الملكيات والحقوق

14 سبتمبر 2014
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
2٬461 زيارة

الملكيات والحقوق

دراسة فقهية تحليلية

السيد محمد باقر الصدر(*)

بقلم: السيد كاظم الحائري

سبق أن نشرت مجلّة «الاجتهاد والتجديد» أبحاث السيد محمد باقر الصدر حول شبكة الملكيات و .. في العددين الأوّل والثاني، بقلم السيد عبدالغني الأردبيلي، وها هي تنشر هذه المحاضرات نفسها بقلم السيد كاظم الحائري؛ وهناك بعض الاختلاف ـ زيادةً ونقيصةً و .. ـ بين التقريرين، لهذا أحببنا نشرهما معاً، وهي محاضرات عشر، أُلقيت في شهر رمضان المبارك عام 1387هـ من الثاني منه، إلى السابع عشر، وقد قدّمها لنا ـ مشكوراً ـ لتنشر للمرّة الأولى «مركز الأبحاث والدراسات التخصّصية للشهيد الصدر» في مدينة قم الإيرانية، وقد قام الشيخ حيدر حب الله بتحقيق وتصحيح هذه المحاضرات العلمية؛ عبر تقويم نصّها، واستخراج مصادرها، وعنونة موضوعاتها، وتحويل صيغتها من محاضرات إلى نصّ مدوّن، كما يراه القارئ هنا (التحرير).

 

تمهيد

مفاهيم الحق والملك والحكم والضمان والعهدة والذمّة والدين والمال مقولات أساسية في فقه المعاملات، ولابدّ من التمييز بينها؛ لئلاّ يقع الخلط؛ فيُسرّى حكم بعضها إلى بعض، كما قد يتفق ذلك؛ فيسرى حكم العهدة إلى الذمة والحقِّ إلى الحكم ونحو ذلك. والبحث في ذلك مفصّلاً ليس من شأن البحث التعطيلي في شهر، إلا أننا نبحث عن ذلك مختصراً، وعنوان بحثنا إنّما هو الحق والملك والحكم.

طرق التفتيش عن الفرق بين الحق والملك والحكم

من الواضح المرتكز أنّ الحق قابلٌ للإسقاط، فيما الملك والحكم غير قابلين لذلك.

والتفتيش عن ضابط هذا الفرق يكون بأحد وجوه ثلاثة:

الأول: أن يفتّش عن موارد الحق وموارد الحكم ـ أي عن التشريعات القابلة للإسقاط والتشريعات غير القابلة له ـ ثم يؤخذ جامعٌ بين الطائفة الأولى وجامع بين الطائفة الثانية.

وهذا لا يفيد في مقام استنباط الأحكام وإنما هو شيء في طول الاستنباط، وأثره ينحصر في تنظيم الاستنباط والتطبيق بعد الفراغ عن مجموعة الاستنباطات لكبريات المطلب.

الثاني: أن يفتّش عن الموارد التي دلّ الدليل على قابلية الإسقاط فيها؛ فتستكشف نكتة مشتركة بين تلك الموارد، فيحكم بالحقّية على كل تشريع يشتمل على تلك النكتة، ولو لم يدلّ دليل خاص فيه على الحقية وقابلية الإسقاط.

وهذا يفيد في مقام الاستنباط، إلا أن هذا الاستقراء حيث إن حجيته موقوفة على إيراثه القطع واليقين؛ لذا لا يفيد في غالب الحالات، خصوصاً إذا وجدت مادّة أو مادتان للنقض وانخرام القاعدة.

الثالث: حيث إن هذه المفاهيم عقلائية وثابتة في سائر التشريعات العقلائية بقطع النظر عن الأحكام الشرعية، فقد تستكشف النكتة المشتركة عن طريق الرجوع إلى الارتكازات العقلائية، وهذا يفيد في مقام الاستنباط بعد إعطاء تلك الارتكازات طابع الشرعية بأحد وجوه ثلاثة:

1 ـ إثبات إمضائها عن طريق عدم الردع على حسب إثبات إمضاء سائر السير العقلائية.

2 ـ الرجوع إلى ظاهر أدلّة التشريعات بعد تحكيم تلك الارتكازات في ظهورها، فدليل الخيار ـ مثلاً ـ لا يبقى له ظهور في أزيد من ثبوت الخيار قبل الإسقاط بعد الالتفات إلى الارتكاز العقلائي، فإن الارتكازات العقلائية تتحكّم في الظهورات كما تتحكم فيها الأوضاع اللغوية.

