نظريّة المصلحة والاجتهاد الذرائعي

img

حيدر حبّ الله([1])

تمهيد

تعتبر قاعدة سدّ الذرائع وفتحها (أو منع الذرائع وقطعها) واحدة من قواعد نظريّة المصلحة في الفقه الإسلامي، كما تعدّ فرعاً من فروع الاجتهاد المقاصدي؛ لأنّها تقوم على إخضاع الوسائل لأحكام المقاصد، وجعل المقصد في حكمه مهيمناً على ما يتصل به.

وتنبثق هذه القاعدة ـ سدّ الذرائع وفتحها ـ عن قاعدةٍ أعمق يُطلق عليها اسم: نظريّة اعتبار المآل([2])، وهي النظريّة النافذة في الكثير من أنماط التفكير المقاصدي أيضاً، وتدفع الفقيه للنظر في النتائج والمآلات، وعدم الجمود على الوسائل والطرق والأدوات، تحصيلاً للمصلحة الكامنة في المآل، لأنّ المآل ووقائعه جزء مقوّم وأساس في تحقّق المصلحة العينيّة، وعلى حدّ تعبير بعض الباحثين: فـ «إنّ أصل سدّ الذرائع توثيقٌ لأصل المصلحة في التشريع، وعمادٌ في الاجتهاد المبنيّ على هذه المصلحة، من حيث هو أداة في تصحيح الانحراف عن مسار تحقيقها، والذي يتأتى من جهة التذرّع بتطبيق النصّ إلى ما يخالف المصلحة المتوخّاة المقصودة للشارع من ذات النصّ»([3]).

تستهدف قاعدة سدّ الذرائع التوصّل لأحكام شرعيّة في الطرق والسبل والوسائل انطلاقاً من طبيعة الموقف في النتائج، وبالمقابل تقع قاعدة فتح الذرائع التي تحمل الروح عينها، فإنّ الغايات الترخيصية أو اللزوميّة الموجودة في النتيجة تفرض فتح أبواب الوصول إليها، تحقيقاً لمصلحتها.

وبهذا يظهر نوعٌ من العلاقة بين هذه القاعدة وسلسلة من القواعد الأخرى كما سوف نشير بحول الله تعالى.

ومن الواضح أنّ سدّ الذرائع مصنّف من قواعد الاجتهاد فيما لا نصّ فيه، ومن ثمّ فهو من قواعد الاستدلال وفقاً لتصنيف بعض علماء أصول الفقه السنّي، وممّا يُدرج ضمن الاجتهاد بالرأي ـ بالمعنى الإيجابي للكلمة ـ وفق تصريح بعض الباحثين([4]).

مفهوم الذرائع، تصوير أوّلي في اللغة والمصطلح

إنّ الأصل اللغوي لكلمة (ذريعة) يأتي بمعنى الامتداد والتحريك، قال ابن فارس: «ذرع: الذال والراء والعين أصلٌ واحد، يدل على امتداد وتحرّك إلى قدم، ثم ترجع الفروع إلى هذا الأصل. فالذراع ذراع الإنسان معروفة..»([5]). ومن هنا تطلِق العربُ ـ على سبيل المثال ـ فتقول: «الذَّرِعُ: الطويلُ اللسان بالشَّرِّ، وهو السيّار الليلَ والنهارَ.. وذَرَّعَ الرجلُ في سباحتِه تَذْرِيعاً: اتَّسَع ومدَّ ذِراعَيْه. والتَّذْرِيعُ في المشي: تحريك الذِّراعين. وذَرَّع بيديه تَذْرِيعاً: حرَّكهما في السعْي واستعان بهما عليه.. وذَرَع البعيرُ يَده إِذا مَدَّها في السير..»([6]).

ولعلّه من هنا يطلق تعبير الذريعة بمعنى الوسيلة؛ لأنّ فيه نوعاً من الحركة والتمدّد، قال الجوهري: «الذريعة: الوسيلة. وقد تذرّع فلانٌ بذريعة، أي توسّل، والجمع الذرائع..»([7]).

وبهذا يصبح المعنى اللغوي لسدّ الذرائع وفتحها هو سدّ الطرق والوسائل كي لا توصل إلى موضع ما أو فتحها لتوصل إليه ويبلغه الإنسان بذلك.

في هذا المعنى اللغوي، نفهم الفلسفة الذرائعيّة الأداتيّة التي طرحها وليام جيمس (1910م) وجون ديوي (1952م)، فهي فلسفة ترى أنّ الفكر منذ عصر اليونان قد أضاع وقته بتتبّع حقائق الأشياء فيما الفلسفة الحقيقيّة هي التي تجعل الإنسان يتخذ معرفته وسيلةً لتحقيق غايات يصل إليها عمليّاً، فالمعرفة أداة ووسيلة وليست غاية، إنّما غايتها العمل والتجربة، فالفلسفة الذرائعيّة فلسفةٌ عمليّة تهدف توظيف الدرس الفلسفي والعلمي في الحياة العمليّة وإخراجهما من اُفق التنظير المتعالي، وهي بهذا تجعل كلّ المعلومات والأفكار والنظريات مجرّد خطط عمل للوصول إلى نتائج ملموسة في الحياة، ولهذا السبب لا يهتمّ الذرائعيون البراغماتيّون لمدى كشف المعلومات أو الفكر عن الواقع، بل يهتمّون لقدرة الأفكار على خدمة الإنسان عمليّاً، سواء كانت مصيبة للواقع أم لا.

وفي هذا السياق عينه نجد تفكير الغاية تبرّر الوسيلة؛ لأنّ هذا المنطق هو في الدلالة اللغويّة مشمول لتعبير الذريعة، فهو منطق ذرائعي يتوسّل للغاية بأيّ طريقة من الطرق.

ولو انتقلنا من الدلالة اللغويّة لكلمة الذريعة إلى الدلالة الاصطلاحيّة عند علماء أصول الفقه، فنحن نجد روح المعنى اللغوي لكن ضمن وضعٍ أخصّ، فالفقهاء يستخدمون كلمة الذريعة في المعنى العام لكنّهم عندما يريدون الحديث عن قانون الذرائع بوصفه منهاجاً في الاجتهاد الشرعي، فهم يذهبون إلى تفسيره بأنّه الأمر المباح في نفسه لكنّه يقع طريقاً للحرام([8])، وبهذا يصبح معنى الذريعة في المدلول الخاص للقاعدة هو:

أ ـ أمر مباح في نفسه جائز، بل قد تكون فيه مصلحةٌ، كما في بعض حالات الجواز بالمعنى الأعمّ.

ب ـ يفضي إلى أمر ممنوع محرّم محظور.

ومن ثم فيكون سدّ الذرائع عبارة عن إصدار حكمٍ بحرمة الأمر المباح في نفسه لاتصاله بنتيجة محرّمة، وهو تعبير آخر عن سريان المفسدة الواقعة في النتيجة إلى الفعل الذي لا مفسدة فيه بل قد تكون فيه في نفسه مصلحة، فتغلب المفسدة التي في النتيجة حالة الاستقامة أو الصلاح التي في الوسيلة والذريعة، ولهذا قد يصنّف باب الذرائع بأنّه يرجع إلى نوع من التزاحم الواقع في ملاكات الأحكام الشرعيّة، فملاك الحرمة يغلب ملاك الإباحة، ومن ثمّ يفرض تغيير الموقف في المباح نتيجة اتصال المباح اتصالاً ذرائعيّاً بالمحرّم.

نظرية الذرائع والتباس القواعد الأصوليّة (كشف شبكة العلاقات)

هذه الصورة الأوليّة للموضوع تفتح على تشويش، فهل هذا الموضوع مستقلٌّ بنفسه أو هو تعبير آخر عن قواعد أصوليّة أخرى لها حضور في الاجتهاد الشرعي الإسلامي؟

ولكي نعمّق فهم قاعدة الذرائع، ونتوصّل لوعي أدقّ بها، يلزمنا تمييزها عن بعض الأمور الأخرى في الفقه الإسلامي وأصوله.

أ ـ بين الذرائع ومقدّمة الواجب والحرام

يتصوّر بعض العلماء، مثل الشيخ ناصر مكارم الشيرازي والشيخ محمّد إبراهيم الجناتي ـ متابعين فيما يبدو السيّد محمّد تقي الحكيم ـ أنّ بحث سدّ الذرائع عند أهل السنّة هو بعينه بحث المقدّمة (مقدّمة الواجب أو الحرام) عند الإماميّة، ولكنّ أهل السنّة لم يتمكّنوا من تجلية الأمور وتحليلها بشكل صحيح([9])، ويستوحى من القرافي في الفروق أنّه يربط بين مقدّمة الواجب والحرام وبين بحث الذرائع، كما يستوحى من ابن عاشور أنّه يجعل مسألة فتح الذرائع هي مسألة مقدّمة الواجب، وما يعرف في الفقه بالاحتياط([10]).

لكنّ الصحيح أنّ الذرائع والمقدّمة مبحثان مختلفان وإن التقيا؛ وذلك:

أ ـ إذا كان المبحوث في باب المقدّمة هو ما لا يتمّ الواجب إلا به أو ما لا يقع الحرام إلا به، فعلى هذا التعريف يكون بحث المقدّمة أخصّ من بحث الذرائع؛ لأنّ الذرائع لا تفترض أنّ الشيء المسمّى بالغاية يتوقّف وجوده أو عدمه على الذريعة ـ وجوداً وعدماً ـ حتى يترشّح من وجوده حرمة على الذريعة أو وجوب.

وأمّا لو قلنا بأنّ المقدّمة أعمّ من أن تكون منحصرة أو غير منحصرة([11])، فقد يتوهّم الاتحاد، لكنّه ليس صحيحاً؛ إذ ما يريده الفقه السنّي من بحث الذرائع يظلّ أوسع دائرةً من خصوصيّة المقدّمة؛ بل قد يقترب أحياناً من الارتباط بمسألة الإعانة على الإثم، فمثلاً قد يطرح الفقه السنّي مسألة تحريم بيع السلاح للكافرين في حال الحرب مع المسلمين، ويستند في ذلك لسدّ الذرائع، مع أنّ بيع السلاح ليس بنحو المقدّمة للحرام، بل البائع لن يرتكب هذا الحرام حتى يكون بيعه مقدّمة لفعله هو للحرام، وإنّما هو نوعٌ من التمكين من الإثم للطرف الآخر في موارد مظانّ قيامه به لو بعناه نحن السلاح.

ومن هذا النوع، نلاحظ أنّ استناد الفقه الإسلامي لقانون الذرائع في تحريم السفر بالمصحف الشريف لبلاد الكفر خوفاً من وضع الكافرين يدهم عليه أو توهينهم له، لا علاقة له ببحث المقدّمة، فإنّ المسلم الذي أخذ معه المصحف لبلاد الكافرين لم يقم هو بإهانة المصحف هناك، بل المفترض أنّ الذي قام بذلك هم الكفّار أنفسهم، فكيف يكون عمله محرّماً من باب المقدّمة المفضية إلى حرام؟! ما لم نقصد عنوان المقدّمة بالمعنى اللغوي لا بالمعنى المصطلح الذي يدرسه أصول الفقه الإسلامي.

وهكذا الحال في الاستناد للنهي عن العقود الغرريّة بأنّها ذريعة لأكل مال الناس بالباطل، فإنّنا هنا لا نفهم المقدميّة بالمعنى الأصولي الخاص، بل الفقيه يحرّم العقود الغرريّة مطلقاً هادفاً بذلك سدّ الطريق على وقوع حالة أكل مال الآخرين بالباطل من ضمن مجموعة العقود الغرريّة.

وبهذا نلاحظ أنّ تراث تجربة الاجتهاد الذرائعي لا يمكن تفسيره بمفهوم المقدّمة، بل يبدو أنّ في ذهن أنصار هذا الفريق شيئاً آخر، قد يلتقي مع بحث المقدّمة وقد يفترق عنه، وعلينا التماسه واكتشافه بشكلٍ دقيق.

ب ـ نحن نلاحظ في مسار ممارسة اجتهاد الذرائع أنّ الفقيه يفتي بحرمة الذريعة لا لأجل اليقين بكونها مفضية للحرام بالضرورة، بل يكفي في بعض الموارد كونها مظنّة ذلك، وهذا شيء لا نلمسه في مباحث المقدّمة في أصول الفقه.

ج ـ كما أنّ وقوع المقدّمة محرّمةً لو كانت مقدّمةَ حرام أو واجبةً لو كانت مقدّمة واجبٍ، إنّما هو بنحو الغيريّة، ففاعل الحرام هو ذاك الذي يأتي بالمقدّمة تمهيداً للإتيان بذيها، وفاعل الواجب الغيري هو ذاك الذي يأتي بالمقدّمة تمهيداً لتحصيل ذيها، غير أنّ الأمر ليس كذلك في باب الذرائع، فإنّ فاعل الذريعة قد يقصد ويلتفت حال فعل المقدّمة أو تركها وقد لا يقصد ولا يلتفت إلى ذي المقدّمة، ولهذا يتحرّر حكم الذريعة ويستقلّ، ولا يكون تابعاً في مقام الامتثال لغيره؛ لأنّ صفة المقدّميّة صفة مقيّدة بوقوع ذي المقدّمة، بينما صفة الذرائعيّة لا تلازم هذا الوقوع، ومن هنا فإنّ الحكم فيها إطلاقي وليس مقيداً، فمثلاً في بحث مقدّمة الحرام نقول بأنّ هذه المقدّمة لا يجوز الإتيان بها بوصفها موصلةً للحرام، فلو فعلها ولم يحقّق الحرام على سبيل المثال، كما لو كانت الجزء ما قبل الأخير للعلّة التامّة لا يكون قد وقع في الحرام، أمّا في باب الذريعة فإنّ الحكم كلّيٌّ، ومن ثم فمن يمارس العقد الغرري يكون قد فعل محرّماً ومن يبيع السلاح في زمن الفتنة يكون قد فعل محرّماً واقعاً سواء وقعت النتيجة أم لا، وسواء توقّفت محاربة الكافرين للمسلمين على بيع السلاح لهم أم لا، وسواء استخدموا هذا السلاح بعينه في الحرب أم لا، وسواء قصد هو أم لا، وسواء التفت هو أم لا.

د ـ وينتج عمّا قلنا أنّ الحكم اللاحق للمقدّمة يكون من شؤون المكلّف تعيين موضعه ولو في الجملة، فالمكلّف هو الذي يحدّد أنّ هذا الفعل يفضي تلقائياً بمجرّد القيام به إلى الوقوع في الحرام أو لا، فيُسقط عنوان حرمة مقدّمة الحرام عليه، وأنّ ذاك الفعل هل يمكّنني من تحقيق الواجب أو لا، فيُسقط وجوب مقدّمة الواجب عليه، بينما الأمر في باب الذرائع ليس ـ في الغالب إن لم نقل دائماً ـ في يد المكلّف، بل مفروض القائل بالنظريّة هذه أنّ الفقيه ـ ومن قبله المولى سبحانه ـ يقوم بتعيين إمكانات إفضاء هذه الذريعة للحرام، فيسدّ طريق الوقوع فيها بواسطة إنشاء حكم أوّلي نفسي، ملاكُه هو تحقيق ملاك الحكم الأوّلي الآخر، ولهذا لو فعله الإنسان بدعوى أنّه لا يوقعني في الحرام يكون قد فعل محرّماً، وهذه نقطة امتياز مهمّة في الأمر، فطبيعة جعل الحكم على الذريعة انطلاقاً من حماية حكمٍ آخر، تكون أمورها في يد المشرّع لا في يد المطبّق، حتى ندرجها في باب المقدّمة.

نعم، في بعض المقدّمات يتدخّل الشارع لتعيين نوع المقدّمة ويعيّنها مثل الوضوء والغسل وغير ذلك بناء على اعتبارها مقدّمات.

هـ ـ إنّ نمط الاستدلال الشيعي في باب المقدّمة هو نمطٌ عقلي أو في الدلالة اللفظيّة للأمر بالشيء على إيجاب مقدّمته، بينما نحن نلاحظ أنّ نسق معالجة الموضوع في بحث الذرائع غالباً ما يقوم على الاستقراء، إلى جانب بعض الدلالات العقليّة واللغويّة في النصوص، وهذا وإن لم يكن فارقاً في مادّة الموضوع، لكنّه يشي بأنّ القضيّة قد تكون مختلفة.

كما وينبغي التنبّه إلى أنّ أصول الفقه الإمامي وسّع مفهوم المقدّمة لمقدّمة الوجود ومقدّمة الوجوب، ومن الواضح أنّ بحث مقدّمة الوجوب لا معنى له في باب الذرائع إطلاقاً؛ لأنّه يعبّر عن المقدّمة التي من دونها لا يكون الشيء واجباً، لا المقدّمة التي من دونها لا يقع امتثال الشيء الواجب مسبقاً، فلابدّ وأن نفهم أنّ مقصودَ من ادّعى تطابق بحث الذرائع مع بحث المقدّمة في أصول الفقه الإمامي.. هو مقدّمةُ الواجب خاصّة.

وهذا الذي نقوله برمّته لا يعني أنّ كلّ من قال بسدّ الذرائع انتهى إلى دائرةٍ أوسع من المقدّمات، بل قد يكون هناك من انتهى به الأمر في باب سدّ الذرائع إلى تحريم خصوص المقدّمات أو الحكم بوجوبها، لكنّ هذا لا يكشف أنّ أصل بحث الذرائع هو بعينه بحث المقدّمة. لكن في الوقت نفسه يمكننا أن نقترح إعادة تشكيل بحث واحد في أصول الفقه تحت عنوان الذريعة والمقدّمة، فننوّع المقدمات وندرس القضيّة بشكل موسّع ضمن بحث المقدّمة وضمن بحث الذريعة.

هذا كلّه لو أردنا المقارنة بين بحث المقدّمة عند الإماميّة وبحث الذرائع عند أهل السنّة، أمّا لو تركنا المقارنة بين التراثين، ورصدنا أصل الموضوع، لوجدنا أنّ بعض الباحثين يطرح تمييزاً بين المقدّمة والذريعة، يرى أنّ بينهما العموم والخصوص من وجه، ويقرّب ذلك عبر خطوتين:

الخطوة الأولى: إنّ بين المقدّمة والذريعة نسبة التعاكس؛ وذلك أنّ المقدّمة هي ما لا يتمّ الشيء إلا به، لكنّ وجوده لا يحقّق ذلك الشيء بالضرورة، مثل الوضوء فإنّ الصلاة لا تتمّ إلا به، لكنّ وجوده لا يُلازم تحقّق الصلاة بالضرورة، وبهذا يكون الملاحظ في باب المقدّمة هو الجانب العدمي، أي عدم الشيء عند عدم المقدّمة، بينما الملاحظ في جانب الذريعة هو الجانب الوجودي، بمعنى أنّ الذريعة وجودها مفضٍ إلى ذيها قطعاً أو احتمالاً.

الخطوة الثانية: إنّنا نلاحظ أنّ الذريعة والمقدّمة قد تلتقيان، وذلك في مثل النكاح، والظاهر أنّه يقصد العقد، فإنّه مقدّمة؛ لكونه شرطاً ضروريّاً للتحليل، إذ لا تحليل من دونه، وهو ذريعة؛ لكونه مفضياً في العادة إلى التحليل، وبهذا يكون عقد النكاح من جهة وجوده منتجاً للتحليل، ومن جهة عدمه معيقاً عن التحليل ومانعاً.

وفي مقابل هذا الالتقاء، تمتاز الذريعة والمقدّمة:

أ ـ أمّا امتياز الذريعة عن المقدّمة وجهة افتراقها عنها، فهو مثل ضرب المرأة رجلها ذات الخلاخيل، فإنّه مفضٍ عادةً إلى الافتتان بها، لكنّ عدم الضرب لا يجعل الافتتان عدماً، بحيث يتوقّف الافتتان عليه وينتفي بانتفائه، بل قد يقع الافتتان بالنظر إلى المرأة السافرة ولو لم تضرب رجلها، بل ولو لم تلبس الخلاخيل أصلاً.

ب ـ وأمّا امتياز المقدّمة عن الذريعة، فكالسفر لارتكاب معصية معيّنة لا تتمّ المعصية إلا به، إذ لا يمكن ارتكابها إلا من خلال السفر، فإنّ هذا السفر مقدّمة؛ إذ لا تتمّ المعصية إلا به، لكنّه ليس بذريعة؛ لأنّ السفر لا يفضي عادةً إلى المعصية.

وبهذا نخرج باستنتاج أنّ النسبة بين المقدّمة والذريعة هي العموم والخصوص من وجه([12]).

وهذه المحاولة لا يمكنها أن تواجه فكرة أعميّة موضوع المقدّمة من الانحصار وغيره؛ لأنّ القول بأنّ بحث المقدّمة في أصول الفقه يستوعب المقدّمة المنحصرة وغير المنحصرة سوف يلغي فكرة: ما لا يتمّ الشيء إلا به، بل قد يتمّ به ويتمّ بغيره، ما لم نعد تحويل بحث المقدّمة إلى صورة أعمّ، وهي أنّ مجموع الطرق الموصلة للشيء هي التي تسمّى بالمقدّمة، ومن ثمّ فما لا يتمّ الشيء إلا به يشمل الفرد الأوّل والثاني والثالث من المقدّمة التي يشكّل مجموعها عنوان المقدّمة.

وقد حاول بعض الباحثين التمييز في علاقة قاعدة الذرائع بقاعدة المقدّمة من خلال فتح الذرائع وسدّها، فاعتبر أنّ قاعدة فتح الذرائع هو بعينه بحث المقدّمة أي مقدّمة الواجب، ففتح الذرائع هو الحكم بوجوب المقدّمات الموصلة إلى الواجب والمحقّقة له في مقام الامتثال، بينما سدّ الذرائع لا يتّحد مع موضوع المقدّمة، بل يفترق عنها.

ولكنّ هذا التمييز غير واضح أيضاً؛ فإنّ القائل بفتح الذرائع يجب النظر في مقصوده أكثر، فإنّ قصد أنّ الواجب يلزم الإتيان بتمام الخطوات التي توصلني إليه بحيث لو لم أخطُها لا أصل إليه، فإنّ كلامه هذا صحيحٌ تماماً، أمّا لو قصد القائل بفتح الذرائع أنّ الفقيه يفتي بوجوب أمرٍ نظراً لغلبة إيصاله لواجب آخر، أو لقوّة احتمال إيصاله، ففي هذه الحال لا علاقة لبحث المقدّمة ببحث فتح الذريعة بنحو التطابق؛ فالفقيه لو رأى أنّ الصلاة جماعة في المساجد بات ضرورة لنهضة الإيمان في المجتمع، وأنّ الناس بسبب غيابها عن المساجد باتت تترك الصلاة ولا تهتمّ لأمرها، فإنّه يفتي بوجوب حضور المساجد بما يترتب عليه إلزام الدولة المواطنين بذلك من باب الذريعة؛ لتحقيق هذه الغاية المنشودة المهدّدة بالزوال، فهل هذا من باب وجوب المقدّمة بحيث يجب حتّى على المصلّين المتديّنين أن يحضروا المساجد من باب المقدّمة لتحقيق الصلاة بالنسبة إليهم؟!

ويتأكّد ما نقول في التمييز بين المقدّمة والذريعة، ما سيأتي الحديث عنه وأكّده القرافي في الفروق والذخيرة، من أنّ فكرة الذريعة تلاحظ حجم النسبة السببيّة بين الذريعة والنتيجة، فإذا كانت الذريعة تفضي دائماً أو في غلبة كثيرة جداً إلى النتيجة، قطعاً أو في ظنّ قويّ جدّاً، كما في حفر حفرة في الطريق الذي يمرّ به الأفراد أو المركبات، كانت محرّمة بالإجماع، وإذا كانت تفضي نادراً لم تكن محرّمة، وإلا حرم كلّ شيء، كما في أصل زراعة العنب، وإذا كانت تفضي كثيراً، مثل حال حملة الطعام فإنّهم يأكلون منه، فيُحكم بتضمينهم مطلقاً عند نقصانه، أو محادثة الرجال مع النساء، فإنّه لا يُفضي دائماً أو غالباً إلى الزنا مثلاً، بل يفضي كثيراً إليه، فهنا وقع خلاف حيث رأينا الكثير من المالكيّة يميلون لسدّ الذرائع بينما يخالفهم آخرون([13]).

فأنت تلاحظ هنا كيف أنّ الفكر الذرائعي لا ينطلق من علاقة الشيء بمقدّمته الحقيقيّة، كما نعرف ذلك في باب المقدّمة، بل يوسّع من مفهوم المقدّمية، فيُلاحظ نسبة الذريعة إلى النتيجة من حيث معدّل التأثير على المستوى النوعي، فما هي نسبة وقوع المحرّم على تقدير وقوع هذه الذريعة؟ فإذا كانت دائمة أو غالبة جداً حُكم بالحرمة سواء قصد فاعل الذريعة الوصول بها للحرام أم لا، وإذا كانت نادرة حكم بالجواز، وإذا كانت كثيرة لا أكثريّة وقع نزاع في تحريمها بين المالكيّة وغيرهم.

وهذه النسبة لا تُدرس من زاوية حصول الظنّ للفرد الفاعل للذريعة بمديات احتمال وقوعه في الحرام، بل يدرسها الذرائعي في النسبة النوعيّة والظنّ أو اليقين النوعي بذلك لا الحالة الفرديّة، وبهذا يفكّ الذرائعيّون عادةً موضوع فقه الذريعة عن إحالته للإفراد، بل يربطونه بالتقدير الكلّي ليُصدر الفقيهُ فتواه الكليّة الشاملة على أساسه، لا فتواه التعليقيّة التي تضع معيار الأمور بيد الفرد والشخص عينه في حالته الفرديّة الجزئيّة، فالمعيار نوعي موضوعي وليس فرديّاً شخصيّاً، ولهذا لو أدرك الفرد أنّ حديثه مع المرأة لا يوقعه في أيّ حرام مطلقاً، لكنّ محادثة الرجال للنساء نوعاً تفضي إلى الحرام بنسبة عالية جداً يحرم عليه الحديث ولا يجوز وفقاً للاجتهاد الذرائعي؛ لأنّ مجتهد الذريعة لو أحال الأمر إلى الأفراد لما استطاع تحقيق الغاية المنشودة ولبطل منطق اعتبار المآلات عنده، وهذا معنى ما يقوله الشاطبي من أنّ قاعدة مجاري العادات هي التي تحدّد نوعيّة العلاقة بين الأسباب والمسبّبات في الشرع([14])، فالشرع لا ينظر لعلاقة السببيّة بمعناها الفلسفي فيحرّم خصوص ما يوصل حقيقة من الفعل للحرام، بل يفهمها بمعناها العرفي، فيحرّم ما يوصل للحرام غالباً ولو لم يوصل إليه دائماً؛ لأنّ ما يوصل للحرام غالباً هو سبب عرفيّ وعاديٌّ للحرام.

فهذه الذهنيّة كلّها لا ربط لها بباب المقدّمة، الذي يُدرس في موضعه من أصول الفقه، بل هي ذهنيّة قانونية إبداعيّة رائعة، بصرف النظر عن إمكان استنباط الأحكام الشرعيّة منها.

ويمكن صياغة موضوع الذريعة بحيث نقول: إنّ الفعل الذي يؤدّي تجويزه إلى وقوع الحرام نوعاً (أي كثيراً أو غالباً) من مكلّفٍ لا بعينه، يكون حراماً، والفعل الذي يؤدّي الى تحقّق الواجب نوعاً، بحيث يتهدّد التحقّق النوعي للواجب من دونه، يكون واجباً، فهذا الفهم للذريعة قريب من المقدّمة لكن بملاحظة النوع لا بملاحظة الفرد، وبهذا نعرف أنّ بحث الذرائع ليس مطابقاً لبحث المقدّمة، بل هو يحمل ذهنيّة مختلفة عنه وإن كان يمكن لأصول الفقه الإسلامي أن يضع عنوان أصول فقه الذرائع ليكون أعمّ من قاعدة سدّ الذرائع وفتحها، وقاعدة المقدّمة معاً، أو يطلق عنوان المقدّمة ويقصد منها الأعمّ من المقدّمة بالمعنى الأخص والمقدّمة بالمعنى الأكثري أو الكثيري النوعي.

ب ـ ثلاثيّة «سدّ الذرائع، الحيل، قانون تبعيّة الأحكام للأسماء»

إنّ فهم سدّ الذرائع يحتاج لفهم ما يقع على مقربة منه وما يقع على النقيض منه، وكما التبس الأمر في مقدّمة الواجب والحرام، فظُنّ أنّها عين بحث الذريعة، كذلك الحال في قضيّة الحيل وقانون التبعيّة، حيث إنّ الحديث عن مناقضة منهج الحيل الشرعيّة لمنهج سدّ الذرائع يعني نهاية عصر الحيل الشرعيّة والتخريجات الفقهيّة، ولهذا عبّر القاضي الشيخ منّاع القطّان (1999م)، بقوله: «وهو أصلٌ مناقضٌ للحيل تمام المناقضة»([15]).

ومن الواضح أنّ الحيل الشرعيّة أو «المخارج من المضايق» (أو ما يسمّيه بعض المعاصرين بالاتجاه الصوري والظاهري، المقابل لما أسماه: اتجاه الحقائق([16])) التي تسعى بتحليل ما هو محرّم في الأصل مثل الحيل الربويّة، والتحايل على الزكاة والخمس بتمليك الآخرين المال قبل حلول الحول ثم أخذه منهم بعد ذلك، تناقض بشكل صريح ذهنيّة سدّ الذرائع؛ لأنّ القائل بالذرائع يعتبر الأولويّة للنتائج والمآلات، ولا يرى للوسائل والطرق أولويّةً، فاستغلال الطرق لنقض المقاصد والمآلات مرفوض عنده، بينما القائل بالحيل الشرعيّة يعتبر أنّ الطرق والأساليب يمكنها أن تغيّر الموقف الشرعي حتى لو كانت النتائج واحدةً بالمنظور العقلائي والعرفي والعقلاني، ومن الطبيعي أن لا يلتقي هذان النوعان من التفكير.

ومن هنا وجدنا أنصار التفكير الذرائعي يشنّون أعنف الحملات على منظومة الحيل الشرعيّة، فقد ذكر ابن قدامة المقدسي الحنبلي (620هـ) ما نصّه: «لا يحلّ الاحتيال لإسقاط الشفعة، وإن فعل لم تسقط، قال أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد، وقد سألته عن الحيلة في إبطال الشفعة، فقال: لا يجوز شيء من الحيل في ذلك، ولا في إبطال حقّ مسلم.. وقال عبد الله بن عمر: من يخدع الله يخدعه، وقال أيوب السختياني: إنّهم ليخادعون الله ما يخادعون صبيّاً لو كانوا يأتون الأمر على وجهه كان أسهل عليّ.. وقال أصحاب الرأي والشافعي: يجوز ذلك كلّه، وتسقط به الشفعة.. واستدلّ أصحابنا.. ولأنّ الله تعالى ذمّ المخادعين له بقوله: (يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون) والحيل مخادعة، وقد مسخ الله تعالى الذين اعتدوا في السبت قردةً بحيلتهم.. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تحلّ الخديعة لمسلم..»([17]).

بل إنّ ابن تيمية الحنبلي في كتابه «إقامة الدليل على إبطال التحليل»([18])، والمدرَج أيضاً في فتاواه الكبرى، يعقد دراسةً مطوّلة جداً لموضوع الحيل الشرعيّة تقارب الثلاثمائة صفحة، ويشنّ واحدةً من أعنف الانتقادات على منهج التحليل ومنهج الحيل، ويقول ضمن مباحثه: «واعلم أنّ تجويزَ الحيل يناقض سدَّ الذرائع مناقضةً ظاهرة؛ فإنّ الشارع سدّ الطريق إلى ذلك المحرّم بكلّ طريق، والمحتالُ يريد أن يتوسّل إليه..»([19]).

وبهذا يتبيّن أنّ هذا النوع من الحيل الشرعيّة يناقض في هويّته الاجتهادَ الذرائعي.

بل إنّ فقه الذرائع يتصادم بعض الشيء مع فقه تبعيّة الأحكام للأسماء أو تبعيّة الأحكام للعناوين؛ لأنّ جزءاً مهمّاً من التفكير الحيلي يرجع لهذا النوع من القواعد، فوضع عُلبةٍ من أعواد الثقاب مع الحنطة المتبادلة مفاضلةً بمثلها يرفع صورة البيع الربوي؛ لأنّه لم يعد هناك بيع للحنطة بمثلها مع فارق الوزن، بل هناك عنوانٌ آخر واسم آخر، وهو بيع الحنطة مع أعواد الثقاب بمثل الحنطة مع اختلاف الوزن، وهذا لا يسمّى بيعاً ربويّاً، فهناك نوعٌ من التلاقي بين القاعدة وفقه الحيل؛ ومن ثم فالقاعدة تصادم المنهج الذرائعي.

لكن يجب علينا هنا أن نتوقّف قليلاً، من حيث إنّه قد يلتبس الأمر في مساحة المناقضة بين القاعدة والحيل والذرائع، فالمناقضة قائمة لا شكّ في ذلك؛ لكنّ بعض أشكال الحيل، وكذلك بعض موارد قاعدة تبعيّة الأحكام للأسماء، لا تتصادم إطلاقاً مع قانون الذرائع، ويمكننا توضيح ذلك على الشكل الآتي:

1 ـ إنّ قاعدة تبعيّة الأحكام للأسماء، لا تُنتج بالضرورة مناقضةً لحكمٍ شرعي، بل هي في أكثر الأحيان تنسجم مع فهم الأحكام الشرعية وتطبيقها، فإذا استحالت عين النجاسة أو المتنجّس إلى طبيعةٍ ثانية مباينة للطبيعة الأولى حقيقةً، بل حتى عرفاً أحياناً، فإنّ قاعدة تبعيّة الأحكام للأسماء أو العناوين تجري بلا مناقضة مع المنهج الذرائعي، فهذه القاعدة في روحها الأصلية ليست سوى متابعة النصوص في العناوين التي وضعتها في أحكامها، وفي أغلب الموارد لا تُناقض هذه القاعدة منهج الذرائعيّين، وبهذا يتبيّن أنّ النسبة بين الطرفين هي المناقضة الجزئيّة لا التامّة.

2 ـ إنّ مفهوم الحيل يكتسب معنى إضافيّاً في بعض كتابات أصول الفقه السنّي([20])، وهذا المعنى الثاني أو هذا المجال التداولي الثاني لا يناقض قاعدة الذريعة، وذلك أنّ التحايل لإحقاق حقّ أو إقامة واجب من دون استخدام ما فيه الحرام هو من التحايل المقبول، وقد مثلوا لذلك بالنطق بكلمة الكفر دون قصد معناها لأجل دفع الأذى عن النفس أو المؤمنين، أو قيام القاضي بالمطالبة بسكّين لقتل الولد المتنازع عليه بين المرأتين في قصّة داود، أو ممارسة التورية في موارد المصلحة، وغير ذلك من الأمثلة التي يجمعها التحايل لرفع ظلم أو دفعه أو لإحقاق حقّ وما أشبه ذلك.

إنّ هذا المعنى للحيل الشرعيّة مقبول ولا يناقض قاعدة سدّ الذرائع بل هو مكمّل لها؛ لأنّه استخدام للطرق المتنوّعة بهدف الوصول إلى نتائج صادقة ومطلوبة، فهو إذن تحايل ذرائعي.

نعم، مصطلح الحيل الشرعية ينصرف عادةً إلى تلك النماذج المناقضة لمناهج الذرائعيّين، لكنّ المفردة وبعض الاستخدامات الأخرى ليست كذلك بالضرورة.

3 ـ إنّ بحث الذارئع لا يختصّ بفضاء بحث الحيل؛ لأنّ فضاء بحث الحيل يتبع الذريعة المتضمّنة للنيّة والقصد، بينما بحث الذارئع أوسع من ذلك؛ لأنّه يبحث في حكم الذريعة نفسها بصرف النظر عن نيّة فاعلها الوصول إلى المقصد أو خرق المقصد.

