الشيخ محمد رضا المظفر وآراء صريحة

تمهيد

تتميز حياة الرواد والمبدعين والمجددين في الغالب بالحركة، فكل أيامها مسرحٌ زمني، وكل مواطنها مسرحٌ مكاني، للقلق المعرفي والهم التجديدي، فحياتهم جميعاً يمكن تلمسها من خلال حوارات الإقناع، أو حوارات المواجهة مع المتمسكين بالسائد، والذين ربما يعجزون ذهنياً عن تلمس إشكالية عدم جدوى هذا السائد، أو يعجزون إذا أدركوا تلك الإشكالية عن وضع البدائل، بل أحياناً من فهم البدائل أو تفهمها.

والشيخ محمد رضا المظفر واحدٌ من أولئك، فقد ولد في مطلع القرن العشرين (1904م)، وهذا التوقيت هو بدء التطلع الفقهي في النجف إلى أمور ليست في مدارج الرسائل العملية المعتادة، فالمدينة منشغلة ـ بعد فتوى تحريم التنباك ـ بالاستدلالات المتقابلة بين المشروطة (الحكومة الإسلامية) والمستبدة (الملكية المطلقة)، فالجو العام للحوار العلمي في أروقة الحوزة هو جو علمي سجالي.

ومن جهة تشكيل شخصيته العلمية ونزعاته في التعامل مع المعرفة فإن أخاه الشيخ محمد حسن المظفر، المعروف بالتضلع العلمي، كان أول موجِّه له، وترك بصماته التجديدية عليه، وقد ساعده على تنشيط العقل التجديدي صاحب الآراء المبتكرة والعالم الأصولي البارع الشيخ آغا ضياء العراقي، ثم الشيخ البجنوردي صاحب المعقول والقواعد والأصول، ثم أخيراً الشيخ محمد حسين الأصفهاني، ومن خلال هذه النخبة المتميزة من العلماء صنعت شخصية المظفر، ونزعته نحو التعمق بالمعرفة واستخدامها للحياة، والنأي عن استخدام الجهد لأغراض معرفية صرفة، كما هي عادة الكثير ممَّن سبقه أو عاصره.

لم يقتصر في اختيار دروسه التي يتأهل بها للريادة على الفقه والأصول والفلسفة والكلام، إنما شرع وأبدع في دراسة الرياضيات والفلك والعلوم الأخرى. نال درجة الاجتهاد وعمره أربعة وثلاثون عاماً، بيد أنه قبل ذلك بثلاث سنوات شرع عام 1935 ـ مع ثلة من أصحابه ـ في تأسيس جمعية ثقافية سماها منتدى النشر، ممّا دلل على أنه قد أدرك أن رؤيته التجديدية لا تجد طريقها للتطبيق إلى عن طريق الوسائل المؤسسية، وبعد سنوات ثلاث انتخب سكرتيراً عاماً لها،وأيضاً يدلل ذلك على التزامه الشديد ونشاطه في العمل بالجمعية. وبالفعل افتتح من جمعية منتدى النشر (كلية) بذات الاسم؛ ليدخل تجديداً على مناهج الحوزة،وتطويراً على طريقتها في نقل المعرفة، وبالضمن كان يسعى إلى تأهيل وتدريب قرّاء المنبر الحسيني؛ ليكون هذا المنبر إحدى أهم وسائل إعادة تشكيل العقل الشيعي.

