المدرسة التفكيكية والمدرسة الطباطبائية – قراءة نقدية مقارنة

5 مايو 2014
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
3٬601 زيارة

المدرسة التفكيكية والمدرسة الطباطبائية – قراءة نقدية مقارنة

ترجمة: حيدر حب الله

 

المقدّمة ــــــــــ

لاحظت في الفترة الأخيرة دراسةً حول المدرسة التفكيكية([2]) وعلاقتها بمدرسة العلامة محمد حسين الطباطبائي، وقد سعت تلك المقالة للعثور على جذور العقل التفكيكي في مطاوي نظريات الطباطبائي([3])، لتجعلها مؤيداً لها، وقد حاولت هنا أن أدرس الأصول الفكرية لمدرسة الطباطبائي في قراءتها للإسلام، واجتهادها في مصادر الشريعة، وذلك تحت عنوان: مبادئ القراءة الدمجية([4])، وعبر ذلك نقد مبادئ المدرسة التفكيكية من وجهة نظر الطباطبائي، اعتماداً على نتاجه العلمي المتوفّر.

لا شكّ لكل متدين حصيف أقام فكره على بحث وتحقيق أن قلق المنهج المعرفي حاضر وثقيل، ويحظى عنده بأهمية بالغة تحكم طبيعة تعامله مع الدين،وهذا القلق الهام في مضمونه يبدي نفسه في الأديان الإلهية، سيما منها الإسلام، الذي اعتبر الوحي مصدراً من مصادر المعرفة، في مجالين اثنين هما:

1 ــ منهج الاستفادة والاستنباط من الوحي.

2 ــ مَدَيات العلاقة التي تحكم المعطيات المعرفية الحاصلة من الوحي وتلك المنتجة عبر مصادر المعرفة الأخرى، كالعقل، والقلب، والحس، وليس أدنى شك في أن الباحث الإسلامي والعالم الإلهي يفرض هذه المناهج والبناءات المعلنة وغير المعلنة أساسيات قلبية تحتية تنطلق عبرها توظيفاته للوحي والقرآن والروايات وفهمه لها، كما يسعى عبرها لحلّ التعارض الظاهري أو غيره ما بين مدركاته الخاصة من الوحي وبقية المعطيات المعرفيّة التي حازها من أدواته الإيستمولوجية الأخرى، مرسياً نوعاً من التعادل أو المفاضلة فيما بينها، وقد كان الجواب الذي قدّم عن الإشكاليتين المذكورتين آنفاً سبباً ــ عبر تاريخ الفكر الإسلامي ــ لظهور مدارس مختلفة فيما بينها في فهم الإسلام ووعيه.

ونطرح هنا رؤية مدرستين اثنتين كانت لكلّ واحدةٍ منهما تصوّرات مختلفة حول منهج فهم الإسلام والاجتهاد في المصادر الوحيانية والروائية، إلاّ أننا نشير قبل ذلك إلى أمرٍ تلزم الإشارة إليه، وهو أنّ الهدف الرئيس لهذه المقالة تشريح الأسس التي قامت عليها هاتان المدرستان، مع الإشارة المجملة العابرة للجذور التاريخية لكل اتجاه، إذ لا نقدر على رصد التطوّرات التاريخية بتفصيل أكثر.

لا نرتاب في مبدأ وجود الاختلافات النظرية الكلامية والعقدية والتفسيرية بين العلماء، وانتقادات بعضهم للبعض الآخر، بدءاً من الاختلافات التي وقعت بين أصحاب أئمة أهل البيت E، واختلافات اجتهادات الشيخ الصدوق مع الشيخ المفيد في المعارف والاعتقادات، مروراً باختلاف نظريات الحكماء والمتكلمين مع الفقهاء والمحدّثين، أو امتياز استنباطات الأخباريين في الفروع عن الأصوليين فيها، أو الأخباريين في الأصول مع الحكماء، أو أنصار المدرسة الظاهرية مع الفلاسفة، وكذا من اختلاف قراءات رادة المدرسة الخراسانية إلى نظريات حكماء الحكمة المتعالية من أنصار مدرستي إصفهان وطهران.. لا شك أنّ هذه الخلافات جميعها تحكي عن وجود منهجين في التفكير وآليتين في الممارسة الاجتهادية في الدين، كما لا نرتاب في أنّ كلّ طرفٍ إنما قصد بجهوده الوصول إلى الحقائق الدينية والحصول على استنتاجات صحيحة ومعقولة عن الدين، ولا شك أنّ إفراد هذه الجذور ببحث تاريخي تحليلي يعدّ لازماً، جديراً بالرصد والدراسة، وهو ما لا يتناسب مع هذه المقالة.

ونسعى هنا للتعريف بهذين المنهجين في التفكير:

1 ــ الاتجاه التوليفي التركيبي ــــــــــ

تقوم هذه القراءة على أساس اتحاد المعطيات العقلية، والقلبية، والوحيانية، ووقوع انسجام وتناغم كاملين فيما بينها، بمعنى أنّ العقل والقلب والوحي تمثل معاً ثلاثة مصادر للمعرفة أو فقل: ثلاث أدوات، رغم أنّ لكلّ واحدٍ من هذه الأدوات مجاله الخاص وحدوده المعينة التي لايجدر تخطّيها.

إن تنوّع المجالات لا يتنافى مع وقوع تناغم بين الاستنتاجات والمعطيات التي توفّرها لنا هذه المصادر الثلاثة في دوائر المعرفة المختلفة التي تشترك فيها، مثل علم الوجود والقضايا الخبرية الحاكية عن الواقع الخارجي، ليس لا تتنافى فحسب، بل إنّ كلّ واحدٍ منها يدعم صاحبيه ويؤيدّهما، فالعقل والقلب يدعمان ــ بالجهود الفكرية والمشاهدات الباطنية ــ الحقائق الوحيانيّة حسب طاقتهما وتبعاً لمبلغهما، كما لا تتنافى أبداً ــ من جهةٍ أخرى ــ الحقائق الدينية مع المعطيات اليقينية للعقل السليم وشهود القلب الصافي والمهذّب.

إن مبدأ عدم التناقض بين الحقائق الدينية والمعطيات العقلية والشهودية من المبادئ الأساسية لهذا الاتجاه، وقد بذلت جهود في الفلسفة والحكمة والكلام والتفسير، وحتى المباحث الحديثية، لدراسة هذا التوافق الثلاثي وإثباته([5]).

ولهذا الاتجاه الذي يرتكز على أطروحة رئيسية هي: اتحاد القرآن والعرفان والبرهان، أسس أوّلية هامة نشير إلى أبرزها وأهمّها:

1 ــ الاعتراف بالدور الرئيس الذي يلعبه العقل، والمبادئ العقلانية في المجالات الثلاث، بمعنى أن العقل واستدلالاته وعلومه النظرية اليقينية، ومعطياته المؤكّدة الناتجة عن استخدام الإنسان للمنهج العقلائي تعدّ:

أولاً: معطيات معتبرة في مجالي المعرفة الوجودية والمعرفة الأخلاقية القيمية.

ثانياً: تمثل دعامةً خلفيةً قوية لإثبات الحاجة للدين وضرورة البعثة، أي للوحي والرسالة، إضافةً إلى إثبات وجود واجب الوجود.

ثالثاً: من أهم الأدوات الموظّفة في تفسير نصوص الوحي والاستنتاج من المصادر النقلية، كما أنها تمثل قرينة هامّةً يعتمد المتكلّم الحكيم عليها في خطاب الأفراد العقلاء، بمعنى أنّ العقل مصباحٌ والدين سبيل، فلا بدّ للإنسان من هذا المصباح لاهتداء الطريق وطيّه، وقد تحدّثت النصوص الدينية عن العقل بوصفه سراجاً، كما تحدّثت عن الدين بوصفه صراطاً وسبيلاً.

2 ــ الأخذ بمبدأ تقدّم نتائج البراهين اليقينيّة العقلية على ظواهر النصوص الدينية، لا على الدلالات اليقينيّة الصريحة للنص الديني في حالات التعارض الظاهري، ومعنى ذلك أنّ البرهان العقلي يمثل شاهداً وقرينةً متصلةً اعتمدها المتكلم الحكيم في إيصال خطابه ومراده إلى العقلاء الذين يخاطبهم، وقد عبرّت بعض الروايات الدينية عن العقل بالحجّة الباطنية.

3 ــ مبدأ عدم حجية أخبار الآحاد في غير الفقه والأحكام العملية، ذلك أنّها لا تفيد علماً، والحال أن اليقين ضروري وحتمي في الأصول الاعتقادية، كما أنّ المعارف الحاكية عن الواقع الخارجي التكويني لا معنى للتعبّد فيها حتى يكون خبر الواحد في موردها حجةً، ذلك أنّه ليس ثمّة أثر شرعي تعبّدي مترتّب عليها، ولهذا لا تجعل الحجية لخبر الواحد في مثل هذه الحالات، إذ هذه القضايا غير القيمية ولا الأخلاقية من نوع الحقائق والمعارف، فيما يكون جعل الحجية من الأمور الاعتبارية، ولا معنى لتصرّف يد الجعل والاعتبار بالأمور التكوينية (العلم والمعرفة)، بل إنّ تنزيل الظنّ منزلة العلم واعتباره عينه تعبداً مما لا معنى له هنا، بل هو مخالف لبناءات العقلاء ومرتكزاتهم.

وانطلاقاً من المعطى المذكور، لا يغدو للإجماع دور أيضاً في أصول الدين وعقدياته، ذلك أنّ أصول المعارف يلزم فيها تحصيل العلم القطعي.

وعلى المنوال عينه، لا تمثل ظواهر النصّ القرآني ــ رغم يقينية صدوره ــ عاملاً أساسياً في الاجتهاد العقدي ونحوه، نظراً لظنية الدلالة المستكنّة في هذا النص، بل تعدّ دعامةً ثانويةً مؤيدة لمعطيات العقل في المجالين العقدي والمعرفي العام، وللسبب ذاته غدت آية >وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء< هود: 7، دعامةً عقديةً، لكن بعد
إجراء تعديلات تأويلية في دلالتها، انطلاقاً من الشواهد العقلية والقرائن النقلية، اللهم إلاّ إذا كان هناك دلالة قطعية في نصّ ديني قرآني ما، فيؤخذ به حينئذٍ ويُرجع إليه.