3 ـ الرجوع إلى بعض الأخبار الظاهرة في الإمضاء، كصحيحة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر× قال: قلت له: رجل جنى إلى (عليّ) أعفو عنه؟ أو أرفعه إلى السلطان؟ قال: «هو حقك، إن عفو عنه فحسن، وإن رفعته إلى الإمام فإنما طلبت حقك، وكيف لك بالإمام»([1])؛ وفهذا ظاهر في ذكر الصغرى والإحالة في الكبرى على الارتكاز العقلائي؛ فيدلّ على إمضائه بحدوده العقلائية.

وهذا الطريق ـ أعني التمسّك بالسيرة العقلائية ـ لا يضرّه وجود بعض موارد النقض وانخرام القاعدة؛ إذ تعتبر هذه الموارد ردعاً عن السيرة فيها، وهو ما لا ينافي إثبات الإمضاء في سائر الموارد بعدم الردع وبالرجوع إلى الأخبار الظاهرة في الإمضاء، وأما الرجوع إلى ظاهر أدلّة التشريعات بعد تحكيم الارتكازات فيها، فالصحيح أنه لا يُثبِت الإمضاء، وغاية ما يُثبِت عدم إطلاق تلك الأدلة لما بعد الإسقاط، وأما السقوط بالإسقاط فلا يثبت بها بل يبقى مشكوكاً يجب الرجوع فيه إلى القواعد.

وقد نفى السيد الأستاذ [الخوئي] ـ مدّ ظله ـ الفرق بين الحق والحكم سوى من ناحية قابلية الإسقاط وعدمه، ولم يرَ فرقاً في المرتبة السابقة على ذلك؛ ولهذا انسدّ عليه باب هذا البحث؛ إذ إنّما يجب في كلّ تشريع من التشريعات الرجوع إلى دليله ليعرف أنه يقبل الإسقاط أو لا، واسم الحق والحكم ليسا سوى اصطلاح مشير إلى ما تعيّن حاله من قابلية الإسقاط وعدمها([2]).

لكنّك عرفت أنّ باب البحث بالمنهج الذي بيّناه واسع؛ فنحن نبحث عن الفرق بين الحقّ والملك والحكم بالتفتيش عن الارتكازات العقلائية المؤثرة في حكمهم بقابلية الإسقاط وعدمها. ولنذكر ـ أولاً ـ بعض المقدّمات، ثم لنشرع في أصل المقصود، كي نختم الكلام بتنبيهات.

مقدمات أساسية:

أما المقدّمات فهي كما يلي:

1ـ شبكة الملكيات والسلطنات، تحليل حقيقة الملكية وأنواعها

المقدمة الأولى: في ذكر شبكة السلطنات والملكيات والحقوق، وتمهيداً لذلك نذكر ما ذهب إليه المشهور في ذكر أقسام الملكية فنقول:

ذكر السيد الأستاذ([3]) ـ مدّ ظله ـ تبعاً للمحقق الإصفهاني& أنّ الملكية على أربعة أقسام:

1 ـ الملكية الحقيقة لله تعالى بالنسبة إلى جميع الممكنات، وهي ما تسمّى بالإضافة الإشراقية، وهي عبارة عن كون وجود جميع الأشياء بوجوده تعالى ومن تعلّقاته ومرتبطةً به، وهذه ملكية حقيقية لا اعتبارية ولا جعلية.

2 ـ مالكية الشخص لنفسه وأعماله وذمّته، وهذه أيضاً مالكية حقيقية لا جعلية واعتبارية، ومعناها قدرته وسلطنته التكوينية ب حيث إن شاء فعل وإن شاء ترك.

3 ـ الملكية بمعنى الجدة، التي هي إحدى المقولات التسع الفلسفية، كما في التعمّم والتقمص والتنعّل والتختم؛ فالمحيط هو المالك والمحاط هو المملوك. وهذه أيضاً ملكية حقيقية لا اعتبارية.

4 ـ مالكية الشخص لأمواله، وقد بحثوا هنا في أنّ هذه الملكية هل هي حقيقية أم اعتبارية وجعلية؟ وعلى التقدير الثاني بحثوا: هل هي مجعولة بالأصالة أم منتزعة؟

وقد رتّبوا الآثار المعاملية على القسمين: الثاني والرابع من أقسام الملكية، وأما القسم الأوّل ففي كلام المحقق الأصفهاني& إشارة إلى ترتيب آثار معاملية عليه، وهو ما لم يصرّح به السيد الأستاذ ـ مد ظله ـ، مع كونه الظاهر من سياق كلامه.