ونظرة على مؤلفاته المنشورة تدلل على طبيعة التشكل العقلي للشيخ المظفر، وتكون النزعات، فهو رجل مهتم بإعادة قراءة تاريخ الإسلام السياسي والثقافي، من خلال تحليله البارع في كتابه (السقيفة) وهامشها، وهو ذو اهتمام بالغ بالجانب العقائدي، ويظهر ذلك في كتابه (عقائد الإمامية)، وبحثه عن (علم الإمام)، ويتبع أي اهتمام بالعقائد التمكن أو امتلاك الفهم الفلسفي، ويظهر ذلك من كتابه (محاضرات في الفلسفة)، (ودراسة في فلسفة ابن سينا)، و(دراسة في فلسفة صدر المتألهين)، كما يتبع ذلك تفكير عميق في المنهج، فكان كتابه (أصول الفقه)، وكتاب (المنطق) و(دراستيه عن الشيخ الطوسي وصاحب الجواهر)، حيث تناول منهجهما، كلٌّ على انفراد، ومثلها دراسته عن النراقي والغروي الأصفهاني، وتعليقته على رسائل الشيخ الأنصاري.

ومما تقدم يظهر لك أن عقل المظفر عقل عقائدي فلسفي منهجي تنظيري، يفهم الفقه والتاريخ والتفسير والواقع والمستقبل على أسس معيارية لذلك، اختار أن يدخل مختاراً ميدان إعادة صياغة المتون الفقهية والأصولية ومتن الدرس المنطقي؛ ليحقق واحداً من أهدافه، وهو إصلاح برامج الدرس الحوزوي، فقد كان من أجلّ أهدافه أن تكون للبلد نهضة علمية، وكان اعتزازه بالنجف لا يوصف، لذلك ـ كما يقول عنه بعض دارسيه ـ كثر حساده، وقل خصماؤه، وظلّ يتلقى نقد القوى التقليدي،ويتحمل استخدامهم لقداسة التقليد نفسه سلاحاً لإسقاط المشروع التجديدي عند المظفر. ولعل هذه الحرب (غير المتكافئة) كانت وراء كتابته لرسالة صغيرة أسماها (آراء صريحة).

آراء جزئية للشيخ المظفر

يقول عنه دارسوه: إن من أعزّ أمانيه أن يتفاهم المسلمون في ما بينهم ويسقطوا العصبيات، وقد أوجب على المتمكن منهم وجوباً شرعياً وعقلياً أن يعيد النظر والمراجعة العقلية لأصول اعتقاداته، بل ربما يجب عليه إعادة النظر حتى بالتفاصيل العقدية، كالقضاء والقدر، والرجعة، وغيرها.

ولا يرى الشيخ أن المتمكن من المراجعة وإعادة الفحص يحق له تقليد الغير حتى في التفاصيل الصغيرة، معلِّلاً ذلك بأن مباحث القضاء والقدر مثلاً لا يدركها إلا الأوحدي من الناس؛ لذلك زلت فيها أقدام الكثير من المتكلمين.

ويرى& أن الشيعة والسنة يشتركون في حب أهل البيت^ وتمجيدهم. وعلى هذا المشترك فإن اتّباعهم من الجميع هو المتعين اقتضاءً؛ لأن الإشكال الأبرز في الخلاف المذهبي بين المكونين هو مدى قبول الأطراف باتباع منهج أهل البيت^.

في المجال الفقهي

ـ لا يرى الشيخ المظفر وجوب تقليد الأعلم، ويجزي الرجوع إلى المجتهد الجامع للشرائط. ولا يرى أن تقليد الميت ابتداءً مجزٍ.

ـ تشعر بعض نصوصه أنه يرى للفقيه العادل الجامع للشرائط الولاية العامة.

في مجال الأصول العامة للفقه

ـ إن لكل حكم (عبادات ومعاملات) مناطاً ومتعلقاً مرتبطاً بالمصالح والمفاسد، وإن لكل واقعة حكماً واقعياً، وإن اشتدّ عليها.

ـ نقد السيد المرتضى الذي يقصر الدلالة على أصالة الحقيقة، وأقر أن هذه المعالجة تصح في مجال الشك.

ـ نقد قاعدة الرشد في خلافهم، وأعاد تفسيرها بما يكسبها مضموناً منطقياً.

ـ نقد قضية اللطف وآثارها في العقيدة وعلم الأصول.

