الحداثة الدينيّة

28 أغسطس 2017
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
151 زيارة

الحداثة الدينيّة

العناوين والمكوِّنات

الشيخ محمد مجتهد شبستري(*)

ترجمة: صالح البدراوي

 

تمهيد ــــــ

سعى المتحدِّث إلى طرح معايير جديدة للفكر الديني الحداثوي (ليست جديدة تماماً)، من خلال رفضه للمعايير الموروثة القديمة للفكر الديني. وهذه العناوين عبارة عما يلي: 1ـ ما يتعارض مع العقل وما ينسجم معه. 2ـ ما ينسجم مع الحسن أو القبح الخلقي. 3ـ المفيدة أو الضارة، مقابل ما يعتمده الكلاسيكيون من ملاكات وأسس؛ إذ يزعمون حسب قولهم: «نحن الوحيدين القادرين على أن نقول ما هو الصواب من عدمه في الميادين الثلاثة المتمثلة بالعقائد والأخلاق والأحكام الشرعية، وفقاً للعلوم والمعايير التي تبلورت على مدى التاريخ الإسلامي، وتدرّس في الحوزات العلمية».

ما هي عناوين الفكر الديني الحداثوي، برأيي والتي تم التأكيد عليها في السنوات الأخيرة كثيراً، إلا أن تاريخها لا يتجاوز المئة وخمسين سنة في العالم الإسلامي؟ سوف أسعى إلى توضيح هذا الموضوع من خلال النقاط التالية:

 

تعريف الدين ــــــ

1ـ ابتداءً يجب أن أوضح في هذه الدراسة تعريفي للدين. عندما أقول هنا الدين أقصد بذلك تلك المجموعة من «العقائد» و«الأخلاق» و«الأحكام» التي ينظر إليها في مجتمعنا على أنها تمثل العقائد والأخلاق والأحكام الدينية، وهي غير العلم والفلسفة والفن والأدب والكثير من الأشياء الأخرى.

 

كيف ظهر الدين؟ ــــــ

2ـ كيف ظهر هذا الدين؟ هذا الدين عبارة عن موضوع تفسيري، أي تبلور على خلفية تفسير الكتاب والسنة (أي القرآن الكريم والأحاديث المنقولة عن أئمة الدين) . كل ما يدور عنه الحديث اليوم في باب العقائد أو الأخلاق أو الأحكام لم نحصل عليه من القرآن الكريم والأحاديث بشكل مباشر وبلا واسطة، بل بواسطة نفس هذه العلوم التي اكتشفها الإنسان وألَّف حولها آلاف الكتب. وقد برزت مستويات مختلفة من الفهم للقرآن والحديث، وكل منها جدير بالبحث والدراسة كلٌّ في محله. وهذه المستويات من الفهم مختلفة عن بعضها تماماً. وأتحدث هنا عن الأحكام الشرعية فقط، أي عن فروع الدين الفقهية، كمثال على ذلك. الفروع الفقهية التي تحظى بإجماع فقهاء المذاهب الإسلامية عليها محدودة جداً مقارنة بحجمها الهائل. وفي الدوائر الأصغر الفروع الفقهية التي تحظى بإجماع فقهاء الشيعة عليها محدودة جداً. الاختلافات الفقهية الكثيرة تبين بكل وضوح كيف أن فقهاء الشيعة وغيرهم فهموا الكتاب والسنة بشكل متفاوت؛ بسبب وقوعهم تحت تأثير العلوم والمعارف والمناطق المختلفة.