ج ـ بين الذرائعيّة وقانون التزاحم

ثمّة صلة وثيقة بين التفكير الذرائعي وبين قاعدة التزاحم وتقديم الأهم على المهم؛ لأنّ التفكير الذرائعي يسعى لكي يخلع صفة الحكم الذي في النتيجة على الوسائل، من خلال إجراء نوع من التزاحم بين مصالح الاثنين، ولهذا فهو يقوم بتقديم حكم ما مصلحته أقوى أو مفسدته أقوى، حتى أنّ بعض الباحثين المعاصرين([21]) أدرج سدّ الذرائع ضمن قواعد الموازنة بين المصالح والمفاسد.

وممّا يجلي هذه العلاقة بين الذرائع والتزاحم، ما ذكره ابن قيّم الجوزية (751هـ) الذي استفاض في البحث عن قضية الذرائع والحيل في مئات الصفحات، فقد قسّم الوسائل إلى أربعة أقسام:

1 ـ الوسائل الموضوعة للإفضاء إلى الفساد، بحيث تكون طبيعتها ذلك، والمتوقّع منها ذلك، مثل شرب المسكر المفضي إلى مفسدة السكر، والزنا المفضي إلى اختلاط الفراش، فهذه الوسائل ليس لها ظاهر غير هذا.

2 ـ الوسائل الموضوعة للمباح، لكنّ فاعل الوسيلة يقوم بفعلها بغرض الوصول إلى الحرام والمفسدة، من نوع من يقوم بفعل عقد التحليل، فإنّ العقد بنفسه مباحٌ، لكنّ الفاعل يفعله بغرض تحقّق التحليل، وهذا مرفوض.

3 ـ الوسائل الموضوعة للمباح ولم يقصد من فعلها المفسدة، لكنّها تفضي غالباً إليها وتكون مفسدتها نتيجة ذلك أقوى من مصلحتها، ومثاله مسبّة آلهة المشركين بين ظهرانيهم.

4 ـ الوسائل الموضوعة للمباح ولم يقصد بفعلها المفسدة لكنّها قد تُفضي إليها، وتكون مصلحتها أقوى من مفسدتها، ومثاله كلمة الحقّ عند سلطانٍ جائر([22]).

هذا التقسيم الرباعي الذي يطرحه ابن قيّم الجوزية يظهر فيه قانون التزاحم واضحاً، فغلبة المفسدة على المصلحة أو العكس نتيجة العلاقة بين الوسيلة والنتيجة ليس سوى تعبير آخر عن التفكير في تزاحم الملاكات والأحكام؛ ولهذا يعتبر بعضهم أنّ فكرة الذرائع ليست سوى تطبيق لمفهوم التزاحم بشكل عامّ.

بل يظهر جليّاً من خلال هذه المقاربة للموضوع أنّ الذرائعيّة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بقاعدة درء المفسدة أولى من جلب المصلحة، فالتفكير الذرائعي الذي يركّز نظره عادةً على سدّ الذرائع أكثر من تداول فتح الذرائع ـ كما سيأتي الحديث عن ذلك ـ يقوم بتقديم المفسدة التي في النتيجة على المصلحة التي في الوسيلة، وبهذا فهو من الناحية العمليّة يطبّق درء المفسدة على جلب المصلحة، وهي القاعدة التي سوف يأتي الحديث عنها لاحقاً إن شاء الله تعالى.

لكنّ التأمّل جيداً في المنهج الذرائعي وقانون التزاحم يفرض علينا تفكيك الموقف؛ وذلك أنّ التزاحم يمكن تصوّره هنا على أنواع، يلتقي الثاني والثالث منهما في فضاء متقارب:

1 ـ التزاحم الامتثالي، وهو وجود حكمين شرعيّين لا تنافي بينهما في ذاتهما، ولا في ملاكاتهما، لكنّ المكلّف لا يتمكّن من امتثال الحكمين والوفاء بمقتضياتهما معاً على أرض الواقع ومن الناحيّة العمليّة، مثل الصلاة قائماً وإنقاذ الغريق. وهذا ما يُسمّى بالتنافي في مرحلة الفعليّة لا في مقام الجعل.

2 ـ التزاحم الملاكي، وهو كون الحكمين متنافيين في مقام الجعل نتيجة وحدة موضوعهما كوجوب الصلاة وحرمة التصرّف في المغصوب في مسألة اجتماع الأمر والنهي، وفقاً لبعض الاتجاهات في هذه المسألة.

فالتزاحم الامتثالي من شؤون المكلّف ومقام التنفيذ، بينما التزاحم الملاكي من شؤون المشرّع ومقام إصدار الأحكام، ولهذا يعتبر بعضهم أنّ مرجع التزاحم الملاكي إلى التعارض.

3 ـ التزاحم الحفظي، وهو وقوع التزاحم بين ملاكات أحكام منصبّة على موضوعات مختلفة، فهو مختلف عن النوعين السابقين، أمّا اختلافه عن الأوّل فواضح؛ لأنّه من شؤون الملاكات وعلاقاتها فيما بينها، دون الامتثال، وأمّا عن الثاني، فرغم اشتراكه معه في كليّة الفضاء الملاكي، لكنّه مختلف عنه بتعدّد موضوع الأحكام بحيث لا يلزم من التداخل أي تضادّ أو نحوه.

إذا لاحظنا هذه الأنواع الثلاثة، لابدّ لنا من فهم طبيعة التزاحم الموجود في باب سدّ الذرائع، وفقاً لفهم الذرائعيّين لنظريّتهم، إذ عادةً ما تجري قاعدة سدّ الذرائع في مجال تزاحم الامتثال في غير الترابط الذاتي بين النتيجة والوسيلة.

فلو كانت النتيجة مرتبطة بالوسيلة قهراً ودائماً بحيث لا ينفكّان في مقام التحقّق الخارجي بعنوانيهما، فمن الواضح هنا أنّ التزاحم من نوع التزاحم الملاكي؛ لأنّ المولى وهو يشرّع الرخصة في الوسيلة يجد تنافياً مع تشريع التحريم في النتيجة؛ إذ الملاك في الوسيلة ينادي على الإباحة والملاك في النتيجة ينادي على التحريم، فلن يتسنّى التوفيق في الجعل بين التحريم والتحليل، فيكون الموقف أقرب إلى التزاحم الملاكي ولو بالمعنى العام؛ لأنّ الفعل لا يمكن فصله عن نتيجته ومن ثم فهما وحدة واحدة.

أمّا لو كانت العلاقة بين الوسيلة والنتيجة هي علاقة غالبية أو أكثريّة أو كثيرة أو نحو ذلك، فإنّ التزاحم هنا لا يعقل تصوّره ملاكيّاً أو حفظيّاً، بل هو تزاحم امتثالي، بمعنى أنّ امتثال الإباحة في الوسيلة المقتضية لبقاء العبد مطلق العنان تتزاحم في مقام العمل والتحقّق الخارجي مع التحريم القابع في النتيجة في الموارد التي تكون الوسيلة فيها مفضيةً إلى النتيجة خارجاً.

لكنّ السؤال هنا هو أنّه هل يعقل التزاحم بين الإلزام والترخيص؟

هذا السؤال تحدّث عنه الأصوليّون في مسألة التزاحم بين المستحبّات، إذ قالوا بأنّ إطلاق أدلّة المستحبات لا مانع من شموله لحال التزاحم فيما بينها؛ إذ لا يلزم منه التكليف بغير المقدور بعد فرض أنّ المستحبّ يمكن تركه على أيّ حال، فإذا كانت الحال في المستحبّات كذلك فهي في المباح بطريق أولى، فكيف يقع التزاحم بين المباح والحرام؟!

لكنّ تصوير التزاحم الامتثالي بين المباح والحرام متوقّفٌ على فرض أنّ امتثال المباح ـ بمعنى تحقّق المباح خارجاً ـ ليس هو تحقّق أحد طرفيه، بل هو تحقّق حالة إطلاق العنان القائمة في الفعل المباح والتي تمكّن المكلّف من القيام به أو تركه، فإنّ هذه الحالة سوف تنعدم بجعل الوسيلة محرّمةً بالذرائعيّة، وهذا نوعٌ من تضارب الامتثال، لا لأنّ ترك الوسيلة بنفسه منافٍ لإباحتها، بل لأنّ منع الوسيلة منافٍ لإطلاق العنان فيها.

إلا أنّ هذا الكلام متوقّف على تصوّر أنّ إباحة الوسيلة هي إباحة اقتضائيّة، بمعنى أنّ المولى رأى صلاحاً ومصلحةً في كون العبد مطلق العنان ولم تنشأ هذه الإباحة من مجرّد عدم وجود مبرّر للإلزام لا غير، وهذا يعني أنّ الإباحة غير الاقتضائيّة لا تزاحم الإلزام مطلقاً، بل هو واردٌ عليها بمفهوم الورود عند الأصوليّين، فلا معنى لفرض أنّ سدّ الذرائع من تجلّيات قانون التزاحم في هذه الحال؛ إذ لا تزاحم هنا لا ملاكاً ولا امتثالاً، فامتثال المباح غير الاقتضائي ليس هو تحقّق حالة إطلاق العنان ومطلوبيّتها، بل مجرّد عدم وجود مقتضٍ للإلزام، فإذا جاء دليل سدّ الذرائع ارتفع موضوع الإباحة هنا، لا أنّه وقع التزاحم.

نعم لو كانت الوسيلة مستحبة أو واجبة، ووقعت وسيلةً للحرام ـ وهذا مجرّد فرض ـ أمكن القول بجريان التزاحم هنا لو كان لا يتسنّى الجمع بينهما.

بل إنّ التفحّص في مناهج الذرائعيّين ومبرّراتهم الاجتهاديّة يؤكّد لنا أنّ طبيعة دليلهم لا يقبل التزاحم الامتثالي، بل هو الاستقراء، فيُفهم حرمة الفعل بتحريم النتيجة بوصفه قانوناً نكتشف عبره تحريم المولى للوسيلة من خلال اكتشافنا لتحريمه للفعل، فلو كان هناك تزاحم فهو تزاحم في الملاكات ومن شؤون المولى، لا أنّه قاعدة يقوم الذرائعيّ بتطبيقها في مقام الامتثال، فالذرائعي يمارس استدلالاً كليّاً في الشريعة يسقطه على الحالة التي هو فيها، سواء صدق عليها عنوان التزاحم أم لا، فجهة نظره مختلفة، أو بعبارة ثانية: الذرائعي يكتشف من خلال الأدلّة اللفظية والاستقرائية والعقلية أنّ المولى يحرّم الوسيلة بتحريم النتيجة المقارنة لها غالباً، ولو كان تحريم المولى لها ناتجاً عن إعماله بنفسه قانون التزاحم بين الملاكات.

وبهذا نستنتج أنّ قانون سدّ الذرائع على صلة بفكرة التزاحم بشكلها المطلق، لكنّه ليس مطابقاً لها أو استجابة لها، ولهذا حتى لو أبطل شخص قاعدة التزاحم مطلقاً، لكنّه يمكنه أن يستنبط حرمة الوسيلة المفضية غالباً إلى نتيجة محرّمة، استناداً لدليل الاستقراء ونحوه.

نعم، يمكن للذرائعي تخريج قانونه عبر نظريّة التزاحم الامتثالي، بحيث تكون هذه النظريّة أحد أدلّته، كما سيأتي، فيقول:

أ ـ إنّ الأحكام الشرعيّة منظورة بملاحظة تحقّقها الاجتماعي لا الفردي.

ب ـ وتحقّق اجتناب الحرام مجتمعيّاً غير قابل للوقوع إلا عبر حظر المباحات التي تمثل وسائل له؛ لأنّ الأمر لا يمكن التوفيق فيه عملاً على المستوى الاجتماعي، خاصّة مع مفهوم السببية العرفية مقابل السببيّة الفلسفية وفق ما نقلناه آنفاً عن الشاطبي.

ج ـ فنستخدم قانون التزاحم لكي نثبت حرمة الوسيلة، بناء على معقوليّة التزاحم بين الحرام والمباح، بل لو تصوّرنا الوسائل مستحبّات في بعض الموارد صار الأمر أظهر.

فإذا كان دليل الفقه الذرائعي هو هذا الدليل فقط، صارت الذرائعيّة مجرّد شكلٍ من أشكال تطبيق قاعدة التزاحم.

د ـ بين الاجتهاد الذرائعي المالكي والاجتهاد الوسائلي الشافعي

أعتقد بأنّ هذه النقطة باتت واضحة، حيث يذهب بعض الباحثين إلى أنّ ما يسمّيه الشافعيّة بقاعدة تحريم الوسائل، ليس سوى شكل من أشكال الفقه الذرائعي عند المالكيّة، وهو تلك الوسائل التي تُفضي دائماً إلى الحرام([23])، وهو ما اعتبره القرافي ـ فيما نقلناه عنه آنفاً ـ مجمعاً على تحريمه بين المسلمين، فحتى لا تلتبس المفردات فإنّ الذرائعيّة المالكيّة أوسع من الوسائليّة بمفهومها الشافعي؛ لأنّ الذرائعيّة تشمل العلاقة الغالبة والكثيرة بين المقدّمات والنتائج، بينما الوسائليّة الشافعيّة تختصّ بالعلاقات الدائمة أو شبه الدائمة بين النتائج والمقدّمات، ولهذا قال القرافي: «إنّا قلنا بسدّ الذرائع أكثر من غيرنا، لا أنّها خاصّة بنا»([24]).

وبهذا نفهم بشكل واضح كيف أنّ الشافعيّة الرافضة لقانون سدّ الذرائع تقبل بقانون تحريم الوسائل؛ لأنّ الاستلزام القائم بين الوسيلة والنتيجة في الوسائل، لا يبرّر قانون الذرائع بمفهومه العام، وهذا يعني أنّه لو أدخلنا بحث المقدّمة وكذلك بحث العلاقات الاستلزامية بين الشيء ونتائجه في موضوع الذرائع ووسّعنا مفهوم الاجتهاد الذرائعي فسيكون الشافعيّة ـ بل بعض الإماميّة ـ من القائلين بفقه الذرائع، بينما لو جعلنا العلامة الفارقة للفقه الذرائعي أنّه ينطلق من كثرة المقارنة بين المقدّمة والنتيجة، ليحكُم على المقدّمة بحكم النتيجة، فإنّ الوسائليّة الشافعية وكذا المقدّمية الإماميّة ستكون مباينةً للفقه الذرائعي.

يقول الإمام الشافعي: «وما وصفت من حكم الله، ثم حكم رسوله صلّى الله عليه وسلّم في المتلاعنين أن جاءت به المتلاعنة على النعت المكروه يبطل حكم الدلالة التي هي أقوى من الذرائع، فإذا أبطل الأقوى من الدلائل أبطل له الأضعف من الذرائع كلّها..»([25]).

لكنّ الزركشي ينقل عن القرطبيّ، فيقول: «وقال القرطبي: وسدّ الذرائع ذهب إليه مالك وأصحابه، وخالفه أكثر الناس تأصيلاً، وعملوا عليه في أكثر فروعهم تفصيلاً، ثم حرّر موضع الخلاف فقال: اعلم أنّ ما يفضي إلى الوقوع في المحظور إما أن يلزم منه الوقوع قطعاً أو لا، والأوّل ليس من هذا الباب، بل من باب ما لا خلاص من الحرام إلا باجتنابه ففعله حرام من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، والذي لا يلزم إمّا أن يفضي إلى المحظور غالبا أو ينفك عنه غالباً أو يتساوى الأمران، وهو المسمّى بالذرائع عندنا، فالأوّل لابدّ من مراعاته، والثاني والثالث اختلف الأصحاب فيه، فمنهم من يراعيه، ومنهم من لا يراعيه، وربما يسمّيه التهمة البعيدة والذرائع الضعيفة»([26]).

وأعتقد أنّ المعركة في هذه الحال ستكون مجرّد ألفاظ ومصطلحات، وستؤكّد لنا أنّ مركز النقاش في الاجتهاد الذرائعي هو في النوع غير الاستلزامي من العلاقة وفي النوع الذي هو خارج عن مفهوم المقدّمة، وبهذا يتأكّد لنا أكثر أنّ بحث الذرائع ليس هو بحث المقدّمة في أصول الفقه كما قلنا من قبل.

وقد حاول الدكتور حسين حامد حسّان أن يدافع عن فرضيّة أخذ الشافعي والشافعيّة بسدّ الذرائع، واستشهد بنصوص عدّة بعضها للشافعي نفسه كقوله: «وإذا قال رسول الله‘: من منع فضل الماء ليمنع به الكلأ منعه الله فضل رحمته، ففي هذا دلالة إذا كان الكلأ شيئاً من رحمة الله أنّ رحمة الله رزقه خلقه عامّة للمسلمين وليس لواحد منهم أن يمنعها من أحد، إلا بمعنى ما وصفنا من السنّة والأثر الذي في معنى السنّة، وفي منع الماء ليمنع به الكلأ الذي هو من رحمة الله عام يحتمل معنيين أحدهما أنّ ما كان ذريعة إلى منع ما أحل الله لم يحل وكذلك ما كان ذريعة إلى إحلال ما حرم الله تعالى (قال الشافعي) فإن كان هذا هكذا ففي هذا ما يثبت أنّ الذرائع إلى الحلال والحرام تشبه معاني الحلال والحرام»([27])، وقد فصّل الدكتور حسّان كثيراً في هذا الموضوع، فليراجع([28]).

هذا، وليس كتابنا هذا معقوداً على أساس التتبّع التاريخي، وتحقيق الآراء ونسبتها، حيث تجنّبنا ذلك، فهذا له مجال آخر، لكنّ المنتصرين للقول بالإجماع على الذرائع، وكون الاختلاف فيها بين المسلمين ليس سوى في حدودها، تحدّثوا عن نماذج لقواعد أصوليّة وفقهيّة في المذهب الشافعي تعكس الذهنية الذرائعيّة فيه، من نوع قانون الاحتياط، وقاعدة من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه، وقاعدة ما حرُم استعماله حرم اتخاذه، وقاعدة اعتبار التّهمة، وغير ذلك([29]).

هـ ـ بين الاجتهاد الذرائعي وقاعدة الإعانة على الاثم

ثمّة بحث في الفقه الإسلامي حول الإعانة على الإثم، وقد انقسم الفقهاء في حكم الإعانة ومعناها وحدودها، ولهم في ذلك بحوث مطوّلة معروفة، وقد ذكر بعضهم أنّ سدّ الذرائع كأنّ أصحابه أرادوا به بحث الإعانة على الإثم([30]).

ويبدو لي أنّ الذي دفع إلى الخلط والدمج بين الموضوعين هو بعض الأمثلة والعيّنات التي ـ كما سبق وأشرنا ـ تربط بين سلوك الفرد بوصفه وسيلة وسلوك الآخرين بوصفه نتيجة، فإذا كان سلوك الآخرين محرّماً فيكون محرّماً، وهذا ليس إلا نوع من الإعانة على الإثم مثلاً.

وبصرف النظر عن صدق عنوان الإعانة على الإثم في هذه الأمثلة، فإنّ قانون سدّ الذرائع ليس هو قاعدة الإعانة، إذ يجري هذا القانون في أفعال العبد نفسه، وليس فقط في ارتباط أفعاله بأفعال الآخرين، فلو كان حضوره في أماكن اختلاط الرجال بالنساء موجباً لافتتانه غالباً كان الحضور عليه حراماً سدّاً للذرائع، مع أنّه لاربط للآخرين هنا حتى نتحدّث عن قانون الإعانة على الإثم.

كما أنّ منهجيّة الاستدلال في بحث الإعانة وبحث الذرائع مختلفة تماماً، كما سوف يتضح ذلك في عرض الأدلّة وتحليلها، وهو ما يؤثر على المساحة التطبيقيّة للقاعدتين.

وبهذا يظهر أنّ محاولة الشاطبي الاستدلال على روح الذرائعيّة بقاعدة حرمة الإعانة على الإثم([31])، لا تثبت النتيجة التي أرادها كاملةً.

و ـ بين الاجتهاد الذرائعي والاجتهاد المقاصدي

ينتمي التفكير الذرائعي للتفكير المقاصدي بشكل واضح في تقديري الشخصي؛ حتى اعتبر الدكتور نور الدين الخادمي وغيره أنّ الذرائعيّة بنفسها مقصدٌ من مقاصد الشريعة([32])، فالذرائعي في مجال عمله هو إنسانٌ مقاصدي بامتياز، إنّه يفكّر بالمآلات والنتائج والغايات، أكثر ممّا يولي الطرق والوسائل والسبل أهميّةً وأولويّة، ويهتمّ لتحقيق المصالح ودفع المفاسد عبر وضع خطّة وقائيّة تحول دون وقوع المفسدة أو خطّة تسهيل تساهم في تحقيق المصلحة المقصودة للشارع، وهذا كلّه سمة التفكير المقاصدي عامّة، وبهذا تكون الذرائعيّة شكلاً من أشكال تطبيق النزعة المقاصديّة، وربما يمكنني اعتبارها من البذور الأولى للتفكير المقاصدي.

لكنّ ذلك لا يعني أنّ الاجتهاد المقاصدي هو بعينه الفقه الذرائعي؛ لأنّ الفقيه الذرائعي يريد استنباط حكم الشيء فيما لا نصّ فيه من خلال مآلاته، بينما الفقيه المقاصدي لا يقف عند هذا الحدّ، بل هو يستخدم المنهج المقاصدي فيما فيه نصّ وما ليس فيه نصّ؛ ففهم النصوص عنده قائم على المقاصديّة أيضاً، وليس يهدف مجرّد الوصول إلى حكم ما لا نصّ فيه عبر التفكير المقاصدي.

وقد لا ندرك بدقّة ـ بمراجعة كتاب الفروق للقرافي ـ التمييز الذي وضعه بين قاعدة الذرائع وقاعدة المقاصد، فالفرق الثامن والخمسون خصّه للتمييز بينهما، لكنّه يكاد لا يشير لطبيعة الفرق فيهما، أو فلنقل: لم تكن إشارته واضحة، فكيف نميّز بين قاعدة الذرائع وقاعدة المقاصد؟!

يبدو لي من القرافي([33]) أنّ قاعدة الذرائع تتمكّن من إنشاء حكم شرعي في الوسيلة والذريعة بنفسها، بينما قاعدة المقاصد تكشف عن نوعيّة الحكم الثابت هنا أو هناك من حيث كونه مقصداً أو وسيلة بما يرتّب أثراً على بقاء الحكم أو زواله نتيجة تبعيّته للمقصد، فالمقاصديّة هنا اكتشاف لنوعيّة الحكم الثابت من قبل، وترتيب نتائج على عمليّة الاكتشاف هذه من حيث تبعيّة الحكم لحكم المقصد، ولهذا تحدّث القرافي عن مسألة من لا شعر له، بينما في الذرائعيّة المفترض أنّ الذريعة محكومة بالإباحة، ونريد نحن بقاعدة الذرائع أن نُثبت لها الوجوب أو الحرمة فتحاً أو سدّاً.

هل ثمّة بدائل عن الذرائعيّة في الاجتهاد الإمامي؟

لا يتداول أصول الفقه الإمامي نظريّة سدّ الذرائع إلا نادراً بمناسبة مناقشة بعض أفكار فقهاء أهل السنّة، بل بعض الكتب القديمة الأصوليّة عند الشيعة، كالكتب التي صنّفت إلى حدود القرن العاشر الهجري، والتي عادةً ما تتحدّث ـ ولو باختصار ـ عن بعض قواعد أصول الفقه السنّي، وجدنا عندها هجراناً لموضوع سدّ الذرائع، أو إشارات بالغة القلّة.

بيد أنّ الشهيد الأوّل (786هـ) ذكر في القاعدة 174 من كتاب القواعد والفوائد: «إنّ متعلّقات الأحكام قسمان: مقاصد بالذات، وهي المتضمّنة للمصالح والمفاسد في أنفسها. ووسائل، وهي الطرق المفضية إليها، وحكمها في الأحكام الخمسة حكم المقاصد. وتتفاوت في الفضائل بحسب المقاصد، فالوسيلة إلى الأفضل، أفضل الوسائل، وإلى أقبح المقاصد، أقبح الوسائل. وقد مدح الله تعالى على الوسائل، كما مدح على المقاصد.. ثم الوسائل على ثلاثة أقسام.. (وذكر تقسيم القرافي المتقدّم لما اتفقت الأمّة على قبوله، وما اتفقت على عدم قبوله، وما اختلفوا فيه، ثم قال:).. وألحق به بعض العامّة مسائل كثيرة جداً تبلغ الألف، ويسمّونها سدَّ الذرائع»([34]).

وفي القاعدة الثلاثين يقول: «متعلّقات الأحكام قسمان: أحدهما ما هو مقصود بالذات، وهو المتضمّن للمصالح والمفاسد في نفسه. والثاني ما هو وسيلة وطريق إلى المصلحة والمفسدة. وحكم الوسائل في الأحكام الخمسة حكم المقاصد، وتتفاوت في الفضائل بحسب المقاصد، فكلّما كان أفضل كانت الوسيلة إليه أفضل..»([35]).

وفي القاعدة السابعة قال: «الوسائل خمس: أحدها: أسباب تفيد الملك.. الوسيلة الرابعة: ما هو وصلة إلى حفظ المقاصد الخمسة، وهي: النفس، والدين، والعقل، والنسب، والمال، التي لم يأت تشريعٌ إلا بحفظها، وهي الضروريات الخمس، فحفظ النفس بالقصاص، أو الدية، أو الدفاع. وحفظ الدين بالجهاد، وقتل المرتدّ. وحفظ العقل بتحريم المسكرات والحدّ عليها. وحفظ النسب بتحريم الزنا، وإتيان الذكران، والبهائم، وتحريم القذف والحدّ على ذلك. وحفظ المال بتحريم الغصب، والسرقة، والخيانة، وقطع الطريق والحدّ والتعزير عليها. الوسيلة الخامسة: ما كان مقوّياً لجلب المصلحة ودفع المفسدة، وهو القضاء والدعاوى والبينات.. وبهذه المقاصد والوسائل تنتظم كتب الفقه»([36]).

ونجد أنّ ابن أبي جمهور الأحسائي (ق 10هـ)، يقول في القطب الخامس من الأقطاب الفقهيّة: «متعلّق الحكم مقصدان: نفس المصلحة أو المفسدة في نفسه، ووسيلة هي الطريق المفضي إلى أحدهما، وحكمها حكمه في الأحكام الخمسة، ويتفاوت في الفضيلة بحسب تفاوت المقاصد فيها. ومنها ما منع منه إجماعاً كحفر الآبار في الطرق.. ومنها ما لم يمنع منه إجماعاً كغرس العنب.. ومنها ما اختلف فيه كبيع العنب على عامل الخمر.. وكلّ ما هو وسيلة إلى شيء متى عدم عدمت الوسيلة.. وقد تكون الوسيلة لحفظ المقاصد الخمسة، فالقصاص لحفظ النفس، والجهاد لحفظ الدين، وتحريم الزنا لحفظ النسب، وتحريم الغصب لحفظ المال، وتحريم المسكر لحفظ العقل..»([37]).

هذه النصوص شبه اليتيمة في التراث الإمامي ـ وروحها موجودة في التراث السنّي من قبل([38]) ـ تشي باقتراب الشهيد الأوّل من التفكير المقاصدي والوسائلي؛ لكنّها لا تستطيع إثبات انتمائه لنظريّة الذرائع، لكنّ عرضه تقسيم القرافي ـ دون أن يكون بصيغة النقل ـ وجعله النوع الأوّل مما اتفقت الأمّة على قبوله، يشي بأنّ التحريم الوسائلي عند الشافعيّة كأنّه مقبول لدى الشهيد الأوّل بل ربما أكثر من ذلك، وهو في النهاية ضرب من الذرائعيّة.

هذا المشهد الوسائلي نتفاجأ به مرّة أخرى في مقولة (سدّ الأبواب وفتحها/حماية الحمى)، ولعلّ أوّل من استخدم هذا المصطلح (حماية الحمى وسدّ الأبواب) في الوسط الإمامي، وهو مستخدم سابقاً عند أهل السنّة، هو الميرزا القمي (1232هـ) في مواضع من كتبه([39])، بل وجدناه يعبّر بقوله: «.. ولما كان أغلب أحكام الشرع من باب سدّ الأبواب وحماية الحمى..»([40]). إنّه يعتبر أنّ أغلب الأحكام شرّعت بقانون حماية الحمى! وهذا كلام ليس بالسهل أبداً، ويجعلنا نقترب كثيراً من محاولة ابن قيّم الجوزية في الجهد الاستقرائي الذي بذله.

وقد استُخدم هذا التعبيرُ بعد الميرزا القمي من قبل بعض العلماء([41])، حتى قال السيّد علي القزويني (1297هـ): «.. ولعلّه لقاعدة حماية الحمى المنصوص عليها في الروايات..»([42]).

ولعلّ من أواخر من رأينا عنده استخدام هذا المصطلح هو الشيخ ناصر مكارم الشيرازي([43])، حيث رأيناه في بحث العصير العنبي يطبّق هذا المفهوم، حيث يرى أنّ حكمة تحريم العصير المطبوخ هو عروض الإسكار على العصير وانقلابه خمراً «فحرّمه الشارع حمايةً للحمى»، كما ذكر في تعليقته على العروة. كما شرح الشيخ مكارم الشيرازي هذا الموضوع بإيجاز بالغ في تفسير الأمثل، حين اعتبر أنّ الشريعة حرّمت بعض الأمور لمجرّد الحذر من انزلاق الإنسان في الحرام، مثل النهي عن الجلوس في مجالس شرب الخمر، والنهي عن الاختلاء بالمرأة الأجنبية([44])، وكأنّ هذه الأشياء ليست حراماً في ذاتها أو في متعلّقاتها، لكن لأجل حرامٍ أصلي ـ وهو الزنا أو شرب الخمر ـ صارت حراماً في الشرع.

كما فَلْسَفَ الميرزا حبيب الله الرشتي (1312هـ) هذا الموضوع عند حديثه في علم الأصول عن العلّة في باب الأحكام، فذكر أنّنا إذا قلنا بأنّ حرمة الخمر معلّلة بالإسكار صارت النتيجة هي حرمة المسكر لا حرمة الخمر، بينما إذا قلنا: إنّ تشريع حرمة الخمر معلّل بالإسكار كان معنى ذلك أنّ شرب الخمر حرام ولو لم تسكر، ثم يقول: «ومقتضى الثاني اطّراد الحكم من غير ملاحظة عنوان العلّة، ولا مانع من تشريع الحكم العام المطّرد لنكتة غير مطّردة؛ إما لأجل حماية الحمى أو..»([45])، فهذا تحريم للشيء بأجمعه لكون الحرام في بعض مصاديقه فقط حماية للحمى.

أمّا شيخ الشريعة الإصفهاني، فقد تحدّث في بحث العصير عن مبدأ حماية الحمى، وهنا لابدّ لنا من توضيح سياق كلامه كي تتضح الفكرة أكثر، وذلك أنّه بعد الفراغ عن حرمة الخمر التي هي ـ في المقدار المتيقّن ـ العصير العنبي المتخمّر الذي لم يُطبخ من قبل الإنسان، والفراغ عن حرمة كلّ مسكر بما فيه العصير العنبي المطبوخ لو صار مسكراً، وقع البحث بين الفقهاء المسلمين في أنّ العصير العنبي المطبوخ إذا لم يُسكر، هل هو حرامٌ بنفسه أو لا؟

الذي يبدو من كلمات جمهور فقهاء الإماميّة أنّ العصير العنبي المطبوخ هو عنوانٌ تحريميٌّ إضافي قائم بنفسه، موجبٌ لتخصيص أدلّة الحِلّ العامة في الأطعمة والأشربة، فالدليل العام الدالّ من حيث المبدأ على حليّة الأطعمة والأشربة، يخصّصه دليلُ حرمة العصير العنبي المطبوخ ولو لم يُصبح مسكراً، كما تمّ تخصيصه بدليل حرمة شرب الخمر وبدليل حرمة أكل الميتة تماماً.

إلا أنّه ومنذ زمن الوحيد البهبهاني (1205هـ) تقريباً، بدأت تُطرح وجهات نظر أخرى، ولمنهجة البحث نعتمد فرضيات البحث الأساسيّة هنا، والتي قدّمها الفقهاء المتقدّمون والمتأخّرون، تمهيداً لتوضيح الأمر، وهي:

الفرضية الأولى: أن نفترض أنّ أدلّة تحريم العصير العنبي لا تقدِّم محرّماً إضافياً يفرض تقييد إطلاقات الحلّ وعموماته هنا، بلا فرقٍ بين العصير العنبي المغليّ بنفسه أو بالنار، والسبب في ذلك هو ادّعاء أنّ كلّ عصيرٍ عنبيّ مغليّ مطلقاً هو مسكر حقيقي، فيكون العصير العنبي المغلي من مصاديق المسكر الثابت تحريمه مسبقاً، وفاقاً لجمهور فقهاء المسلمين وخلافاً لبعض فقهاء الأحناف الذين خصّوا تحريم غير الخمر من المسكرات بخصوص حالة الإسكار منه، كما هو معروف.

الفرضية الثانية: أن نلتزم بأنّ مجرّد الطبخ في العصير لا يجعله مسكراً، خلافاً للفرضيّة الأولى التي اختارها الوحيد البهبهاني، لكن نقوم بادّعاء تقييد إطلاقات روايات العصير بخصوص حالة ما إذا عرض له الإسكار بعد الغليان، فهو الذي يقصد بالتحريم ويكون هو الحرام خاصّة، وحيث إنّ العصير العنبيّ المطبوخ غالباً ما لا يُستهلك بعد الغليان فوراً، بل يبقى، فإنّه في العادة يعرُضُه الإسكار؛ لأنّ المسكرية تسرع إلى العصير العنبي المطبوخ بعد طبخه، وبهذا تُفهم روايات العصير المطبوخ على أنّها بصدد إنشاء تحريمٍ واقعي خاصّ بحال عروض صفة الإسكار على العصير العنبي بعد طبخه، ولهذا لما ذهب ثلثاه جاز تناوله؛ لأنّ ذهاب الثلثين يُعدم إمكانية الإسكار؛ بصيرورته دبساً أو قريباً منه.

الفرضية الثالثة: وهي التي تُفهم من المشهور الإمامي وانتصر لها السيّد الخوئي، وهي حمل نصوص العصير المطبوخ على الموضوعيّة في العناوين، وبذلك تكون روايات الباب مقيّداً إضافيّاً لمطلقات الحلّ، وبهذا يكون السيد الخوئي موافقاً للمشهور الذي سبق الوحيد البهبهاني. وهذا ما اختاره السيّد الصدر احتياطاً.

وهذه الفرضيّة يتوقف إثباتها على أن لا تقوم قرائن أو شواهد على ربط العصير المطبوخ بشيء آخر.

الفرضيّة الرابعة: وهي عين الفرضية الثانية مع اختلاف، فهي ترى أنّ حرمة العصير العنبي المطبوخ مقيّدة بحال إسكاره، لكنّ ذلك ليس لأجل ما ذكر في الفرضيّة الثانية من وجود مقيّد لإطلاقات الحرمة في باب العصير العنبي، وأنّ هذا المقيد هو مفهوم خبر محمد بن الهيثم أو مفهوم الحصر في روايات تحريم الرسول للمسكر وما شابه ذلك، وإنّما لأجل أنّ نفس روايات الباب لا تشتمل على إطلاق يشمل حالة غير الإسكار فيه.

الفرضية الخامسة: وهي التي يظهر ميل شيخ الشريعة الإصفهاني إليها، وحاصلها أنّ طبخ العصير العنبي يؤدّي إلى أنّه بعد تحقّق الغليان وانتهائه، يصير العصير أسرع في لحوق صفة الإسكار له، فلو أنّك تركت العصير العنبي لوحده فإنّه يحتاج إلى مدّة كي يحصل فيه الاشتداد بالتدريج، لكنّك لو طبخته قليلاً، فإنّه سيعرضه الإسكار في مدة زمنية أقلّ، فربما تركتَه لفترة وجيزة لتجده قد صار مسكراً، ولا تستطيع أن تواجه هذه المشكلة إلا بطبخ العصير على الثلثين بحيث يبقى ثلثه؛ فإنّه في هذه الحال يصير دبساً وثقيلاً وكثيفاً ولا يعود مسكراً.

