التفسير الموضوعيّ عند السيد الصدر قراءة تحليلية مقارنة

18 مايو 2016
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1٬198 زيارة

التفسير الموضوعيّ عند السيد الصدر قراءة تحليلية مقارنة

السيد محمد علي أيازي(*)

ترجمة: الشيخ كاظم خلف العزاوي

 

مقدّمة ــــــ

يعتبر الشهيد محمد باقر الصدر& أحد العلماء الذين ساهموا بالتحدّث في مجال التفسير الموضوعيّ([1])، وممّن استعرض حديثاً بديعاً وبنّاءً في ذلك المجال. وقد تنوّعت مؤلَّفاته في مجالات عدّة، مثل: الفلسفة، والاقتصاد، والمنطق، والكلام، والأصول، والفقه. وله في جميع هذه الميادين نظريّات، وابتكارات، وإبداعات، وحركة نبوغ، ومقدرة علميّة ترافقها معلومات عصريّة.

وبما أنّ نظريّاته في مجال التفسير الموضوعيّ لم تلقَ الاهتمام الكافي، وكانت موضع تدقيق، وفي بعض الأحيان تكون موضع انتقاد، وتقع محطّاً للإشكال، فمن الضرورة أن تخضع للتحليل والبحث، وأن تكون مجالاً للمقارنة مع النظريّات الأخرى. ومن هنا نشرع في البداية بالحديث عن مسألة التفسير الموضوعيّ وأهمّيّته، ويتمّ بعد ذلك البحث في الفروقات الواقعة بين هذا التفسير وتفاسير القرآن بالقرآن، والتي تعتبر شبيهةً به وقريبةً منه. وعند ذلك تتمّ الإشارة إلى أسلوب التفسير الموضوعيّ، والبحوث والانتقادات التي قد عرضت في هذا الجزء مصحوبةً بالنماذج والأساليب المختلفة. ثم يتناول البحث وجهة نظر الشهيد الصدر في باب التفسير الموضوعيّ، وتحليل مستوى ذلك الخطاب، ومن ثمّ انتقادات الآخرين له.

ومن المؤمَّل أن تتمكَّن هذه المقالة من رسم صورة لهذه الشخصيّة الحكيمة بما تستحقّها من التجليل، وأن تحظى أفكاره في المحافل العلميّة باهتمام أكبر.

للتفسير الموضوعيّ أكثر من أسلوب. فهو ليس من هذه التفاسير الترتيبية المصحوبة بنظرة متأخِّرة (مسبوقة بتفسير واقعيّ)، وبأساليب ذات أثر مختلف، والاجتهادية، أو التفاسير ذات الاتجاهات الفلسفيّة، والعرفانيّة، والعلميّة المختلفة، وتقسم إلى عشرات الصيغ، لكن التفسير الموضوعيّ قد جاء بأسلوب واحد منها فقط. طبعاً لم تكن الملازمة العقليّة بين التفسير الموضوعيّ والترتيبيّ من ناحية اختلاف الأسلوب، وإن عدّ هذا أمراً طبيعيّاً، وهو أن أصحاب التفسير الموضوعيّ بما يمتلكون من وجهات نظر مختلفة لا يعملون على شاكلة واحدة في مقام الأسلوب، ويختلفون في طريقة طرح البحوث وطريقة استنباطها. وبإلقائنا نظرة على التفاسير الموضوعيّة نرى بوضوح هذه الأساليب المختلفة. فالأساليب ناشئة عن الاتّجاهات المختلفة، والمعلومات، والحساسيات، وأخيراً المباني المختلفة للمفسِّرين. ويكفي أن نلقي نظرة على عدة تفاسير موضوعيّة مشهورة فنلاحظ تنوّعها من ناحية الأساليب المختلفة. ومن أجل التعرُّف على بعض هذه التفاسير نشير الآن إلى بعض الأمثلة منها، ممّا يعطينا دليلاً على هذه الاختلافات، وعلى الخصوص في أساليبها، ونستعرض عدّة تفاسير موضوعيّة معاصرة كمثال على ذلك:

 

1ـ مطهَّري والتفسير الموضوعيّ ــــــ

 يعتبر الشهيد مطهري من المفكِّرين الذين تعرَّضوا، بالإضافة إلى البحوث التفسيريّة المرتَّبة، إلى مجموعة واسعة من البحوث القرآنيّة الموضوعيّة. وقد تناول بالبحث والدراسة مواضيع دينيّة مكثَّفة بنظرة قرآنيّة. ويمكننا الإشارة إلى أبرزها، وهي: بحث المعرفة في القرآن، القرآن ومسألة الحياة، الفطرة في نظر القرآن، المجتمع والتاريخ، الإنسان في القرآن، حقوق المرأة، تعدُّد الزوجات، حقوق المجتمع الأساسيّة، الحرّيّة، الفطرة، وعشرات المسائل الأخرى.

والنقطة المهمة في بحوث الأستاذ مطهَّري، بالإضافة إلى الوصف والتحليل، هي عنصر الإقناع والإرشاد. لم يكن الشهيد مطهَّري في جميع هذه المؤلَّفات في أثر إعطاء دليل على كيفية استخراج نظريّة القرآن من متن الآيات، أو يبيّن نظريّة القرآن اعتماداً على المنهج، وكأنّه يقوم بتنقيح النظريّة قبل عرضها، ولكنه يريد أن يعطي دليلاً لقرّائه على ما تكون عليه النظريّة في مقام الوصف، ولماذا لها الأولوية من بين جميع النظريّات المختلفة؟ لذا فإنه سعى أن يوضِّح آراء وعقائد الآخرين بطريقة جيّدة، ويبيّن ضعفها. ولم يكن يسعى لجمع كلّ الآيات التي تتكلم حول هذا الموضوع، ومن ثم يقوم ببحثها ودراستها طبق أساس منطقيّ مرتَّب؛ لأن هاجسه الأصليّ كان الشبهات والإشكالات التي ترد أحياناً بالنسبة إلى المسألة، أو الغموض التي يكتنف الموضوع، ويحتاج إلى شرح وتوضيح في مجال ثقافيّ واجتماعيّ. وعلى سبيل المثال: نشير إلى أحد البحوث:

 

القرآن ومسألة الحياة ــــــ

هذه المقالة مركَّبة من مجموعة من البحوث الفلسفيّة التي تناولت أصالة الروح، وكيفية علاقتها بالبدن، والاختلافات الأساسية بين الموجودات الحيّة والموجودات فاقدة الحياة، وفي النهاية يشير إلى وصف منطق القرآن في مسألة الحياة، ويقدِّم ذلك على هيئة مقارنة. ويقارن الشهيد مطهري في هذا المجال بين منطق المادّيّين السائد ومنطق الإلهيّين في مسألة الحياة وتكاملها، ويشير أيضاً إلى اختلاف منطق الإلهيّين مع منطق القرآن. والمشوّق في الموضوع أنه أشار إلى أسباب اختلاف المنطقين، وإلى أن القرآن ذكر مسألة الروح بصورةٍ مبهمة، وأعطى عنها توضيحاً بقدر ما يستطيع العلم أن يأتي به في مسألة الحياة.

إنّ اللغة التي يتبعها الأستاذ مطهَّري عادةً في التفسير الموضوعيّ وصفيّة وتحليليّة، وخصوصاً هنا، حيث يشير إلى طريقة توضيح القرآن في الارتباط بالحياة. ونظرته جامعة جدّاً، وملاحظة بدقّة، بحيث إنه لا يتحدّث عن حياة الموجودات ذوات الإحساس بشكل دقيق فقط، بل يأتي بشاهد من الحياة الحيوانيّة والنباتيّة؛ من أجل فهم كامل، ويذكر آثارها في الموجودات، مثل: الفهم، والإحساس، والإدراك، والسمع، والبصر، والهداية، والإلهام، والغريزة، على أنها دليل على الحياة([2]).

أبرز ما في بحثه في هذا القسم هو التوضيح الذي أتى به في باب اختلاف نظرة الإلهيّين ومنطق القرآن، حيث يوضِّح أنّ الإلهيّين في مسألة الحياة، أو أيّة ظاهرة أخرى، يعرِّفون أوّلاً الإنسان الأوّل؛ لأنهم لا يجدون تبريراً من أجل ظاهرة الحياة الأولى؛ إذ إنّها وجدت بنفخة إلهيّة. وبعبارة أخرى: بما أنّ معلوماتهم في هذا الأمر سالبة فإنهم يجعلون الله تعالى هو المسبِّب لهذه الظاهرة. وهم دائماً ينسبون مجهولاتهم إلى الله سبحانه، ويذهبون صوب أشياء لا يعلمون عللها الطبيعيّة. لذا كلما زاد مستوى معلوماتهم قلّ توحيدهم. ولا يستخدم القرآن هذا الأسلوب، ولا يستشهد أبداً بالأمور الظنّية والمتضاربة لإثبات التوحيد، إنما يستشهد بالأمور التي يكون الناس على علم بمقدّماتها وعللها الطبيعيّة، وهم أنفسهم يشهدون على ذلك. ويقول الأستاذ مطهَّري في مسألة الحياة: إنها فيض مطلق على درجة عالية وأعلى من أفق الجسم المحسوس. وهذا الفيض أُخذ من منبع وفق حساب وقانون من الأفق أرفع من الجسم([3]). ونرى هذا النمط من الأسلوب كذلك في كتاباته الأخرى.

وبناءً على هذا فإنّ أسلوب الأستاذ مطهري كان أوّلاً: عبارة عن عرض الموضوع كاملاً من النواحي الخارجيّة، ومن ثم يطرح الإشكالات التي تطرح أحياناً في أبعاد مختلفة بالنسبة إلى الموضوع.

 ثانياً: لا يترك البحث بدون جواب مسبق ملائم في هذا المجال، مع طرح النظريّة، وعرض الموضوع، والإجابة عن إشكالات المخالفين، أو ضعف أفكار الطرف المقابل، بما يناسبه.