 

معايير الصواب والتخطئة في فهم الدين ــــــ

3ـ الموضوع المهم الآخر الذي لا شك لدينا فيه أن أيَّ عالمٍ من علماء المسلمين ممَّنْ توصل إلى آراء مختلفة عن آراء الآخرين في حقول العقائد أو الأخلاق أو الأحكام اعتبر تلك الآراء خاطئة، وآراءه هي الصائبة، وبذل ما بوسعه لتبرير آرائه بالأدلة والبراهين. وأضرب مثالاً ملموساً جداً على ذلك: قبل الثورة الإسلامية كانت هناك عدة نظريات فقهية متباينة تماماً في باب المسائل المتعلقة بالحكومة. وعلى سبيل المثال: كان فريق من الفقهاء يقولون: إن النظرية الشيعية لممارسة السلطة في زمن غيبة الإمام الحجة هي نظرية ولاية الفقيه. والفقهاء الآخرون كانوا يقولون: إنه لا معنى لـ «الحكومة الإسلامية» في غيبة الإمام الحجة#.

هاتان النظريتان لا يمكن أن تكون كلتاهما صحيحة لدى الفقيه في آن واحد. إذ لا بُدَّ أن تكون إحداهما صحيحةً، والأخرى خاطئة. وكذا الأمر في باب العقائد والأخلاق. ويكشف الواقع أنه ليس الفقهاء وحدهم، بل ان سائر علماء المسلمين يعتقدون أيضاً أن النتائج المستحصلة من الكتاب والسنة ـ أي إن كل ما ينسب إلى الكتاب والسنة في أبواب العقائد أو الأخلاق أو الأحكام الشرعية، ويطلق عليه تسمية الدين ـ يمكن أن يكون خطأ أو صواباً، بمعنى أن الاستنباط في الأبواب الثلاثة العقائد والأخلاق والأحكام يحتمل الخطأ وأنه ليس لدينا استنباط وتفسير معصوم عن الخطأ. ليس لدينا استنباط مقدس وتفسير مقدس، بمعنى أنه غير قابل للنقد والمناقشة.

4ـ عندما نصل إلى هنا يبرز أمامنا سؤالان، هما: ما هو المعيار في تعيين التفسير والاستنباط الصائب من غير الصائب في هذا الباب؟ ومَنْ هو الشخص الذي يمتلك الحق في هذا التشخيص؟ هذان التساؤلان كانا موجودين دائماً، إلا أنهما طُرحا بشكل أكثر بروزاً في العصر الحديث، وبعد أن عاصر المسلمون المدنية والحضارة الجديدة وعاشوا تفاصيلها. وأستطيع القول: إن هذين التساؤلين هما أهم الأسئلة الثقافية الدينية للمسلمين في المجتمع المعاصر وفي العصر الحالي. وأرى أن كلّ ما يُسمّى اليوم بالفكر الديني الحداثوي إنما ينطلق من أجواء الإجابة عن هذين التساؤلين بالضبط. وسوف أوضِّح هذا الموضوع في الفقرات اللاحقة.

5ـ يقول العلماء التقليديون في معرض إجابتهم عن هذين السؤالين: نحن القادرون فقط على القول ما هو الصواب والخطأ في الأبواب الثلاثة للعقائد والأخلاق والأحكام الشرعية، وفقاً للمعايير المتبلورة على مدى التاريخ الإسلامي، والتي يتم دراستها وتعلمها في الحوزات العلمية. وعندما يقال لهم: إنه توجد بينكم اختلافات واسعة في الآراء في الأحكام الشرعية مثلاً يقولون: إن كلاًّ من هذه الآراء المتباينة هي حجة على المقلدين. وعلى الرغم من أن أحدهما سيكون في نهاية المطاف صائباً، والبقية خاطئة، إلا أن العمل بأيٍّ منها يوجب الثواب الأخروي عند الله تعالى. وعلماء الشيعة لديهم مثل هذا الرأي. وبهذا الشكل، يرَوْن أن تشخيص معنى الصواب أو الخطأ ومعاييره أمرٌ خاصّ بهم، ويريدون أيضاً أن يجعلوا ذلك مختصاً بالمنهج العلمي المتَّبع على مدى مئات السنين في الحوزات العلمية الدينية، وبالخصوص المنهج الفقهي منها.