فالحكم الأصلي في المقام ـ وفقاً للفرضيّة الخامسة ـ هو حرمة العصير العنبي المطبوخ الذي عرضه الإسكار، أمّا حرمة العصير العنبي المطبوخ بعنوانه ولو من دون عروض الإسكار، فهي ظاهر الإطلاقات والإجماعات هنا، حيث رتبت الحكم على مطلق الغليان الذي لا يلازم الإسكار في نفسه، ولكي نفي لهذه الإطلاقات والإجماعات يلزم أن نحكم بحرمة العصير العنبي المطبوخ غير المسكر من باب التعبّد، ولعلّه حماية للحمى، وأن الأئمّة حرّموه حذراً من تورّط المكلّفين في شرب المسكر وهم لا ينتبهون؛ لأنّ المطبوخ يُسرع إليه الفساد والاشتداد فيُسكر؛ تماماً كتحريم النبيّ الانتباذ في بعض الأوعية، وإن ألغاه بعد ذلك([46]).

ويقول شيخ الشريعة بأنّه «كثيراً ما يقع النهي عن شيء حماية للحمى وحسماً لمادّة الفساد وخوفاً من الوقوع في الحرام من حيث لا يشعر، ومنه النهي عن الانتباذ في أوعية مخصوصة مرّت في المقالة التاسعة كالنقير والحنتم، خوفاً من طروّ الفساد والإسكار عليه، ولا يعلم به الشارب، فيقع في مفاسد شرب المسكر، بخلاف الانتباذ في الأسقية فإنها مع تسارع الفساد إليها كثيراً ما يعلم به الشارب، فإنها على ما يقال تنشقّ إذا اشتدّ فيها النبيذ، ومثل هذا في المكروهات كثير، بمعنى أنّ الأمور التي يخاف من ارتكابها الوقوع في الحرام من حيث لا يعلم ينهى عنه الشارع الحكيم بالنهي التنزيهي، ومنه النواهي الكثيرة عن الشبهات على ما تقرّر في محلّه، فلا يبعد أن يكون النهي الوارد عن شرب ماء الزبيب المطبوخ الذي لا يحدث فيه المسكر بمجرّده من جهة أنّ إباحته والترخيص فيه يؤدّي إلى حفظه وبقائه عنده، فيحدث فيه الإسكار، فيشربه صاحبه وهو لا يعلم، وهذه الحكمة يقتضي النهي التنزيهي عن شرب المطبوخ وإن لم يسكر، إلا ما علم بذهاب ثلثيه؛ فإنه يؤمن من طروّ الإسكار عليه بالبقاء..»([47]).

وبتحليل نظريّة شيخ الشريعة الإصفهاني، يظهر الآتي:

1 ـ إنّ العصير العنبي المطبوخ المُسكر حرام واقعاً؛ ويكون مصداقاً لحرمة مطلق المسكر، وليس تشريعاً جديداً.

2 ـ إنّ العصير العنبي المطبوخ قبل عروض الإسكار عليه حرامٌ تعبّداً، وقد يكون مبرّر الحرمة التعبدية هنا هو حماية الحمى، وهو ما نسمّيه نحنُ بالأحكام التحفظيّة، وهي الأحكام التي ينشؤها المعصوم لا لكونها حكماً واقعيّاً أصلياً في الشرع، بل للاحتياط لأحكامه الواقعيّة، حتى لا تنتهك بفتح مجال التهاون أو بكثرة وقوع المكلّفين فيها من حيث لا يشعرون.

والسؤال هنا هو: هل إذا ثبت ارتباط تحريم العصير المطبوخ بالإسكار يوجد معنى لحكم تعبدي في غير حالة الإسكار تحت عنوان حماية الحمى أو لا؟ وهل أصل معالجة الإصفهاني للموضوع بهذه الطريقة صحيحة وتسمح بالإفتاء بالحرمة المطلقة أو لا؟

هذا ما يقودنا لترك فكرة العصير العنبي التي هي مجرّد مثال مؤقّت هنا، لكي ندخل في أصل القاعدة التي انتبه إليها أمثالُ شيخِ الشريعة، وهي البحث في وجود تشريعات تحت عنوان حماية الحمى، فهل يوجد مثل هذا النوع من التشريعات؟ وما معناه؟ وما هي نتائجه وأسبابه معاً؟ وهل ستتخذ المنظومة التشريعيّة شكلاً آخر بإقحام هذا المفهوم بالغ الخطورة أو لا؟

إنّ هذا ما يستدعي تحليل هذا المفهوم، لكن قبل ذلك من المناسب أن نستعرض هذا المصطلح أو ما هو ذو صلة به في التراث الفقهي.

وإذا حلّلنا كلمات التراث الفقهي والأصولي هنا، وجدنا الآتي:

لا مانع أن تكون المصلحة والإرادة منصبتين على دائرة، لكنّ الحكم وضع على دائرة أوسع، حمايةً من الوقوع في دائرة الحرام الأصل، وهذا ما تحدّث عنه السيّد الصدر من أنّه في عالم الأحكام والتشريعات قد يختلف مصبّ الاعتبار عن مصبّ الإرادة، كما أنّ منه ما يطرحه الصدر والعراقي وغيرهما في الأصول ضمن مصطلح «توسيع دائرة المحركيّة» وما شابه ذلك([48])، في مباحث الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري، وكذلك مباحث البراءة والاحتياط، وكذا منجزيّة العلم الإجمالي.

وعليه، فمعنى قانون حماية الحمى هو وضع تشريعات حقيقيّة إلهية على مساحات محدّدة، لا بسبب وجود ملاك قائم بنفسه في هذه المساحات، بل بسبب خطورة الملاك المتاخم لهذه المساحات، أو في ضمنها، فالحكم الأصلي أضيق من الحكم الاعتباري.

2 ـ إنّ فكرة «حماية الحمى» أو «توسعة دائرة المحركيّة» قد تجري في مجالات ثلاثة:

المجال الأوّل: المجال الواقعي بنحو الإلزام، كما في تحريم الخلوة بالأجنبية ـ لو ثبت ـ تحريماً واقعياً إلزامياً؛ حماية من الوقوع في الزنا المحرّم.

المجال الثاني: المجال الواقعي بنحو الكراهة (أو مطلق غير الإلزام)، وهذا ما وجدناه عند شيخ الشريعة، وهو يعتبر أنّ الكثير من المكروهات التنزيهيّة ليست إلا لمصالح حماية محرّمات أخرى أو نحوها، والأمر يسري للمستحبّات أيضاً ولو لم يُشر إليها الإصفهاني، فإنّ نفس الخصوصيّة التي في الكراهة تأتي في بعض المستحبّات التي تساعد على تقريب المكلّف من أداء الواجبات.

المجال الثالث: المجال الظاهري، كما في حالة الإلزام بالاحتياط في أطراف العلم الإجمالي حمايةً من الوقوع في مخالفة الحكم الواقعي المتضمّن في الأطراف؛ ومنه أيضاً أصالة الاحتياط التي طرحها بعض الإخباريّين والتي استدلّوا لها بما ورد أيضاً في النصوص الحديثية من مبدأ حماية الحمى.

إنّ ما نريد أن نصل إليه هنا، هو أنّ نصوصاً من نوع نصوص الشهيد الأوّل ونصوص الميرزا القمي وشيخ الشريعة تجعلنا نقترب من فكرة الذرائع والوسائل، وإذا كان نصّ الشهيد الأوّل قريباً جداً، لكنّه ـ وبشكل أوضح نصّ قاعدة حماية الحمى ـ لا يعنيان شرعيّة الاجتهاد الذرائعي عند هذا الفريق من علماء الإماميّة، وذلك أنّ قاعدة الذرائع تسمح للفقيه بإصدار فتاوى تحريميّة لأمور مباحة، لا لشيء إلا لكون الترخيص في هذا المباح قد يُفضي جدّاً، فسدّ الذرائع أداةٌ بيد الفقيه لإصدار أحكام أو اكتشاف أحكام الله فيما لا نصّ فيه من الوسائل، بينما الذي شاهدناه في التجربة الإماميّة تحت عنوان حماية الحمى ليس سوى محاولة تحليليّة لواقع الشريعة وبِنيتها، فشيخ الشريعة لم يستنبط حكم حرمة العصير العنبي مطلقاً من الاجتهاد الذرائعي، بل استنبطها من إطلاقات النصوص، لكنّه استخدم قانون حماية الحمى لتفسير سبب الإطلاق في النصوص لحالات عدم وجود المسكريّة في العصير.

وبهذا نكتشف أنّنا لا نملك في التجربة الإماميّة ذهنيّة الاجتهاد الذرائعي، والإماميّة ينطلقون في رفض أغلب قواعد ما لا نصّ فيه عند أهل السنّة من إشكاليّة الاستنتاجات الظنيّة الكامنة فيها كما رأينا في بحث المصلحة المرسلة، والسؤال الذي نواجهه ونحن نحلّل الظاهرة هو هل أنّ روح الفكرة الذرائعيّة حاضرة ولو بدرجةٍ ما في الاجتهاد الإمامي أو لا؟ وبتعبير آخر: هل أنّ الإماميّة يتجاهلون الوسائل والذرائع تماماً في اجتهادهم الفقهي أو أنّ لديهم نمطاً من التفكير الذرائعي أو استجابةً ما له عبر طرق ومسمّيات أخرى، بحيث لا نحسبهم ذرائعيّين أصوليّاً، وفي الوقت عينه تُنتج بعض قواعدهم شيئاً من نتائج الفقه الذرائعي، فيقع التلاقي بين الاجتهاد الإمامي والاجتهاد الذرائعي في بعض النتائج بذهنيّات متقاربة؟

يترجّح في نظري أنّ الإماميّة يمارسون نمطاً من التفكير الذرائعي عبر طريقتين:

الطريقة الأولى: بوصف التفكير الذرائعي منهاجاً اجتهاديّاً، بمعنى الوصول إلى الحكم الشرعي عبر طريق معتبر، وهذه الطريقة لا يعتمدها الإمامية باسم الذرائعيّة، بل بأسماء أخرى أهمّها:

أ ـ وجوب مقّدمة الواجب وحرمة مقدّمة الحرام، بالمفهوم الخاصّ للمقدّمة كما قلنا سابقاً، فقد ذهب الكثير من الأصوليّين لهذا الرأي الذي يُنتج نتيجة متفقة مع الذرائعيّة في مساحة المقدّمة خاصّة.

ب ـ الإعانة على الإثم، فقد آمن الكثير من فقهاء الإماميّة بحرمة الإعانة على الإثم، حتى أنّ بعضهم عبّر عنها بالقاعدة، وعرّفها إجمالاً «لو كان فعل شخصٍ مؤثراً في تحقّق الإثم ووقوعه من شخصٍ آخر، كانت هذه الإعانة محرّمة؛ لأنّها إعانة على الإثم»([49]). فهذا الرأي الذي قال به العديد من الإماميّة يفتح طريقاً مهمّة على نمط من التلاقي بين نتائج التفكير الذرائعي ونتائج الفقه الإمامي.

ج ـ بعض أشكال الاستدلال العقلي أو الاعتباري في الفقه، من نوع مفهوم قلع أو حسم مادّة الفساد، وهو مفهوم استخدم أحياناً في منع شيء لأجل كونه موجباً للفساد أو من شأنه الفساد، مثل استدلال بعض الفقهاء على حرمة حفظ كتب الضلال بحكم العقل بوجوب قلع مادّة الفساد، وحيث إنّ كتب الضلال هي مادّة فساد؛ لأنّه لا يأتي منها إلا الفساد لزم قلعها وحرم حفظها([50])، أو كترخيص بعضهم في غيبة مثل المبتدع؛ حسماً لمادّة الفساد كي لا يقع الآخرون في فتنته، وكذلك حكم بعضٍ ثالث بلزوم إتلاف ما من شأنه الفساد والإضلال، مثل آلات اللهو والموسيقى وغيرها.

وكذلك الحال مع استدلال بعض الفقهاء بالعقل عبر قاعدة لزوم دفع الضرر المحتمل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر([51])؛ إذ مع عدم ذلك يحتمل الضرر والذي هو ضلال الناس وانحرافهم الأخلاقي فوجب الأمر والنهي دفعاً للضرر المحتمل.

وهذا النوع من الأدلّة حاضر أحياناً في المقاربات الاجتهاديّة في الفقه الإمامي، خاصّة عند المتقدّمين.

د ـ إجراء العديد من قواعد العناوين الثانويّة، من نوع نفي الضرر ونفي الحرج وبالأخصّ إجراء قاعدة التزاحم عبر تقديم الأهم على المهم، ففي الكثير من الموارد نحن نلاحظ تقارباً في النتائج بين التفكير الذرائعي والتفكير التزاحمي، فتحرَّم الوسيلة لإفضائها إلى النتيجة المحرّمة بحرمةٍ أشدّ من الترخيص الأوّلي في المقدّمة، وهكذا. بل في رأيي فانّ فكرة العناوين الثانوية عند الإماميّة تلعب دوراً يُعطي الكثير من التشابه في النتائج مع نظريّات المصلحة المرسلة وسدّ الذرائع وغيرها في الفقه السنّي.

الطريقة الثانية: بوصف التفكير الذرائعي منهاجاً في الممارسة العمليّة، بمعنى إدارة الأمور عبر ذهنيّة التفكير الذرائعي، دون نسبة ناتج ذلك إلى أصل الشريعة والدين، ومن هذا النوع في تقديري:

أ ـ بعض أشكال أو حالات الاحتياط الوجوبي في البيانات الفتوائيّة، حيث يتحذّر الفقيه من الإفتاء بالترخيص في شيء خوفاً من وقوع المكلّفين في الحرام اشتباهاً أو نتيجة عدم الدقّة والاهتمام بالأمور، وحيث لا دليل لديه على التحريم ـ بل قد يكون لديه دليل على الترخيص ـ فهو يمارس طريقة الاحتياط الوجوبي التي تؤدّي في بعض الأحيان إلى منع المكلّف عن القيام بالعمل، كما فيما لو كان مختلف الفقهاء المعاصرين يستخدمون الاحتياط الوجوبي في المسألة أو يرى الآخرون الحرمة، فإنّ احتياط المرجع هنا مآلُه إلى منع المكلّف، وهذا ما يحقّق الغرض الذرائعي للفقيه.

ب ـ بعض حالات الحكم الولائي، حيث يمكن لهذا الحكم أن يجري مجرى الفقه الذرائعي في بعض الحالات، فالفقيه قد يخشى من الترخيص في أمرٍ بل يرى الترخيص موجباً للكثير من المشاكل الدينيّة، فيستخدم سلطته الولائيّة لكي يصدر قانوناً على الجميع يُلزم حتى غير مقلّديه؛ وذلك بهدف الوصول إلى نتيجة مطلوبة جداً لديه.

ونستنتج من العرض الذي أسلفناه أنّ الاجتهاد الإمامي لم يمارس التفكير الفقهي الذرائعي بشكلٍ حقيقي فاعل وبوصفه طريقاً لمعرفة حكم الله في الواقعة، بل استخدم بعض القواعد والمعايير التي قد تلتقي في النتائج أحياناً مع بعض ما توصّل إليه الذرائعيّون.

التعريف المختار لقانون الذرائع

عرفنا الصلة بين قانون الذرائع وبعض القواعد والأسس الاجتهاديّة الأخرى في أصول الفقه الإسلامي، ولاحظنا اتصال الذرائعيّة الفقهيّة بالعديد من القواعد، لكنّنا لم نقتنع بوحدة الفقه الذرائعي في المنهج والنتائج مع هذه القواعد؛ فاختزال الفقه الذرائعي ـ بما يحمله من عقليّة اجتهاديّة ونمط فهم مختلف ـ بمثل هذه القواعد هو تفنيد له وتقليص واختزال، بل هو تضييع لروحيّة التفكير الذرائعي، وهي الروحية التي تبقى العنصر الأهم في هذا النمط من الاجتهاد.

وبهذا يمكن لنا تفسير قانون الذرائع على الشكل الآتي: هو المنهج الذي ينطلق فيه الفقيه لاكتشاف حكم الشيء الذي لا نصّ فيه من خلال نتائجه ومآلاته؛ فيعتبر العلم بالحكم الشرعي بالنتيجة معبراً للعلم به في الوسائل والطرق بمختلف أنواع الحكم الشرعي، سواء كانت الوسيلة والنتيجة من شؤون فعل الفرد نفسه أم مع غيره، وسواء كانت من شؤون الفرد أم المجتمع، فالعلاقة بين المقدّمة والنتيجة هي جوهر التفكير الذرائعي. وربما يمكن القول بأنّه شكل من أشكال تخصيص عموم المباح بدليل ذي الذريعة أو بالمقصد.

وتختلف مستويات التفكير الذرائعي بين غلبة الارتباط بين الوسيلة والنتيجة، وكثرة الارتباط، فكلّما توسّع الفقيه الذرائعي في تطبيق قانون الذرائع من حالة الغلبة إلى حالة الكثرة فهو منحاز للذرائعيّة، وكلّما خصّ الموقف بالغلبة أو الكثرة الكاثرة جداً فهو يقلّل من مساحة الاجتهاد الذرائعي، أمّا لو جعل الربط دائميّاً وشَرَطه بذلك فهو ذرائعيّ بمستوى يسير للغاية، بل حسابه على الذرائعيّين ـ بما لهم من سمة تاريخيّة ـ يكاد يكون غير مقنع.

الاجتهاد الذرائعي، الأدلّة والمبرّرات الدينية والعقليّة

استند الفقه الذرائعي وأنصاره إلى مجموعة من الأدلّة المتنوّعة المنشأ والشكل؛ لإثبات صحّة نظريّتهم، وأهمّ ما ذكروه يمكن لنا عرضه مع تقويمه على الشكل الآتي:

1 ـ من عقلانيّة التشريع إلى قانون الذرائع (إشكاليّة نقض الغرض)

يذهب الذرائعيّون ـ ويقرّر ذلك بوضوح ابن قيّم الجوزيّة ـ إلى أنّ المقنّن العقلاني عندما يحرّم شيئاً ما فإنّه يسدّ الطريق للوصول إليه، فيحرّم السبل المفضية إليه، وكذلك عندما يحلّل شيئاً فإنّه يفتح الطرق الموصلة للحلال أو للواجب، وإذا لم يفعل ذلك يكون قد نقض غرضه وارتكب تناقضاً في سلوكه القانوني، فالأطبّاء ـ على سبيل المثال ـ إذا أرادوا حسم الداء في الجسد منعوا صاحبه من الأمور المفضية إليه والموصلة لتحقيقه وبقائه، وكذلك نرى في سياسة الملوك والحكّام، فإنّهم لو أرادوا منع شيء عن جنودهم أو أهل بيتهم منعوا الطرق التي تفضي بهم إلى ذلك، ومع التأمّل في هذه الحقيقة العقلانيّة الموضوعيّة كيف يُعقل تصوّر أنّ الشريعة الإسلاميّة الكاملة تقع هي بنفسها في تناقض وتهافت من هذا النوع؟!([52]).

إنّ هذه المقاربة تعتمد على فكرة نقض الغرض من جهة، وعلى مقولة عقلانية وعقلائيّة المشرّع من جهة ثانية، وفي النقطة الأولى لو تمّ نقض الغرض هنا كانت هذه المقاربة دليلاً في حقّ الجميع، أمّا لو كان ارتكاز هذه المقاربة على فكرة عقلائية المشرّع، فإنّها تكون بحاجة إلى تتميم إمّا من نوع الفكرة التي تؤمن بها مدرسة المحقّق الإصفهاني (1361هـ)([53])، من أنّ المولى سبحانه هو سيّد العقلاء ورئيسهم، فيصدر منه ما يصدر منهم من حيث عقلائيّتهم، لو كان مرجع فكرة الإصفهاني إلى أنّ عمل العقلاء إنشائيٌّ لا إخباريّاً مستنداً إلى العقل النظري، أو من نوع الفكرة التي تقول بأنّ الأحكام العقلائيّة ترجع للعقل النظري لا للعقل العملي، ومن ثم فهي تدلّ على المصلحة والمفسدة في الأمر، وبهذا ندرك ـ عبر الاتفاق العقلائي ـ أنّ في الوسائل مصالح أو مفاسد، فننزل قاعدة تبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد على موردها لنستخرج حكم الوسيلة المطابق لحكم النتيجة.

ومن الواضح أنّه على معياريّة نقض الغرض لا معنى للاستدلال هنا لو كنّا لا نقول بشمول الشريعة؛ لأنّ نقض الغرض يكون عندما يصدر حكم مختلف في النتيجة عن حكم الوسيلة وبالعكس، لا عندما لا يصدر حكم في الوسيلة ويكتفى بالحكم في النتيجة، بينما على معياريّة اكتشاف التقنين الإلهي من التقنين العقلائي، فنحن نعبر من النتيجة إلى الوسيلة قهراً ما دام العقلاء يعبرون، سواء كنّا نقول بشمول الشريعة أم لا؛ لأنّه يكون بنفسه دليلاً على جعل الشريعة الحكم في الوسيلة على طبق الحكم في النتيجة، إلا على مسلك العقل النظريّ؛ لأنّه يتوسّط حينئذٍ مقولة المصلحة لتكون معبراً نحو الحكم، وقد تقدّم أنّ هذا مبنيٌّ على شمول الشريعة.

وعلى أيّة حال، فهذه المقاربة العقليّة العقلانية الأشهر، قد تتعرّض لمناقشات أهمّها:

المناقشة الأولى: ما ذكره السيد محمد تقي الحكيم وغيره، من أنّ الأحكام الواقعيّة إنّما هي وليدة مصالح أو مفاسد في متعلّقاتها، وإذا كان في الشيء مفسدة توجب جعل الحرمة له من قبل الشارع، فلا يلزم أن يكون في ذرائعها مفاسد أيضاً، ليلزم وضع الحرمة على وفقها([54]).

لكنّ هذه المناقشة لم تلتقط في تقديري جوهر استدلال ابن قيم الجوزيّة وسائر الذرائعيّين؛ وذلك أنّنا قلنا في الفصل الأوّل عند البحث عن قاعدة تبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد في المتعلّقات، أنّ نكتة الملاك لا يجب أن تكون في متعلّق الحكم نفسه، بل قد تكون في متعلّق حكم آخر أو في متعلّقٍ آخر ثمّة ارتباط بينه وبينه؛ فالمشرّع العقلاني يمنع شيئاً أحياناً لا لخصوصيّة في ذلك الشيء سوى في كونه يفتح الطريق أو يوصل لشيء محظور عنده؛ فأنت تمنع المواطنين من الاقتراب من المنطقة الفلانيّة؛ لأنّهم سيكونون عرضةً للخطر فيها، فكون الشخص في معرض الخطر وفي معرض المفسدة هو في حدّ نفسه يمكن أن يكون موضعاً لجعل القانون، وهذا أمرٌ يمكننا أن ندّعي بأنّه في غاية الوضوح عند المقنّنين البشريّين، فما هو الوجه في افتراض ضرورة حصر الملاك في متعلّق ذلك الحكم نفسه؟!

بل يمكن القول بأنّ الطريق فيه مفسدة، وهذه المفسدة هي موصليّته للمفسدة. بل لعلّ ابن قيم الجوزيّة يعتبر أنّ المولى سيّد العقلاء، والعقلاءُ برمّتهم يعتمدون هذه الطريقة في التقنين، فقاعدةً لابدّ وأن يكون سيدهم على هذا النحو من العمل القانوني، بوصفه العمل العقلاني في التقنين، وهذا لوحده كافٍ في جعل قانون التبعيّة غير منحصر بمتعلّق الحكم نفسه.

وعليه، فأسلوب تصوّر السيد الحكيم للأنظمة القانونيّة ومقاربته لهذا الموضوع غير مفهوم أبداً، ولا يوجد أيّ دليل عقلي أو نقلي يحصر آليّة العمل القانوني الإلهي بكون المصالح والمفاسد في المتعلّقات نفسها بذاتها.

المناقشة الثانية: ما أفاده السيد الحكيم وغيره أيضاً، مكمّلين المداخلة السابقة، من أنّ دعوى اتحاد الحكم بين المتلازمين غير ثابتة؛ إذ لا يلزم فيهما أن يكونا متحدين من حيث اشتمالهما على ملاك الحكم ليتحدا في الحكم، وغاية ما تلزم به الملازمة أن لا يفترقا في حكمهما على نحو الوجوب والحرمة لتعذّر امتثالهما معاً، وفي هذا الحال تعود المسألة إلى صغريات باب التزاحم الآمري الذي يدعو إلى الموازنة في مقام الثبوت لدى الآمر نفسه، واختيار أصلحهما للمكلّف([55]).

ولكنّ هذا الكلام ليس سوى دعوى في مقابل دعوى، فلم يكشف لنا المناقش هنا لماذا لا يلزم التلازم في الحكم، بحيث يكون عدم التلازم موجباً لنقض الغرض؛ فدليل الذرائعيّين قائم على فرضيّة أنّ الشيئين المتلازمين يفترض أن يأخذا حكماً واحداً، فإنّهما إن لم يأخذا حكماً واحداً يكون المولى قد نقض غرضه، وخالف عقلائيّته، والمفروض بالمناقش هنا أن يسدّد سهام نقده على فكرة نقض الغرض من جهة، وعدم عقلائيّة التقنين من جهة ثانية، لا الذهاب خلف معادلة عقليّة صارمة من نوع: لا يجب اتحاد الحكم في المتلازمين، بل يكفي عدم التناقض.

إنّ الذرائعيّين يريدون أن يفهموا العلاقة بين الحكم في النتيجة والوسيلة بالشكل عينه الذي أراده المناقش في دعواه استحالة التناقض بحدّ التحريم والوجوب؛ لأنّهم يعتبرون أنّ استحالة كون المقدّمة محرّمة والنتيجة واجبة تنشأ ـ فيما تنشأ ـ من نقض المشرّع لغرضه ووقوعه في تناقض، فيكف يحرّم شيئاً ويوجب ملازمه؟! وهم هنا يقولون: كيف حرّم النتيجة ورخّص في المقدّمات التي تفضي إلى الوقوع في النتيجة؟! فروح الفكرة عندهم واحدة، ونحن بهذا الكلام المقابل لم نفكّك لهم روح الاستدلال.

المناقشة الثالثة: ما يمكننا طرحه هنا وهو أنّ العلاقة بين الوسيلة والنتيجة هي التي تترك أثراً في موقفنا هنا، فهذه العلاقة إذا كانت ضروريّةً أو دائميّة، بحيث كلّما حصلت الوسائل وقعت النتائج، ففي مثل هذه الحال يُفهم عقلاً أو عقلائيّاً (على خلاف في أصل هذه القضيّة) أنّ المشرّع حكم في الوسيلة بحكم النتيجة إذا لم يكن هناك ما يكفيه أن يحكم هنا، وإلا فلا يصحّ الاستدلال كليّاً.

ولكي نوضح فكرتنا هنا يمكن تشقيق المسألة إلى شقّين:

أ ـ أن تكون العلاقة بين النتيجة والوسيلة ضروريّةً أو دائميّة، وهنا حالتان:

الحالة الأولى: أن يكون هناك حكم معتبر يكفي لإلزام العبد بالوسيلة حتى لو لم يصدر الشارع حكمه بإلزامه بها، كما لو كان العقل يحكم بوجوب مقدّمة الواجب أو بحرمة مقدّمة الحرام التي تقع بينها وبين الواجب والحرام علاقة لزوم وضرورة أو ديمومة، فإنّ حكم العقل هنا يبرّر للمولى السكوت وعدم جعل حكم شرعي في المقدّمة، لأنّ المفروض أنّ حكم العقل كافٍ في إلزام العبد بالتحرّك باتجاه المقدّمات سلباً أو إيجاباً، بهدف إطاعة الحكم الشرعي الموجود في ذي المقدّمة، فليس هناك من دليل على وجود حكم شرعي أصلاً في المقدّمة لمجرّد كونها مقدّمةً لحرامٍ أو لواجب، ما لم يرد نص خاصّ فيها أو يشملها.

وهذا الكلام مبنيّ على عدم شمول الشريعة، وإلا لو قلنا بأنّ الشريعة شاملة فلابدّ منطقياً من فرض وجود موقف لها هنا من المقدّمة، فلو كان موقفها مطابقاً لموقف العقل أو العقلاء في اتحاد حكم المقدّمة والنتيجة، فهذا هو مدّعى الذرائعي، وإذا كان مختلفاً بمطلق أشكال الاختلاف، كان حكم الشرع مغايراً لحكم العقل، وهنا تأتي النزاعات المعروفة في مسألة الوجوب الغيري الشرعي لمقدّمة الواجب، وما يعلوها من قضيّة قانون الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع، فلا نطيل.

الحالة الثانية: أن لا يكون هناك حكم معتبر يكفي لإلزام العبد بالوسيلة حتى لو لم يصدر الشارع حكمه بإلزامه بها، فهنا لابدّ من فرض أنّ الشارع حكم في الوسيلة بحكم النتيجة؛ بناء على شمول الشريعة؛ إذ لو لم يحكم بذلك بل حكم بالاباحة أو بالاستحباب أو الكراهة أو بالوجوب في مقدّمة الحرام أو العكس، ففي هذه الحال لا شكّ في أنّ حكمه هذا متناقض؛ إذ كيف يُعقل أن يأمر بشيء ثم يرخّص بترك مقدّماته التي من دونها لا يتحقّق ذلك الشيء؟! والمفروض أنّه لا داعي للعبد للتحرّك نحو المقدّمات سوى الشرع. فالحقّ مع الذرائعيّين هنا.

لكنّ هذا الكلام كلّه في الوسائل التي بينها وبين النتائج ضرورة أو ديمومة، وهذا النوع من الذرائعيّة لا يشكّل المعلَم الفارق للاجتهاد الذرائعي كما قلنا من قبل، لهذا فالمهم النظر في الشقّ الثاني من الموضوع.

ب ـ أن لا تكون العلاقة بين النتيجة والوسيلة ضروريّةً أو دائميّة، وهنا حالات:

الحالة الأولى: أن تكون العلاقة قليلةً أو نادرة، ولا يوجد دليل عقلي أو عقلائي في أنّ المشرّع لو حرّم شيئاً حرّم جميع الوسائل المفضية إليه، ولو كان تحقّق الحرام عبرها نادراً أو قليلاً؛ ولا دليل على كون ذلك نقضاً للغرض، بل لو فُرض وجود هذا الأمر في الذهن القانوني العقلائي، لارتبك التقنين البشري برمّته؛ إذ ما من أمرٍ (حتى لو كان في نفسه واجباً) إلا وقد يقع ـ قليلاً أو نادراً ـ طريقاً لأمرٍ ممنوع أو محظور، فلا يمكننا استخراج قاعدة هنا.

الحالة الثانية: أن تكون العلاقة كثيرةً، لكنّها لا تبلغ حدّ الغلبة أو الأكثريّة، وهنا أيضاً لا ندرك بوجداننا أنّ المشرّع لو لم يحكم على الوسيلة بحكم النتيجة لنقض غرضه، بل يكفيه أن ينبّه المكلّف لكي يقوم هو برصد الموقف، فلا يقع في الحرام لو فعل الوسائل المذكورة، فلو استخفّ أو تجاهل وهو يقترب من الحرام، فوقع فيه، فإنّ هذا يكون ذنبه في ذلك؛ لوقوعه في الحرام لا لفعله المقدّمات.

الحالة الثالثة: أن تكون العلاقة غالبيّة أو أكثريّة، وهذا هو المهم في قضيّة الفقه الذرائعي إلى جانب الحالة السابقة، فهل أنّ العقل أو المنطق العقلائي يحكم بقبح الحكم في الطريق بغير حكم النتيجة أو لا؟

إنّ الاستناد هنا لفكرة نقض الغرض أو لفكرة الأداء العقلائي في التقنين يواجه مشكلة العناصر المعاكسة، وذلك أنّنا لو سلّمنا بأنّ العقلاء ـ قانوناً وقاعدةً ـ يقومون بذلك، لكنّ الشيء المؤكّد أنّ المقنن البشري الذي يفكّر بذهنيّة رعاية أغراضه وعدم نقضها، يدرك أنّ تحريم الوسائل والطرق أو الحكم بوجوبها ليس أمراً منفصلاً غير متداخل، بمعنى أنّ تحريم الطرق المفضية لكلّ حرام، من الممكن أن يوقع في المشقّة نوعاً، أو مفوّتاً لبعض المصالح على العباد، أو من الممكن أن يكون اجتماعه بدرجة عالية مفضياً لفوات مصالح عالية في الإباحة الضروريّة جداً، لهذا يقف المشرّع أمام خيارين: إمّا أن يحرّم كلّ وسائل الحرام الموصلة له غالباً أو كثيراً فضلاً عن الموصلة له دائماً (وكذلك يوجب وسائل الواجب)، وهو يرى في ذلك مفاسد قد تنجم من التضييق على المكلّفين أو نفورهم من الدين، أو أن يقوم بنفسه باختيار بعض الوسائل أو اختيار بعض أنواع المحرّمات، ليطبّق فيها هذا القانون دون غيرها مجرياً نوعاً من التزاحم في الملاكات والحفاظ عليها، وفي هذه الحال التي تعتبر عقلائيّةً تماماً أيضاً، كيف لنا أن نجزم في كلّ مورد أنّ المشرّع قد حرّم كلّ الطرق المفضية إلى كلّ حرام، ولو بنحو الغلبة أو الكثرة، وأنّه لم يقم بعمليّة انتقائية قائمة على ترجيحات؟

وحيث إنّ الأمر محتمِلٌ لمثل هذه الصورة، لم يعد يمكننا الخروج باستنتاج كلّي يقيني في موضوع بحثنا، بل غايته أنّنا لو وضعنا يدنا على مورد معيّن لحصل لنا الظنّ بتحريم وسائله، والظنّ لا يُغني من الحقّ شيئاً؛ إذ لا دليل على حجيّته هنا.

وهذا الذي نقوله عقلائي تماماً؛ فأنت قد تلاحظ في بعض الأحيان أنّك لو سددت تمام الطرق المفضية دائماً أو غالباً أو كثيراً على أولادك، لربما انعكس الأمر وضاقت السماحة والسهولة عليهم، لهذا تسدّ بعض الطرق دون بعض وتعتمد على تنبيههم دوماً حيث يقومون بما هو حلال في أنّهم قد يقتربون من الحرام فعليهم الانتباه له، وبالفعل فالشريعة ـ كما سيأتي استدلال الذرائعيّين ـ طبقت نظرية سدّ الطرق في مئات الموارد، فلعلّها اكتفت بذلك، حذراً من المبالغة المفضية لعكس المطلوب، فلا يمكن الحكم بحرمة جميع الوسائل فيما لا نصّ فيه بقانون الذرائع، ولو صحّ ذلك هنا أو هناك فربما تكون حالات معدودة حصلت فيها خصوصيّة معينة، لا قانوناً في الاجتهاد فيما لا نصّ فيه.

واللافت للنظر أنّ بعض الذرائعيّين انتبهوا لعدم الإفراط في إعمال سدّ الذرائع؛ لأنّه يفضي إلى تعطيل الشرع والتضييق، ولا أدري كيف يميّزون بين الحالات ما دام القانون سارياً فيها جميعاً، فالزواج طريق نوعي للوقوع في الحرام في العلاقة مع الزوجة، إذ ما من زوجين إلا ويقعان في الحرام تجاه بعضهما كالأذية وغير ذلك، وهذا الحرام يمكن القول بأنّه يقع في نسبة غالبة جداً إن لم نقل شبه دائمة، فهل نحرّم الزواج لإفضائه إلى محرّم؟ وإذا قلت بأنّ عكسه يوجب الحرام، فمعنى ذلك أنّك دخلت في مقارنات ومقاربات وترجيحات، وهذا هو ما نقصده هنا، ومن ثمّ فإلى أيّ مدى يمكن للعقل الإنساني أن يدرك تمام المقاربات والترجيحات بحيث يخرج بنتيجة يقينيّة في الموقف؟!

