو يُحسب حينئذٍ على تيار الصوفيّة الانعزالية المعادية للحياة وتقدّمها، مع أنّه هو نفسه حذّر من مقولة (ترك الدنيا لأجل الآخرة)! ولست أدري هل هذه النتيجة أخفّ وطأة أو أدلجة للحياة حينئذٍ؟!

والأمر عينه لاحظه النقّاد على علي عبد الرازق، فإذا كانت الرسالة الإسلاميّة لا تتصل إطلاقاً بتنظيم الحياة والاجتماع البشري، فهذا يعني ارتداداً نحو التصوّف([25]).

بل ربما يسأل سائل هنا وهو أنّه إذا كان المحور الوجودي للإنسان هو الآخرة، فكيف ضَمِنَ أمثال بازرگان وعلي عبد الرازق أنّ الدين لن يحارب الدنيا؟ وأين تكمن الإشكاليّة الفلسفية في كون الدين يحارب الدنيا على الطريقة الصوفية الانعزاليّة؟ لا يبدو لي أمام بازرگان وعبد الرازق من جواب ـ وفقاً لطريقتهما في المقاربة ـ إلا أن يجعلا الدين مقرّاً بدنيا الناس، وأنّ ذهابهم خلف الدنيا ليس في ذاته عملاً غير أخلاقي، بل قبحه الأخلاقي ينشأ من نوع السلوك الدنيوي ونوع النيّة، وهذا الإقرار لا معنى له إذا كان الدين يتنزّه عن الشأن الدنيوي بحجّة اُخرويّته وفقاً لتعبير بازرگان أو رساليّته وفقاً لتعبير عبد الرازق، إذ يبدو الأمر متهافتاً في هذه الحال، فكيف يرضى الدين للناس أن لا يتركوا الدنيا وفي الوقت عينه يتنزّه هو عن دنياهم؛ لأنّ دنيويّته تنافي اُخرويّته؟!

هذا كلّه إذا قصد بازرگان وعبد الرازق ما تقدّم، لكن لعلّ مقصودهما هنا أمراً آخر، وهو أنّ الدين لو ركّز على شأن إدارة الحياة لتركّزت نصوصه في هذا المضمار، ولتضاءل فيه الموضوع الأخروي والروحي، مما سيجرّ إلى ولادة ديانة دنيويّة على الطريقة اليهوديّة لا أخرويّة على الطريقة المسيحيّة، فتنامي الفقه ـ بوصفه علماً معنيّاً بشأن الدنيا في مساحة كبيرة جداً منه ـ سوف يكون على حساب الأبعاد الروحيّة والأخرويّة في الدين، والتي هي الأمّ والأساس.

فإذا قصد بازرگان أو علي عبد الرازق هذا المعنى، فهذا الكلام فيه جانب صواب وجانب خطأ:

أمّا جانب الصواب، فهو أنّنا نعارض تنامي الفقه وتضخّمه إلى حدّ غياب الروح الأخلاقيّة، وهي إشكاليّة نجدها اليوم قائمةً في المؤسّسة الدينية وليس حديثنا حولها، لكن ـ وهنا جانب الخطأ ـ معارضة تورّم الفقه وابتلاعه سائر الجوانب الدينيّة وصيروته اللباس الذي يلبسه الدين، ومعارضة تقديم الفقهاء على المفسّرين والعرفاء والفلاسفة بوصفهم الناطقين الرسميّين باسم الدين دون غيرهم، وهي معارضة نوافق عليها.. لا تعني تحييد الدين عن الدنيا، ولا فكّ الوصلة بين الدين والسلطة، بل تعني ضرورة إنتاج فهم جديد للدين يجعل الفقه مجرّد ضلعٍ من أضلاعه، ويعطيه موقعه الطبيعي في إدارة حياة الناس جسداً وروحاً، فالفقه لو اُعيدت موضَعَتُه ضمن المنظومة الدينية الكاملة، لأخذ حجمه الطبيعي الذي يشكّل نصف سدس آيات القرآن الكريم تقريباً، ومثله من السنّة كذلك، والباقي موضوعات روحيّة وتربويّة وأخروية وعقديّة ونحو ذلك.

ولعلّ بازرگان وعبد الرازق كانا يواجهان وضعاً معاصراً لهما كان يعيشه الفقه أكثر مما كانا يواجهان الفقه في داخل النصوص نفسها، ونقطة الارتكاز تكمن في كيف يمكننا أن نحوّل الفقه من مجرّد قوانين جافّة تقع الوسائل فيها أهمّ من الأغراض وتُنحر القيم الأخلاقية فيها أحياناً لمجرّد المحافظة على الشكليّات، وتتمكّن المصلحة فيه من إلحاق الهزيمة بالأخلاق.. إلى مجموعة دساتير تستهدف الأخلاق نفسها وتحكمها الكليّات الأخلاقيّة العليا؟

ومن الضروري هنا التأكيد على أنّنا نبحث في منع الدين من التدخّل في الدنيا حمايةً لتساميه، واعتبار ذلك منقصةً له أو مضرّة أو نحو ذلك، ولا نوافق على مقاربة عبد الرازق وبازرگان لهذا الموضوع حيث نجدها غير مقنعة، أمّا الحديث عن أنّ الدين هل يمكنه بالفعل أن يدير دنيا الناس؟ وهل يقدر الفقه على الاستجابة لتحدّيات الدنيويّة على امتداد الخطّ الزمكاني؟ فهذا موضوع آخر يفرض تحدّيات من نوعٍ آخر، وليس موضوع حديثنا هنا الساعة.

هذا، وقد حاول بعض ناقدي بازرگان أن يثيروا إشكاليّة هنا في أنّه هل أراد بازرگان تحرير الدين من الدنيا أو تحرير الدنيا من الدين؟ إنّ الناقدين هنا يرون أنّه تورّط في مقاربة المسألة الدينيّة مقاربة وظيفيّة، أيّ أنّه بحث عن وظيفة الدين وما يمكن أن يقدّمه للإنسان، ولم يبحث عن وظيفة الإنسان وما يمكن أن يقدّمه للدين، وهذا بالضبط ما يقف على النقيض من المشروع الديني الهادف عند بازرگان للثورة على محوريّة الإنسان لصالح محوريّة الله.

لكنّ هذه الملاحظة في تقديري تخترق النوايا أكثر ممّا تقارب نصوص بازرگان في نظريّته هذه، إذ من الواضح أنّ بازرگان في هذه النظريّة لم ينتصر للإنسان إلا في مسألة واحدة، وهي حماية حريّته أمام الاستبداد والقهر والقمع، وكلّ دراسته تبدو واضحة في كونها حريصة على الدين نفسه، أمّا المناقشة في إطار النوايا فليس أمراً مقبولاً في هذا الفضاء البحثي، بل إنّ حديث بازرگان عن إعلاء الله عن شأن أن يكون مثل غاندي أو جمشيد كان واضحاً في كونه يحتقر دنيا الناس، وإن كنّا لا نوافقه على هذه المقاربة كما تقدّم.

3 ـ تقويم النظريّة في ضوء الاتجاهات الأربعة في فلسفة ضرورة البعثة

لا نريد أن نخوض هنا في تحليل منفصل لأهداف البعثة النبويّة العامّة، لكن من المناسب أن نعرف أنّ الفكر الديني والفلسفي عبر التاريخ قدّم تصوّراته حول الغرض من بعثة الأنبياء وإرسال الرسل، ويمكن ـ باختصارٍ شديد ـ طرح عدّة اتجاهات، أو بيانات وصياغات، هي الأبرز عادةً:

الاتجاه الأوّل: وهو الاتجاه الذي يميل لكون المبرّر الموضوعي لضرورة بعثة الأنبياء هو الإنسان في ظرف الاجتماع أو تنظيم الاجتماع البشري، بمعنى أنّ تكوّن الاجتماع البشري هو الذي يفرض إرسال الرسل وبعث النُذُر، فتكوّن الاجتماع البشري يؤدّي إلى تضارب مصالح الناس، ووقوع التنازع والرذيلة بينهم، وحيث إنّ الإنسان اجتماعيٌّ بالضرورة أو بالحاجة، فإنّه لن يستغني عن الاجتماع، الأمر الذي يفرض وضع قانون لتنظيم الاجتماع البشري خوفاً من سقوط الإنسان وتهاويه.

هذا الاتجاه نجده بادياً أكثر في كلمات فلاسفة مثل ابن سينا والسهروردي وبعض مقاربات الملاصدرا([26])، ولا نلاحظ فيه بوضوح وجلاء دور الآخرة في فلسفة حضور النبوّات في الحياة البشريّة، فكأنّ النبوّات جاءت لتنظيم الحياة الدنيويّة في اُفق الاجتماع.

الاتجاه الثاني: وهو الذي يرى أنّ المبرّر الموضوعي هو تكامل الإنسان، فلا يقرّب هؤلاء القضيّة من خلال الاجتماع، بل من خلال أنّ الإنسان لا يمكنه التكامل دون النبوّات.

وفكرة التكامل هنا تظلّ مفتوحة على الآخرة أكثر من فكرة ضرورات تنظيم الاجتماع البشري، ولهذا تجد ضمن هذا التوجّه حديثاً عن أنّ طريق النجاة الاُخروي منحصر بالأنبياء الذين يبلّغوننا ما لا نعرفه عن هذا الطريق.

وهذا الاتجاه نجده في كلمات أمثال الشيخ محمّد تقي مصباح اليزدي، والشيخ عبد الله جوادي الآملي([27]).

الاتجاه الثالث: وهو الاتجاه الذي يجمع بين المبرّرين السابقين، إمّا بالضمّ أو بالدمج، كما نراه في كلمات الشيخ جعفر السبحاني([28])، بل نرى في كلام بعضهم ـ مثل الفارابي والملاصدرا الشيرازي في بعض بياناته الأخرى([29]) ـ أنّ وصول الإنسان للكمال يكون في الاجتماع، والاجتماع بحاجةٍ لقانونٍ ونبوّة، وهذا ما نلمح شيئاً قريباً منه في كلام العلامة الطباطبائي أيضاً([30]).

هذه الاتجاهات الثلاثة عادةً ما تطرح في سياق تقليل شأن العقل وإمكانات الإدراك الإنساني لتأكيد الحاجة لمصدرٍ معرفي مفارق ومنفصل عن الإنسان نفسه، وهو الوحي والأنبياء، فالإنسان لا يعرف إدارة تناقضات الاجتماع البشري ولهذا يحتاج للنبوّات، والإنسان لا يعرف طريق تكامله أو خلاصه فلهذا يحتاج للنبوّات.

الاتجاه الرابع: وهو اتجاه منافس لكلّ الاتجاهات السابقة، حيث يرى أنّ القضيّة لا ترجع لأيّ بُعد معرفي ضروري، دون أن ننكر أنّ بعض ما جاء به الأنبياء هو بالفعل لا يعرفه الإنسان، لكنّ نقطة الارتكاز في فلسفة البعثة هو الجانب التذكيري والإيقاظي، فالإنسان مزوّد بالأدوات لكنّ طغيان النفس يحيجه إلى الضبط، والأنبياء جاؤوا للتذكير والتنبيه والتربية، وبذلك يُكبح جماح النفس ويعود سلطان العقل والضمير غير القاصرين لموقعه الطبيعي([31]).

وعليه، فإذا اختار عبد الرازق وبازرگان الاتجاه الأوّل، فمن الواضح أنّه يقع على النقيض من رفض دنيويّة الدين، ولا يتوافق مع تصوّراتهما.

وإذا اختارا الاتجاه الثاني أو الثالث، فإنّهما سيواجهان مشكلةً مركزيّة، وهي أنّ الغاية من البعثة إذا كانت تكامل الإنسان، فليس من شيء يفرض الاُخرويّة أو الرساليّة حصراً؛ لأنّ الدنيا والآخرة لن تعودا هدفاً في ذاتهما، بل الهدف هو كمال الإنسان، وهذا الكمال كما يمكن تصوّره في الآخرة (الجنّة)، كذلك يمكن تصوّره في الدنيا، بمعنى أنّ كمال الإنسان في الدنيا هو أيضاً كمال، وحصوله ـ على المستوى الفردي والاجتماعي ـ على عناصر القوّة الدنيويّة هو كذلك كمال، وكما لم تضرّ اللذات (نعيم الجنّة) بكمال الإنسان في الآخرة، فإنّ قصده لها في الدنيا لن يكون منافياً لكماله، ما دام هذا القصد يقع في سياق الكمال المجموعي العام.

وبعبارة أخرى: إنّ الكمال الدنيوي المتجلّي في الصحّة البدنيّة والسلامة النفسيّة والقوّة الجسديّة والمكنة الماديّة والموقعيّة الاجتماعيّة.. لا يوجد ما ينافي كونه كمالاً بشريّاً إذا وقع في سياق أو منضمّاً إلى الكمال الاُخروي الذي هو البعد الروحي والأخلاقي، فلماذا تمّ تصوّر الكمال بمعزل عن المصالح الدنيويّة، ولم يتمّ تصوّره منضمّاً إليها؟([32]).

وبهذا يصبح الدين للدنيا والآخرة معاً، لكن لا بمعنى أنّه لا ينفع للآخرة إلا إذا نفع للدنيا، أو أنّ نجاحه في الآخرة مرهون بنجاحه في الدنيا، بل بمعنى أنّهما نجاحان ملاحظان معاً في الدين.

كما أنّه إذا لم يقدر العقل على حلّ إشكاليّة الخلاص في الآخرة؛ ولهذا كانت النبوّات، فلن يقدر على حلّ مواقفه في الدنيا؛ لأنّنا لا نعرف صلة الدنيا بالآخرة حتى نفصل بينهما، تبعا لعدم معرفتنا بسبيل الخلاص في الآخرة، وهذا يؤكّد مرجعيّة النصّ مجدّداً لا حذفه، خلافا لما فعل سروش وبازرگان، كما علّقنا في النقطة الأولى آنفاً.