أقول: أما القسم الأوّل من الملكية، فالصحيح كونه خارجاً عما نحن فيه ولا يترتب عليه أيّ أثر فقهي ومعاملي، إلا أنه يوجد هنا قسم آخر من الملكية مترتب على هذا القسم هو الذي يكون منشأً للأثر الفقهي والمعاملي؛ فكأنهم خلطوا بين القسمين أو غفلوا في نسبة آثار هذا القسم إلى القسم الذي ذكروه.

وبيان ذلك أن ملكيته تعالى بمعنى خالقيته وواجديته منشأ لملكيته تعالى بمعنى مولويته وحاكميته وكونه أولى بنا من أنفسنا، وأحد مظاهر هذه الملكية هو حقّ الطاعة، ومن جملة مظاهرها أيضاً قدرته على إشغال الذمّة، بأن يُشغِل الذمّة بالخمس للسادة والزكاة للفقراء ونحو ذلك. وهذه الملكية هي التي تكون منشأ للآثار الفقهية والمعاملية، وهي تختصّ بالإنسان ونحوه بما هو عاقل، أما الملكية بمعناها الأول فإنما تشمل الإنسان بما هو موجود من الموجودات لا بما هو عاقل، وقد أشير إلى هذه الملكية في الآيات الكثيرة الحاصرة للحاكمية المطلقة به تعالى.

وأما القسم الثاني من الملكية، بمعنى قدرته وسلطنته التكوينية على نفسه وشؤونه ب حيث إن شاء فعل وإن شاء ترك، فهو أيضاً خارجٌ عما نحن فيه ولا يترتب عليه أثر فقهي ومعاملي هنا، والصحيح أن يذكر ما يترتب على هذه الملكية من ملكية أخرى، وهي كونه أولى بنفسه وشؤونه من غيره، وهذه الملكية ليست حقيقية بقول مطلق؛ ولذا نرى أنه لا يصحّ للإنسان لدى المجتمعات العقلائية أن يُشغِل ذمّتَه بمالٍ لشخص بعنوان إشغال الذمّة بلا أي معاملة أخرى، وليس له في جملة من المجتمعات الانتحار، ولا جعل نفسه رقّاً للآخر، ونحو ذلك. وبالجملة عدم صحّة بعض تصرفاته في شؤون نفسه عند العقلاء وعند الشرع واختلاف المجتمعات العقلائية في صحّة بعض التصرفات الأُخر التي تقرّها بعض المجتمعات وتنفيها مجتمعات عقلائية أُخرى أو ينفيها الشرع أيضاً.. هذا كلّه ينبّه إلى عدم صحّة القول بمالكية الإنسان الحقيقية لنفسه وشؤونه وجهاته.

والصحيح أنّ مالكية الإنسان لنفسه وشؤونه تنحلّ إلى عنصرين، وإن شئت فسمّ أحدهما بالكبرى والآخر بالصغرى؛

أ ـ أما الكبرى، فهي أنه ماذا يجوز لوليّ الإنسان من تصرفات؟ وما هي التصرفات التي يكون وليّاً عليها في نفس الإنسان وشؤونه؟ وهذا أمر جعلي واعتباري؛ ولذا تختلف حدوده وجهاته باختلاف المجتمعات والتشريعات حسب ما يراه المقنّن من مصالح ومرتكزات.

ب ـ وأما الصغرى، فهي أن الأولى أن يكون ذلك الولي على الإنسان هو نفس الإنسان، ويمكن أن يدّعى أن هذه الصغرى حقيقةٌ تكوينية لا جعلية واعتبارية؛ وعليه فحتّى الآن صار عندنا ملكيّتان حقيقيتان ترتبطان بالإنسان بما هو إنسان عاقل مختار: ملكيته تعالى للإنسان بما هو إنسان وعاقل، وأولوية الإنسان بما هو إنسان وعاقل في كونه هو وليّ نفسه وشؤونه، وإن شئت فقل: إنّ أصل ولاية الشخص على نفسه وشؤونه في الجملة حقيقيٌّ، لكنّ حدود ذلك جعليٌّ واعتباري. وطبعاً أولوية الله تعالى تكون فوق هذه الأولوية؛ فهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم.