بل إنّ بعض الذرائعيّين تحدّثوا عن أنّ إباحة الذريعة يجب أن تكون إباحة أصل، لا إباحة حاجة أو ضرورة كجواز أكل الميتة([56])، وهذا ما يجعلني اُضيف إشكالاً هنا وهو أنّ المباحات بعضها اقتضائي، فلعلّ تقييد المباحات الاقتضائيّة ومحاصرتها يوقع التزاحم الملاكي عند المولى بين مصالح الإباحة نوعاً في جملة من الموارد، ومصالح التحريم الذي لا يُعلم وقوعه بالضرورة لو تُرك المباحُ على إباحته؛ لأنّ العلاقة ليست ضروريّةً قهريّة بين الذريعة والنتيجة، بل هي علاقة كثيريّة أو غالبيّة، وربما رجّح المولى المباحات الاقتضائيّة.

هذا كلّه في حال تحصيل العلم العادي العقلائي بهذه العلاقة بين الذريعة والنتيجة، أمّا لو كان حظّنا ليس سوى الظنّ فالأمر أوضح، فلا نؤمن بمرجعيّة الظنّ قاعدةً في الاجتهاد إلا ما خرج بدليل خاصّ، وليس هذا منه.

وخلاصة الكلام: إنّ إحراز كليّة نقض الغرض هنا، فضلاً عن إحراز كليّة الأداء العقلائي بالطريقة التي يعتمدها الذرائعيّون، يبدو أمراً صعباً في ظلّ هذا التداخل في المصالح والمفاسد والتعقيد والتشابك في الأمور، ولهذا نرى أنّ بعض المعارضين للفقه الحنبلي والسلفي اليوم يعتبرون أنّه أضرّ بالشريعة إضراراً عظيماً بتحريمه الكثير مما لم يرد فيه تحريمٌ، ليس لشيء سوى سدّاً للذرائع، ممّا أوجب التضييق على الناس وإلحاق الضرر بإيمانهم وبصورة الدين عموماً.

يقول الباحث المعاصر جاسر عودة: «إنّ سدّ الذرائع.. يمكن أيضاً أن يُساء استخدامه على يد بعض أصحاب التشدّد والغلوّ، أو من قبل أصحاب الأغراض السياسيّة في التسلّط على الناس. نرى اليوم كيف أنّ سدّ الذرائع وسيلة يكثر استخدامها في كتابات الظاهريّة الجدد حسب تعبير الشيخ القرضاوي، وخاصّة فيما يخصّ التشريعات الخاصّة بالمرأة المسلمة..»([57]).

ولابدّ لنا أن نشير إلى أنّ من يحصر الفقه الذرائعي بالقصود بأن يقول بأنّ الذريعة الحلال تصبح حراماً لو قصد منها الإنسان الوصول للحرام، كما في حال الكثير من الحيل الشرعيّة، فهذا لا نقاش لنا معه هنا؛ والدليل العقلي المبرز هنا لا يشي بهذا النوع من الذرائعيّة، فانتبه.

كما أنّنا نلاحظ في هذا الدليل كلّه لو تمّ أنّه لا يفي سوى بسدّ الذرائع؛ دون فتحها، فلا يستطيع أن يجعل الوسيلة المباحة واجبةً فتحاً للذرائع كما هو واضح.

وبهذا نستنتج أنّ الاستدلال العقلي المدّعى هنا غير تامّ في تكوين قاعدة كليّة في الذرائع، ما لم تكن الحالة من حالات قاعدة أخرى ثابتة مثل التزاحم، أو مقدّمة الواجب والحرام، أو الإعانة على الإثم ونحو ذلك، بناء على ثبوت هذه القواعد وتحقّق شروطها.

2 ـ بناء الاجتهاد الذرائعي على نظريّة المصالح المرسلة، تعليق ونقد

ثمّة محاولة ذكرها بعض الباحثين، في تبرير الفقه الذرائعي ـ ولو جزئيّاً ـ وفقاً لأصول المصلحة المرسلة؛ وذلك أنّ سدّ الطريق على ما فيه مفسدة عظيمة وفتح الطريق لما فيه مصلحة عظيمة، هو أمرٌ فيه مصلحة، وهذه المصلحة مرسلة لا دليل على اعتبارها أو إلغائها في الشريعة، فنطبّق عليها قواعد حجيّة المصالح المرسلة، ونحكم بلزوم الفعل أو منعه، فتحاً أو سدّاً، انطلاقاً من ذلك.

ومن هذا النوع نرى أنّ ما يُذكر من مصاديق للمصالح المرسلة، كثيراً ما يكون سدّاً للذرائع؛ فلو أخذنا توحيد القرآن الكريم الذي قام به الخليفة الثالث عثمان بن عفان، لرأينا أنّه من أشهر تطبيقات المصلحة المرسلة عند القائلين بالمصالح المرسلة، وهو بنظرةٍ ثانية ليس سوى سدّاً للذرائع؛ لأنّ المفروض أنّ السبب وراء توحيد المصاحف هو سدّ الطريق على اختلاف الأمّة في أمر القرآن الكريم، وبهذا نجد أنّ الكثير جداً مما يفترض أنّه سدٌّ للذرائع ليس سوى وجهاً آخر للاستصلاح.

نعم، تختلف الذرائع عن الاستصلاح في أنّ الأخير لا يجري عندهم في العبادات عادةً بينما يجري الأوّل فيها، كما أنّه تختلف المصالح المرسلة عن الذرائع في أنّ بعض مواردها ليس من شؤون الذرائع بالضرورة([58]).

ولعلّ ما يؤيّد هذا الكلام هو طبيعة الانسجام في المواقف عند المالكيّة والحنابلة، فالمنسوب إليهم ـ كما رأينا في بحث المصلحة المرسلة ـ هو أنّهم يوافقون عليها، وهم بعينهم من أبرز المتحمّسين لنظريّة الذرائع، ولعلّ هذا يشي بأنّ الموافقة على نظريّة المصلحة المرسلة يدفع صاحبه تلقائيّاً للأخذ بقانون الذرائع؛ وكأنّ أحدَهما يُنتج الآخر.

لكنّ إعادة إنتاج سدّ الذرائع من خلال المصالح المرسلة يعاني من مشاكل:

المشكلة الأولى: في إمكان إثبات أنّ مختلف موارد الذرائع توجد فيها مصلحة غير معارَضة بمفسدة، وقد سبق أن قلنا في مناقشة المقاربة العقليّة المتقدّمة أنّ هذا الأمر غير واضح على كليّته.

المشكلة الثانية: في أصل صحّة قاعدة المصالح المرسلة بوصفها قاعدةً اجتهاديّة تستهدف كشف الحكم الشرعي فيما لا نصّ فيه، وقد سبق أن ناقشنا القاعدة، وقلنا بأنّها لا تعدو أن تكون قاعدةً تدبيريّة لا اجتهاديّة، بل لو سلّمنا فعمليّاً لا تُثبت المصالحُ المرسلة الذرائعَ، بل تثبت نتائج الذرائع في الفقه، وهذا غير إثبات قاعدة أصوليّة لقاعدة أصوليّة أخرى، فتأمّل جيّداً.

المشكلة الثالثة: إنّ التمايز في التطبيقات بين الذرائع والمصلحة المرسلة، طبقاً لما ذكره صاحب الفكرة نفسه هنا، لا يسمح بجعل قانون الاستصلاح دليلاً على قاعدة الذرائع مطلقاً، ولعلّه لذلك لم نجدهم يستندون للاستصلاح في إثبات سدّ الذرائع بل عمدوا لأدلّة أخرى.

المشكلة الرابعة: إنّ قانون الاستصلاح لو كان هو المستند أو المبرّر للذرائعيّة، لكان يفترض حصره بحالات عدم قيام دليل نصّي على الوسائل؛ بمعنى يفترض أن تكون الوسائل غير منصوص على حليّتها أو حرمتها في الشرع، وإلا لو كان نصٌّ على حليّتها أو حرمتها؛ لدخلت فيما فيه نصّ؛ ولم يعد يمكن تطبيق الاستصلاح فيها، ولهذا نحن نجد أنّ العديد من الحالات والتطبيقات التي يذكرها الذرائعيّون، هي مما نجد نصوصاً فيه تشمل الوسائل التي يدّعى تحريمها بالذرائعيّة، وهذا ما يؤكّد أنّ مرجعيّة المنهج الذرائعي لا يمكن أن تكون نظريّة المصلحة المرسلة؛ وإلا وُلدت الذرائعيّة ضيّقةً غير رحبة في مساحة تنشيطها، ما لم نقل بأنّ فتحهم تطبيقيّاً أحياناً مجال الذرائعية لما فيه إطلاقُ نصٍّ، هو نقض لكون الذرائعيّة من قواعد الاجتهاد فيما لا نصّ فيه.

وربما تُثار فكرةٌ جواباً على المشكلة الأخيرة، وهي أنّ الوسائل إنّما كانت منصوصة في غير سياق وقوعها في طريق الواجب أو الحرام، وإلا فهي في هذا السياق غير منصوصة، فيمكن إدخالها في الاستصلاح؛ لكنّ الفرار من إطلاقات الأدلّة ليس سهلاً.

وبهذا يغدو من الصعب الاستناد لقانون الاستصلاح، بغية إنتاج قانون الذرائع.

3 ـ المرجعيّة التاريخيّة في إثبات الذرائعيّة (سيرة الصحابة والخلفاء)

يستند القائلون بالاجتهاد الذرائعي لسيرة الصحابة والخلفاء القائمة بنظرهم على مبدأ سدّ الذرائع([59])، ويذكرون لذلك العديد من الأمثلة، والتي بعضها هو عين الأمثلة التي ذكرت للانتصار لنظريّة الاستصلاح.

يقول الريسوني: «وهذا الأصل أيضاً من الأصول العُمَريّة الواضحة، فقد عُرف عمر رضي الله عنه بسياسته الوقائيّة وإجراءاته الردعيّة»([60]).

ومن العيّنات التاريخيّة التي تُذكر: حادثة جمع القرآن في المصحف بدل الصدور على يد أبي بكر بن أبي قحافة، وحادثة توحيد المصاحف أو القراءة على حرفٍ واحد على يد عثمان بن عفان.

وكذلك حادثة شجرة بيعة الرضوان أو بيعة الشجرة (شجرة السّمُر على ما قيل) في الحديبيّة في العام السادس للهجرة، والتي جاء فيها أنّ الناس بعد وفاة رسول الله‘ كانوا يأتون الشجرة التي كانت بيعة الرضوان فيصلّون عندها، فقال عمر: «أراكم أيها الناس رجعتم إلى العزى! ألا لا أوتى منذ اليوم بأحد عاد لمثلها إلا قتلته بالسيف كما يُقتل المرتدّ»، ثم أمر بها فقطعت([61]).

وكذلك ما جاء عن عمر بن الخطّاب أنّه رأى الناس في سفرٍ يتبادرون إلى مكانٍ، فسأل عن ذلك، فقالوا: قد صلّى فيه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقال: «من عرضت له الصلاة فليصلّ، وإلا فليمضِ، فإنّما هلك أهلُ الكتاب؛ لأنّهم تتبّعوا آثار أنبيائهم، فاتخذوها كنائس وبيعاً»([62]).

ولهذا خصّص الشاطبي كلاماً في كتاب الاعتصام حول كون الفعل ربما يكون مشروعاً في الدين، لكنّه يجري مجرى البدعة؛ سدّاً للذرائع، ذاكراً بعض العيّنات التي هذا منها([63]).

وبهذا تمّ الربط الشديد في أدبيات بعض الذرائعيّين بين البدعة وقانون الذرائع، وهو من أهمّ الأبواب في الشريعة الإسلاميّة عندهم([64])، ولهذا تمّ تأصيل قاعدة: كلّ عمل ولو كان مشروعاً يفضي إلى الإحداث في دين الله من غير دليل فهو إن لم يكن بدعة ملحق بالبدعة، وبهذا يكون ما أفضى إلى البدعة فهو محكوم بحكمها بقانون الذرائع، ويكون تسمية ذرائع البدعة بأنّها بدعة عملاً بقانون الذرائع من باب تسمية الشيء بما يفضي إليه على نوع من التجوّز([65]).

ويعتمد العديد من فقهاء السلفيّة في القرون الأخيرة على قواعد الاجتهاد الذرائعي؛ لاتخاذ مواقف حاسمة من كثيرٍ من الظواهر والأمور في المجتمعات الإسلاميّة، ومن ذلك موضوع الآثار التاريخيّة (الأبنية والمعالم التاريخيّة الإسلاميّة والدينيّة) التي يخشون أن توصل إلى البدعة وانحراف الناس، فضلاً عن تلك التي يعتبرونها قد أوصلت بالفعل، لهذا يحكم بعضهم بهدمها وما شابه ذلك.

وجوابنا عن فكرة الاستناد التاريخي لإثبات نظريّة الذرائع هو بعينه ما أجبنا به عن الاستنادات التاريخيّة لنظريّة الاستصلاح فراجع؛ وخلاصته: إنّ هذه الشواهد على قلّتها لا تمثل ـ لو ثبتت تاريخيّاً ـ موقفاً حجّة؛ لعدم حجية سنّة الصحابي أو الخليفة، على ما هو الصحيح وفقاً لما حقّقناه في محلّه([66])، خاصّة بعد كونها بعينها قد جعلت أدلّةً لنظريّات مختلفة! كما أنّها لو كانت حالة عامّة، فلا يُعلم أنّهم انطلقوا فيها من ذهنيّة كليّة باسم سدّ الذرائع، حتى نستكشف من سيرتهم وجود هذا الأصل في الشريعة الإسلاميّة، فلعلّهم انطلقوا من قواعد اُخَر أو عمومات وصلتهم ولم تصلنا، وتلتقي مع نتائج الذرائع في الموضوعات التي رأوها وابتلوا بها، بل لا يُعلم أنّهم اتخذوا مثل هذه المواقف من باب أنّها حكم شرعي في أصل الشرع، فربما تكون من باب السياسة الشرعيّة وتدبير وليّ الأمر، كما في مواقف الخلفاء والولاة، فمن أين لنا أن نتأكّد ـ من وضعهم التاريخي هذا ـ أنّ قانون الذرائع كان مرتكزاً في أذهانهم بوصفه قانوناً متلقّى من الشرع الحنيف؟!

ولو غضضنا الطرف عمّا تقدّم فهذه الشواهد التاريخيّة تفي بسدّ الذرائع، ولا تفي بفتح الذرائع كما هو واضح.

هذا كلّه، مضافاً إلى عدم إمكان الاستناد للإجماع على إثبات قاعدة سدّ الذرائع؛ إذ لا يوجد إجماع على ذلك، فضلاً عن كونه مدركيّاً، كما قال ـ محقّاً ـ الشيخ الجنّاتي([67]).

وعليه، فالاستناد للمشهد التاريخي هنا غير مقنع أبداً.

4 ـ مرجعيّة النصّ الديني في تأصيل الاجتهاد الذرائعي

اعتمد الذرائعيّون هنا أيضاً على النصوص الدينيّة في الكتاب والسنّة، بوصفها دالّةً بالمباشرة وبنفسها ـ لا بالاستقراء ـ على نظريّتهم، وأهمّ ما طرحوه يمكن فرزه إلى مجموعتين:

4 ـ 1 ـ مجموعة النصوص القرآنيّة، وقفات وتحليلات

ومهمّ ما قدّموه هو الآتي:

النصّ الأوّل: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الأنعام: 108).

فهذه الآية اعتبرت دالّةً على سدّ الذرائع، انطلاقاً من أنّها تمنع عن سبّ آلهة المشركين رغم أنّه مشروع، سدّاً للذرائع، حتى لا يكون ذلك ذريعةً لسبّ الله سبحانه.

النصّ الثاني: قوله تعالى: ﴿.. وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ..﴾ (النور: 31).

فهذه الآية تنهى عن الضرب بالرجل، مع أنّه في نفسه ليس محرّماً؛ نظراً لكونه ذريعة للحرام، فيقع الرجل في الحرام نتيجة ذلك.

النصّ الثالث: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (النور: 58).

وذلك أنّ هذه الآية نهت عن دخول الأطفال والرقيق في ثلاثة أوقات في اليوم، وهي أوقات تغيير الإنسان لملابسه أو كونه غير مستتر فيها، ومجرّد الدخول ليس محرّماً، بل ثبت التحريم سدّاً لذريعة النظر المحرّم والوقوع في كشف عورات الناس، بما في ذلك من مفاسد، فالدخول بغير إذن ذريعة لاطّلاع الداخل على ما لا ينبغي له الاطّلاع عليه.

النصّ الرابع: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (البقرة: 104).

ومنطلق ارتباط هذه الآية بسدّ الذرائع ما ذكره القرطبي (671هـ) قائلاً: «إنّ اليهود كانوا يقولون ذلك وهي سبٌّ بلغتهم، فلما علم الله ذلك منهم منع من إطلاق ذلك اللفظ؛ لأنّه ذريعة للسبّ».

النصّ الخامس: قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (الأعراف: 163).

وذلك أنّ الذي فعله بنو إسرائيل هو أنّهم كانوا يضعون الشباك يوم الجمعة ليأخذوا السمك يوم الأحد، ونزول العذاب عليهم شاهد أنّ ما ارتكبوه من حرام إنّما هو محرّم بسدّ الذرائع؛ لأنّ سدّهم طريق السمك أو وضعهم للشباك يوم الجمعة هو ذريعة للصيد، وإلا فهم لم يقوموا بالصيد يوم السبت عمليّاً.

وفي هذا قال اليوبي في منظومته حول المقاصد:

وحيلٌ في شرعنا ممنوعة *** محرّم بطرق مشـروعة
كناكحٍ ويقصد التحليلا *** مخالفاً بفعله التنزيلا
فعل يهودٍ صادت الحيتانا *** في السبت فازدادت بها خُسـرانا([68])

النصّ السادس: قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (البقرة: 35).

وذلك أنّ المنهيّ عنه في الحقيقة هو الأكل من الشجرة، لكنّ الآية الكريمة ذكرت النهي عن القرب منها، ومنع الاقتراب منها والدنوّ ليس سوى من باب سدّ الذرائع حتى لا يقعا في محرّم الأكل منها، وقد قال القرطبي هنا: «قال ابن عطية: قال بعض الحذاق: إنّ الله تعالى لما أراد النهي عن أكل الشجرة نهى عنه بلفظ يقتضي الأكل وما يدعو إليه العرب وهو القرب. قال ابن عطية: وهذا مثال بيّن في سدّ الذرائع».

النصّ السابع: قوله تعالى: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (طه: 43 ـ 44)، وذلك أنّه سبحانه أمرهم بتليين القول مع أعظم أعدائه تعالى، مع أنّ المفترض معه الغلظة، وما ذلك إلا بسبب أنّ إغلاظ القول له قد يكون سبباً لتنفيره، فسدّاً لهذه الذريعة يؤمر النبيّان الكريمان بتليين القول، وبعبارةٍ أخرى: نهاهم عن الجائز لئلا يترتّب عليه ما هو أكره إليه سبحانه.

هذا كلّه على مستوى استدلالاتهم بالنصّ القرآني([69]).

لكن يمكن مناقشة الاستدلال بهذه النصوص بالآتي:

أوّلاً: إنّ بعض ما تمّ طرحه هنا مبنيّ على نصوص حديثية أو تاريخيّة لم تثبت أو غير معلومة التحقّق حتى لو اشتهرت في كلمات المفسّرين، من نوع قصّة راعنا وانظرنا، ولهذا ذكر ابن حزم الأندلسي: «ليس هذا مسنداً، وإنّما هو قول لصاحب ولم يقل الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم: إنّكم إنما نهيتم عن قول راعنا لتذرّعكم بذلك إلى قول راعنا»([70]). والآية السادسة والأربعون من سورة النساء لا تدلّ على الفكرة نفسها هنا.

وهكذا الحال في قصّة سلوك أصحاب السبت، فإنّ النصّ القرآني لا يشير لا من قريب ولا من بعيد إلى أنّهم احتالوا على التشريع الإلهي، بل يفيد أنّهم اعتدوا في يوم السبت، ومن الممكن أنّ التحريم كان للعمل يوم السبت وهم اصطادوا يوم السبت فعلاً انطلاقاً من عدم توفّر السمك على الشاطئ في غير هذا اليوم، فغير هذه الفرضيّة غير منصوص عليه في الآية وغير ثابت تاريخيّاً، وإنّما هو منقولات عن بعض الصحابة والتابعين([71])، على تقدير صحّة النقل. كما أنّ الرواية عن أهل البيت النبويّ هنا غير ثابتة، بل فيما بين الروايات اختلاف في تصوير القصّة، فبعضها لا يتحدّث عن حيلة وإنّما عن خرق مباشر ليوم السبت، فراجعها([72]).

كما أنّ الكتاب المقدّس لم يتحدّث عن قصّة أصحاب السبت، بل غايته أنّ بعض الباحثين حاول استخراج إشارات من الكتاب المقدّس ومن التلمود، ولكنّها قد لا تنهض لإثبات أنّها ناظرة لقصّة أصحاب السبت، فضلاً عن أن تشير بوضوح إلى أنّ جُرمهم كان الاحتيال عبر نشر الشباك وأمثالها يوم الجمعة.

ثانياً: إنّ الآية الثانية ليس فيها إشارة لسدّ الذرائع، بل فيها إشارة لتوسّل الفاعل بالمباح بغية تحقيق أمرٍ محرّم أو عالماً بأنّه ينتج عنه أمر محرّم، فالجانب القصدي هنا مأخوذ مع أنّ قانون الذرائع لا يعطي خاصية القصد بالضرورة، بل هو يُنتج أحكاماً في الوسائل بصرف النظر عن قصد الفاعل لها، وبهذا يكون الدليل أخصّ من المدّعى.

بل يمكن أن نذهب أبعدَ من ذلك في نفي فكرة الذرائعيّة من هذه الآية الكريمة؛ وذلك بأنّ المرأة محرّم عليها تقديم صورة الزينة التي هي عليها، وهذا معنى إظهار الزينة، والآية الكريمة تحرّم الضرب بالأرجل؛ لكونه شكلاً من أشكال إظهار الزينة المحرّم، فكأنّ الضرب بالأرجل مع كون الزينة مخفيّةً هو نوعٌ من إظهارها؛ لأنّ الرجل سوف يتصوّرها في هذه الحال ويعلم بها، فالآية توسّع مفهوم إظهار الزينة الذي هو محرّم في نفسه، لا أنّها تحرّم الضرب سداً لذريعةٍ ما، ويكفي كون ما نقول احتمالاً معقولاً لا نافيَ له، حتى يبطل استدلال المستدلّ بهذه الآية هنا.

ثالثاً: إنّ قصّة الشجرة مع آدم وحواء يصعب الاستناد إليها هنا؛ إذ النهي عن الاقتراب من الشجرة يمكن أن يكون تعبيراً آخر عن النهي عن أكلها، فأنت تقول لولدك: لا تقرب هذا الطعام ويكون المراد لا تأكله أو لا تلمسه، ولا يكون المقصود خصوصيّة القرب المكاني ولو لم يأكله أو يلمسه، بل لو فرضنا أنّ القرب هنا بمعنى النهي عن الاقتراب من الشجرة، فكيف عرفنا بأنّ المحرّم عليهم هو الأكل وأنّ الاقتراب تمّ تحريمه بملاك وخصوصيّة سدّ الذرائع؟! فقد يكون المحرّم مطلق أشكال الاقتراب، والأكل هو أفظع أشكال الاقتراب منها، فحوسبا على الأكل لكونه أفظع أشكال الاقتراب من الشجرة وأجزائها.

وما نقوله من الاحتمالين التفسيريّين معاً تسمح به وقائع القصّة الواردة في سورة الأعراف، حيث قال تعالى: ﴿وَيَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (الأعراف: 19 ـ 23)، فقرينة الجزء الثاني من القصّة يصلح لإفادة أنّ المراد بالجزء الأوّل هو الأكل، كما يصلح العكس بحيث يكون الأكل هو المصداق الأبرز للاقتراب من الشيء الذي يكون بطبيعته مأكولاً. ومن ثمّ فليس هناك وضوح في القصّة يعطي فكرة الذرائعيّة، وعدم تعبير القرآن: فلما اقتربا من الشجرة، إنّما هو لأنّ الشيطان وسوس لهما بالأكل منها وأنّه يوجب الخلود، لهذا تحقق الاقتراب للشجرة منهما بارتكاب الأكل منها.

والراجح بنظري إطلاق النهي عن الاقتراب وإرادة النهي عن الأكل، تماماً كالتعبير بالاجتناب المراد منه فعل ما يقصد من هذا الشيء عادةً، وذلك في مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (المائدة: 90 ـ 91)، فإنّ الأمر بالاجتناب فهم منه المفسّرون والفقهاء ترك الخمر بترك شربها، وترك الميسر بترك فعله، ولو بقرينة الآية الثانية، لا اجتناب الميسر باجتناب الوقوف أمامه في نفسه مثلاً، بحيث إنّه لو اُريد كسره مثلاً لزم كسره عن بُعد حتى لا يقع المكلّف في الحرام!

وأيضاً في مثل قوله تعالى: ﴿.. فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (الحجّ: 30)، فإنّ اجتناب الأوثان أو اجتناب قول الزور تعبيرٌ عن عدم العبادة وعدم قول الزور، وإلا فلا يحرم على الشخص الوقوف بجانب من يقول قول الزور حال قوله له بحجّة هذه الآية، تماماً كما نقول: اجتنب الكذب، فلا يفهم منه عرفاً النهي عن الوقوف بجانب شخص يكذب!

بل إنّ الآية التي استشهدوا بها تصلح لشيء من القرينية في هذا السياق، وذلك أنّها قالت: ﴿وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ فوضعت نوعاً من المقابلة بين الأكل الرغد من الجنّة حيث يشاؤون وبين النهي عن الاقتراب من الشجرة، فيكون المعنى: إنّ لكما الأكل حيث تشاؤون سوى هذه الشجرة. وكلّ هذه الشواهد لو لم تصلح لما ندّعي فهي تربك بل تبطل استدلال المستدلّ هنا بهذه الآية على فكرة الذرائع([73]).

رابعاً: لقد افتُرض في النصّ السابع أنّ القاعدة في التعامل مع الكافرين هي الخشونة والغلظة، وهذا محلّ كلام، بل المستفاد من جمع الآيات القرآنيّة أنّ مقام الحرب غير مقام الوعظ، فمن الأصل لا يوجد سدٌّ للذريعة، بل من الأصل يوجد حكمٌ لحالة الوعظ وحكمٌ آخر لحالة الحرب، تماماً كحال المنهيّ عن المنكر، فإنّ أسلوب التعامل معه في البداية يكون باللين، وفي النهاية يكون ـ على المشهور ـ بالعنف. أمّا لو قُصد هنا أنّ آيات الحرب ومطلع سورة براءة نسخت كلّ شيء من قبلها، فلا يصحّ بعد هذا الاستناد إلى قصّة موسى وفرعون لتأسيس قاعدة في الذرائع؛ لأنّها سوف تصبح منسوخة الحكم بنصوص سورة التوبة وأمثالها، كما نسخت سائر نصوص الصلح والموادعة بهذه الآيات وفقاً لهذا الرأي.

خامساً: ما ذكره السيّد محمّد تقي الحكيم، من أنّ هذه النصوص لا تدلّ على أنّه لا توجد مفسدة في الوسائل، قال: «ولكن ليس في هذه المواقع التي عرضها (يقصد ابن قيم الجوزيّة) ما يصرّح بأنّ التحريم فيها جميعاً إنّما كان من أجل كونها وسيلة إلى الغير لا لمفاسد في ذاتها توجب لها التحريم النفسي، كضربهنّ بأرجلهن والنظر إلى الأجنبيّة، هكذا. وإذا شككنا في كون الحرمة نفسيّة أو غيريّة، فمقتضى إطلاقها أنّها نفسيّة؛ لأنّ الحرمة الغيريّة مما تحتاج إلى بيان زائد، ومع عدمه وهو في مقام البيان فالظاهر العدم»([74]).

هذه المناقشة سوف يأتي التوقّف عندها عند الحديث عن المحاولة الاستقرائيّة التي قام بها ابن قيم الجوزيّة وأمثاله، لكنّ استخدام الحكيم هنا هذا النوع من المداخلات ليس دقيقاً في مثل هذا النوع من الأدلّة؛ وذلك أنّ هناك فرقاً بين أن يقوم الباحث نفسه بمقاربة حكمين شرعيّين، ثم يقول بأنّ الحكم الأوّل يقع من باب سدّ الذرائع للحكم الثاني، مثل أن يقول بأنّ تحريم النظر إلى الأجنبيّة هو من باب سدّ الذرائع أمام الزنا، دون أن تشير النصوص الدالّة على تحريم النظر إلى شيء من ذلك، وبين أن يكون النصّ بعينه هو المشير إلى ذلك بحيث يربط لنا بين الحكم وبين حكم آخر فيفهمنا أنّ الأوّل جاء حمايةً للثاني.

فإذا قلنا بالحالة الأولى، فإنّ إشكال السيد الحكيم قد يجري وسيأتي بحثه، لكن لو قلنا بالحالة الثانية وتمّ فهم ذلك من النصوص، فلا يصحّ من السيد الحكيم أن يُشكل عليهم بأصالة النفسيّة واحتمال وجود مفاسد في الوسيلة بذاتها؛ لأنّ المفروض أنّ المستدلّ يعتمد على النصّ الذي يُفهمنا نوعاً من علّة الحكم فيه وطبيعته، والضرب بالأرجل يدّعي المستدلّ هنا أنّ الآية بنفسها تربطه بأمر آخر، فتكون بنفسها عنده ظاهرة في عمليّة سدّ الذرائع ودالّة عليه، فكيف نقول بعد ذلك بأنّ مجرّد تحريم الضرب بالأرجل لا يفيد كونه من باب سدّ الذرائع، وأصالةُ النفسيّة تنفي ذلك وأمثال هذا النوع من النقاش؟!

سادساً: إنّ جميع هذه الآيات الكريمة لا تفيد قاعدةً؛ بل هي موارد محدودة اعتمد فيها الشرع سدّ الذرائع، وهذا شيء لا نستطيع إنكاره كما سيأتي الحديث عنه قريباً بعون الله، ومن أين لنا أن نعرف أنّه يعتمد سدّ الذرائع في كلّ موارد الحرام، فضلاً عن اعتماد فتح الذرائع في الواجبات وأمثالها؟! إنّ الانتقال من موارد معدودة نحو تكوين قاعدة هي قفزة كبيرة تحتاج لتبرير منطقي وشرعي.

وهذا الجواب متوقّف على النظر في نصوص السنّة الشريفة، وماذا يمكن أن تساهم به هنا.

4 ـ 2 ـ مجموعة النصوص الحديثيّة، تأمّلات فاحصة

وكما كانت الحال في النصوص القرآنيّة، تمّ الاعتماد هنا على بعض النصوص الحديثية التي تشبه في كيفية الاستدلال بها طريقةَ الاستدلال بالنصوص القرآنية المتقدّمة، وأبرز ما يطرح هنا هو الآتي:

الحديث الأوّل: خبر عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله‘: «إنّ من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والدَيه»، قيل: يا رسول الله، وكيف يلعن الرجل والديه؟! قال: «يسبّ الرجل أبا الرجل فيسبّ أباه ويسبّ أمّه»([75]). فقد اعتبر سبّ الرجل لآباء الآخرين سبّاً لوالديه؛ نظراً لكون ذلك وسيلةً لهذا.

الحديث الثاني: خبر عائشة، قالت: قال لي رسول الله‘: «لولا حداثة عهد قومك بالكفر لنقضت الكعبة ولجعلتها على أساس إبراهيم، فإنّ قريشاً حين بنت البيت استقصرت»([76]).

فامتناع النبيّ عن تصحيح بناء الكعبة كان سدّاً لذريعة الكفر ممّن لا يزال حديث عهد بالإسلام.

الحديث الثالث: خبر جابر الأنصاري، يقول: غزونا مع النبيّ‘، وقد ثاب معه ناس من المهاجرين حتى كثروا، وكان من المهاجرين رجل لعاب فكسع([77]) أنصاريّاً، فغضب الأنصاري غضباً شديداً حتى تداعوا، وقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجريّ: يا للمهاجرين، فخرج النبيّ‘: «ما بال دعوى أهل الجاهليّة»، ثم قال: «ما شأنهم»، فاُخبر بكسعة المهاجري الأنصاري، قال: فقال النبيّ‘: «دعوها؛ فإنّها خبيثة»، وقال عبد الله بن أبي سلول: أقد تداعوا علينا، لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ، فقال عمر: ألا تقتل يا رسول الله هذا الخبيث، لعبد الله، فقال النبيّ‘: «لا يتحدّث الناس أنّه كان يقتل أصحابه»([78]).

فالحديث واضح في أنّ النبيّ لم يكن يرى أنّ قتل مثل هذا الرجل محرّم في نفسه، بل امتنع عن قتله سدّاً للذريعة؛ لأنّ انتشار خبر أنّ محمّداً يقتل أصحابه يُلحق الضررَ الكبير بالدعوة الإسلاميّة.

الحديث الرابع: خبر أبي هريرة، أنّ وفد عبد القيس حيث قدموا على النبيّ‘، نهاهم عن الحنتم والنقير والمزفت والمزادة المجبوبة، وقيل: انتبذ في سقائك وأوكه واشربه حلواً طيّباً، فقال رجل: يا رسول الله، أئذن لي في مثل هذه، قال: «إذن تجعلها مثل هذه»، قال يزيد: وفتح هشام يده قليلاً: إذن تجعلها مثل هذه، وفتح يده شيئاً أرفع من ذلك([79]).

فإنّ النبيّ لم يقبل من الرجل ما أراد؛ لأنّه يعلم أنّه لو منحه الرخصة لزاد عن الحدّ، فوقع في الحرام، وهذا ليس إلا سدّاً للذريعة.

الحديث الخامس: خبر ابن عباس، أنّ رسول الله‘، نهى أن تزوّج المرأة على العمّة وعلى الخالة، وقال: «إنّكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم»([80]).

فإنّ نهي النبيّ إنمّا كان سدّاً لذريعة قطع الأرحام، حيث ستقع مشاكل لاسيما بين الخالة وابنة اُختها، والذي هو محرّم في أصل الشرع.

الحديث السادس: خبر عائشة، قالت: قال رسول الله‘: «إذا نعس أحدكم فليرقد، حتى يذهب عنه النوم؛ فإنّه إذا صلّى وهو ينعس، لعلّه يذهب يستغفر فيسبّ نفسه»([81]).

فإنّ الأمر بالنوم هنا جاء سدّاً لذريعة وقوع مفسدة السبّ لنفسه.

يضاف لهذه النصوص كلّ ما دلّ على الحث على الاحتياط في موارد الشبهات، وتركها حذراً من الوقوع في الحرام، وأنّ محرّمات الله حماه ومن حام حول الحمى أوشك أن يقع فيها، وهي نصوص عديدة موجودة عند مختلف مذاهب المسلمين، ولذلك قال القرطبي عنها: «فمنع من الإقدام على الشبهات مخافة الوقوع في المحرّمات، وذلك سدّاً للذريعة».

وغير ذلك من النصوص([82]).

هذا، وقد ذُكرت العديد من النصوص التي لا يشير النصّ فيها إلى العلاقة الذرائعيّة بين الفعل ونتيجته، بل تكمن هذه العلاقة في الاستنتاج، لهذا لا نذكرها هنا، ولا نطيل، بل نتركها للدليل الاستقرائي.