نعم، إذا اختار بازرگان وعبد الرازق الاتجاه الأخير، فإنّ نظريّتهما تصبح محميّة من الإشكاليّات المتقدّمة على مستوى فلسفة النبوّة، بصرف النظر عن مديات صحّة هذا الاتجاه غير المعرفي، لكنّ اختيار بازرگان بالخصوص لهذه النظريّة ـ بل لأيّ من النظريّات السابقة أيضاً ـ سوف لن يتوالم مع قوله بأنّ الأنبياء جاؤوا لكي يسدّوا فراغاً لا يستطيع الإنسان بذاته أن يسدّه، بحيث إنّ النبوّات تغدو بلا قيمة لو جاءت لكي تتكلّم عن أشياء يمكن للبشر بعقولهم الوصول إليها، إلا على تقدير القول بأنّ الإرادة الإنسانيّة ماتت وتحتاج للنبوّات في بعثها، وهي فكرة لا تبدو مقبولة في الفضاء الإسلامي، وإن كان لها وجود في الفضاء المسيحي نتيجة فكرة الخطيئة الأولى للبشر، في التوجّه الأوغسطيني المعارض للتوجيّه البلاجيوسي.

إنّ هذا الكلام غير دقيق؛ وذلك:

أوّلاً: لماذا الإصرار على أن يكون دور الأنبياء والرسل هو تقديم معلومات إضافيّة للإنسان؟ وما هي المفارقة التي قد نقع فيها لو قلنا بأنّ الأنبياء جاؤوا لكي يؤكّدوا ويكرّسوا الأمور التي توصّل الإنسان إليها من قبل؟ وذلك أنّ هذه الأمور إذا خضعت لتأثيرٍ غيبي وصارت محميّةً بنفوذ روحي فإنّه من الممكن لذلك أن يقوّي حضورها في المجتمع بحيث تكون أو تصبح أشدّ رسوخاً وأقوى تمكّناً في مواجهة العناصر التي قد تقوم بإلغاء دورها في الحياة، فقيمة النبوّات يمكن تصوّرها في تكريس الحقائق وليس في الكشف عن المجهولات، وهذا يعني أنّ بعض الأمور التي يتوصّل إليها الإنسان في إدارة الحياة قد تكون عرضةً للتحريف والتلاعب من قبل البشر أنفسهم، فيأتي الدين ليقوّي من موقع هذه الحقائق بنسبتها للسماء، بحيث يغدو من الصعب بعد ذلك تخطّيها لنوازع أو مصالح، أو يكون من الصعب إزالتها على مستوى النفوذ والتأثير.

وعليه، ففكرة عبثيّة البعثة لو قدّمت لنا ما يقدر الإنسان على الوصول إليه بعقله غير مقنعة، خاصّة وأنّ بازرگان اعتبر أنّ المحوريّة الدينيّة تكمن في الله والآخرة، ولا أدري هل يعتقد بازرگان بأنّ أصل هذين المفهومين ممّا لا يقدر البشر على الوصول إليهما لولا النبوّات؟

ثانياً: هل أنّ إدارة الحياة بالشكل الأفضل هو أمر يقدر الإنسان على الوصول إليه حقّاً؟

ليس من شكّ في أنّ الإنسان قادرٌ على الوصول إلى الكثير من الأمور التي تمكّنه من إدارة حياته الدنيويّة، لكن هل حقّاً يمكن القول ـ من الزاوية الوقوعيّة والتاريخيّة والتجربيّة ـ بأنّ الإنسان، وعلى طول الخطّ الزمني، اكتشف سبيل إدارة حياته على الأرض؟ إنّ كلّ هذا التنازع الفكري بين البشر عبر آلاف السنين ليس سوى شاهد على أنّ العقل الإنساني، وإن كان يمكنه أن يدير الكثير من أمور الحياة الإنسانيّة على الأرض، إلا أنّ ادّعاء القدرة على إدارة جميع أموره بأحسن السبل وأفضلها على المستوى العملي لا المستوى الإمكاني الافتراضي، هو ادّعاء يبدو إثباتُه في غاية الصعوبة، فالنظام الاقتصادي السليم الذي يحفظ للبشر العدالة الاجتماعيّة ويوفّر لهم حياةً أفضل، ظلّ خلال هذين القرنين الماضيين ـ على سبيل المثال ـ محلّ خلاف هائل بين المفكّرين العالميّين، وكلّ شخص يرى نظاماً مختلفاً، من الاشتراكيّة والشيوعيّة وحتى الرأسمالية والليبراليّة وما فيهما وبينهما من مدارس وتيارات فكريّة عظيمة، فكيف لنا أن ندّعي أنّنا لسنا بحاجة إلى يدٍ تمتدّ من السماء لتقدّم لنا الصورة الأفضل لإدارة حياتنا، حتى ندّعي بأنّ إدارة الحياة الدنيوية أمرٌ مقدور بشريّاً، ومن ثمّ لسنا بحاجة للنبوّات فيه؟

لست اُريد من هذه المناقشات أن اُثبت ضرورة النبوّة بهذه المقاربات التي قدّمها الفكر الفلسفي والكلامي الإسلامي، فربما يطرح الإنسان بعض التساؤلات النقديّة على هذه المقاربات بوصفه برهاناً على ضرورة النبوّة، لكن ما اُريد التأكيد عليه هنا هو أنّ فكرة بازرگان القائمة على حصر أهداف النبوّات ـ بحيث يكون غيرها خارجاً عن مجال النشاط النبوي المبرّر موضوعيّاً ـ بإرشاد الإنسان إلى ما لا يقدر على أن يصل إليه بنفسه، ومن ثمّ فإدارة الدنيا لا تخضع لغايات البعثة، هو أمر غير صحيح، إن من جهة عدم وجود مبرّر موضوعي ملزم عقلاً لحصر هدف النبوّات بالتعليم أو الكشف عن المجهولات، أو من جهة أنّ إدارة الدنيا لم تنكشف للبشر في التجربة التاريخيّة بحيث يمكننا بضرس قاطع أن نقول: لسنا بحاجة لأحد، وها نحن ندير أمورنا بأنفسنا على أكمل وجه، فتحييدُ النبوّة عن إدارة الحياة الدنيويّة بهذا النمط الاحتجاجي غيرُ منطقيٍّ في تقديري.

4 ـ مظاهر العجز التفسيري للتجربة الدينيّة في سياقها التاريخي

كان واضحاً أنّ عبد الرازق وبازرگان يستهدفان من قراءة تجربة النبيّ والصحابة وأهل البيت النبوي التأكيد على أنّ الوصول للسلطة لم يكن قضيّة دينيّة عندهم، ولو كان قضيّةً دينيّة لكنّا متوقّعين لسلوك مختلف لهم تجاه مسألة السلطة.

إنّ الحديث عن القراءة التاريخيّة للتجربة النبويّة وتجربة أهل البيت والصحابة في قضيّة السلطة يحتاج لدراسة مستقلّة، لكنّي هنا سأحاول فقط استنطاق إمكانات دلالة التجربة على نظريّة بازرگان حصراً في ضوء مقاربته لها، فهل أنّ التجربة تؤكّد حصراً نظريّة بازرگان في فكّ الاتصال بين الدين والسلطة والدنيا أو لا، بمعنى هل أنّ التجربة تكرّس القطيعة بين الديني والسلطوي أو لا؟

وسبب طرح السؤال بهذه الطريقة أنّ هذا الموضوع يمكن تناوله من ثلاث زوايا:

أ ـ زاوية تأكيد القطيعة بين الدين والسلطة الزمنيّة، فالتجربة تُثبت أنّ السلطة ليست برنامجاً دينيّاً.

ب ـ زاوية أنّ التجربة تُثبت أنّ السلطة برنامج ديني إلهي.

ج ـ زاوية أنّ التجربة لا تثبت ولا تنفي أيّاً من هذين الادّعائين السابقين.

إنّ مستويات التنظير تختلف بين هذه النتائج الثلاث، فالادّعاء الأوّل والثاني يقعان على طرفي نقيض، وهما أشدّ وأعمق من الادّعاء الثالث، ولهذا فهما بحاجة إلى قوّة دالّة عليهما، ونحن هنا ندرس إمكانات الادّعاء الأوّل، ولا يعني ذلك أنّنا لو ناقشنا الادّعاء الأوّل فسوف يثبت قهراً الادّعاء الثاني، بل من الممكن أن تكون النتيجة هي أنّ التجربة لا تثبت شيئاً هنا ولا تنفيه (الادّعاء الثالث)، لهذا فلا نريد هنا إثبات الادّعاء الثاني، بل يهمّنا عدم ثبوت الادّعاء الأوّل، فلنكن على بيّنة من هذا حتى لا تختلط القضيّة علينا.

وهنا يبدو علي عبد الرازق في وضع أفضل من وضع بازرگان، وذلك أنّ عبد الرازق لم يستنطق التجربة ليُثبت القطيعة بين الرسالة والحكم، خلافاً لما فعل بازرگان، بل قام ـ عبد الرازق ـ باستنطاق التجربة التاريخيّة لكي يجرّدها من أن تُثبت الربط بين الرسالة والحكم أو بين الدين وإدارة الدنيا، من هنا يبدو الحِمل على أكتاف بازرگان أثقل منه على أكتاف عبد الرازق، وسوف نشرع في البداية بنقد مقاربات بازرگان في المستوى الأعلى الذي طرحه، ثم ننتقل إلى مقاربات علي عبد الرازق، لندرسها بالخصوص من زاوية بحثنا لا غير، كما قلنا مراراً.

في تقديري المدخل الأفضل لنا هنا والأكثر منطقيّةً، هو المدخل الذي يمثل نهجاً نمطيّاً في مناهج علماء أصول الفقه الإسلامي، وهو أنّ الفعل والسلوك والتجربة العمليّة دليل لبّي صامت، بمعنى أنّ تصرّفات شخص في فضاء زمني معيّن لا توفّر لنا الكثير من الدلالات الواضحة، نظراً لتعدّد الاحتمالات التفسيريّة للحدث ما دام صاحب العلاقة لم يفصح بياناً عن شيء، وإنّما نحن والحدث عمليّاً؛ لهذا يُفترض أن نتعامل معه على أنّه نصّ فيه قدر كبير من الإجمال، ومن ثم نأخذ منه الشيء المؤكّد خاصّة.

هل أنّ تجربة أهل البيت تعطي ـ قهراً ـ فصلَ الدين عن السلطة واعتبار السلطة غاية غير دينيّة؟ وهل يمكن اعتبار تجربة الأنبياء والأئمّة دليلاً على علمانيّة الدين، وفصله الدنيا عن الآخرة؟

أعتقد بأنّ بازرگان دمج بطريقة غير صحيحة بين عدّة أمور هنا:

أ ـ السلطة قضيّة دينيّة إلزاميّة فوق اختيار آحاد الأمّة.

ب ـ السلطة قضيّة دينيّة إلزاميّة لكنّها تخضع لاختيار الأفراد.

ج ـ السلطة قضيّة دينيّة غير إلزاميّة.

د ـ السلطة قضيّة غير دينيّة أصلاً.

دعونا نقارب احتمالات التجربة في دلالتها، فهل أنّ عدم وجود الجهاد الابتدائي أو الجهاد لإلزام الناس بالدين، وعدم شرعيّة الإمساك بالسلطة ـ أو الاستمرار بالإمساك بها ـ إذا لم تكن اختياراً شعبيّاً، وحصر شرعيّة الوصول للسلطة والبقاء بها بالانتخاب، وعدم شرعيّة ممارسة القمع لفرض الدين والتديّن الإيماني.. هل هذه الأمور تساوي فصل الدين عن الدولة فصلاً تامّاً؟

بالتأكيد هي لا تساوي ذلك؛ لأنّ المؤمن بعلاقة الدين بالدولة يمكنه أن يقول بأنّ غاية ما تعطينا إيّاه تجربة النبيّ وأهل بيته هو أنّ الإمساك بالسلطة وتطبيق الشريعة لا يكون أمراً قهريّاً بل هو نتيج اختيار الناس، وأنّ الناس إذا لم يقدّموا الخطّ الإسلامي لتولّي أمورهم فهذا يعني أنّهم أخطأوا في الاختيار، لكنّه لا يبرّر للخطّ الإسلامي فرض نفسه على الناس لا حدوثاً ولا بقاءً. وأهلُ البيت لمّا لم يجدوا القاعدة الشعبيّة العريضة التي تقف معهم في تولّيهم السلطة أو لمّا لم يأمنوا من إخلاص المؤيّدين لهم للقيام بحركة تغييريّة في السلطة، أو لمّا لم يجدوا إمكانات النجاح متوفّرة، كما كشفت عن ذلك عشرات الثورات الفاشلة التي وقعت في العصرين الأموي والعبّاسي، لهذا لم يُقْدِمُوا على الإمساك بها، كيف والنصوص العديدة تؤكّد أنّهم لم يكونوا يثقون بفرص النجاح، مثل العديد من نصوص الحوارات التي وقعت بين بعض الأئمّة وبعض رموز الزيديّة، والمدوّنة في كتب الرجال والتراجم والتاريخ والحديث.