نعم، للعلامة الطباطبائي في خصوص ظواهر القرآن الكريم رأي خاص، يقضي باعتبارها حجةً وكاشفاً عن الواقع، ما لم تقم قرينة قطعية على خلافها، كما هو الحال في معالجته ــ مثلاً ــ لبداية الخلقة الإنسانية وردّ نظرية داروين، والسبب في ذلك، أي امتياز الظواهر القرآنية عن مداليل الروايات، وحجيّة هذه الظواهر حتى في المجال العقدي والتكويني، يمكن أن يرجع:

أولاً: إلى أصالة النص القرآني ومرجعيته العامّة حتى في تقويم الروايات وتمييز صحيحها عن سقيمها.

وثانياً: إلى مبدأ الوضوح القرآني، وأنّ هذا الكتاب في نفسه بيان ومبين وواضح في دلالته ومعانيه، أي مبدأ تفسير القرآن بالقرآن.

وثالثاً: وجود احتمال النقل بالمعنى في كثير من الروايات أو أغلبها، مما يفسح المجال لاحتمال تسرّب وعي الناقل وثقافته ومحيطه الفكري وطاقاته الذهنية إلى داخل النص المنقول، مما يحدث فيه تصرّفاً في الألفاظ والعبارات، على خلاف الحال في النصّ القرآني، إذ لا ريب في أنّها عين الألفاظ التي أعلمها المولى سبحانه لنبيّه الكريم.

ورابعاً: يقينية صدور النص الكتابي في مقابل ظنية صدور الروايات، وهو ما يحتمل أن تكون له علاقة أيضاً.

4 ــ مبدأ عدم تقدّم الأحكام الظنية في العلوم البشرية الأعمّ من التجريبية والإنسانية والقيمية و.. على ظواهر النصوص القرآنية والحديثية، وذلك انطلاقاً من البُعد الفرضي في هذه المناهج، إضافةً إلى عدم امتلاكها كاشفية حتمية عن الواقع، وعدم إفادة الاستقراء سوى الظنّ والتخمين، ومعنى ذلك أنّه لا يمكن حمل الآيات القرآنية على معطيات هذا النوع من العلوم، ومن ثم نسبتها إلى القرآن الكريم أو المعصوم، رغم ما لهذه العلوم من دور إيجابيّ هام في خلق أبعاد جديدة ورؤى خلاّقة لإعادة قراءة الموضوعات على وفقها.

5 ــ الاعتقاد في تفسير القرآن الكريم بدور المدركات العقلية والمشاهدات القلبية وفحوى الروايات في مدّ التفسير بفهمٍ جديد لما وراء ظواهر النصوص، إلى جانب الإقرار بالفهم العرفي وظواهر الآيات، غاية ما في الأمر أن قانون بطون القرآن يساعد على تأييد ظواهره عبر دعم العقليات والشهوديات لهذه الظواهر من خلال تعيين المفاهيم أو تحديد المصاديق، أو وضع اليد على دلالات أكثر دقّة.

بل يذهب بعضهم إلى أن الألفاظ إنّما وضعت أساساً لروح المعاني، وهي
نظرية شكّلت منطلقاً عتيداً لسلسلةٍ من الممارسات التأويلات لنصوص الكتاب والسنّة.

وقد ذهب المتأخرون من العلماء والباحثين ممّن ناصر هذا الاتجاه إلى أنّ الوصول إلى المدلولات الباطنية القرآنية لا يكون إلاّ عبر الظهورات القرآنية نفسها، وفقاً لمبدأ تفسير القرآن بالقرآن، أي أنّه لابد في أيّ ممارسة تأويلية من وجود انسجامٍ بينها وبين الظاهر القرآني، ومن ثم فالتأويل لا يقع على قطيعة مع ظواهر الآيات، بل ينطلق منها بصورة ممنهجة، وفي إطارها، بشرط قدرة ظواهر الآيات على تحمّل المعطى الباطني([6])، لا فرق في ذلك بين أن تكون القرينة المفسِّرة عقليةً أو شهودية.

وانطلاقاً من ذلك، يرفض العلامة الطباطبائي تطويع النص القرآني خدمةً للمعطيات الفلسفية والعرفانية، أو فرض القواعد الفلسفية عليه، إلاّ أنّه مع ذلك يذهب إلى أنّ سبيل العقل والشهود والكشف مؤثر في بلوغ فهمٍ أكثر عمقاً للقرآن، وذلك عبر خلقه أفقاً أوسع، ورؤيةً أكثر رحابة، وقدرةً أقوى على الفهم والوعي والقراءة والاستيعاب… إلى جانب ــ طبعاً ــ منهج تفسير القرآن بالقرآن وروايات أهل البيت E.

ووفقاً للمبدأ أعلاه، إذا قمنا ــ من وجهة نظر أوّلية ــ بتأويل آيةٍ موهمةٍ للجبر أو التفويض سنجد أنّنا في أكثر الحالات لا نمارس تأويلاً حقيقياً، وذلك لأننا نعتمد القرينة المنفصلة التي تضاهي القرينة المتصلة في تكوين الظهور للكلام والدلالة، انطلاقاً من اعتماد منهج تفسير القرآن بالقرآن، والاستفادة من مبدأ: «إنّ القرآن يفسّر بعضه بعضاً وينطق بعضه ببعض»، كما واعتماد قراءة كليانيّة جامعة ومستوعبة لمجمل مقاطع النصّ القرآني وآياته من خلال النظر إلى الروح العامة المبثوثة فيها.

من هنا يصرّح العلامة الطباطبائي: أولاً: بأن الاكتفاء بتفسير آيةٍ قرآنيةٍ واحدةٍ، مع الغفلة عن التدبّر الكلّي في المجمل القرآني وسائر الآيات، وثانياً: وضع مذهب كلامي أو فلسفي أو أفكار شخصيّة ذاتية، مهما كانت صحيحة، موضع الأصل لتدور الآيات القرآنية في فلكه وتكون تابعةً له.. إنّ هذين الأمرين يصرّح العلامة بأنّهما ممنوعان، بل هما مصداق للتفسير بالرأي([7]).

6 ــ يتجلّى هذا الاتجاه التوحيدي الدمجي الذي نتحدّث عنه في مجال الفروع العملية الشرعية ودائرة الأحكام، في المدرسة الأصولية، حيث يدعمها ويساندها بقوّة، ذلك أنّ هذه المدرسة تبدي اعتقاداً صريحاً بدور العلوم اليقينية في الاجتهاد الفقهي في مصادر الأحكام.

وخلاصة القول: إن هذا الاتجاه يعتقد جداً بالوشائج المحكمة التي تربط المناهج الثلاثة العقلية، والقلبية، والنصية، بل يرى أنّها لا تعارض بعضها أبداً في الدوائر التي تشترك فيها، وإن كان لكل واحدة منها دائرته الخاصّة التي تلتقي مع الدوائر الأخرى بنحوٍ من نسبة العموم والخصوص من وجه دون التباين التام، ومن هنا لا يبطل العقل في نطاقه الخاص أيّاً مما أوصل القلب إليه، كما نجده يؤيّد ما استفيد من الشريعة على نحو حاسمٍ ويقيني، أو على الأقل نراه يلتزم الصمت والسكوت، كما أنّه لا ينفي الدائرة التي تتخطّاه وتعلو عليه ــ طور فوق طور
العقل ــ بل يثبتها، وهكذا على المنوال عينه علاقة القلب بالعقل، والقلب بالنص والنقل.

ملاحظة: نلاحظ من خلال المبادئ المشار إليها في هذا الاتجاه امتيازه عن مدرسة تكامل المعرفة الدينية ــ القبض والبسط ــ ، وهي المدرسة التي تعتقد بوجود تأثير وعلاقةٍ بين المعارف الدينية وتلك الخارج دينية بنحو فعل الأخيرة فعلها البيّن في الأولى، ذلك أنّ الاعتقاد بدور رئيس للعقل والكشف ومعطيات العرفان والفلسفة في فهم النصوص العقدية، وتأثيرها الفاعل في استنتاجات الباحث، أي انبناء هاتين المعرفتين النصية من جهة والعقلية الكشفية من جهة على علاقة تأثير وتأثر مؤطّر الدائرة، لا يستدعي الاعتقاد بترابط عام وشامل للمعارف الدينية مع تلك غير الدينية، لتخضع الأولى لصيرورة مستديمة تبعاً لتحوّلات الثانية بشكل شامل ودائم.

وقد لاحظنا في كلمات العلامة الطباطبائي، إثارةً لهذه الإشكالية، وسوف نسعى لعرض موقفه في هذا المجال هنا.

الطباطبائي والاتجاه الدمجي التوليفي ــــــــــ

وقبل الشروع في عرض نظرية الاتجاه الآخر، أعني المدرسة التفكيكية، نحاول ــ مستهدفين استجلاء الموضوع أكثر ــ استبيان الآليات التي يستخدمها هذا المنهج لممارسة الاجتهاد الديني، ما هي أبعاده؟ وما هي طبيعة العلاقة بين العقل والقلب والوحي؟ كما وتحديد نوعية العلاقة التي تربط الفسفة والعرفان، وطبيعة فهم النص القرآني والحديثي… ذلك كلّه نستشرفه وفقاً لنظريات مدرسة العلامة الطباطبائي.