وهذا الدليل من السنّة الشريفة، يمكن الجواب عنه:

أوّلاً: ما ذكره بعض الباحثين، من أنّ الحديث الأوّل لا ربط له بالذرائع؛ لأنّ سبّ أو لعن الرجل لآباء وأمهات الرجل الآخر هو في نفسه حرام، فلا تنطبق هذه الحالة على الاجتهاد الذرائعي؛ لأنّ المفروض فيه إباحة الذريعة في نفسها أو كونها ذات مصلحة، وهذا غير متوفّر هنا، وهكذا الحال في الحديث الخامس؛ لأنّه يحرّم الزواج على العمّة والخالة حتى لو وقع الرضا من جميع الأطراف، وهذا يدلّ على أنّ هذا التحريم هو في أصل الشرع، وليس من باب سدّ الذرائع([83]).

وهذا الإشكال ـ لو لم يفرّ منه المستدلّ هنا عبر القول بأنّ الحديث الأوّل مطلق من حيث جواز لعن أب الطرف الآخر أو لا ـ يمكن الجواب عنه بأنّ الاستدلال بهذا الحديث لا يقوم على الربط بين الذريعة والنتيجة ومدى توفّر شروط التفكير الذرائعي في المورد، بل يقوم على تنزيل الحديث نفسه سبَّ الآخرين على أنّه سبّ لوالده وأمّه، وهذا التنزيل هو روح التفكير الذرائعي؛ لأنّ اعتبار فعلٍ هو ذريعة، أنّه فعلٌ آخر هو نتيجة، معناه تنزيل الذريعة منزلة النتيجة، وهذا التنزيل أوّل آثاره هو لحوق حكم النتيجة للذريعة، فالعمليّة التي استخدمها الحديث هي عملية ذرائعيّة بصرف النظر عن المصداق، ولهذا لو جاز سبّ أب الطرف الآخر، لأيّ سبب من الأسباب، فالحديث يظلّ قائماً.

وهكذا الحال في الحديث الخامس، فإنّ اعتبار النبيّ أنّهم قطعوا أرحامهم هو سدّ للذريعة؛ باعتبار غلبة تحقّق الصراعات العائلية عقب ذلك، وهذه الغلبة كافية في إصدار حكمٍ كلّي بسدّ الذريعة؛ لاحتمال أنّ النزاعات العائلية ربما تشرع بعد الزواج ولو عن تراضٍ.

وقد حاول الشيخ ابن تيمية الحراني مقاربة هذا الموضوع عندما كان بصدد التمييز بين آية النهي عن سبّ آلهة الكافرين والحديث الأوّل هنا، حيث قال: «فقد جعل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم الرجلَ سابّاً لاعناً لأبويه إذا سبّ سبّاً يجزيه الناس عليه بالسبّ لهما وإن لم يقصده، وبين هذا والذي قبله فرقٌ؛ لأنّ سبّ أبا الناس هنا حرام، لكن قد جعله النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من أكبر الكبائر؛ لكونه شتماً لوالديه لما فيه من العقوق، وإن كان فيه إثمٌ من جهة إيذاء غيره»([84]).

فابن تيمية هنا كأنّه يريد أن يجعل الاستخدام الذرائعي الموجود في الحديث لا بهدف تحريم سبّ آباء الناس الذي هو محرّم من قبل، بل بهدف رفع مستوى تحريمه ليكون من الكبائر كما يشير لذلك مطلع الحديث، وكلامه من هذه الجهة مقنعٌ أيضاً.

ثانياً: إنّ بعض النصوص المتقدّمة ـ مثل الحديث الثاني والثالث ـ لا يمكننا فهمها بوصفها تأسيساً لكليّة قاعدة الذرائع؛ بل هي من باب التزاحم وتقديم الأهم على المهم؛ فإنّ النبيّ ترك مصلحة قتل المنافق أو تصحيح عمارة الكعبة (لو قلنا بأنّهما واجبان أو مستحبان، وليسا فقط مباحين) لتجنّب مفسدة أعظم بكثير، يمكنها أن تهدّد الدعوة الإسلاميّة، وهذا من نوع تصارع المصالح والمفاسد، وقد قلنا سابقاً بأنّ قانون التزاحم لا يساوي قاعدة الذرائع، بل هو أخصّ منها، وسيظهر هذا الأمر جليّاً أكثر عندما نتكلّم عن قانون تزاحم المصالح والمفاسد.

ولهذا يعلّق الإمام النووي (676هـ) على الحديث الثاني هنا بالقول: «وفي هذا الحديث دليلٌ لقواعد من الأحكام، منها إذا تعارضت المصالح أو تعارضت مصلحة ومفسدة وتعذّر الجمع بين فعل المصلحة وترك المفسدة، بدئ بالأهمّ؛ لأنّ النبيّ‘ أخبر أنّ نقض الكعبة وردّها إلى ما كانت عليه من قواعد إبراهيم صلى الله عليه وسلم مصلحة، ولكن تعارضه مفسدة أعظم منه، وهي خوف فتنة بعض من أسلم قريباً..»([85]).

ثالثاً: إنّ الحديث الخامس كما يمكن فهمه بالطريقة التي طرحها المستدلّون هنا، كذلك يمكن فهمه على قانون الحكومة بالمصطلح الأصولي، بمعنى أنّه لا يوجد قطعٌ حقيقي للرحم هنا، خاصّة مع رضا جميع الأطراف، إلا أنّ الحديث منع من ذلك ونزّل الزواج على العمّة والخالة بمنزلة قطع رحمهما، وأنّه تصرّفٌ كقطع الرحم، وبهذا يخرج المورد عن قاعدة الذرائع، لأنّ تحريم الزواج لم يكن لسدّ ذريعة قطع الرحم؛ إذ لا قطع للرحم حقيقة هنا إطلاقاً، بل تحريمه بذاته، وبيان تحريمه كان عبر تنزيله اعتباراً منزلة قطع الرحم، فبدل أن يقول: لا تتزوّجوا على العمّة والخالة، فهو حرام كحرمة قطع الرحم، قال: إنّه منزّل منزلة قطع الرحم، وفائدة التنزيل بيان شدّة حرمته الذاتيّة ـ لا الوسائليّة ـ بمستوى حرمة قطع الرحم.

لكنّ هذا النمط من المناقشة ـ بصرف النظر عن أصل نظريّة الحكومة ـ ينبغي أن يخضع لمعايير الفهم العرفي ما دامت الحكومة لا تخرج عن قانون دلالات النصوص في علاقاتها ببعضها، وهي دلالات يكون المرجع الفهمي فيها هو العرف اللغوي والاجتماعي العام، ويبدو لي أنّ ارتباط الزواج على العمّة والخالة بواقعيّة قطع الرحم، هو ارتباط منطقي، بحيث عندما يسمع المتلقّي شيئاً من ذلك فهو يقترب من الفهم الذرائعي أكثر من اقترابه من موضوع التنزيل التعبّدي، نعم من الممكن أن يكون الإطلاق هنا تعبّديّاً بهدف سدّ الذرائع، وهذا غير إلغاء فكرة الذرائعيّة والواقعيّة في العلاقة بين الزواج على العمّة وقطع الرحم، غاية الأمر أنّه يلزم على الفقيه الذرائعي هنا ـ لو قَبِل بهذا الحديث ـ أن يذهب ناحية التحفّظ، ولو أحياناً، على الزواج من سائر الأرحام، مثل ابنة العمّة على ابنة عمّها وهكذا.

رابعاً: إنّ الاحتياط في موارد الشبهات، لا ينبغي خلطه مع موضوع بحثنا؛ لأنّ الاحتياط هناك:

أ ـ إن قصد منه مثل موارد العلم الإجمالي وموارد الشكّ في المكلّف به، فمستنده ليس ذهنيّة الذرائع، بل حكم العقل بلزوم تفريغ الذمّة في الموارد التي لا يحصل فيها يقين بالتفريغ إلا بترك أو فعل تمام الأطراف؛ لقاعدة الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني.

ب ـ وأمّا إن قصد منه موارد الشكّ في التكليف، فلو صحّ جريان الاحتياط هنا ـ ولا يصحّ؛ لأنّ القاعدة هي البراءة ـ فهو لا يؤسّس لقانون الذرائع؛ لأنّ الموضوع مختلف؛ فإنّ موضوع الاحتياط هو ارتكاب فعلٍ يمكن أن يكون في نفسه محرّماً، بينما موضوع الذرائع هو ارتكاب فعلٍ يمكن أن يفضي إلى محرّم معلوم الحرمة، إلا إذا قيل بأنّنا نشكّ في حرمة الوسيلة، ومقتضى القاعدة في موارد الشكّ البدوي هو الاحتياط، فتكون النتيجة مطابقةً للغاية التي يستهدفها الذرائعي. لكنّ النتيجة رغم اتحادها عمليّاً مختلفة نظريّاً؛ لأنّ الاحتياط حكم ظاهري لتفادي الوقوع في الحرام الواقعي وهو نفس الوسيلة، بينما الذرائعيّة استنتاج لحكم واقعي في الوسيلة بات معلوماً بقانون سدّ الذرائع، وتترتّب الثمرة لو قام دليل على تحليل الوسيلة، فإنّه يقع معارضاً لدليل تحريمها ذرائعيّاً، بينما هو وارد ويُلغي موضوع تحريمها احتياطاً.

خامساً: إنّه لو تمّت كلّ هذه الأدلّة النصيّة في الكتاب والسنّة ـ ولنترك مسألة الاحتياط جانباً ـ فغاية ما تثبت، كما قلنا في البحث القرآني، اعتماد الشريعة على الذهنيّة الذرائعيّة في بعض الموارد المحدودة، ومن ثمّ فكيف لنا أن نقفز من هذه الموارد لادّعاء أنّ الشارع اعتمد الذرائعيّة في كلّ مواردها وهي بالمئات أو الآلاف؟ فهناك فرق بين قضيّتي:

ثمّة موارد ثبتت في الشرع، عُلم منها اعتماد الشارع على سدّ الذرائع.

كلّ سدٍّ للذرائع فهو معتمد عند الشارع.

وأمّا قول الشاطبي: «وإذا ثبت هذا المعنى في بعض الذرائع ثبت في الجميع؛ إذ لا فرق فيما لم يدع مما لم ينص عليه إلا ألزم الخصم مثله في المنصوص عليه، فلا عبادة أو مباحاً يتصوّر فيه أن يكون ذريعة إلى غير جائز إلا وهو غير عبادة ولا مباح..»([86])، فهو غير دقيق؛ فمن أين لنا أن ننفي وجود فرق بين الحالات؟! فلعلّ الشارع خصّ بعض الحالات بقانون الذرائع دون بعض؛ لعلّةٍ لا نعرفها، والنافي للذرائعيّة لا ينفي أصل وجودها بالمطلق في الشرع حتى يُلزَم بأصل وجودها، بل هو ينفي قانونيّتها وكليّتها ومرجعيّتها الاستدلاليّة في كلّ ما لا نصّ فيه عندما يقع طريقاً لما هو محرّم أو واجب، فمقاربة الشاطبي هنا غير مقنعة أبداً، والعبور من موارد محدودة جدّاً لقاعدة بهذا الحجم غير منطقي.

وما يمكن أن نستنتجه هو أنّ الاستناد للنصوص القرآنية والحديثيّة ـ لو ثبت صدور كلّ هذه النصوص الحديثيّة، خاصّة على مثل مسلكنا في عدم حجيّة خبر الواحد ـ لتأسيس قاعدة بحجم قاعدة الذرائع، خارج إطار القواعد الثابتة الأخرى ومستقلّة عنها، غير دقيق.

إفتاء الإمام محتاطاً وعلاقته بسدّ الذرائع في بنية الشريعة

قبل أن نترك البحث القرآني والحديثي هنا، ولكي نتناول جانباً حديثيّاً مكمّلاً للنصوص الحديثيّة المتقدّمة، يمكن أن نلاحظ أنّ ثمّة رواية تتكلّم عن ممارسة الإمام ـ المعصوم عند الشيعة ـ للاحتياط في منطلقات تشريعاتٍ يخبر ببيانها عن حكم الله سبحانه، ومن ثمّ فلا معنى لهذا الاحتياط سوى أنّه يعتمد مثل سدّ الذرائع والحيلولة دون الوقوع في الحرام الأصلي.

والرواية العُمدة هنا هي الخبر المعتبر، عن شعيب الحدّاد، قال: قلتُ لأبي عبد الله الصادق×: رجلٌ من مواليك يُقرئك السلام، وقد أراد أن يتزوّج امرأةً قد وافقته، وأعجبه بعضُ شأنها، وقد كان لها زوجٌ، فطلَّقها ثلاثاً على غير السنّة، وقد كره أن يُقدم على تزويجها حتّى يستأمرك، فتكون أنت تأمره، فقال أبو عبد الله×: «هو الفرج، وأمر الفرج شديدٌ، ومنه يكون الولد، ونحن نحتاط؛ فلا يتزوَّجها»([87]).

هذه الرواية وقعت موقع البحث بين الفقهاء فيما يتّصل بالنكاح والطلاق وقاعدة الإلزام، وبحثوا في أنّها تُصدر حكماً إلزاميّاً أو غير إلزامي، وغير ذلك. كما تعرّض بعضهم إلى أنّ الشبهة هنا موضوعيّة، لا حكميّة. والنقطة المركزيّة في هذه الرواية هي تفريعها النهي عن الزواج على إثبات الإمام الاحتياط لنفسه، وبهذا يمكن أن تكون ذات صلة ببحثنا وشاهداً على أنّ تشريع التحريم هنا كان سدّاً للذرائع وحمايةً لتشريع آخر، الأمر الذي يفرض التوقُّف عندها، رغم كونها ليست إلا خبراً آحادياً، نادراً في مضمونه، ليس بحجّةٍ في ذاته عندي.

يحتمل هنا عدّة تفسيرات لهذه الرواية:

التفسير الأوّل: أن يريد الإمام الإخبارَ عن حالته الشخصيّة، وأنّه يحتاط في مثل هذه الموارد، بمعنى أنّه لو واجه شيئاً من هذا القبيل فهو لا يُقدم على الزواج من هذه المرأة. ونتيجة ذلك نهي السائل عن هذا الأمر. فالاحتياط هنا جاء في مجال الفعل الشخصيّ، لا في مجال الاحتياط في الفتوى.

وسببُ هذا الاحتياط أنّه من الممكن أن يكون ما صدر من طلاق من هذا الشخص فاقداً لبعض الشروط التي هي لازمةٌ، مثل: عدم وقوعه أثناء الحيض.. فكأنّ الإمام يقول: إنّ هؤلاء لا يراعون عمليّاً شروط الطلاق الشرعيّة، حتّى التي هي لازمةٌ عندهم، وهذا كثيرُ التحقُّق خارجاً، ولمّا كان أمر الفرج عظيماً لهذا نحن نحتاط، ونطلب أيضاً منه أن لا يتزوَّجها؛ لأنّ هذا الاحتياط لازم. فيكون المورد من موارد الفتوى بالاحتياط في الشبهة الموضوعيّة، لا الاحتياط في الفتوى.

وهذا الاحتمال، الذي قد يُستوحى من كلمات الشيخ الطوسي([88])، لا يوجد عليه أيُّ شاهدٍ في الحديث، بل لو كان الأمر كذلك للزم أن نلاحظ هذا الاحتياط اللازم أثناء بيان الأئمّة قاعدة الإلزام، فهناك هو الموضع المناسب للتقييد، ومع ذلك لا نجد شيئاً من مثل هذه التعابير في نصوص قاعدة الإلزام، فضلاً عن معارضته لقاعدة حمل عمل المسلم على الصحّة. فافتراض وجود مبرّر لم يُذكر في سؤال السائل، ولا في جواب الإمام، ولا دليل عليه خارجاً، وأنّهم كانوا يتساهلون في بعض شروط الطلاق اللازمة عندهم..، يبدو لي بعيداً في احتماله.

التفسير الثاني: أن تفسّرالرواية بأنّ المطلَّقة والمطلِّق لا يوجد في الرواية ما يشير إلى كونهما غير إماميّين، حتّى يكون المورد من موارد قاعدة الإلزام، بل قد يكونان إماميّين، ومن ثمّ فيمكن أن يكون طلاق الإمامي ثلاثاً على غير السنّة موجباً للاحتياط أو لحسن الاحتياط؛ لوجود شبهة البطلان. فلهذا احتاطَ الإمام ونهى عن التزويج؛ فإنّ نهيه عن التزويج متفرّعاً على الاحتياط لا معنى له سوى أنّه نهاه احتياطاً.

وهذا الاحتمال واردٌ جدّاً، ومعه لا معنى للجزم بحرمة الزواج؛ لأنّ الطلاق ثلاثاً في مجلسٍ واحد ـ لو أُريد من الرواية ـ يوجب وقوع طلاق واحد، لا بطلان الطلاق.. فكأنّ الإمام بنفسه محتاطٌ هنا في الحكم.

ولكنّ هذا التفسير يتصادم مع مبدأ علم الإمام بالأحكام كلّها، وفقاً للعقيدة الإماميّة. فإما أن يكون هذا الزواج جائزاً أو لا، فما هو موجب النهي المتفرّع على الاحتياط؟! يضاف إلى ذلك أنّ قضيّة المطلّقات ثلاثاً على غير السنّة قضيّة معروفة في الفقه المقارن، ووردت روايات أخرى في نفس هذا الموضوع، في أنّ الطرف الآخر ليس بشيعيّ، فالمنصرف من الرواية هو كون الطرف الآخر سنّياً، والمفروض عدم ذكر خللٍ آخر في الموضوع. فكلا التفسيرين المتقدِّمين لا وضوح فيهما، سواء فسّرنا الاحتياط على أنّه وجوبيّ أم استحبابيّ.

التفسير الثالث: ما ذكره بعض المعاصرين، من أنّ الرواية لم تَرِدْ في المطلّقة ثلاثاً، وإنما وردت في المطلّقة على غير السنّة: «فطلَّقها على غير السنّة». والطلاق على غير السنّة هو الطلاق البِدْعي. والطلاق البِدْعي على أنواع: منه باطلٌ، كالطلاق حال الحيض أو في طهر المواقعة، وهذا الطلاق باطلٌ إذا صدر من إماميّ؛ ومنه ما هو صحيحٌ، كالطلاق ثلاثاً مرتبةً؛ إذ يقع صحيحاً، غايته يكون طلاقاً واحداً. والراوي هنا لم يعيِّن أيّ نوعٍ هذا الذي وقع على غير السنّة من أنواع الطلاق البِدْعي، ولهذا تكون الشبهة موضوعيةً، لا حكميةً؛ إذ مع عدم التعيين من الراوي يُعلم أنه كان جاهلاً بطبيعة الطلاق الذي وقع، وأنه من أيّ أنواع الطلاق البِدْعي، بل هو يعلم أنّه طلاق بِدْعي فقط، فكان الموقف الشرعي في هذه الحال هو وجوب الاحتياط أو استحبابه، فأفتى له الإمام بالاحتياط ـ ولو بوصفه حكماً واقعيّاً ثانويّاً ـ، لا أنّ الإمام قد احتاط في الشبهة الحكميّة([89]).

وهذا التفسير للحديث مبنيٌّ على قراءة الرواية في كتاب «تفصيل وسائل الشيعة»؛ إذ وردت فيه على الشكل الآتي: «فطلَّقها على غير السنّة»([90]).

إلاّ أنّ الصحيح أنّ الرواية تشتمل على كلمة «ثلاثاً» بعد كلمة طلّقها؛ فيكون معنى غير السنّة هو وقوع ثلاث طلقات مرتّبة، والمفترض الحكم بالصحّة لواحدة، لا الاحتياط، فهو من الطلاق البِدْعي الصحيح. وسبب صحّة كلمة (ثلاثاً) أنّها موجودة في المصادر الأصل لهذه الرواية، وهي: الكافي والتهذيب والاستبصار، مضافاً إلى نقلها على هذه الطريقة عند المجلسي الأوّل والفيض الكاشاني والمجلسي الثاني([91])، الأمر الذي يؤكِّد ـ مع عدم إشارة أحد من محقِّقي الكتب الأربعة إلى وجود نسخةٍ حذفت منها كلمة «ثلاثاً» ـ وقوع سقط واشتباه في كتاب الوسائل، كما هو ليس بقليلٍ، وفقاً لما هو معروفٌ.

يُضاف إلى ذلك، أنّ السائل لم يشرح أنّه لا يعرف سبب بِدْعيّة الطلاق، ولم يُشِرْ إلى هذا الأمر في مفروض المسألة، والإمام لم يسأله عن ذلك! مع أنّ المفترض منطقيّاً أن يسأله عن قصده من الطلاق البِدْعي ما دام لم يُبرز جهله بالسبب. ومع ذلك كلّه لا نستطيع تفسير الرواية بهذه الطريقة. مضافاً إلى التأييد بأنّ مقتضى حمل عمل المسلم على الصحّة هو تصحيح الطلاق.

التفسير الرابع: وهو تفسير الحديث بأنّه طلَّق ثلاث طلقات بينها رجعة على الطريقة الشرعيّة، غايته أنّ كلّ طلاق من هذه الطلقات لم يكن على السنّة، بل كان على غير السنّة، فما هو على غير السنّة ليس التثليث نفسه، بل المثلَّث والطلاقات الثلاث نفسها، ولمّا لم يتمّ تحديد مبرّر البِدْعيّة لزم الاحتياط.

لكنّه صار واضحاً أنّ عدم سؤال الإمام وعدم توضيح السائل، وعدم قولهم شيئاً من هذا، يربك مثل هذه التفاسير. فضلاً عن أن تعبير الطلاق ثلاثاً على غير السنّة يفهم منه في ألسنة الروايات وقوع ثلاث طلاقات مرتّبة، وهي الحالة التي يُفترض فيها الحكم بصحّة الطلاق الواحد. إضافة إلى ما قلناه من أصالة الصحّة في عمل المسلم.

التفسير الخامس: أن يفسَّر الاحتياط هنا بمعنى الاحتياط المستحبّ؛ لعدم انسجام الاحتياط الواجب مع المعلوم في الفقه من صحّة الطلاق الثلاث، ووقوعه طلاقاً واحداً([92]).

وهذا التفسير غير مفهوم، فإنّه لا يغيّر من معنى الاحتياط شيئاً لو عدّلنا صفة الوجوب، ووضعنا مكانها صفة الاستحباب. فنحن لا نبحث في الاستحباب والوجوب، بل في نفس معنى الاحتياط هنا. فإذا كان الحكم هو الجواز واقعاً فما معنى الاحتياط، ولو المستحبّ، بالنسبة إلى مَنْ هو عالمٌ بالأحكام الواقعيّة؟ هنا مكمن المشكلة؛ إذ المشكلة الحكميّة بعيدةٌ اعتقاديّاً عند الإماميّة، والشبهة الموضوعيّة غير مفهومة هنا بعد ما ذكرناه سابقاً، وإلا لزم جريانها في مطلق المطلّقة، بل إنّ ظهور النهي في آخر الرواية قد يُقال بأنّه يفيد التحريم، فيكون احتمال الاستحبابيّة مرجوحاً.

التفسير السادس: ما ذكره المحدِّث البحراني ـ بوصفه احتمالاً ـ، من أنّ الرواية ولو عبَّرت بالاحتياط إلاّ أنّ المراد هو الحكم. فالقالب احتياطيٌّ، والمضمون حكمٌ واقعيّ. فيكون معنى الرواية: أمرُ الفروج عظيمٌ، ونحن نتجنّب ذلك، فلا تتزوَّجْ أنت أيضاً([93]).

وهذا التفسير يحتاج إلى شاهدٍ، ولاسيَّما أنّ مطلع الرواية بيانٌ لخطورة أمر الفروج والأنساب، المناسبة للاحتياط بمعناه الحقيقي. فحمل الاحتياط على خلاف معناه مخالفٌ لظاهر الحديث، بلا قرينة.

ولكنْ قد يمكننا تقوية هذا الاحتمال بطريقةٍ أخرى، تعتمد العودة اللغوية لكلمة (نحتاط)؛ فإنّ أصل الاحتياط من إحاطة الشيء لحفظه، ومنه: نصب الحائط حول الشيء لحمايته. فإذا قبلنا أنّ الإمام استخدم المعنى اللغوي لهذه الكلمة فيكون المعنى: أمر الفروج عظيمٌ، ونحن نضع حائطاً بيننا وبين هذا الموضوع، ولا نقتحمه، فلا يتزوّجها.. فتكون الرواية دالّةً على الفتوى بالترك، لا الاحتياط في الفتوى، ولا الفتوى بالاحتياط. نعم، غايته تقع الرواية على الطرف المعارض لما دلّ على جواز الزواج من هذه المرأة بعد وقوع الثلاث طلاقاً واحداً، وهذا أمرٌ آخر يبحث في قاعدة الإلزام، وفي فقه الطلاق.

وهذا المعنى للاحتياط تتحمَّله بعض روايات الاحتياط التي وظّفها الإخباريّون، وبُحثت في علم أصول الفقه، مثل: أخوك دينك فاحتَطْ لدينك، ويكون المعنى: افعل كلّ ما من شأنه أن يحفظ لك دينك والتزامك الشرعي، وابتعد عن كلّ ما قد يضرّ بدينك وإيمانك. وهذا لا علاقة له بالأحكام الواقعيّة، بل بدين المرء. ومنه: لا تعاشر أهل الفسق إذا خفْتَ من إضلالهم لك، وأمثال ذلك، فعليك بالاحتياط، وبهذا يكون الاحتياط بمفهومه السائد في أصول الفقه ليس سوى تطبيق للمعنى اللغوي حتى لو ورد في النصوص الحديثيّة فإنّه يرد بوصفه تطبيقاً لا بوصفه تفسيراً، والتفصيل في محلّه.

التفسير السابع: ما يمكننا طرحه في المقام، وهو يقوم على مسألةٍ مهمّة في فقه قاعدة الإلزام، وهي تقول: هل مفاد قاعدة الإلزام هو الصحّة الواقعيّة أو الإباحة والتحليل؟

وهذه المسألة طُرحت في عصر السيد محسن الحكيم، حيث وُجّه له استفتاءٌ حول شخصٍ من أهل السنّة طلَّق زوجته طلاقاً غير جامع للشرائط عند الإمامية، بينما هو مستوفٍ للشروط في مذهبه، وبعد ذلك استبصر، فهل له أن يرجع بزوجته بعد الاستبصار، أو أنّه ليس له ذلك؟

وقد اختلفت الآراء في هذه المسألة؛ فاعتبر السيد محسن الحكيم ـ الذي أفرد رسالة جواباً على هذا الاستفتاء، ونشر مضمونها في المستمسك ـ أنّ له الرجوع بزوجته؛ لأنّ الطلاق باطلٌ في واقعه، وأما قاعدة الإلزام فهي لا تصحِّح الطلاق الذي وقع، وإنما تبيح للشيعي الزواج من هذه المطلّقة إلزاماً لغيره([94])، وتسهيلاً لأمر العباد.

وطرح المسألةَ الشيخُ حسين الحلّي (1397هـ)، وخالف في ذلك السيدَ محسن الحكيم، ذاهباً إلى عدم بقاء تلك المرأة على زوجيّة زوجها الأوّل، فلو استبصر أو استبصرا لا تعود إليه إلاّ بعقدٍ جديد([95]).

وتحليل هذه المسألة يرجع إلى فهم حقيقة قاعدة الإلزام، فهل تعني صحّة طلاق غير الشيعي واقعاً أو تحليل نكاح الشيعيّ لهذه المطلّقة، لا أكثر؟ وبناءً على هذه المسألة يمكن فهم هذه الرواية التي نحن بصددها هنا.

فوفقاً لرأي السيد الحكيم هذه المرأة ما تزال على زوجيّة زوجها السنّي واقعاً، ورخّص للشيعيّ بالزواج منها بالإلزام للغير بما ألزم به نفسه. وهذه الرواية هنا تريد أن تسحب هذه الرخصة من الشيعيّ والإباحة الواقعيّة الثابتة له بمقتضى قاعدة الإلزام؛ لخطورة المورد، فكأنها تقول: هذه المرأة زوجةُ ذلك الرجل واقعاً إلى الآن، وأمر الفروج عظيمٌ، ورغم أنّ أصل الشريعة يسمح لك بالزواج منها، إلاّ أنّني أصدر حكماً احتياطيّاً؛ حمايةً لعدم الزواج بزوجة الغير. فالزواج بزوجة الغير جائزٌ، لكن مع ذلك هو خطيرٌ في مضمونه، فيلزم الترك؛ احتياطاً من الوقوع في نفس حالة نكاح مَنْ هي زوجة غيره، فالتحريم هنا جاء احتياطاً من الوقوع في هذه الحال ـ حال الزواج بزوجة الغير ـ، لا أنه حرامٌ في نفسه. ولهذا عبَّر بالاحتياط، ولم يُفْتِ مباشرةً.

وبعبارةٍ أخرى: كأنّ الإمام يريد أن يقول: إنّ أمر الفرج عظيمٌ، وإنّ لك أن تتزوّج بهذه المرأة إلزاماً من حيث المبدأ، لكنّني أحكم بتجنُّب ذلك؛ إذ هو زواجٌ بزوجة الغير، وأرى الاحتياط فيه شيئاً ضرورياً، فاتركه. والاحتياط في أصله اللغوي من وضع حائط حول الشيء، فعندما قال الإمام: ونحن نحتاط، أي نضرب سياجاً نمتنع نتيجته عن فعل ذلك.

وعلى هذا التفسير سيكون نهي الإمام له عن التزويج قد انطلق من احتياطٍ وحيلولةٍ دون وقوع أمرٍ يستحسن عدم الوقوع فيه، ولو كان جائزاً في أصل الشرع، وعلى مستوى الأحكام الأصليّة. فتكون هذه الرواية مساندةً لفكرة سدّ الذرائع بدرجةٍ من الدرجات، لا بتمام المعنى.

إلاّ أن هذا التفسير للحديث، حتّى لو فرضناه في نفسه صحيحاً، ولاسيَّما لو حملنا الاحتياط على الاستحباب هنا، لا يطابق مفهوم الاجتهاد الذرائعي هنا؛ لأنّ المفهوم الذي ندّعيه هو صيرورة حكمٍ ما ممهداً أو سادّاً الطريق تجاه حكمٍ آخر. وهنا لا يوجد حكمان أساساً؛ فإن الرواية تنهى عن نفس ما هو حلالٌ شرعاً للشيعيّ، لا أنها تنهى عن شيءٍ ليكون ذلك مقدّمةً لترك شيءٍ حرام آخر. ولهذا قد يُستبعد هذا التفسير للرواية من خلال أنّ الإمام يحتاط في شيءٍ هو نفسه أفتى بجوازه؛ فإمّا أن يكون الزواج من زوجة السنّي (المطلّقة منه على مذهبه) حراماً في الأصل؛ أو حلالاً؛ فإنْ كان حراماً فلا معنى لكلمة الاحتياط؛ وإنْ كان حلالاً فما هو مبرّر الاحتياط هنا؟! هذا ما يجب إبرازه بعد كون الفتوى هو صحّة الطلاق واحداً.

التفسير الثامن: إنّ الاحتياط لا يخلو منشؤه أن يكون إمّا لشبهة موضوعية؛ أو حكميّة:

أمّا الشبهة الحكميّة فلا معنى لها هنا على مباني الإماميّة؛ إذ لازمها القول بأنّ أهل البيت لا يعرفون بعض الأحكام. فإذا قبل شخصٌ ذلك ـ كون أهل البيت رُبَما لا يعرفون حكماً شرعيّاً ما، ولو بنسبة الواحد في المائة ـ لم تكن في الرواية أيّ مشكلةٍ، وإلاّ فلا معنى لها.

وأمّا الشبهة الموضوعيّة فلا يظهر في الرواية ما يشير إلى شبهةٍ موضوعيّة إطلاقاً، لكنْ يلزمنا القول بوجود شبهة موضوعيّة مركوزة في هذه الموارد ـ بعد استبعاد الشبهة الحكميّة؛ لتعيُّن واحدة منهما قَهْراً ـ هي التي دَعَت الإمام للإلزام بالترك احتياطاً، بنحو الفتوى بالاحتياط. فعدم ظهور الشبهة الموضوعيّة لنا تعييناً لا ينفي تعيُّنها قَهْراً، ومن ثم فتكون الرواية مجملةً، لا يُستند إليها في معارضة ما دلّ على جواز هذا النكاح.

وبهذا التفسير لا تكون هذه الرواية مثبتةً لشيءٍ في باب انتهاج النبيّ أو الإمام سبيل التشريعات الذرائعيّة، بل تكون أجنبيةً عن مورد بحثنا.

وعليه، فإما أن نقبل بالتفسير السادس المتقدِّم بالطريقة التي بيَّناها، والمعتمدة على اللغة الأصلية للكلمة، أو نأخذ بالتفسير الثامن المفضي إلى شيءٍ من إجمال الرواية. وعلى كلا التقديرين فهذه الرواية لا تصلح في بحثنا هنا، ولا تستطيع أن تساعدنا في إثبات مفهوم التشريعات الذرائعيّة.

5 ـ مرجعيّة الاستقراء في تكريس الاجتهاد الذرائعي

يعدّ الاستقراء من أهمّ أدلّة الذرائعيّين، وقد بنى عليه ابن قيم الجوزيّة وابن تيمية وغيرهما إلى يومنا هذا، وسوف نشرح هذا الدليل، خاصّة في ضوء ما قدّمه هذان العالمان، لنفهم آليّة الاستدلال به عندهم.

يقوم الدليل الاستقرائي على عنصرين أساسيّين ونتيجة:

1 ـ تقرّي عدد هائل من الأحكام الشرعيّة في مختلف الأبواب الفقهيّة، واستكشاف أنّ البنية التي تقوم عليها شبكة العلاقات بين هذه الأحكام هي بنية (الوسائل والنتائج)، وأنّ الشريعة في كلّ هذه الموارد، حرّمت الوسائل نتيجة تحريم النتائج أو مقارنة لتحريمها.

2 ـ إنّ كثرة هذه الموارد في مختلف أبواب الشريعة يسمح لنا ـ بالاستقراء المفيد لليقين العادي ـ أن نقول بأنّ الشريعة مبنيّة على تحريم الذرائع المفضية غالباً أو طبعاً([96]) أو كثيراً إلى النتائج المحرّمة وهكذا.

3 ـ انطلاقاً من النقطتين السابقتين، يمكن استخدام التعميم في الموارد التي لا نصّ فيها، لاكتشاف أنّ الشريعة قد حكمت فيها أيضاً في الوسائل بحكم النتائج.

وبهذا يثبت الاجتهاد الذرائعي، ويعمل الفقيه على الإفتاء بحرمة ما كان ذريعة للحرام أو وجوب ما كان ذريعةً للواجب.

والفارق بين الدليل الاستقرائي وسائر الأدلّة هنا، أنّنا لا نستند هنا إلى أيّ مقاربة لفظيّة في النصوص أو برهان عقلي منفصل عن الشريعة وواقعها الخارجي، بل نخرج بالقاعدة من خلال استنطاق تجربة الشريعة نفسها.

ولكي يتمّ هذا الاستقراء في نتائجة المبتغاة لابدّ من افتراض عدم وجود عناصر معارضة لهذا الاستقراء، فلو عثرنا على نصوص أو على حالات تقف على النقيض من هذه الموارد المستقرأة، فإنّه من العسير استخراج نتائج مطمئنة من هذه العمليّة الاستقرائيّة.

وعليه، سوف نسعى لرصد الاستقراء الذي قام به الذرائعيّون عبر عيّنات ممّا قالوه لنفهم طريقتهم في ممارسته، ثم بعد ذلك، نعرض تقويمنا للموقف خاصّةً أيضاً في ضوء وجود عناصر معاكسة أو لا.

