الإسلام يقود الحياة

24 مارس 2017
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
201 زيارة

الإسلام يقود الحياة

إطلالةٌ على نتاج الشهيد الصدر حول الدين والحياة

د. محمد رسول محقق بلخي(*)

ترجمة: حسن علي الهاشمي

 

مدخل ــــــ

سوف نسعى في هذا المقال ـ بالاستناد إلى بعض النظريات والكلمات البديعة التي رشح عنها مداد السيد الشهيد الصدر& في ما يتعلَّق بالإسلام والحياة ـ إلى نقد الاتجاه ذي البُعد الأحادي والمجتزأ، الذي تمّ تقديمه بالنسبة إلى ماهيّة الدين. ولكن قبل ذلك يبدو من الضروري أن نشير إلى تعريف الماهية الواقعية والفصل المميّز والذاتي للدين، الذي تمّ إبداؤه في تلك النظريات المتعدّدة والمتنوّعة على أساس التوقّعات والأفهام المختلفة، رغم وضوح أن تقديم تعريفٍ جامع ومانع عن «الأديان» ـ باستثناء الإسلام ـ؛ بسبب التعقيدات الموجودة في التعريفات الماهوية للوجود، لن يكون خالياً من الإشكال.

إنّ للدين ـ بوصفه أمراً واقعياً، وسلوكاً فطرياً للإنسان، وله دور مؤثّر في حياته الفردية والاجتماعية والسياسية، ويعرف بوصفه جزءاً من خلق الإنسان الذي هو كائن عابد، ومتهجّد، ومحبّ للكمال المطلق، والحياة المعقولة، ويتمتَّع بحسّ الجمال، وطلب العلم، والوجدان الأخلاقي، والمطالبة بالعدالة ـ واقعيّةً وحقيقة. فليس الدين أمراً إنشائياً واعتبارياً، بل إن التعاليم الدينية (الدين الإسلامي الحنيف) ذات موضوعات واقعية يقينية ومنطقية، وحتّى الأمور الإنشائية في الدين مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالموضوعات القطعية والتصديقية. وبالإشارة إلى الموارد التالية تتضح لنا يقينيتها: عندما أقول لشخص: «اعقل» فإن ذلك بمنزلة قولي: إنّ العقل أو التعقُّل أمرٌ جيّد([1]).

من هنا فإن الشريعة الإسلامية شريعة صريحة وواضحة، وليست صامتة أو ساكنة في ذاتها وغايتها. كما أنها في أدائها وتعاطيها الخارجي والزماني حيوية ونسبية. بل حتّى الأخلاق في هذه الرؤية تعتبر أمراً تكوينيّاً، وليست وهماً أو قراراً اعتباريّاً محضاً، خلافاً للوجودية؛ فإنّ فلسفة التحليل اللغوي  تدّعي أنّ الأخلاق مسألة اعتبارية، وذات جنبة إنشائية صرفة([2]).

إلى جانب مفهومية الموضوعات الدينية نقف على حيوية الدين، خلافاً لما يقوله العلمانيون، من أمثال: علي عبد الرزاق، في كتابه «الإسلام وأصول الحكم»، حيث قال ما مضمونه: «إن الإسلام رسالة سماوية، وليس مشروعاً حكومياً، وإنّ الإسلام دين، وليس دولة؛ لأن الإسلام شريعة روحانية ومعنوية خالصة، ولا ربط لها بالحكم والأمور التنفيذية الدنيوية»([3]).

ينبغي التنويه إلى أنّ علي عبد الرزاق قد درس في الجامعات الإنجليزية، وكان تلميذاً للمستشرق الشهير (بللينو). وربما كانت هذه الأفكار هي من رواسب وتلقينات ذلك الأستاذ. والملفت للانتباه أن علي عبد الرزاق والكثير من العلمانيين قد رجعوا ـ لحسن الحظّ ـ في العقود الأخيرة عن انتماءاتهم العلمانية وغير الدينية رجوعاً كاملاً، وبدأوا يصرِّحون بحقّانية الإسلام ودوره التربوي المؤثّر. وهناك تصريح بهذه الظاهرة من قبل الأستاذ أحمد كامل ظاهر في كتابه «الصراع بين التيارين الديني والعلماني في الفكر العربي المعاصر»؛ حيث قال ما مضمونه: «إن كلاًّ من: طه حسين، وحسنين هيكل، ومنصور فهمي، وإسماعيل مظهر، وعلي عبد الرزاق، من الذين دافعوا ردحاً من الزمن عن العلمانية، ولكنّهم اليوم أعادوا قراءة مواقفهم، وتراجعوا عنها»([4]). وهكذا هي عودة أمثال: منير شفيق، الذي كان في يومٍ من المنظِّرين للماركسية اللينية ـ الأطروحة الماوية، حيث عمد مؤخَّراً إلى تأليف كتابه تحت عنوان «الإسلام والتحديات المعاصرة»؛ أو الدكتور نصر، الذي تحدَّث في كتابه الجديد «قلب الإسلام» عن الازدواجية الغربية؛ وكذلك المفكِّر الشهير روجيه غارودي، الذي اعتنق الإسلام بتأثير مؤلَّفات السيد الشهيد محمد باقر الصدر&.

وقد عمدنا في هذه الدراسة إلى البحث في نقد السيد الشهيد الصدر للعلمانيين في العالم العربي والغربي، وتعرّضه لهم في بعض مؤلَّفاته. كما نعمد إلى الإشارة باختصار إلى عددٍ من المفكِّرين الدينيين في هذا الخصوص.

 

1ـ تعريف الدين ــــــ

لقد استعمل الدين في معانٍ عديدة، ومنها: «الجزاء». غير أن الدين في المفهوم القرآني أوسع من «الجزاء»؛ لأن الدين في الحقيقة هو صبغة الله، والصراط الإلهي المستقيم، ومزيج من الفطرة والعقل (الكتاب مفسِّر الطبيعة والشريعة)، وهو يطلق على مجموع الأخلاق والأحكام (والأخلاق تشتمل على: الأخلاق الفردية، والاجتماعية، والدولية؛ والأحكام تشتمل على: العبادات، والأحكام الاقتصادية، والحقوقية، والأسرية، والفردية، والاجتماعية، وما إلى ذلك). فجميع هذه الأمور تشكل رقعة الدين. وقد استخدمت هذه الأمور ـ بسبب سوء الفهم، أو بسبب العُقَد والأحقاد ـ ضدّ أرباب الكنيسة، وضدّ الدين.

سُئل الإمام الصادق× عن معنى «صبغة الله» في قوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ (البقرة: 138)؟ فقال: «صبغة الله الإسلام».

وروي عنه أيضاً أنه قال ما معناه: «المؤمن مَنْ تمسَّك بالعروة الوثقى، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 256)».

 

تعريف الدين من وجهة نظر عدد من الشخصيات العلمية ــــــ

أـ الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي: «الدين عبارة عن سلسلة من المعتقدات بشأن النظام الكوني، والسلوكيات الناشئة عنها»([5]).

ب ـ الشيخ جعفر السبحاني: «إن الدين خليط من الإدراكات النظرية والعقلية، وتعاليم الأنبياء…».

وقد أشار السبحاني ـ انطلاقاً من هذا التعريف ـ إلى مجموعة من خصائص الدين أيضاً، وهي:

1ـ انتشار واتّساع رقعة الدين بين الناس.

2ـ امتداد الدين بجذوره في صلب الخلق والتكوين.

3ـ عدم متابعة الأوضاع السياسية والجغرافية، مع الثبات بوجه الإعلام المضادّ([6]).