هذه الصورة الاحتماليّة لأداء النبيّ وأهل البيت تعني أنّ بازرگان ليس بإمكانه القفز نحو استنتاجه الفصل بين الديني والزمني، إلا بتفتيت هذه الاحتمالات التاريخيّة التي تبدو قويّةً في معطياتها الزمنيّة، علماً أنّ بازرگان تجاهل في نظريّته عشرات النصوص المدوّنة في كتب الحديث والتي يشير فيها أهل البيت إلى حقيّتهم في الأمر وأنّ الحكّام قد غصبوهم حقّهم، ألا يجب أخذ هذه النصوص بعين الاعتبار ونحن نرجّح احتمالاً تفسيريّاً للتجربة على الآخر؟!

وقد سبق أن بحثنا مفصّلاً في حركة الإمام الحسين×، وقلنا بأنّ التصوّر التاريخي الأرجح هو أنّه خرج هادفاً الفرار من البيعة ـ كما قال بازرگان ـ لكنّ المرحلة الثانية من حركته ـ وهي المرحلة المكيّة ـ كانت التوجّهَ للإمساك بالسلطة في العراق([33])، وصحيح أنّ هذه الحركة بذاتها لا تُثبت الهويّة الدينيّة للسلطة، لكنّها أيضاً لا تؤكّد سلب هذه الهويّة عنها.

كما أنّ صلح الإمام الحسن× لا يدلّ على أنّ السلطة ليست حقّاً إلهيّاً له؛ لأنّ الصلح لم يكن ناتجاً عن رغبة شخصيّة في التخلّي، بقدر ما تنبؤنا المعطيات التاريخيّة عن ظروف قاهرة كانت تتصل بقدرته على الإمساك بجيشه وقاعدته الشعبيّة وغير ذلك، فهل يريد بازرگان أن يصوّر لنا بكلّ براءة تاريخيّة أنّ الحسن بن علي ودون أيّ سبب قاهر، تخلّى عن السلطة؛ لأنّه رغب في اعتزال العمل السياسي مثلاً لا غير؟ وهل إذا كانت السلطة حقّاً إلهيّاً له فهذا يعني أنّه لا يجوز له التخلّي عنها ولو تحت ظروف سياسيّة قاهرة؟ أليس هذا تفكيراً سكونيّاً في تفسير التاريخ السياسي للمسلمين؟!

كما أنّ عدم استجابة الإمام الصادق× للرسالة التي وجّهها له أبو مسلم الخراساني (137هـ)، تفتح الباب على احتمال أنّ هدف الإمام لم يكن تغيير السلطة الأمويّة بقدر ما كان تعيين البديل لهذا التغيير، ولهذا تشي بعض النصوص أنّ الإمام الصادق كان يعلم بأنّ الأمر لن يؤول إليه، ولهذا ورد عنه في جوابه للخراساني ودعوته أنّه قال: mما أنت من رجالي ولا الزمان زمانيn([34]). ويبدو أنّ أكثر من إمامٍ من أئمّة أهل البيت لم يكن لديهم ثقة بالحركات الثوريّة التي انطلقت في زمانهم، وكان عدم الثقة أحياناً ناتجاً عن أنّ تحالف هذه الحركات مع كبار وجوه أهل البيت النبوي في عصرهم كان يهدف حشد بعض الجمهور حولهم بهدف استغلال عنوان أهل البيت العاطفي، حتى إذا ما أمسكوا بالسلطة نحّوا أهلَ البيت جانباً، فهذا الاستغلال السياسي لعنوان الرضا من آل محمّد، كان متوقّعاً، بل قد لاحظناه في التجربة العباسيّة، وهذا يعني أنّ مقتضى الحنكة السياسيّة أن لا يستجيب أهل البيت لهؤلاء بسهولة، بل لعلّ سبب تمنّع بعض الأئمّة هو اعتقادهم بأنّ تغيير السلطة في تلك المرحلة كان يستدعي سفكاً عظيماً للدماء، وربما يكون هذا النوع من تغيير الحكم مرفوضاً عندهم، ونحن نعرف أنّ حركة الخراساني أدّت حتى مقتله إلى سفك الكثير من الدماء.

كما أنّ موقف الإمام علي بن موسى الرضا× من ولاية العهد يفتح على تفسيرات متعدّدة، من حيث إمكانات نجاحها ومديات قبول رجالات الدولة العباسيّين واللوبي العباسي بها من جهة، ومن حيث كون خطوة المأمون احتياليّة أو صادقة من جهة ثانية، ومن حيث إرادة المأمون سحب بساط الشرعيّة من تحت الثورات التي كانت تنطلق هنا وهناك في مملكته عقب تولّيه الخلافة، وغير ذلك، فكلّ هذه الاحتمالات تبدو مفتوحة، وعلينا رصدها بشكلٍ دقيق، بل قبل ذلك علينا التأكّد من أنّ الرضا قد رفض بالفعل ولاية العهد أو أنّ هذا هو التصوير الشيعي الذي لم يكن يقبل يوماً بتحالفٍ بين المعارضة الشيعيّة والسلطة تحالفاً سياسياً زمنيّاً يقوم على مصلحة وقتيّة، لأنّه كان يفكّر ثورياً وأيديولوجيّاً، فلم يتحمّل فكرة أن يتحالف الرضا مع المأمون.. ولعلّ هذا الأمر بنفسه هو سببُ رفض الرضا ـ لو رفض ـ لولاية العهد؛ نظراً لاحتماليّة الانتفاضة الداخليّة عليه نفسه من قبل أنصاره الذين ربما لم يكونوا يرتاحون لخطوات من هذا النوع، الأمر الذي قد يُظهر تياراً مناهضاً له بين الشيعة تحت شعار (مذلّ المؤمنين).. كل هذا يحتاج للحسم قبل اتخاذ تصوّر علماني من ولاية العهد.

وإنّني وإن كنت اُرجّح تفسير بازرگان أكثر في خصوص قضيّة الإمام الرضا، لكنّ هذا الترجيح ليس سوى ظنّ، والظنّ لا يُغني من الحقّ شيئاً.

إنّ التجربة كلّها كما تتحمّل تفسير بازرگان، تتحمّل أيضاً فكرة أنّه لا يجب السعي للوصول إلى السلطة، ولا حصر الإسلام بالسلطة ووجودها، بل لو وصلنا إليها فإنّ ممارسة السلطة شأن ديني؛ لأنّ الدين وضع لها برنامجاً.

نعم، يمكن لنا أن نؤيّد بازرگان في أنّ التجربة لا تسمح لنا باعتبار الحركة الحسينيّة أصلاً، والحركة غير الحسينيّة استثناءً؛ لأنّ الاستدلال بحركة الحسين على أصالة الثوريّة غير دقيق، بل مرجعيّتها في تأصيل مفهوم الثورة مرجعيّة محدودة جداً، على تفصيل بحثناه في محلّه([35]).

وإذا انتقلنا من تجربة أهل البيت لتجربة بعض الأنبياء السابقين بوصفها الجزء الثاني من التجربة، فلا نستطيع أن نقتنع كثيراً بمقاربة بازرگان عندما قال بأنّ الأنبياء الحكّام كانوا استثناءاً، والسبب في ذلك أنّ معلوماتِنا عن عشرات الآلاف من الأنبياء ـ ولا نعرف عدد الأنبياء بالدقّة، واليهود ذهبوا إلى أنّ عددهم يتجاوز المليون نبيّ ـ شحيحة، بل تكاد تكون معدومة، فكيف لي أن اُثبت الاستثناء والندرة في ظلّ هذا الوضع، وأنا لا أعرف المعايير التي اعتمدها القرآن في اختيار نماذج من الأنبياء ـ نيّف وعشرين نبيّاً ـ للحديث عنهم؟! فأصل فرضيّة الاستثناء غير ثابتة تاريخيّاً بالشكل الذي صوّره لنا بازرگان، خاصّة وأنّ الكثير من الأنبياء إنّما بعثوا لأماكن محدودة أو قرى أو أرياف، ومن ثمّ فتكوينهم لنوعٍ من السلطة المحليّة لا يعني ظهور دول كبيرة يفترض أن ينقل لنا التاريخ أخبارها.

وعلى فرض ذلك، فهل هذا يعني أنّ الأنبياء لم يسعوا للوصول إلى مرحلة تشكيل نظامٍ سياسي ـ اجتماعي بالضرورة، أو أنّه يعني أنّ الناس لم تؤمن بهم لهذا إمّا قتلتهم أو أنّ الله أنزل العذاب على تلك الأمم الجاحدة؟ والفضاء القرآني يساعد على مزدوج (القتل ـ العذاب)، فليس صحيحاً أخذ جميع الأنبياء بمساقٍ واحد، ثم القول بأنّهم لم يسعوا للسلطة، فما دام لا يوجد إمكانية للوصول للسلطة لأنّ الناس لا تؤمن بالأنبياء أصلاً ولم يتّبعهم سوى الأقليّة أو الأرذلون كما هي التعابير التي ينقلها القرآن الكريم، كيف يمكن موضوعياً طرح الأنبياء كلاماً في السلطة؟!

إنّ السلطة هي هدفٌ تالٍ وليست هدفاً أوّل، فالهدف الأوّل هو تكوين القاعدة المؤمنة للانتقال بها نحو مرحلة تطبيق شرع الله ودينه وقيمه، وأغلب الأنبياء الذين عرضهم القرآن لنا أنهوا حياتهم أو انتهت حياة أممهم قبل تكوين هذه القاعدة المؤمنة التي يمكن من خلالها إقامة سلطة اجتماعيّة، ولهذا لم يمارس أو يتكلّم النبيّ محمّد عن أيّ سلطة اجتماعيّة في مكّة؛ لأنّ القاعدة المؤمنة لا تسمح بذلك إلا عبر الانقلابات العسكريّة، وبالتالي فيمكن لنا أنّ نقول بأنّ الأنبياء لم يتحرّكوا لتكوين المجتمع والنظام الديني إلا من خلال تكوين الأمّة المؤمنة، فالدولة هدفٌ تالٍ للأمّة الصالحة، لا أنّها هدفٌ أوّل يُفرض قهراً على الناس، وهذا غير أن نقول من الأوّل بأنّ الدولة خارج سياق البرنامج كلّه.

وعندما ننظر في تجربة النبيّ موسى× فلن يصحّ كلام سروش وبازرگان معاً من أنّه لم يقل لفرعون: تنحّ لكي أكون مكانك على العرش، بل طالبه بالإيمان والتوحيد.. إنّ هذا الكلام غير مقنع أيضاً، فالنصّ القرآني واضح في أنّ مجال دعوة موسى وهارون ـ في تلك الفترة على الأقلّ([36]) ـ هي بنو إسرائيل، ولهذا طالباه بأخذ بني إسرائيل والتوقّف عن تعذيبهم، فلم تكن مهمّته خارج إطار بني إسرائيل حتى يكون من مشروعه الوصول للسلطة في مصر، هذا الأمر واضح في النصوص الدينيّة اليهوديّة، والقرآن يضيف على هذا أنّ موسى دعا فرعون للإيمان، فكان غرض موسى وهدفه المبعوث لأجله هو إنقاذ بني إسرائيل ودعوة فرعون، ولمّا لم يستجب فرعون للدعوة ولم يكن ممكناً إسقاط نظامٍ بقوّة فرعون، صار كلّ عمله على إنقاذ بني إسرائيل للخروج بهم من تحت ظلم فرعون، ولهذا حكم موسى عمليّاً بني إسرائيل بعد الخروج من مصر، وطالبهم بدخول الأرض المقدّسة التي كتب الله لهم، ومقاتلة (القوم الجبارين) الذين كانوا يمنعونهم عن ذلك، ولكنّ بني إسرائيل هم الذين تخلّفوا عن موسى في هذا، بدل أن يحاربوا لتكون لهم الأرض المقدّسة، ولهذا نجد أنّ يوشع يفعل ذلك بعد وفاة موسى، الأمر الذي يجعل بني إسرائيل يحكمون الأرض المقدّسة وصولاً إلى الفترة التي طالبوا فيها نبيّهم صموئيل بمَلِك، فنصب الله لهم طالوت (شاول، في تسمية الكتاب المقدّس) ملكاً.

إنّ هذا التاريخ وقصّة طالوت لا تؤكّد فصل الديني عن السياسي في التجربة الموسويّة واليهوديّة، بل ربما على العكس تماماً، تؤكّد الترابط بينهما بشكلٍ من الأشكال:

ففي الرواية اليهوديّة وضوح كبير في هذا المجال، وأنّ طلبهم المَلِكَ أغضب الله تعالى، فلنلاحظ نصوص العهد القديم، تقول بصراحة: mفاجتمع كلّ شيوخ إسرائيل وجاؤوا إلى صموئيل إلى الرامة. وقالوا له هو ذا أنت قد شخت وابناك لم يسيرا في طريقك فالآن اجعل لنا ملكاً يقضي لنا كسائر الشعوب، فساء الأمر في عيني صموئيل إذ قالوا أعطنا ملكاً يقضي لنا، وصلّى صموئيل إلى الربّ، فقال الربّ لصموئيل: اسمع صوت شعبك في كلّ ما يقولون لك؛ لأنّهم لم يرفضوك أنت، بل إيّاي رفضوا حتى لا أملك عليهم حسب كل أعمالهم التي عملوا من يوم أصعدتهم من مصر إلى هذا اليوم وتركوني وعبدوا آلهةً أخرى هكذا هم عاملون
بك أيضاً..n([37]).

وأمّا الرواية الإسلاميّة، فالنصّ القرآني يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.. وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آَيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آَلُ مُوسَى وَآَلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: 246 ـ 249).