 ثالثاً: يرجِّح البحوث التي تتضمَّن دقّة وعمقاً في الكلمات، مصاحبة لأنواع الفروض والأسئلة، والتي يعبِّر عنها المنطقيّون عن طريق سبرهم وتقسيمهم طرق حلول مختلفة، نظريّةً كانت أم عمليّة، مصحوبةً بإشكالات ذلك الطرح، وبشكل منطقيّ، بحيث يكون متوافقاً مع النظريّة الأولى.

رابعاً: يتميَّز أسلوبه بالعقلانيّة. وهذه العقليّة ظاهرة من أوّل البحوث القرآنيّة إلى آخرها.

خامساً: إحاطته ومعرفته بنظريّات الفلاسفة الجديدة، والتجارب البشريّة في مجال حلّ المشاكل الاجتماعيّة ككلٍّ.

 

2ـ عبّاس محمود العقّاد والتجربة القرآنية ــــــ

 يعتبر عبّاس محمود العقّاد من الكتاب المصريّين المشهورين، حيث إنّ له عدة كتب في البحوث الموضوعيّة للقرآن، ومن جملتها: الإنسان في القرآن، المرأة في القرآن، الفلسفة القرآنيّة.

يبحث في كتاب (الإنسان في القرآن) الأجناس البشريّة القرآنيّة بنظرة فلسفيّة. فهو ملمّ إلماماً خاصّاً بنقد وتطبيق الآراء القرآنيّة على ضوء ما جاءت به المذاهب الفلسفيّة الغربيّة. وقد تشكَّل هذا الكتاب من قسمين؛ يعدّد في القسم الأوّل الأوصاف القرآنيّة للإنسان، ويوضِّح في القسم الثاني آراء العلماء الغربيّين، والفكر المعاصر الحاكم على الفلاسفة الحاليّين، ويدرس آراءهم بصورة نقديّة.

ويتناول في كتاب (الفلسفة القرآنيّة) مجموعة بحوث علميّة، كالخلق، والأخلاق، والحكومة، والطبقات الاجتماعيّة، والإرث، وتعدد الزوجات، والعلاقات الدولية، والروح، والقدر، وأمثال تلك المسائل. والمسار الذي سلكه المؤلِّف تطبيقيّ، ومقارن، وانتقاديّ. واستخدم أسلوب الوصف، وتحليل المواضيع؛ من أجل فهم صحيح للمسائل، وقام عندئذ بمعالجتها بنقاط تستحقّ المقارنة، وبتعاليم قرآنيّة مميّزة. وذكر في هذا المجال بداية نظريّات الحكماء والفلاسفة الكبار، وأشار إلى نقوضهم المحتملة بالنسبة إلى النظريّات التي أوردها القرآن. ومن ثم قام بشكل مقنعٍ وعقلانيّ بالدفاع عن النظريّات القرآنيّة، وأجاب في الأماكن التي وردت فيها شبهات على التعاليم القرآنيّة. ويؤكِّد في آخر الكتاب على أن ليس هذا هو هدفي المطلوب في طرح البحوث القرآنيّة، بأن أستشهد بالمذاهب الفلسفيّة من أجل إثبات الملاحظات القرآنيّة([4])؛ لأنّ كثيراً من الفلاسفة القدماء كانت آراؤهم موافقة لما جاء به القرآن، بل كان هدفنا توضيح ما يراه القرآن قياساً بما قد جاء به الآخرون من آراء.

ويعتبر كتاب (المرأة في القرآن) من أفضل الكتب التي تحدّثت عن علم نفس المرأة، ويبيّن خصوصيّاتها الروحيّة والأخلاقيّة، ودورها في المجتمع، ويقوم بتفسير وتبرير أدلّة النظرة القرآنيّة الخاصّة من ناحية التصرُّفات الاجتماعيّة، والحقوق، والعقوبات، والإرث، وغيرها من المسائل.

وبناء على هذا نقوم بشرح لأسلوب العقّاد كما يلي:

1ـ ينحو عموماً ناحية المقارنة.

2ـ أما من ناحية المعضلات والأسلوب فقد كانت له ناحية إقناعيّة ودفاعيّة وجهد في التفسير؛ كي يثبت لقرّائه ـ بأيّة صورةٍ ـ أفضليّة التعاليم القرآنيّة.

3ـ استخدم في توضيح البحوث أسلوب الوصف والتحليل، عوضاً عن أسلوب التجميع والحكم. طبعاً يضطر أن يصوّر في هذا الأسلوب النقاط موضع البحث من وجهة نظر المذاهب الإنسانيّة وتعاليم الوحي.

4ـ هنا، حيث ينظر البحث إلى الشبهة والنقوض المنسوبة إلى تلك التعاليم، يعالج أوّلاً فروض وروافد الإشكال. فعلى سبيل المثال: في البحث الذي يتحدَّث عن المرأة بما أن إحدى المسائل المساواة، وقد بيّنها القرآن بطريقة لا تقبل النقض، فقد قام بشرح معنى المساواة، وأجاب عن الشبهات المعترضة([5]).

 

3ـ محمد تقي مصباح اليزديّ والأسلوب الموضوعي الجمعي ــــــ

هو أحد الكتّاب والباحثين المعاصرين في القرآن، والذي تناول التفسير الموضوعيّ في بحوثه، وقد بحث الأستاذ محمد تقي مصباح اليزديّ، في إطار سلسلة من البحوث القرآنيّة، عدة بحوث، من جملتها: معرفة الله، معرفة العالم، معرفة الإنسان، على أنها معارف قرآنيّة، وحقَّق في بحثين مستقلّين آخرين، هما: الأخلاق في القرآن، والمجتمع والتاريخ من وجهة نظر القرآن.

وأشار في بحث معرفة الله إلى الأدلة العقليّة والفطريّة القرآنيّة، وبحث مسألة التوحيد في القرآن من أبعاد مختلفة.

واستعرض في بحث معرفة العالم ما جاء به القرآن في مجال السماء، والأرض، وتعدّد السماوات والأرض، وكيفية خلقهنّ، أو حول عرش الكرسيّ، والظواهر العالمية، وقدوم الليل والنهار. ويؤكِّد في بداية هذا البحث على أن هذه البحوث الموجودة في القرآن إنما جاءت بصورة استطراديّة، والقصد من ذكرها تعليم الإنسان، والتذكير بنعم الله سبحانه، وأنّ القرآن ليس كتاباً في الكيمياء، أو علم النبات، أو علم الأرض.

ويشير في بحث علم الإنسان إلى البحوث الطبيعيّة والفلسفيّة التي يحتوي عليها، وأخذ في الاعتبار خصوصيّاته من وجهة نظر القرآن.

ويطرح في كتاب (الأخلاق في القرآن) أصول علم الأخلاق الموضوعة، وعلى الخصوص المفاهيم الأخلاقيّة، على أنها عنوان لمقدّمة البحث، وعندئذ يقوم بتطبيق المفاهيم الأخلاقيّة العامّة في القرآن على النظريّات التي تمّت عنونتها في أول البحث. ومن أهم بحوث التفسير الموضوعيّ في هذا الكتاب إظهار الاختلاف ما بين نظام الأخلاق الإسلاميّة والأنظمة الأخرى، وتوضيح القيم الأخلاقيّة القرآنيّة. ومن الطبيعيّ أن تسترعي اهتمام الكاتب في القسم الآخر الأخلاق العمليّة والنقاط التربويّة والإرشادية في القرآن، والتي جاءت على نحو تعاليم أخلاقيّة.

ويبحث في كتاب (المجتمع والتاريخ) فلسفة العلوم الاجتماعيّة، ومفهوم المجتمع، وأصالة الفرد أو المجتمع من الوجهة القرآنيّة، وقانون تقنين المجتمع. ومن البحوث التي تطرّق إليها الكاتب بأسلوب استناديّ وتحليليّ في هذا الكتاب تأثير المجتمع في الفرد، وتأثير الفرد في المجتمع، ودور اختلاف الحياة الاجتماعيّة، وعادات المجتمع، وأنواع أخلاقيّة اجتماعيّة أخرى. وبحسب تعبيره في هذه البحوث: إن المعيار الأهمّ من أجل انتخاب أهمّيّة الموضوع هو وضع اليد على أماكن الزلل المحيطة به، والتأثير في البحوث التطبيقية. والأعلى من هذا كانت المقدّمات التي تمّ طرحها من أجل بيان وجهة نظر القرآن.

وهدف الشيخ مصباح اليزدي في هذه التحقيقات هو تقديم المعارف القرآنيّة على أنها ذات نظام، وبنوعية تمكّن كلّ محقِّق أن يبدأ من نقطة معينة، وربط سلسلة حلقات المعارف الإسلاميّة مع بعضها، وفي نهاية الأمر يحصل على الهدف الذي يرمي إليه القرآن. ومن هذه الناحية فإنه اقترح في مقدّمة المعارف القرآنيّة أن تُصنَّف تلك المواضيع، وهذا التصنيف لا يشرح المعارف القرآنيّة، بل يكون مرادفاً للتفسير الموضوعيّ، وتُقدّم هذه المواضيع على أساس أنظمة خاصّة، ومن ثم يوضع لكلّ موضوع الآيات المتعلِّقة به بجانب بعضها البعض، فيتَّضح الغموض الذي يحيط الآيات، وذلك بالرجوع إلى الآية التي تسبقها أو اللاحقة لها([6]).

في مجال تصنيف الآيات يطرح الشيخ مصباح اليزدي في كتاب (معارف القرآن) بحثاً مفصَّلاً، ويعرض اقتراح ثلاثة أبحاث أخرى. فالعرض الذي تقدّم به هو تقسيم مواضيع القرآن إلى ثلاثة محاور، هي: العقائد، والأخلاق، والأحكام؛ ونموذج المذهب الإنسانيّ ونموذج اتخاذ الله عزّ وجلّ على أنّه المحور للكون. ويرجِّح عندئذ أن يكون محور الكون هو الله سبحانه وتعالى؛ كي يراعى الترتيب الموضعيّ وربط المواضيع بما هو أفضل، وكي يتماشى أيضاً مع التوجيهات القرآنيّة.

ونورد أسلوب الشيخ مصباح اليزدي عموماً كما يلي:

1ـ أسلوب تفسير الجمع والتحكيم. ويعتمد على بحوث أكاديميّة في مجموع المطالب الموجودة في الكتب الكلاميّة والاعتقاديّة.