وكأنّه أشير إلى هاتين الملكيّتين في قوله‘: «ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم» قالوا: بلى، قال: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه»([4])؛ فكأنه‘ أشار إلى ولاية المؤمنين على أنفسهم وإلى أنه هو‘ أولى بهم من أنفسهم، وهذه الأولوية ـ طبعاً ـ تطبيق من تطبيقات مولوية الله تعالى؛ حيث إن الله تعالى ـ على ما مضى ـ له ملكيتان: ملكية بمعنى الخالقية والموجدية غير قابلة للتعدي والانبساط منه تعالى إلى غيره إلا بمعنى صوفي لا نفهمه، وملكية بمعنى المولوية، وهذه الملكية تنسبط على الأنبياء والأوصياء باعتبار كون امتثالهم امتثالاً لله تعالى؛ حيث قال: {… وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} (النساء: 59) وكون أمرهم أمراً لله؛ وتشريعاتهم وتقنيناتهم صادرة من مصدره جلّ وعلا، ففي الحقيقة هذا الانبساط والتوسعة توسعة في دائرة التطبيق لا في أصل دائرة المولوية الحقيقية.

هذا، و حيث إن أولوية الإنسان ـ بكونه هو وليّ نفسه ـ أمر ذاتي حقيقي؛ فلو جعلت ولاية شخص بيد شخص آخر كان ذلك ظلماً بحكم العقل العملي، إلا فيما إذا كان ذلك لمصلحة هذا الشخص نفسه، كما في الولاية على الصغير مثلاً، أو كان لوقوع التزاحم بين جهات وحقوق أوجبت ذلك ترجيحاً لحقوق أخرى على هذا الحقّ عند مزاحمتها معه صدفة، أو كان جاعل الولاية للغير هو الله تعالى؛ فلا يكون ذلك ظلماً؛ لما عرفت من أنّ أولوية الشخص بنفسه إنما هي في مقابل غير الله تعالى، وأما الله سبحانه فهو أولى به من نفسه.

وأما القسم الثالث من الملكية، وهي الجدة، فلم ندرك لها معنى متحصلاً وكأنّ الفلاسفة أنفسهم أيضاً لم يدركوا لها معنىً متحصلاً بشهادة الشيخ الرئيس ابن سينا (428 هـ)حيث قال: mلم يتفق لي ـ إلى هذه الغاية ـ فهمها»([5])، وقد قالوا: إن الجدة عبارة عن هيئة حاصلة من إحاطة شيء بشيء آخر. وإنّما قالوا هذا ولم يقولوا: إنها عبارة عن النسبة بين المحيط والمحاط؛ لئلاّ يدخل ذلك في مقولة الإضافة، وذلك من قبيل ما قالوا في mمتىn من أنها هيئة حاصلة من نسبة الشيء إلى الزمان لا نفس النسبة بينهما، وفي mأينn من أنها هيئة حاصلة من نسبة الشيء إلى المكان لا نفس النسبة بينهما.

والصحيح أنه ليس هنا أيّ برهان عقلي على كون هذه الهيئة شيئاً حقيقياً خارجياً، بل يحتمل عقلاً ـ في عرض احتمال ذلك ـ كونها شيئاً ذهنياً، بمعنى أنّ الذهن حينما يكسب صورة ذهنية عن مجموع المحيط والمحاط تتهيأ صورته الذهنية بالهيئة الخاصّة، ولتفصيل ذلك محلّ آخر، لا يرتبط بما نحن فيه؛ فإننا لا نقصد هنا البحث في الفلسفة، إلا أن المقصود الإشارة إلى أنّ أكبر الظن هو أنّ أرسطو (322ق.م) عند وضعه للمقولات التسع إنّما راجع قاموس اللغة فوضعها؛ ولذا لم يظهر حتى الآن أيّ مدرك لوضعه لها، حتى أنّ من يحسن الظن بالفلسفة يقول: إنه وَجَدَ هذه المقولات بالاستقراء في عالم التكوين ورأى انحصار المقولات في ما عدّه من المقولات التسع. لكن المظنون أنه لم يتعب نفسه بمطالعة عالم التكوين واستقرائه، وإنّما طالع اللغة، وحيث رأى فيها عنوان التعمّم والتقمص ونحو ذلك وضع هذه المقولة، وهي مقولة الجدة.