فالآيات الكريمة واضحة في أنّ القوم استأذنوا نبيّهم في هذا الأمر، كما وهي واضحة في أنّ الله هو الذي جعل لهم طالوت ملكاً، والدليل أنّهم اعترضوا عليه، وأنّ الله قد أكّد لهم عبر نبيّه أنّ فيه خصائص تستدعي ذلك، وأنّ الله اصطفاه، بل جعل إتيانه بالتابوت علامة ملكه، وهذا كلّه واضح في أنّ قضيّة طالوت ليست فصلاً بين السلطة والدين حتى لو لم تكن دليلاً على الربط بينهما، وبهذا نجد أنّ الأنبياء هم الذين كانوا يحكمون بني إسرائيل تقريباً إلى زمان طالوت (شاول).

وأمّا ما ذهب إليه بعضهم ـ ناقداً بازرگانَ ـ من أنّ (الملك) هنا ليس هو السلطان، في عرض سلطان النبيّ، بل هو مجرّد قائد للجيش لمحاربة جالوت، تحت سلطة النبيّ الذي ما يزال هو القائد العام للمجتمع([38])، فهو غير واضح، لا في الرواية التاريخيّة التي يقدّمها لنا الكتاب المقدّس، ولا في الدلالة اللغويّة للكلمة في اللغة العربيّة، وإن كان الأمر محتملاً في حدّ نفسه.

وبهذا نستنتج أنّ استشهاد بازرگان بالتجربة على فصل الديني عن الزمني والدنيوي غير مقنع، خاصّة وأنّنا نملك تجارب نبويّة وإماميّة مارست السلطة بوضوح. أعتقد بأنّ بازرگان في مقاربته للتجربة، كان يريد إثبات الحريّات، ورفع سمة القهر والإكراه عن الدين، أكثر من إثبات فصل السلطة عن الدين، وهذا موضوعٌ آخر ربما نوافقه على الكثير من أفكاره فيه، وقد تكون بعض الشواهد في التجربة دليلاً عليه.

ومن هنا نستنتج أيضاً أنّ قول بازرگان بأنّنا لا نجد في القرآن أنّ الله أنزله أو بعث الأنبياء لإقامة الدولة والاقتصاد وبناء الحياة الدنيويّة للناس، بينما نجده يؤكّد بشكل كلّي على ضرورة إقامة العدل وتحقيق الإحسان والإصلاح والإنفاق وخدمة الناس.. هذا القول غير دقيق؛ لأنّ فكرة الدولة توجد نظريّتان أساسيّتان حولها عند أنصار النظام السياسي الديني في العصر الحديث:

أ ـ الدولة غاية الدين والشريعة، وهي بنفسها جزء التعاليم الدينيّة وتحظى بقداسة.

ب ـ الدولة ليست جزءاً من التعاليم الدينيّة ولا غرضاً ولا غاية، بل هي مجرّد وسيلة حصريّة لتحقيق التعاليم الدينيّة.

وبناءً على النظريّة الثانية فإنّ ضرورة الدولة لا تأتي من أنّها مطلوبٌ بذاتها، بل من حيث إنّ تحقيق القيم الدينيّة يستدعي تحقّقها، وتبعاً لهذه النظريّة لا يمكن لبازرگان أن يستنتج من عدم حديث القرآن أو الأنبياء في رسالاتهم عن تحقيق دولة ـ بوصفها غرضاً لهم ـ أنّ الدولة منقطعة الصلة عن رسالتهم؛ لأنّ رسالتهم لا تتضمّن الدولة، لكنّها تستلزمها، والأغراض لا تحملها اللوازم بل الأصول والملزومات، كما هو واضحٌ بيِّن، فحديثهم عن العدل والإحسان وإحقاق الحقّ وغير ذلك يستلزم الدولة. نعم بإمكان بازرگان أن يناقش في الملازمة المزعومة، لكنّ هذا غير أن يستنتج من عدم الحديث عن اللازم نفي وجوده، بل إثبات القطيعة معه.

أضف لهذا كلّه، أنّ افتراض بازرگان أنّ سلطة من حكم من الأنبياء لم تكن سلطة وحييّة، بل هي سلطة زمنيّة، ولهذا انطلقت من المشاورة لا من انتظار الوحي.. يحتاج لتأمّل؛ فماذا يُقصد من دينيّة الدولة عند من يرفض علمانيّتها الكاملة؟ كأنّ بازرگان تصوّر أنّ الصورة الوحيدة لمفهوم الدولة الدينيّة هي الدولة التي تتخذ من كلّ تفاصيل خطواتها مرجعيّة النصّ الأولى والأخيرة، وكأنّ النصّ هو الذي يجب أن يعرّفني ما إذا كان شقّ طريق هنا هو أمر صالح أو لا!

إنّ هذه الصورة لاهوتيّة بامتياز، فليست هذه هي الدعوى، بل من يدّعي دينيّة الدولة ـ لا أقلّ الكثير منهم ـ يرون أنّ المقصود هو حاكميّة القيم والتشريعات الدينيّة، وفي غير ذلك فإنّ الناس يديرون أمورهم ويشخّصون المصاديق ويعيّنون الموضوعات، فإذا قصد بازرگان من نفي دينيّة الدولة نفي الدولة التي لا يتخذ فيها أيّ إجراء إلا بإفصاح النصّ عن هذا الإجراء، فنحن نوافقه في ذلك تماماً، أمّا دينيّة الدولة بمعنى أنّ قوانينها المدنيّة والجزائيّة والجنائيّة والتجاريّة وغير ذلك لابد أن تكون مأخوذةً من النصوص عن اجتهادٍ فقهي، فهذه الدينيّة لا تنفي مبدأ الشورى في وضع خطط الحرب وتشخيص الصالح من الفاسد في العلاقات الدوليّة وقضايا السلم والحرب.

ومن هنا يتبيّن لنا جليّاً أنّ بازرگان غير قادر تاريخيّاً على إثبات أنّ سلطة الأنبياء الذين مارسوا السلطة كانت سلطةً زمنيّة وليست دينيّة، وإن لم يكن خصمه قادراً على إثبات أنّها دينيّة مثلاً.

وإذا أنهينا الكلام حول بازرگان لننتقل إلى علي عبد الرازق في مقاربته النقدية لدلالة التجربة على الربط بين الرسالة والحكم، فإنّ بإمكاننا أن نعلّق عليه:

أ ـ كان النقد الأوّل الذي مارسه عبد الرازق أفضل من المسير الذي ساره بعد ذلك، وذلك أنّه في البداية شكّك في إمكانيّة إثبات أنّ التجربة الزمنيّة النبويّة هي جزء من الوحي والرسالة. إنّ هذا الأمر يبدو ـ لو تركنا النصوص جانباً ـ معقولاً، فكلّ ما نملكه في التجربة التاريخية هو أنّ النبيَّ مارس السلطة وكان زعيماً لدولةٍ وأمّة وجماعة، لكن هل هذه التجربة لوحدها تمكّننا من أن نُثبت أنّه فعل ذلك انطلاقاً من كونه جزءاً من رسالته أو ربما يكون خاض هذه التجربة من خلال أنّ الظروف هي التي فرضت عليه هذا الأمر؟ فلم يكن بإمكانه أن يدير وضع أمّته الحرج لحماية الدين الجديد إلا بالتصدّي المباشر للحياة السياسيّة والعسكريّة، لكن هل يمكننا أن نتأكّد أنّ النبيّ لو كانت ظروفه مختلفة، بحيث انتشر دينه بسرعة فائقة دون عوائق، ولم يشعر بأيّ خطر يداهم جماعته، فهل كان سيتصدّى بنفسه لقيادة الدولة وممارسة السلطة؛ لأنّ ذلك جزء من رسالته التي تجعل تصدّيه وظيفةً دينيّة له أو أنّه كان سيكفيه تكوين الأمّة المسلمة المعتقدة الحاملة للرسالة، ثم يقول لهم: ليس هناك من ضرورة لكي أمارس السلطة عليكم، بل أنتم تملكون الإمكانات الذاتية والاجتماعية التي تسمح لكم بإدارة أموركم بما فيه رعاية الصالح العام والقيم الدينيّة العليا؟ هل ثمّة شيء يمكنه أن يجعل فرضيّتنا هذه مستحيلة؟

يبدو من العسير للغاية الوقوف بوجه مثل هذه الفرضيّة، لا بمعنى أنّها ثابتة، بل بمعنى أنّها ممكنة، وإمكانها هنا يعيق قدرتنا على استنتاج رساليّة السلطة من التجربة نفسها، فما ابتدأ به عبد الرازق خطوته كان ناجحاً في تقديري لو تركنا النصوص جانباً واكتفينا بالتجربة، وهو يعني أنّ السلطة ليست سوى وسيلة اضطراريّة من وسائل حماية الدين واستقراره (عنوان ثانوي قاهر)، لا أنّها جزءٌ لا ينفكّ عن الدين نفسه، فلو فرضنا ـ ودعونا نقول بأنّ فرض المحال ليس بمحال ـ أنّ ظرفاً ما حقّق المصالح الدينيّة دون الحاجة لتدخّل الدين في السلطة، فهل أنّ التجربة النبويّة تؤكّد هذا التدخّل في هذه الحال؟

وربما يُطرح هنا أنّ القرآن الكريم يتحدّث عن ضرورة التأسّي بالنبيّ، وهذا يعني أنّنا ملزمون بالاستنان بسنّته، ويكفي هذا لاستنتاج أنّ سيرته السياسيّة هي بمثابة مَثَلٍ أعلى للأمّة بعده، ومن ثمّ فممارسة السلطة نوعٌ من الاقتداء بالنبيّ نفسه، وهو أمرٌ أمرنا به الكتاب العزيز.

لكنّ هذا الكلام غير دقيق وفقاً لقواعد الصنعة الاجتهاديّة؛ لأنّ الاقتداء بالنبيّ لا يعني مجرّد ممارسة الفعل نفسه الذي فعله النبيّ أو نسبة هذا الفعل بشكلٍ إطلاقي للدين، بل لابدّ من أن نتأكّد أنّ النبيّ حين مارس هذا الفعل هل مارسه من موقع أنّه واجب أو مستحب أو جائز؟ وهل مارسه من موقع العنوان الثانوي والحالة الطارئة أو من موقع العنوان الأولي والحالة العادية؟ وهذا ما يُسمّى في مباحث حجيّة الفعل النبوي بمعرفة صورة الفعل ووجهه([39])، وفي مثل هذه الحال لا نتمّكن في موضوع بحثنا من التأكّد من أنّ فكرة الدولة كانت جزءاً من رسالته؛ لأنّه من الممكن أنّ طبيعة الظروف التاريخيّة فرضت عليه الحضور السلطاني بهذا المستوى، ومن ثمّ فتكون التجربة السياسيّة للنبيّ غير مؤكِّدة لجزئية السلطة للدين ولا نافية، بل قد تكون مجرّد استلزام زمني للأمر بناء على منطق الضرورة. وهذا الكلام يُقال أيضاً في حالة الكثير من الأنبياء الذين لم يقوموا بالإمساك بالسلطة، حيث من الممكن أن يكون ذلك بسبب عدم كون الظروف مناسبة لهم أو مؤاتية، لا بسبب عدم وجود علاقة عضويّة بين الدين والسلطة.

ب ـ إنّ ادّعاء عبد الرازق أنّ النبيّ لم يمارس عمليّة سلطويّة زمنيّة بمعنى الدولة، وإنّما كانت سلطته روحيّة واجتماعيّة، يبدو غير مقنع لأيّ متابع تاريخي للسيرة النبويّة، وذلك أنّ الفترة التي خاضها النبيّ بوصفه رئيساً لمجتمعٍ يدير أموره الحياتيّة لا تتعدّى العشر سنوات، بل هي أقلّ من ذلك بالتأكيد، وفي هذه الفترة كان عدد المسلمين قليلاً في الجزيرة العربيّة حتى نهاياتها حيث ازداد العدد في النصف الثاني من العقد الهجري الأوّل، ولو لاحظنا هذه المدّة القصيرة التي حكم فيها النبيّ مجتمعه، ذلك المجتمع الذي لم يكن يعرف يوماً مفهوم الدولة المركزيّة، لرأينا أنّ الخطوات التي قام بها لا تمثل بالنسبة لذلك المجتمع سوى مفهوم الدولة المركزيّة، وكلام عبد الرازق عن شحّ المعلومات فيه مبالغة واضحة، فقد ذكرت كتب التاريخ والسيرة أسماءً بالتفصيل لعمّال النبيّ وولاته على المناطق المختلفة من الجزيرة، فكان له ولاة وعمّال وقضاة وكان يجبي الزكوات ويحارب إذا تمّ رفض تسليمها، ويأخذ الأخماس، ويقود الحروب ويوقّع معاهدات السلام، ويجمع الغنائم ويقسّمها على المقاتلين وعلى مصالح المسلمين، وكانوا يرجعون إليه في القضاء، وكان هو السلطة التشريعيّة التي تسنّ لهم القوانين الجديدة المتصلة بالأحوال الشخصيّة والشؤون المدنيّة وقواعد الحرب والسلم.. والأهمّ من هذا كلّه أنّنا لا نعرف في المجتمع الإسلامي في تلك الفترة شخصاً كان يدير شؤون المسلمين وقضاياهم غير النبيّ باستثناء النفوذ المحدود الذي كان يمارسه شيوخ القبائل على قبائلهم.

إنّ علينا أن نتصّور مفهوم الدولة بالنسبة لمجتمع مثل المجتمع العربي آنذاك من جهة، في مقابل تصوّر مفهوم الدولة في القرون الأخيرة، ونحن نعرف أنّ الدولة الحديثة اتّسع نطاق نفوذها في المجتمع وتولّت الكثير من المسؤوليّات التي لم تكن تعرفها الدولة الحارسة قديماً. وعلينا أن نميّز أيضاً بين الدولة التي تكون صغيرةً وحديثة الولادة في مجتمعٍ لا يقرأ ولا يكتب، وما يزال يعاني من حروب واستهداف، وبين الدولة الكبرى المستقرّة التي مضى عليها سنوات طويلة، وكلّ هذا الخلط بين الأحداث والمفاهيم يوجب وقوعنا في خطأ أنّ النبيّ لم يكن يملك سلطة حكم، فلا تهمّنا كلمة الدولة بقدر ما تهمّنا كلمة الحكم وإدارة دنيا الناس.