1 ــ العلاقة بين الدين والفلسفة ــــــــــ

يشرح العلامة الطباطبائي المنهج الفلسفي، بوصفه المنحى العقلي في فهم الدين، بالقول: «خلافاً لأوهام جماعة، لا يراد بالبحث الفلسفي معتقدات أمثال أرسطو، وأفلاطون، وسقراط، بجمعها ولملمتها، ثم قبولها قبولاً أعمى… فالقيمة في البحث الفلسفي للنظر، لا للرجال ولا لأصحاب النظر.. فما يقوّم البحث الفلسفي درس كليات عالم الوجود اعتماداً على سلسلة من القضايا البديهية أو النظرية المؤكّدة من البديهيات، باستخدام المنهج الفطري، وذلك لتكوين فهم أو تصوّر لمبدأ خلق العالم، وكيفية إبداعه وتكوّنه، وبدايته، ونهايته»([8]).

ومن هذا النصّ الدالّ تنجلي صورة موقف العلامة من العلاقة الواقعية (العلمية والفنية والفلسفية) للفلسفة بالدين([9])، أما على الصعيد الإثباتي لا الواقعي للفلسفة، وهو ما نقصد به سيرورتها التكوّنية والتاريخية بوصفها انشعاباً من العلوم البشرية، فإنّ الطباطبائي يتحدّث عن علاقته بالوحي وعلوم الشريعة قائلاً: «إنّ مدرسة صدر المتألهين قد حققت نجاحات ملحوظة على صعيد التقريب بين هذه المسالك الثلاثة: الوحي، والعقل، والشهود، نجاحات كانت الفلسفة عبر ألفيّات عدّة من الزمن محرومةً منها»([10]).

2 ــ العلاقة بين الدين والعرفان ــــــــــ

يقدّم لنا الطباطبائي تصوّره عن العرفان والتصوّف بوجودهما الواقعي والثبوتي على الشكل التالي: «يمكننا القول بشكل عام: بأن علاقةً خاصّة تربط أساس الدين، بمعنى القول بالألوهية والخضوع لعالم الغيب، بطريقة التصوّف، ولذلك نجد المتصوّفة حاضرين بين الطوائف الدينية بأجمعها في العالم، بما فيها البوذية والبراهمة، فكل طائفةٍ تودع زمام وجود تمام أجزاء هذا العالم بيدٍ عالم ما فوق الطبيعة…، فريق منهم ينشغل بالتخلية والتجريد للنفس على أمل فهم الأسرار القابعة خلف ستار الغيب.. وهذا هو سبيل التصوّف، وإن تسمّى هؤلاء لدى كل فريقٍ وجماعة باسمٍ خاص بهم.. ولهذا لا يجدر وضع طريقة التصوّف مذهباً خاصّاً إلى جانب سائر المذاهب، فلا يقال مثلاً: بأنّ المذاهب الإسلامية هي: التسنّن، والتشيّع، والاعتزال، والتصوّف و..، بل لكل مذهبٍ من مذاهب الإسلام فريقٌ صوفي وآخر غير صوفي، والتقسيم الحقيقي هو أنّه ثمة سبل ثلاثة لنيل حقائق الوجود وواقعياته، تلك الحقائق التي تدعوا لها الأديان والمذاهب، وتدفع الإنسان نحوها، وهذه السُبُل هي: سبيل ظهورات البيان الديني، وسبيل الاستدلال العقلي مع المنطق الفطري، المسمّى بطريق الفلسفة، وسبيل تصفية النفس والمجاهدات الدينية، وهو سبيل العرفان والتصوّف»([11]).

إن الكلام المنقول آنفاً يدلّل بوضوح على أن التصوّف والعرفان ليس مدرسةً ولا مذهباً في عرض الوحي والشريعة، إنّما هو منحى قلبي يهدف للحصول على بعض المعارف الدينية.

ويبيّن الطباطبائي في كتاب «رسالة التشيع»، وبشكل مفصّل، طرقاً ثلاثة هي:

1 ــ طريق الإرشادات المولوية والتشريعية والوحيانية القائمة على الحقائق التكوينية والفطرة الإنسانية.

2 ــ طريق الاستدلال المنطقي القائم على الواقعية الإنسانية، وتطابق الشعور بالاستدلالي الإنساني مع الواقع.

3 ــ طريق الكشف والمشاهدة، الذي يشكّل البنية التحتية للحياة المعنوية في الإسلام.

وهذه الطرق الثلاثة يعتبرها الطباطبائي طرقاً قرآنية، باحثاً ــ بالتفصيل ــ عن التناسب الحاصل بينها، بما في ذلك توافق الوحي والعقل، وتوافق الشريعة والطريقة([12]).

ويذهب الطباطبائي إلى أنّ الإنسان مضطرّ لاستخدام العقل والعلوم الناتجة عنه في فهم الدين، فغنى الدين وكماله في ذاته، أي في واقعه وعند الله، لا يعني عدم حاجتنا إلى المنطق وبعض العلوم الأخرى في فهمه وإدراكه.

ويجيب العلامة الطباطبائي عن الشبهة القائلة: إنّ تمام ما يحتاجه الإنسان مخزون في الكتاب الإلهي أي القرآن، وأنّه أودع في أخبار أهل البيت E، وعليه، فما هي الحاجة لأفكار الملاحدة والكفار ونتاجاتهم العلمية؟! يجيب بالقول:

أولاً: إن الحاجة إلى العلوم العقلية والمنطقية هي عين الحاجة إلى المنهج الاستدلالي الذي استخدمه المستشكل نفسه، ذلك أنّ صاحب الإشكالية عينه قد ألّف فيها قياساً اقترانياً منطقياً.

ثانياً: إن استغناء الكتاب والسنّة عن أن يضمّ إليهما شيء كي يفيدا معارفهما غير استغناء المتمسّك بالكتاب والسنّة، فقد وقعت ها هنا مغالطة، وبان المستشكل كالإنسان غير المطّلع المستنكف عن تعلّم العلوم بحجّة أنّها جميعها أودعت داخل الفطرة الإنسانية.

ثالثاً: إنّ الكتاب والسنّة بنفسيهما قد دعيا ــ وعلى نطاق واسع ــ لاستخدام المناهج والآليات العقلية الصحيحة، والطريق العقلي الصحيح هو عينه طريق ترتيب المقدّمات البديهية أو تلك المنتهية إلى البديهيات بغية الوصول إلى المطلوب، فقد قال تعالى: >فَبَشِّرْ عِبَادِ * الذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ الله< الزمر: 17 ــ 18، نعم، نهى الكتاب والسنّة عما يخالفهما مخالفةً صريحة، ذلك أنّهما، أي الكتاب والسنّة القطعية، من مصاديق ما دلّ العقل نفسه صريحاً على صدقه وإصابته…

رابعاً: إنّ الحقّ حق أينما كان، وبأيّ طريق حصل، ومن أيّ مأخذٍ أخذ، فلا أثر إطلاقاً لإيمان ولا كفر حامل الحق وبالغه ومبلّغه([13]).

ولكي يجيب العلامة الطباطبائي عن مقولة أنّ الله سبحانه قد تحدّث في كتابه الكريم طبقاً لمألوف الكلام ومتعارفه بين الناس، بما يفهمه أهل اللغة، ومن ثمّ فلسنا بحاجة في فهم كلامه وتعقّله إلى المنطق والفلسفة وسائر موروث الكفار! يدلّل على فساد هذا الرأي، ذلك أنّه لا مفرّ عن استعمال المنطق، تماماً كما فعله المستشكل في إشكاله، فهذا الكلام، كمن يقول بأنّ القرآن قد هدانا إلى المقاصد الدينية، ومن ثم فلسنا بحاجة إلى الكلام اللغوي الذي هو ميراث أهل الجاهلية([14]).

ومن هذا الكلام يتّضح جلياً أنّ معرفة اللغة العقلية والأصول الفكرية التي يمثل المنطق عمدتها، إلى جانب بقية الأسس العقلية القطعية.. حاجة ضرورية لفهم مراد القرآن الكريم ومعانيه.

ويتحدّث الطباطبائي في موضعٍ آخر عن المعارف القرآنية، فيراها على مرتبة سامية سامقة جداً، إلاّ أنّ كل استعداد وطاقة بشرية تدركها بشكل خاص([15])، ونحن نعرف أن من جملة ما يهيئ الاستعداد البشري لوعي معاني القرآن تنمية المعلومات الإنسانية، وتعميقها، ومضاعفة المعرفة و.. إلى جانب تهذيب الذات وتحليتها بالكمالات النفسانية([16])، ويكفي في استجلاء هذه الحقيقة أن نطلّ إطلالةً عابرةً على سيرورة العلوم وصيروتها، علومٍ كالتفسير، والفقه، والحكمة، على امتداد التاريخ والزمن.

ومن الواضح أنّه لابدّ من الالتفات إلى أنّ العلامة الطباطبائي رغم إقراره بتأثير المعلومات اليقينية في فهم المعارف الدينية عبر مسار خاص وفي إطار محدّد، عندما تطابق المادّة المنظورة للطرفين معاً، أو عبر التأييد الذي يقوم به إعمال المنطق وتوظيف الأصول العقلانية… رغم إقراره بذلك، إلاّ أنّه لا يقبل بنسبيّة الفهم الديني، أو بشمولية مبدأ التأثير والتأثر بين الدين وتمام المعطيات المعرفية البشرية، وربط الدين بالتحوّلات العلمية، يقول: «فإن قلت: لا مناص من عروض التحوّل في جميع ما ذكرت أنّه مستغنٍ عنه، كالاعتقادات والأخلاق الكلية ونحوها، فإنّها جميعاً تتغيّر بتغيّر الأوضاع الاجتماعية والمحيطات المختلفة، ومرور الأزمنة، فلا يجوز أن ينكر أنّ الإنسان الجديد تغاير أفكارُه أفكار الإنسان القديم، وكذا الإنسان يختلف نحو تفكّره بحسب اختلاف مناطق حياته، كالأراضي الاستوائية والقطبية والنقاط المعتدلة، وكذا بتفاوت أوضاع حياته، من خادم ومخدوم، وبدوي وحضري، ومثرٍ ومعدم، وفقير وغني ونحو ذلك، فالأفكار والآراء تختلف باختلاف العوامل، وتتحوّل بتحوّل الأعصار بلا شك كائنةً ما كانت.