6ـ ولكنْ كما سبق أن قلنا: برزت إلى السطح انطلاقة جديدة في العالم الإسلامي تدعى بالفكر الديني الحداثوي على خلفية الإجابة عن هذين التساؤلين. والمفكِّرون الحداثويون لا يرَوْن إجابات العلماء التقليديين بهذا الشأن كافية. وانطلاقاً من أن هذه الجماعة اطلعت على التطورات الفلسفية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية لعالم اليوم فقد تبنَّت معايير جديدة في ما يتعلق بفهم الدين، وتفسير الكتاب والسنة، وتحديد العقائد والأخلاق والأحكام الدينية، وكيفية تشخيص الصواب من غير الصواب في هذه الأبواب. وهذه المعايير إما أنها لا تحظى باهتمام علماء الإسلام التقليديين، أو إنهم نادراً ما يهتمون بها، ولو اهتموا بها فإن ذلك يقتصر على مصاديق المعايير التي تتناسب مع العصور السابقة، وليس مصاديقها في العصر الحديث.

 

معايير جديدة في التقويم ــــــ

7ـ دراسة أفكار وآراء المفكرين الدينيين الحداثويين في العالم الإسلامي، الذين ظهروا في المئة وخمسين عاماً الأخيرة من مختلف المذاهب الإسلامية، بشكل دقيق تبين أنهم أدخلوا إلى الميدان ثلاثة معايير جديدة؛ لتشخيص الصواب من غير الصواب في فهم الكتاب والسنة، وفي تحديد العقائد والأخلاق والأحكام الشرعية، ويعملون على إبرازها بقوة. هذه المعايير الثلاثة إما أنها لم تكن موجودة في المنهج العلمي القديم للحوزات العلمية؛ أو أنها كانت ضعيفة. وبالإضافة إلى أن مصاديق هذه المعايير الثلاثة في العالم الجديد تختلف اختلافاً شاسعاً عن مصاديق هذه المعايير في العالم القديم التقليدي، التي كان العلماء التقليديون يتنفَّسون من خلالها (على افتراض أن هذه المعايير كانت موجودة في المنهج العلمي لتلك الحوزات العلمية)، فإن هذا الادّعاء لا يتنافى مع القول بأن هذه المعايير بعد أن برزت إلى الساحة على أيدي المفكرين الدينيين الحداثويين في العالم الإسلامي فإن نمط التفكير والاستنباط لدى طائفة من العلماء التقليديين قد تأثَّر بتلك المعايير أيضاً.

ما هي هذه المعايير الثلاثة؟ إنها عبارة عما يلي: 1ـ يتعارض مع العقل أو يستحسنه العقل. 2ـ ينسجم مع حسن الخلق أو مع قبح الخلق. 3ـ كونها مفيدة أو ضارة. يقول التفكير الديني الحداثوي في العالم الإسلامي: كل ما يتم إبلاغه من قبل علماء الدين تحت عنوان العقائد الدينية أو قيم الدين أو الحكم الشرعي يجب أن يقاس بهذه المعايير الثلاثة. ففضلاً عن المعايير الموجودة لدى العلماء أنفسهم يجب أن يصار إلى تقييم العقيدة الكذائية على أساس هل أنها تنسجم مع العقل أم تتعارض معه؟