إن هذا التعريف منسجمٌ مع التعريف الذي يذكره السيد الشهيد الصدر (امتلاك الدين جذوراً في الخلق والتكوين). وإنّ الدين يشتمل على جهة سماوية (البُعد الإلهي)؛ وجهة أرضية (البُعد الإنساني).

إن اعتبار الإنسان خليفة لله من قبل السماء دليلٌ على جامعية الدين لكلا هذين البُعدين (السماوي والأرضي). فإنّ الكائن الذي يشتمل على هذين البُعدين ـ ويكون نصف سماوي ونصف أرضي ـ يستطيع إدارة الحياة من خلال هداية الوحي والعقل بشكل أفضل من الكائن الذي يكون سماوياً بحتاً، من قبيل: الملائكة، أو الكائن الأرضي الصرف المنقطع عن الوحي والعقل. من هنا لم يتمكن أيٌّ من الاتجاهين الإفراطي والتفريطي ـ لكلٍّ من اللاهوت المسيحي أو المادي العلماني ـ من تفسير الوجود العيني وهوية الإنسان ذات الأبعاد العديدة، ولم يتمكَّنا من تقديم نظام اجتماعي مثالي مناسب، رغم اعتراف المفكِّرين الغربيين، من أمثال: مونتسكيو، وبرتراند راسل، وغيرهما من الفلاسفة الغربيّين، بدور الدين البارز في إدارة المجتمع، وعجز الديموقراطية عن تقديم نظام نموذجي. قال مونتسكيو في بيان دور الدين: إن العنصر الوحيد الذي يستطيع الوقوف بوجه الملوك المستبدين هو السلطة الدينية. فمثلاً: لو أنّ ملكاً مستبدّاً أمر مواطناً من أبناء مملكته وقال له: اقطع صلتك بأبيك فإنّه سوف يقطعها؛ أو أنه إذا أمره بالقضاء على أبيه فإنه سيقضي عليه، ويرتكب هذه الجريمة النكراء! ولكنه إذا أمره بشرب الخمر فإنه سوف يتمرَّد على أمره هذا؛ وذلك لأن الدين فوق الناس، وفوق الملك، وإن هذا الدين لا يجيز مثل هذا المنكَر([7]).

 2ـ ما هو الدين الحقّ؟ ــــــ

من جهةٍ أخرى على الرغم من أن مفردة الدين تطلق في القرآن الكريم على أيّ انتماء أو أمرٍ مقدَّس دون مشكلة؛ إذ يقول تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ (الكافرون: 8)، ولكنّ الذي يعرف بأنه هو الدين الحقّ هو الدين الإسلامي؛ إذ يقول تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِي لِلَّهِ وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدْ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (آل عمران: 19 ـ 20)؛ وذلك لأن الإسلام هو دين العدل والعقل، وهو يتكفَّل تلبية جميع احتياجات الإنسان في جميع العصور والأجيال. قال تعالى: ﴿تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (النحل: 89). والإسلام هو الدين الوحيد الذي يتطابق اسمه ومعناه، أي «التسليم» لله. وإنّ التسليم للحقّ والعدل يعتبر من لوازمه. وإن الوحدة بين الله والإنسان، والوصول إلى القرب الإلهي، إنما يكون نتيجة من نتائج التسليم للحقّ، أي يتحقَّق مفهوم الارتباط الحقيقي. من هنا يمكن القول: إن إطلاق كلمة «الدين» من باب انصراف الشيء إلى فرده الأكمل. إذاً الدين يعني «الإسلام». والإسلام يعني المضمون غير المحرَّف للأديان التوحيدية (الأديان الإبراهيمية). وإنّ التعبير بالأديان عن هذا المورد لا يكون دقيقاً؛ إذ جاء التعبير في القرآن بـ «الإسلام»، بدلاً من «الأديان»؛ وذلك لأنّ الدين ـ في الحقيقة ـ ليس سوى شيءٍ واحد. ومن هنا تكون علاقة الدين بالإسلام علاقة النوع وأفراده، وليس علاقة الجنس والأنواع. والذي يُعبَّر عنه بالأديان هو الشرائع والسبل، دون الأديان([8]). قال تعالى: ﴿لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ (البقرة: 285). وإن وحدة الصراط المستقيم تكون من خلال «تعدُّد» الطرق إلى الله، من قبيل: الوحدة في الكثرة، والكثرة في الوحدة. وإنّ الكثرة والانفصال ـ في الحقيقة ـ تابعة للشرائط والأحوال (الشرائط الموضوعية)، وليست ذات وجوهر الدين. من هنا فإن القول بنسبية المعرفة الدينية، بالنظر إلى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (العنكبوت: 69)، دون الأخذ بنظر الاعتبار المباني والمناهج الكلية للتعاليم والروايات والآيات القرآنية، دليلٌ على اعتبار القائل بأنّ معرفته مطلقة، وهذا يؤدّي إلى نوع من الدوغماتية([9]) والجزمية في التفكير، وهو مخالفٌ لاستدلال ومدّعى هؤلاء السادة. مع أن المراد من «السبل» في هذه الآية الشريفة هي «الفروع». وإن «الصراط المستقيم» في القرآن ليس سوى شيء واحد، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (الأنعام: 153). وقال تعالى أيضاً: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران: 85).

 

إشكالات معرفة المفردات الدينية ــــــ

تبعاً للتساؤلات والشبهات والتوقُّعات المثارة حول الدين هناك في تعريف الدين بعض الإشكالات الأدبية والعلمية والفنية، يُشار إليها في حدود الضرورة. وإن هذه الإشكالات يتمّ طرحها بشكلٍ عام على عدّة صور، وعلى أساس الرؤية الداخلية في مجال المعرفة اللغوية، من قبيل: بُعد التعريف، وما إلى ذلك، والرؤية الخارجية في دائرة المعرفة، وعلى أساس من القراءات المجانبة للدين والمخاصمة للعقل (على غرار ما هو سائد بين الوجوديين في العالم الغربي)، والتي تنكر المفاهيم الدينية، وتقول: إن اللغة الدينية ليست لغةً تحكي عن الواقع. وهكذا العلمانيّون الذين ينكرون دور الدين في الساحة الاجتماعية والسياسية.

وسواءٌ كنا نعتبر الدين نوعاً من الإحساس، أو ظاهرة وبارقة من مقولة العلم، أو حقيقة لها ماهية وخصيصة عملية، أو واقعية تفوق العقل والطبيعة (الميتافيزيقية)، أو رؤية قانونية وحقوقية وفلسفية، أو مشهداً معنوياً وعرفانياً وباطنياً، أو أخلاقياً وعاطفياً، هناك تساؤلات وشبهات بشأن معرفة وعدم معرفة أصل الدين، سنطرحها ضمن الموارد التالية:

1ـ من الصعب، بل من المستحيل، أن نقدِّم جوهراً مشتركاً تقبل به جميع الأديان؛ لأن تصوّر الدين والاعتقاد به من السعة وعدم الانسجام بحيث يشتمل أحياناً على ضدّه أيضاً. فيبدأ من عبادة الله، إلى الذات، وإلى الوثن، حتّى يتمّ أحياناً فصل الاعتقاد بالله عن الدين. فمثلاً: يمكن للإنسان من خلال الارتياض أن يحصل على وحدة مع أمرٍ مقدّس، دون أن يكون معتقداً بالله، كما هو الحال في البوذيّة. وبالتالي فإنّ كلّ انتماء أو معتقد، وإنْ لم يقترن بالعمل وما إلى ذلك، يعدّ ديناً أو مذهباً.

2ـ إنّ معرفة وتعريف أمور من قبيل: الدين؛ حيث يتمّ عبر مفاهيم نفسية واجتماعية وانتزاعية وتجريدية، يكون في غاية التعقيد. خلافاً لتعريف مثل: «الحيوان» أو «الجماد» من المفاهيم العينية والوجودات الخارجية.