قلت: الإشكال مبنيّ على نظرية نسبية العلوم والآراء الإنسانية، ولازمها كون الحقّ والباطل، والخير والشر أموراً نسبية إضافية، فالمعارف الكلية النظرية المتعلقة بالمبدأ والمعاد، وكذا الآراء الكلية العملية، كالحكم بكون الاجتماع خيراً للإنسان، وكون العدل خيراً (حكماً كلياً لا من حيث انطباقه على المورد) تكون أحكاماً نسبية متغيّرة بتغيّر الأزمنة والأوضاع والأحوال، وقد بيّنا في محلّه فساد هذه النظرية من حيث كليّتها»([17]).

وسوف نبيّن الأبعاد الأخرى لهذا الاتجاه في مطاوي دراسة المدرسة التفكيكية.

2 ــ الاتجاه التفكيكي ــــــــــ

إذا اعتبرنا نظرية القبض والبسط، كما مرّت إجمالاً، الجانبَ الإفراطي في اتكاء المعارف الدينية على المعارف البشرية، فإن المدرسة التفكيكية تمثل الخط المقابل تماماً، أي قمة التفريط، ذلك أنّها تعتقد بعدم إمكان بلوغ جوهر الدين وروحه، إلاّ عبر تفكيك المعطيات البشرية عن الإسلام بخلوصه وصفائه، وبعبارةٍ أخرى إمكانية التحرّر من المدركات الذهنية، والأحكام أو المفروضات القبلية المنبثقة من المعارف البشرية، لا بل ضرورة هذا التحرّر والانفلات.

ونشير هنا إلى بعض الأسس الهامّة لهذه المدرسة وهي:

1 ــ الأطروحة الأساسية في النظام الفكري للمدرسة التفكيكية تقوم على التفكيك بين اتجاهات ثلاثة هي: العقل، والوحي، والكشف، بوصفها سبلاً ومناهج معرفية متباينة، والكشف عن الانفصال والتخارج الواقع بين معطيات كلّ منها، عندما يمكن قولبتها في إطار ما يسمى المعرفة الدينية، والمعرفة الفلسفية، والمعرفة العرفانية، أي أن المطلوبَ قراءةٌ خالصة خلوصة لكل تجاه، بغية فهم أبعاده وبلوغ أعماقه ومغازيه.

ويذهب اتجاه التفكيك ــ منذ البداية ــ إلى اعتبار الفلسفة والعرفان مدارس في عرض الوحي وعلى تباينٍ معه، وأن معظم خلافات المذاهب الإسلامية واختلافاتها، وكذلك المدارس الفكرية المتنوّعة، تنبعث من هذه الإقحامات التي قامت بها الفلسفة والعرفان، ومن اختلاط العلوم بعضها ببعضها الآخر، وهذا معناه أن تطبيق المنهج التفكيكي يمنحنا ضمانةً للوصول إلى الوحدة العقدية، بل إلى الإسلام الأصيل نفسه.

ويطبّق المذهب التفكيكي مقولته هذه في الفلسفة والعرفان والوحي بشقيها الثبوتي الواقعي النفس أمري، والإثباتي التاريخي أيضاً([18]).

2 ــ رفض مبدأ التأويل: التأويل في القراءة التفكيكية جهد تكلّفي لإيقاع الانسجام وتحقيق التوافق بين الدين وجملة النتائج المولّدة داخل علوم الناس وآرائها وعقائدها، إنّه عامل من عوامل الإطاحة بخلوص التفكيك، وعنصر من عناصر تغطية الأهداف والمفاهيم الرئيسية لهذه المدرسة، بل هو خلط بين الدين وبقية المعارف البشرية. إن امتزاج الفلسفة، والعرفان، والميول الفكرية المختلفة بالدين ونفوذها داخل دائرته فرض ــ لزاماً ــ توظيف مبدأ التأويل، والحال أن هذا المبدأ لا يفضي سوى إلى خلط المعطيات المعرفية، والتفكير من مواقع متبادلة.

3 ــ من الموائز الأساسية لمدرسة التفكيك الالتزام الصارم بالآيات والروايات في أصول الدين والتعبّد بالمعارف، رغم عدم وجود إشارة لحدود هذا الالتزام وضوابطه، بل كان مبهماً في ممارسته عملياً، فمثلاً: هل هذا الالتزام والتعبد محصور في إجمال ما أنزل الله أو أنّه يجري في التفاصيل؟ وعلى التقدير الثاني فهل مدلولات الأخبار ــ مطلقاً متواترة كانت أم مستفيضةً أم آحاداً ــ حجة أم هناك تفصيل يفترض تبنّيه؟ وأيّهما المقدّم في حالات التعارض: مدلول الحديث وظاهر الآية أو القضايا العقلية اليقينية؟ بل أيّهما المقدّم عند التعارض: ظاهر القرآن أم ظاهر الحديث الشريف؟

وما شابه هذه الأسئلة والموضوعات..

4 ــ يركّز رادة المدرسة التفكيكية على السيرورة التاريخية للحضارة الإسلامية وثقافة المسلمين، ويبذلون جهوداً ملحوظة لرصد المدارس الفكرية المختلفة التي نمت داخل الفرق والمذاهب الإسلامية وفهمها، دون نظر فعلاً لمدَيات السعة أو التتبّع أو العمق أو السطحية أو الريادة التي مارسها هؤلاء الرادة والمؤسّسون.

ويمكننا فهم المحاور الرئيسية التي تركّزت جهود التفكيكيين عليها عبر مرورٍ سريع على الفهرست الذي قدّمه لنا الأستاذ محمد رضا الحكيمي.

أ ــ بيان إطار البحث في كيفية تكوّن الثقافة الإسلامية.

ب ــ نقاط اشتراك الاتجاهات الفكرية في إطار نموّ هذه الثقافة.

ج ــ المصادر اليقينية أو المحتملة للعناصر الفلسفية والكلامية والثقافية للمدارس الإسلامية المختلفة.

د ــ تحليل فروع الثقافة الإسلامية وانشعاباتها.

هـ ــ دراسة حال بعض المدارس من حيث 1 ــ مسألة التأويل 2 ــ التشيّع وعدمه 3 ــ التقيّد العملي بالإسلام.

و ــ التعريف بالاتجاهات الفلسفية والعرفانية في الإسلام، بوصفها حركات التقاطية.

ز ــ بيان خصائص العقل، والوحي، والقلب (الكشف).

ح ــ بيان بعض المشخّصات التاريخية والشكلية للمدرسة التفكيكية([19]).

نقد أصول المدرسة التفكيكية من وجهة نظر الطباطبائي ــــــــــ

كما ذكرنا، استند الأستاذ الحكيمي ــ في دراسته حول المدرسة التفكيكية ــ إلى كلمات العلامة الطباطبائي لدعم نظريته في هذه المدرسة، وهي خطوة نراها مدعاةً للتعجّب والاستغراب، فهي تشبه لدى المطّلع على المدرسة التفكيكية والمدرسة الطباطبائية، القول بأن الوحيد البهبهاني أخباريّ أو أنّ الأمين الاسترآبادي رجل أصولي، والسبب في ذلك أنّ العلامة الطباطبائي يصرّح في نصوص بالغة الكثرة ليس بعدم القطيعة بين دوائر المعارف الثلاث: العقلية، والقلبية، والدينية، بل ــ وكما سنرى من نصوصه التي سوف نستحضرها من كتاب الميزان ــ كان بنفسه مواجهاً لهذه المقولات التفكيكية، وراداً لشبهاتها، وناقداً لها.

تعرّض العلامة الطباطبائي لهذا الموضوع ضمن المبحث القرآني والروائي الذي عقده ذيل الآية التاسعة عشرة من سورة المائدة، ذاكراً أجوبةً دقيقة ومفصّلة على مقولات أولئك المتناغمين مع مقولات مدرسة التفكيك اليوم، والقائلين بضرورة الرجوع إلى المصادر الشرعية وأحاديث أهل بيت العصمة E، دون الاستفادة من نتاجات التفكير والشهود القطعية المؤكّدة، معتبرين سبيل الفلسفة والعرفان مخالفاً للسبيل الأصيل للسلف الصالح، بل هو مخالف للمنهج القرآني ونهج السنّة.

ونحاول هنا ذكر الشبهة التي ذكرها الشيخ مجتبى القزويني ]أحد أعلام مدرسة التفكيك[ في مقدّمة كتاب بيان الفرقان، عبر نقل كلام العلامة الطباطبائي في استعراضها وردّها.

يقول الطباطبائي: «وقول بعضهم ـ فيما ذكره ـ : إن طريق السلف الصالح كان مبايناً لطريق الفلسفة والعرفان، وكانوا يستغنون بالكتاب والسنة عن استعمال الأصول المنطقية والعقلية كالفلاسفة، وعن استعمال طرق الرياضة كالعرفاء.

ثم لما نقلت فلسفة يونان في عصر الخلفاء إلى العربية رام المتكلمون من المسلمين ــ وقد كانوا من تبعة القرآن ــ إلى تطبيق المطالب الفلسفية على المعارف القرآنية، فتفرقوا بذلك إلى فرقتي الأشاعرة والمعتزلة، ثم نبغ آخرون في زمان الخلفاء تسمّوا بالصوفية والعرفاء، كانوا يدّعون كشف الأسرار والعلم بحقائق القرآن، وكانوا يزعمون أنهم في غنى عن الرجوع إلى أهل العصمة والطهارة، وبذلك امتازت الفقهاء والشيعة ــ وهم المتمسكون بذيلهم E ــ عنهم، ولم يزل الأمر على ذلك إلى ما يقرب من أواسط القرن الثالث عشر من الهجرة (قبل مائة سنة تقريباً)، وعند ذلك أخذ هؤلاء (يعني الفلاسفة والعرفاء) في التدليس والتلبيس، وتأويل مقاصد القرآن والحديث إلى ما يوافق المطالب الفلسفية والعرفانية، حتى اشتبه الأمر على الأكثرين.