2ـ أنجز هذا البحث في قالب التفسير، وبصورة ارتكازيّة. وبالمقارنة مع التفسيرين السابقين يوجد هناك اختلاف أساسيّ بينها.

3ـ تستند البحوث على معلومات فلسفيّة مفسّرة.

4ـ يتخطّى أحياناً مجال عرض الموضوع، ويتخذ ناحية التطبيق، وبالمعنى الذي يتمّ إثبات الفكرة الظاهرة عن طريق الأدلة العقليّة، ومن ثم يبحث عن دليله القرآنيّ([7]).

5ـ التأكيد على الكلمات والألفاظ القرآنيّة وتوضيح الجمل. وبعبارة أخرى: يكون أوقع في النفس كثيراً إن كان من التفسير الترتيبيّ إلى التفسير الموضوعيّ.

6ـ يلاحظ قلّة استعمال النظريّات الفلسفيّة، والمقارنة بينها، وعلى الخصوص الغربيّة منها. وبهذا الدليل لم يتمّ التطرّق إلى نقد وتحليل كلمات الفلاسفة الغربيّين في المجالات المختلفة، وعلى الخصوص في الأدلّة التي تتعلّق بالله سبحانه، ولم يتمّ التعرّض إلى الرؤى القرآنيّة المشرفة على هذه الشبهات.

 

4ـ عبد العلي بازركان ــــــ

يعتبر أحد أعلام التحقيق القرآنيّ الذين يمثِّلون البلاد، حيث قدَّم آثاراً كثيرة في مجال البحوث القرآنيّة. وقد طرح، بالإضافة إلى البحوث التفسيريّة والعلوم القرآنيّة في مجال ترتيب واتّحاد القرآن في كتاب (نظام القرآن)، وإعطاء الدليل على فهم القرآن في كتاب (التكيُّف في تدبر القرآن)، بحوثاً مستقلّةً في التفسير الموضوعيّ، كالإنسان الكامل في القرآن في كتاب (التعريف بشخصيّة حضرة إبراهيم)، و(الحرّيّة في القرآن). هذه البحوث تأتي في الظاهر على هيئة تفسير القرآن بالقرآن، والاستفادة من الآيات الأخرى من أجل فهم اللفظ، والجملة، والمعنى الكلّي للآية، أو حتى ترتيب الموضوع، أما في الحقيقة فإنّه قام بذلك من أجل التوضيح وإزاحة الستار عن وجهات النظر القرآنيّة. ويطرح أحد بحوث الكتاب أسلوب التدبُّر كنموذج من التفسير الموضوعيّ([8]).

 وتختلف طريقة وأسلوب هذه البحوث التفسيريّة عن التفاسير الموضوعيّة الأخرى؛ وذلك أن الأساس في هذه البحوث يكون مصاحباً للتوجّهات العلميّة في التفسير. مثلاً: بحث حركة السفينة إشارة إلى الفلزات، ومصادر المياه الباطنيّة، وعلم الطبيعة، واكتشاف منشأ الحياة. وحركة تسبيح السماوات والأرض من هذا القبيل أيضاً. من الطبيعيّ أن هناك نماذج أخرى لعلم الطبيعة واكتشاف منشأ الحياة، وطيف السلوك وردّة فعل البشر، وأمور أخرى تاريخيّة، واعتقادية، وأخلاقيّة، قد تّم تناولها أيضاً في نفس السياق، والاتّجاه ذاته.

وبالإمكان أن نجمع أسلوبه في التفسير الموضوعيّ ملخَّصاً بالتالي:

1ـ يبدأ بحثه عموماً حول التفسير الموضوعيّ معتمداً على الكلمات القرآنيّة، ومبناه ومعياره الذي يرتكز عليه ينبع من المفاهيم والكلمات التي وردت في القرآن الكريم. مثلاً: في بحث حركة السفينة، والتي تعتبر آية من الآيات الإلهيّة، يبدأ بجمع الكلمات حول تلك الحركة، وبعد توضيح الموارد والجهة التي تستعمل بها يصل إلى هذه النتيجة النهائية، وهي أن من مجموع 23 مرة استعملت فيها كلمة فلك جاءت كلمة حركة السفينة 16 مرة على أنّها آية من الآيات الإلهيّة، وقد توصَّل إلى استنتاج ما لكلّ واحدة من هذه الموارد من خصوصيّات، وبأيّ سير نزوليّ، وبأيّة حادثة تاريخيّة وثقافيّة، قد وقعت.

2ـ تحتوي اتجاهاته، وعلى الخصوص في اختياره للبحوث، وبصورةٍ واضحة النواحي الإرشادية والتربويّة، حتّى في أقلّ بحث قام بتقديمه، والذي ينحو منحىً علميّاً بحتاً، أو حتى بحوث نظريّة صرفة تؤخذ بعين الاعتبار. وعلى سبيل المثال: البحث حول العلل، والذي يشير إلى المعادن التي جاء ذكرها في القرآن، والآيتين 27 و28 من سورة فاطر تعتبر نموذجاً على ذلك. ويقول: إن طرح هذه البحوث، مع التأكيد على أنواع وألوان هذه الإمكانات، والتنوّع وتعدّد الألوان الواضحة في كيفيّة الخلق في كلٍّ من الأرضين الثلاث الأولى، إنّما يبيِّن هذه المكانة، حيث إن العلماء يخشون تلك الآيات. وعندئذ يقول في بحث من البحوث: مع أن القرآن كتاب هداية وإرشاد، ونزل من أجل العلم الطبيعيّ، ولكن هذه العلامات توضّح بطريقةٍ ما أنّه مع تقدُّم العلوم، فإنّ الأركان ورموزها الجديدة تحظى بالاهتمام والتدبُّر يوماً بعد يوم([9]).

3ـ كان يهتمّ اهتماماً جدّيّاً بسير النزول، وبداية الآيات المتعلِّقة بالموضوع. ومن المسلّم أن هذا الأسلوب حظي بأقلّ اهتمام في التفاسير الموضوعيّة. فقد اعتنى عناية جدّيّة في جميع كتبه بهذا الأسلوب من البحث؛ من أجل فهم الموضوع، بالإضافة إلى أنّه اعتمد على ما خلَّفه له والده المهندس بازركان من كتب، مثل: كتاب (سير تحول القرآن)، الذي بيَّن سير ترتيب النزول، ونمط تحوّل الكلام، وعلوّ وهبوط البيان، والمسائل التاريخيّة والجغرافية والسياسيّة التي لها علاقة بالآيات المطروحة، وتبرز دورها في فهم موقع الكلام([10]).

4ـ كما قد أشرنا في بداية الحديث فإنّ القصد من التفسير العلميّ والاستفادة من العطاءات العلميّة إنّما هو لفهم معاني القرآن. وهذه الرغبة متمثلة أيضاً في التفسير الترتيبيّ والموضوعيّ في أسلوب التحقيق، ونهج البيان، وكثرة الاستنباط. ولم يكن يتصوّر هذا الأسلوب في التفاسير الموضوعيّة، التي قد اختصت بحجم كبير من البحوث من قبل المفسِّرين الموضوعيّين. فالمفاهيم الأخلاقيّة الموجودة في القرآن، والله سبحانه والإنسان في القرآن، في مجالات علم المعاني، وميادين العلاقة بين هذه الكلمات، إنّما هي لجعل الفهم الموضوعيّ أدقّ، بحيث يتابع مجموع الأساليب المختلفة في الكشف، وإزاحة الستار، والاستنتاج.

 

التفسير الموضوعيّ من وجهة نظر الشهيد الصدر ــــــ

نحن الآن في صدد تناول وجهة نظر الشهيد الصدر في باب التفسير الموضوعيّ، وتحليل المكانة التي أولاها ذلك العالم للبحث، والمواضيع الممتازة التي تم بحثها وتدقيقها من وجهة نظره.

بدون شكّ إن ما اتُّخِذ موضوعاً للبحث إلى وقتنا الحاضر إنّما هو فضاء واسع يظهر من حيث الموقف والاتجاه لهذا الشهيد ذو المقام الرفيع، ونحاول أن نساعد في إيصال صورة واضحة عن تلك البحوث. ويجب أن تقيَّم نظريّات الشهيد الصدر بنحوين متفاوتين: الأول: عبارة عن الدرسين الأوّلين اللذين وردا في (مقدّمات في التفسير الموضوعيّ)؛ و(المدرسة القرآنيّة)([11])؛ والآخر: هو الدروس الاثني عشر اللاحقة في مجال السنن التاريخيّة في نفس كتاب (مقدّمات في التفسير الموضوعيّ)، حيث كانت آخر دروس هذا الشهيد العظيم في الحوزة العلميّة في النجف، والتي اعتبرت الأساليب والمناهج العمليّة للشهيد في التفسير الموضوعيّ.

ما استنتجناه من مجموع هذه المقدّمات إلى الوقت الحاضر هو أنّ أساليب المفسِّرين مختلفة في مسألة التفسير الموضوعيّ. ومع أنه اكتفي بذكر عدّة موارد قليلة إلا أنه يوجد هناك الكثير من النماذج التي قد وضح بها الاختلاف، وبان فرق الأساليب في منهج البحث، والاستنباط، والاستنتاج. وذلك أن أسلوب التفاسير الفقهيّة وآيات الأحكام في السابق لها صبغة ارتكازية، وتأخذ الموضوعات الحيويّة النصيب الأوفر من البحث، والأمور التي كانت تتناول في البحث تستند إلى الآيات، وقلما تتعرّض المواضيع إلى التحليل والوصف.