3ـ إن تعريف الدين دوريّ.

4ـ تكمن مشكلة أصل ظاهرة المعرفة في المشاكل الفنية، وعدم جامعية التعاريف الماهوية والمنطقية… لذلك هناك مَنْ يتجنَّب الخوض في أصل التعريف؛ لأنه يرى أن التعاريف مجرّد تعاريف لفظية يُراد منها شرح الاسم، وليست هي تعاريف واقعية وماهوية؛ إذ لا يعرف حقيقة الظواهر (مثل: ظاهرة الإنسان) سوى خالقها.

5ـ حيث إن الدين من الناحية الماهوية ظاهرة تفوق الزمان، وتتخطى المكان، وكونه ظاهرة سيّالة، ولا يمكن تجربة جميع جوانبها ـ وبحسب تعبير وليم جيمس: إن التجربة فردية، والتجربة الفردية لا تقبل الانتقال ـ، فلا يمكن تعريفها. وبعبارة أخرى:

أ ـ إنّ لكل شخص فهمه الخاصّ عن الدين (القراءات الدينية المختلفة).

ب ـ إنّ الدين في حقيقته ظاهرة تاريخية ومؤطَّرة بالزمان، وتقاس على أساس المعايير الزمانية والتاريخية (أي تابعة للشرائط التاريخية المتغيّرة). وعلى فرض أن يكون أصل الدين أمراً ثابتاً، إلاّ أنّ قيمه ومعرفته نسبية.

ج ـ إنّ موضوع الدين ليس هو موضوع كشف الحقائق، بل هو موضوع الأذواق. وإنّ المفاهيم الدينية مجرّد سلسلة من الاعتباريات.

وبالنظر إلى الاختلاف في فهم الدين فإنّ التعددية وتعدُّد القراءات الدينية (والمباحث الهرمنوطيقية)، والنزعة العقلية، تسبِّب الاختلاف أيضاً. وعليه سيكون من الصعب أن نقدِّم تعريفاً جامعاً ومانعاً للدين.

ورغم أن هذا النوع من التساؤلات والشبهات في ما يتعلَّق بالإسلام يفتقر ـ في الغالب ـ إلى المنهج المنطقي والعلمي، إلاّ أننا مع ذلك نشير إلى نقده بمقدار ما تسمح به الفرصة. وسنعمد بعد ذلك ـ بعون الله ـ إلى بحث الموضوع الرئيس، ألا وهو «دور الدين في الحياة».

وفي ما يتعلق بالإشكال الأوّل ينبغي القول: لا توجد هناك تعاريف ماهوية وجامعة للدين بمعناه الاجتماعي ضمن تعريف ديني واقعي ـ وخاصّة بشأن ما يُعرف في الغرب باسم الدين ـ؛ لأن الدين عندهم من التغيُّر والتناقض وعدم الثبات والتشتُّت بحيث يشمل ضدّه أيضاً. حتّى أنه يعمد تلقائياً إلى نفي التعريف المنطقي والمنهجي؛ وذلك لأن التعريف ظاهرة يراد منها الفصل بين الشيء وضدّه، وليس الجمع بينه وبين ضدّه، هذا أولاً.

وثانياً: إن تعريفنا للدين يقوم على أساس الرؤية الداخلية للدين…؛ لأن تعريف الدين القائم على الرؤية الخارجية لا يخلو من هذا النوع من التناقضات. وهذا ما سوف نشير إليه لاحقاً.

وأما الإشكال القائل بلزوم الدور من تعريف الدين، ونقده من قبل الشيخ مصباح اليزدي، حيث إنه ناظر ومرتبط برؤية السيد الشهيد الصدر، فإننا سنشير إليه؛ إذ لا يخلو من فائدة.

من وجهة نظر الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي فإن هذا الدور يطرح بالنسبة إلى المساحة الدينية ومقوّماتها، والسؤال القائل: ما هو الدين؟ ويقول سماحته في تقرير هذا الدور: يجب أوّلاً أن نعرف حدود الدين ومساحته ومقوّماته،؛ لنقوم بعد ذلك بتعريف الدين؛ ومن جهة أخرى يجب علينا أوّلاً أن نعرف ما هو الدين؟؛ كي نعرف مساحته. وهذا يستلزم الدور، أي إن تعريف الدين يتمّ عبر التعرُّف إلى عناصره، ومن جهة أخرى فإنّ تحديد هذه العناصر إنما يتحقق من خلال تعريف الدين، وهذا يعني «تقدُّم الشيء على نفسه»، وهو من الدور المحال.

وإنّ جوابه الأول في ردّ هذا الإشكال باختصار: بعد قبول هذه الفرضيات، وهي: أوّلاً: إنّ التعريف من خلال المفاهيم أمر ممكن؛ وثانياً: لا يكون من الماهيات الحقيقية، وإنما هو أمر انتزاعي، يجب علينا التعرّف على منشئه الانتزاعي، والمفهوم الذي يتمّ انتزاعه من ذلك المنشأ. وعليه فإننا نرى تعريف الدين وتحديد مساحة الدين أمراً واحداً.

إذاً لا يوجد هناك شيئان، حتى نقول: ما هو تعريف الدين؟؛ لنحاول بعد ذلك التعرّف على عناصر الدين. فمثلاً: إذا قلنا في تعريف الدين: إنّه عبارة عن العقائد والأخلاق والأحكام كان ذلك تحديداً لمساحته أيضاً؛ فإنّ مساحة الدين تتكوّن من العقائد والأخلاق والأحكام أيضاً. ففي المفاهيم الانتزاعية يكون التعريف والعناصر المكوِّنة له شيئاً واحداً.

ومن باب المثال: عندما نقول في تعريف الماء: إنه عبارة عن ذرّة من الأوكسجين وذرَّتين من الهيدروجين كان هذا هو تعريف الماء أيضاً؛ وذلك لأن العناصر المكوّنة للماء هما هذان العنصران([10]).

وأما الإجابة الثانية فهي: إن هناك على أساس النظرة الكامنة في جواب التعاريف الدورية عند أهل المنطق وعلم أصول الفقه (تفصيل وإجمال)؛ حيث يقول سماحته: إنّ مساحة الدين إنما هي تفاصيل تلك المفاهيم الإجمالية التي نأخذها في التعريف، بمعنى أنّنا مثلاً عندما نقول: إن الدين عبارة عن: مجموعة من الأخلاق (الشاملة للأخلاق الفردية والاجتماعية والعالمية) والأحكام (الشاملة للعبادات والأحكام الاقتصادية والأسرية والاجتماعية والعالمية) فهذه هي مساحة الدين.

وفي الحقيقة فإن المساحة في هذا المصطلح إنما هي تفسير وشرح لتلك العناصر التي أُخذت في تعريف الدين. وعليه إذا كان المراد من مساحة الدين تفاصيل محتوياته فإن عناصر الدين يمكن التعرُّف عليها من خلال التعريف، وأما تفاصيله فيمكن الحصول عليها من التعريف نفسه. ولذلك يجب الرجوع إلى المصادر لنتعرَّف على مساحة هذه العقائد والأخلاق والأحكام والقوانين ومدياتها([11]).

وبالتالي فإن الشيخ مصباح اليزدي يتوصَّل إلى تعريف الدين بأنه: «عبارة عن سلسلة من العقائد بشأن النظام الكوني، والسلوك الناشئ عنه».