واستنتج ]أي صاحب هذا القول[ من ذلك أن هذه الأصول مخالفة للطريقة الحقة التي يهدي إليها الكتاب والسنة.

ثم أورد بعض الإشكالات على المنطق ــ مما أوردناه ــ كوجود الاختلاف بين المنطقيين أنفسهم، ووقوع الخطأ مع استعماله، وعدم وجود البديهيات واليقينيات ــ بمقدارٍ كاف ــ في المسائل الحقيقيّة، ثم ذكر مسائل كثيرة من الفلسفة، وعدّها جميعاً مناقضةً لصريح ما يستفاد من الكتاب والسنة.

هذا محصل كلامه وقد لخّصناه تلخيصاً.

وليت شعري! أي جهة من الجهات الموضوعة في هذا الكلام على كثرتها تقبل الإصلاح والترميم، فقد استظهر الداء على الدواء.

أما ما ذكره من تاريخ المتكلمين وانحرافهم عن الأئمة E، وقصدهم إلى تطبيق الفلسفة على القرآن وانقسامهم بذلك إلى فرقتي الأشاعرة والمعتزلة، وظهور الصوفية وزعمهم أنهم ومتّبعيهم في غنى عن الكتاب والسنّة، وبقاء الأمر على هذا الحال، وظهور الفلسفة العرفانية في القرن الثالث عشر.. كل ذلك مما يدفعه التاريخ القطعي، وسيجيء إشارة إلى ذلك كلّه إجمالاً.

على أن فيه خطأ فاحشاً بين الكلام والفلسفة، فإن الفلسفة تبحث بحثاً حقيقياً ويبرهن على مسائل مسلمة بمقدمات يقينية، والكلام يبحث بحثاً أعم من الحقيقي والاعتباري، ويستدل على مسائل موضوعة مسلمة بمقدمات هي أعم من اليقينية والمسلمة، فبين الفنّين أبعد مما بين السماء والأرض، فكيف يتصوّر أن يروم أهل الكلام في كلامهم تطبيق الفلسفة على القرآن؟ على أن المتكلّمين لم يزالوا ــ منذ أول ناجم نجم منهم إلى يومنا هذا ــ في شقاق مع الفلاسفة والعرفاء، والموجود من كتبهم ورسائلهم والمنقول من المشاجرات الواقعة بينهم أبلغ شاهد يشهد بذلك.

ولعلّ هذا الإسناد مأخوذ من كلام بعض المستشرقين القائل بأن نقل الفلسفة إلى الإسلام هو الذي أوجد علم الكلام بين المسلمين. هذا، وقد جهل هذا القائل معنى الكلام والفلسفة، وغرض الفنّين، والعلل الموجبة لظهور التكلّم، ورمى من غير مرمى.

وأعجب من ذلك كلّه، أنه ذكر بعد ذلك: الفرق بين الكلام والفلسفة، بأن البحث الكلامي يروم إثبات مسائل المبدء والمعاد مع مراعاة جانب الدين، والبحث الفلسفي يروم ذلك من غير أن يعتني بأمر الدين، ثم جعل ذلك دليلاً على كون السلوك من طريق الأصول المنطقية والعقلية سلوكاً مبايناً لسلوك الدين، مناقضاً للطريق المشروع فيه هذا، فزاد في الفساد، فكلّ ذي خبرةٍ يعلم أن كل من ذكر هذا الفرق بين الفنّين أراد أن يشير إلى أن القياسات المأخوذة في الأبحاث الكلامية جدلية مركبة من مقدمات مسلمة: (المشهورات والمسلمات)، لكون الاستدلال بها على مسائل مسلمة، وما أُخذ في الأبحاث الفلسفية منها قياسات برهانية يراد بها إثبات ما هو الحق لا إثبات ما سلّم ثبوتها تسليماً، وهذا غير أن يقال. إن أحد الطريقين (طريق الكلام) طريق الدين، والآخر طريق مباين لطريق الدين، لا يعتنى به وإن كان حقاً.

وأما ما ذكره من الإشكال على المنطق والفلسفة والعرفان، فما اعترض به على المنطق قد تقدّم الكلام فيه، وأما ما ذكره في موضوع الفلسفة والعرفان فإن كان ما ذكره على ما ذكره وفهم منه ثم ناقض ما هو صريح الدين الحق فلا ريب لمرتاب في أنه باطل، ومن هفوات الباحثين في الفلسفة أو السالكين مسلك العرفان وأغلاطهم، لكن الشأن في أن هفوات أهل فن وسقطاتهم وانحرافهم لا تُحْمَل عل عاتق الفن، وإنما يحمل على قصور الباحثين في بحثهم([20]).

وكان عليه أن يتأمل الاختلافات الناشئة بين المتكلّمين: أشعريهم ومعتزليهم وإماميهم، فقد اقتسمت هذه الاختلافات الكلمة الواحدة الإسلامية، فجعلتها ــ بادء بدء ــ ثلاثاً وسبعين فرقة، ثم فرقت كل فرقة إلى فرق، ولعل فروع كل أصل لا ينقص عدداً من أُصولها.

فليت شعري هل أوجد الاختلافات شيء غير سلوك طريق الدين؟! وهل يسع لباحث أن يستدل بذلك على بطلان الدين وفساد طريقه؟! أو يأتي هنا بعذر لا يجري هنا؟! أو يرمي أُولئك برذيلة معنوية لا توجد عينها أو مثلها في هؤلاء؟! ونظير فنّ الكلام في ذلك الفقه الإسلامي، وانشعاب الشعب والطوائف فيه، ثم الاختلافات الناشئة بين كل طائفة أنفسهم، وكذلك سائر العلوم والصناعات على كثرتها واختلافها.

وأما ما استنتج من جميع كلامه من بطلان جميع الطرق المعمولة وتعيّن طريق الكتاب والسنّة، وهو مسلك الدين، فلا يسعه إلاّ أن يرى طريق التذكر([21]) وهو الذي نسب إلى أفلاطون اليوناني، وهو أن الإنسان لو تجرّد عن الهوسات النفسانية وتحلّى بحلية التقوى والفضائل الروحية ثم رجع إلى نفسه في أمرٍ بان له الحق فيه.

وهذا هو الذي ذكروه، وقد اختاره بعض القدماء من يونان وغيرهم وجمع من المسلمين، وطائفة من فلاسفة الغرب، غير أن كلا من القائلين به قرره بوجه آخر:

فمنهم من قرّره على أن العلوم الإنسانية فطرية بمعنى أنها حاصلة له، موجودة معه بالفعل في أول وجوده، فلا جرم يرجع معنى حدوث كل علم له جديد إلى حصول التذكر. ومنهم من قرره على أن الرجوع إلى النفس بالانصراف عن الشواغل المادية يوجب انكشاف الحقائق، لا بمعنى كون العلوم عند الإنسان بالفعل بل هي له بالقوة، وإنما الفعلية في باطن النفس الإنسانية المفصولة عن الإنسان عند الغفلة الموصولة به عند التذكّر، وهذا ما يقول به العرفاء وأهل الإشراق وأترابهم من سائر الملل والنحل. ومنهم من قرّره على نحو ما قرّره العرفاء، غير أنه اشتراط في ذلك التقوى واتباع الشرع ــ علماً وعملاً ــ كعدّة من المسلمين ممن عاصرناهم وغيرهم، زعماً منهم أن اشتراط اتباع الشرع يفرق ما بينهم وبين العرفاء والمتصوفة، وقد خفي عليهم أن العرفاء سبقوهم في هذا الاشتراط، كما يشهد به كتبهم المعتبرة الموجودة، فالقول عين ما قال به المتصوفة، وإنما الفرق بين الفريقين في كيفية الاتباع وتشخيص معنى التبعية، وهؤلاء يعتبرون في التبعية مرحلة الجمود على الظواهر محضاً، فطريقهم طريق مولَّد من تناكح طريقي المتصوفة والأخبارية، إلى غير ذلك من التقريرات([22]).

والقول بالتذكر إن لم يرد به إبطال الرجوع إلى الأصول المنطقية والعقلية لا يخلو من وجه صحةٍ في الجملة، فإن الإنسان حينما يوجد بهويته يوجد شاعراً بذاته وقوى ذاته وبعلله، عالماً بها علماً حضورياً، ومعه من القوى ما يبدل علمه الحضوري إلى علم حصولي. ولا توجد قوة هي مبدء الفعل إلا وهي تفعل فعلها، فللإنسان في أول وجوده شيء من العلوم وإن كانت متأخرةً عنه بحسب الطبع لكنه معه بالزمان، هذا، وأيضاً حصول بعض العلوم للإنسان إذا انصرف عن التعلقات المادية بعض الانصراف لا يسع لأحد إنكاره.

وإن أُريد بالقول بالذكر إبطال أثر الرجوع إلى الأصول المنطقية والعقلية، بمعنى أن ترتيب المقدمات البديهية المتناسبة يوجب خروج الإنسان من القوة إلى الفعل بالنسبة إلى العلم بما يعد نتيجة لها، أو بمعنى أن التذكر بمعنى الرجوع إلى النفس بالتخلية يغني الإنسان عن ترتيب المقدمات العلمية لتحصيل النتائج، فهو من أسخف القول الذي لا يرجع إلى محصّل.

ما القول بالتذكر بمعنى إبطاله الرجوع إلى الأصول المنطقية والعقلية، فيبطله أولاً: أن البحث العميق في العلوم والمعارف الإنسانية يعطي أن علومه التصديقية تتوقف على علومه التصورية، والعلوم التصورية تنحصر في العلوم الحسية أو المنتزع منها بنحو من الأنحاء([23])، وقد دلّ القياس والتجربة على أن فاقد حسّ من الحواس فاقد لجميع العلوم المنتهية إلى ذلك الحس، تصوريةً كانت أو تصديقية، نظريةً كانت أو بديهية، ولو كانت العلوم موجودةً للهوية الإنسانية بالفعل لم يؤثر الفقد المفروض في ذلك، والقول بأن العمى والصمم ونحوهما مانعة عن التذكر رجوع عن أصل القول، وهو أن التذكر بمعنى الرجوع إلى النفس بالانصراف عن التعلّقات المادية مفيد لذكر المطلوب بارتفاع الغفلة.