ولا أدري لماذا لم يقتنع عبد الرازق بتحليله الأخير الراجع إلى عفويّة التجربة النبويّة وطبيعة المجتمع العربي، مع أنّه تحليل منطقي جداً، خاصّة عندما نستوعب أنّ النبيّ لم يكن حاكماً فحسب، بل كان نبيّاً أيضاً، ولعلّه يريد أن يقدّم تجربة حكم مختلفة عن تجارب السلاطين تمتاز بالكثير من العفويّة، وتبتعد عن الكثير من البيروقراطيّة وأمثالها. ولا أفهم إصراره على ربط هويّة الدولة بالمحاسبات والميزانيات والدواوين، فقد عاش المسلمون في عصر أبي بكر الذي يصنّفه عبد الرازق عصرَ حكم، وكثير من قضايا الدولة لم يكونوا يعرفونها أيضاً، وعصر عمر بن الخطاب هو العصر الذي يمكن بوضوح أن نقول بأنّه عصر انتقال صورة الدولة من حالتها البسيطة إلى حالة أكثر تعقيداً وتقنيناً، وهذا أمر طبيعي جداً.

5 ـ تأمّلات في دلالات نصوص القطيعة بين الزمني والديني

استُند هنا ـ من قِبَل علي عبد الرازق وبازرگان معاً ـ لبعض النصوص الدينيّة لتأكيد فكرة اُخرويّة الدين ورساليّته، مع امتياز أنّ بازرگان حاول أن يفسّر نصوصاً اُخَر بشكلٍ يتوالم مع نظريّته من جهة ثانية، وسوف نتوقّف عند هاتين الخطوتين في مداخلتنا هذه.

أمّا النصوص الدينيّة التي حاول بازرگان أن يقدّم لها تفسيراً اُخرويّاً، فيبدو تفسيره لها غير مقنع، لكن لا بمعنى أنّ تفسيره في نفسه غير صحيح، بل بمعنى أنّه غير كافٍ، وذلك أنّ بازرگان لم يقدّم لنا عرضاً منطقيّاً معقولاً يتوالم مع نظريّته لذلك الكمّ من التشريعات الدينية التي تتصل بشؤون الدنيا، كأحكام السلطنات والعقود والإيقاعات التجاريّة والماليّة (البيع ـ الخيارات ـ الشركة ـ المساقاة ـ المزارعة ـ المضاربة ـ الإجارة ـ الشفعة ـ إحياء الموات ـ الحوالة ـ الكفالة ـ الوكالة ـ الصلح ـ الحجر ـ الرهن ـ القرض ـ الربا ـ الوصيّة ـ الرقيّة والعتق..)، وكالأحوال الشخصيّة مثل الزواج والطلاق والعدّة والحضانة والإيلاء واللعان، وكذلك القضاء والشهادات والحدود والديات والقصاص، وأيضاً الأطعمة والأشربة والصيد والذباحة وغير ذلك.. فإذا لم يكن الدين معنياً بالشأن الدنيوي فما تفسير النصوص القرآنية والحديثية في هذا الصدد؟!

إنّ القول بأنّ الهدف هناك هو تجنيب الإنسان العصبية والانفعال أو ممارسة الظلم بما يفضي إلى شقائه الأخروي ليس سوى تغيير في التعبير؛ إذ من الممكن للقائلين بشموليّة الدين بالحدّ الأعلى أن يذهبوا إلى أنّ وضع الدين للخطط والبرامج كان أيضاً بهدف رفع المستوى المحيط بالإنسان، كي تتوفّر له أسباب الرقيّ الروحي والخلقي، فكأنّ الشريعة جاءت لتنظيم الحياة الاجتماعية والسياسية لتوفير المناخ المناسب لحلول القيم الأخلاقيّة، فبماذا تستطيع نظرية بازرگان أن تجيب هنا في هذه الحال؟! علماً أنّ وجود غرض اُخرويّ يمكن تصوّره لهذا التشريع أو ذاك لا يسلب إمكانات الغرض الدنيوي منه، خاصّة والكثير من هذه التشريعات هي تنظيمات علائقيّة ماديّة دنيويّة، وإلا لربما يمكن للآخرين أن يسلبوا الصفة الاُخرويّة عن العبادات نفسها، بحجّة أنّ الصلاة رياضة بدنيّة، وأنّ الصوم ذو منفعة صحيّة، وأنّ الخمس والزكاة لهما فائدة اقتصاديّة اجتماعيّة، وأنّ الحجّ له فائدة اقتصاديّة وسياسيّة عظيمة وهكذا!

من هذه النقطة، نلاحظ أنّ استناد بازرگان للعنصر الكمّي في النصوص الاُخرويّة هو الآخر غير دقيق؛ لأنّ غاية ما يفيده هذا الاستناد هو أنّ الآخرة والله والبعد الروحي أهم وأعمق وأكثر تقدّماً وضرورةً في الدين من أيّ جانبٍ آخر، لكن هل هذا يعني أنّ الدين لم يهتمّ أيضاً للدنيا؟ إنّ حوالي نصف سدس القرآن الكريم ـ على المشهور ـ يتصل بالأمور الفقهيّة، ألا يمكن استنتاج أنّ الدين له هدف أعلى وله هدف أدنى، وهدفه الأعلى هو الله والآخرة، فيما هدفه الأدنى هو التنظيم العلائقي الأخلاقي الذي يوفّر حياةً سعيدة لدنيا الناس؟ وبهذا يكون الدين للدنيا والآخرة معاً مع المحافظة على أولويّة الآخرة وتقدّمها، ويكون هذا الاستنتاج أقرب لعمليّة ضمّ النصوص بمجموعها إلى بعضها بعضاً، فمحورية الآخرة لا تعني تلاشي الدنيا، بل تعني طريقيّتها وعدم الوقوف عندها.

ومن الممكن أن يقبل بازرگان بدنيويّة الدين، لكنّه يعتبر أنّ دنيويّة الدين هي الدنيويّة بالحدّ الأدنى وبمقدار الضرورة، لا الدنيويّة بالحدّ الأعلى، ويكون هذا هو قصده من التأثير الدنيوي للتشريعات والغاية الاُخرويّة لها.. وهذا كلام يمكن الموافقة عليه، بمعنى أنّ علينا أن نحدّد مديات تدخّل الدين في إدارة الدنيا، الأمر الذي يحتاج لمقاربات مختلفة عن مقاربات بازرگان، وسوف نتعرّض في أواخر هذا الكتاب لنظريّتنا الخاصّة والتي سوف تتوصّل إلى نفي دنيويّة الدين بالحدّ الأعلى، بتفسيرٍ سوف نذكره فيما بعد إن شاء الله، لكنّه لا يساوق الدنيويّة بالحدّ الأدنى، بل هو مفهومٌ وسط.

لكنّ حديثه عن التأثير الدنيوي والغاية الاُخرويّة غير دقيق؛ لأنّ التمييز بين التأثير والغاية يحتاج لمعيار، فلا أستطيع أن أسلب عن التأثيرات الدنيويّة كونها مأخوذة بنظر الاعتبار في غايات المولى سبحانه إلا وفق معيار، ومجرّد كون الآخرة غاية أعلى لا يسلب كون العناصر الدنيويّة والتأثيرات التي من هذا النوع غاية أدنى، بحيث يكون المركّب من الغايتين هو الغاية النهائيّة، فسلب الغائيّة الدنيويّة ـ ولو بوصفها غائيّة أدنى ـ ليس سوى مصادرة غير مبرهَنَة قدّمها لنا بازرگان.

أعتقد بأنّ بازرگان أخطأ في المدخل الذي اعتمده في مقاربة هذه النصوص، وأنّه لو حاول الاستناد إلى تاريخيّة التشريعات الدنيويّة في جميعها أو غالبها، لكان هذا أقرب له، كما حاول أن يفعل في نصوص الطبّ النبوي، غير أنّ هذا الأمر يحتاج هو الآخر لنظريّة عميقة اجتهاديّة تثبت هذه التاريخيّة وبهذه السعة، ولا يكفي فيها مجرّد إطلاق الدعاوى، كما يحصل هذه الأيّام، وبازرگان لم يقم بإحالتنا على مرجعيّة اجتهاديّة تفسّر النصوص الطبيّة النبويّة، فضلاً عن غيرها، بوصفها نصوصاً غير دينيّة، وهذه نقطة نقص في اُطروحته.

وأمّا حديث بازرگان عن نصوص العفو في القصاص، واعتبارها شاهداً على عدم كونها لبناء دولة، فلا تصلح شاهداً لفكرته؛ لأنّ الشريعة بتشجيعها على العفو لا تشير لفكرة الدولة، بل تشير للتمييز بين الحقوق العامّة والشخصيّة، وهذا موجود في جميع دول العالم، وإلا فهل يحقّ لنا أن نفهم من نصوص تشجيع الإسلام على العفو أنّه يريد العفو عن المجرمين دوماً الأمر الذي يؤدّي إلى توفير فضاء مساعد للجريمة؟!

هذا كلّه في النصوص التي حاول بازرگان إعادة تفسيرها بشكل ينسجم مع نظريّته، وهو في تقديري غير مقنع.

أمّا ما قاله علي عبد الرازق من عدم كفاية النصوص التشريعيّة في تغطية مشروع إقامة دولة ولوازمها على طول الخطّ الزمكاني إلى يوم القيامة، فهذا مقنعٌ بالنسبة لي، وقد سبق أن تحدّثنا عنه وسيأتي المزيد فلا نطيل.

وأمّا النصوص التي قدّمها علي عبد الرازق وبازرگان بوصفها دليلاً على نظريّتهما، غير ما تقدّم آنفاً وناقشناه، فهو تكرير القرآن الإعلان عن أنّ الأنبياء ليسوا موكّلين بالبشر، بل هم دعاةٌ مبشّرون ومنذرون، فإنّ هذا الإعلان القرآني المكرّر يؤكّد عندهما أنّ الدعوة النبويّة ليس لها أيّ علاقة بالدنيا.

هنا يجب علينا التوقّف قليلاً عند هذه المجموعة من النصوص القرآنيّة، وذلك أنّنا نلاحظ من تتبّع هذا النوع من النصوص أنّ الهدف الرئيس منه هو أنّ النبيّ لا يقدر على إلزام الناس بالدين الذي أتى به، فلا هو متسلّط على قلوبهم فيحرّكها كيف يشاء حتى يكون أمر الهداية والضلال بيده، ولا هو بالذي كلّف فرض دينه على الناس بالقوّة والإجبار، قال تعالى: ]فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ * إِلَّا مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ [ (الغاشية: 21 ـ 24)، وقوله تعالى: ]نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ [(ق: 45)، وقال سبحانه: ]مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ [(المائدة: 99)، ومثله قوله تعالى: ]إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ * فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ[ (آل عمران: 19 ـ 20)، وقوله تبارك اسمه: ]قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ[ (النور: 54)، وقوله عز من قائل: ]وَإِن تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [(العنكبوت: 18)، وقوله سبحانه: ]وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ[ (النحل: 35)، وقوله تعالى: ]إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ[ (النمل: 91 ـ 92).

هذه الآيات ـ المكيّة والمدنيّة ـ تقرّر المبدأ عينه، وهو أنّه ليس على الرسول إلا البلاغ، وأنه إزاء كفر الناس لا يكلّف بما هو أزيد، وأنّه ليس له أن يحمل الناس على الإيمان، ولهذا نجد سياقاتها تدور حول العلاقة مع الذين رفضوا دعوات الأنبياء، وليست حول طبيعة العلاقة داخل المجتمع المسلم([40]).

وفي هذا السياق أيضاً، قوله تعالى: ]وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا * وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَن شَاء أَن يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا[ (الفرقان: 55 ـ 57)، وقوله تعالى: ]وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [ (المائدة: 92).

وبملاحظة الآيات نجد وضوحاً في التأكيد على عدم الإلزام، لا على أنّ الدعوة التي أتى بها غير شاملة للدنيا، ولا علاقة لها بوضع تنظيمات، والنصّ يفيد أنّ الواجب هو إطاعة النبيّ أمّا من يتخلّف فأمره إلى الله، لكنّ هذا لا يعني أنّ النبي لم يأمر بقضايا تتصل بالدنيا، بل نقطة نظر النصوص هنا هو الجبر والإكراه، وأنّ هذا الجبر لا يكون من حيث كونك نبيّاً، بل لو ذهبت بعيداً عن ذلك فسيكون ممارسة القوّة نتيجاً لعقد اجتماعي إيماني كما هي الحال في البيعة التي كان المؤمنون يبايعونها عندما يدخلون في الإسلام، فالعقد الاجتماعي هو الذي يبرّر ممارسة القوّة أو العنف مثلاً وليس النبوّة بذاتها، لكنّ هذا لا يعني أنّ النبوّة لم تقدّم تصوّراً حول مضمون العقد الاجتماعي، وعلى ماذا ينبغي أن يكون منعقداً.

وهناك مجموعة أخرى من الآيات تحمل أكثر من دلالة تفسيريّة مرتقبة، وهي قوله تعالى: ]فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ..[ (الشورى: 48)، وقوله سبحانه: ]قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ [(يونس: 108)، وقوله تبارك اسمه: ]وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ[ (الأنعام: 66)، وقوله تعالى: ]قَدْ جَاءكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ [(الأنعام: 104)، وقوله تعالى: ]اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ[ (الأنعام: 106 ـ 107)، وقوله عزّ من قائل: ]إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ[ (الزمر: 41)، وقوله سبحانه: ]وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَولِيَاء اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ [(الشورى: 6).