وأما القسم الرابع من الملكية، وهو ملكية الإنسان لأمواله، فاشتغل السيد الأستاذ ـ مد ظله ـ أولاً بالبرهنة على كون الملكية فيه اعتبارية وجعلية لا حقيقية، ثم بالبرهنة على كونها مجعولة بالاستقلال لا منتزعة([6]).

أقول: أما كون هذه الملكية اعتباريّة لا حقيقية فقد برهن عليه المحقق الإصفهاني ببراهين ثلاثة، والتحقيق أنّ هذا البحث في زماننا هذا إنما يكتسب بُعداً تاريخيّاً وإلا فمن يلتفت إلى الملكيات الخارجية والتطوّرات الطارئة عليها في الزمان الطويل ونفيها تارة وإثباتها أخرى يجد بوجدانه أنّها اعتبارية لا حقيقية، وهذا من الواضحات في زماننا هذا، ومن لا ينبّه وجدانَه الالتفات إلى ذلك لا تفيده البراهين الفلسفية التي ذكرها المحقق الإصفهاني فإنه إن أريد منها إثبات اعتبارية ما نعلمه خارجاً من الملكيات فهي مخدوشة وغير تامّة، واعتبارية ما نعلمه خارجاً واضحة بنفسها بلا حاجة إلى تلك البراهين الناقصة، وإن أريد إثبات اعتبارية الملكية بمعنى آخر لا نعلمه، فبراهينهم لا تفي بذلك.

براهين المحققين على اعتبارية الملكية، وقفات نقدية

لكن مع ذلك كلّه، نذكر هنا تلك البراهين مع مناقشاتها، وهي:

البرهان الأول: إنّ الملكية لو كانت صفةً حقيقية لاحتاجت إلى محلّ موجود خارجاً فإن فرض المحلّ هو المملوك انتقض بتعلّق الملكية أحياناً بما في الذمّة، وإن فرض المالك انتقض بتعلّق الملكية أحياناً بالجهة من دون وجود مالك خارجي، ككون الزكاة ملكاً للفقير، وقد يفرض عدم وجود فقير في الخارج أصلاً([7]).

ويرد على هذا، أولاً: إنّ الصفات الحقيقية ليس من اللازم بالحتم والحسم أن تطرأ على محلّ خارجي؛ فامتناع شريك الباري أمر حقيقي وليس ثابتاً في الخارج، وإمكان الإنسان أمر حقيقي ولو فرض عدم إنسان في الخارج أصلاً، وقد حقّقنا في علم الأصول أنّ لوح الواقع أوسع من لوح العالم الخارجي الذي انصبّت عليه مقولات أرسطو.

ثانياً: لتكن الملكية من الأمور الحقيقية والمقولية عندما تعرض على الأمر الخارجي وإن لم تكن كذلك عندما لا تعرض عليه، وهذا شيء يجوّزونه؛ فيقولون ـ مثلاً ـ: إن عنوان التقدّم بالرغم من أنه مفهوم واحد قد يكون من المقولات ومن الأمور الحقيقية الخارجية وقد لا يكون كذلك؛ فتقدم الإمام على المأموم مثلاً من الأمور الحقيقية العارضة على ما في الخارج، وتقدّم الجزء على الكل ليس تقدّماً عارضاً على الأمر الخارجي، وإنما مصبّه عالم التحليل العقلي؛ فليس مقولةً.. فلتكن الملكية من هذا القبيل.

البرهان الثاني: وقوع الاختلافات في الملكية؛ حيث تؤمن بعض المجتمعات العقلائية بملكيةٍ ما وتنكرها أُخرى([8]).

وقد أورد السيد الأستاذ ـ مد ظله ـ على هذا البرهان بأن الاختلاف فيها ليس دليلاً على عدم كونها أمراً حقيقياً وواقعياً طالما يقع الاختلاف بين العقلاء في الأمور الحقيقية الواقعية([9]).