يجدر بنا التذكير بهاتين النقطتين، وهما؛ أولاً: إنّ تعريف الشيخ مصباح اليزدي للدين يتمّ عبر الرؤية الداخلية للدين، ومن خلال الاستفادة من مصادر الدين نفسه. وهي عملية منسجمة مع ماهية الدين. وثانياً: إنه مضافاً إلى تأييد هذا المنهج قد بادر إلى انتقاد تعريف أولئك الذين يقومون بتبيين الدين من خارج الدين. وقد عمد اليزدي إلى انتقاد أساليب ومناهج المساحة الدينية، من خلال تقسيمها وتبويبها ودراستها.

ورغم أننا لا نرتضي القول باعتبارية الدين وانتزاعيّته، ولكن على افتراض أن يكون الدين أمراً اعتبارياً (وطبعاً هناك فرق بين الانتزاع والاعتبار) فإنّ التعريف الدوري يخلو من الإشكال أيضاً؛ لأن الأمور الاعتبارية ليست أموراً واقعية أو تكوينية، حتى يكون هناك فيها متوقّف، ومتوقّف عليه، بحسب الحقيقة والواقع. بل هي أمور اعتبارية، والأمور الاعتبارية سهلة المؤونة، فهي تابعة لاعتبار المعتبر. وطبعاً هذا بشرط عدم اعتبار النقيض معها؛ لأن اجتماع النقيضين مخالفٌ للبديهة العقلية ذاتاً، وفي جميع الأمور، حتّى ما كان من قبيل: الأمور المعرفية والاعتبارية.

وبطبيعة الحال فإنّ السيد الشهيد الصدر& ـ ومن خلال الفهم والرؤية التي يقدِّمها عن الدين ـ يعرِّف الدين بأنّه أمرٌ تكويني. وبذلك ينتفي إشكال الدور تلقائياً؛ لأن الدين عندما يكون ظاهرة تكوينية ـ وليس مفهوماً انتزاعياً ـ فإنّ أصل موضوع التعريف سيكون مختلفاً.

 

دور الدين الذاتي والموضوعي في الساحة الاجتماعية والسياسية ــــــ

إذا كان العلمانيون يعترفون بالدور المعنوي والتربوي للدين (دور الدين الذاتي) وجب عليهم الاعتراف بدوره الموضوعي أيضاً؛ لأنّ لازم التصديق والإقرار بالدور الذاتي للدين (دور وفاعلية الفرد في الحياة المعنوية) هو القول بدوره الموضوعي أيضاً؛ لأن مقتضى الفطرة التوحيدية للإنسان في تربيته الواقعية والعينية، وفعلية خلافة الإنسان لله، والأسماء والصفات الربوبية المتجلّية فيه، أن تكون التربية الكاملة والشاملة للإنسان كامنة في تربيته الكاملة على المستوى السياسي والاجتماعي، دون التربية الفردية ذات البعد الواحد.

إذاً مقتضى التربية الفردية لا ينفصل عن التربية الأسرية والسياسية والاجتماعية. وإن تربية الإنسان الكاملة تكون عبر حشره ونشره مع الآخرين، وفي ظل الاختبارات والمنعطفات وتحديات الحياة الجماعية، وليس في اختيار العزلة الفردية غير المسؤولة. بل إن الإنسان لوحده، وبقيد الانفراد، هو مجرَّد إنسان منطقي، وبالحمل الأوّلي (الإنسان الكلّي والانتزاعي)، وليس إنساناً واقعياً وبالحمل الشائع (بالفعل)؛ لأن جوهر الإنسان إنما يتجلّى في البعد الأخلاقي وغيره من خلال الجمع، وعلى أساس الارتباط والتعاطي مع الآخرين، بحكم كونه مدنيّاً بالطبع. من هنا فإننا نؤمن بضرورة استحالة فصل التربية عن السياسة ـ التي هي نوعٌ من التربية والإدارة الضرورية ـ، ونقول بالارتباط الوثيق بين الدين والسياسة؛ لأن الدين إنما يكون هادياً للإنسان إذا كان يحافظ على كرامته السياسية أيضاً، وإن تربية الإنسان بشكل كامل إنّما تكون في ظلّ مجتمعٍ جدير، ودولة تحمل القيم.

هناك تعبيرٌ جميل لصاحب كتاب (الحياة)، يقول فيه: «عندما يكون الدين هادياً للإنسان فإنه يحفظ له كرامته السياسية أيضاً»([12]).

إنّ للأستاذ محمد رضا الحكيمي في كتابه (خورشيد مغرب)([13]) رؤية متينة وصائبة حول التنسيق بين التربية والسياسة. وفي ما يلي نشير إلى مقاطع منها:

إنّ التربية والسياسة ظاهرتان مترابطتان ببعضهما، وتكمِّل إحداهما الأخرى؛ فالتربية تمهِّد الأرضية المناسبة للسياسة، والسياسة تساعد على توسيع الرقعة التربوية. فإذا كانت السياسة والتربية تسيران على نهج واحد، وكانتا تنطلقان من أرضية واحدة، كتب لهما النجاح، وإلاّ كان الفشل والإخفاق حليفهما.

وإنّ هاتين الظاهرتين لا تعتبران في الدين الإسلامي الحنيف مجرّد ظاهرتين مترابطتين فحسب، بل هما متَّحدتان فيما بينهما اتّحاداً كاملاً. فإن ذات الأصول التي تشكِّل قوام التربية الفردية هي نفسها التي تشكِّل صرح السياسة الاجتماعية. من هنا إذا كانت التربية تربية إسلامية أصبح الفرد تجسيداً لحاكمية الإسلام السياسي، وإذا كانت السياسةُ سياسةً إسلامية فإن المجتمع سيتقدَّم في إيقاعٍ واحد ووتيرةٍ ثابتة، وكأنّ المجتمع بأسره كتلةٌ واحدة، وجسدٌ واحد.

وقد قال الأستاذ محمد رضا الحكيمي في بيان الدور البارز للدين في عملية الهداية، وركنَيْه الرئيسين (التربية والسياسة): إن التربية والسياسة إنّما هما رقيبان على حركة الإنسان، وإنّ الحياة بدورها مزيجٌ من تيارين لا ينفكّان عن بعضهما، وهما:

1ـ تيار الحياة الفردية.

2ـ تيار الحياة الاجتماعية.

من هنا فقد اهتمّ الإسلام بهذين التيارين اهتماماً كبيراً وعميقاً؛ لكي لا يصاب أيٌّ منهما بآفة الفساد والانحطاط؛ إذ إن كل واحد من هذين التيارين إذا تعرّض للفساد والانحطاط فإنّ فساده وانحطاطه سيسري إلى الآخر. فإذا كان تيار الحياة الفردية فاسداً فإنّ تيار الحياة الاجتماعية سيبتلي بالفساد أيضاً، والعكس صحيح.

ولكي يعمل الإسلام على تصحيح وتقويم الحياة الفردية يلجأ إلى التربية، ولكي يعمل على تصحيح وتقويم الحياة الفردية يلجأ إلى السياسة. وفي هذا المجال يعمد الإسلام إلى المحافظة على كلٍّ من الفرد والمجتمع تحت مظلَّتين؛ فيظلِّل الفرد بوصفه فرداً تحت مظلّة التربية الإسلامية، وبوصفه عضواً في المجتمع تحت مظلّة السياسة الإسلامية. ويظلِّل المجتمع بوصفه مجتمعاً تحت مظلّة السياسة الإسلامية، وبوصفه مشتملاً على الأفراد تحت مظلّة التربية الإسلامية.

طبقاً لما ذكر فإن التربية (قيادة وإدارة الفرد) في النظام الإسلامي والسياسة (قيادة وإدارة المجتمع) تسيران جنباً إلى جنب؛ من أجل القيام بأداء «رسالة كبرى». وبذلك فإن التربية الإسلامية للفرد تعمل على مساندة ومؤازرة المجتمع في سياسته الإسلامية. وفي المقابل تعمل السياسة الإسلامية للمجتمع على مساندة الفرد ومؤازرته في تربيته الإسلامية. وهذا كلّه مقدّمة لعرض «تفسير كبير»، ألا وهو «تفسير الحياة».