فهذه النصوص كما تحتمل التفسير الذي قلناه آنفاً، كذلك هي تحتمل أن يكون المراد إسقاط مسؤوليّة فعلهم عن النبي، فالحفيظ والموكَّل بأمر يتحمّل مسؤولية هذا الأمر، فكأنّ الآيات تريد أن تقول: يا محمد، إذا قمتَ بما كلّفناك به سقطت المسؤولية عن كاهلك، وأنت لا تتحمّل مسؤولية وضعهم وانحرافهم، فلست موكلاً بهم على نحو توكيل الوالد بولده الصغير أو حفيظاً عليهم على النحو عينه، حتى إذا عرض له شيء تحمّل الوالد تلك المسؤولية، وتوجّه اللوم إليه في أنّه لم يحفظ ابنه، مع أنّه في عهدته وتحت وكالته ونظره، إنّ القضيّة هنا ليست كذلك، فعليك القيام بواجبك، وانحرافهم لا يؤثّر عليك، فلا تحزن لأمرهم ولا يضرّك ضلالهم وزيغهم، فنفي الوكالة والحفظ هنا تخفيفٌ عن الشعور بالمسؤوليّة لا سلباً للسلطنة عليهم قانونيّاً([41]).

وعليه، فنصوص وظائف النبيّ نصوص تتصل بالإكراه على الدين، لا أنّها تهجر الدنيا أو الدولة، ومن ثمّ فإذا تمّ تأمين مبرّر موضوعي بشري لمسألة فرض القوّة في ممارسة السلطة، فلا يوجد ما ينفي كون المنظومة القانونيّة الدينية يمكن أن تكون دنيويةً، بل هذه المقاربة في فهم هذه النصوص تستدعيها أيضاً عمليّة مقاربة النصوص القرآنية عموماً لبعضها؛ فلو كان نظر هذه النصوص لنفي مطلق العنصر السلطوي فكيف يمكن الجمع والتوفيق بين هذه النصوص وبين نصوص العقوبات خاصّة منها الحدود مثل عقوبة الزنا والسرقة والقذف والواردة في الكتاب الكريم؟! فلو كان هدف الأنبياء الدعوة والرسالة والتبشير والإنذار في خصوص الآخرة فكيف نفسّر مثل هذه النصوص السلطويّة بامتياز؟! ليس من تفسير في تقديري سوى أنّ السلطة قد تكون راجعة إلى اختيار اجتماعي تفويضي عبر الدخول في الإسلام والاندماج في بيعته، وبعد هذا الاختيار تتمّ عملية تنزيل القوانين النبويّة على أرض التنفيذ والإجراء.

هذا كلّه على مستوى النصوص القرآنية التي استندوا إليها، وأمّا ما اعتمد عليه عبد الرازق من نصوص السنّة الشريفة، فهو غير مقنع بتاتاً في تقديري؛ لأنّ النبيّ حينما يقول لتلك المرأة بأنّني لست مَلِكَاً بل أنا ابن امرأةٍ كانت تأكل القديد بمكّة أو يخيّره الملاك بين الملكية والعبوديّة والرسوليّة، وأمثال ذلك، فهذا لا يعني سلب صفة الحكم أو السلطة الزمنيّة عنه، بل يجب أن نقارب هذا النص في ضوء تصوّرات العرب عن الملوك؛ لأنّ كلمة الملك تنصرف إلى السلاطين الجبّارين، والسياق يتحدّث عن هذا، ولا تنصرف إلى مطلق السلطة، فقد وقع عبد الرازق في التباس طبيعة المفردة واستخداماتها اللغويّة، ويشهد لما نقول أنّ طبيعة الملك بصرف النظر عن عنصر التكبّر والهيبة والبطش الذي عنده لا توجب بذاتها خوفاً من صاحبها، فالنبيّ أراد أن يقول لها: لست بذلك الملك الجبّار الذي يخاف الناس منه، هوّني على نفسك، فأنا إنسان عادي، فأيّ علاقة لهذه التعابير بسلب مفهوم السلطة الزمنيّة عنه؟!

علماً أنّ تجاهل علي عبد الرازق لقضيّة الإمامة الشيعيّة وكذلك قضيّة تنصيب أو شبه تنصيب أبي بكر من قبل النبيّ، وحديثه عنهما في بضعة أسطر قليلة جداً، غير مفهوم أبداً؛ فإنّ مسألة موقف النبيّ من الخليفة بعده في غاية الأهميّة بالنسبة لعلي عبد الرازق؛ لأنّها تغيّر كلّ نظريّته أو تترك أثراًَ عظيماً عليها، فكيف يمكن تجاهل ملفّ بهذا الحجم دون مقاربة ولو مختصرة منه؟!

ويبقى أن نعلّق قليلاً على تفسير علي عبد الرازق للإجماع القائم على ضرورة نصب الخليفة، فإنّ لديّ بعض الملاحظات هنا:

أوّلاً: إنّ فهمي لهذا الإجماع هو أنّه ليس سوى التوافق على وجود سلطة زمنيّة ترعى تطبيق الشريعة وشؤون الجماعة المسلمة، بوصف ذلك مَطْلَباً دينيّاً يتطلبه الدين لضمان تنفيذ قوانينه. وأمّا فكرة النيابة عن النبيّ، وأنّ الخليفة هو النبيّ، ومسألة الحقوق والحريّات وتداول السلطة وغير ذلك، فهذه تفاصيل تلحق هذا الإجماع، وعليه فالإجماع ليس شيئاً غريباً هنا.

ثانياً: إنّ محاولة علي عبد الرازق تقديم تفسير سيسيولوجي للإجماع هي خطوة رائعة من قِبَله، ونحن بحاجة لمثل هذه المقاربات في دراسة ظواهر الإجماع، لكنّه لم يُقنعنا هنا بمقاربته هذه؛ وذلك أنّ كون الخلافة عبر التاريخ كانت بالقهر والغلبة، ومن ثمّ فالإجماع منعقدٌ على الخلافة وضرورتها بشكل تلقائي؛ لأنّ العلماء تحت رحمة السيف.. هذا الكلام يتناقض مع قول عبد الرازق بأنّ تاريخ الإسلام حافلٌ بالثورات والمعارضات العسكريّة، فإذا كان الأمر كذلك وكانت هناك سلطات زمنيّة في مختلف أقطار العالم الإسلامي لا تحكم باسم الخليفة، فإنّ من الطبيعي أن يتولّد عند المعارضة تصوّر مختلف عن تصوّر الموالين لسلطة الخليفة، فلماذا لم نجد ـ رغم كلّ هذه التيارات المعارضة القويّة ـ فكرة نقض الخلافة بوصفها ضرورة، مع أنّ ذلك كان مناسباً لهم؟ وإذا كانت المعارضة تخشى على نفسها فإنّ كونها معارضة كان بذاته مدعاة للخشيّة، فلم تقدر مقاربة عبد الرازق أن تلامس جوهر الموضوع بالطريقة التي جاءت فيها؛ لأنّ السلطة والمعارضة توافقا على فكرة الخليفة رغم اختلافهما في شخصه، فلم تكن السلطة هي السبب الوحيد في انعقاد هذا الإجماع.

ثالثاً: إنّ حديث عبد الرازق عن أنّ المسلمين لم يكتبوا في علم السياسة الذي ورثوه من اليونان بسبب طبيعة السلطة القهريّة، غير دقيق؛ ولا اُريد أن أخوض في هذا البحث الذي ناقشه فيه شيخ الأزهر الشيخ محمّد الخضر حسين، ذاكراً له سلسلة من الأعمال التي قدّمها المسلمون في مجال علوم السياسة والاجتماع([42])، بل اُريد أن أضيف لما ذكره فضيلة الشيخ محمّد الخضر حسين بأنّ التراث الفقهي بنفسه هو تراث سياسي، فقد غاب عن عبد الرازق البحوث الفقهيّة المتصلة بالقضاء والمرافعات والشهادات والمحاكم (السلطة القضائيّة)، وغاب عنه فقه الحدود والتعزيرات والقصاص والديات (النظام الجزائي والجنائي)، وكذلك فقه الحرب والجهاد والسلم والمعاهدات (السياسة الحربية والدفاعيّة)، وكذلك فقه الضرائب مثل الخمس والزكاة والخراج والجزية، وكذلك فقه الحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكذلك فقه الأموال العامّة مثل إحياء الموات والمشتركات والأنفال والفيء والأوقاف، وغير ذلك ممّا هو من شؤون تنظيم المدن والمصالح العامّة، ولا ينفكّ عن الفقه السياسي بالمعنى الذي جاء في التراث اليوناني بل هو صيغ مطوّرة له.

نعم، علم السياسة كان عقليّاً في صورته اليونانيّة، فغلب عليه الطابع النقلي الفقهي، وإن كانوا قد تناولوا قضيّة الإمامة والخلافة وشروط الإمام والخليفة في كتبهم الكلاميّة، وهذا لا يلغي وجود الدرس السياسي في التراث الإسلامي، بقدر ما يؤكّد على أنّ علم السياسة العقلاني والفلسفي قد تراجع أو لم يظهر بالشكل المناسب، لا أنّ علم السياسة والاجتماع لم يكن لهما وجود أصلاً كما قال عبد الرازق، ومن ثمّ فإذا كان هناك تقصير فهو تقصير الدرس الفلسفي الذي لم يعنَ بالسياسة بالشكل المطلوب، بل غرق في الماورائيّات والمنطقيّات
وغير ذلك.

6 ـ هل تنافي دنيويّة الدين مبدأ التوحيد؟

أصرّ بازرگان على أنّ مبدأ التوحيد تنافيه دنيويّة الدين، ويجب عليّ هنا أن أقبل بكلّ وضوح القلق الذي أبداه مفكّرون ـ من أمثال بازرگان ـ في هذا الإطار فهو قلق مبرّر إلى حدّ بعيد جداً، وغالباً ما تأتي حالة تغيير الهويّة الدينيّة من اُخرويّة إلى دنيويّة بسبب ظاهرة المصلحة والسلطة بأنواعهما، فالسلطة تجعل الإنسان يقوم بتحويل هويّة الدين وهو لا يشعر، وهذا قلق روحي أخلاقي عميق عاشه الكثير من العرفاء والمتصوّفة وأصحاب النزعات الروحيّة، وقد رأينا كيف أنّ التصوّف نما في ظلّ تعالي منسوب اللهث خلف الدنيا في الوسط الديني، كما رأينا كيف أنّ الرهبانية انتشرت بشكلٍ واسع للغاية في المسيحيّة عقب صيرورة هذا الدين هو الدين الرسمي للدولة مع الامبراطور الروماني قسطنطين أوائل القرن الرابع الميلادي.

لكنّ هذا القلق المشروع لا يلغي أصل فكرة أنّ الدين للدنيا بنسبة معيّنة، فهذا القلق هو قلق من تحييد البعد الاُخروي في الدين لا من أصل وجود البعد الدنيوي وجوداً يقع تحت مظلّة البعد الاُخروي وفي درجةٍ تالية له.

علينا هنا أن نقرّ في المقابل بأنّ التركيبة النفسيّة البشريّة تميل للماديات، وأنّ القرآن بنفسه قدّم الآخرة بدرجة معتدّ بها بوصفها سلسلة من الملذّات الماديّة، بل ثمّة نصوص قرآنيّة توحي بأنّ القرآن يرغّب الناس بالدين من خلال أنّه يفضي إلى صلاح دنياهم المادية، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ (المائدة: 66)، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ (الفتح: 18 ـ 20)، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (الأعراف: 96).

بل لدينا في النصوص الحديثيّة كلام أكثر من أن يُحصى حول الفوائد الدنيويّة للكثير من السلوكيّات الصالحة والمضارّ الدنيويّة للكثير من الأمور الفاسدة والمحرّمة، وهذا كلّه يشي بأنّ الخطاب الديني والنبوي كان يحترم البواعث الدنيويّة للبشر، ويرشدهم للتأثيرات الدنيويّة الرائعة لسلوكهم مسالك الدين، بل إنّ نفس ذهاب بازرگان إلى أنّ الدين يأتي لتحرير الإنسان من الظلم والعبوديّة ولمواجهة القهر والاستبداد، هو في نهايته إغراءٌ للعقل الديني بأمرٍ دنيويّ، ولكنّ هذا لا يعني أنّه إغراء غير أخلاقي أبداً.

وبهذا نستنتج أنّ قلق بازرگان في محلّه لكنه لا يُثبت أنّ ربط الدين بالدنيا يسلب عنه هويّته، وإلا فتحويل الدين إلى مجرّد حالة اجتماعيّة هو بنفسه يجعله في مهبّ المصالح الماديّة، حتى لو لم نقم بتحويله إلى حالة سلطويّة، لأنّ قدرة الإنسان على تغيير هويّة الدين هي قدرة عالية، حتى في أكثر الأمور عباديّةً.

7 ـ نظريّة الاُخرويّة والرساليّة ومشكلة الطفرات والتعميمات

سأحاول في هذه المداخلة أن أجمع بعض الملاحظات الجزئيّة التي تلتقي عند هذا العنوان، كي لا نطيل.