أقول: لا أدري، كيف ارتضى السيد الأستاذ ـ مد ظله ـ أن ينسب إلى المحقق الإصفهاني& تخيّل أنه لا يقع الخلاف في الأمر الواقعي؟! وما أسعد ذاك العالم الذي يفرض عدم وقوع خلاف فيه بين تمام العقلاء في تمام الواقعيات، وعندئذ ما كان المحقق الإصفهاني ليكتب الكثير مما كتبه في حاشيته على المكاسب مما خفي على الشيخ الأعظم الأنصاري&!! وإنما مقصود المحقّق الإصفهاني& في المقام الاستدلال بوقوع الاختلاف الإنشائي في الملكية؛ فكل مجتمع يُنشئها بنحو خاص، وقد تُنشأُ ملكيةٌ في مجتمع ولا تُنشأ في مجتمع آخر، ويعترف المجتمع الثاني بتحقّق الملكية بحسب قوانين المجتمع الأول كما يعترف المجتمع الأول بعدم تحقق الملكية بحسب قوانين المجتمع الثاني، فلا تكاذب بينهما، وليس مقصوده& الاستدلال بوقوع الاختلاف الإخباري الراجع إلى التكاذب.

والصحيح أنه مع هذا لا يتم برهانه& ولا ينبغي أن يذكر ما ذكره إلا بوصفه منبّهاً للوجدان الحاكم باعتبارية الملكية، لا برهاناً على ذلك؛ فإن الاعتراف بالاختلاف الإنشائي فرع الاعتراف بإنشائية المطلب، ومع الاعتراف بإنشائية المطلب يكون المطلوب قد ثبت، من كون الملكية أمراً اعتبارياً لا حقيقياً؛ فلا حاجة للاستدلال عليه بهذا الاختلاف.

البرهان الثالث: الوجدان لا بالمعنى الذي ذكرناه نحن من أنّ الإنسان إذا التفت بوجدانه إلى الملكية بمعناها المعاش يراها اعتباريةً لا حقيقية، بل بمعنى أنه إذا باع زيد كتابه ـ مثلاً ـ نرى بالوجدان أنه لم يحصل هنا تغيير في حال زيد ولا في حال الكتاب، فالأمور الخارجية كلّها ثابتة على حالها([10]).

وهذا الكلام إنّما يتم لو فرض أن النافذة التي يطلّ منها الإنسان على العالم الخارجي يُرى بها كل ما في العالم الخارجي، مع أن ما يرى بها من ذلك إنّما هو أقلّ القليل من هذا العالم؛ فلو وسوس موسوِسٌ وقال: لعلّه حصل تغيير في الخارج لا نراه من تلك النافذة، فلا يمكن دفع هذا الاحتمال عنده بهذا الوجه.

براهين الجعل الاستقلالي للملكية، تعليقات وملاحظات

وأما كون الملكية مجعولة بالاستقلال لا منتزعة، فيستخلص من كلماتهم برهانان على عدم انتزاع الملكية من الحكم التكليفي، هما:

البرهان الأول: إن الملكية لو كان يوجد منشأ انتزاعها في الحكم التكليفي لصدقت المالكية على الحكم التكليفي نفسه، وهو جواز التصرّف، كما هو الشأن في الأمور الانتزاعية من صدق العنوان الاشتقاقي منها على ما فيه منشأ الانتزاع، كصدق mفوقn على السقف، وmالأبn على من له الابن وهكذا([11]).

ويرد على هذا البرهان وجوه نذكر منها:

1 ـ يمكن أن يقال: إن الملكية منتزعة من الاختصاص بجواز التصرف، لا نفس جواز التصرّف، وهذا المنشأ موجود في صاحب المال ويصدق عليه العنوان الاشتقاقي، وهو المالك.

2 ـ لعلّ جواز التصرّف سببٌ لانتزاع الملكية لا منشأ له، وفرقٌ بينهما؛ فالسقف ـ مثلاً ـ منشأ لانتزاع الفوقية ويصدق عليه عنوان الفوق، لكن الأرض التي تحته سببٌ لانتزاع الفوقية، ولا يصدق عليها عنوان الفوق.

3 ـ ليس المقصود كون الملكية منتزعة من جواز التصرّف على حدّ الانتزاع الفلسفي، وهو انتزاع مفهوم كامنٍ في شيء من ذلك الشيء، وإنّما المقصود كونها مجعولة ومعتبرة في طول جعل الحكم التكليفي وبلحاظه.

البرهان الثاني: لو كانت الملكية منتزعة من جواز التصرّف، فكيف تنفكّ عنه وتثبت بدونه كما في الصبيّ الذي يملك ولكن تصرفاته تكون بيد الولي؟([12]).