وثانياً: أن التذكر إنما يوفّق له بعض أفراد هذا النوع، وعامة الأفراد يستعملون في مقاصدهم الحيوية سنّة التأليف والاستنتاج، ويستنتجون من ذلك الألوف بعد الألوف من النتائج المستقيمة، وعلى ذلك يجري الحال في جميع العلوم والصناعات، وإنكار شيء من ذلك مكابرة، وحمل ذلك على الاتفاق مجازفة، فالأخذ بهذه السنّة أمر فطري للإنسان لا محيد عنه، ومن المحال أن يجهّز نوع من الأنواع بجهاز فطري تكويني ثم يخبط في عمله، ولا ينجح في مسعاه.

وثالثاً: أن جميع ما ينال هؤلاء بما يسمونه تذكراً يعود بالتحليل إلى مقدمات مترتبة ترتيباً منطقياً بحيث يختل أمر النتيجة فيها باختلال شيء من الأصول المقرّرة في هيئتها ومادتها، فهم يستعملون الأصول المنطقية من حيث لا يحسّون به، والاتفاق والصحابة الدائمان لا محصّل لهما، وعليهم أن يأتوا بصورة عملية تذكرية صحيحة لا تجري فيها أصول المنطق.

وأما القول بالتذكر بمعنى إغنائه عن الرجوع إلى الأصول المنطقية ــ ويرجع محصّله إلى أن هناك طريقين: طريق المنطق وطريق التذكر باتباع الشرع مثلاً، والطريقان سواء في الإصابة أو أن طريق التذكّر أفضل وأولى لإصابته دائماً؛ لموافقته قول المعصوم بخلاف طريق المنطق والعقل ــ ففيه خطر الوقوع في الغلط دائماً أو غالباً.

وكيف كان، يرد عليه الإشكال الثاني الوارد على ما تقدّمه، فإن الإحاطة بجميع مقاصد الكتاب والسنة ورموزها وأسرارها على سعة نطاقها العجيبة غير متأتّ إلاّ للآحاد من الناس المتوغلين في التدبر في المعارف الدينية على ما فيها من الارتباط العجيب، والتداخل البالغ بين أُصولها وفروعها، وما يتعلق منها بالاعتقاد وما يتعلق منها بالأعمال الفردية والاجتماعية، ومن المحال أن يكلّف الإنسان تكويناً بالتجهيز التكويني بما وراء طاقته واستطاعته أو يكلّف بذلك تشريعاً، فليس على الناس إلا أن يعقلوا مقاصد الدين بما هو الطريق المألوف عندهم في شؤون حياتهم الفردية والاجتماعية، وهو ترتيب المعلومات لاستنتاج المجهولات، والمعلوم من الشرع بعض أفراد المعلومات لقيام البرهان على صدقه.

ومن العجيب أن بعض القائلين بالتذكّر جعل هذا بعينه وجهاً للتذكّر على المنطق، فذكر أن العلم بالحقائق الواقعية إن صح حصوله باستعمال المنطق والفلسفة ــ ولن يصحّ ـ فإنّما يتأتّى ذلك لمثل أرسطو وابن سينا من أوحديّي الفلسفة، وليس يتأتى لعامّة الناس، فكيف يمكن أن يأمر الشارع باستعمال المنطق والأصول الفلسفية طريقاً إلى نيل الواقعيات؟ ولم يتفطن أن الإشكال بعينه مقلوب عليه، فإن أجاب بأن استعمال التذكر ميسور لكل أحد على حسب اتباعه، أجيب بأنّ استعمال المنطق ـ قليلاً أو كثيراً ـ ميسور لكلّ أحد، على حسب استعداده لنيل الحقائق، ولا يجب لكل أحد أن ينال الغاية، ويركب ما فوق الطاقة.

ويرد عليه ثانياً: الإشكال الثالث السابق، فإن هؤلاء يستعملون طريق المنطق في جميع المقاصد التي يبدونها باسم التذكّر، كما تقدّم حتى في البيان الذي أوردوه لإبطال طريق المنطق وتحقيق طريق التذكّر، وكفى به فساداً.

ويرد عليه ثالثاً: أن الوقوع في الخطأ واقع بل غالب في طريق التذكّر الذي ذكروه، فإن التذكّر ــ كما زعموه ــ هو الطريق الذي كان يسلكه السلف الصالح دون طريق المنطق، وقد نقل الاختلاف والخطأ فيما بينهم بما ليس باليسير، كعدة من أصحاب النبي 2 ممن اتفق المسلمون على علمه واتّباعه الكتاب والسنة، أو اتفق الجمهور على فقهه وعدالته، وكعدة من أصحاب الأئمة على هذه النعوت، كأبي حمزة، وزرارة، وأبان، وأبي خالد، والهشامين، ومؤمن الطاق، والصفوانيين وغيرهم، فالاختلافات الأساسية بينهم مشهورة معروفة، ومن البيّن أن المختلفين لا ينال الحق إلاّ أحدهما، وكذلك الفقهاء والمحدثون من القدماء، كالكليني، والصدوق، وشيخ الطائفة، والمفيد، والمرتضى، وغيرهم رضوان الله عليهم، فما هو مزية التذكّر على التفكّر المنطقي؟ فكان من الواجب حينئذ التماس مميز آخر غير التذكر يميز بين الحق والباطل، وليس إلاّ التفكر المنطقي فهو المرجع والموئل.

ويرد عليه رابعاً: أن محصل الاستدلال أن الإنسان إذا تمسّك بذيل أهمية العصمة والطهارة لم يقع في خطأ، ولازمه ما تقدم أن الرأي المأخوذ من المعصوم فيما سمعه منه سمعاً يقينياً وعلم بمراده علماً يقينياً لا يقع فيه خطأ، وهذا مما لا كلام فيه لأحد.

وفي الحقيقة المسموع من المعصوم أو المأخوذ منه مادة ليس هو عين التذكّر ولا الفكر المنطقي، ثم يعقبه هو أن: هذا ما يراه المعصوم، وكل ما يراه حق، فهذا حق، وهذا برهان قطعي النتيجة، وأما غير هذه الصورة من مؤديات أخبار الآحاد أو ما يماثلها مما لا يفيد إلاّ الظن، فان ذلك لا يفيد شيئاً ولا يوجد دليل على حجية الآحاد في غير الأحكام، إلاّ مع موافقة الكتاب ولا الظن يحصل على شيء مع فرض العلم على خلافه من دليل علمي»([24]).

وقفة ــــــــــ

يمكن ــ اعتماداً على نتاجات رجال مدرسة التفكيك، من الميرزا مهدي الإصفهاني وحتّى الأستاذ محمد رضا الحكيمي ــ استنتاج القضية التالية: واحد من مظاهر سوء الفهم والتفاهم الذي وقع داخل هذه المدرسة، الخلط بين الجانب الإثباتي للدين والهوية التاريخية للعلم والدين معاً من جهة والجانب الثبوتي المعرفي لهما.

إنّ اعتماد محمد رضا الحكيمي كثيراً على تاريخ الفلسفة والعرفان، واعتباره أهمّ من العلمين أنفسهما، والقول بأنّ معرفة العلم والجهل بتاريخه وتحوّلاته، وعدم فصل مراحله التاريخية عن بعضها بعضاً يخدش بعلمية العلم وهويته الخاصّة([25])، كما والسعي الدؤوب للكشف عن جذور نفوذ الآراء المختلفة في ميدان العلوم الإسلامية ودوافعه ومبادئه… ذلك كلّه يؤيّد ادّعاءنا بمضاعفة الاهتمام بالجانب الإثباتي، والتكوين التاريخي للعلوم العقلية والعرفانية.

من هنا، وقف التفكيكيون موقفاً حذراً من جملة قضايا وعلوم، حتى لو كانت حقّة وصادقة، وذلك لمجرّد شباهتها بأفكار اليونانيين، بل اعتبروها ــ لذلك ــ علوماً غير إسلامية، رغم أنّ بعض الباحثين والمحققين المسلمين قد اعتبروا الجذور العرفانية والفلسفة الإسلامية كامنةً في القرآن الكريم والخطب التوحيدية للمعصومين E، وبعض رواياتهم العميقة في هذا المجال، علاوةً على سيرتهم العملية([26]).

على أيّ حال، عدم تفكيك محمد رضا الحكيمي بين المقامين المشار إليهما هو ما أدّى به إلى اعتبار العلامة الطباطبائي مدافعاً عن مدرسة التفكيك أو مؤيّداً لها([27])، والحال أن مروراً ــ ولو عابراً وسريعاً ــ على الأعمال العلمية الطباطبائية، ومع التأمّل فيما نقله، يعدّ ــ أي الطباطبائي ــ من أعلام الاتجاه التوليفي الاتحادي القائل بتطابق العقل والقلب والوحي، بل إننا نلاحظ هذا الأمر واضحاً حتى في ذلك النص الذي أحضره الأستاذ الحكيمي عن العلامة الطباطبائي حين يقول الأخير: «والذي يقضي به في ذلك الكتابُ والسنّة ــ وهما يهديان إلى حكم العقل ــ هو أنّ القول بأنّ تحت ظواهر الشريعة حقائق هي باطنها حق، والقول بأنّ للإنسان طريقاً إلى نيلها حق، ولكن الطريق إنما هو استعمال الظواهر الدينية على ما ينبغي من الاستعمال لا غير، وحاشا أن يكون هناك باطن لا يهدي إليه ظاهر، والظاهر عنوان الباطن وطريقه، وحاشا أن يكون هناك شيء آخر أقرب مما دلّ عليه شارع الدين غفل عنه أو تساهل في أمره أو أضرب عنه لوجهٍ من الوجوه بالمرّة… وقد عرفت أنّ الكتاب يصدق من كلّ الطرق ما هو حق، وحاشا أن يكون هناك باطن حق ولا يوافقه ظاهره([28])، وحاشا أن يكون هناك حق من ظاهر أو باطن والبرهان الحق يدفعه ويناقضه»([29]).