يتناول البعض جميع الآيات القرآنيّة التي تتمحور حول كلمة واحدة فقط، ثم يقوم بتصنيفها وترتيبها ترتيباً منطقيّاً. وهناك القليل ممَّنْ يتعرضون إلى تحليل وتوضيح المواضيع، ووصف النظريّات، وقد وضعوا نصب أعينهم مجموعة أخرى تتناول التفسير العلميّ الموضوعيّ. وعليه فبمقارنة الموجودات العلميّة الجديدة مع الكلمات القرآنيّة التي تتناول كلمة واحدة، وهي مسألة الخلق، وعالم الوجود، ومن أجل توضيح أحد المواضيع أحياناً، كإحصاء الكلمات، أو التصنيف الرياضيّ التاريخيّ للسور المكّيّة والمدنيّة، التي تتحدث حول موضوع واحد، نرى أنها تتناول نتائج خاصّة([12]). وأخيراً هناك البعض، أمثال: عفيف طبارة في كتاب (الأنبياء في القرآن)، وكتاب (اليهود في القرآن)، قد وضع الآيات متقاربة مع بعضها؛ وذلك فقط من أجل توضيح الأحداث التاريخيّة المتعلِّقة بأنبياء السلف، وإعطائها نظاماً منطقيّاً، أو كما فعل القرضاوي في كتاب (الصبر في القرآن)، وكتاب (النقل في القرآن)، حيث جمع كلّ الكلمات المرتبطة بهذين الموضوعين، وضمّها إلى بعضها البعض.

قبل أن نفصّل آراء الشهيد الصدر من الضروريّ أن نتعرض إلى آرائه بصورة إجماليّة:

1ـ يعتبر التفسير الموضوعيّ مكمِّلاً للتفسير الترتيبيّ، بل هو متأخِّر عنه. ولو لم يكن هناك تفسير ترتيبيّ فليس للتفسير الموضوعيّ من أثر. وعلى هذا الأساس فإن التفسير الموضوعيّ لا ينفي التفسير الترتيبيّ([13]).

2ـ بالمقارنة بين التفسيرين نلاحظ أن للتفسير الموضوعيّ محاسن ومميزات كثيرة، بينما يوجد في التفسير الترتيبيّ عيوب وإشكالات، بحيث إنها سوف لن ترتفع إلاّ بالتفسير الموضوعيّ. ومن أهمّ هذه الإشكالات التي تؤخذ عليه هو أنّه لا يوضِّح الخطاب النهائي والجامع بالنسبة إلى نظر القرآن حول الموضوع، وتفسير آية واحدة من القرآن لا يعطينا المعنى الذي يتمّ تناقله في جميع الخطاب القرآنيّ، في الوقت الذي نحتاج إلى تبيين الخطاب القرآنيّ النهائيّ مع ملاحظة فهمه في جميع الآيات المشتركة([14]).

3ـ أسلوب التفسير الموضوعيّ ـ حسب ما يراه الشهيد الصدر ـ هو الطريق الوحيد الذي نقدر على سلوكه كي نحصل على نظريّات القرآن الأساسيّة في مواضع الحياة المختلفة([15]).

4ـ لا يستعرض التفسير الموضوعيّ فقط المواضيع الصريحة والمفهومة في القرآن، بل يشتمل ـ حسب نظره ـ على جميع المواضيع التي هي في مجال الدين، وتصبّ في سلسلة الحياة الإنسانيّة، وتدور حولها أسئلة وإشكالات([16]).

5ـ من الاختلافات المهمّة في اتجاه التفسير الموضوعيّ ـ بنظر الشهيد الصدر ـ عنصرُ الهدف. فهو يرى أنه لا يمكن أن نطلق عنوان التفسير الموضوعيّ على أيّة مجموعة من الآيات التي تمّ جمعها مع بعضها، وتتناول موضوعاً خاصّاً. وبإمكان التفسير الموضوعيّ أن يتناول أحد المواضيع الحياتية، أو المسائل الاعتقادية، والاجتماعيّة، ويحاول أن يبحث رأي القرآن؛ وإلاّ فما نريده نحن من دراسة بعض بحوث العلوم القرآنيّة، من أجل معرفة وكشف مكانة القرآن في تلك المجالات، لا يمكن أن يطلق عليه (تفسير موضوعيّ)([17]). ومثل هذا التوجُّه ينشأ من خلط التفسير الموضوعيّ بالعلوم القرآنيّة، وينبئ عن تجانس صوريّ وألوان ظاهريّة مع بعضها البعض.

 

تفصيل وجهة نظر السيد الصدر ــــــ

1ـ عندما يطرح الشهيد الصدر مسألة تأخُّر التفسير الموضوعيّ، التي يتّحدث عنها في باب الفوائد التي تعود من ذلك التفسير، وامتيازه بعدّة نقاط عن التفسير الترتيبي، يؤكِّد بدوره على أنّ البشريّة دائماً في حالة تقدّم وازدهار وتكامل، وكلّما تكامل العلم البشريّ يكون في حالة تطوّر وازدهار. والأسئلة التي تطرح تأخذ بعين الاعتبار إنسان وقتنا الحاضر، وتكون جديدة غضّة، أي إنها أسئلة الساعة. وبالإضافة إلى أن ازدهار العلوم يؤثِّر على أسلوب حياة الإنسان، وتغيّر معيشته، وتطرأ مثل هذه الأسئلة المختلفة قسراً على الأذهان، وعلى الدين أن يجيب عن جميع تلك المسائل الدينيّة من موقعه الدينيّ، ولا يتمكَّن التفسير الترتيبيّ والحالة هذه أن يفي بهذا الدور، يبقى الطريق الوحيد هو الأسئلة التي نقوم بعرضها على القرآن الكريم، ونستخرج النظريّات، ووجهات النظر القرآنيّة على هيئة سؤال وجواب. وبدون شكّ فإنّ مثل هذا العمل لا يمكن للتفسير الترتيبيّ، الذي هدفه إظهار المدلول اللفظي، أن يؤدّيه. ومن هذه الجهة فإنّ الأمر الضروريّ والرئيس الذي يقوم به التفسير الموضوعيّ هو الإجابة عن الأسئلة، وحلّ المشاكل العصريّة([18]).

يعتقد البعض أن كثيراً من التفاسير الترتيبيّة قد طرحت هذه البحوث الموضوعيّة بمناسبة تفسير آية من الآيات. فمثلاً: تفسير (المنار)، لرشيد رضا، وتفسير (الميزان)، للعلامة الطباطبائيّ، يعتبران من هذا القبيل. لهذا فليس هناك من ميزة للتفسير الموضوعيّ يمتاز بها على التفسير الترتيبيّ([19]). ولكن يجب أن ننتبه إلى أنّ الشهيد الصدر لم يكن يقصد عن طريق هذا الترجيح أن ينفي التفسير الترتيبيّ، بل إنّه استعرض فقط أدلّة ترجيح أسلوب التفسير الموضوعيّ على الترتيبيّ. وإذا كانت هناك بعض التفاسير التي تتناول أحياناً نفس أسلوب التفسير الموضوعيّ المختار فهو دليل على الاستفادة من أسلوب التفسير الموضوعيّ في التفسير الترتيبيّ أو التجزئة، كما جاء في تعبير الشهيد الصدر.

يؤكِّد الشهيد الصدر على شكلٍ معين من التفسير الموضوعيّ، الشكل الذي أُخذ فيه هذا الموضوعيّ من الخارج، وروعي فيه بحث التجارب البشريّة، والعلوم الإنسانيّة. في الوقت الذي انصبّت اتجاهات جميع المفسِّرين السابقين على الموضوعات التي جاءت مفاهيمها في متن القرآن. بالإضافة إلى كثيرٍ من البحوث الموضوعيّة التي في المتون التفسيريّة، كالتي جاء بها المعتزلة والأشاعرة في هامش بحوثهم القرآنيّة التفسيريّة، والتي هي في الحقيقة تعتمد على النصّ والتحاليل التي كانت في هذه المتون، ولا تهتمّ بأقلّ التحاليل العقليّة وتصنيف الآيات. وبناءً على هذا كان الشهيد الصدر يشير إلى أهمية التفسير الموضوعيّ، ويقول: إن التفسير الموضوعيّ يطوي آفاقاً واسعة، ويجيب عن كثيرٍ من المسائل التي تكوّن مرحلة تكاملية للتفسير الترتيبي. فللتفسير الموضوعيّ علاقة مرتبطة دائماً مع التجربة الإنسانيّة؛ لأنّ نتائج هذا النوع من التفسير تشير إلى معالم بارزة واتجاهات قرآنيّة، وتحدد نوعية التفكر ونظريّة الإسلام حول أحد موضوعات الحياة([20]).

2ـ النقطة الأخرى في التفسير الموضوعيّ ـ حسب ما يرتئيه الشهيد الصدر ـ أنّ سبب امتيازه هو الحيويّة وقابليّة التطوُّر. وفي هذه الفقرة يقارن ذلك المفكِّر القدير أسلوبه في موضوع التفسيرين الترتيبيّ والموضوعيّ بأسلوب الفقهاء الذين جاؤوا به في الفقه، ويقول: إذا كان الفقه قد حظي بمكانة جيدة من التكامل والرقيّ فإنما ذلك من حيث استفادته من الأسلوب الموضوعيّ. والفقه إنما هو في الحقيقة عبارة عن تفسير موضوعيّ للأحاديث والآيات. وفي المقابل إذا ما ابتلي التفسير بهذا الركود والخمول عندها يكون قد اختار الأسلوب التجزيئيّ. ولو اكتفى الفقه بشرح الأحاديث شرحاً روائياً، مثل: (الوافي)، و(مرآة العقول)، وعشرات الكتب، فلن يصل إلى هذه المرتبة التي قد وصل إليها الآن. ومبدئيّاً فقد شُكِّل التوجُّه الفقهيّ على أساس الحقائق الحياتيّة، والإجابة عن أسئلة المكلَّفين في المجالات المختلفة، كالمعاملات، أو الجزاء، وجمعت تلك الأسئلة في ذيل أيّ موضوع من مواضيع الأحاديث، والأدلّة الأخرى، ويقوم الفقيه بتوضيحها حسب وجهة نظر الإسلام في ما يختصّ بتلك الواقعة الحياتيّة. وهذا الأسلوب هو نفسه أسلوب التفسير الموضوعيّ، ولكنْ في المسائل الفقهيّة.