هذا البرهان باطلٌ ـ أيضاً ـ من وجوه نذكر منها أنه يمكن أن يفرض انتزاع الملكية من جواز التصرّف المشروط بالبلوغ؛ فإن هذا الحكم ثابت في حق هذا الصغير في زمان صغره؛ حيث إن الجعل يثبت من أوّل الأمر، وإنّما الذي يتأخر إلى زمان تحقّق الشرط هو المجعول، وقد أنكرنا في أصول الفقه وجود مجعول مستقلّ وراء الجعل يتحقق متأخراً عن تحقق الجعل نفسه؛ فمن الممكن أن يدّعى أنه تنتزع الملكية من هذا الجعل المشروط لكل من هو موضوع له، ولا شكّ أن هذا الصغير موضوع له فتثبت له الملكية.

ويمكن أن يفرض أنّ هذا الملكية منتزعة من جواز تصرّف الولي؛ حيث إنه تصرّفٌ من قبل الصبي ولا يضرّ عدم قيام الحكم التكليفي بالصبي الذي انتزعت له الملكية، كما أنه لا يضرّ عدم قيامه بالمالك في البالغ أيضاً؛ فإن الحكم قائم بالحاكم لا بالمحكوم عليه.

تشريح الملكيات ونتائجها الحقوقية

وبالعودة إلى تشريح الكلام في ملكية الله تعالى وملكية الإنسان لنفسه وأعماله، نبدأ بملكية الإنسان، فإنّ ما بإزاء كلمة «له» يقع على ثلاثة أقسام:

1 ـ القدرة والسلطنة، كما في قولنا: زيد له أن يعدل وله أن يظلم.

2 ـ الأمر الاعتباري الجعلي، كما في قولنا: زيد له الكتاب، أي أنه مالك الكتاب.

3 ـ أمر متوسّط بين الأمر التكويني الخارجي ـ كما في القسم الأول ـ والأمر الجعلي الاعتباري ـ كما في القسم الثاني ـ وهو عبارة عن حكم العقل العملي بنفي البأس كما في قولنا: زيد له أن يعدل وليس له أن يظلم.

فالإنسان له سلطنة على نفسه وأعماله بمعنى القدرة وأنه إن شاء فعل وإن شاء ترك، وهذا مصداق للقسم الأول من «له»، وينتزع من ذلك نحو واجديّة له لأعماله، ويجوز له أن يتمتع بأعماله وقدرته وليس للآخرين أخذ تلك الأعمال منه قهراً، وهذا من مصاديق القسم الثالث من «له»، وهذا ـ أي مالكيته لنفس أعماله ـ لا يحتاج إلى كبرى جعلية. وكذلك له التصرّف الوضعي في أعماله، وهذه المالكية للتصرّف الوضعي تستبطن كبرى جعلية وصغرى واقعية؛ أما الكبرى فهي عبارة عن جعل أصل ذلك التصرّف الوضعي واعتباره، كجعل قانون إيجار الإنسان أي صيرورته أجيراً، وأما الصغرى فهي عبارة عن أن صاحب العمل أحقّ بذات التصرف الوضعي ـ المفروض ثبوته كبروياً ـ من غيره، وهذا أمر واقعي داخل في القسم الثالث من «له»، وليس أمراً اعتباريّاً.

أما مالكية الله تعالى، فهي بمعنى أنه خالق ويكون وجود مخلوقاته بيد قدرته تعالى، وهذا ما يقابل القدرة والسلطنة الثابتة للإنسان على عمله، ويترتب على هذا حقّ المولوية، وهذا الحقّ له مظاهر أربعة:

1 ـ حقّ الطاعة.

2 ـ حقّ أخذ أعمال الشخص منه قهراً؛ كأن يجوِّزَ لأحد أن يستوفي منه عمله جبراً، وهذا ما يقابل مالكية الشخص لأعماله نفسها.

3 ـ حق التصرف الوضعي في أعمال الشخص، كأن يجعل عمل زيد مملوكاً لعمرو؛ وهذا ما يقابل مالكية الشخص للتصرّف الوضعي في أعماله، وهنا تكون الكبرى مندمجة في الصغرى، وثابتة بنفس حق المولوية بلا حاجة إلى جعل من قبل جاعل.

4 ـ حق القيمومة على الشخص؛ بأن يتصرف تصرفاً وضعياً في عمله بأن يعطي عمله لشخص آخر بعوض لنفس العامل، وبتعبير آخر أن يَقِفَ تجاه العبد موقف الوليّ تجاه الصبي.