ويرى هؤلاء أنه يجب أن تعاين كافة العقائد الدينية والأخلاق الدينية والأحكام الشرعية بشكلٍ مستمر بهذه المعايير الثلاثة، وتقاس بها. ويرَوْن أن انسجامها مع العقل وامتلاكها حسن الخلق وكونها مفيدة من ضمن ملاكات صواب العقائد والأخلاق والأحكام الدينية، وأن تعارضها مع العقل وقبحها الأخلاقي وكونها ضارة يعدّ من ملاكات عدم صوابها، وخاصّة في ما يتعلق بمسألة الفائدة؛ إذ يجب أن يتم الالتفات إلى أن الفائدة هنا بمعنى كونها مفيدة لمعيشة الإنسان في العصر الحاضر، والتي تنطوي على فوائد معنوية؛ وأخرى غير معنوية أيضاً. وأستطيع هنا أن أضرب بضعة أمثلة على ذلك: المفكر الديني الحداثوي يسأل العالم الشيعي ما يلي: ما تقومون به من ربط الفتيات الشابات في ميدان ولي عصر بطهران، وجلدهنّ بالسوط؛ بتهمة الانحراف الجنسي، وتحت لافتة تنفيذ الأحكام الشرعية، هل أن هذا العمل يتطابق مع العقل أم يتعارض معه؟ هل يتّسم بحسن الخلق أم بقبحه؟ وهل أنه مفيد للحياة المعنوية وغير المعنوية للمسلم أم أنه ضار؟ ويسأل: إذا كنتم تقولون: باسم الدين والحكم الشرعي لا للديمقراطية، لا لحقوق الإنسان؛ نعم لحكم الشعب الديني، فهل لنظامكم الديني هذا مفهوم معقول وغير متناقض؟ هل يمكن لحكومة كهذه أن تكون أخلاقية أم لا؟ هل يمكن للمجتمع اليوم في ظل حكومة كهذه أن يحقق نضجه المعنوي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي أم لا؟ وهل أن حكومة كهذه مفيدة للمجتمع أم ضارة؟

8ـ المفكر الديني الحداثوي يلتفت إلى الحقيقة التالية، وهي أن مصداق الانسجام مع العقل والتعارض معه، وامتلاك الحسن الخلقي والقبح الخلقي، وكونه مفيداً أو ضارّاً، يختلف باختلاف العصور المختلفة والمجتمعات المختلفة. وعندما يسأل هل أن العقيدة الفلانية تنسجم مع العقل أم تتعارض معه؟ مراده بذلك عقل العصر الحالي الذي لا يستطيع المسلمون أيضاً تجاهله والتغاضي عنه. عندما يسأل عن الحسن الخلقي أو القبح الأخلاقي يقصد ذلك الحسن والقبح الأخلاقيين اللذين لا يمكن العيش معيشة إنسانية في هذا العصر بدون الالتزام بهما. وكذا الحال عندما يسأل عن المفيد والمضرّ فمراده بذلك الفائدة والضرر لمجتمع معين ومحدد يعيش في القرن العشرين أو في أوائل القرن الواحد والعشرين، وامتلك سبل الحضارة الحديثة أو النامية؛ ذلك أن المفكر الديني المسلم الحداثوي أخذ يهتم اهتماماً كاملاً بالفلسفة والعلم، وبجميع الأبواب الأخرى لثقافة العصر الحديث.

يقول المفكر الديني الحداثوي: إن كل ما نجربه على أنه يناهض العقل أو يتسم بالقبح الأخلاقي أو أنه مضر للحياة الإنسانية في العصر الحاضر لا يمكن أن ننسبه إلى أوامر الله تعالى ونواهيه وأقواله التي تتسم بالكمال المحض. ليس بوسعنا القول: إن الله تعالى يطلب هذه الأمور من الإنسان. وإذا تطلب الأمر يجب أن نعيد النظر في البعض من معتقداتنا الدينية وتفسيراتها؛ كي لا نضطر إلى أن ننسب هكذا أمور لله تعالى.

 