لقد وقع في التفسير عكس ما هو مطلوب، والمفسِّرون بدلاً من أن يقوموا بترتيب آيات القرآن على أساس المواضيع التي لها علاقة بحياة الإنسان، والاحتياجات البشريّة، والأسئلة التي ترد على ألسنة المكلَّفين، إنْ كانت معيشيّة، أو عباديّة، أو معاملاتيّة، وإخضاعها للبحث والتدقيق، واتّساع التحقيقات الاجتماعيّة والسياسيّة، فإنّهم تناولوا التفسير الترتيبيّ بصورة محدودة، واكتفوا ببحوث الصرف، والنحو، والقراءة والتدقيق في الألفاظ. وعليه فقد منعوا التفسير من التقدُّم المستمرّ، وقاموا بتكرار ما عمله هذا العلم، أي إنهم لم يقوموا بالتفسير، بل شرعوا بتوضيح نقاط علميّة بعيدة عمّا يريده المكلَّف([21])، في الوقت الذي يمكن للتفسير الموضوعيّ أن يتعامل كلّ يوم مع التغيُّرات العلميّة، والجوانب الحياتية المختلفة، والنشاطات والتحوُّلات التي تطرأ على حياة الإنسان، ويجيب عن المواضيع الجديدة التي تواجه الإنسان في حياته اليومية. وهذه النقطة التي جاءت في حقّ القرآن ليست غريبة عليه؛ وذلك لتضمّنه علم الأوّلين والآخرين إلى يوم القيامة. وبيان هذا الشيء هو ما اختلفتم عليه([22])، أو كما جاء في الحديث على لسان الإمام الصادق×: إن الله تبارك وتعالى أنزل في القرآن تبيان كلّ شيء، حتى والله ما ترك شيئاً تحتاج إليه العباد، حتى لا يستطيع عبدٌ أن يقول: لو كان هذا أنزل في القرآن، إلاّ وقد أنزله الله فيه([23])، أو كما جاء في حديث آخر للإمام الصادق× أيضاً: إنّ الله تبارك وتعالى لم يجعله لزمان دون زمان، ولا لناس دون ناس، فهو في كلّ زمان جديد([24]).

لذا فإن التفسير الموضوعيّ ـ بقول الشهيد الصدر ـ بإمكانه أن يكون مصاحباً للحياة البشريّة الاجتماعيّة المختلفة، وغزو الأزمات والمشاكل، ويتصدّى للإجابة عن الأسئلة المطروحة يوميّاً، بشرط أن يستفاد منه، وتعرض تلك المسائل والمواضيع المطروحة على القرآن.

3ـ كتب الشهيد الصدر حول الفائدة المحصَّلة من التفسير الموضوعيّ في مقابل التفسير الترتيبيّ يقول: إنّ أسلوب التفسير الترتيبيّ يوجب بروز معارضة وتناقضات مذهبيّة كثيرة، وذلك أنه يكفي في المذاهب التفسيريّة أن يأتي المفسِّر بآية ويوجِّهها طبق معتقده وما يرتئيه مذهبه. وذلك مثلما حدث في خصوص كثيرٍ من النزاعات في البحوث والمسائل الكلاميّة، من قبيل: الجبر والتفويض، في الوقت الذي بالإمكان الاحتراز عن هذا الأمر، ومنع مثل تلك النزاعات([25]). أما في ما يتعلَّق بالتفسير الموضوعيّ فمع أنه يحتاج في فهم وإدراك آحاده إلى التفسير الترتيبيّ، ولا يمكنه بدون أسلوب الكلمات والجمل أن يذهب باتجاه التفسير الموضوعيّ، إلاّ أنه في ظلّ توضيح جمع وارتباط هذه المجموعة على هيئة رسالة موضوعيّة وقرآنيّة يستفاد من ذلك المنع أكثر.

يتردَّد الشهيد محمد باقر الحكيم بالنسبة إلى هذه الفائدة، ويقول: لا يمكن اعتبار هذا المرجَّح وسيلة ترجيح للتفسير الموضوعيّ على التفسير الترتيبيّ والتجزيئيّ؛ إذ حيث إن بإمكانه أن يوجد اختلافات وتناقضات في التفسير الترتيبيّ فكذلك بإمكانها أن تكون في التفسير الموضوعيّ. والدليل على هذا مسألة وجود اختلاف وتناقض في أقسام كثيرة من التفاسير المتأخِّرة التي وضعها المعاصرون، حيث تمّت صياغتها على أساس موضوعيّ. وفي الحقيقة بالإمكان أن يوجد عاملان للتناقضات الفكريّة والاعتقاديّة، ولا يوجد لهما علاقة بالتفسير، وهما:

أولاً: أكثر الفرضيات المسبقة، والأخلاق الفكريّة والعقائديّة للمفسِّرين.

وثانياً: يبذل المفسِّر جهداً وافراً لفهم كلامٍ غير مصروف صرفاً جيداً، أو أنّ المفسِّر نفسه يفتقد إلى الإحاطة بالمضامين القرآنيّة.

وهذان العاملان ليس لهما أيّ ارتباط بالتفسير الموضوعيّ والترتيبيّ([26]).

أما بإلقاء نظرة على كلام الشهيد الصدر فمن الجائز أن يرتفع إشكال السيد الحكيم، مع أن بروز الاعتراضات وتضارب الأقوال المذهبيّة في كلا الأسلوبين يستحقّ التوقُّف عنده، ولكن بدون شكّ فإنّ مجال هذا الإشكال، وتحقّق النواقص في التفسير الترتيبيّ، تتّضح أكثر. ناهيك عن أنه في التفسير الموضوعيّ صدق مجال سوء الفهم، وعدم وجود النظرة الشاملة، يكون أقلّ، وأن طبيعته تنطوي على الشمول، والمعلومات، والإحاطة بجميع الجوانب، وعلى الخصوص أنّه في هذا النوع من التفسير تكون استفادتنا من المحكمات والمقيّدات وخصائص الكلام المستتر أكثر، واحتمال قلّة النظرة من جانب واحد.

وبهذا الدليل كتب الشهيد الصدر عند ذكر هذا الأمر يقول: من الممكن زوال كثير من هذه التناقضات التي تقع دائماً في التفسير التجزيئيّ، وهو التفسير الذي لا يقبل أن يكتفي بآية واحدة أو عدّة آيات، وإنما واضعاً في اعتباره مجموعة كبيرة من الآيات([27]).

ممّا سبق يتّضح أن الإشكال الذي ورد في نقد السيد الحكيم هو أنه لم يكن ملتفتاً إلى أصل نظريّة الشهيد الصدر. فلم يكن قصد الشهيد ترجيح التفسير الموضوعيّ بالنسبة إلى جميع الموضوعات الموجودة في المتن، كي تزول التعارضات والتناقضات المذهبيّة عند فهم إحدى الآيات ومراعاة آيات أخرى، وإنما قصد الشهيد الصدر ـ كما سوف نستعرض لاحقاً ـ استخراج النظريّات القرآنيّة التي لها علاقة بالمسائل والمشاكل التي يبتلى بها المجتمع. فمثلاً: عندما نحاول استخلاص نظريّة قرآنيّة في باب الديمقراطيّة، ونريد أن نعلم المكانة التي يتبوّؤها الشعب في الحكومة، وكيف يمكن أن تكون رابطتها بالأحكام الإلهيّة، ففي أوّل الأمر يلقي المفسِّر نظرة على نظريّات الفلاسفة السياسيّين، والتجارب البشريّة، وأسباب النزاعات في مثل هذه القوانين في الحكومات البشريّة، ويقوم بدراستها دراسة كاملة، وبعد ذلك يعرض دراسته على القرآن. لذا حتى لو فُسِّرت مثل هذه المسائل بنتائج مختلفة إلا أنها لا تكون من سنخ المواضيع المثيرة للاختلافات، بحيث يستند المفسِّرون السابقون على آية واحدة؛ كي يقوموا بتفسير عدّة آيات.

وبناء على هذا فإنْ كان التفسير الموضوعيّ يستفيد من بعض الأخطاء، ويحتوي على اطمئنان أكثر بالنسبة إلى الآراء أحادية الجانب، بالإضافة إلى احتوائه على تفسير ترتيبيّ، فإنّ المسألة يتمّ تدقيقها بصورة جماعيّة، مع مراعاة جميع الجوانب المتعلِّقة بها.

4ـ كما أشرنا عدة مرات، وشرحنا في بداية البحث، بمناسبة توضيح عنصر الموضوع، فمن الممكن اعتباره من المواضيع الخارجيّة، ومن الممكن اعتباره بصورة أعمّ، أي إنّه يشتمل على مفاهيم وعناوين اسميّة، كي يكون مشتملاً على بحوث علم المعاني الميدانيّ والشبكيّ.

ففي المقارنة التي قام بها الشهيد الصدر بين التفسيرين الترتيبيّ والموضوعيّ عرَّف دليل التفسير الموضوعيّ على أنّه نشيط، ومتكامل، حيث إن المواضيع تقفز من عمق المسائل الإنسانيّة، والحوادث الخارجيّة، ومن هنا تتجدد هذه المسائل كلّ يوم وتتولَّد في المجالات الاجتماعيّة، والسياسيّة، والعلميّة المختلفة، وتواجه الإنسان أسئلة إجباريّة جديدة. وعلى هذا الأساس يواجه علم التفسير الموضوعيّ الموضوعات الجديدة، بحيث تأتي أجوبتها من القرآن. وكذلك عندما قام بالمقارنة بين التفسيرين الترتيبيّ والموضوعيّ شبَّههما بشرح الأحاديث، والفقه. ومنظر التفسير الموضوعي في ظلّ النظرة إلى الفقه جعله محلّ تقييم ومقارنة، وقال في ذلك: يتضمَّن الفقه جميع مواضيع المسائل الحياتيّة، والاحتياجات المادّيّة والمعنويّة، المرتبطة بالإنسان، وذلك على هيئة موضوعيّة، وفي هذه الحالة تكون المواضيع مورد بحث، وقابلة للتحوُّل والتكامل. ولهذا فإن الموضوع يكون حسب نظره بصورة التفسير الذي تكون له حقيقة ذهنيّة وخارجيّة. أما المفاهيم ومجالات علم لغة القرآن فتخرج من دائرة بحث التفسير الموضوعيّ.