وأمّا ما نقله الحكيمي عن الطباطبائي في الميزان لدى حديثه عن التاريخ الإجمالي العام للفكر الإسلامي، فإنّما يهدف للحديث عن السيرورة التاريخية لتحوّل العلوم العقلية والحضارة الإسلامية، وإبداء الأسف على ابتعاد العلوم التي تعدّ في واقعها مؤيدةً ومتقاربة من بعضها بعضاً، مثل علوم الشريعة، وتفسير القرآن مع الفلسفة والعرفان و.. ابتعادها عن بعضها، وصيرورتها شعباً متقاطعة من العلوم الإسلامية، كما يهدف لانتقاد أهل العلم في عجزهم عن التقريب التام بين القرآن والبرهان، ولا دلالة في هذا النص على اعتقاد الطباطبائي بالقطيعة ما بين المعارف القرآنية والدينية والمعطيات الفلسفية والعرفانية، أو اعتبار هذه الجهود عبثيةً ضحلة.

وعليه، فتأسّف العلامة الطباطبائي وانتقاده إنما تركّز على المسار العلمي لعملية التقارب والتطابق بين العلوم والمعارف المشار إليها، لا على أصل النظرية والمبدأ، وإلاّ كيف لا يدرك المطّلع على نتاجاته أنّه بذل عمره وقصارى جهده لإبلاغ هذا الأمر، وهو أن الدين وفهمه الأصيل إنما يملكهما البرهان الصحيح والشهود الحقّ، وأنّ هذه المنافذ المعرفية غير متنافية مع بعضها، بل هي في تطابق وانسجام دائمين؟!

حوار دالّ ــــــــــ

ولكي نكمل البحث نذكر ــ باختصار وتصرّف ــ نص السؤال والجواب ما بين العلامة الطباطبائي وأحد القائلين بما يشبه مقولات مدرسة التفكيك، وهو على الشكل التالي:

السؤال الأوّل: هل كانت فلسفة اليونان التي نفذت إلى داخل المجتمع الإسلامي بعد قرون من البعثة عقب ترجمتها إلى العربية.. هل كانت تهدف إلى تعرّف المسلمين على العلوم التي تقع خارج جغرافيا بلادهم، أم أنّ ذلك كان مجرّد حجةٍ لكي يحولوا عبرها بين الناس وبين الرجوع إلى أهل البيت E؟

الجواب: ظاهر الحال أنّ هذا العمل قد أنجز بهدف ترسيخ أسس الأمّة الإسلامية، وتحقيق الأهداف الدينية، تماماً كما وجدنا القرآن الكريم يؤكّد ــ مراراً وتكراراً ــ على التعقل في شؤون الخلق كافّةً والتدبر والتفكير، لكن في الوقت عينه، حيث كانت الحكومات القائمة عصر المعصومين E بعيدةً عن أهل البيت E، يمكن القول بأنّ ترجمة الفلسفة واللاهوت اليوناني كانت تهدف سدّ بيوتهم E.

لكن هل كان ذلك الفعل غير المبرّر من جانب حكومات العصر، وسوء الاستفادة من وراء ترجمة هذا الموروث وإشاعته مجيزاً لنا ترك أبحاث الفلسفة اليونانية أو الاستغناء عنها؟ هل كان منطقياً ــ مع ذلك ــ تجنّب الانشغال بموضوعاتها ومقولاتها؟

إن محتوى الإلهيات اليونانية مجموعة من المباحث العقلية المحضة التي تثبت في نتيجتها الصانع تعالى، كما تثبت وجوب وحدانيّته وسائر صفاته الكمالية، وكذلك لوازم وجوده من النبوّة والمعاد.. وهي برمّتها قضايا يفترض أن يبتدأ بإثباتها عن طريق العقل بوصفها أصولاً للدين، وذلك لكي يتأمّن ــ عبر ذلك ــ ما يثبت لنا القرآن والسنّة ويمنحهما الاعتبار والحجية.

السؤال الثاني: هل ما استوعبته الفلسفة الإلهية اليونانية مستبطنٌ داخل النصوص الإسلامية وروايات المعصومين E أم لا؟ فإذا كان مستبطناً فعلاً فما هي الحاجة بعد ذلك إلى الفلاسفة، وإذا لم يكن الأمر كذلك علمنا أنّ الفلسفة اليونانية هي التي أكملت الإسلام وجعلته تاماً؟

الجواب: تستوعب الخطابات الدينية ومحتويات الكتاب والسنّة تمام المعارف العقدية والعملية إجمالاً أو تفصيلاً، إلاّ أننا إذا أردنا أن نبحث هذه المعارف المنضوية تحت النصّ الديني بحثاً عالياً ورفيعاً (وهي معارف ألقيت على مستويات مختلفة من الإدراك والوعي والطاقة والاستعداد الإنساني، كما صبغت بخطابات عامّة يمكن للجميع استخدامها وفهمها) ونحصل على مضامينها السامية التي لا يدركها إلاّ نوع من الأفهام الخاصّة النوعية، فلا مفرّ لنا من وضع سلسلةٍ من الاصطلاحات الخاصّة، وترتيب الموضوعات ترتيباً معيّناً، وتنظيم المسائل بشكلٍ محدّد.

إضافةً إلى ذلك، لا يعني استخدام مباحث اللاهوت الفلسفي تكميلاً للمعارف الدينية، إنما وسيلة للاستفادة منها، تماماً كما هو الحال في استخدام قواعد المنطق لاستنتاج المعارف الإسلامية، أو توظيف قواعد أصول الفقه لاستنباط الأحكام الدينية، حيث لا يعني ذلك أبداً تكميل المعارف الدينية الإسلامية أو الأحكام العملية للإسلام.

السؤال الثالث: عقب قرون من الجهود الشيعية القائمة، بلغت الفلسفة أوجها، هل يمكن استنباط ما أتى به الملا صدرا في الأسفار الأربعة وسائر كتبه.. من نصوص الآيات والأخبار، أم أنّ الممكن فقط هو تطبيق الروايات والأخبار على تلك المعطيات الفلسفية؟

الجواب: إنّ ما نقوله من بلوغ الفلسفة أوجها إنما يعني أنّ المباحث الفلسفية الأخيرة بلغت، قياساً بالدراسات القديمة، مستوىً عالٍ جداً، بما جعلها تناسب المعارف الحقيقة، ولا يعني ذلك إطلاقاً أنّ ما احتوته مصنفات الحكمة مثل الأسفار والمنظومة و.. هو نص من نصوص الوحي المنزل، مصون عن الخطأ، ومنزّه عن اللبس والاشتباه.

السؤال الرابع: إلى من تتجه تلك النصوص الحديثية الواردة في ذمّ أهل الفلسفة، سيما منهم من يأتي في آخر الزمان؟ وهي نصوص سطرت في كتب الحديث مثل بحار الأنوار وحديقة الشيعة، وما هو المقصود أساساً من هذه الأحاديث؟

الجواب: إن الروايات الاثنين أو الثلاثة التي وردت في بعض الكتب في ذمّ أهل الفلسفة في آخر الزمان، تعني ــ على تقدير صحّتها ــ ذمّ أهل الفلسفة، لا الفلسفة عينها، تماماً كما وردت روايات في ذمّ فقهاء آخر الزمان، فإنّ هذه الروايات إنما تذمّ الفقهاء، ولا تذمّ الفقه الإسلامي، وهكذا الحال في الروايات التي وردت في ذمّ أهل الإسلام، وأهل القرآن في آخر الزمان مثل: «لا يبقى من الإسلام إلاّ اسمه، ومن القرآن إلاّ رسمه»، فإنّها لا تطال بذمّها الإسلام والقرآن ذاتيهما.

وحتّى لو فرضنا أن هذه الروايات المعدودة في صنف أخبار الآحاد الظنية كانت واردةً في حقّ الفلسفة عينها، ثم رأينا أن مسائل الفلسفة مطابقة ــ بالتأكيد ــ لما جاء في الكتاب والسنّة، فإنّ هذا يعني أنّ القدح والذم اللذين طالا الفلسفة يفترض أن يطالا أيضاً الكتاب والسنة نفسيهما أيضاً، حيث اشتملا على هذه المسائل عينها مع الاستدلال المرفق، وأساساً كيف يمكن لخبرٍ واحدٍ ظني أن يقف مقابل العلم اليقيني أو يبطله؟! ([30]).



[1]) رئيس تحرير مجلة «پاسدار اسلام»، والرئيس السابق لمؤسسة الشهيد الإيرانية.

[2]) مجلة كيهان فرهنكى، ويژه مكتب تفكيك، السنة التاسعة، العدد 12 ص23.

[3]) لا نهدف ــ في المبدأ ــ إلى ممارسة تحقيق تاريخي، لاكتشاف مدى صحّة هذه النسبة للطباطبائي، إنما عرض نظريات مدرسة الطباطبائي حول مناهج معرفة الإسلام ودرسه، وأنماط استخدام المصادر الوحيانية والروائية، كما ومقارنة هذا المنهج بذاك الذي قدّمته المدرسة التفكيكية، مستعرضين ــ ضمناً ــ الملاحظات النقدية التي سجّلتها أعمال الطباطبائي على مقولة التفكيك.

[4]) هذا العنوان، اصطلاح أقترحه للتدليل على تطابق المناهج العقلية والقلبية والنقلية (الوحي) وتأييدها بعضها لبعضها الآخر، أي الاعتقاد باتحاد القرآن والبرهان والعرفان، وهو ما سنوضح خصائصه في هذه المقالة.