منطلقات المعايير الجديدة ــــــ

9ـ ينطلق اهتمام المفكرين الدينيين الحداثويين في العالم الإسلامي بهذه المعايير الجديدة الثلاثة من عامل ديني داخلي؛ وآخر خارجي. العامل الديني الداخلي يعني السبب الذي يرتبط بنفس السنّة الإسلامية، وهو أن الدين الإسلامي كان منذ البداية ديناً اجتماعياً سياسياً، وعلى مر التاريخ الإسلامي كانت هناك على الدوام بعض الفرق التي تهتم بمسألة انسجام العقائد الدينية مع العقل، وامتلاك القيم الدينية للخلق الحسن، أو مدى فائدة الفتاوى الدينية أو ضررها. وكانت علاقة الدين بالتطورات وأوضاع الحياة الدنيوية للمسلمين محط اهتمام هذه الفرق دائماً. ولم يكن المسلمون المعتزلة سوى نموذجاً حياً وبارزاً لهذه الفرق. ونفس هذا العامل الديني الداخلي هو الذي لعب دوراً فاعلاً ورئيساً في ظهور حركات النهضة السياسية الإسلامية في القرنين أو الثلاثة الأخيرة، تلك الحركات التي كان هدفها البحث عن مخرج لتخلف المسلمين عن قافلة المدنية والحضارة الجديدة. لو لم يكن للدين علاقة دقيقة بالأوضاع والأحوال الاجتماعية والسياسية في السنّة الإسلامية لما ظهرت هذه الحركات. كما أن هذا العامل هو الذي كان فاعلاً في ظهور الثورة الإيرانية التي اتَّخذت لنفسها طابعاً دينياً.

10ـ أهمّ خسارة لوضع لباس الحركة السياسية والاجتماعية على هيكل هذه النهضة الفكرية يكمن في أننا سنواجه في هذه الحالة نوعاً من إسلام الهوية وأيديولوجيا من نوع آخر. ومن الواضح أننا لا نريد أمراً كهذا، وهدفنا هو ذلك الإسلام الذي يمكن التقرب به إلى الله تعالى، وخدمة خلقه، وليس أن نتمكن من الحصول على الهوية بواسطته، والسيطرة على الحكم. في هذه الحالة ستحتل مسألة الحفاظ على هذه الحركة السياسية الاجتماعية مكان معايير التفكير الصحيح، وتدفع بهذه النهضة إلى طريق مسدود.

 

تعليقات نقديّة على قراءة شبستري([1]) ــــــ

توجد في هذه المقالة جملة من الإبهامات والملاحظات الجديرة بالتأمل، سنشير إلى البعض منها:

1ـ كان من المناسب عليه أن يعطي تعريفاً للتفكير الديني الحديث، الذي يمتلك ـ حَسْب قوله ـ قدماً تاريخياً يمتد إلى نحو مئة وخمسين سنة قبل هذا التاريخ.

2ـ يعتقد الكاتب أن الدين عبارة عما يستنبطه الآخرون من الدين؛ ولذلك قال في نهاية كلامه: «ليس لدينا استنباط وتفسير معصومَيْن، ليس لدينا استنباط مقدس أو تفسير مقدس، بمعنى أنه لا يمكن نقده ومناقشته»، في حين أن الدين ليس كله على هذا النحو، بل إن هناك الكثير من العقل والنقل الصحيح والصريح والمتين، وهذا من الدين أيضاً. كما أن دين الله تعالى وأحكامه ليسا تاريخيين، ولا يخضعان للزمان أو الوقت، سوى في بعض الأمور الخاصة، من قبيل: الأحكام الثانوية، أو الأحكام المتعلقة بممارسة السلطة. وبناءً على ذلك فإن التوحيد، وبقية صفات الله، ونزول الوحي، وعصمة الأنبياء والأئمة الأطهار^، والكثير من المسائل الأخرى، هي من الدين، وتعدّ من المسائل التي لا تتغير.

3ـ التساؤل الذي طرحه المتحدِّث في النقطة الرابعة أخذ يجيب عنه في النقطة الخامسة والسادسة والسابعة. يقول في البداية: إن العلماء التقليديين هم الذين يعرفون معيار الدين، وتشخيص الطريق الصحيح من الخاطئ، في حين يبدو أن العلماء التقليديين في هذه القضية هم أفضل من المجدِّدين التكنوقراط؛ ذلك أن المجددين التكنوقراط يشيدون دائماً بالآراء العلمية المتخصصة، ولكنهم لا يعيرون أهمية تذكر لضرورة مراعاة التخصُّص وأصول التفكير بشأن الدين؛ بينما نجد أنه إذا حصل ارتكاب أدنى خطأ في مسألة الدين سيؤدي ذلك بالإنسان إلى الهلاك المعنوي والأخروي! والظاهر أنه يؤكِّد على مبدأ «أنت المجتهد»، كما أصر مارتن لوثر على مبدأ «أنت القس» في العالم المسيحي والمذهب البروتستانتي، وهذا الأمر ناجمٌ عن ذات الفكرة الخاطئة المأخوذة من تعريف الدين (أي علاقة الفرد بالله تعالى فقط). يجب أن تكون للفرد علاقة بالله تعالى؛ ولكنه لا يستغني في هذه العلاقة عن الموجِّه، ونعني به عالم الدين، ومن هنا فإن الإمامة تأتي بعد النبوة، ويتصدى الفقهاء لتحمل هذه المسؤولية في زمن الغيبة.