إلى هنا حيث نقَّب الشهيد الصدر عن محور المفاهيم والعناوين، ومع ما يملكه من كشف وإزاحة الستار عن نظريّة القرآن، إلاّ أنه لا يعتبر ذلك تفسيراً موضوعيّاً، ويعتقد أن هذا النوع من التفسير مشابه للتفسير اللغويّ؛ لأن البحث فيه متوقِّف على المعنى، والمفهوم اللغويّ واللفظي في الجمل القرآنيّة، بدون أن يؤدّي ذلك إلى تعميق النظر في فهم المعنى؛ من أجل الوصول إلى المصاديق المرتبطة بالخارج، وشروط تحقّقها ومكانتها. ومن الناحية الثانية تحقيقنا متعلِّق بحلّ المشاكل الحياتية اليومية، والإجابة عن الأسئلة التي في الخارج. حتّى أنّ السيد الحكيم يعتبر هذا الوجه من كلام الصدر من جملة آية الحجاب التفسيريّة([28]).

وممّا يلفت الانتباه أن أجمل نقطة قدّمها وصور فيها الشهيد الصدر التفسير الموضوعيّ هي النقطة التي يجب أن يكثر الحديث عنها. وممّا أضافه من النقاط التي تحيط بهذا الموضوع:

1ـ في الحقيقة إنّ التصوير الذي صوَّره الشهيد الصدر عن التفسير الموضوعيّ هو نقدٌ لبعض محقِّقي ذلك التفسير. ويقول في هذا الأمر: مع أن جميع أولئك المحقِّقين قد جمعوا آيات مشتركة في موضوع واحد، وأضفوا عليه نوعاً من الترتيب المنطقيّ، واستخلصوا منه النتيجة، وبما أنهم لم يلتفتوا إلى التجربة البشريّة، ولم يتعلَّموا منها أيّ شيء، ولم يعرضوا الأمر على القرآن، ولم يقوموا بمقارنتها به، فإنهم لم يستطيعوا والأمر هذا أن يقدِّموا صورة كاملة عن النظريّة القرآنيّة. بينما كان بإمكانهم الأخذ بالنظريّة الشاملة للقرآن؛ وذلك أولاً: إنّ الموضوع من المواضيع الحياتيّة لدى الإنسان، ومن المشاكل النظريّة والعمليّة في المجتمع. ثانياً: تتعلّم البشريّة في هذا المجال طرق الحلّ، وذلك من التجارب التي تمرّ عليها، ويجب أن يكون المفسِّر على علم بهذا الأمر، وتعتبر المواقع القرآنيّة على صورة مقارنة استجوابيّة، بينما يكون الموضوع بالهيئة التي يفسّر فيها الوجود أو المسائل الاجتماعيّة أو الأحكام([29]).

هذا الحديث كثيراً ما يثير التأمّل وله نظرة عميقة؛ لأنّ الإنسان يواجه مشاكل كثيرة بشكل يوميّ، ويتعلَّم الكثير من التجارب. ولا تختصّ هذه التجارب بمحيط خاصّ ومنطقة معيَّنة. فلربما تكون الخلفيات العلميّة والتجارب البشريّة في مجتمع غير إسلاميّ. وعلى سبيل المثال: يوجد هناك الكثير ممَّن يقولون، عندما يكون هناك مراقبة على السلطة في أسلوب إدارة المجتمع، والحكومة التي تتكلَّم بلسان الشعب، والانتخابات، وتوزيع السلطة: إن هذه الأساليب جاءت من مكان آخر، وجُرِّبت في هذا المجتمع، وكانت محلّ دراسة من الناحية العلميّة.

أما السؤال فهو: هل أن التجارب التي تعلَّمها البشر من النظريّات المهلكة، المتوقَّع لها التمرُّد على السلطة، وجرَّبوها بأساليب مختلفة، قد عرضوها على القرآن، ورأوا هل أن القرآن قد أضاف على المراقبة الداخليّة وشرط الإيمان والتقوى حلاًّ آخر للإشراف الخارجيّ؟ وأساساً هل أنّ القرآن مخالف لهذه التجربة التي تقوم على الإشراف أكثر، ومراقبة السلطة عن طرق الأطباع والعادات البشريّة، أم أنه مؤيِّد لها؟

لا يقترح الشهيد الصدر من هذه الناحية حركة نصّ التفسير الموضوعيّ على خلاف التفسير الترتيبي، حيث يقول: يجب علينا أن نبدأ من خارج الحقائق الحياتية، ونرى هل أن جميع التجارب الإنسانيّة والأفكار التي قد تكوَّنت في هذا الباب عبارة عن لغز؟ وماذا خلّفت كلّ واحدة من المشاكل الإنسانيّة من مشاكل؟ وما هي نقاطها السالبة والموجبة؟ عندها نرجع إلى القرآن، ونطرح عليه سؤالنا، ونطلب منه الإجابة عنه. ويبقى هذا السؤال والجواب، عبارةً عن (قيل) و(قال)، قائماً بين القرآن والمفسِّر الموضوعيّ إلى أن تنكشف وجهة نظر القرآن([30]).

ومن هذه الناحية فإنّ التغيير يكون من حالة الكشف وإزاحة الستار عن مفردات الكلمات إلى التحوّل لكشف النظريّات القرآنيّة، ويصبح التغيير من الاستخدام التفسيريّ إلى استخدام المحادثة والاستجواب.

إنّ بعض ما عدّ تفسيراً موضوعياً لا يصحّ إطلاق هذه التسمية عليه إلا بضرب في المسامحة، كالناسخ والمنسوخ أو المحكم والمتشابه أو غير ذلك. نعم، بعض الموضوعات قد تكون قريبة من أخذ موضوع الصلاة في القرآن أو الصوم أو غير ذلك ودراسته بشكل وافٍ.

2ـ يجب أن نرى ما هو الهدف من التفسير الموضوعيّ؟ فإذا كان القصد هو الوصول إلى نظريّة القرآن بالنسبة إلى الحقائق المعيشيّة، والمشاكل الاجتماعيّة، فسوف يُجبَر التفسير الموضوعيّ على الأخذ من التجارب الإنسانيّة، والأسئلة التي تتردَّد على لسان الإنسان.

أما إذا عرَّفنا التفسير الموضوعيّ بأنه أعمّ من كشف النظريّات القرآنيّة في مجال المسائل الحياتيّة، والمفاهيم القرآنيّة، والذي نكمله بنوع من علم المعرفة، ففي هذه الحالة ليس من الضروريّ أن يعتمد دائماً على التجارب البشريّة، بل يكفي الرجوع إلى القرآن في المواضع التي أخذت بعين الاعتبار. مثلاً: عندما نريد أن نعلم شيئاً حول تاريخ الأنبياء في القرآن يكفي أن نجمع جميع آيات الموضوع المذكور، ونحصل على النظريّات المختلفة بالنسبة إلى الأهداف، والبرامج، والمناهج المستعملة، وردّة فعل المجتمعات والشعوب، ومسائل من هذا القبيل، ونرى ما هي الأجوبة التي تطرح في هذه المجالات؟ وما هي النقاط التي قد تكرَّرت مرّات عدّة في تاريخهم؟

كذلك بالإمكان أن يكون هناك موضوع بالنسبة إلى النظريّات الذي ترتبط بمفاهيم اختصاص علم القرآن، أو المفاهيم التي تمتلك صيغة قرآنيّة، مع كلّ هذا تكون أحياناً موضع اهتمام التجارب البشريّة، وتقع في نطاق التفسير الموضوعيّ. مثلاً: عندما نريد أن نرى ما هو رأي القرآن في مسألة المحكم والمتشابه؟ ما هو رأيه في باب النسخ والبداء؟ وما هو رأيه أيضاً في باب التفسير العصري؟ عندها يجب أن نرجع إلى القرآن نفسه في دراسة هذه المواضيع، بالإضافة إلى الإحاطة باللغة؛ لنرى هل للقرآن من اصطلاح خاصّ في هذا المجال أم أنه استعمل نفس المعنى اللغويّ؟ وما هي المشاكل الإنسانيّة في عدم إدراك مثل هذه المسائل؟ مثلاً: ما هي التجربة البشريّة في باب التشابه، وهل جاء التشابه في الكتابات البشريّة ظاهراً؟ وما هو عامل التشابه في هذه الكتابات؟ وكيف تتمّ إزالتها؟ لماذا يبدو التشابه في بعض الكتابات ظاهراً ولا يظهر في البعض الآخر؟ عندها بإمكان المحكم والمتشابه في حدود المفاهيم أن يجد صيغة التفسير الموضوعيّ مع وجود صيغة العلوم القرآنيّة([31]).

وبناءً على هذا فإنّ الصحيح هو أن القسم المهمّ والعظيم من التفسير الموضوعيّ يحتاج إلى بحوث المحقّقين في الموضوعات الخارجيّة، والمسائل التي تكون محلّ ابتلاء المجتمعات البشريّة، إذا أردنا أن نستخرج ونستنبط النظريّات القرآنيّة، كما لا ينبغي أن نغفل عن بحوث المفهوم القرآنيّ. وفي الحقيقة إن مواضيع علم معنى القرآن ـ وعلى الخصوص علوم المعنى، كالتي قام بأدائها إيزتسو بصورة عمليّة ـ هي استخراج نظريّة القرآن حول مفتاح المفاهيم التي تحتوي على ثمار عقائديّة واجتماعيّة وجميع علم القرآن.

والذي نريد أن نعرفه ما هو قصد القرآن من الكفر والنفاق؟ وإلى أيّ مدى يستخدم الغيب والشهادة؟ ومن أين كان علم المعاني، والاهتداء، والرشاد، والضلال؟([32]). ونريد أن نعرف أيضاً بماذا يُعرِّف القرآن الفسق؟ صحيحٌ أننا نبحث عن استخدام هذه المفاهيم في القرآن، أما في الواقع فإنّنا نقوم باستخلاص النظريّة القرآنيّة، ونكشف عن الكلمة والمفهوم اللذين لهما طابع من الحكمة، وتهب لنا رسالة من الوحي. والمشوّق في الأمر هو أننا أحياناً نفهم الموضوع الذي له طابع حرفيّ وخطابي، والذي يوضِّح مكانة خطاب الله سبحانه في مواضع استعمالها، وعلى هذا الأساس الذي نقوله: إن إحدى فوائد التفسير الموضوعيّ هي إصلاح منهج التفسير الترتيبي، والتعادل بين الأساليب المختلفة([33]).