[5]) من رادة هذا الاتجاه في القرن الأخير جملة من الشخصيات البارزة نذكر من بينها: الإمام الخميني في شرح دعاء السحر، وتفسير سورة الحمد، وشرح الأربعون حديثاً، والعلامة الطباطبائي في تفسير الميزان، والشيعة في الإسلام، والقرآن في الإسلام، والعلامة الشعراني في تعليقاته على شرح أصول الكافي، وكذلك في الوافي، والأستاذ الشهيد مرتضى مطهري في الرؤية الكونية الإسلامية، وكليات العلوم الإسلامية، والفطرة، والإنسان الكامل، والمعرفة في القرآن، والأستاذ جوادي آملي في شناخت شناسي قرآن، ومقدمة شرح الأسفار الأربعة، وشريعت در آينيه معرفت، والأستاذ حسن زاده آملي في هزار ويك نكته، ورسالة القرآن، وبرهان وعرفان از هم جدايي ندارند، والأستاذ جلال الدين الآشتياني في شرح مقدّمة فصوص الحكم، ومقدّمة أصول المعارف.

[6]) يذهب العلامة الطباطبائي إلى أنّ فهم الآية بمعونة القرائن، حتى مع حملها نتيجة ذلك على معنى مجازي، ليس خلافاً للظاهر القرآني، ذلك أنّ ظاهر الآية حينئذٍ يكون بنفسه مفيداً للمعطى المجازي، ويعتقد العلامة أنّ التأويل يعني فهم بواطن الآيات وحقائقها الواقعية، ذلك الواقع الذي يمثل حقيقة خارجية عينية، فيما تكون الآيات مثلاً له، وفي الحقيقة، فهذا الكتاب الجمعي الإجمالي يعدّ بنفسه مرتبةً من الوجود لا يبلغها سوى المطهّرون. راجع له: الميزان 3: 44 ــ 55.

[7]) الطباطبائي، الميزان 3: 77.

[8]) الشيعة 1: 65، 66، ,أيضاً: 233 ــ 235.

[9]) إنه يعتقد في هذا المجال بعدم وجود أي خلاف إطلاقاً بين الكتاب والسنّة، وعلى تقدير وجود تنافٍ ظاهري، يقدّم الدليل القطعي الدلالة على ظنيّها. راجع المصدر نفسه 1: 61.

[10]) المصدر نفسه: 71.

[11]) المصدر نفسه 1: 91، 92، ولمزيد من الاطلاع على علاقة التشيّع بالعرفان والتصوّف على امتداد التاريخ، وأسباب نسبة فريق العرفاء والصوفية للإمام الأوّل للشيعة علي B راجع: رسالت تشيع: 95 ــ 110.

[12]) راجع: رسالة التشيع: 39 ــ 50، وأيضاً: 84 ــ 109، وهذا الكتاب الذي نشر مؤخراً بعد ثلاثين عاماً من تصنيفه، يحتوي الجزء الثاني منه على حوارات الطباطبائي مع هنري كوربان.

[13]) الميزان 5: 258.

[14]) المصدر نفسه: 265، 266.

[15]) الطباطبائي، مجموعة مقالات وپرسشها وپاسخها: 279، 280.

[16]) يوافق العلامة الطباطبائي في موضع آخر من كلامه على انفعال الفهم الديني من العناصر غير الدينية، مثل الحب والبغض والهوى و..، ويذهب إلى أنّ الكثير من القدماء الماضين كانوا متلهفين إلى ما يصبون إليه، وكانوا يرونه من نافذة الدين، فيجعلون القرآن الكريم تابعاً لميولهم ورغباتهم وتوجّهاتهم، ويشتدّ هذا الحال في أوساط علماء الأديان، مما يشكّل ــ بمجموعه ــ سبباً رئيسياً لظهور الاختلاف الديني، بمعناه المذموم لا الممدوح، راجع: الميزان 1: المقدّمة، و 31، و5: 271 ــ 282، ولابدّ في النهاية من القول بأن خلوص المعرفة الدينية رهين إلى حدّ بعيد بخلوص الأخلاق الإنسانية، وعدم اتباع الميول الذاتية، فالشبهات المعرفية أقلّ دوراً من الشهوات العلمية في حذف الدين عن مساره الصحيح.

[17]) الميزان 4: 119 ــ 120.

[18]) المقصود من الجانب الثبوتي لعلمٍ من العلوم أو لمعرفة، المسائل العلمية المعتمدة على مبادئها، والتي تتكوّن عبر منهج محدّد، فتشمل مدّعيات ذلك العلم، وأدلّته ومحتوياته، أي ما يفترض أن يكون كذلك، بقطع النظر عن المتكوّن فعلاً منه، أو وجوده التاريخي وصيرورته. أما الجانب الإثباتي فيقصد به الهوية التاريخية، وسيرورة هذا العلم وتحققه الفعلي في الاجتماع المعرفي البشري، وما يعرفه منه أهل المعرفة، كما واتجاهاته الموجودة فعلاً ومدارسه، وأقسامه ومبادئ مدارسه =
= المختلفة فيما بينها، أي العلم بوجوده المتحقق. ومن الممكن أن تختلف الأحكام الثابتة للعلم ببُعده الأول عنها في بُعده الثاني، فإذا فرضنا أنّ الفلسفة هي العلم بالعوارض الذاتية للموجود بما هو موجود ــ أي من ناحية الثبوت ــ فإن علوم الطبيعات القديمة، وجملة من الجهود الهامة للفلاسفة مثل كيفية الإبصار، ومسائل الأفلاك و.. سوف تعتبر غير فلسفيةٍ من الزاوية الثبوتية، رغم أنّه من الممكن جداً اعتبارها من الناحية الإثباتية جزءاً من النشاط الفلسفي وتاريخ الفلسفة وجهود الفلاسفة. إن المدرسة التفكيكية تفصل العقل والقلب والوحي عن بعضها في مقامي الثبوت والإثبات معاً، وهو ما سنتعرّض له لاحقاً.

[19]) لمؤلّف هذه الدراسة آراء خاصّة حول مدرسة التفكيك، تطرح لاحقاً، إلاّ أننا نحاول فعلاً رصد هذه المدرسة من وجهة نظر مدرسة العلامة الطباطبائي.

[20]) يذكر العلامة الشعراني أيضاً في تعليقاته على شرح أصول الكافي (2: 125) أنّه لو قعّدنا أنّ كل علمٍ قال بعض رجاله أو ذكرت في بعض أقواله ما يخالف العقيدة الحقّة أو لم ينسجم معها صار غير منسجمٍ مع الإسلام، فلن يبقى علم إسلامي البتّة، بما في ذلك علما الفقه وأصوله، ثم بنى الشعراني، وفقاً لذلك، رأيه في إدراج التصوّف والعرفان في العلوم الإسلامية.

[21]) تعدّ هذه الفكرة بالغة الدقة، وقد استنتجها العلامة من نمط استدلال الطرف الآخر، وقد وجدنا أنّ الميرزا مهدي الإصفهاني في كتاب أبواب الهدى، وكذلك المرحوم القزويني في بيان الفرقان يعتبران أن السبيل لنيل معارف القرآن والسنّة وحقائقهما هو سبيل الاستذكار، وقد أشار الأستاذ الحكيمي إلى مراحل كسب الحقيقة من وجهة نظر مدرسة التفكيك، فراجع له: صحيفة كيهان فرهنكي، ويژه مكتب تفكيك: 22، المطلب الثامن.

[22]) كنت أشرت في مقالة أخرى إشارةً عبارة إلى وجود بعض معالم المدرسة الأخبارية في بطن المذهب التفكيكي، فراجع صحيفة كيهان انديشه 49: 125، ولمزيد من الإيضاح أؤكد على أنّ المراد الأصلي لنا هو تحديد موقف التفكيكيين من العقل، ونمط تدخّله في فهم الدين، لقد اعتبر الأخباريون الأصوليين بأنّهم عرّضوا المذهب الفقهي لأهل البيت E للالتقاط والتحريف، وذلك بسبب منحهم العلوم البشرية (أصول الفقه) دوراً في فهم الأحكام الشرعية، كما تمسّكوا (الأصوليون) بأصولهم العملية في أصول الفقه، وجعلوا القواعد اللفظية والعقلية معياراً في فهم النصين القرآني والحديثي، نعم، المدرسة التفكيكية وإن لم تركّز نظرها على البعد الأحكامي في الدين، إلاّ أنّها تشبه الحركة الأخبارية في تجنّبها السماح للعلوم العقلية في الاجتهاد الديني والمعرفي والعقدي عموماً، واصفةً ذلك بالمخالف لمبدأ خلوص الدين وصفائه.

[23]) راجع ]للطباطبائي[ أصول الفلسفة: المقالة الخامسة (من الطباطبائي).

[24]) الطباطبائي، الميزان 5: 259 ــ 265.

[25]) كيهان فرهنكَي، ويژه مكتب تفكيك: 10.

[26]) راجع من جملة هؤلاء: الشيعة 1: 59 ــ 80، وكذلك الفصل الثاني من كتاب «بيانات أئمة شيعة وانديشه فلسفي»، رسالة علي B والفلسفة الإلهية، رسالة التشيع: 98 ــ 110، ومقدّمة في رحاب نهج البلاغة، للأستاذ مرتضى مطهري، وكليات علوم إسلامي، مبحث الفلسفة والعرفان، وله أيضاً: خدمات متقابل إيران وإسلام: 637 ــ 642، وأيضاً كتاب فلسفه عرفان للدكتور يحيى يثربي: 113 ــ 117.

    بل إنّ بعض الباحثين يعتبر أن الأسباب التي تبرّر أوجه الشبه الكثيرة ما بين المدارس العرفانية، والأسس المشتركة الفلسفية هي وحدة أصول الأديان الإلهية، وانشعاب ذلك كلّه من معارف الأنبياء السابقين.

[27]) كيهان فرهنكَي، ويژه مكتب تفكيك: 23.

[28]) يشير بذلك إلى قاعدة من قواعد التأويل الهامّة، وهي أن بلوغ باطن القرآن إنما يقع في سياق ظاهره وفي طوله، لا مجانباً له، أو مغايراً، أو معارضاً.

[29]) الميزان 5: 282، 283.

[30]) راجع: محمد حسين الطباطبائي، مجموعه بررسيهاى إسلامي، انتشارات هجرت: 81 ــ 86.