يبدو من بعض كلمات بازرگان هنا، أنّ البرامج التي توضع لإدارة الحياة الإنسانيّة تخضع كلّها لمنطق الصيرورة.. وهذا ما يحتاج لإعادة نظر؛ لأنّ مجرّد كونها بشريّةً لا يعني خضوعها لمنطق التحوّل، كما أنّ كونها إلهيّةً لا يعني بالضرورة المنطقيّة عدم خضوعها لذلك؛ لأنّ كلّ القوانين والدساتير ـ سواء كانت بشرية أم إلهيّة ـ يمكن أن تنقسم إلى ثابت ومتغيّر، تبعاً لكون الحياة الإنسانيّة نفسها عبر التاريخ تحظى بعناصر مشتركة وأخرى مختلفة، فلم تقدّم لنا نظريّة بازرگان مقاربة فلسفية لتحوّلية المنتج البشري بشكلٍ كلّي تماماً، بل قفزت من كثرة التغيّرات إلى كليّتها، كما لم تقدّم أيّ شيء يتصل بالثبات والتغيّر في المضمون الذي أتت به النصوص الدينيّة، وسيأتي مزيد حديث حول هذه النقطة عند استعراض نظريّة المفكّر محمد مجتهد شبستري.

ومن الواضح لمن يقرأ بازرگان أنّه كان يواجه مشكلة الدين والدولة، وكان يعتقد بأنّ تحويل الدين إلى أيديولوجيا يكون عبر صبّه في قوالب حكوميّة وتنظيميّة والتفتيش فيه عن كلّ عنصر إداري في الحياة، لكن هل نحن بحاجة ـ للفرار من مشكلة الدولة الدينية بالشكل الأيديولوجي الذي يناقشه بازرگان ـ إلى نسف أساس الارتباط بين الدين والدنيا؟! هل لا يمكن التخلّص من المشكلة المفترضة إلا بهذه الطريقة؟ هل يصحّ أن أعالج وجع الرأس بقطع الرأس نفسه؟

إذا لم يولِ بازرگان بالاً لأصل النصوص الدالّة على شموليّة الشريعة، فقد كان بإمكانه اختيار بدائل أخفّ تحقّق له غرضه، من نوع الفهم المقاصدي للدين، أو الحديث عن الأوّلي والثانوي أو الحديث عن تاريخيّة الأحكام في الجملة أو غير ذلك، فلم يكن بازرگان مضطراً لإحداث القطيعة بالشكل الذي ذكره بين الديني والدنيوي دون اختبار البدائل المتوفّرة، الأمر الذي لم نشهده واضحاً بشكل كبير في أعماله.

إنّ المشاكل التي تعرّض لها بازرگان واعتبرها نتيجاً طبيعياً لتحويل الدين من بُعده الأخرويّ إلى بعده الدنيوي، هي إشكاليّات داخل النظريات الفقهيّة، وليست إشكاليّات تطال الفقه نفسه، ومن ثمّ فلماذا لم يذهب بازرگان نحو سائر النظريات المطروحة في الفقه، خاصّة تلك التي تؤمّن الحريّة وتخفّف من السلطة المطلقة في المجتمع، من نوع الديمقراطية الإسلاميّة وقضايا مناقشة الإكراه وغير ذلك.

وهذا بعينه يواجهه علي عبد الرازق؛ فإذا كانت فكرة الخلافة بمفهوم النيابة عن النبي تستلزم حياةً سياسيّة مغلقة وقمعيّة، فإنّ هذا لا يعني سلب صفة الحكم عن الإسلام، بل بالإمكان الذهاب خلف نظريّات عديدة في الفقه الإسلامي تحافظ على بُعده الحكومي وفي الوقت عينه تتفادى إشكاليّات النظام السلطاني في الخلافة، خاصّة وأنّ الفقه السنّي بالخصوص يتحمّل ـ بصرف النظر عن طبيعة التجربة التاريخيّة ـ فكرة أنّ السلطة يأخذها الحاكم والخليفة من البيعة والعقد الاجتماعي، ومن ثمّ فنحن بحاجة بعد ذلك إلى وضع معايير قانونيّة أكثر تطوّراً لتفادي طغيان الخليفة، والتمكّن من عزله إذا حصل هذا الطغيان، بدل هيمنة التبريرات الجاهزة والناجزة له والتي لا نستطيع بحال أن نعزله وفقاً لها، بل يمكن ما دمنا نتحرّك في فلك العقد الاجتماعي أن نتكلّم عن مدد زمنيّة محدّدة للخلافة، وهذه كلّها نظريّات داخل إطار حاكميّة الإسلام، وليست مخارجةً له.

إنّ ما قبله عبد الرازق من أصل ضرورة السلطة هو بعينه ما يريده الآخرون تقريباً، غاية الأمر أنّ آليات بناء السلطة يمكن النقاش فيها، وبنود القوانين يجب أن يرجع فيها إلى الشريعة حيث يتوفّر لها موقف، والإجماع الذي انعقد على ضرورة الخليفة والمقاربة العقلية التي استندوا إليها لا يُنتجان ـ في تقديري ـ إلا كليّة ضرورة التنظيم الذي ما زلنا نتصوّره قائماً على مفهوم الحكم، فالمقاربة إلى يومنا هذا منطقيّة تماماً، غاية الأمر أنّنا بحاجة لتطوير فقهيّ اجتهادي يتلافى قدسيّة الخليفة من جهة، ويسمح بنقده وعزله من جهة ثانية، ويعطي لسائر القوى السياسيّة في المجتمع حريّاتها وقدرتها على التأثير العام بما يوفّر تداول السلطة الزمنيّة من جهة ثالثة.

إنّ الفقه يتضمّن منظومة قانونيّة، وهذه المنظومة تحتاج في عمليّة تسييلها على أرض الواقع إلى صيغة، وهذه الصيغة هي استدعاءٌ زمني تاريخي لتطبيق تلك المنظومة، سواء سمّيناها حكماً وسلطاناً أو لا، فأيّ صيغة تسمح بذلك وتكون راعيةً لشؤون تطبيق الشريعة تكون هي (الخليفة)، فرداً أو جهة أو إطاراً أو غير ذلك؛ فالخليفة هو راعي تطبيق الشريعة وإقامة العدل والمصالح النوعيّة، وهذا هو امتيازه عن مطلق السلطة في غير دائرة الإسلام.

كما أنّ حديث بازرگان عن الإخفاق في إقامة دولة دينيّة؛ لأنّنا نستمدّ وضعنا الإداري من الدين مع أنّه لا يملك برنامجاً، الأمر الذي سيوصل إلى الفشل، ثم إلى ظهور حالة إحباط عامّة في المجتمع ورفض للدين وخيبة أمل منه واتخاذ مواقف سلبيّة من الدين نفسه، بل سيؤدي ذلك أيضاً إلى التكاسل عن وضع حلولٍ ما دامت تُرتجى من النصوص نفسها.. هو كلام دقيق عندما نتبنّى الدين والفقه بحدّهما الأعلى الذي يرى أنّ كلّ صغيرة وكبيرة موجودة في النصوص، وأنّ علينا الرجوع للنصوص لحلّ جميع القضايا ووضع جميع البرامج. نعم هذا النوع من الفهم الأعلائي للشريعة والنصّ هو فهم يفضي إلى النتيجة التي يحذّر منها بازرگان؛ لأنّنا نوافقه في أنّ النصوص لا تحوي جميع العلوم والفنون ولا كافّة الخطط والبرامج، فالفقه ـ كما يقول سروش مُحِقّاً([43]) ـ سلسلة قوانين، والقوانين ليست هي البرامج والخطط التي تضعها الدولة، بل القوانين جزء من العناصر التي تساعد على قيامة الدولة، وابتلاع الفقه والقانون لسائر الوظائف التي تقوم الدولة عليها هو الذي سينتج نتائج كارثيّة بالتأكيد.

هذا، وحديث بازرگان عن أنّ التيار الإسلامي حصر البيئة الحاضنة للإيمان بوجود الدولة، وإن كان يمكن أن نوافقه عليه بدرجة معتدّ بها، إلا أنّنا لا نوافقه على حصره هو البيئة الحاضنة بعدم وجود الدولة الدينيّة، فلا وجود الدولة ولا عدم وجودها شرطاً لازماً وأبديّاً في تبلور البيئة الحاضنة للإيمان([44])، بل هذه قضايا متغيّرة وتتبع ظروفها وملابساتها الزمكانيّة، ولا نستطيع الخروج بقاعدة عامّة ممتدّة في الزمان والمكان ما دمنا لا نعرف المستقبل كلّه، وعلينا عدم تعميم التجربة الجزئية لأخذ قاعدة كليّة منها، وإن كانت التجربة الجزئيّة تدفعنا للحذر والحيطة من سائر التجارب وفيها. وتجارب مثل تجارب الدولة العباسيّة والأمويّة والصفويّة والقاجاريّة لا ينبغي أن تحسب من تجارب الدولة الدينيّة بالمعنى الذي يطرحه الإسلاميّون اليوم؛ إذ من الواضح أنّ هذه الدول لا يعتبرها الإسلاميّون دينيّةً؛ لأنّها لم تقم على قاعدة تطبيق الشريعة من وجهة نظرهم، فكيف يمكن أن نأخذ أو نحتجّ عليهم بمثل هذه التجارب أو أن نؤاخذهم بسلوك كلّ من سمّى نفسه خليفة كما فعل بازرگان وعلي عبد الرازق معاً؟!

وبكلمة أخيرة: إنّ عبد الرازق وبازرگان نظرا إلى دنيويّة الدين أو إلى السلطة والدولة من منظار النظريّة التي كانا يواجهانها أو الأسلوب الذي كانا ينتقدانه في الإدارة والحكم، فبدل أن يسجّلا ملاحظاتهما على الأساليب والأشكال عمّماها لأصل تدخّل الدين في الدنيا، فوقعا في الإشكاليّات التي وقعا فيها، ويبدو أنّهما كانا يريدان الوصول إلى نوع من الإسلام العلماني أو المسلم العلماني، بشكلٍ يحافظ فيه على الدين من جهة والإدارة البشريّة للدنيا من جهة أخرى، وأنّه بهذه الطريقة يمكن تخطّي تجربة الإسلام السياسي التي عرفها القرن العشرين وإلى اليوم في إيران والعالم العربي، وفي العالم الإسلامي عامّة، كما يمكن ضمان عدم العودة إلى عصر ما سمّي بالخلافة العثمانية.

إنّ نظريّة رساليّة الدين واُخرويّته التي قدّمها أمثال علي عبد الرازق ومهدي بازرگان قابلة للنقد والتحليل، لكنّنا نكتفي بهذا القدر حولها؛ نظراً لاهتمامنا هنا بها من زاوية الحديث عن الجامعيّة والشموليّة فقط، لكن لابدّ لي من أن اُشير أخيراً إلى أنّ كلمات بازرگان الأخيرة وإن كانت قريبة جدّاً من توجّهه للقطيعة بين الدين والسلطة، لكنّني من خلال جمع كتبه ونصوصه ما أزال أميل إلى أنّ الرجل لم يقصد هذا المدى البعيد من الفكرة، ومن الممكن جداً أنّه قصد أنّ كليّات العمل السياسي والسلطوي تؤخذ من الدين، وأنّ الدين له سلطنة وإشراف على الحياة السياسية والاجتماعيّة، لكنّ تفاصيل إدارة هذه الحياة لا تُطلب من الدين، والآليّات والخطط والبرامج والطرق الجزئيّة ونوع تكوين السلطة لا تؤخذ سوى من عقل الإنسان وتجاربه، وهذا كلام يمكن الموافقة على نسبة كبيرة منه، على بيانٍ سوف نتعرّض له لاحقاً عند عرض نظريّتنا الخاصّة في موضوع مساحة الشريعة في الحياة بحول الله تعالى.

كما ولابدّ لي أن أضيء أخيراً على أنّ العقبة الأساسيّة التي تواجه نظريّة الرساليّة والاُخرويّة هي التراث النصّي الهائل المرتبط بقضايا الإنسان الدنيويّة وشؤون حياته الاجتماعيّة والسياسيّة، وفي تقديري لم تُفلح نظريّات أمثال عبد الرازق وبازرگان وغيرهما في تقديم فهم معمّق يمكنه أن يتخطّى هذا التراث، فلا يمكن أن أبني نظريّةً تتصل بالإسلام، وليس عندي من تفسير لهذا التراث النقلي والفقهي، وإلا فسيكون حالي كمن يصنع سيارة تسير فقط على الثلوج، ليبيعها لسكّان الصحراء!

وختاماً، أعتقد بأنّ بازرگان وعبد الرازق وغيرهما كانوا ـ على حدّ توصيف سروش لشريعتي([45]) ـ يحملون إحساساً بالألم والوجع من جهة، ويحملون وعياً بالمرض من جهةٍ أخرى، وإذا كان المفكّرُ لا يقدر على وضع الأجوبة للأسئلة التي يثيرها، فإنّ طرحه الأسئلة وإحساسه بالمشكلة هو في نفسه خطوة متميّزة، فإنّ المفكّر لا يُقاس دوماً بأجوبته، بل كثيراً ما يُقاس بأسئلته المستجدّة. ومتابعةُ الكبار لا تكون باتّباعهم فيما هم ضعفاء فيه، بل باتّباعهم فيما هم فيه أقوياء، كما علينا الانتباه لفصل الأعمال العلميّة للمفكّرين عن مشاعرهم في لحظتهم الزمنيّة، تلك المشاعر التي قد تدفعهم إحياناً ناحية الإفراط أو التفريط، فنحن مطالبون بنقد روح الفكرة لا شكلها البياني أو فضائها الحسّاس الزمكاني.

_________________________________

([1]) هذا البحث جزءٌ من كتاب (شمول الشريعة: 458 ـ 530)، من تأليف حيدر حبّ الله، دار روافد في بيروت، الطبعة الأولى، 2018م.