إنّ الإسلام يُفسِّر الحياة في إطار ارتباطها بالإنسان وبحثه عن السعادة، ويقول: إن الإنسان يسلك في مسيرة الحياة مسيرة مضطربة؛ من أجل الحصول على سعادة ثابتة وخالدة، ولا يجني الإنسان إلاّ ثمار جهده وسعيه، وفي ذلك قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ (النجم: 39)، واستجابةً وتلبيةً للدعوة القرآنية، التي تضمن للإنسان حياته القويمة؛ حيث يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (الأنفال: 24).

 

نظرية السيد الصدر بشأن الدين بوصفه سنّة إلهية من صُنع الله ــــــ

لقد أكَّد السيد الشهيد الصدر& على تكوينية الدين، وعرّفه بأنّه سنّة إلهية، وأنه مخلوق لله، وقال: إنّ الدين ليس مجرّد دستور وتشريع قانوني صادر من الأعلى فقط، بل الدين «فطرة إلهيّة»، وقد خلق الله الإنسان مجبولاً على اعتناق الدين، وليس هناك ما يستطيع تبديل خلق الله، قال تعالى: ﴿لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (الروم: 30).

وقد أضاف قائلاً: وكما لا يمكن فصل جزءٍ من هوية الإنسان كذلك لا يمكن فصل الدين عن الإنسان وتجريده منه؛ لأن فصل الدين عن الإنسان يعني سلخاً له عن هويته.

وعلى هذا فإن الدين من وجهة نظر السيد الشهيد& يتجاوز المعطيات الإنسانية، ويُعدّ مقولة تفوق التاريخ. وبطبيعة الحال فإن هذا التعريف ينظر إلى ماهية الدين، وليس إلى عوارضه، ولوازمه التي وردت في عبارة الشيخ مصباح اليزدي أيضاً.

وقد استدل الشهيد بهذه الآية: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (الروم: 30)، قائلاً: بما أنّ الدين سنة إلهية للإنسان فإن هذا الدين لن ينفصل عنه ما دام محتفظاً بماهيته الإنسانية. من هنا فإنّ كلمة «لا» في هذه الآية نافية، تنفي تبديل وفصل الإنسان عن ماهية خلقه الدينية، وليست ناهية ورادعة.

طبقاً لرأي السيد الشهيد، حيث إن الدين حقيقة تكوينية، وليس مسألة اعتبارية وانتزاعية، يكون للوقوف في وجه الدين ومواجهته تبعات دنيوية. ومن هذه الناحية تُعتبر دعوى العلمانيين (الذين يعتبرون الدين أمراً أخروياً) منتفيةً من تلقائها.

وقد تحدَّث السيد الشهيد عن تبعات مواجهة الدين في الدنيا، فقال: يمكن الوقوف في وجه الدين على المدى القصير… ولكن هذا الدين ـ على المدى البعيد ـ سيحبط مصير أعدائه، والذين يقفون في طريقه… وهو ما حدث لقوم لوطٍ وغيرهم. وهكذا الأمر بالنسبة إلى عصرنا الراهن، حيث شهدنا هذه الحقيقة كاملة. فإن الدين هو الذي حكم على أَلَدِّ أعدائه الأيديولوجيين ـ الشيوعية والاتحاد السوفياتي ـ بالانهيار، دون فرض أيّ عدوان مسلَّح من الخارج([14]).

وها هو العالم الغربي، بعد تشريعه لقوانين الشذوذ الجنسي، والزواج من المحارم، والحرّيات الحيوانية المطلقة العنان، في المجتمعات الليبرالية، ممّا يعدّ محاربة للدين، في طريقه ليلقى ذات المصير الذي شهدته الشيوعيّة. وما مرض نقص المناعة (الأيدز)، وانهيار كيان الأسرة، وأزمة الهويّة، والأمراض النفسية والعصبية، سوى مؤشِّرات على قرب هذا الانهيار التدريجي. وطبقاً للإحصاءات والتقريرات الغربية ليست هناك أسرة تذهب إلى مهاجعها قبل تناول الأقراص المهدِّئة للأعصاب. وطبقاً لتقرير جديد صادر عن جامعة شيكاغو: إنّ نسبة الذي راجعوا عيادات الطبّ النفسي من المجتمع الأميركي تتجاوز 50% من مجموع السكان.

وربما لهذا السبب كان أحد معاني الدين هو الجزاء، كما جاء في عدد من الآيات القرآنية الكريمة، من قبيل: قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (الفاتحة: 4)، و﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ (المطففين: 11)، و﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ (الانفطار: 17).

 

 الدين بوصفه الشكل الثالث للقانون التاريخي ــــــ

إن الدين يعني تسليم كافّة الكائنات في الوجود أمام القوانين الإلهية، وهيمنة «القوانين التكوينية» في عالم المادة، وهيمنة «الأحكام والقوانين التشريعية» على المجتمع الإنساني، والتي تمّ إبلاغها بواسطة الأنبياء والمرسلين^. ولكنْ لدينا قانونٌ آخر يتعيَّن علينا تلبية ندائه والتسليم له، ألا وهو قانون الفطرة. يرى السيد الشهيد الصدر الدين بوصفه شكلاً ثالثاً للقوانين التاريخية، ويقول: إن شكل القانون التاريخي، الذي اهتمّ القرآن في التعريف به اهتماماً بالغاً، هو شكلُ الانتماءات والانجذابات الفطرية، والتي هي بالرغم من عدم قاطعيتها القانونية ـ ولهذا السبب يمكن مواجهتها والوقوف أمامها ـ ستظهر حاكميتها وهيمنتها، إنْ عاجلاً أو آجلاً([15]).

في هذا الإطار يسوق السيد الشهيد الصدر مثالاً لمخالفة القوانين، ويقول: يمكن للناس أن يتركوا الزواج، إلاّ أنّ ترك الزواج سوف تترتَّب عليه ـ على المدى الطويل ـ نتائج كارثيّة على الفرد والمجتمع.

كما يذهب العلاّمة الطباطبائي إلى الاعتقاد بأنّ العلاقة بين التكوين والاعتبار من الوثاقة والقوّة بحيث لو تجلّى ذلك التكوين على هيئة اعتبار لأصبح من القوانين والسنن الدينية، ولو قدِّر لذلك الاعتبار أن يغدو على هيئة تكوينية لأصبح فطرة الإنسان وحقيقته([16]).

وعلى هذا الأساس فإنّ «الدين» سيكون صورة أخرى ملطَّفة عن الخلق والتكوين، وقد تجلّى على هيئة الألفاظ والمفاهيم. وبطبيعة الحال فإن فطرية الظاهرة الدينية ستكون عينية وحقيقية.

وقد عبَّر القرآن عن الدين بالفطرة، وهي الخلق الخاص. ويمكن لهذا المخلوق الخاصّ أن يكون شبيهاً بالعقل أو الروح أو النفس الإنسانية، وأن يكون ما يرشح عن النفس ـ الذي هو فطريّ بدوره أيضاً ـ قابلاً للإدراك والإحساس، وما يرشح عن الروح والعقل أو الحاجة فطريّاً ومسانخاً لها.

 

  3ـ رؤية السيد الشهيد حول الإسلام بوصفه قائداً للحياة ــــــ

يمكن بحث ودراسة آراء السيد الشهيد حول الإسلام والحياة تحت العناوين التالية:

1ـ التسليم والخضوع التامّ والكامل من أجل تطبيق جميع الأحكام الإسلامية.