ـ لا يعترف الشيخ المظفر بقياس الأولوية إذا كان الأخذ به للأولوية فقط، إلا أنه مقبول إذا عددناه من جزئيات فحوى الخطاب.

ـ يرى الشيخ أن التحديث والتطوير يحتاج إلى نزعة عقلية ومنهج نقدي.

يدعو الشيخ المظفر بشدة وإصرار إلى اعتماد العقل والتأويل في تفسير النص القرآني متى اقتضى الحال، ويجب استخدام النظر والدليل وقواعد المجاز.

آراء صريحة، معطيات تجربة المظفر

المدخل هو وثيقة في غاية الأهمية كتبها العلامة المجدد أستاذ الجيل الشيخ المظفر، وتتكون من مقدمة؛ وعدة مباحث. والمباحث هي:

1ـ الصراحة؛ 2ـ الأخلاق؛ 3ـ التشيع والحكومات؛ 4ـ العلماء والتقليد؛ 5ـ التشيع وقاعدة اللطف؛ 6ـ العلماء والعصر الحاضر.

جاء في المقدمة ما عبر به الشيخ عن حالة ربما لا يعرفها إلا المبدعون، وهي الكتابة للذات (الحوار الداخلي)، مقابل الكتابة للآخر (الخطاب)، والكتابة للذات في الغالب تبقى حبيسة هذه العلاقة (الذات والأنا) حتى يغيب عن الوجود أحد طرفيها أو العقل المنظر لها، لذلك يقول المظفر: <أحرر هذه الآراء الصريحة لنفسي وحدي، أو لا أرضى أن يقف عليها أحد في مدة حياتي>.

ويحرص الشيخ المظفر على أن لا تبقى طي الكتمان إلى أبد الآبدين، فقد أجاز بعد وفاته أن يفعل بها من يتولاها ما تقتضيه الحكمة، وهذا لفظٌ يتسع في عموميته، فربما جاز لمن يتولاها أن ينشرها مطبوعة.

لقد برر الشيخ المظفر بقاءها (ذاتية) في حياته؛ لخوفه من أن يعسر على الناس فهمها، ويتوهمون أن فيها قصداً، فيكون منهم الجفاء، ولاسيما من سماهم (محيطنا)؛ لأنه حريص على الاندماج معهم عالماً محترماً، فهو يخشاهم على نفسه أن يسلبوا جلالة علمه وجهاده وفضيلته؛ لمجرد أنهم لم يفهموا قصده في عبارته.

لقد كان لهذا التوجس تأثيرٌ بالغٌ على الأفكار الرائدة والمبتكرة، وربما كان ضاغطاً مروعاً لاحتباس الكثير من الإبداعات، ويسيطر على المظفر كما تُفهِم عبارته (قلق معرفي) ـ هائل الثقل، فهو لم يحسم هل نشرها فائدة دينية ـ اجتماعية لكي يضحي لأجل تلك الفائدة للغير؟ وإذا كانت فيها فائدة فهل هو مستعد للتضحية الجسيمة من أجلها؟ لقد كان كل ذلك محل شك عند الشيخ المظفر، تلك الشخصية العملاقة المقتحمة أساساً للصعوبات. إن ثقل بقاء أفكار مهمة في السر يعجز المظفر عن حمله؛ لأنه مدافع باسل عن الحقيقة، فيحاول أن يجد لنفسه متكآت دينية للاستثناء، فيستند إلى التقية، ويصفها بأنها من ضرورات الإنسان، وهي <جزء من القانون الطبيعي الكوني الاجتماعي السنني>، كما أنها ضرورة من ضرورات الإنسان، وهي أيضاً شرط لاندماجه بمجتمعه (أي مجتمع). لذلك فهو ينقد (الآخرين) الذين أحاطوا التقية بإطار من التشويه لأغراض مذهبية، ووقعوا في تناقض صريح؛ ذلك أن الأئمة^ هم الذين مارسوها، وهم في نفس الوقت أشخاص ورموز محترمون عند الطرفين (الشيعة والسنة)؛ لذلك جاء نقدهم للتقية مضطرباً.