قام ابن تيمية بعرض ثلاثين حالة في الشريعة ربط فيها بين الوسائل والنتائج، فيما بلغ بها ابن قيم الجوزيّة تسعة وتسعين، وأكثر الحالات التي استحضرناها في الدليل القرآني والحديثي المتقدّم، قد استعرضاه هنا، لكن المهم هو الحالات الأخرى أيضاً، ونذكر بعض العيّنات بهدف تحليل مقاربتهم للموضوع:

1 ـ تحريم البيع يوم الجمعة وقت النداء للصلاة؛ فإنّه ليس سوى للحيلولة دون استخدامهم البيع ذريعةً لترك الصلاة العامّة.

2 ـ إنّ الحرام هو الخمر لما فيه من زوال العقل، لكنّ الشريعة حرّمت القليل منه والقطرة وحرّمت الانتباذ وغير ذلك، وليس إلا سدّاً لذريعة الوصول إليه ولو من حيث لا يشعر الإنسان.

3 ـ تحريم الخلوة بالأجنبيّة ولو لإقرائها القرآن، والسفر معها ولو إلى الحجّ وزيارة الوالدين، وليس ذلك سوى من باب سدّ الطريق على وقوع الفتنة.

4 ـ تحريم النظر إلى الأجنبيّة ولو كان واقعاً على محاسن الخلقة وتفكّراً في صنع الله، وليس ذلك سوى من باب سدّ الذريعة على إثارة الشهوة التي تفضي إلى المحظور.

5 ـ النهي عن بناء المساجد على القبور وتجصيصها وتشريفها وإيقاد المصابيح عليها وشدّ الرحال إليها، وليس ذلك سوى سداً لذريعة الشرك والافتتان بها.

6 ـ النهي عن التشبّه بغير المسلمين أو بأهل الكتاب أو بالأعاجم ونحو ذلك من النصوص العديدة، فإنّ هذا النهي ليس سوى من باب سدّ الذريعة على التشبّه بهم في القصود والأعمال، وإلا فصرف الموافقة الظاهريّة لأعمالهم ليس في نفسه محرّماً.

7 ـ تحريم ما زاد على الأربع نساء؛ لما فيه من الإفضاء عادةً إلى الجور وعدم التمكّن من تحقيق العدل والرعاية لهنّ، وأباح الأربع مع إمكان الجور فيه أيضاً؛ لما فيه من مصلحة سدّ حاجة الرجل حيث قد لا يفيه ما هو أقلّ.

8 ـ تحريم الطيب على المحرم، فإنّه ليس سوى من باب سدّ الذريعة لحصول الوطء، فإنّ التطيّب من دواعي تحرّك الغريزة.

9 ـ ما ورد من النهي عن قبول الهدية على العالم والقاضي والوالي، وليس ذلك سوى سداً لذريعة تمرير مصالح المُهدي ووقوع ما هو خلاف العدل بين الناس.

10 ـ المنع من توريث القاتل، فإنّه سدٌّ لذريعة هذا الفعل، فلا يكون يأمل بالإرث لو فعل القتل.

11 ـ تحريم قطع الأيدي في الغزو ـ بل مطلق إقامة الحدّ ـ وليس ذلك سوى لسدّ ذريعة خروج المحدود من الجيش وفراره نحو العدو، خلاصاً من إقامة الحدّ عليه.

12 ـ المنع عن حكم القاضي بعلمه، فإنّ هذا من باب سدّ الذريعة عليه أن يقضي بالباطل مدّعياً أنّه حصل له العلم.

13 ـ منع قبول شهادة العدو على العدو، أو الشهادة التي تجرّ نفعاً، فإنّ ذلك ليس سوى من باب سدّ الذريعة على استخدام الشهادة لتحقيق مآرب شخصيّة وبين الخصوم.

14 ـ التشريعات المتصلة بإلزام أهل الذمّة بالتمايز عن المسلمين في ملابسهم ومراكبهم، فإنّ ذلك سدٌّ للطريق على وقوع معاملة غير المسلم كمعاملة المسلم، وهو أمرٌ مرفوض.

15 ـ ما ورد من النهي عن مثل قول: ما شاء الله وشاء محمّد، وذلك سدّاً لذريعة الشرك، فإنّ مثل هذه التعابير يمكن أن تُفضي تدريجيّاً للشرك وتلوّث العقيدة، وإن كانت في نفسها معقولة.

16 ـ المنع عن الدخول في سوم الأخ أو الآخرين في البيع أو الخطبة أو غير ذلك، فإنّ ذلك لكونه سدّاً لذريعة التباغض والخصومة بين الناس.

17 ـ تحريم التبوّل في جحور الحيوانات، سدّاً لذريعة خروج الحيوان فيؤذيه أو خروج الجنّ فيؤذونه؛ فإنّهم يتخذونها مساكن.

18 ـ ما ورد في النهي عن السمر بعد العشاء الآخرة، فإنّه سدّ لذريعة التأخّر في النوم فتفوته صلاة الليل، نعم لو كانت هناك مصلحة راجحة فلا بأس.

19 ـ نهي النساء اللواتي صلّين مع الرجال جماعةً عن رفع رؤوسهنّ قبلهم، وهو سدّ لذريعة رؤيتهنّ عورات الرجال.

20 ـ النهي عن توصيف المرأة امرأةً أخرى لزوجها، فإنّه ليس سوى من باب سدّ ذريعة الافتتان.

21 ـ الأمر بالتفريق بين الذكور والإناث في المضاجع حتى لا تقع الفتنة أو يقع من الذكر شيء أثناء النوم وهو لا يشعر.

22 ـ ما ورد من النهي عن التسمية باسم بَرَّة، حذراً من حصول تزكية النفس ولو أنّه لم يقصد سوى العَلَمِيّة.

23 ـ تحريم الشياع والمفاخرة بالجماع، فإنّ هذا قد يدفع الآخرين ـ حيث لا يتوفّر لهم ذلك بما يشبهه ـ إلى فعل الحرام، فسدّاً لهذا الطريق تمّ تحريم المفاخرة بالجماع.

24 ـ النهي عن انحناء الرجل للرجل، خلافاً لما يفعله كثيرون بمن فيهم أهل العلم، وما ذلك إلا لكونه موجباً تدريجياً للشرك وتعظيم غير الله.

25 ـ النهي عن الخروج عن الحكّام ولو كانوا ظالمين، وليس ذلك سوى من باب سدّ الفتن والشرور العظيمة وحلول الفوضى في المجتمع.

نكتفي نحن بهذا القدر، وقد كان ابن قيم الجوزية ذكر تسعاً وتسعين مثالاً، قاصداً الموافقة في العدد لأسماء الله الحسنى([97])، فيما ذكر ابن تيمية ثلاثين مثالاً([98])، وختم ابن قيم الجوزيّة قائلاً: «وباب سدّ الذرائع أحد أرباع التكليف، فإنّه أمرٌ ونهي. والأمر نوعان: أحدهما مقصود لنفسه، والثاني وسيلة إلى المقصود. والنهي نوعان: أحدهما ما يكون المنهيّ عنه مفسدة في نفسه، والثاني ما يكون وسيلة إلى المفسدة، فصار سدّ الذرائع المفضية إلى الحرام أحدَ أرباع الدين»([99]).

وقد توسّع الباحث محمّد هشام البرهاني في شواهد الذرائع من الكتاب والسنّة، مستعرضاً أمثلة كثيرة جداً، منظّماً إيّاها بطريقة جيّدة أكثر دقّةً مما قدّمه ابن تيمية وابن قيم الجوزية من حيث المنهجة، فلتراجع([100]).

وبهذا نعرف أنّ الشريعة وضعت أصولاً تشريعيّة، تعبّر عن أصول المحرّمات في الشريعة ثم ربطت عشرات الأحكام بها، مثل:

تحريم الكفر، وسدّ ذرائعه يكون بتحريم موالاة الكفار، وتحريم التشبّه بهم، وتحريم نشر كتبهم ووجوب اتلافها، وتحريم السماح لهم بنشر فكرهم، ووجوب جهادهم، وحرمة اتخاذهم بطانة، وعدم إقامة الحدود في الغزو، ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك.

وتحريم الزنا عبر سد الطرق مثل تحريم النظر، واللمس والمصافحة، والمفاكهة والمزاح، والخلوة والسفر والاختلاط، والجلوس في مجلس المرأة ما دام دافئاً، ولزوم تفريق الأطفال في المضاجع، وتحريم التليين بالصوت والخضوع به، ووجوب الستر على المرأة، وحرمة إظهار الزينة والتبرّج، وتحريم الدخول بدون استئذان، ولهذا حرّمت المحارم مؤبّداً؛ إذ من دون ذلك يقع الزنا لشدّة المخالطة في البيت الواحد، وغير ذلك.

هذا الاستقراء الواسع الذي قام به الذرائعيّون يثبت أنّ بنية الشريعة قائمة على نظام سدّ الذرائع وفتحها، وأنّ هناك تشريعات في وسط الدائرة وتخدمها تشريعات كثيرة في محيطها، رغم أنّ أغلب أمثلتهم كانت في سدّ الذرائع، فنستنتج من ذلك قاعدة: «إنّ الله إذا حرّم شيئاً حرّم ذرائعه وأسبابه»، فكلّ حالة من هذه الحالات المستقرأة هي قرينة احتماليّة على هذه القاعدة، فإذا زادت هذه القرائن وبلغت مبلغاً عظيماً رفعت احتماليّة القاعدة إلى حدّ اليقين العادي، وهذا كافٍ في إثبات الحكم الشرعي بها.

وقفات مع المستند الاستقرائي

ولدراسة هذا المستند الاستقرائي، يجب التوقّف عند مجموعة من النقاط:

أ ـ البنية الذرائعيّة للشريعة وسؤال الإمكان

هل من الممكن أن يكون المشرّع الديني قد استخدم نظام الأحكام الأصليّة التي تحيط بها أحكام حمايةٍ إلزامية، تحيط بها أحكام حمايةٍ غير إلزاميّة، أو أنّه توجد مشكلة ثبوتيّة تمنع إمكان ذلك؟ وهل من الممكن أن يكون المشرّع قد بنى شريعته الواقعيّة على أحكام مركزيّة وأحكام ذرائعيّة؟

في سياق الجواب عن هذه النقطة نلاحظ أنّه لا يوجد أيّ محذورٍ ثبوتي إمكاني، لا من عقلٍ، ولا من منطق عقلائيّ، ولا حتّى من نصٍّ، بل مقتضى المنطق العقلائي أنّ هذه الطريقة يمارسها العقلاء بكثرةٍ في حياتهم القانونيّة بأشكالها المختلفة، وصولاً إلى أبسط أشكال التقنين، كما في التعامل مع الأطفال، فالأب والأم عندما لا يريدان سقوط ولدهما في البئر فهما لا يكتفيان بنهيه عن الوقوع فيه، بل يصدران حكماً يعتمد منطق حماية الحكم والمصلحة الأصليّة، وهو النهي عن اللعب في دائرة قطرها خمسة أمتار مثلاً حول البئر؛ ضماناً لتحقُّق ما يريدانه؛ وقد يوجِّهان إليه حكماً غير ملزم باللعب بعيداً عشرين متراً أيضاً.

لو تأمّلنا قليلاً في طبيعة الأداء العقلائي في هذا الموضوع فسنجد أنّه شائعٌ جداً، بحيث تكون تشريعاتٌ جُدُرَ حماية أو مسهّلات لتشريعات أخرى هي الأصل، ووفقاً للقاعدة التي حقَّقناها([101])، فكلُّ نمطٍ تشريعي أو تقنيني يعتمده العقلاء في حياتهم، ولم يَرِدْ فيه نهيٌ من الشارع، فإنّ اعتماد المشرّع الديني عليه واردٌ جدّاً، ولا مانع منه ثبوتاً، بل يصبح من المعقول أن يفتّش الفقيه عن هذا النمط العقلائي في التجربة الشرعيّة الدينيّة؛ لأنّه من الممكن أن ينتبه إليها، ويصحّح نظراته للشريعة وفقاً لها.

والنتيجة: إننا لم نلاحظ وجود أيّ محذورٍ ثبوتي إمكاني في انتهاج الشارع طريقة الأحكام التحفُّظية الذرائعيّة، الهادفة لحماية أو تأمين أحكامٍ أخرى أصليّة. وهذا ما يترك أثراً على فكرة المصالح والمفاسد في المتعلّقات كما بيّناه سابقاً.

وبهذا يمكن القول بأنّ ما قام به الذرائعيّون هنا لا يحتوي على أيّ مشكلة ذاتية أو ثبوتيّة في نفسه، بل المهم فيه هو كونه ـ إثباتاً ـ يحمل معطيات مقنعة، وتنسجم فيه العناصر الاستدلاليّة، وسوف نرى المعطيات النقديّة لنخرج قريباً باستنتاج إن شاء الله تعالى.

ب ـ تأثير البنية الذرائعيّة للشريعة على الاستيعاب القرآني القانوني

إذا أعاد الفقيه النظر في أحكام الشريعة وفقاً لهذه الرؤية التي قدّمها لنا هذا العقل الاستقرائي، واكتشف ـ كما مال إليه الميرزا القمّي ـ أنّ أغلب أحكام الشريعة جاء لسدّ الطرق وحماية الحِمى أو فتح الطرق، فهذا قد يربطنا بموضوعٍ آخر من الضروري التنبُّه له، وهو القرآن الكريم وموقعه وحدود نشاطه في المنظومة التشريعيّة الدينيّة؛ إذ من الممكن أن يُطرح التصوّر الآتي:

لمّا كان القرآن الكريم فيه تبيان كلّ شيء في الدين، كما صرَّح القرآن نفسه، رغم أنّنا نجد اليوم في إرثنا الفقهي صعوبةً كبيرة في الاقتناع بهذه الفكرة؛ نظراً إلى أنّ أغلب الفقه يؤخذ من الحديث والإجماعات والشهرات والسير المتشرِّعية و.. مع الأخذ بعين الاعتبار كلمة «تبيان».

لما كان القرآن كذلك، وواقع الفقه كذلك، فإنّ نظام التشريعات التحفُّظية من الممكن أن يسهّل علينا فهم هذه القضيّة؛ وذلك لا من خلال القول: إنّ في القرآن مجملات أو بعض القضايا العامّة أو بذوراً تشريعيّة، فيما السنّة تتكفّل بيان أغلب الشرع، كما هي الصورة النمطيّة في الفقه الإسلامي.. بل عبر القول: إنّ القرآن اشتمل على الأحكام الأصليّة جميعها أو غالبها، وأمّا الأحكام التي جاءت بها السنّة ممّا ليس مندرجاً تحت العمومات والمطلقات القرآنيّة فيمكن فهم جزءٍ وافر منه وفقاً لنظام التشريع التحفُّظي أو قوانين الحماية.

فدور القرآن بيان أحكام الأصل والمركز (وليست مقاصد الشريعة، بل عينُ الشريعة، فتأمَّلْ جيداً)، والتي تمثّل أصل الشريعة كلّها تقريباً؛ ومن دور السنّة بيان الأحكام ـ الدائمة أو المؤقّتة ـ التي تتكفَّل بيان الأحكام التي لم تشرَّع لمصالح في نفسها بالضرورة، بل لتأمين تحقُّق تنفيذ أحكام الأصل، التي هي جوهر الشريعة ولُبُّها. وهذه صورةٌ ـ لو تمّت ـ فائقة الأهمّية عن أدوار القرآن والسنّة، تستحقّ التأمّل، وربما تحلّ بعض الإشكاليّات.

ولكنّ ذلك لا يعني حصر القرآن بالأحكام الأمّ، ولا حصر السنّة بأحكام الحماية والحفظ. بل من الناحية الأوّلية لا يوجد ما يمنع الفقيه أن يكتشف حكم حمايةٍ في القرآن الكريم، أو يجد حكم أصلٍ في السنّة الشريفة، فلينتبه إلى هذا الأمر جيّداً. كلّ ما في الأمر أنّ الربط بين فكرة الحماية والذرائعيّة وفكرة أنّ القرآن تبيانٌ لكلّ شيء قد يساعد على افتراض أنّ أحد أهمّ أدوار السنّة هو وضع سلسلة من التشريعات التأمينيّة للأحكام الأصل القرآنيّة؛ وتكون أحكام الأصل هي جوهر الشريعة، لا أنّها الغايات والأهداف والمقاصد. ولعلّ هذا هو ما يفسِّر لنا معنىً من معاني الولاية التشريعيّة للنبيّ؛ إذ له أن يشرِّع أحكاماً لحماية الأحكام القرآنية وغيرها. ولعلّ هذا من أبرز أدواره التي يجب رصدها واكتشافها.

ونستنتج من ذلك أنّ الدليل الاستقرائي المطروح هنا في نظام الأحكام التحفّظيّة الذرائعيّة، ليس فقط ممكناً من حيث نتيجته، بل له تأثيرات إيجابيّة على فهم أدوار الكتاب والسنّة في بيان الدين.

ج ـ الأحكام التحفُّظيّة الذرائعيّة بين الثبات والتأقيت

قد يواجه الذرائعيّون هنا في مقاربتهم الاستقرائيّة سؤالاً: هل الأحكام التحفُّظية أو التأمينيّة أو الذرائعيّة هذه ثابتة أو مؤقّتة؟

قد يتصوّر أنّنا إذا قلنا بأنّ الشرع وضع أحكامَ حمايةٍ، واكتشفنا بالاستقراء أنّها كثيرة جداً في مختلف أبواب الشريعة، فهذا يعني أنّ هذه الأحكام مؤقّتة أو قابلة للافتكاك منها، ومن ثمّ قد يقع الذرائعيّون في مشكلة هنا، وهي أنّه لو كان الأمر كذلك لزم تغيير هذه الأحكام الشرعيّة الوسائليّة لو تغيّرت معادلة العلاقة بين المقدّمة والنتيجة بتغيّر العوامل الظرفيّة، فرفع النساء رؤوسهنّ في صلاة الجماعة قبل الرجال حكمٌ يجب التخلّي عنه الآن مع تغيّر أنواع اللباس وارتفاع الخصوصيّة الذرائعيّة التي فهمها الفقيه الذرائعي، وهكذا تحريم صناعة التماثيل تحريماً ذرائعيّاً خوفاً من الوقوع في مفاسد الشرك يجب إبطاله اليوم؛ إذ هذا الاحتمال صار شبه منعدم في المجتمعات الإسلاميّة على الأقلّ، فهل يلتزم الفقهاء الذرائعيّون بوضع من هذا القبيل يمكن أن يحلّل بعض ما ثبت تحريمه بالنصّ مما فهموه تحريماً ذرائعيّاً، خاصّة وأنّ التشريعات الذرائعيّة عندهم ـ وفقاً لهذا الدليل الاستقرائي ـ ستكون ذات مساحة واسعة من الشريعة؟!

والجواب: إنّ الحديث عن تأقيت الأحكام الذرائعيّة المنصوصة في الشرع أو ثباتها يجب النظر فيه عبر تنويع أحكام الحماية والتأمين إلى أنواع عدّة، أبرزها:

النوع الأوّل: أحكام الحفظ والتأمين القائمة على طبائع البشر العامّة. فهذه تبقى ثابتةً؛ لأنها لم تأتِ لظرف طارئ ما دامت تنطلق من طبائع البشر، ومن ثمّ فالنسبة القائمة فيها بين الوسيلة والنتيجة تظل متقاربة عبر التاريخ لو لاحظنا الوجود النوعي.

وعلى سبيل المثال: لو فرضنا أنّ الحكم الأصل هو حرمة الزنا (العلاقات الجنسيّة خارج إطار الزوجيّة أو الرقيّة)، وأنّ تحريم النظر واللمس والخضوع في القول والتبرّج بزينة والخلوة بالأجنبية ومحادثة الأجنبية بالمثير للغريزة وغير ذلك كلّها أحكام حفظٍ وذرائع، يُراد منها وضع جدران عالية أمام الإنسان؛ كي لا يقع في الحرام الأصل، وهو الزنا.. إنّ هذه الأحكام لا تنطلق بطبيعتها من ظرف زماني، ولا من وضع خاصّ، بل هي تنطلق من طبيعة الإنسان التي تحرّكها مثل هذه الأمور.. ففي هذه الحال تكون هذه الأحكام التأمينيّة ثابتةً؛ لأنّ المؤشّر الإثباتي والثبوتي يقفان لصالح انطلاق هذه الأحكام من عناصر ذاتية تتّخذ طابع التلازم مع الطبيعة الإنسانيّة.

وعندما نتحدّث عن الطبائع البشريّة فنحن نتكلّم عن ربط الأحكام بالحالة النوعيّة، ولا تهمّنا الحالة الفردية الاستثنائية. وهذه مسألة مربوطة بكيفية نظر المشرِّع إلى أحكامه في الاجتماع الإنساني. وقد نشير إلى هذا الموضوع تحت عنوان: التشريع الديني بين أصالة الفرد وأصالة الاجتماع، في مناسبةٍ أخرى.

النوع الثاني: أحكام الحفظ والتأمين القائمة على حالة الاشتباه أو محدوديّة الاطلاع، كما في حالة الإلزام بالاحتياط عند الشكّ في حرمة شيءٍ، كما عليه بعض الإخباريّين، أو في بعض موارد العلم الإجمالي أو نحو ذلك. فمن الطبيعي أنّ هذه التشريعات قائمةٌ على حالة طارئة هي حالة الاشتباه، فإذا انعدم الاشتباه وحصل التمييز والعلم لم يَعُدْ هناك معنىً لهذا الحكم الاحتياطي.

ومن هذا النوع مسألة العصير العنبي المطبوخ، وفقاً لفهم شيخ الشريعة الإصفهاني؛ فإنّه جعل نكتة التحريم المطلق الشامل لغير حالة الإسكار هو إمكان وقوع الشارب في شرب المسكر من حيث لا يعلم؛ لأنّ إمكانات التمييز غير متوفِّرة.

فعلى هذا الأساس لو تحقّق التمييز النوعي، كما في مثل عصرنا، حيث يمكن غلي العصير ثمّ حفظه فوراً في المصانع، وتعليبه مع المواد الحافظة، بحيث يُعْلَم بأنه لن يعرضه الإسكار مهما تُرِك ما دامت العبوة/العلبة مغلقة، ففي هذه الحال لن يكون هناك معنىً لحماية الحِمى؛ لانعدام موضوعها المفترض، الذي ادّعاه شيخ الشريعة. ومن ثم فلا يمكن لفهم شيخ الشريعة هنا أن يستمّر على إطلاقه، خلافاً لإفتائه هو بإطلاق الحرمة هنا تعبُّداً.

وهذا يعني أنّ كلّ حكمٍ تحفُّظيّ تأمينيّ شُرِّع لحماية حكمٍ آخر وضمانه، اعتماداً على محدوديّة الإمكانات أو محدوديّة المعرفة، فإنّه بطبيعته قابلٌ للزوال إذا ارتفعت المحدوديّات ارتفاعاً نوعيّاً عاماً؛ لأنّ الحكم يزول بزوال مبرِّره النوعي ما دام حكماً طريقيّاً؛ لأنّه في جوهره حكمٌ ظاهري انعدم موضوعه.

النوع الثالث: الأحكام التأمينية أو التحفّظية أو الذرائعيّة التي بُنيت على حالة ظرفيّة واقعيّة، بحيث تكون العلاقة بين النتيجة والمقدّمة مختلفة النسبة تبعاً لاختلاف العامل الظرفي بصرف النظر عن حالة محدوديّة الاطّلاع وقصور الإمكانات، وذلك مثل رفع النساء رؤوسهنّ قبل الرجال في صلاة الجماعة، كما ألمحنا قبل قليل.

وبهذا نعرف أنّ الأحكام الحفظية ليست مؤقّتة بالمطلق؛ ولا هي دائمة بالمطلق، بل يتبع الأمر اجتهاد الفقيه وفهمه لنكتة تشريع الحكم ومبرّراته النوعيّة، ومن ثمّ يلزم على الذرائعي هنا أن يقبل بهذا التنوّع في الاستنتاج الفقهي من النصوص، وإلا فسيكون قد ناقض نفسه وتهافتت أطراف نظريّته. وإذا أدركنا تنوّع الحالات لم تعد هناك مشكلة في تقديري في أن ينوّع الذرائعي مواقفه تبعاً لتغيّر الظروف في خصوص النوع الذي يترك تغيّر الظروف عليه تأثيراً في الاستنتاج الفقهي والإفتاء.

د ـ الأحكام الاحتفاظيّة الذرائعيّة، ونظام شواهد الإثبات والترجيح

بعد الفراغ عن إمكان الأحكام التحفُّظية أو التأمينيّة أو الذرائعيّة في الشريعة، ومعقوليّة ذلك، هل هناك قرائن يمكن طرحها تعزِّز إثبات هذا النوع من الأحكام؟ وبعبارةٍ أخرى: إنّ الحكم التحفُّظي إذا كان ممكناً فكيف يمكن تعيينه من بين الأحكام، وتمييزه عن أحكام الأصل؟ هل هناك قرائن أو هي أمزجة واستنتاجات واستنسابات غير معتبرة ولا حجّة؟

رُبَما يمكن طرح بعض القرائن، ونشير لأبرزها من باب المثال؛ بهدف فتح الآفاق لتناول الموضوع من جهة، وللتمهيد لمحاكمة الآليّة التي تمّ استخدامها في هذا الدليل الاستقرائي من جهة ثانية:

القرينة الأولى: أن يَرِدَ في نصوص العلل ما يفيد أنّ هذا الحكم جُعل لأجل حكمٍ آخر، كأن يقول: إنّ الله حرّم عليكم كذا حتّى لا تقعوا في الزنا أو الشرك أو.. فإنّ مثل هذه النصوص تعطي مؤشّراً على طبيعة الحكم المجعول.

ولعلّ من أمثلة ذلك ما ورد في سبّ أهل البِدَع ولعنهم والوقيعة فيهم وغير ذلك، معلِّلاً بأنّ ذلك كي لا يطمعوا في الإسلام، ولا يُلحقوا الضرر بالمسلمين. فمن الواضح أنّ هذا الحكم ـ لو كانت الرواية حجّةً ومعتبرة ـ كان تحفُّظاً عن وقوع هذه المبغوضات، فلو أحرز وقوعها مع هذه وأحرز عدمها بدونها إحرازاً نوعيّاً فلا معنى لهذا التشريع التحفُّظي.

ورُبَما من أمثلته تحريم سبّ مقدَّسات الآخرين؛ حَذَراً من سبّ الآخر للمقدّسات الحقيقيّة.

القرينة الثانية: أن يكون الموضوع بالتحليل العقلاني من هذا النوع، أو فقُلْ: بمناسبات الحكم والموضوع، بحيث يبدو ذلك قريباً جدّاً، كما لو كان هناك حكمٌ بحرمة قراءة كتب الضلال، فإنّ التحليل العقلائي يقوّي أنّه لا خصوصيّة في الحرمة إلاّ التأثُّر بهذه الكتب وتداولها وانتشار أفكارها، لا أنّ القراءة بما هي قراءةٌ حرام. فالحكم تحفُّظيّ لأجل حكمٍ آخر.

ومن أمثلة ذلك: وجوب استعداد الجيش الإسلامي وتسلُّحه، فإنّ التحليل العقلائي يقوّي أنّ الغرض منه دفع العدوان، والحيلولة دون وقوعه، وحماية الأمة، لا أنّ التسلُّح بنفسه حكم واقعيّ أصليّ فيه قيمة مضافة، وتقع مصلحته في ذاته.

إلا أنّ هذا التحليل العقلاني يجب أن ينفي بطريقة عقلانيّة أيضاً أيَّ فرضيّة اُخرى تجعل الحكم غير مرتبط بالنتيجة، حتى يمكن الوصول إلى نوع من اليقين العادي في القضيّة، وإلا فإنّ الظنّ لا يغني من الحقّ شيئاً.

القرينة الثالثة: أن يَرِدَ تعبير الاحتياط ونحوه (مثل: لا آمن من كذا وكذا) في لسان النصّ، ويكون المورد من موارد الشكّ والجهل، كما في رواية عبد الله بن وضّاح أنّه كتب إلى العبد الصالح× يسأله عن وقت المغرب والإفطار، فكتب إليه: «أرى لك أن تنتظر حتّى تذهب الحمرة، وتأخذ بالحائطة لدينك»([102]).

فإنّ هذا التعبير وأمثاله واضحٌ في الدلالة على أنّ الحكم ليس هو أنّ وقت المغرب الأصلي خصوص ذهاب الحمرة، بل الحكم تحفُّظي؛ والهدف منه تحصيل الإتيان بالواجب في وقته الحقيقي، وإلا لقال له فوراً: وقت المغرب هو زوال الحمرة.

القرينة الرابعة: أن تربط النصوصُ في موضوعٍ معيّن بين أمرين، ويكون الثاني أوضح في الأهمّية، الأمر الذي يكشف عن كون الأوّل مقدّمة للثاني، لو كانت المقدّمية بينهما قائمة في نفسها خارجاً.

ومثال ذلك: أن يَرِدَ الحثّ على إنجاب الأطفال بكثرةٍ، وتربط بعضُ نصوص الموضوع ذلك بتكثير نسل الأمّة الإسلاميّة، ففي مثل هذا المورد يُفْهَم أنّ الحكم جاء لحفظ حكمٍ آخر، وهو تكثير المسلمين، لا أنّه ناظرٌ إلى تكثير أفراد الأسرة بما هو تكثير للأسرة نفسها، فتأمَّلْ جيداً؛ فإنّ ذلك قد يساعد على إمكانية كشف ملاك تكثير الأمّة، دون ملاك تكثير أفراد الأسرة، ممّا يترك نتائج فقهيّة متعدّدة.

القرينة الخامسة: أن تكون بين الشيء والآخر علاقة تمهيد وتوفير، ثم يأتي النصّ فيُسقط عنوان أحدهما على الآخر، ليقوم بتحريمه عبر هذه الطريقة، فإنّه قد يُفْهَم أحياناً أنّه يريد أن يوحي بأن الممهِّد لحقه حكم الممهَّد؛ نظراً لخصوصيّة التمهيد.

ومن أمثلة ذلك: بعض الألسنة التنزيليّة، فلو قال: العين تزني، فإنّه كما يمكن أن يُفْهَم في سياق تنزيل النظر منزلة الزنا؛ كي يترتّب الحكم عليه، قد يُفْهَم أنّه إنّما يحرِّمه بملاك كونه مرتبطاً بالزنا، ولهذا أسقط عليه عنوان الزنا، مع أنّه ليس بزنا قطعاً؛ فكأنّه يريد بذلك إبراز نكتةٍ بلاغيّة، وهي أنّ النظر لما كانت حرمته من حيث هو يفضي إلى الزنا فإنّ حرمة الزنا شملته؛ نظراً لخطورة الزنا، فصارت العين تزني، وكأنّ النظر بدايات الزنا. فلأنّ الزنا هو الحرام الأصلي جُعلت سمة الحرمة للعين بعنوان الحرام الأصلي، فوسّع الحرام الأصليّ بهدف الحماية([103]).

ولعلّ ما يؤيّد هذا النمط هو وجود عقوبات على فعلٍ محرّم دون آخر متّصل به. فالشريعة وضعت عقوبات على الزنا والسرقة والمحاربة والقذف و.. فيما لم تضع عقوبات على بعض ما هو محرَّم، لكنه على صلةٍ بهذه الأمور. فقد يعزِّز ذلك من افتراض أنّ ما وضعت عليه عقوبات يمثّل الأحكام الأصليّة، وأنّ المحرّمات التي تتّصل به وتمثّل فضاءً محيطاً به، كالنظر واللمس المحرَّمين، من الوارد أن تكون أحكاماً تحفُّظية، دون أن يعني ذلك أبداً حصر الأحكام الأصليّة بخصوص ما تثبت فيه عقوبات. وهذا ما قد يفتح أيضاً على إمكان افتراض وجود حكمٍ مزدوج في الشريعة، هو أصليّ في نفسه، وتحفُّظي بالقياس إلى حكمٍ آخر، كما سيأتي الحديث عنه.

هذا كلّه يعني أنّ الحديث عن توصيف تشريع معين بأنّه ذرائعي يحتاج إلى معيار، ومجرّد ارتباط حكمين ببعضهما دون خضوع الرؤية لمثل هذه المعايير لا يبرّر استنتاج الذرائعيّة.

هـ ـ المرجعيّة القانونيّة عند التردُّد في هويّة الحكم بين الأصليّة والذرائعيّة

لو وقع الفقيه أثناء بحثه في الشريعة في تأرجحٍ وشكٍّ في أنّ الحكم الذي بيده هل هو حكمٌ أصليّ في الشرع أو هو حكم تحفُّظيّ ـ تأمينيّ ذرائعي، وقامت المعطيات على الافتراضين معاً، فهل هناك أصلٌ يمكن الرجوع إليه؟

الذي يبدو أنّه لا أصل يُرْجَع إليه هنا؛ لأنه كما يمكن أن يكون أصليّاً كذا يمكن أن يكون تحفُّظيّاً ذرائعيّاً فإنّ هذا في جوهره دائرٌ بين كون ملاكه في متعلّقه بذاته أو في متعلّق غيره، والاحتمالان متساويان من الحيثيّة الوجوديّة، ومن ثم فمن يثبت ذرائعيّة حكم يطالب بدليل ومن يثبت عدم ذرائعيّته يطالب أيضاً بدليل، وليست الكرة دوماً في ملعب القائل بالذرائعيّة.

نعم، قد يُستند ـ على ما أفاد السيّد الحكيم ـ إلى دعوى أنّ إطلاق الأمر أو النهي يفيد الحكم النفسيّ، لا الغيريّ، كما قرَّروا في أصول الفقه؛ لأنّ الغيريّة تحتاج إلى مزيد تقييد([104]).

إلاّ أنّ ذلك لا ينفع هنا؛ لأنّنا لا ندّعي أنّ الحكم التحفُّظيّ هو دائماً حكمٌ غيريّ بالمعنى المصطلح، بل نقول: قد يكون واجباً مطلقاً ودائماً ونفسيّاً بالمعنى المصطلح، لكنّ ملاكه النهائي في متعلَّق غيره.

فهناك فرقٌ بين أن تقول: السفر واجبٌ لوجوب الحجّ، وأن تقول: النظر حرامٌ، حمايةً لحرمة الزنا. ففي الحالة الأولى يأتي وجوب السفر من عين وجوب الحجّ، أمّا في الحالة الثانية فلا يأتي تحريم النظر من نفس حكم حرمة الزنا، ولهذا لو بقينا ودليل حرمة الزنا لم نحكم بحرمة النظر مطلقاً، بل جاء تحريم النظر من المولى بدليلٍ خاصّ، غايته أنّ المولى إنما حرّمه حمايةً لحكم الزنا. ففي الحالة الأولى تكون المقدّمية واقعيّة مدركة لنا، فيتوقّف الحجّ على المقدّمة حقيقةً، أما فيما نحن فيه فقد لا يتوقَّف ترك الزنا على ترك النظر، فقد ينظر ولا يزني، وقد يزني ولا يسبقه نظر، فليس من توقّف حقيقي لشيء على شيء كما هو مفهوم المقدّمة، إنما المولى رأى أنّ ملاك الزنا قد يستدعي حظر بعض الأشياء؛ لأجل أن لا يكون المكلّف في معرض الوقوع في الزنا، فنضمن بذلك عدم تحقُّق الفاحشة في المجتمع، أو نخفِّف منها إلى أقصى درجةٍ ممكنة.

من هنا قالوا بأنّ المراد بوجوب مقدّمة الواجب «ليس اللابديّة التكوينيّة؛ فإنّها عين المقدّمية، ولا اللابديّة العقلية بمعنى عدم صحّة الاعتذار عن ترك ذي المقدّمة بتركها؛ لوضوح ذلك وعدم نقاش فيها، ولا الوجوب المولوي المجعول بالجعل المستقلّ على عنوان المقدّمة الإجمالي أو التفصيليّ؛ لوضوح أنّ هذا موقوف على التفات المولى إلى المقدّمة مع أنّه قد لا يطّلع أو لا يلتفت إلى ما يتوقّف عليه الواجب أصلاً. وإنّما المقصود الوجوب المولوي المجعول على المقدّمة ارتكازاً وشأناً بحيث لو التفت إليها لطلبها»([105]).