2ـ ضرورة التعرُّف على الإسلام بشكل دقيق.

3ـ حيوية الإسلام وفاعليته.

4ـ فلسفة وضرورة تنظيم الحياة الاجتماعية على أساس الدين.

5ـ ضرورة الحكم من وجهة نظر السيد الشهيد الصدر.

6ـ ضرورة النظام الإسلامي.

 

 أـ التسليم التامّ لتطبيق الأحكام الاجتماعية ـ السياسية الإسلامية كاملةً ــــــ

وقبل كلّ شيء نستعرض فائدة هامّة وجديرة بالملاحظة استفادها السيد الصدر& بشأن أهمّية التمسّك بالإسلام والعقيدة والإيمان، من خلال قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (البقرة: 208).

من هذه الآية الشريفة توصَّل السيد الشهيد إلى فهم مسألة هي غاية في العمق والأهمّية، تتعلَّق بضرورة الدولة والحكم بنظرة تربوية خاصّة بسماحته. فقد ذهب السيد الصدر إلى أنّ التسليم تجاه جميع الأوامر والنواهي الإلهية هو شرط في الإسلام، حيث قال ما مضمونه: إن من معاني «السلم» الدخول في الصلح، والعقيدة، والإيمان، وأما المعنى الآخر للسلم فهو التسليم الكامل لله سبحانه وتعالى في جميع الأمور. من هنا فإن السلم في هذه الآية لا يعني الصلح إلاّ مجازاً. قال السيد الشهيد في تفسير وتحليل هذه الآية: إنّ التسليم هنا ليس تسليماً فردياً، وبمعزل عن سائر المسلمين، بل المراد منه هو التسليم التامّ والكامل من قبل جميع أفراد الأمة، والانضواء ـ أمام الله سبحانه وتعالى ـ تحت راية الإسلام. وإنّ المراد من التسليم هو التأسيس لكيان ونظام في ظلّ قيادة، وإيمان بالحاكمية العمليّة والشاملة للدين، وتحت قيادة الدين، والإمساك بزمام أمور المجتمع البشري، وتطبيق القوانين، ودعوة الناس وهدايتهم في ضوء الحياة الإلهية. ومع وجود الحكومات الأخرى، وتعدُّد السلطات، لن يكون هناك من معنى للتسليم الحقيقي أمام الله عزّ وجلّ. إذاً التسليم الفكري والقلبي والعملي الكامل لجميع الأفراد والطبقات إنّما يأتي في ظلّ المنظومة الإسلامية بحذافيرها. وإنّ الإسلام المنسجم والمشتمل على مركز واحد للسلطة والقوّة هو الذي يصون المجتمع من جميع أنواع الضلال والانحراف. وإلاّ ففي غير هذه الصورة لن يكون هناك من معنى للتسليم الحقيقي، وسيغرق الجميع في حضيض الحضارة النفعية المادية([17]).

وقال الشهيد الصدر في موضع آخر، في إشارة إلى روايةٍ ناظرة إلى ذات الرؤية التربوية التي يتبنّاها، والتي تقول: «أوّل ما يتعطّل من الإسلام هو الحكم بما أنزل الله سبحانه وتعالى، وأما آخر ما يتعطّل من الإسلام هو الصلاة»، فقال&: إنّ تعطيل الأوامر الإلهية منذ رحيل رسول الله| سوف لا يُبقي من الإسلام شيئاً([18]).

 

 ب ـ أهمية التعرّف على الإسلام في تعاليم المجتمع ــــــ

لقد كان السيد الصدر يُبدي حساسية مفرطة تجاه مسألة المعرفة، بحيث كان يذهب إلى القول بأن عدم معرفة التعاليم الإسلامية على حقيقتها يُساوق إنكارها؛ لأن تدنّي مستوى معرفة الأمّة بالإسلام يؤدّي إلى ضعف إيمان المجتمع واضمحلاله. وإنّ ارتفاع مستوى الوعي بالإسلام يبعث في الأمة روح الصحوة واليقظة والمسؤولية([19]).

وبعد أن عرَّف السيد الشهيد بالعناصر الثلاثة الدخيلة في سعادة الشعوب والمجتمعات البشرية، وهي: 1ـ الدين الكامل والنموذجي؛ 2ـ والإيمان بذلك الدين والنظام المثالي؛ 3ـ معرفة تعاليم ذلك الدين([20])، قال ما معناه: ما هو سبب ابتلاء المسلمين بالكثير من المشاكل والآفات، ووقوعهم في أنواع من التخلف، رغم أن المجتمع الإسلامي (أي الشعوب المسلمة) يتمتَّع بهذا الدين، الذي هو باعتراف العدوّ والصديق يحتوي على جميع مقوِّمات النظام الفكري الاجتماعي؟ جوابُ ذلك أنّ الشعوب الإسلامية لا تمتلك معرفة ووعياً كاملاً بالتعاليم الإسلامية المشتملة على الوعي السياسي والثقافي والإجتماعي والعملي. وعندما لا يكون هناك وعيٌ كافٍ في جميع الحقول، وكانت معرفتنا للدين ناقصةً أو ذات بُعدٍ واحد، سيكون بيننا وبين الدين نوعٌ من التناقض، لا يقِلُّ عن التحريف نفسه. فإنّه على الرغم من صيانة الإسلام الحنيف والقرآن الكريم من التحريف، ولكنّ هذا التحريف قد يطالُ التفسير والتطبيق والعمل.

ج ـ فلسفة وضرورة تنظيم الحياة الاجتماعية على أساس الدين ــــــ

بعد أن ألقى السيد الصدر نظرةً على مسيرة الحياة الإنسانية منذ بدايتها، حيث كان الإنسان فيها يتغذّى على النباتات، ويصنع الأدوات والأسلحة البدائية من الخشب والحجارة، ويتَّخذ من الكهوف والمغارات ملاذاً له، إلى ظهور الاختلاف بين المجتمعات الإنسانية؛ بسبب الأنا وحبّ الذات والطمع والاختلاف في الآراء والأذواق والقدرات الخاصة، الأمر الذي جعل الإنسان يرى نفسه بأمسّ الحاجة إلى قانون يعمل على تنظيم حياته؛ لأن القانون هو الذي ينظِّم علاقات الإنسان الداخلية والخارجية، يتساءل السيد الشهيد قائلاً: مَنْ الذي يجب أن يتولّى عملية سنّ هذا القانون؟ هل هو الإنسان نفسه؟ إذا كان كذلك فإنّ مشكلة التناقض في المصالح ستفرض نفسها على كتابة هذا القانون أيضاً، وعندها ستعود المشكلة، ونعود إلى المربع الذي أردنا الخروج منه!

وبالتالي فإنّ السيد الشهيد يتوصل إلى أن الدين هو الذي يجب أن يسنّ القانون والتشريع الذي يضمن للإنسان الخروج من هذا المأزق، وإن الدين هو وحده الذي يوفِّر الأرضية اللازمة لمعالجة مشاكل الإنسان النفسية والاجتماعية والفطرية والتطبيقية.

وحيث كان الدين حاجة فطرية، وضرورة لتنظيم حياة الإنسان على مستوى العلاقات الخارجية، وكان فاعلاً حتّى الآن في تنظيم حياة الإنسان وبقائها، فما الذي يمنع الاستفادة من هذا القانون الذي يحتاج إليه الإنسان في المستقبل أيضاً؟

إن القضاء على التناقضات الواقعة بين المصالح الشخصية والجماعية، والسيطرة على الأنا والأطماع الإنسانية، إنما يكون من خلال الإدارة الدينية، التي تعمل على كبح الرغبات والميول الإنسانية الطاغية، وتساعد الإنسان وتهديه إلى التنازل عن مصلحه الفردية لصالح المجتمع؛ من أجل إحياء القيم والمقدسات الدينية، والحصول على الأجر والثواب الأخروي.