ثم ينتقل المظفر إلى افتراضية أن يكون الإنسان متجرداً عن المؤثرات والمسبقات، فينكر المظفر حصول مثل هذا الأنموذج، ويرى أن الإنسان بطبيعته يخضع لعوامل عدة، منها: عوامل العاطفة، والتقليد، والأوهام المنسوجة بمرور الأعوام، والآراء الموروثة، جازماً أن من يظن نفسه قادراً على التجريد فهو خاطئ، وكل ما يزعمه من تفكير حر مجرد ليس حقيقة كاملة الدقة ـ باستثناء الأنبياء والأوصياء والمصطفين، ولا يدخل في هذه العصمة حتى المجتهدين، فالمجتهد في مسائل الدينية يخضع للموروث، وللخوف من أشياء متعددة المستويات.

رسالة «آراء صريحة»

وبهذه الأفكار ينتهي الشيخ المظفر من التمهيد الذي أسماه المقدمة للدخول إلى فصول الرسالة الخطية التي أسماها آراء صريحة:

1ـ الصراحة

يقول الشيخ المظفر: الصراحة هي الاعتقاد بالحقيقة، والبوح بها، والعمل بمقتضاها، وعدم اعتبار ما تجرّه، ولا يبالي به صنفان من الناس:

1ـ الأنبياء؛ لأنهم أخذوا على أنفسهم إصلاح البشر.

2ـ عموم المصلحين مع تفاوت بينهم في مقدار التحمل.

أما غالبية الناس فتغلب عليهم المجاملة والمداراة والخداع والمكاتمة، وتختفي هذه الصراحة تحت مسمى (الحياء) و(الخجل)، ويستنتج ويقر المظفر على نفسه أنه من هذا النوع المجامل بالقول: <لم أستطع أن أكون مصلحاً وإن شاء البعض أن يُسمّيني كذلك؛ وشاهدي القوي فرضي لكتمان هذه الآراء الصريحة>.

2ـ الإخلاص

أما البحث الثاني في رسالة آراء صريحة فكان عن الإخلاص، وهو عرض سريع تغلب عليه السمة القيمية والإخلاصية في مفهوم الإخلاص، والذي يعرفه بأنه <التجرد في حب شيء>. ومقصد هذا المقطع هو الإشارة إلى ظهور أنموذج الوطنية مقابل الحمية الدينية أو المذهبية، تلك المرتكزة على حب الوطن والتفاني من أجله، ثم تحولت إلى تيار سياسي ومسلك إيديولوجي في عصره.

3ـ التشيُّع، وقاعدة اللطف

أما الفصل الثالث فكان التشيع، وقاعدة اللطف، وفي هذا يظهر المنهج النقدي العقلاني؛ فإن المظفر يصرح أن عقيدة التشيع كلها تبتني على قاعدة اللطف. وعلى العلماء الإجابة عن إشكالين رئيسين:

الإشكال الأول: هل أن البشر من غير المسلمين ـ وهم أضعاف عدد المسلمين في العالم ـ قد قامت عليهم الحجة وبلغوا بالرسالة؛ بمقتضى قاعدة اللطف، ثم غادروا، فاختاروا عدم الانقياد، حتى يستحقوا العذاب والحرب، وهل كل هؤلاء سيعذبون يوم القيامة؟

ويشير إلى أن جوهر هذا السؤال ربما هو سبب نفرة رجال الدين من الجغرافيا ـ التي تبين عدد دول العالم وعدد سكان تلك الدول الذي يظهر أن عدد غير المسلمين أكثر بكثير من المسلمين في العالم، لكنهم تناسوا أن الصحف والإذاعات ـ اليوم ـ لم توكل الأمر إلى كتاب جغرافيا أو درس في المدارس، إنما اتسعت المعلومة لينالها كل إنسان.