5ـ من النقاط الأخرى التي يطرحها الشهيد الصدر هي أن غفلة التاريخ كوَّنت التفسير الموضوعيّ. فما هي العوامل التي ساعدت على ظهور التفسير الموضوعيّ؟ وما هو الشيء الذي أوجب أن يحكم أسلوب التفسير الترتيبيّ عموماً على علم التفسير؟.

ومع أنه في هذا المقطع لم يبيِّن ذلك صراحةً، إنّما يستفاد من بين كلماته أن مسألة ظهور التفسير الترتيبيّ كان أمراً طبيعيّاً، وقصة ظهور التفسير كانت منذ البدء مرحلة بمرحلة، وأصبح هناك غموض في فهم القرآن، وكانوا يرجعون إلى الرسول والأئمة المعصومين صلى الله عليهم أجمعين، أو الصحابة رضوان الله عليهم، في شرحه. هذا الأسلوب ساعد شيئاً فشيئاً في تغيير النظام الترتيبيّ، وعلى الخصوص شكله الأثري([34]). أما كلماته بالنسبة إلى التفسير الموضوعيّ فقد وضّحها بصورة شفافة، والتي عرّفها القرآن على أنها نفس الحاجات الاجتماعيّة، ونموّ المعارف البشريّة، وانتظار أداء الفرائض الدينيّة([35]).

قال السيد الشهيد محمد باقر الحكيم، في نقده لوجهة النظر هذه: عامل النزعة إلى التفسير الترتيبيّ لا الموضوعيّ كان ناشئاً عن قدسيّة نصّ القرآن الكريم، الذي لم يستطع أحدٌ أن يعمل عكس ذلك الترتيب، ويريد أن يغيِّره بالتفسير الموضوعيّ([36]).

وفي نظرنا فإنّ كلام الشهيد الصدر صحيحٌ جدّاً. هذا المنهج التفسيريّ المنتخب، حيث إنه في نفس ذلك العصر كان هناك مفسِّرون عملوا مختارين، وكانت هناك تفاسير تحتوي على آيات الأحكام والقصص. فمسألة التفسير الترتيبيّ ناشئة عن طبيعة أسلوب الفهم والكشف وإزاحة الغموض عن المتن. وعلى سبيل المثال: الشروح التي كانت على الكتب الفقهيّة، مثل: اللمعة، وشرح الشرائع، والجواهر، وشرح الكتب الأدبيّة، مثل: شرح مثنوي، وعشرات الشروح الأخرى التي قاموا بكتابتها بصورة ترتيبيّة في أزمنة مختلفة، لم تكن من باب إضافة القدسيّة عليها، بل كان السعي من أجل فهم النصّ، واستيعاب المتن المناسب بصورة أفضل مع المراجعين. ومن الطبيعيّ إذا كان هناك أحدٌ يريد أن يستخلص نظريّةً ما من هذه الكتب، ويكتشف وجهة نظر القائل، ويكتشف المؤلِّف والشاعر، إنّما يؤدّي هذا العمل بأسلوب موضوعيّ. وقبل نزول القرآن كانوا يقومون بتفسير الكتب، مثل: تفسير الكتب المقدَّسة، وشرح المتون الأدبيّة، وآثار أرسطو، بهذا الأسلوب التفسيريّ([37]).

وبناءً على ذلك فإنّ انتخاب التفسير الترتيبيّ لم يكن بدليل قدسيّة القرآن. وإذا كانت هناك من قدسية في هذا الأمر فليس هناك من أساليب أخرى مهمّة ومعوقة. كما أن التفسير الذي في مصحف أمير المؤمنين عليه السلام نزل تقريراً على أساس الترتيب([38]). لذا الذي بالإمكان تأكيده، وفقط تأكيد حديثه، هي الشروط الثقافيّة والاجتماعيّة للمسلمين، والرجوع إلى القرآن، ودعوة المصلحين إلى التوجّه إلى القرآن والأحكام والقوانين الإسلاميّة، والتشديد على انتظار الإجابة من القرآن، وتشوق المفكِّرين والمفسِّرين على النظرة الموضوعيّة بشكلٍ واسع. من هذه الناحية نحن لا نقبل هذا النقد، ولا نعتقد أن قداسة الترتيب تستوجب التفسير الترتيبيّ.

ركَّز الشهيد الصدر على معرفة التفسير الموضوعيّ كلّياً بما يرتئيه على ثلاث ركائز:

1ـ تزيين وتنظيم النظريّة يأتي بهذا المعنى: أن يُعرَف الموضوع بصورة جيّدة، ويتمّ تفصيل النقاط المبهمة، والمتداخلة، وتُعرَّف الأسئلة التي في هذا القسم. وهذه الأنشطة سوف تستوجب تعيين جميع جوانب المسألة، وتخرج القضية من حالة الإبهام.

2ـ بما أنّ التفسير الموضوعيّ يخطو على أساس المواضيع في مجال العقيدة، والمجتمع، ومشاكل حياة الإنسان، لذا يجب أن يبدأ من الواقع الذي يعيشه الإنسان، والمحيط الخارجيّ، ومن ثم يُعرض الأمر على القرآن. ويجب أن تخضع جميع التجارب البشريّة والأفكار التي قد وصلت في هذا الباب للفحص، والسؤال والجواب، وتشخَّص النقاط الموجبة والسالبة، ثم حينئذ تتمّ مراجعتها على ضوء ما جاء به القرآن.

3ـ هذا السؤال والجواب في الحقيقة إنما هو حوار بين القرآن والمفسِّر الموضوعيّ، إلى أن تُعرف وجهة نظر القرآن وتنكشف. ويسمى هذا الأسلوب بالتفسير التوحيدي؛ لأنه يتَّخذ نوع الوحدة بين التجارب البشريّة ووجهة نظر القرآن، ومن ناحية أخرى بين المدلولات المشتركة التي وصلت في القرآن، متَّخذة الوحدة، وتنتظم في أحد التراكيب النظريّة.

 

(i)        الأسلوب العملي للشهيد الصدر في التفسير الموضوعيّ ــــــ

 مع ما قدمناه من توضيح من الجائز أن لا يعود وصف أسلوب الشهيد الصدر العمليّ صعباً جدّاً، وخصوصاً أنه في كتاب (المدرسة القرآنيّة)، بعد البحوث النظريّة التي قدمها، تناول التفسير الموضوعيّ بالشرح والتبسيط. وعلى أساس الأفكار النظريّة طرح بحث السنن التاريخيّة من وجهة نظر القرآن. وإنّه يمكننا أن نلاحظ هذا الأسلوب عمليّاً في بعض كتاباته الأخرى([39]). والذي من الممكن أن يكون مفيداً ويصلح للبحث والتحقيق أسلوبه في كيفية الدخول والخروج، وبالاستخدام، وبتحليل المواضيع المميّزة، وفي نهاية الأمر الإعلان عن وفاء الأسلوب.

كان أسلوبه في بداية العمل أن يبيّن الموضوع والسؤال الأصليّ. لذا فإنه في باب لزوم الاستقرار في الحوادث التاريخيّة يبيِّن أهمّيّة كشف السنن التاريخيّة من القرآن، ويؤكِّد على الذي نحن في صدده، وعندئذ يتناولها بالمنهج القرآنيّ، ويطرح هذا السؤال: بأيّة صور عرضت السنن التاريخيّة من وجهة نظر القرآن؟ ويستفيد من القوالب البيانيّة للبحث، وقياس الموضوع، ويضع مقارنة بين فروقاتها، وهذه المقارنة من أجل تحديد الاختلافات.

النقطة المهمّة الأخرى، والتي أكَّد عليها كثيراً في البحث النظريّ، هي الاستفادة من العلم والتجربة البشريّة في تقييم الموضوع، والإشارة إلى منهج الحلّ. هذا السؤال مهمٌّ جدّاً، والمفسِّر الجيِّد يدركه، وباستطاعته أن يطبِّقه على القرآن. فالذي يأخذ الموضوع من القرآن، مثل: الصبر في القرآن، والميثاق في القرآن، والهداية في القرآن، من الممكن أن لا يواجه صعوبة في المسألة، أما إذا أراد أحدٌ أن يلقي نظرة على مواضيع المجتمع الحسّية والخارجيّة فإنّ صعوبة فهم الموضوع ومعرفة التجارب تزداد تعقيداً. مثلاً: كانت الحرّيّة إحدى مشاكل البشريّة، وقد عانت البشريّة على مرّ العصور من الاستبداد والاختناق أكثر من أيّ شيء كان، والحروب، والفقر، وعدم المساواة، وانعدام العدالة، كلّ هذا إنّما جاء تحت ظلّ الاستبداد.

وقد وصلت البشريّة إلى هذه النتيجة، وهي أنه ما دامت الحرّيّة معدومة فسوف لن تكون هناك عدالة، وبما أنّه لا توجد هناك حرّيّة فسوف تكون السلطة بيد أشخاص معيَّنين، ممّا يوجب انتشار الفساد والاستغلال، وسوف لن يكون هناك إشراف ومراقبة فقط من داخل المنتج، وعندها بالإمكان تقييد السلطة وتفكيكها؛ كي يحال أمام فسادها في أيّ مقام كان مع حرّيّة التعبير، والحرّيّة الاجتماعيّة. هذه هي التجربة البشريّة.

أما في هذا القسم فما هو قول القرآن في ذلك؟ يبحث الشهيد الصدر المسألة بهذه النظرة في بحث فلسفة التاريخ، حيث اهتمّ في بداية الموضوع بالإجراءات، والقوانين، والسنن التي في حركات التاريخ، ويتساءل هل تمَّت الإشارة إلى مثل هذه القوانين في القرآن؟ وهل يوجد عجائب في العلوم والاتجاهات؟ وهل بالإمكان مشاهدة مثل هذه العجائب في مجال التاريخ؟([40]). ومن خلال هذه الأسئلة يجيب عن الشبهات والإشكالات التي تقع في المسألة، ويتابع الموضوع بأسلوبٍ تحليليّ ووصفيّ([41]).