وفي باب الذرائع ليس هناك شيء اسمه لو التفت المولى لحَكَمَ بالحرمة، بل المنهجيّة الذرائعيّة خصوصيّة إضافيّة في عمليّة التشريع، فحتى لو كان المولى يحكم شرعاً بوجوب مقدّمة الواجب، فقد لا يحكم بفتح الذرائع وسدّها، كما بيّنا سابقاً عند التمييز بين بحث المقدّمة بالمعنى الأخص وبحث الذرائع، فقابليّة التفكيك قائمة.

نعم، لو كان الشكّ في تحفُّظية الحكم مستلزماً أو مستبطناً للشكّ في إطلاقه وتاريخيّته لزم الأخذ بالقدر المتيقّن ـ وكثيراً ما يكون لصالح الذرائعيّين ـ طبقاً لما بحثناه مفصّلاً في مباحث تاريخيّة السنّة، فليراجع([106]).

و ـ مشكلات الاستقراء الذرائعي

إنّ العمليّة الاستقرائية التي قام بها الذرائعيّون تستهدف جعل سدّ الذرائع وظيفة الفقيه بوصف حالة السدّ هذه منهجاً للشريعة، وهذا ما يطرح التساؤل الآتي: هل أنّ تشريع الأحكام التحفُّظية فعلٌ خاصّ بالمولى سبحانه، أو معه النبيّ‘، وكذا أهل البيت^ (شيعيّاً)، في ما ثبت لهم من ولاية تشريعيّة، على تقديره، أو أنّه يشمل حتّى الفقيه بحيث يمكنه تشريع أحكام، أو فلنقُلْ: إصدار فتاوى تحريميّة أو وجوبيّة؛ تحفّظاً على أمرٍ آخر؟

فلو شعر الفقيه بأنّ السماح بالاختلاط في المدارس والجامعات سيفضي إلى محرّمات، وإلى وقوع الفاحشة بين الذكور والإناث، فهل يحقّ له شرعاً الإفتاء بحرمة الاختلاط هناك مطلقاً، مع عدم قوله بحرمة الاختلاط في نفسه بمقتضى اجتهاده في النصوص، أو لا يحقّ له ذلك؟ وهل له إصدار فتاوى حمايةٍ لحكم آخر يراه عرضة للخطر؟

جوهر مقاربة الذرائعي هنا أنّنا حيث أثبتنا بالاستقراء أنّ منهج الشريعة قام على تحريم كلّ ما كان يُفضي نوعاً أو غالباً إلى الحرام، ففي هذه الحال نحن إنما نقول بأنّ الفقيه إنّما يكشف عن تحقّق الصغرى هنا، أي إنّ الوضع الحالي يفضي إلى الحرام نوعاً وغالباً، أمّا الكبرى فتأتي من اجتهادٍ شرعي يقضي بأنّ ما يفضي غالباً أو نوعاً إلى الحرام فهو حرامٌ شرعاً، وهذا الاجتهاد مستنده الاستقراء.

إلا أنّ الخروج بهذا كلّه من العمليّة الاستقرائيّة التي فعلها الذرائعيّون يعاني ـ في ضوء النقاط السابقة التي عرضناها آنفاً ـ من مشاكل أهمّها:

1 ـ مشكلة استنتاج الذرائعيّة

هذه المشكلة تظهر جليّةً عندما نلاحظ أنّ الفقيه الذرائعي فهم من (أ) أنّ تشريعه كان لأجلّ حماية (ب)؛ لكنّه لم يشرح لنا كيف توصّل لهذا الاستنتاج؟

قلنا آنفاً بأنّ اكتشاف البنية الذرائعيّة العلائقيّة بين تشريعين تحتاج لمعيار، وليست أمراً ذوقيّاً، ولا شكّ عندي أنّ العديد من الحالات التي ذكرها الذرائعيّون أو لم يذكروها يمكن استخدام القرائن السابقة الإشارة إليها لإثباتها وترجيحها، لكنّ مقدار مهماً مما طرحوه أو لم يطرحوه لا نملك عليه أيّ شاهد دلالي أو عقلاني مرجّح، بل كلّ ما عندي هو المعقوليّة الأوليّة للذرائعيّة هنا أو هناك.

دعوني أعطي بعض الأمثلة:

1 ـ تحريم الطيب لأجل منع حصول الوطء.. هذا التصوير لا يوجد برهان عليه، فقد يكون هذا التحريم لأجل جعل المحرِم بعيداً عن كلّ مظاهر وحالات الإحساس بالرغد واللذّة، بما فيها لذّة الشمّ، بعيداً عن ربط ذلك بالمسألة الجنسيّة، ولهذا ترى الشريعة منعت المحرم من النظر في المرآة، وتمشيط شعره، والتطيّب، والجماع ومطلق العلاقة الجنسيّة ولو بالتقبيل، والاستمناء، والاكتحال بالسواد، ولبس الزينة كلّها أو بعضها كالخاتم للرجال، وإزالة الشعر (كالحلاقة)، والتظليل، وتغطية الرأس، وتقليم الأظافر، ونحو ذلك، فهذه مظاهر الدعة والراحة وعدم المشقّة، والاهتمام بالبدن والماديات، فلعلّ الأقرب أن نقول بأنّ الشريعة حرّمت التطيّب لا لأجل سدّ ذريعة الوطء، بل لأجل مطلوبيّة كون الإنسان في حالة اللادنيويّة المتمثلة في اجتناب هذه كلّها، فالحكم هو هذا والتروك هي مصاديقه والمطلوب مجموعها، ولهذا أشرنا في إحدى المناسبات إلى أنّ مظاهر الحجّ المرفَّه اليوم ربما تكون على خلاف مقاصد الشريعة، لو ثبتت تروك الإحرام هذه.

2 ـ تحريم البيع وقت النداء للجمعة، فلم يعلم أنّه لسدّ ذريعة التغيّب عن الصلاة العامّة، بل لعلّ الأرجح أنّه بنفسه امتثال لحضور هذه الصلاة، فإذا وقع النداء لا يكون الامتثال لواجب الحضور سوى بترك كلّ ما في يده، وليس خصوص البيع، وذلك بهدف التوجّه نحو مكان اجتماع الصلاة، للوصول مع الصلاة، فهذا أشبه بأنّ الأمر بالشيء نهيٌ عن ضدّه. وإنّما ذُكر البيع لأجل كون تمنّع الإنسان عن فعل الواجب لمصالح المال أكبر، أو لسبب تاريخي كما قد تُلمح نهاية سورة الجمعة، فركّز عليه للتشديد على وجوب الحضور فليس ههنا ذرائعيّة واضحة.

3 ـ تحريم ما زاد على الأربع في النكاح، فلا يوجد أيّ شاهد معيِّن لفهم هذا التحريم على أنّه لسدّ باب الجور وترك العدل، فهذا محض تخمين لا يغني من الحقّ شيئاً، فلماذا لا يكون لذلك سببٌ راجع لطبيعة توازن الزيجات في المجتمع وأعداد الرجال والنساء والحدّ من الطمع الجنسي للرجل وغير ذلك؟! وما هو النافي أو المضعّف لمثل هذه الاحتمالات؟

4 ـ النهي عن الدخول في سوم أو خطبة الآخر، فكيف عرفنا أنّه لسدّ باب الخصومات؟! فلعلّه في نفسه قبيح ونوعٌ من العدوان على الآخر، كما يرى العرف ذلك أخلاقيّاً، فقبحه في نفسه من حيث عدم صفائه أخلاقيّاً، وقد يكون تربيةً روحية بعدم الطمع بما يشرف الآخرون على الحصول عليه، ومحبّة الخير للآخرين أكثر من النفس، فيكون مصداقاً لذلك لا من باب الذريعة.

5 ـ التبوّل في جحور الحيوانات، فكيف عرفنا أنّه لسدّ ذريعة خروج الحيوان فيؤذي المتبوّل، فلعلّه بنفسه نوع إيذاء للحيوانات، فيحرم أو يكره بوصفه مصداقاً لإيذائها، وربما يكون الأمر شيئاً آخر لا نعرفه، فما هي المعايير التي استُخدمت هنا للوصول إلى هذه الاستنتاجات؟

نكتفي بهذه الأمثلة ويوجد غيرها الكثير، مثل النهي عن المفاخرة بالجماع، والنهي عن السمر بعد العشاء الآخرة، وغيرذلك.

وحصيلة الإشكاليّة الأولى أنّها لم تشرح لنا بمقاربة ترجيحية مقنعة كيف توصّلت للفهم الذرائعي في جملة من الموارد التي ادّعي أنّها من مصاديق قانون الذرائع في الشريعة.

2 ـ مشكلة حصريّة الفهم الذرائعي

أقصد بهذه المشكلة أنّ الذرائعيَّ لا ينفعه فقط أنّ يُثبت لنا أنّ (أ) تُعتبر ذريعة لـ (ب)، حتى يقول بأنّ تحريم (أ) كان فقط لتحريم (ب)، بل عليه أيضاً أن يُقنعنا بأنّ (أ) لم يكن فيها في نفسها أيّ مفسدة أو قبح أضيفت إليه مفسدة الذرائعيّة، فصارت فيها مفسدة تبلغ حدّ التحريم، إذ بذلك تكون الحرمة معلولة لعنصرين: المفسدة الموجودة في (أ) بنفسها، والمفسدة الآتية من ذرائعيّة (أ) لـ (ب) التي هي محرّمة في الأصل أيضاً، وفي هذه الحال لم يعد يمكننا أن نجعل الذرائعيّة لوحدها العنصرَ الوحيد المسبِّب للتحريم، حتى نستخدمه نحن اجتهاداً في تحريم أشياء ليست فيها مفاسد ولو ضعيفة في نفسها ولا موجب لتحريمها سوى ذرائعيّتها.

وما يؤكّد ما نقول أنّ منطقيّة الأشياء تفرض أنّ فكرة الوسائليّة والمقاصديّة تظلّ مفتوحة على إمكان اجتماع الصفتين في فعل واحد، فقد يكون فعلٌ ما من المقاصد بالنسبة لذاته أو لما هو دونه، وهو من الوسائل بالنسبة لما هو فوقه، وهذا يعني أنّ اجتماع صفة المقصد والوسيلة في الفعل الواحد أمرٌ معقول جداً ومنطقي للغاية وواقعيّ كذلك في القانون والتفكير القانوني والأخلاقي، بل قد اعترف الإمام الشاطبي (790هـ) نفسه بذلك، حين قال: «والأفعال قد يكون بعضها وسيلة إلى بعض، وإن صحّ أن تكون مقصودة في أنفسها»([107]). وقبله كان العزّ بن عبد السلام (660هـ) يطرح هذه القضيّة أيضاً([108])، وهذا يعني أنّه لا يمكن إيجاد فصل تامّ بين الأفعال والسلوكيّات، من حيث صفة المقصديّة والوسائليّة؛ لأنّ السلوكيّات والأعمال متداخلة جداً في تأثيرها، فالفعل الذي تكون فيه مصلحة في ذاته يمكن أن تضاف مصلحة عليه من حيث إيصاله لشيء آخر يحمل بدوره مصلحة، كما قلنا سابقاً في الفصل الأوّل عند الحديث عن طبيعة المصلحة في المتعلّقات، وهكذا.

ولتوضيح الفكرة أعطي بعض الأمثلة ممّا صنّفوه هم ضمن شواهد الذرائعيّة:

1 ـ تحريم النظر إلى الأجنبيّة، فمن الممكن تعقّل أنّ التحريم كان سدّاً لذريعة الوقوع في الزنا، لكن كيف لي أن أعرف أنّ المبرّر الوحيد للتحريم كان ذلك؟! إذ ثمّة معقوليّة كبيرة في أن يكون التحريم منطلقاً أيضاً من مفسدة النظر نفسه، كما فيما يقال اليوم عن مفاسد إدمان الاطّلاع على المواقع الالكترونيّة الهابطة والأفلام الإباحيّة من حيث إنّه يوجب تأثيراً سلبيّاً في علاقة الإنسان الخاصّة بزوجته، وضعف حصول إثارته منها، وقد يسبّب مشاكل اُسريّة من حيث لا يشعر الناس، بل قد يصيب بعض الأفراد بالاكتئاب، وصيرورة تفكير الإنسان خياليّاً غير واقعي، وقد تجرّه للذهاب نحو ممارسة أمور مضرّة به، والإقدام المفرط على المنشطات لمحاكاة الشكل غير الواقعي في الأفلام والمواقع الإباحيّة، وقد أثبتت الدراسات أنّه مؤثر في رفع مستوى العنف الجنسي ضدّ المرأة، بل يوثر في إيجاد عقدة الحقارة عند المرأة نفسها لو شاهدتها، وغير ذلك، فكيف عرفنا أنّ النظر لم يكن تحريمه منطلقاً من اجتماع عنصر الذرائعيّة المشار إليه مع مقدار معيّن من المفسدة فيه نفسه؟!

وإذا قلتَ لي بأنّ هذا كلّه عبارة عن ذرائعيّات أيضاً، وليس الأمر كذلك، كان بالإمكان جعل أحكام الزنا والقتل والسرقة والخصومة و.. بنفسها ذرائعيّةً؛ لأنّ هذه الأفعال تفضي إلى كذا وكذا في المجتمع، فأين هو الحكم غير الذرائعي إذاً؟!

2 ـ نهي المرأة عن توصيف امرأةٍ أخرى لزوجها، فمن أين لنا أن ننفي احتمال أنّ مبرّر التحريم هو اجتماع غالبي لسدّ ذريعة الافتتان مع كون الفعل بنفسه غير أخلاقيّ؛ لأنّه يوجب هتك حرمة امرأةٍ أخرى بالإخبار عن جسدها للأجانب، إذ عادةً ما يكون إخبار الزوجة لزوجها في غير حالة كون المخبَر عنها سافرة تظهر للرجال بنفسها. وربما لهذا ورد النهي عن التكشّف أمام نساء غير المسلمين لكونهنّ يصفن نساء المسلمين لأزواجهنّ، إذ قد تكون حيثيّة حرمة المرأة حاضرة هنا في مثل هذا التشريع إلى جانب حيثيّة الافتتان.

لا اُريد أن أنفي هنا لو قام دليل من النصوص أو قرينة، بقدر ما اُريد أن أكشف أنّ طريقة المعالجة لا يكتفى معها بمجرّد الربط بين أمرين، لاستنتاج الذهنيّة الذرائعيّة العامّة عند المشرّع.

3 ـ طفرة الاستقراء الذرائعي

إنّ الخروج من الموارد التي استقرأت في الشرع إلى ما لم يستقرأ مبنيّ على الظنّ، والمستقرأ ليس هو الأغلب؛ فلعلّ المولى سبحانه أراد سدّ الذرائع في جملة من الموارد التي رآها مناسبةً، لكنّه لا يريد ذلك في تمام الموارد، وربما يكون السبب في ذلك أنّ إطلاق قانون سدّ الذرائع قد يضيِّق على المكلّفين، فلم يُرِدْ المولى هذا القانون مطلقاً، بل استخدمه هو بنفسه في موارد معيّنة في شريعته، ولو لم تكن بالقليلة. وهذا يعني أنّ هذا الاستقراء غاية ما يعطي أنّ من منهج الشارع في بناء أحكامه ما كان يقوم على سدّ الذرائع، وهذا غير أن يُقال بأنّ كلّ ما كان فيه سدّ الذرائع فهو منهجُ الشارع، فإنّ الأولى غير الثانية.

هذه الفكرة تشبه ما طرحه بعض الأصوليّين في باب الانسداد، فعندما كانوا يناقشون مقدّمات الانسداد ذكروا أنّه من غير المعقول إلزام المجتمع بالاحتياط التامّ، ولهذا يقول السيد الصدر: «المستفاد من ذوق الشارع وطريقته في التبليغ والاهتمام بتنظيم حياة الإنسان بمختلف شؤونها ومجالاتها أنَّه لا يرضى بمرجعية الاحتياط، بل لا يعقل أن يكون بناء الشريعة على وجه كلّي على الاحتياط ، فانَّ هذا إنَّما يعقل لو كانت الشريعة مجموعة تكاليف فرديّة لا تشريعات تتكفّل تنظيم مختلف مناحي حياة الإنسان الاجتماعيّة والفرديّة والسياسيّة، فكتاب القضاء مثلًا لا يعقل فيه مرجعيّة الاحتياط ولا يحتمل الفرق فقهيّاً بين باب وباب فمرجعيّة الاحتياط مساوقة مع تعطّل الشريعة وأغراضها الأساسيّة»([109]).

وقد عبّر آخرون بأنّ الاحتياط العام موجب لاختلال النظام أو للعسر والحرج([110])، وقد بحثنا هذه القضية بالتفصيل في مباحث الانسداد من حجيّة خبر الواحد([111]).

ومن خلال هذه الملاحظات كلّها، لا يبدو مقنعاً ما يقال من أنّ الشارع لا يذكر وقائع محدّدة لبيان أحكامها خاصّة، بل يريد تنبيهنا إلى القاعدة العامّة، وهذا هو معنى الاستقراء والاستدلال بالنصوص الجزئيّة هنا([112])، فإنّ هذه الفكرة صحيحة لو استطعنا العبور من الجزئي إلى الكلّي بآليّة منطقيّة، وما دامت الفرضيات التي نتحدث عنها ممكنة جداً فمن الصعب تحقيق العبور، وإلا فنحن لا نشكّ في أنّ الشريعة تستخدم طريقة بيان الجزئيّات لتحقيق قاعدة.

وبهذا يتبيّن أنّ استنتاج قانون كلّي من الاستقراء هنا يعاني من مشاكل في العمليّة الاستقرائيّة نفسها تارةً، وفي الطفرة القائمة على الاستقراء نفسه هنا تارةً أخرى.

محاولة لإنتاج الذرائعيّة في فضاء الفقه المجتمعي

نعم، يمكننا إعادة صياغة المقاربة هنا وفقاً لقانون المقدّمية عبر القول: إنّ فكرة ما يتوقّف ترك الحرام على تركه، أو فعل الواجب على الإتيان به، تارةً نطبِّقها في المجال الفردي؛ وأخرى في المجال الاجتماعي:

أ ـ أمّا في المجال الفردي، فهي تنتج إلزامات ـ عقلية أو شرعية ـ محدودة. وأصول الفقه الإسلامي كثيراً ما نظر إلى تطبيق هذه القاعدة على المستوى الفرديّ، وبذهنيّة فرديّة.

ب ـ وأمّا في المجال المجتمعي العامّ، فإنّ صياغة هذه القاعدة سوف تختلف؛ وذلك أنّ ترك المجتمع لحرامٍ معين قد يتوقَّف على تركه لأمر حلالٍ، ومعنى ترك المجتمع ليس ترك كلّ فردٍ فرد، بحيث لا يقع الحرام مطلقاً، بل بمعنى صدق أنّ هذا المجتمع لا يعيش جوَّ هذا الحرام في عمومه وغالبيّته، بحيث يكون هو الحالة الاجتماعيّة السائدة، فأنت تقول: إنّ المجتمع الفلاني مبتلىً بشرب الخمور، وهذا لا يصدق عندما يشرب واحدٌ في المائة مثلاً؛ بل يصدق عندما يكون ما يقارب النصف أو الأغلب مثلاً مبتلياً بهذا المحرّم، فيصحّ لنا أن نسند فعل الحرام إلى المجتمع بما هو مجتمع.

وفي هذه الحال قد يُقال بتطبيق قاعدة المقدّمة، ونقول: إن ترك هذا الحرام من قبل المجتمع متوقّف على منع الدولة رسمياً من استيراده أو تصنيعه، وفي هذه الحال يتمّ الحكم بحرمة الاستيراد والتصنيع؛ لتجفيف منابع هذا الحرام؛ بهدف تحقّق عنوان ترك المجتمع لهذا المحرّم.

إذا تمّ القبول بأنّ الإسلام ينظر في تشريعاته إلى الظاهرة المجتمعيّة، كما ينظر إلى الظاهرة الفردية، فلا يبعد أنه يمكن للفقيه الإفتاء بحرمة بعض المقدّمات المحلّلة في نفسها؛ بوصف ذلك من باب تحريم المقدّمة التي لا يمكن المنع عن الحرام إلاّ من خلال تحريمها. وهذا سيكون حكماً واقعيّاً فتوائيّاً، وليس حكوميّاً ولائيّاً، بناء على وجود حكم شرعي للمقدّمة لا مجرّد حكم عقلي.

إلاّ أن هذا التطبيق ـ لو صحّ وتمَّت الموافقة عليه ـ يظلّ مشروطاً بشروط، أهمّها:

الشرط الأول: أن يحرز بالفعل أنّه لا يوجد سبيلٌ آخر لقطع مادّة الفساد، إلاّ عبر هذا الطريق. ومن ثم فاللازم اختيار أقلّ الطرق تحريماً؛ خروجاً عن قاعدة البراءة والحلّية بمقدار الضرورة.

الشرط الثاني: أن لا يكون في تحريم هذه المقدّمات مفاسد تفوق مفسدة بقاء المحرّم الأصليّ، الذي يُراد تحريم المقدّمات لأجله.

وأمثلة هذا الأمر كثيرةٌ؛ إذ في مثل عصرنا قد يكون في التضييق على المقدّمات ـ تمهيداً لعدم شيوع الحرام ـ ضغطاً اجتماعياً كبيراً منفِّراً من الدين، وموجباً لردّات فعل عكسيّة؛ أو وقوع المجتمع الإسلامي في عزلةٍ تامّة عن العالم لو أريد تطبيق هذا القانون، ممّا يلزم منه مفاسد عظيمة.

لنأخذ مثالاً: تحريم السفر إلى بلاد غير المسلمين، أو تحريم الدراسة في الجامعة المختلطة ولا توجد إلاّ جامعات مختلطة، فإنّ مثل هذا التحريم لو كان بهدف قطع دابر الفساد الفكريّ والأخلاقيّ الناتج عن السفر أو عن الالتحاق بهذه الجامعة أو تلك، قد يؤدّي إلى تحوُّل المؤمنين أو المسلمين إلى أمّةٍ جاهلة، حيث لا يمكنهم تقديم البديل في الفترة الراهنة، فيلزم أخذ هذه الأمور بعين الاعتبار، وموازنة الموقف.

وبناءً عليه، لا يبعد ـ لو تمّ ما تقدَّم ـ القول بنظرية سدّ الذرائع أو أحكام المقدّمة باللحاظ المجتمعي، شرط ملاحقة تمام الملابسات، وخاصّة الشرطين المتقدّمين. ولا يكون ذلك تحريماً من باب الولاية، ولا نحو ذلك، بل هو حكمٌ واقعيّ شرعيّ، غايته يكون مؤقّتاً بحدود قيود المقدّمية؛ فإذا ارتفعت فإنّ هذا الحكم يرتفع. وبهذا يمكن وقوع مصالحةٍ في هذه القضيّة بين الأصول الاجتهاديّة للمذاهب الفقهيّة.

لكنّ هذا كلّه مبنيّ على إثبات أنّ التشريعات ناظرة للإنسان الكبير (المجتمع)، وليس فقط للإنسان الصغير (الفرد)، إذ قد يقال بأنّه من الصعب جداً إثبات إطلاقيّة هذه الفكرة، وأنّها خاصّة ببعض التكاليف ذات الهويّة المجتمعيّة مثل الجهاد وإقامة الشريعة، ممّا كان يسمّيه العلامة شمس الدين بتكاليف الأمّة، وتفصيله في محلّه.

هل نقض الحيل الشرعيّة موقوف على الأخذ بالاجتهاد الذرائعيّ؟

قد يتصوّر أنّه حيث كان الذرائعيّون أبرز نقّاد اجتهاد الحيل الشرعيّة، فهذا يعني أنّ التخلّي عن الذرائعيّة يعني الأخذ بالحيل الشرعيّة.

إلا أنّ هذا الكلام غير دقيق؛ وذلك:

أوّلاً: إنّ التفكير الذرائعي يمكن أن نتصوّره على شكلين أو مستويين:

المستوى الأوّل: هو المستوى الاجتهادي القائل بتحريم الوسائل بتبع النتائج. وهذا الذي كنّا نتكلّم عنه سابقاً.

المستوى الثاني: مرجعيّة القصد الواقعي في المعاملات أو مرجعيّة المعنون في المعاملات.

إنّ المستوى الثاني على صلة أكبر ببحث الحيل الشرعيّة، فمن الممكن أن يكون الفقيه رافضاً للمستوى الأوّل؛ لكنّه يرى أنّ العبرة والمدار في باب المعاملات هو على القصد الحقيقي لا الصيغ اللفظيّة، أو هو على المعنون النهائي الواقعي لا الشكل الظاهري للمعاملة، فالمعاملة الربويّة لها روح ولها صيغة شكليّة، والعبرة في التحريم هي الروح لا الشكل، فلو تمّت عنونتها بعنوان البيع فلا يغيّر هذا من واقع الحال شيئاً.

وعليه، فنقض نظريّة الحيل الشرعيّة يعتمد كثيراً على المستوى الثاني، ممّا يصحّح إنتاج سدّ طريق الحيل بلا حاجة لكليّة النظريّة الذرائعيّة.

وقد استدلّ الذرائعيّون على مستوى نقض الحيل([113])، بالحديث المشهور: «إنّما الأعمال بالنيّات»، فالنيّة الحقيقيّة للزواج من الطفلة الصغيرة ليس هو الزواج والعلاقة الزوجيّة، بل هو تحليل والدتها على العاقد كي يتسنّى له السفر معها إلى الحجّ مثلاً، ولهذا يرفض الذرائعيّون الحيل لمناقضتها لهذا الحديث، فيما يميّز مخالفوهم بين النيّة والغرض، فالنيّة للعقد موجودة قائمة في العقد على الصغيرة، لكنّ الغرض من العقد ليس المعاشرة الزوجيّة المعتادة، بل أمرٌ آخر، والتمييز بين النيّة والغرض والدافع ضروريّ، والحديث يرتبط بالنوايا لا بالأغراض، وإلا لزم الحكم ببطلان المعاملات التي يريد الطرف الآخر فيها بيع شيء لأجل الحصول على المال لكي يشتري به الخمر فيشربها مثلاً!

وبهذا نعرف أيضاً أنّ القائلين بالذرائعيّة بمستواها الأوّل لا يشترطون في الحكم على الذريعة قصدَ الفاعل، فسواء قصد التوصّل بها إلى حرام أم لم يقصد فهي حرام ما دامت العلاقة بين الوسيلة والنتيجة دائميّة أو أكثريّة أو كثيرة، بينما نجد نقّاد الحيل الشرعيّة في المستوى الثاني للذرائعيّة يهتمّون لأمر النيّة؛ لأنّ فاعل المعاملة الصوريّة نيّته الحقيقيّة هي الفرار من المعاملة المحرّمة فراراً صوريّاً وفعل الواقع المحرّم ولو بعنوان آخر، ولهذا استندوا للحديث المشار إليه، فالنيّة في المستوى الثاني عادةً مهمّة دون الأوّل.

وبصرف النظر عن مناقشتهم في طريقة مقاربتهم للموضوع، لكنّ تخريجات المستوى الثاني تظل قابلة للانفصال عن تخريجات المستوى الأوّل، ولهذا قسّم الدكتور وهبة الزحيلي الذرائع إلى قسمين: ما يكون باعتبار الباعث، وما يكون باعتبار المآل([114]).

وقد انقسم الفقه الإسلامي في قضيّة النيّة واللفظ في العقود والمعاملات إلى مدرستين أساسيّتين:

المدرسة الأولى: مدرسة مرجعيّة اللفظ، وأنّ النوايا شأنٌ يرجع للفاعل بينه وبين ربّه، وهذا ما نلاحظه في المدرسة الشافعيّة والحنفيّة، ويبدو لي مشهور الإماميّة على هذا.

المدرسة الثانية: مدرسة مرجعيّة المعنى والقصد، أخذاً بمثل قاعدة الأمور بمقاصدها، والعبرة بالنوايا، وهو ما نلاحظه عند الحنابلة والمالكيّة.

من هنا، نجد أنّ بعض الفقهاء الذين يرفضون نظريّة الذرائع قد يتحفّظون عن نظريّة الحيل ولو في بعض الموارد؛ لأسباب اجتهاديّة خاصّة عندهم، مثل السيّد الخميني في موضوع الحيل الربويّة ورواياتها حيث يقول: «فتحريم الربا لنكتة الفساد والظلم وترك التجارات، وتحليله بجميع أقسامه وأفراده ـ مع تغيير عنوان ـ لا يوجب نقصاً في ترتّب تلك المفاسد، من قبيل التناقض في الجعل، أو اللغويّة فيه. ثمّ إنّه لو كانت الحيلة بتلك السهولة مصحّحةً لأكل الربا نتيجةً، فلم لم ينبّه عليها رسول الله نبيّ الرحمة‘؛ لئلاّ تقع الأمّة في ذلك الحرام الذي هو إيذان (بِحَرْب مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ).. فلو كان الانتفاع بمثل الربا جائزاً بسهولة، وإنّما يحتاج إلى ضمّ شيء إلى شيء، أو تغيير كلام، لما احتاج إلى كلفة القتال وقتل النفوس، بل كان عليه‘ تعليم طريق الحيلة؛ حفظاً لدماء المسلمين، فيُعلم ممّا ذكر وما لم يذكر أن لا سبيل إلى الحيلة في تلك الكبيرة الموبقة»([115]).

وقصدنا من هذا كلّه التنبيه على الخطأ الذي قد يقع فيه الباحث، خاصّةً عندما يراجع كلمات مثل الشاطبي وابن تيمية، حيث يرى ترابطاً عجيباً بين بحث الحيل والذرائع، فيتصوّر أنّ الطريق الوحيد للخروج من الحيل يكون عبر الذرائعيّة، ولهذا اختاره الشاطبي وابن تيمية وابن قيّم الجوزية، لكنّ الصحيح أنّ رفض الحيل ينطلق من منطلقات متعدّدة لا تنحصر باختيار نظريّة الذرائع بمعناها الواسع، وهذا ما أردنا تأكيده، خاصّة وأنّ بحث الحيل يرتبط كثيراً بالقصود وبحث الذرائع يتحرّر منها كثيراً كما قلنا.

الذرائعيّة وشواهد الإنكار، وقفات مع مقاربات ابن حزم الأندلسي

لم يتوقّف أمر الاجتهاد الذرائعي على نقض أدلّته ومستنداته العقلية والنصيّة، بل ثمّة محاولات لحشد الشواهد المضادّة التي تهدم أصول التفكير الذرائعي، وقد اهتمّ ابن حزم الظاهري ـ بوصف الظاهرية من خصوم التفكير الذرائعي ـ بعرض بعض العيّنات من الأدلّة النقضيّة.

وأبرز ما يمكننا ذكره هنا لنقض التفكير الذرائعي أو بتعبير آخر لنقض كليّة هذا التفكير، هو الآتي:

الدليل الأوّل: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ (النحل: 116)، وقوله سبحانه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آَللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ (يونس: 59).

يقول ابن حزم: «ومما يبطل قولهم غاية الإبطال قول الله تعالى ـ وذكر هاتين الآيتين ـ فصحّ بهاتين الآيتين أنّ كلّ من حلّل أو حرّم ما لم يأت بإذن من الله تعالى في تحريمه أو تحليله فقد افترى على الله كذباً، ونحن على يقين من أنّ الله تعالى قد أحلّ لنا كلّ ما خلق في الأرض، إلا ما فصّل لنا تحريمه بالنصّ.. فبطل بهذين النصّين الجليّين أن يحرّم أحد شيئاً باحتياطٍ أو خوف تذرّع»([116]).

ومن الواضح أنّ الاستدلال بمثل هذه النصوص إنّما هو على طريقة ابن حزم في تناول القضايا؛ لأنّه يعتبر أنّ المستند الوحيد للحكم الشرعي هو دلالة النصّ، والمفروض في باب الذرائع أنّ النصّ مفقودٌ على تحريم هذه الذريعة أو تلك، فيكون من التقوّل على الله تعالى.

من هنا يستند ابن حزم إلى عمومات ومطلقات النهي عن العمل بالظنّ؛ حيث إنّ معطيات الذرائعيّين مجرّد ظنون، فيقول بعد عرضه بعض نصوص النهي عن اتّباع الظنّ: «فكلّ من حكم بتهمة أو باحتياط لم يستيقن أمره أو بشيء خوف ذريعة إلى ما لم يكن بعدُ، فقد حكم بالظنّ، وإذا حكم بالظنّ فقد حكم بالكذب والباطل، وهذا لا يحلّ، وهو حكم بالهوى، وتجنّب للحقّ نعوذ بالله من كلّ مذهب أدّى إلى هذا، مع أنّ هذا المذهب في ذاته متخاذل متفاسد متناقض؛ لأنّه ليس أحد أولى بالتهمة من أحد، وإذا حرّم شيئاً حلالاً خوف تذرّع إلى حرام فليُخصَ الرجال خوف أن يزنوا، وليقتل الناس خوف أن يكفروا، وليقطع الأعناب خوف أن يعمل منها الخمر، وبالجملة فهذا المذهب أفسد مذهب في الأرض؛ لأنّه يؤدّي إلى إبطال الحقائق كلّها»([117]).

لكنّ هذه المحاولة النقديّة المتكرّرة منه في غير مناسبة تجاه سلسلة من النظريّات الأصوليّة، لا تبدو دقيقةً؛ لأنّ مرجعيّة النص مفهوم عام، والذرائعي يدّعي أنّ النصوص القرآنية والحديثيّة، وكذلك الفهم العرفي القائم على الاستقراء النصّي، يفضي لفهم مراد الشارع في المسألة من نصوصه بنحو إرادة القاعدة الملقاة علينا، تماماً كما هي الحال عندهم في القياس أو المصالح المرسلة، ومن ثمّ فلا يكفي في نقد الذرائعيّين وأمثالهم مجرّد اتهامهم بالتقوّل على الله ما لم نقم برصد مستنداتهم من الكتاب والسنّة، وطريقة فهمهم للنصوص التي اعتبروها مستنداً. نعم لو كان مستندهم الوحيد هو الدليل العقلي أو أيّ دليل مخارج للنص، فيكون كلام ابن حزم صحيحاً على قواعده هو في حصريّة المرجعيّة بالنصّ الديني.

وأمّا القول بأنّه عملٌ بالظنون، فلو سلّم بذلك الذرائعيُّ، فهو ظنٌّ معتبر بأدلّته عنده، كما أنّ الشواهد التي ذكرها ابن حزم تكشف في ظنّي عن أحد أمرين: إمّا أنّ نظرية الذرائعيّين في عصره (القرن الخامس الهجري) كانت بدائيّة غير منضبطة وغير مقوننة، أو أنّ ابن حزم نفسه لم يفهم نظريّتهم جيّداً؛ إذ من الواضح أنّ الأمثلة التي ذكرها لا ترد عليهم، كما صار واضحاً من خلال شرحنا السابق.

الدليل الثاني: الاستناد لروايات الاحتياط التي تحذّر من الوقوع في الشبهات، وأنّه يوشك صاحبها على الوقوع في الحرام الذي هو حمى الله، فقد تناول ابن حزم الأندلسي هذه الروايات بطريقة مباينة تماماً لتناول الذرائعيّين الذين استندوا إليها أيضاً كما أشرنا سابقاً، وكأنّ مشكلته مع الذرائعيّين تبدو متركّزة في قضيّة الاحتياطات؛ حيث قال: «فهذا حضّ منه صلّى الله عليه وسلّم على الورع، ونصّ جليّ على أنّ ما حول الحمى ليست من الحمى، وأنّ تلك المشتبهات ليست بيقين من الحرام، وإذا لم تكن مما فصّل من الحرام فهي على حكم الحلال.. وكذلك بيّن رسول الله صلى الله عليه وسلّم في الحديث الذي روينا آنفاً من طريق ابن عون عن الشعبي بياناً جليّاً أنّ المخوف على من واقع الشبهات إنّما هو أن يجسر بعدها على الحرام، فصحّ بهذا البيان صحّةً ظاهرة، أنّ معنى رواية زكريا عن الشعبي التي يقول فيها: وقع في الحرام، أنّه إنما هو على معنى آخر، وهو كلّ فعل أدّى إلى أن يكون فاعله متيقّناً أنّه راكب حرام في حالته تلك..»([118]).