فإذا كانت قاعدة اللطف تقضي لزوم بلوغ المناشئ جميعاً حجة الإسلام، لأن من لم تبلغهم الدعوة لا يتصور إنصافاً معاقبته على دعواه، ولا سيما أن قاعدة اللطف العقلية لا يمكن أن يستثنى منها بشر عن بشر، عند ذاك يتساءل المظفر: لماذا وصلتنا الحجة ولم تصل إلى غيرنا؟.

وبمقتضى قاعدة اللطف إذا فرض أن الحجة لم تصل إلى فرد واحد من الناس ـ وبقي على جهله ـ فإن اللازم على الله تعالى أن يوصل إليه الحجة بأي طريق، فهل هذا الفرض حكم يقيني؟ وهل هو حاصل عملياً؟ لذلك يرى المظفر أن على الكلاميين من علماء الشيعة أن يحلوا هذه المشكلة، وإلا ستبقى قاعدتهم مهددة، وما يبتني عليها مهدداً أيضاً.

ويصرِّح بأنه لم يجد في كتب الأصحاب ما يشفي الغليل في معالجة مثل هذه الفجوة بين المقدمة والنتائج. ثم يقول: <أنا أعترف بذلك، وفي قلبي ما فيه ممّا يحز به> حزناً على عدم التصدي لمثل هذا المشكل، فإما أن يعالج الموضوع أو يتنازلوا عن قاعدة اللطف بحدودها الشديدة، فلعلهم يستطيعون تخفيفها بما يجوز استثناءً من القاعدة ـ عدم الإلزام في اعتبار بعض الناس من وجوب تبليغهم دعوة الرسالة؛ إما بعنوان ثانوي ولاعتبار القاعدة (حكماً أغلبياً) أو لأي أمر آخر.

الإشكال الثاني، الذي يزلزل قاعدة اللطف: ينقله المظفر عن الآخرين، ثم يجيب عن بعض أجزائه، وهو أن مسألة اختفاء الإمام المنتظر# هذه المدة الطويلة لا تنسجم مع قاعدة اللطف؛ إذ إنها تقتضي:

أـ إبلاغ كل أحد دعوة الإمام، وإبلاغهم الدليل على وجوده.

ب ـ أن ينصب إمام موجود لهداية البشر، فما الفائدة في وجوده مختفياً، لا يصل إليه أحد حتى أتباعه ومخلصيه، وكل ذلك مع وجود الضلالات والمظالم والمفاسد.

والاعتذار الذي يجدر به هذا الاختفاء كما يذكره المظفر ـ ناقلاً له ـ بأن الناس هم الذين سببوا اختفاءه خوفاً، فهم الذين حرموا أنفسهم بأنفسهم من بركاته وعطائه، وعلى تقدير أن هذا الاعتذار سليم فذلك ذنب أولئك الذين عرفوا ثم انحرفوا، فما ذنب غيرهم من القرون المتطاولة، ولاسيما أن قاعدة العدل الكبرى تنص بأن (لا تزر وازرة وزر أخرى).

ولو قال المعتذر: إن الناس في كل القرون لو ظهر بينهم لقتلوه ولم يتبعوه فهذا تجنٍّ وتحكم وتعسف، إضافة لما يحتاجه هذا الحكم من الاستناد إلى تجربة أو إلى علم غيب.

ودليل مانعة الخلو يقرر: إذا كانت القاعدة تقتضي بأن هداية البشر تتم بنصب الإمام وانحصر النصب بالإمام المنتظر؛ فإما أن يهيئ الله السبيل لتأمين ظهوره؛ أو يعيّن من يظهر في شخص غيره. إذاً القاعدة باطلة.