لقد لاحظنا هذا الرأي في كتاب (اقتصادنا) بشكل موسَّع، حيث أشار في بداية ذلك الكتاب إلى بحوث فلسفيّة عامّة في الاقتصاد، وشرح نظريّات مختلفة في عدّة مجال، ثم إنه تناول نظريّتين مشهورتين، هما: الماركسيّة؛ والرأسماليّة. وبعد توضيحات مبسَّطة في إبراز وشرح موضوعهما، ومسائلهما، والمشاكل المحيطة بهما حسب نظرة الإسلام، بدأ بشرح الإطار العامّ للاقتصاد الإسلاميّ. ومن أجل فهم الأصول العامّة لآيات القرآن شرع بشرح مباني هذه الأصول، مثل: احترام الملكيّة، وحرّيّة الاقتصاد، والعدالة الاجتماعيّة، والقِيَم الحاكمة في الاقتصاد الإسلاميّ. ويشير إلى عنصر الأخلاق، والتربية المعنويّة، والتعاليم الإنسانيّة الإسلاميّة. وبعدها يتناول موضوعات المسائل الاقتصاديّة. فالأفكار نفس الأفكار، ولكنّه في كتاب (اقتصادنا) يتعامل في إطار أدقّ، وبأسلوب منطقيّ أكثر، ويستنتج دينيّاً الموضوع أكثر وأفضل، مع رعاية التجارب البشريّة والعلوم المتعارفة([42]).

الهوامش:

(*) أستاذ في الحوزة والجامعة، وأحد أبرز الباحثين القرآنيّين، لديه أكثر من ثلاثين كتاباً في الدراسات القرآنيّة وغيرها، كانت له مساهماتٌ جادّة في موضوعات قرآنيّة وإشكاليّة، من رموز الفكر التجديدي في إيران.

([1]) هناك كتبٌ كثيرةٌ أبدت نظرها حول التفسير الموضوعي. وبالإمكان الإشارة إلى بعضها: التفسير الموضوعيّ، للسيد أحمد الكومي؛ البداية في التفسير الموضوعيّ، للدكتور عبد الحي الفرماوحي؛ المدخل في التفسير الموضوعيّ، لفتح الله السعيد؛ أسلوب معرفة التفسير الموضوعيّ، لهداية الله جليلي؛ مباحث في تفسير القرآن الموضوعيّ، لمصطفى مسلم؛ نظرة في تفسير القرآن الموضوعيّ، للسيد علي أيازي، عالم الفكر، العدد رقم 28؛ دراسات في التفسير الموضوعيّ للقصص القرآنيّ، لأحمد جمال الغرري؛ مقدمة رسالة القرآن، للشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ.

([2]) مطهري، المقالات الفلسفيّة: 37، طهران.

([3]) المصدر السابق: 51.

([4]) العقاد، الفلسفة القرآنيّة: 209، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الثانية، 1969م.

([5]) المصدر السابق.

([6]) مصباح يزدي، معارف القرآن 1 ـ 3: 9 ـ 10، قم، انتشارات در راه حقّ، 1373هـ.ش.

([7]) على سبيل المثال: في بحث التوحيد الفطري والشهود الحضوري يذهب بعد البحث والاستدلال والتسليم به إلى البحث عنه في الآية ودليله القرآنيّ (المصدر السابق: 31 ـ 33).

([8]) هذه النماذج من صفحات الكتاب رقم 221 طبعت الطبعة الأولى وتمّ نشرها بواسطة شركة الانتشار المساهمة في سنة 1374.

([9]) المصدر السابق: 227.

([10]) على سبيل المثال: في بحث دراسة ما كان عليه الناس من إيمان في عصر الأنبياء السالفين والتوضيح في باب السير التكاملي يشير إلى قبول بني آدم للتوحيد عن طريق السير التاريخيّ: 224. وفي البحث الرابع من الأخلاق أخذ في اعتباره الجدول التركيبي من وصايا التصرُّفات مع التأكيد على سنة النـزول: 225.

([11]) يجب التذكير بأن كتاب (مقدّمات في التفسير الموضوعيّ للقرآن) وكتاب (المدرسة القرآنيّة) من ناحية المحتوى وأصل العبارات واحد، ومع هذا الاختلاف الذي جاء في أوّل مقدّمات في التفسير الموضوعيّ، مقرراً بواسطة أحد طلبته، وطبع بواسطة دار التربية الإسلامية في الكويت سنة 1400هـ. وعندئذ تمّ مطابقته بالشريط؛ من أجل أن يحصل على دقّة أكبر في متن الدروس، وخضع لعملية تنقيح أفضل، وعنون بـ (المدرسة القرآنيّة)، وقامت بطبعه مؤسَّسة دار التعارف في بيروت. وقد انتشر من هذين الكتابين ثلاث تراجم باللغة الفارسيّة: أحدها: بواسطة الأستاذ محمد مهدي فولادوند، تحمل عنوان (مسؤوليّة الإنسان في صنع التاريخ بنظر القرآن)؛ والأخرى: قام بترجمتها حسين منوجهري، باسم (السنن الاجتماعيّة في تفسير القرآن)؛ والأخيرة: بواسطة السيد جمال الموسويّ، بعنوان (السنن التاريخيّة في القرآن).

([12]) يمكننا أن نشاهد نماذج هذا النوع من البحث في الآثار القرآنيّة للمهندس بازركان، حيث إنه جمعها حتى مع ذكر المنحنيات والنسبة المئويّة والعرض الرياضيّ. وعلى سبيل المثال: القرآن والمسيحيّين، شركة الانتشار المساهمة، 1367.

([13]) الصدر، المدرسة القرآنيّة: 18.

([14]) المصدر السابق: 37 ـ 38.

([15]) المصدر السابق: 33.

([16]) المصدر السابق: 20.

([17]) المصدر السابق: 17.

([18]) المدرسة القرآنيّة: 33، مع إضافة وتوضيح من الكاتب.

([19]) محمد باقر الحكيم، التفسير الموضوعيّ، سلسلة مقالات المؤتمر العالميّ الثامن للوحدة الإسلاميّة: 5، 1374.

([20]) المدرسة القرآنيّة: 20 ـ 21: ومن هنا كانت نتائج التفسير الموضوعيّ نتائج مرتبطة دائماً بتيار الحرية البشريّة، إلا أنها تمثل المعالم والاتجاهات القرآنيّة لتحديد النظريّة الإسلامية في شأن موضوع من مواضيع الحياة.

([21]) الذي جاء في العبارات هو محتوى وجهة نظر الشهيد الصدر، وليست عبارته حرفياً (المدرسة القرآنيّة: 15 ـ 17).

([22]) مضمون الحديث جاء على لسان أمير المؤمنين (راجع: الكليني، أصول الكافي 1: 59؛ فضل الإسلام: 7؛ نهج البلاغة، الخطبة 108).

([23]) أصول الكافي 1: 59.

([24]) الصدوق، عيون أخبار الرضا 3: 87، انتشارات العالم، طهران.

([25]) المدرسة القرآنيّة: 11 ـ 12.

([26]) الحكيم، التفسير الموضوعيّ: 6.

([27]) المدرسة القرآنيّة: 12.

([28]) التفسير الموضوعيّ: 4.

([29]) المدرسة القرآنيّة: 19 ـ 21. وقد نقل بالمعنى وتحليل الكلام.

([30]) كثيراً ما جاء في الروايات: خذوا الحقّ من أهل الباطل، ولا تأخذوا الباطل من أهل الحقّ، كونوا نقّاد الكلام (بحار الأنوار 2: 96، ح39). وجاء: خذوا الحكمة ولو من أهل المشركين (المصدر السابق: 97). وروايات كثيرة أخرى موجودة في المجلد نفسه من بحار الأنوار.

([31]) المدرسة القرآنيّة: 26 ـ 28.

([32]) يقول عبد الجبّار شرارة: إنّ الشهيد الصدر لم يقصد من الموضوع المعنى اللغويّ أو الاصطلاحيّ في التفسير الموضوعيّ (المدرسة القرآنيّة: 29)، بل إنه وضع اصطلاحاً جديداً في هذا المجال؛ لأنه أحياناً نقول: إن التفسير موضوعيّ، والمقصود من الموضوعيّ شيء مقابل للذاتيّ (الخلفيّات القبلية والفروض والذهنيات المسبقة)، وهو الموضوعيّ الخارجيّ، وهو مأخوذ من الخارج ليُعرض على القرآن؛ كي نحدّد نظريّة القرآن، فنسأله ويجيب. لذا ليس المراد التفسير للقرآن بالقرآن، بل الحركة من الواقع إلى القرآن (راجع: عبد الجبار شرارة، نحو منهج سليم في التفسير، مجلّة قضايا إسلاميّة، العدد 1: 225).

([33]) راجع في هذا المجال: إيزوتسو، الله والإنسان في القرآن: 102، ترجمة: أحمد آرام.

([34]) المدرسة القرآنيّة: 13 ـ 14.

([35]) المصدر السابق: 30 ـ 37.

([36]) الحكيم، التفسير الموضوعيّ: 7.

([37]) كاردي فوكس، دائرة المعارف الإسلاميّة الترجمة العربيّة: 409، مادة التفسير.

([38]) أصول الكافي 1: 231؛ المجلسي، بحار الأنوار 26: 22، 38. وفي هذه الروايات وصفٌ لمصحف أمير المؤمنين أنّه مكتوب باليد، حيث لم يكن هناك قرآن مكتوب، وثانياً: كان بترتيب النـزول (بحار الأنوار 89: 40).

([39]) على سبيل المثال: كتب كتاب (البنك اللاربويّ) بهذه الطريقة، وكانت بحوثه العلميّة والتجربيّة كثيرة جدّاً.

([40]) المدرسة القرآنيّة: 44.

([41]) راجع على سبيل المثال: المدرسة القرآنيّة: 101 ـ 105.

([42]) المدرسة القرآنيّة: 5 ـ 73.