إنّ ما يريده ابن حزم هو التأكيد على أنّ ما يسمّى بنصوص الاحتياط لا تعني تحريم الشبهات، بل بالعكس فإنّ تعبيرها بأنّها دورانٌ حول الحرام والحمى كاشف عن أنّها ليست من الحرام، وإنّما تريد الكشف عن الحالات غير المحرّمة التي تفضي للحرام، وكأنّه يريد أن يجعل نصوص الاحتياط مجرّد إرشاد وتنبيه على عدم الوقوع في الحرام لا تأسيساً لحكم تحفّظي تحريمي في الشبهات التي هي ليست عين الحرام بل تحيط به. وهذا ما نجد روح فكرته عند السيد محمّد باقر الصدر في مناقشته لروايات التثليث الواردة في باب الاحتياط([119])، فليس هنا حكم شرعي بحرمة المشتبهات، بل هو إرشاد لحكم العقل بترك ما يجعل المكلّف مقتحماً للحرام ومتجرأً عليه، ولهذا ربط ابن حزم الحديث بالدعوة للورع.

ومن هنا ميّز ابن حزم بين نصوص الإيجاب ونصوص الحضّ، فاعتبر أنّ نصوص المشتبهات هي نصوص حضّ لا نصوص إيجابٍ تشريعي، والحضّ مرتبط بالإرشاد والتوجيه والدعوة للورع لا بإنشاء تشريعات في مورده، وخطأ الفقهاء أنّهم فهموا نصوص الاحتياط بطريقة مغايرة خاطئة، ولهذا يقول: «وصحّ أنّ معنى هذا الحديث ـ لو صحّ ـ إنّما هو على الحضّ لا على الإيجاب، فلو كان المشتبه حراماً، وفرضاً تركُه، لكان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قد نهى عنه، ولكنّه عليه السلام لم يفعل ذلك، لكنّه حضّ على تركه وخاف على مواقعه أن يُقدم على الحرام، ونظر ذلك صلّى الله عليه وسلم بالراتع حول الحمى، فالحمى هو الحرام، وما حول الحمى ليس من الحمى، والمشتبهات ليس من الحرام، وما لم يكن حراماً فهو حلال، وهذا في غاية البيان، وهذا هو الورع الذي يُحمد فاعله ويؤجر ولا يُذمّ تاركه ولا يأثم، ما لم يواقع الحرام البيّن»([120]).

ومقاربة ابن حزم اللُّغَوِيّة لفهم بعض نصوص الاحتياط قريبة ومعقولة جداً في الدلالة العرفيّة، بما يبطل استدلال الذرائعي بنصوص الاحتياط، أمّا جعل نصوص الاحتياط إبطالاً للذرائعيّة فهذا غير دقيق؛ إذ يبدو أنّ ابن حزم لم ينتبه لفكرة التحريم بالعنوان الثانوي، فلو انتبه إليها لما وقع في بعض الأخطاء هنا؛ لأنّ تحريم الشيء الحلال؛ لدخوله في دائرة المشتبه عند المكلّف، هو تحريم ظرفي، وليس تحريماً أوّليّاً، ففي ظرف الشبهة يصبح الحلال حراماً لحماية الحرام الواقعي الأصلي، ولا يعني ذلك أنّ المحرّم في ظرف الاشتباه ليس في الأصل حلالاً، فكأنّ فكرة الحكم الظاهري (في ظرف الاشتباه) لم تكن مفهومةً لديه، لهذا تصوّر أنّ هذا الحديث يدلّ على اللاذرائعيّة نتيجة اعتباره المشتبه كائناً حول الحمى لا عين الحمى، مع أنّ نفي كونه عين الحمى هو بملاحظة الحكم الواقعي الأوّلي، لا الحكم الشرعي الظرفي، ولهذا يمكن لشيء واحد أن يكون حلالاً لزيد لأنّه ليس في مورده اشتباه عنده وحراماً على عمرو لوقوعه في ظرف الاشتباه؛ رغم كونه في ذاته حلالاً، كإبريق الماء الحلال شربه يصبح مورداً للشبهة الملزمة بالاحتياط، عندما يختلط بإبريق خمرٍ ولا نتمكّن من التمييز، فنتجنّب الاثنين معاً احتياطاً لعدم الوقوع في شرب الخمر من حيث لا ندري أو نحتسب.

وعليه، فنصوص الاحتياط لا تدلّ لا على الذرائعيّة، ولا على نفيها، بل لو دلّت فهي تدلّ على نفي الذرائعيّة في موارد الشبهات، وربما لا يكون في الواقع بين اقتحام الشبهات والوقوع في الحرام الواقعي الأوّلي نسبة الغلبة أو الكثرة (علاقة الغلبة أو الكثرة بين المقدّمة والنتيجة المشروطة عند الذرائعي)، حتى يكون ذلك مدعاةً لنقض الذرائعيّة بعدم جريان الاحتياط في الشبهات.

هذا، ولا بأس بالإشارة أخيراً إلى أنّ ما ذكره بعض الباحثين، من أنّ الاجتهاد الذرائعي يلزم منه تحريم جميع المباحات وعدم بقاء مباح إطلاقاً؛ إذ ما من مباح إلا ويقع وسيلة إلى الحرام في بعض الموارد([121])، قد صار واضحاً الجواب عنه؛ فإنّ الذرائعيّين لا يقصدون مطلق استطراق ذريعة لنتيجة، بل القضية تتبع نسبة العلاقة بين الوسيلة والنتيجة، فراجع.

رؤيتنا للذرائعيّة، من الفتوى إلى السياسة الشرعيّة و..وفق فقه الأولويّات

توصّلنا إلى الآن إلى عدم الموافقة على الاجتهاد الذرائعي بوصفه قانوناً كليّاً يجري العمل عليه في كلّ موارد العلاقة الكثيريّة وما زاد بين الوسائل والغايات، لكنّنا قلنا بأنّ الاجتهاد الذرائعي يمكن القبول به ضمن قواعد أخرى وليس مستقلاً، وهذه القواعد هي:

1 ـ مقدّمة الواجب ومقدّمة الحرام.. فلو قلنا بأنّهما محكومان بحكم الشرع وليس فقط بحكم العقل، كانت الذرائعيّة ساريةً هنا بهذا المقدار.

2 ـ قانون التزاحم وتقديم الأهم على المهمّ، فبالمقدار الذي تجري فيه قواعد التزاحم، وسيأتي الحديث عنها إن شاء الله تعالى، يمكن الأخذ بالذرائعيّة.

3 ـ مسألة الإعانة على الإثم، ومسألة التعاون على الإثم، فإنّه لو بُني على حرمة الإعانة، فيكون الموقف محدّداً بحدود الحكم الوارد في هذا الموضوع الفقهي.

4 ـ بعض أشكال الاستدلال العقلي (النظري أو العملي) المبني على القطع واليقين لا على الظنّ، طبقاً لحدود القول بحجيّة معطيات العقل في الشريعة.

5 ـ العناوين الثانوية من نوع نفي الضرر ونفي الحرج وغير ذلك.

أمّا ما هو غير ذلك، ولا يحمل أيّ دليل نصّي خاص في مورده، فلا يمكن الأخذ به في قانون الذرائع، ما لم يحصل يقين موردي خاصّ.

مع هذا كلّه، وبناء على نظريّتنا في عدم شموليّة الشريعة، فالذي نفهمه أنّ قانون الذرائع في الجملة قانون عقلائي ويرجع بمصالح على الناس، ولهذا يمكن اعتباره إحدى مرجعيّات الدولة الإسلاميّة أو المجتمع الإسلامي في إدارة المصالح العامّة للمسلمين ضمن فقه الأولويّات دون أن يكون ناتجه حكماً شرعيّاً إلهيّاً، بل نحن نرى أنّ جملة من الموارد التي ذكرها الذرائعيّون بوصفها شواهد لنظريّتهم، وهم يمارسون الاستدلال الاستقرائي، ليست سوى مصاديق للسياسة الشرعيّة التي قام بها النبيّ أو أهل البيت أو الخلفاء أو الصحابة.

ومن خلال إقحام الآليّة الذرائعيّة في التعامل مع تطبيق الشريعة (السياسة الشرعيّة)، نكتشف أنّ المنهج الذرائعي في السياسة الشرعيّة يقوم ـ بشكل رئيس ـ على تطبيق قانون التزاحم من قبل الجهة المتوليّة للإدارة المجتمعيّة. ومعنى التزاحم هنا أنّ السلطة المجتمعيّة تلاحظ عنصرَي الاحتمال والمحتمل معاً، لهذا وبمقتضى سلطتها الولائيّة الممنوحة لها شرعاً، قد تجد سدّ طريق مباح على أمر محرّم نتيجة ملاحظة شدّة حرمة هذا المحرّم ومستويات خطورته، أو نتيجة ملاحظة القوّة الاحتماليّة في الإيصال لهذا المحرّم عبر الطريق المباح، خاصّة مع أخذها بعين الاعتبار أنّ المحتالين على القانون ربما يسعون جاهدين لاستغلال إباحة الطرق بهدف الوصول إلى المحرّم بشكل تلقائي، وهنا يقوم وليّ الأمر مثلاً بمنع بعض الطرق آخذاً عناصر الخطورة والأهميّة بعين الاعتبار، وهذا ما يختلف باختلاف الظروف والأحوال.

من هنا، يعتبر الدارسون لأصول وقواعد السياسة الشرعيّة أنّ العمل السياسي الذرائعي هو قاعدة مهمّة لا يستغني عنها أولياء السلطة؛ لأنّ سدّ الطرق دون الوقوع في محذور كبير محتمل جداً الوقوع فيه، يشكّل واحدة من أعمدة العمل السياسي والإداري للمجتمعات، وهكذا الحال في فتح الطرق بهدف الاقتراب من تحقيق مصالح عليا([122]).

ويتأكّد هذا الأمر عندما نعرف أنّ السياسة الشرعيّة تقوم على معيار المصلحة العامّة، والعدل العام، وتنظر دائماً في المآلات وتهمّها المخرَجات التي سوف تؤول إليها السياسة والأنشطة المختلفة فيها، وهذا كلّه يجعل قواعد المصلحة المرسلة والذرائع من أبرز الأبواب التي تخدم قواعد السياسة الشرعيّة.

إنّ السياسة الشرعيّة وإدارة السلطة في مجتمع المسلمين بمختلف مستويات السلطة لا تقوم على التعبّدات المحضة فقط؛ إذ هذا الأمر يبدو غير معقول، ولهذا تحتاج الشريعة في مقام التطبيق والممارسة المجتمعيّة إلى سلسلة من القواعد التي تسمح للعقل الإنساني بالحركة الواعية المفهومة بهدف النظر في المآلات والمخرَجات، فإنّ هذا الأمر يشكّل في تقديري أحد عناصر حماية الشريعة لمصالحها، وإلا لتسبّب ذلك باصطدامها بالواقع دون نتيجة، فلابدّ من فرض العقل المتحرّك في دائرة المتغيّرات ذا سلطة هنا كي يتسنّى له إدارة عمليّة تطبيق المفردات الشرعيّة بأفضل وسيلة ممكنة له، فإنّ الخسائر الناجمة عن سلطة العقل في دائرة التطبيق تظلّ أقلّ بكثير من الخسائر الناجمة عن تصادم الشرع والواقع.

وهنا نجد سلسلةً من القواعد والكليّات الشرعيّة التي تتمكّن من مساعدتنا في إدارة السلطة بطريقة عقلانيّة وفي الوقت عينه عدم المخاطرة بالأحكام الشرعيّة التعبّدية بدون مبرّر من الشرع نفسه.

والأمر عينه يجري في العمل القضائي ومصالحه العليا، فلا نطيل.

__________________________________

([1]) هذا البحث جزءٌ من كتاب (فقه المصلحة، مدخلاً لنظريّة المقاصد واجتهاد المبادئ والغايات: 241 ـ 336)، من تأليف حيدر حبّ الله، نشر دار روافد في بيروت، الطبعة الأولى، 2019م.

([2]) لقد صنّفت في العصر الحديث العديد من الكتب المتصلة بنظرية اعتبار المآلات، فانظر ـ على سبيل المثال ـ ما كتبه الدكتور وليد بن علي الحسين، من كتاب «اعتبار مآلات الأفعال وأثرها الفقهي»؛ وعبد الرحمن بن معمّر السنوسي، في كتابه «اعتبار المآلات ومراعاة نتائج التصرّفات».

ونجد هذه القاعدة في الاجتهاد الإمامي ضمن تعابير لعلّ من أشهرها: «الأمر الفلاني حلال إذا لم يلزم منه حرام»، أو «النظر بلا شهوة حلال إذا لم يكن عن ريبة» بعد تفسير الريبة عند بعضٍ بأنّها ما يمكن أن يؤدّي إليه هذا النظر لاحقاً من مفاسد أو محرّمات، فلو قلنا بتحريم نفس الفعل على تقدير مآلاته ونتائجه التي ستلزم عنه، فيكون نظراً للمآل، لكنّ الاجتهاد الإمامي لا يؤسّس هذه القاعدة، بل غالباً ما يربطها بقواعد اُخر من نوع حرمة المقدّمة أو نحو ذلك، وسيأتي في هذا الكتاب مواضع تساعدنا على فهم حضور ـ ولو محدود ـ لمثل هذه القاعدة في العقل الاجتهادي الإمامي بأسماء اُخر.

([3]) حنان عبد الكريم القضاة ومحمد خالد منصور، سدّ الذرائع وتطبيقاته في المذهب الشافعي، مجلّة دراسات، علوم الشريعة والقانون، المجلد 42، العدد 2: 657.

([4]) انظر: محمد هشام البرهاني، سدّ الذرائع في الشريعة الإسلاميّة: 37.

([5]) ابن فارس، معجم مقاييس اللغة 2: 350.

([6]) لسان العرب 8: 94.

([7]) الجوهري، الصحاح 3: 1211؛ وانظر: لسان العرب 8: 93 ـ 98.

([8]) انظر ـ على سبيل المثال ـ: ابن العربي، أحكام القرآن 2: 331؛ والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن 2: 57 ـ 58؛ وابن تيمية، الفتاوى الكبرى 6: 172.

([9]) انظر: الشيرازي، أنوار الأصول 2: 494 ـ 495؛ وطريق الوصول إلى مهمّات علم الأصول 2: 146؛ والجناتي، منابع اجتهاد از دیدگاه مذاهب اسلامي: 370؛ وعليدوست، فقه ومصلحت: 143 ـ 145؛ والحكيم، الأصول العامّة للفقه المقارن: 410.

([10]) انظر: ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلاميّة: 369 ـ 370.

([11]) انظر: عليدوست، فقه ومصلحت: 144، حيث أشكل على التمييز الأوّل بأعميّة المقدّمة من الانحصار وعدمه، بل قد يقال ـ إضافةً لكلامه ـ بأنّ مجموع الطرق هو المقدّمة فتظلّ المقدّمة منحصرةً.

([12]) انظر: البرهاني، سدّ الذرائع في الشريعة الإسلاميّة: 84 ـ 85؛ وإبراهيم بن مهنا بن عبد الله المهنّا، سدّ الذرائع عند شيخ الإسلام ابن تيمية: 44 ـ 46.

([13]) انظر: القرافي، الفروق 2: 32، و 4:  266 (3: 1053)؛ والذخيرة 1: 152 ـ 153.

([14]) انظر: الشاطبي، الموافقات 1: 335 ـ 338.

([15]) منّاع القطّان، التشريع والفقه في الإسلام، تاريخاً ومنهجاً: 334.

([16]) انظر: عبد الله بن مرزوق القرشي، إشكاليّة الحيل في البحث الفقهي: 25 ـ 26.

([17]) المغني 5: 511 ـ 513؛ وانظر: الشاطبي، الموافقات 3: 105 ـ 119.

([18]) المقصود بالتحليل هنا أن يطلّق الرجل زوجتَه ثلاثاً، فلا تحلّ له حتى تنكح زوجاً غيره، فيقوم رجلٌ آخر بنكاحها؛ لغرض تطليقها بعد ذلك، كي تحلّ لزوجها الأوّل، وهو ما يعتبره ابن تيميّة غير مشروع بل هو تحايل مرفوض، وبهذه المناسبة يعقد دراسة مطوّلة حول هذا الموضوع والحيل الشرعيّة عامّة.

([19]) ابن تيمية، الفتاوى الكبرى 6: 181.

([20]) انظر حول هذا النوع من الحيل: ابن قيم الجوزية، إعلام الموقعين 5: 302 ـ 306؛ ومحمد سلام مدكور، المدخل للفقه الإسلامي: 247 ـ 248.

([21]) انظر: يوسف بن عبد الله حميتو، تكوين ملكة المقاصد: 129.

([22]) ابن قيم الجوزيّة، إعلام الموقعين 4: 554 ـ 555.

([23]) انظر: ابن السبكي، الأشباه والنظائر: 119 ـ 120؛ والبرهاني، سدّ الذرائع في الشريعة الإسلاميّة: 95 ـ 96.

([24]) القرافي، الذخيرة 1: 153؛ وانظر له: الفروق 2: 450 ـ 452.

([25]) الشافعي، الأم 7: 312.

([26]) الزركشي، البحر المحيط في أصول الفقه 4: 382.

([27]) الشافعي، كتاب الأم 4: 50 ـ 51.

([28]) انظر: حسين حامد حسان، نظرية المصلحة في الفقه الإسلامي: 389 ـ 423.

([29]) انظر ـ على سبيل المثال ـ: حنان عبد الكريم القضاة ومحمد خالد منصور، سدّ الذرائع وتطبيقاته في المذهب الشافعي، مجلّة دراسات، علوم الشريعة والقانون، المجلد 42، العدد 2: 684 ـ 687.

([30]) انظر: السيفي المازندراني، بدائع البحوث 8: 122.

([31]) انظر: الموافقات 3: 76.

([32]) انظر: الخادمي، علم المقاصد الشرعيّة: 24 ـ 25؛ ومحمد سعد اليوبي، مقاصد الشريعة الإسلاميّة وعلاقتها بالأدلّة الشرعيّة: 577.

([33]) انظر: القرافي، الفروق 2: 450 ـ 452؛ والذخيرة 1: 153.

([34]) القواعد والفوائد 2: 81 ـ 83؛ وانظر أيضاً: المصدر نفسه 1: 61 ـ 63.

([35]) المصدر نفسه 1: 60.

([36]) المصدر نفسه 1: 36 ـ 39.

([37]) الأحسائي، الأقطاب الفقهيّة: 43 ـ 44.

([38]) انظر ـ على سبيل المثال ـ: العزّ بن عبد السلام، قواعد الأحكام في مصالح الأنام 1: 53 ـ 54، 123 ـ 129؛ والقواعد الصغرى: 121 ـ 123، 198 ـ 199؛ والقرافي، الذخيرة 1: 153؛ ومعجم القواعد الفقهيّة الإباضيّة 1: 555، و2: 1174 ـ 1177، 1463 ـ 1465.

([39]) انظر: جامع الشتات 3: 51؛ ورسائل الميرزا القمي 1: 211؛ وغنائم الأيام 1: 223، 423، و5: 226، 266.

([40]) غنائم الأيام 1: 223.

([41]) انظر: الخوانساري، الحاشية الثانية على المكاسب: 449؛ وكاشف الغطاء، تحرير المجلّة ج1، ق2: 199؛ والخوئي، معجم رجال الحديث 15: 153.

([42]) ينابيع الأحكام في معرفة الحلال والحرام 2: 319؛ وانظر: المصدر نفسه 2: 322.

([43]) انظر: أنوار الفقاهة (كتاب التجارة): 366؛ والعروة مع تعليقاتها 1: 66.

([44]) الأمثل 1: 539.

([45]) بدائع الأفكار: 289.

([46]) انظر: شيخ الشريعة الإصفهاني، إفاضة القدير: 98 ـ 99.

([47]) إفاضة القدير: 129 ـ 130.

([48]) انظر: مباحث الأصول 2: 49، 50، 55؛ وبحوث في علم الأصول 4: 202 ـ 204، و5: 148.

([49]) محمد علي الأنصاري، الموسوعة الفقهيّة الميسّرة 4: 127.

([50]) انظر: الخوانساري، جامع المدارك 3: 21؛ والأنصاري، المكاسب 1: 233.

([51]) انظر: المرتضى، الذخيرة في علم الكلام: 553؛ وابن إدريس الحلّي، السرائر 2: 22.

([52]) ابن قيم الجوزيّة، إعلام الموقعين 4: 553؛ ووليد بن علي الحسين، اعتبار مآلات الأفعال وأثرها الفقهي: 179 ـ 180.

([53]) الإصفهاني، نهاية الدراية 2: 320؛ والمظفر، أصول الفقه 2: 293.

([54]) الحكيم، الأصول العامّة للفقه المقارن: 411 ـ 412؛ والجناتي، منابع اجتهاد از ديدگاه مذاهب اسلامي: 375.

([55]) الحكيم، الأصول العامّة للفقه المقارن: 412؛ والجناتي، منابع اجتهاد از ديدگاه مذاهب اسلامي: 375 ـ 376.

([56]) انظر: فاعور، المقاصد عند الإمام الشاطبي: 460 ـ 463.

([57]) جاسر عودة، مقاصد الشريعة دليل للمبتدئين: 96 ـ 97.

([58]) انظر: عبد الكريم النملة، الجامع لمسائل أصول الفقه: 392؛ وسعد الشناوي، مدى الحاجة للأخذ بنظريّة المصالح المرسلة في الفقه الإسلامي: 231 ـ 246؛ وإبراهيم بن مهنا بن عبد الله المهنّا، سدّ الذرائع عند شيخ الإسلام ابن تيمية: 261 ـ 262؛ وماجد سالم الدراوشه، سدّ الذرائع في جرائم القتل، دراسة مقارنة: 87؛ ويوسف عبد الرحمن الفرت، التطبيقات المعاصرة لسدّ الذريعة:27 ـ 31؛ وحسين حامد حسان، نظريّة المصلحة في الفقه الإسلامي: 512 ـ 514.

([59]) انظر: إبراهيم بن مهنا بن عبد الله المهنّا، سدّ الذرائع عند شيخ الإسلام ابن تيمية: 61 ـ 65؛ وعبد الرحمن السنوسي، اعتبار المآلات ومراعاة نتائج التصرّفات: 160 ـ 167؛ ومحمد بن حسين الجيزاني، إعمال قاعدة سدّ الذرائع في باب البدعة: 26 ـ 27؛ ووليد بن علي الحسين، اعتبار مآلات الأفعال وأثرها الفقهي: 153 ـ 178؛ والشناوي، مدى الحاجة للأخذ بنظريّة المصالح المرسلة في الفقه الإسلامي: 275 ـ 281.

([60]) الريسوني، نظريّة المقاصد عند الإمام الشاطبي: 90.

([61]) انظر ـ على سبيل المثال ـ: ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة 1: 178.

([62]) انظر ـ على سبيل المثال ـ: العسقلاني، فتح الباري 1: 469.

([63]) انظر: الاعتصام 1: 253 ـ 257.

([64]) وقد صنّف بعض الباحثين المعاصرين وهو الدكتور محمد بن حسين الجيزاني كتاباً مختصراً مستقلاً في هذا الأمر تحت عنوان: إعمال قاعدة سدّ الذرائع في باب البدعة.

([65]) انظر: محمد بن حسين الجيزاني، إعمال قاعدة سدّ الذرائع في باب البدعة: 18 ـ 25.

([66]) راجع: حيدر حب الله، حجيّة السنّة في الفكر الإسلامي، قراءة وتقويم: 349 ـ 368.

([67]) انظر: الجناتي، منابع اجتهاد از دیدگاه مذاهب اسلامى: 374.

([68]) محمّد سعد بن أحمد بن مسعود اليوبي، إتحاف القاصد بنظم أحكام وقواعد المقاصد: 25.

([69]) انظر حول هذه الأدلّة القرآنيّة: ابن قيم الجوزية، إعلام الموقعين 5: 5 ـ 6، 62 ـ 63؛ والزركشي، البحر المحيط 4: 382 ـ 383؛ وابن تيمية، الفتاوى الكبرى (إقامة الدليل على إبطال التحليل) 6: 174، 179؛ والشاطبي، الموافقات 3: 75 ـ 76؛ والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن 1: 304، و2: 57 ـ 58، و7: 305 ـ 307؛ والشوكاني، إرشاد الفحول: 246 ـ 247؛ وابن العربي، أحكام القرآن 2: 265؛ وابن عطية الأندلسي، المحرّر الوجيز 1: 189؛ والزرقا، المدخل الفقهي العام 1: 107 ـ 108؛ وعلال الفاسي، مقاصد الشريعة الإسلاميّة ومكارمها: 158 ـ 159؛ والنملة، الجامع لمسائل أصول الفقه: 391؛ وعبد الرحمن السنوسي، اعتبار المآلات ومراعاة نتائج التصرّفات: 124 ـ 135؛ وعبد الله بن مرزوق القرشي، إشكاليّة الحيل في البحث الفقهي: 285 ـ 287؛ والمهنّا، سدّ الذرائع عند شيخ الإسلام ابن تيمية: 54 ـ 58؛ ووليد بن علي الحسين، اعتبار مآلات الأفعال وأثرها الفقهي: 84 ـ 104.

([70]) ابن حزم، الإحكام 6: 750.

([71]) انظر: الطبري، جامع البيان 1: 468 ـ 474.

([72]) انظر: القمي المشهدي، كنز الدقائق 5: 216 ـ 223.

([73]) الملاحَظ أنّ التوراة تقدّم المنهيّ عنه في مختلف آيات قصّة آدم على أنّه الأكل من الشجرة، كما يظهر مكرّراً في عدّة آيات من الإصحاحين: الثاني والثالث من سفر التكوين، لكنّ الآية الثالثة من الإصحاح الثالث تقول: «وأمّا ثمر الشجرة التي في وسط الجنّة فقال الله لا تأكلا منه ولا تمسّاه لئلا تموتا»، فأضاف فكرة المسّ، ولكنّ سائر الآيات تكرّر أنّ المنهيّ عنه هو الأكل.

([74]) الحكيم، الأصول العامّة للفقه المقارن: 410 ـ 411؛ وانظر: الجناتي، منابع اجتهاد از دیدگاه مذاهب اسلامى: 375.

([75]) صحيح البخاري 7: 69.

([76]) صحيح مسلم 4: 97.

([77]) كسع ـ بسين مخفّفة مهملة ـ ضرب دبره وعجيزته بيد أو رجل أو سيف وغيره، انظر: النووي، شرح صحيح مسلم 16: 138.

([78]) صحيح البخاري 4: 160، و6: 65 ـ 67؛ وصحيح مسلم 8: 19.

([79]) مسند ابن حنبل 2: 491؛ وصحيح ابن حبان 12: 222 ـ 223.

([80]) الطبراني، المعجم الكبير 11: 265.

([81]) مسند ابن حنبل 6: 56؛ وانظر: صحيح البخاري 1: 60؛ وصحيح مسلم 2: 190.

([82]) راجع الاستدلال بهذه النصوص هنا عند: ابن تيمية، الفتاوى الكبرى 3: 290، و6: 174 ـ 175، 176 (إقامة الدليل على إبطال التحليل)؛ وابن قيم الجوزيّة، إعلام الموقعين 5: 6 ـ 7، 14 ـ 15، 32 ـ 33؛ والشاطبي، الاعتصام 2: 294 ـ 295؛ والموافقات 3: 76؛ والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن 2: 58 ـ 60؛ وعلال الفاسي، مقاصد الشريعة الإسلاميّة ومكارمها: 159؛ وعبد الرحمن السنوسي، اعتبار المآلات ومراعاة نتائج التصرّفات: 137 ـ 157؛ والنملة، الجامع لمسائل أصول الفقه: 392، وحسين حامد حسان، فقه المصلحة وتطبيقاته المعاصرة: 38 ـ 40، ونظرية المصلحة في الفقه الإسلامي: 220 ـ 222؛ والمهنّا، سدّ الذرائع عند شيخ الإسلام ابن تيمية: 58 ـ 61؛ ووليد بن علي الحسين، اعتبار مآلات الأفعال وأثرها الفقهي: 105 ـ 152.

([83]) انظر: سعود بن ملّوح سلطان العنزي، سدّ الذرائع عند الإمام ابن قيّم الجوزيّة وأثره في اختياراته الفقهيّة: 76، 85.

([84]) ابن تيمية، الفتاوى الكبرى 6: 174.

([85]) النووي، شرح صحيح مسلم 9: 89.

([86]) الاعتصام 2: 295.

([87]) الكافي 5: 424؛ والاستبصار 3: 293؛ وتهذيب الأحكام 7: 470.

([88]) انظر: الاستبصار 3: 293 ـ 294؛ ورياض المسائل 11: 69.

([89]) انظر: محسن الخرازي، مقالة التلقيح، مجلّة فقه أهل البيت، العدد 16: 109 ـ 110.

([90]) تفصيل وسائل الشيعة 20: 258.

([91]) انظر: روضة المتقين 8: 209؛ 9: 49؛ والوافي 21: 268؛ ومرآة العقول 20: 180؛ وملاذ الأخيار 12: 478.

([92]) انظر: محمد مهدي النراقي، جامعة الأصول: 102؛ والبحراني، الحدائق الناضرة 25: 224؛ والروحاني، فقه الصادق 22: 436.

([93]) انظر: الحدائق الناضرة 1: 76.

([94]) انظر: مستمسك العروة الوثقى 14: 525 ـ 526، وما بعد.

([95]) انظر: الحلّي، بحوث فقهية: 274 ـ 284.

([96]) إضافة اقتضاء الطبع من جملة ما طرحه الشيخ ابن تيمية في موضوع الذرائع، حيث قال: «الذرائع إذا كانت تفضي إلى المحرّم غالباً فإنّه يحرّمها مطلقاً، وكذلك إن كانت قد تفضي وقد لا تفضي لكنّ الطبع متقاضٍ لإفضائها»، إقامة الدليل على إبطال التحليل، ضمن مجموعة الفتاوى الكبرى 6: 173.

وفي ظنّي إنّه يريد أن يلحق بذلك كلّ الحالات التي تدخل ضمن القضايا الغريزية أو الشهويّة أو مقتضيات الغضب والحبّ والبغض وغير ذلك.

([97]) انظر: إعلام الموقعين 5: 5 ـ 65.

([98]) انظر: ابن تيمية، إقامة الدليل على إبطال التحليل، ضمن الفتاوى الكبرى 6: 174 ـ 180.

([99]) إعلام الموقعين 5: 66.

([100]) انظر: البرهاني، سدّ الذرائع في الشريعة الإسلاميّة: 337 ـ 493؛ والزحيلي، الذرائع في السياسة الشرعيّة: 11 ـ 12.

([101]) انظر: حيدر حبّ الله، أصالة العقلائيّة في عمليّة التشريع الديني، مجلّة نصوص معاصرة، العدد 48: 5 ـ 10.

([102]) تفصيل وسائل الشيعة 4: 176 ـ 177.

([103]) هذا التصوير الذي نطرحه ربما يختلف تماماً عن نظريّة السيد علي السيستاني في موضوع الاعتبار الذي يرى إمكان بناء علم أصول الفقه وفقاً له في خارطة جديدة يقترحُها، إذ يقسّم الاعتبار إلى اعتبار قانوني واعتبار أدبي، ويرى أنّ الاعتبارات القانونيّة اعتبارات متأصّلة اجتماعيّة بهدف صنع قرار تكون فيه المصلحة للفرد أو المجتمع مثل الأحكام التكليفيّة والوضعيّة، بينما الاعتبار الأدبي نوعٌ من الممارسة الفرديّة التي تهدف التأثير على الأحاسيس والمشاعر، مثل قولك: زيد أسد، فهنا حصل انفكاك بين المراد الاستعمالي والجدّي، والهدف هو التأثير على مشاعر السامع بتصوير زيد له بصفات الشجاعة والهيبة والقوّة (للاطلاع على ما طرحه، راجع: الرافد في علم الأصول: 47 ـ 48، 70 ـ 71؛ والاستصحاب (بتقرير محمّد علي الربّاني): 187 ـ 201).

وعليه، فمن الممكن أن يفهم السيستاني هنا من كلمة: العين تزني، نوعاً من الاعتبار الأدبي، أي تأثيراً عميقاً على إحساس الطرف الفاعل للنظر إلى الأجنبيّة لتصوير المشهد له في مخيّلته على أنّه فعل زنا، فيكون مؤثراً في تجنّبه له، فلا تكون له علاقة بنوع من الاعتبار القانوني، بعكس ما قد يفهمه الذرائعي هنا.

ولا بأس بأن نشير إلى أنّ نظريّة الاعتبار الأدبي لها جذور عميقة في الدراسات الدينيّة المتأخّرة، خاصّة في دراسة القصّة القرآنيّة (الدكتور خلف الله أنموذجاً)، ودراسة استخدام القرآن لأدبيّات وثقافة زمانه العامّة وتوظيفها التصويري بهدف أخلاقي (تلبّس الجنّ بالإنسان مثالاً في قضيّة الآكل للربا/البقرة: 275)، وكذلك الدراسات التي تبني على بناء النصوص الدينيّة على اللغة الأسطوريّة. وقبل الدراسات القرآنيّة المتأخّرة كانت الدراسات التفسيريّة للكتاب المقدّس قد شهدت توجّهاً واسعاً يبني على هذا النمط من الفهم الأدبي للنصوص الدينيّة، لكنّ نقطة امتياز ما طرحه السيستاني هو في استجلابه هذه المفاهيم والأفكار إلى مجال النصوص الفقهيّة، كما في حديثه عن رواية أنّ الزكاة أوساخ ما في أيدي الناس.

([104]) انظر: الأصول العامّة للفقه المقارن: 411.

([105]) بحوث في علم الأصول 2: 175.

([106]) انظر: حيدر حبّ الله، حجّية السنّة في الفكر الإسلامي، قراءةٌ وتقويم: 661 ـ 740.

([107]) الشاطبي، الموافقات 1: 84.

([108]) انظر: العزّ بن عبدالسلام، قواعد الأحكام في مصالح الأنام 1: 124.

([109]) الصدر، بحوث في علم الأصول 4: 444.

([110]) انظر: الأنصاري، فرائد الأصول 1: 195 ـ 205.

([111]) انظر: حيدر حبّ الله، حجيّة الحديث: 693 ـ 705.

([112]) انظر: ماجد سالم الدراوشه، سدّ الذرائع في جرائم القتل، دراسة مقارنة: 59.

([113]) انظر ـ لمزيد تفصيل حول الخلاف بين الشافعي وابن قيم الجوزيّة في قضية الحيل والعقود ـ: العنزي، سدّ الذرائع عند الإمام ابن قيم الجوزيّة: 130 ـ 151.

([114]) انظر: الزحيلي، الذرائع في السياسة الشرعيّة: 17 ـ 21.

([115]) الخميني، كتاب البيع 2: 545 ـ 546.

([116]) ابن حزم، الإحكام 6: 754.

([117]) المصدر نفسه 6: 755.

([118]) المصدر نفسه 6: 746.

([119]) الصدر، بحوث في علم الأصول 5: 97 ـ 98.

([120]) ابن حزم، الإحكام 6: 748.

([121]) مالك وهبي، مقاصد الشرع بين الإفراط والتفريط: 210 ـ 211.

([122]) انظر: وهبة الزحيلي، الذرائع في السياسة الشرعيّة: 65؛ وصلاح الدين محمد قاسم النعيمي، أثر المصلحة في السياسة الشرعية: 161 ـ 162.

الكاتب حيدر حب الله

حيدر حب الله

مواضيع متعلقة

اترك رداً

downloadfilmterbaru.xyz bigoporn.club bok3p.site sablonpontianak.com