وكان جواب المظفر على هذا الإشكال على طوله:

1ـ إن القاعدة أساساً من صنع الكلاميين وتدبرهم، وإنهم أرادوا أن يطبقوا كل شي في العقيدة على قاعدة عقلية، وفي تقديره أنهم أخفقوا.

2ـ إن قاعدة التعدية والتوسع من الجزء إلى الكل تحكم على الله بغير ضرورة ولا حاجة؛ لأن المخلوقات عند الله سواء من جهة الرحمة واللطف، فإذا لطف ببعض دون بعض كان ذلك خلافاً للحكمة الإلهية والعدل.

نعم، ربما لا يمنع العقل من أن الله لا بدّ أن يلطف بعباده، والشرائع نوع من اللطف، لكن من أين لنا أن نعلم أن إبلاغ كل أحد بالشرائع هو من جور اللطف الواجب على الله؟

ومن أين نعلم أن اللطف قد انحصر بإبلاغ الإسلام لكل من في الوجود، وأن من اللطف أن ينصب الإمام، وضرورة ظهوره في كل عصر ومصر.

لذلك فالقاعدة بنحو العموم مسلمة ضرورية، لكن الشك حاصل في صغرياتها؛ فقد يكون من اللطف بالبشر أن يجعلهم مختلفين في أديانهم، متباينين في طرائقهم، كما هو الواقع من أول الأزمان إلى عصرنا الحاضر؛ وقد يكون من اللطف أن يختفي الإمام وليس من اللطف أن يظهر.

والاستنتاج الخطير عند المظفر أن الكلاميين يريدون للدين أن يؤخذ من بوابة العقل، والدين لا يصاب بالعقول، إنما يؤخذ من التربية والتلقين والتكرار.

ومسألة العقيدة في حضور وعصمة وغيبة الإمام يُكتفى فيها بالنص.

كل دين إذا شددناه للمسائل العقلية والعلمية فو مهدد بخطر عظيم، كما وقع في عصر انتقال الفلسفة أول مرة إلى العالم الإسلامي، وكما يقع في عصرنا بانتقال العلوم الحديثة.

وقد وعد المظفر أن يعود إلى هذا الموضوع في فرصة أخرى، شعوراً منه بأنه لم يكتمل برهانياً.

ثم يقول في الختام: أُعلن مصرِّحاً أني لا أثق بقاعدة اللطف للاستدلال بها على مسائل النبوة والإمامة، وأرجو مخلصاً أن أكون مخطئاً في هذا الشك.

4ـ التشيع في العراق وإيران والحكومات

في هذا الفصل يشخص الشيخ المظفر إحدى أبرز الظواهر في البنية العقائدية الشيعية، تلك هي (إشكالية الحكم)، ففي الإطار النظري للتشيع الحكومة الشرعية هي حكومة المعصوم، أومن ينوب عنه نيابة خاصة أو عامة، والتي تتم بتفويض عام، كالممنوح للمجتهد العادل المبسوط اليد، وعليه فإن كل رئيس حكومة إذا لم يكن إماماً أو نائباً معيناً من الإمام فحكومته غير شرعية ولو كان عادلاً.

وعليه فلا تصح معاملته، ولا تجب طاعته، وتعد أموال الدولة ـ في ولايته ـ مالاً مجهول المالك.

وبعد ذلك يقول المظفر: وهذا الحكم يقول به جميع العلماء الشيعة.

والأشد أن هذا الحكم يشمل الحكومات الشيعية وغير الشيعية على السواء، فالحاكم وإن كان شيعياً وعادلاً فهو مع ذلك مغتصب للمنصب، ثم يقول: إن الواقع المعاصر، وعلى الأقل في العراق وإيران، يكشف عن أنه لا يمكن للمجتهد العادل أن يرأس الحكومة، فكيف نتعامل مع هذه الحكومات غير الشرعية مع اضطرارنا إليه والحكم بحرمته المجمع عليها؟

والأشد أن الشيعة حالياً يشاركون في الحكومات غير الشرعية، ويرون أن المشاركة ضرورة للشيعة أنفسهم؛ لكي لا يغلبوا على أمرهم، ثم يقول ما نصّه: <لقد أصبح الحكم في الفقه الجعفري ـ والحال هذه ـ حكماً غير واقعي، لا يمكن تطبيقه على الحالة الموجودة، ولا يطبق إلا بظهور الإمام المنتظر>.