إن الدين يشتمل على الكثير من العناصر الروحية والمعنوية العظيمة، التي تجعل الإنسان على أتمّ الاستعداد للتضحية ـ حتّى بنفسه ـ من أجل تحقيق الأهداف الدينية. وإنّ الفرد المتديِّن يتنازل عن الكثير من مصالحه الشخصية ومنافعه الفردية من أجل تحقيق المصالح الاجتماعية.

يشير السيد الصدر إلى آيات من القرآن الكريم النازلة بشأن التأسيس لهذه النظرية الراقية، ومنها قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أو أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ (النحل: 97). ويقول: إن المصالح الفردية والاجتماعية مرتبطة ببعضها ارتباطاً وثيقاً. والمهمّ في البين أن نقوِّي ونعزِّز الدوافع الخيّرة لدى الفرد، والبلوغ بها إلى أعلى درجات الكمال، بما يتناسب وبناء الحياة الكريمة. وإن التفكير من أجل توحيد المصالح الفردية والاجتماعية يعدّ حلاًّ وسبيلاً، وإن الدين يعتبر خير إطار تربوي للقيام بهذا الحلّ، الذي نعمل من خلاله على رفع التناقضات الفردية والاجتماعية.

 

د ـ ضرورة إقامة الحكم من وجهة نظر السيد الشهيد الصدر ــــــ

قال الشهيد محمد باقر الصدر& في بيان أهمّية الحكومة من وجهة النظر الدينية: لقد ظهرت الدولة على يد الأنبياء. ومن هنا تكون الدولة ظاهرة دينية، وإنْ كان العلماء يعتبرونها حاجة إنسانية، وُجد الدين أم لم يُوجَد. ولذلك لم يشهد تاريخ الإنسانية فترة خالية من بعض أشكال الحكم. رغم أنّ ظاهرة الحكم في أغلبها كانت مقرونة بالحضارة والمدنية([21]).

وقال أيضاً: إنّ الدولة مؤسَّسة سماوية، وهي في أساسها تهدف إلى رفع مستوى أداء الرسالة الإلهية.

ولأنّ الحكومة تجسِّد إرادة الله في الأرض، وهي منسجمة مع التكوين والفطرة البشرية، وإنّ مشروعيتها تقوم على أساس ممارسة السلطة والحاكمية، وتحقّق الإرادة الإلهية في ضوء الإرادة التشريعية، فإنّ الخلافة إذا كانت منفصلةً عن الشريعة الإلهية تعتبر لاغيةً، ومع إلغائها يكون الظلم والفساد هو السائد.

إن إقامة الدولة يحقّق الرسالة التاريخية والحضارة الإنسانية، وفي ذلك تجسيد للأمانة والخلافة الإلهية؛ من أجل تحقيق العدالة واستئصال الظلم والشرك والفساد والاستكبار من على وجه الأرض.

إن الدولة من وجهة نظر السيد الشهيد ليست حالة متقدّمة عن الأسرة، وتسلّط الأقوياء، أو السيادة الطبقية، أو العقد الاجتماعي، بل هي ظاهرةٌ اجتماعية، سعى الأنبياء وبذلوا كلّ الجهود من أجل تحقيقها وإقامتها.

وقال السيد الصدر بعد ذكره قول الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِي مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ (البقرة: 213) ما مضمونه: وبذلك قام الأنبياء بدورهم على أنحاء مختلفة؛ من أجل إقامة الحكومات الصالحة، وقد باشر الكثير منهم الدور الرقابي المباشر على أداء الدولة. ومن هؤلاء النبيّان داوود وسليمان‘. كما بذل النبي موسى جميع جهوده في هذا الإطار. وقد استطاع النبيّ الأكرم|؛ من خلال سعيه وتضحيته، أن يقيم أطهر وأنقى دولة في التاريخ. وقد شكَّلت هذه الدولة ـ بحقٍّ ـ منعطفاً عظيماً في تاريخ الإنسان، وجسَّدت مبادئ الدولة الصالحة تجسيداً كاملاً ورائعاً. ورغم أن هذه الدولة قد تولاّها في كثير من الأحيان ـ بعد وفاة الرسول الأعظم ـ قادةٌ لا يعيشون أهدافها الحقيقية فإنّ الإمامة مارست باستمرارٍ دورها في محاولة تصحيح مسار هذه الدولة، وإعادتها إلى طريقها النبوي الصحيح، وقدَّم الأئمة^ في هذا السبيل زخماً هائلاً من التضحيات.

وقد امتدّت الإمامة بعد عصر الغيبة في المرجعية الشيعية. وقد عاش العالِم المسلم الشيعي ـ مع كلّ الصالحين من أبناء هذه الأمة الخيِّرة ـ عيشة الرفض لكلّ ألوان الباطل، والإصرار على التعلُّق بدولة الحقّ والعدل، التي ناضل من أجلها كلّ أبرار البشرية وأخيارها الصالحين([22]).

 

 هـ ـ ضرورة النظام الإسلامي ــــــ

بعد أن بيَّن السيد الشهيد «ضرورة أن يقوم النظام الإسلامي على أساس الدين» عمد إلى بيان حاجة المسلمين إلى النظام الإسلامي، وأشار إلى ضرورة ذلك على أساس الأدلّة التي نختصرها بما يلي:

أولاً: خلق حالة التناغم بين المشرِّع والعقيدة؛ لأن المسلمين يعيشون تجاه الإسلام أكبر علقة عاطفية منهم إلى أيّ نظام آخر.

ثانياً: من أجل خلق توافق بين الخلفيات الروحية والاجتماعية في حياة الإنسان المسلم؛ لأن الأنظمة الاجتماعية الأخرى تكتفي بمجرّد علاج العلاقات الاجتماعية، ولا تعنى بحاجاته النفسية والتربوية، والرابطة المؤثِّرة القائمة على علاقة الإنسان بخالقه. وفي الوقت نفسه فإن الفرد المسلم لا يمتلك غير الإسلام مصدراً موثوقاً ومنسجماً لتنظيم حياته وحاجاته الروحية؛ إذ لا يمكن الاطمئنان بشكل كامل إلى القوانين الوضعية التي تنظر إلى الأمور من بُعدٍ واحد، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: 28).

ثالثاً: إن تأسيس النظام الإسلامي، والبنية المنسجمة مع عقائدنا وتاريخنا الديني، سوف يساعد على الجهاد الذي تقوم به الأمّة في حياتها الراهنة ضد الاستعمار الكافر، ويبعدها عن الاعتماد على أسس المذاهب الاجتماعية الأخرى التي لا تنسجم ولا تتسانخ مع وجدان المسلم، ولا تحتوي على أصالةٍ واستقلال ثقافي.

لقد كانت الاتجاهات القومية والاشتراكية والليبرالية، التي ظهرت في العالم الإسلامي بهدف الخلاص من شرّ الحكّام الليبراليين والمستبدّين، من الدور الباطل والمتزلزل، الذي لم يكن يستطيع تلبية الاحتياجات، ولا ملء الفراغ الفكري والفلسفي؛ فلا الاشتراكية كانت تشتمل على مبانٍ وعقيدة متينة، ولا ما يتركَّب من الاشتراكية أو الليبرالية.

إن الإسلام، بعد أن أخذ على عاتقه مشعل الهداية، يهدف إلى إقامة حكومة الأمّة على أساس التناغم الفكري مع أساليب التربية العقائدية. وعليه لا يمكن أن يتجاهل الوظائف التالية:

1ـ هداية الفرد على أساس تلك القاعدة الفكرية والتربوية، وإدارته من خلال منظومة القيم، وإيجاد التناغم والتوفيق بين الفكر والسلوك وما إلى ذلك.