([2]) حول ملابسات صدور هذا الكتاب سياسيّاً، وظروف قرار الأزهر ومبرّراته، ومواقف الشخصيّات والأحزاب، وتعليقات عبد الرازق عقب قرار الأزهر وغير ذلك، راجع: محمّد عمارة، معركة الإسلام وأصول الحكم: 14 ـ 22، 52 ـ 151.

([3]) انظر ـ على سبيل المثال ـ: محمّد عمارة، نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم: 5 ـ 6؛ ومحمّد بن إبراهيم الحمد، قراءة في كتاب الإسلام وأصول الحكم: 27 ـ 51.

([4]) انظر ـ على سبيل المثال ـ: الذريعة إلى تصانيف الشيعة 24: 192. هذا ومن يقرأ علي عبد الرازق يعرف أنّ إنكاره لدينيّة الخلافة يطال الإيمان الشيعي بالإمامة وأحقيّة عليّ بعد النبيّ، قبل أن يطال الإيمان السنّي، نعم بإمكان الشيعي أن يقول بأنّ إنكار الإمامة لعليّ فتح الباب أمام التشكيك في دينيّة الخلافة.

([5]) انظر حول هذا العرض: علي عبد الرازق، الإسلام وأصول الحكم: 1 ـ 104.

([6]) الإسلام وأصول الحكم: 104 ـ 105.

([7]) انظر: فهمي جدعان، اُسس التقدّم عند مفكّري الإسلام في العالم العربي الحديث: 329 ـ 330.

([8]) تُرجم هذا الكتاب إلى اللغة العربيّة من قبل الشيخ محمّد الخليلي، وهو الكتاب الثامن من كتب مجلة منابع الثقافة الإسلامية، وقد نشر بالعربيّة عام 1380هـ.

([9]) لا بأس أن نشير إلى أنّ بازرگان متهم ـ من قبل بعض خصومه ـ بالنزعة الوضعيّة التي تبتعد عن الماورائيّات تأثراً بالوضعية التجربيّة، كما لا بأس أن اُشير إلى الانتقادات التي سجّلها مرتضى مطهّري على بازرگان في مباحث المعاد، حيث ثمّة ما يشير إلى اتهام بازرگان بإنكار الروح، انسياقاً مع التوجّهات العلميّة، ومن ثمّ فقضيّة المعاد ربما تكون موضعاً للتساؤل عنده من وجهة نظرهم.

([10]) يمكن مراجعة ـ على سبيل المثال ـ: بازرگان، القرآن في مسار تطوّره، في تحليل البنية اللفظيّة والموضوعيّة، وأصله في الفارسيّة تحت عنوان: سير تحوّل قرآن، بقسميه الأوّل والثاني، ضمن مجموعة الأعمال الكاملة (بالفارسيّة)، المجلّد: 12 ـ 13.

([11]) حول هذه الآراء عند بازرگان يمكن مراجعة كتبه وأعماله، ونحيل هنا إلى مقالته المترجمة إلى العربيّة بعنوان: خطر الإسلام على العالم حقيقة أم زيف؟ والمنشورة في مجلّة نصوص معاصرة في بيروت، في العدد 22: 245 ـ 257.

([12]) إلى جانب مواقف له موجودة في كتاب (مذهب در اروبا/الدين في أوروبا): 131، 142.

([13]) إنّما نقول ذلك؛ لأنّ هناك مؤشرات في كتابات وأعمال بازرگان تشي بأنّ هذه النظريّة التي طرحها تعود إلى سنوات قبل، في بداياتها وبعض مؤشراتها العامّة، ولعلّها ترجع إلى عام 1985م، ولسنا هنا بصدد تحليل لبازرگان نفسه وتاريخ فكره؛ لهذا لا نستطرد بالتفصيل في هذه الأمور.

([14]) بالضبط بتاريخ 1 ـ 11 ـ 1371هـ. ش، في (انجمن اسلامي مهندسان) في إيران. يشار إلى أنّ هذه المحاضرة تلاها سبعة لقاءات علميّة حوارية حولها شارك فيها بازرگان نفسه، كما تمّ إرسال نصّها لعدد من الباحثين والمفكّرين لإبداء نظرهم الشخصي، ثم تمّ الخروج بتصوّر نهائي منها، وبعد ذلك تمّ نشرها، وقد اُجريت بعض التعديلات كان من أبرزها حذف كلمة (فقط) من عنوان المقال، بعد أن كان (الآخرة والله هما فقط الهدف من بعثة الأنبياء).

كما لابدّ لي أن اُشير إلى وجود بعض النقاش في أنّ محاضرة عام 1992م هل تشكّل تحوّلاً في فكر بازرگان أو لا؟ ففيما يبدو أنّ الرأي الغالب يرى ذلك، سواء من مؤيّديه في هذه المحاضرة أم معارضيه، يميل بعضٌ قليل إلى أنّ هذه المحاضرة لا تشكّل تحوّلاً عنده، وأنّ أفكار هذه المحاضرة يمكن التوصّل إليها من نصوص وكلمات بازرگان في العقود السابقة من حياته.

([15]) ثمّة في كلام الدكتور سروش أيضاً ما يشير لهذا الاستنتاج الاجتماعي ـ السياسي لظهور نزعة الأيديولوجيا السياسية في الإسلام في القرن العشرين، فانظر له: مدارا ومديريت: 174.

([16]) لعلّ هذا ما نلاحظه اليوم في الحركة الناقدة للدين، حيث تقوم على مصلحة الإنسان الدنيويّة، فالله يمكن القبول به ما دام يؤمّن لنا دنيا أفضل، أمّا عندما لا يوفّر لنا شيئاً من ذلك، أو يمكن لغيره أن يوفّر لنا مثل هذا، فإنّنا لسنا بحاجة إليه، وربما يكون هذا انعكاساً للذهنيّة الدنيويّة في التعامل مع أقدس المقدّسات (الله).

([17]) وكأنّه شعر بأنّه في فضاء ديني يملك النصُّ فيه السلطة المطلقة، لا يمكنه مقاربة الأمور من زاوية فلسفيّة خارج ـ دينيّة، لهذا نجده يعود إلى ثنائيّة التجربة والنصّ الدينيّين؛ لكي يُثبت مقولاته، رغم أنّه في بداية الأمر ذكر أنّ تحديد مساحة الدين لا يكون بمراجعة النصّ نفسه.

([18]) انظر: نيك نيازى: 124 ـ 125؛ وراجع: سروش، قصه ارباب معرفت 1: 375 ـ 376.

([19]) لم نعثر على مصدرٍ لهذا الحديث في كتب الإماميّة الحديثيّة، وقد ورد مرسلاً وبلا سند في بعض كتب أهل السنّة مثل: السيوطي، الجامع الصغير 2: 294؛ والهندي، كنز العمال 6: 89، لكن أسنده بعضٌ مثل محمد بن سلامة القضاعي (454هـ) إلى أبي بكرة، عن النبي‘ قال: mكما تكونون يولّى عليكم أو يؤمر عليكمn (مسند الشهاب 1: 336 ـ 337). وقد ضُعّف هذا الحديث وسنده وفقاً لأصول النقد السندي عند أهل السنّة، فانظر: الزيلعي، تخريج الأحاديث والآثار 1: 183؛ والفتني، تذكرة الموضوعات: 182؛ والمناوي، فيض القدير 5: 60؛ والبيهقي، شعب الإيمان 6: 23؛ والشوكاني، فتح القدير 2: 164؛ والعجلوني، كشف الخفاء 2: 126 ـ 127 وغيرهم.

([20]) وبحسب تعبير عبد الكريم سروش: إذا كنّا نريد الدين للدنيا، فالدنيا نريدها لماذا؟! انظر له: مدارا ومديريّت: 125، في كلمته الشهيرة في وفاة بازرگان والتي نشرت في هذا الكتاب بعنوان (آن كه به نام بازرگان بود نه به صفت)، والعنوان يقصد به سروش أنّ (بازرگان) ـ وهي كلمة تعني في اللغة الفارسيّة (التاجر ورجل الأعمال) ـ كان اسماً لهذا الرجل، ولم يكن صفةً له، فلم يتاجر بازرگان بالدين كما فعل غيره.

([21]) انظر: مهدي بازرگان، آخرت وخدا هدف بعثت انبيا (الآخرة والله هدفُ بعثة الأنبياء)، مجلّة كيان، العدد 28: 46 ـ 61.

([22]) من الضروري لي أن اُشير هنا بوضوح كامل، إلى أنّنا لا نبحث في النظريّة الاجتهادية السياسيّة في الإسلام من وجهة نظر علي عبد الرازق أو بازرگان أو غيرهما، فليس بحثنا في الفقه السياسي الإسلامي، إنّما الذي يهمّنا تسليط الضوء التحليلي والنقدي عليه هنا هو المنهاجيات والأفكار التي اشتملتها نظريّة أخروية الدين وتناولها أمثال بازرگان وعلي عبد الرازق ضمن رؤيتهما السياسيّة، وكانت على صلة بموضوعة شموليّة الشريعة وسعة التغطية القانونيّة للدين، ولهذا فإنّ هناك العديد من الملاحظات التي نملكها عليهما في غير إطار مجال دراستنا هنا، لكنّنا غير معنيين بهذا الأمر على مستوى هذا الكتاب.

([23]) انظر: سروش، مدارا ومديريّت: 135 ـ 138.

([24]) الخوئي، البيان في تفسير القرآن: 62.

([25]) انظر: فهمي جدعان، أسس التقدّم عند مفكّري الإسلام: 348.

([26]) انظر: ابن سينا، الشفاء (الإلهيات): 441 ـ 442؛ والإشارات والتنبيهات 3: 371 ـ 373؛ والسهروردي، رساله يزدان شناخت (مجموعة أعمال شيخ الإشراق 3): 453 ـ 455؛ والشيرازي، المبدأ والمعاد: 557 ـ 558؛ والشواهد الربوبيّة: 359 ـ 361.

([27]) انظر: مصباح اليزدي، دروس في العقيدة الإسلاميّة: 176 ـ 180؛ وجوادي الآملي، دين شناسي: 42 ـ 47.

([28]) انظر: السبحاني، الاهيات ومعارف اسلامي، الدرس: 42، 43.

([29]) انظر: الشيرازي، المبدأ والمعاد: 560 ـ 564.

([30]) انظر: الميزان في تفسير القرآن 2: 111 ـ 122، 131 ـ 132، 148 ـ 151، (طبع جماعة المدرّسين).

([31]) انظر: عبد الرحيم سليماني، فلسفه بعثت انبيا، كاستي يا بيداري عقل؟ مجلّة بجوهشهاي فلسفي ـ كلامي، العدد 61: 91 ـ 99.

([32]) ويصبح ما نقوله أوضح عندما نذهب مذهب مثل الفارابي والملاصدرا فنقول بأنّ تكامل الإنسان يحتاج إلى الاجتماع، فتنظيم الاجتماع جزء مقوّم لتأمين كمال الإنسان.

([33]) انظر: حيدر حبّ الله، دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر 3: 303 ـ 363.

([34]) الشهرستاني، الملل والنحل 1: 154؛ وهذا النصّ يؤكّد أنّ الإمام يعلّل عدم حركته بالظروف الموضوعيّة وليس بأصل موضوع السلطة. هذا، ولا يعرف التاريخ أنّ الخراساني كان من أصحاب الصادق، ولا حتى التقى به أكثر من مرّة واحدة.

([35]) انظر: حيدر حبّ الله، دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر 3: 358 ـ 363.

([36]) البحثُ في عالميّة أو عدم عالميّة رسالة بعض الأنبياء (بل حتى مفهوم العالميّة) مثل نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، من الأبحاث بالغة الأهميّة، حيث تبدو النصوص ذات بياناتٍ متنوّعة في هذا الصدد، وتحتاج لمقاربة جادّة.

([37]) الكتاب المقدّس، العهد القديم، صموئيل الأوّل، الإصحاح الثامن، الآيات: 4 ـ 8.

([38]) انظر: رسول حامدنيا، دولت يار، نقد وبررسى كتاب آخرت وخدا هدف بعثت انبيا: 142 ـ 143.

([39]) لمزيد من الاطّلاع على مسألة حجيّة الفعل النبوي وشروط هذه الحجيّة على مستوى الصورة والوجه، وطبيعة الموقف الاستدلالي من الفعل النبوي، يمكن مراجعة بحثنا حول هذا الأمر في كتابنا: حجيّة السنّة في الفكر الإسلامي: 610 ـ 615.

([40]) بعد تدويني لهذه الفكرة في التمييز على مستوى هذه الآيات بين كون نظرها إلى العلاقة بين المسلمين وغيرهم، لا داخل المجتمع الإسلامي.. رأيتُ ابنَ عاشور يقدّم هذه المقاربة في كتابه: نقد علمي لكتاب الإسلام وأصول الحكم: 20 ـ 21؛ كما لاحظت ذلك عند محمّد عمارة في كتاب معركة الإسلام وأصول الحكم: 156 ـ 158، فاقتضى التنبيه.

([41]) للتوسّع أكثر في تحليل هذه الآيات وأمثالها، راجع بحثَنا حول نقد نظريّة الجهاد الابتدائي، وذلك في كتابنا: دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر 4: 287 ـ 335.

([42]) انظر: نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم: 45 ـ 48.

([43]) انظر: مدارا ومديريّت: 139.

([44]) وبتعبير المناطقة والفلاسفة: لا هي بنحو البشرط شيء، ولا بنحو البشرط لا، بل هي بنحو اللابشرط.

([45]) انظر: سروش، قصه ارباب معرفت 1: 357، 358، 382، 397.

الكاتب حيدر حبّ الله

حيدر حبّ الله

مواضيع متعلقة

اترك رداً

downloadfilmterbaru.xyz bigoporn.club bok3p.site sablonpontianak.com