وبالإصرار على تطبيقه ـ في عصر ما قبل الظهور ـ تتولد مشاكل كثيرة لا نهاية لها؛ لأنه لا يمكن للعلماء أن يتنازلوا عن هذا الحكم؛ إذ لا طريق فقهي لهم، والحكم مما يستحيل تطبيقه، لذلك يقع التناقض بين الواقع والتمكن من جهة وبين الحكم أو الفتوى من جهة أخرى، وتختلف هذه الحكومات عما كانت عليه الدولة العثمانية التي كانت توسم (بالخلافة)، وعملها وإن كان عملاً غير شرعي بنظر الشيعة إلا أن هناك رخصة من الأئمة^ بصحة المعاملات في ظل حكومة تعمل على وفق مذهب من مذاهب أهل السنة، بيد أن هذه الرخصة لا تنطبق على الحكومات الحالية؛ لأنها لا تستند حصراً على مذهب إسلامي ولو كان مذهباً سنياً.

يقول المظفر: هناك (فترات تاريخية) نصب بعض الفقهاء أنفسهم في عهد الصفويين (فقيهاً متولياً للأمر)، وجعل الفقيه السلطان نائباً عنه، يصدر كل القوانين باسم المجتهد الجامع للشرائط.

ثم يعقب بالقول: <وما أدري هل كان ذلك حقيقة أو خدعة من السلطان يومئذ؟!>.

ومن المشكلات التي يعرض لها الشيخ أن المدنية الحديثة تقضي بضرورة استعمال أشياء لا يقرها الفقه الجعفري، كالغناء، والموسيقى، فلا العلماء يسعهم أن يتنازلوا، ولا الناس يسعهم أن يتبعوا العلماء في أقوالهم بالمنع، فكيف السبيل؟!

5ـ العلماء والتقليد

أما الفصل الخامس فقد جاء بعنوان: العلماء والتقليد، وسوف لن أتناول كل ما جاء في هذا الفصل؛ لبقاء الدواعي التي لأجلها حجب المظفر هذه الرسالة، وأقتصر على البعض منها، وهي:

ـ من المسلَّم أن المجتهدين في عرف الفقه الجعفري (حكام) بشرط تحقق صفة العدالة، وهي ليست من نمط عدالة إمام الجماعة والشاهد، بل المراد العدالة بأعلى درجاتها، طبقاً لما ورد في الرواية: <تاركاً لهواه، متبعاً لأمر مولاه>.

والإشكال: كيف يتم التشخيص؟ فإذا سهلت معرفة الاجتهاد فليس من السهل معرفة عدالة الشخص، فكيف يتحول الحكم إلى برنامج عمل؟! وعلى هذا الأصل من العدالة يقتضي أن لا يكون هناك تنافس في الوصول إلى المنصب الرباني، وهو قيادة الأمة، من العلماء العدول الجامعين للشرائط.

ثم يذكر شواهد على التنافس، وينتهي إلى ضرورة اشتراط شرط ثالث فوق الاجتهاد والعدالة، ليس منتزعاً من الروايات، إنما شرط فرضه الواقع، وهو أن يكون المجتهد قديماً في سياسة الناس وجمع الدعاة.

فإنْ توفر هذا الشرط فلا ضرورة في أن يكون في أعلى درجات الاجتهاد، بل لا يشترط أن يكون مجتهداً حقاً، كما لا يجب أن يكون في أعلى درجات العدالة ولا حتى عادلاً حقاً.