2ـ السيطرة ومراقبة الفرد من الخارج؛ بغية الحفاظ عليه وصيانته من مخاطر الإنزلاق والزلل، وذلك من خلال ذات الأصول المتقدّمة (الفكر، والإدارة التربوية، والتعليم المتواصل). وهذا يبيِّن ويثبت أفضلية وتفوُّق التعاليم الإسلامية وأساليب الإسلام التربوية على الرؤية القائمة على الدوغماتية الجزمية ذات الأفق الواحد والضيّق؛ لأن التعاليم والمعارف الإسلامية مستمدّة من العقيدة الأخلاقية والسياسية والاقتصادية الكاملة والعميقة والجامعة، والتي تعمل على إصلاح المجتمع من الداخل بشكل جذري وجوهري، ولا تكتفي بمجرّد الإصلاح الصوري أو الشكلي والتشريفي.

 

مفارقة المتغيِّر والثابت، وجواب السيد الشهيد الصدر ــــــ

لارتباط هذا البحث بموضوع الثابت والمتغيِّر في الدين نجد لدى السيد الشهيد بعض الإشارات في نقد الكلام القائل بعدم انسجام الإسلام مع متغيِّرات الحياة، نستعرضها باختصار، وسنذكر أصل الشبهة أوّلاً، ثمّ نعمد بعد ذلك إلى الإجابة عنها.

يقول المثيرون لهذه الشبهة: كيف يمكن للإسلام أن يحلّ المشاكل الاقتصادية التي ظهرت بعد أربعة عشر قرناً من مجيء الإسلام، حيث أصبحت حياة الإنسان أكثر تعقيداً؟!

يجيب السيد الصدر عن ذلك قائلاً: إن الإسلام يستطيع إدارة الحياة وتنظيمها ضمن أطره الحيوية.

العناصر الثابتة هي الأحكام المنصوص عليها، والمصرَّح بها في الكتاب والسنّة.

العناصر المتغيِّرة والمتحرِّكة والمرنة هي التي يُستعان بها وفقاً لخصائص المرحلة، والحاجة التي تفرض نفسها.

وإنّ الاجتهاد والاختيارات التي تعطى للحاكم الشرعي عنصران هامّان من أجل تحريك العناصر المتغيِّرة في الإسلام([23]).

إن «السنّة» في الأديان الإلهية لا تعني الجمود الفكري، فقد قال تعالى في محكم كتابه الكريم: ﴿ألم تر كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ (إبراهيم: 24). فهذه الآية الكريمة تثبت أن التغيُّر قائم في عالم الوجود، ولكن هذا التغيُّر في الوقت نفسه يقوم على أسس وقوانين ثابتة لا يطالها التغيير. وإنّ فهمَنا للأصول هو أنها ثابتةٌ لا تتغيّر.

الهوامش

_______________

(*) أستاذٌ في الحوزة والجامعة.

([1]) السيد محمد باقر الصدر، مقدمة الفتاوى الواضحة، والسنن التاريخية، المجلد 13: 108 فما بعد.

([2]) مير شمس الدين أديب سلطاني، رسالة فيينا: 110 فما بعد، طهران، مركز إيران لدراسة الثقافات، 1359هـ.ش.

([3]) علي عبد الرزاق، الإسلام وأصول الحكم؛ محمد عمارة، دراسة ووثائق: 7، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1972م.

وقد أثار هذا الموقف مخالفة علماء الأزهر، وأدى إلى اجتماع ضمّ أربعة وعشرين عالماً، توصَّلوا بالاتفاق إلى ضرورة إخراجه عن ربقة علماء الإسلام. (انظر: قضايا إسلامية معاصرة 1: 4).

([4]) الإسلام وأصول الحكم؛ انظر: مجلة نقد ونظر، السنة الثانية، العدد: 2، حسن إسلامي.

([5]) محمد تقي مصباح اليزدي، قلمرو دين، العدد: 24، نشر الحوار الديني، قم المقدّسة.

([6]) الأستاذ جعفر السبحاني، صحيفة اطلاعات، بتاريخ: 28/7/1380هـ.ش، استيعاب الدين.

([7]) باقر شريف القرشي، نظام الحكم والإدارة في الإسلام؛ برتراند راسل، السلطان؛ ومونتسكيو، العقود الاجتماعية.

([8]) قال ابن عربي حول وحدة الأديان: إن الاختلاف بين الشرائع معلولٌ لاختلاف الأزمنة والأحوال. وإنّ كلّ نبي من الأنبياء قد صدّق النبيّ الذي أرسل قبله. وليس هناك من نبيّ يختلف مع سائر الأنبياء في الأصول، وإنّما الاختلاف في الأحكام فقط؛ لأنّ الأحكام تابعةٌ للزمان والحال. صحيفة همشهري، بتاريخ: 6/3/1376هـ.ش. (أنديشه ابن عربي (تفكير ابن عربي)، القسم الأخير).

([9]) الجزمية؛ الدوغماتية (dogmatism): توكيد الرأي أو القطع به، وبخاصة بغطرسة أو من غير مبرِّر كافٍ.

([10]) قلمرو دين، العدد 35، مركز الحوار الديني.

([11]) انظر: قلمرو دين، العدد 35، سلسلة اجتماعات مركز الحوار الديني، بتاريخ: 25/10/1380هـ.ش؛ قلمرو دين، العدد: 24، نشر الحوار الديني.

([12]) الأستاذ محمد رضا الحكيمي، حياة الإمام شرف الدين.

([13]) (شمس الغروب) المعرّب.

([14]) انظر: السنن التاريخية في القرآن، من المجموعة الكاملة لمؤلَّفات السيد محمد باقر الصدر 12: 90 فما بعد، دار التعارف للمطبوعات، بيروت.

([15]) السيد محمد باقر الصدر، إنسان مسؤول وتاريخ ساز (الإنسان مسؤول وصانع للتاريخ): 52 ـ 53، ترجمه إلى الفارسية: محمد مهدي فولادوند، طهران، انتشارات بنياد قرآن.

([16]) قال العلامة في تعريف الإيمان: الإيمان من (الأمن)، ومعناه الرئيس أن تعطي الأمن والأمان، وبذلك يمكن للمؤمن أن يحفظ إيمانه من أضرار ومخاطر الشكّ. إن الإيمان عبارة عن الإذعان والتصديق بشيء مع الالتزام بلوازمه. ومن وجهة نظر العلامة الطباطبائي فإن الإيمان عقد وحالة قلبية تجلب الأمن والطمأنينة للمؤمن. ويمكن لهذا اليقين أن يكون منبثقاً عن العلم الحصولي أو الشهودي والحضوري، من هنا يكون متعلَّق الإيمان أمراً عينياً حقيقياً، وبذلك يشتمل على الحقانية بالضرورة. وإن الإيمان واحد، ولكنه ذو ماهية تشكيكية. (محمد حسين الطباطبائي، تفسير الميزان، تفسير قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾).

([17]) السيد محمد باقر الصدر، رسالتنا: 85، طبعة النجف الأشرف.

([18]) المصدر السابق: 41 ـ 42.

([19]) المصدر السابق: 16 ـ 17، ط1، مؤسسة دار الكتاب الإسلامي، 1424هـ.

([20]) رسالتنا: 21.

([21]) الفكر الجديد، العدد: 7، السنة الثانية.

([22]) الإسلام يقود الحياة، الكتاب الأول: 14 ـ 15؛ المجموعة الكاملة، المجلد 12.

([23]) الأعمال الكاملة، المجلد: 12، الإسلام يقود الحياة: 43.