4ـ يطرح المتحدِّث في الفقرة السابعة من حديثه ثلاثة معايير حديثة لتحديد صحة المسار الديني من عدمه، وهي لم تكن موجودة في السنة، أو كانت ضعيفة ـ حَسْب قوله ـ. مناهضة العقل للأشياء أو قبوله لها، امتلاكها حسن الخلق من عدمه، وكونها مفيدة أو ضارة، تدل على أن الأمر إما ديني أو غير ديني. ولا يخفى على المتحدِّث أنه تم التأكيد كثيراً على التعقل والأخلاق في نصوصنا الدينية، وبخاصة في الكتاب والسنة. القرآن الكريم يرى أن الذين لا يعقلون هم شرّ الدواب([2])، ويقول الرسول الأكرم|: إن الهدف من رسالته يتمثَّل بإتمام الأخلاق([3]). أحد المصادر التشريعية المهمة والأدلة الأربعة في فقهنا هو «العقل». وكان علماؤنا التقليديون أكثر وفاء والتزاماً بهذه المصادر. وبناءً على ذلك إذا كان تعريفنا للعقل والأخلاق لا ينطوي على ما هو جديد وقديم فلا توجد مشكلة في ذلك، ولكنْ إذا اكتسب العقل معنىً جديداً لنفسه، واتسمت الأخلاق بالوضعية، فمن المؤكَّد أنه ستصبح عندها معاني الربح والخسارة أيضاً علمانية ودنيوية. وفي هذه الحالة سنحيل أمر الأخلاقيات كما تقولون إلى التجربة، وليس إلى العقل، وكذا بالنسبة إلى العقل أيضاً. ومن هنا فإن الكلام ليس في ما يقبله العقل أو يناهضه، بل المهمّ هو التعريف الذي يعطى عن العقل، أو الاتجاه الذي يتم تحديده للأخلاق. ومن هنا لا يمكن الادّعاء بأن علماء الدين لم يعيروا أهمية للعقل والأخلاق السائدة آنذاك، بل غاية ما في الأمر أنه يمكن الادّعاء والقول بأنهم لم يهتموا بها كاهتمامكم بهذه المقولات.

5ـ خلط الكاتب في بعض الحالات الرأي بالعمل. فقد سعى للظهور كشخص منظّر، ولكنَّه عبَّر أحياناً عن مواقفه البراغماتية، وأراد أن يمدّ الجسور من هذا الموقف إلى مقام الرأي. بينما لو افترضنا أن أحد الأحكام الإلهية تم تطبيقه في وقتٍ ما بشكل غير صحيح، أو حصل خطأ ما لأيِّ سببٍ كان، فإن ذلك لا يدلّ على أن تاريخ استعمال الأحكام الإلهية قد انتهى، ولا ينبغي القيام بتطبيقها!

 

الهوامش

(*) من أبرز رموز الحركة الفكريّة الإصلاحيّة في إيران، اشتهر بنظريّة تعدُّد القراءات الدينية، وبنقده لنظريات حقوق الإنسان في الإسلام.

([1])  لم يُذكر اسم الكاتب لهذه التعليقات النقديّة في الأصل الفارسي.

([2]) الأنفال: 22.

([3]) «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».