منشأ التفكير بكلية الفقه

في عام 1950 كتب المظفر هذه الرسالة التي شخص فيها أن المدنية الحديثة وهشاشة تكون شخصية إسلامية واعية ستجبر الجيل القادم على الانتماء لقيم تلك المدنية الغربية. وهو يرى أن المدنية الغربية الحديثة دخلت العراق عام (1921م) بقيام الدولة، وبما أن كل أربعين سنة ينقرض جيل ليوجد جيل آخر فإنّه في عام (1962م) سينتهي الجيل المخضرم الحائد بين القديم والجديد، وسينهض جيل جديد يسقط الحيرة منه، وينتمي للدين.

ففي عام (1950م) دق المظفر ناقوس التحذير، وقال:

ـ لم تبق لنا إلا فرصة (12) سنة للعمل لإنشاء جيل إسلامي.

ـ إذا بقينا سوف لن يشاهد الجيل الجديد (من يتأسى بهم).

ـ أية أعداد من الأميين وأشباههم والبسطاء لا قيمة لها ما دام أهل النفوذ سيكونون مع الحداثة.

ـ لا يمكن أن نقوم بأي إصلاح ما لم نقضِ على عيوبنا.

ثم يذكر عوائق التفكير بالإصلاح:

1ـ اليأس المتمكن في النفوس، بل يرى الناس الإصلاح ضرباً من المحال.

2ـ الخوف والجُبْن: أهل الدين يشعرون شعوراً عميقاً بمغلوبيتهم أمام جيوش الحكومات الحاضرة من جهة، والدعوة الحديثة للتجدد من جهة أخرى، ولا سيما في النجف، ولاسيما الإيرانيون وغيرُهم من الوافدين باعتبارهم أجانب ـ بعرف الحكومة ـ؛ مما يوفر سبباً لإخراجهم من البلاد، كما حدث بداية تأسيس الدولة العراقية.

ثم يقول <على أن الخوف ليس من الحكومة فقط، بل بالدرجة الأولى بعضهم من بعض، بل يخشى من يتصدى ويتدخل في الشؤون العامة أن يعتبره خصومه ـ من أهل العلم ـ متجدداً ومنحرفاً عن الجادة، فيكون سبيلاً للطعن فيه عند السذج من العوام>.

3ـ الشعور بالضعف؛ لأن رزق طالب العلم على الموسرين، فهو يكوِّن عند كل واحد شعور بالضعف والمسكنة، وهذا يجبره على مجاراة الناس، بل مجاراة كل أحد.

4ـ انعدام الثقة؛ لأسباب متعددة، تكوِّن سوء الظن عند بعض أهل العلم ببعضهم، واتهام بعضهم للآخر بسوء القصد، حتى انعدمت الثقة، وأصبح كلٌّ ينظر للآخر بعين الريبة والشك ولاسيما للمتصدي للأمور العامة.

5ـ التفرُّق.

6ـ الجهل بالأوضاع الحاضرة، فإن مطالعة الجرائد والمجلات والكتب الجديدة من الأشياء المستنكرة البغيضة التي لا تليق برجل الدين.

إن الرجل منا عندما يرى من نفسه القدرة على فهم دقائق المسائل العلمية، والقوة على المحاورات والمصاولات في البحوث الفقهية، فإنه قد يظن من نفسه أنه قادر على فهم كل أمر يعرض على فكره، حتى لو كان سياسياً، وعندها يصبح جاهلاً جهلاً مركباً بالشؤون الاجتماعية.

7ـ الجمود، فإنّ الإنسان نزّاع إلى التمسك بالموروث.

(*) أستاذ جامعي وكاتب بارز، من العراق.

الكاتب أ. د. عبد الأمير كاظم زاهد(*)

أ. د. عبد الأمير كاظم زاهد(*)

مواضيع متعلقة

اترك رداً

downloadfilmterbaru.xyz bigoporn.club bok3p.site sablonpontianak.com