وبهذا ينتهي ما أردنا ذكره تمهيداً للبحث في شبكة الملكيات.

الرتبية والعلاقات بين الملكيات وأنواعها

نستعرض هنا شبكة الملكيات التي نقصد بها الملكيات بالنظر إلى ما بينها من ترتّب وما مضى نقله من الأصحاب كان تعداداً للملكيات في نظرهم بما هي أمور متباينة بقطع النظر عن الترتب والعرضية.

فأوّل الملكيات ملكيّتُه تعالى للإنسان ومن يكون كالإنسان في كونه عاقلاً مختاراً كالملائكة، وهي عبارة عن مولويته تعالى.

والملكية الثانية هي ملكية الإنسان لنفسه وأعماله، بمعنى كونه أولى بها في مقابل غيره من سائِر الناس لا في مقابله تعالى، وترتب هذه الملكية على الملكية الأولى ليس بمعنى تفرعها عليها وكونها مسبَّبة منها، بل من باب محكوميتها لها وكونه تعالى أولى بالناس من أنفسهم. وهذه الملكية الحقيقية للناس لأعمالهم كأنّها هي التي أوحت إليهم بفكرة جعل الملكيات.

والملكية لا تتنافى مع عدم جواز بعض الأعمال على الإنسان؛ لمنع الله تعالى كالغناء أو لمنع العقل العملي بقطع النظر عن نهيه تعالى كما في الكذب؛ فإن المقصود من هذه الملكية هي الأولوية في مقابل سائر الناس لا في مقابله تعالى، ولا بمعنى عدم منع العقل العملي عن عمل في نفسه، وهذا ـ كما ترى ـ لا ينافي منع الله تعالى أو منع العقل العملي؛ فكذب الإنسان مثلاً مملوك للإنسان بمعنى أنه أولى باستفادته منه من غيره، لكن عليه ـ بحكم العقل العملي ـ ترك الكذب، ومن هنا ينتزع عنوان العهدة، ويقال: إنّ في عهدته أن لا يكذب؛ وكأنّ هذا منشأ تكوّن فكرة العهدة بين العقلاء وإيجاد العهدات في ما بينهم.

والعهدة إما تكون ذاتية، وهي العهدة التي حكم بها ابتداءً العقل العملي أو تعرض بواسطة جعل المولى تعالى شيئاً على عهدة الشخص وفي ضمانه، وبجعله تعالى يصبح لزوم الإتيان به محكوماً بحكم العقل العملي؛ لفرض مولويته تعالى أو بواسطة جعل الإنسان بنفسه على عهدته شيئاً بشرط كون كبرى ذلك ممضاةً ومجعولةً من قبله تعالى، كأن ينذر شيئاً وتكون كبرى وجوب الوفاء بالنذر مجعولةً من قبله تعالى؛ فيصبح لزوم الإتيان بذلك العمل محكوماً به ـ أيضاً ـ بحكم العقل العملي.

من هنا يظهر كون دخول عمل في عهدة شخص لشخص آخر وضمانه له لا ينافي كونه مالكاً لعمله، وليس معناه مالكية الشخص الآخر لعمله؛ فالأب ـ مثلاً ـ يقع على عهدته الإنفاق على ابنه، ولا يعني ذلك كون إنفاقه مملوكاً لابنه، ويظهر أيضاً أن النذر حيث يقول: لله عليّ كذا، ليس معناه تمليك العمل لله تعالى، فاللام هنا لام العهدة لا لام الملك. ومسألة العهدة والضمان هي التي تماثل الحق الشخصي في مقابل الحق العيني في الفقه الغربي، وما قيل من أنّ الحق الشخصي لا يماثله شيء في الفقه الإسلامي ليس بصحيح، وسيأتي توضيح ذلك إن شاء الله تعالى.

أمّا الملكية الثالثة، وهي ملكية الإنسان لأمواله المنفصلة عنه، وهي تترتب على الملكية الثانية بهمزة وصل بحسب الارتكازات العقلائية، وتلك الهمزة هي الحيازة أو العلاج؛ فكأنه يُرى أن المال الذي حازه (في المنقولات) أو عالجه (في غير المنقولات) أصبح عمله المملوك له متجسّداً في هذا المال؛ فهو أولى وأحقّ بهذا المال من غيره؛ فيكون مالكاً له.

وذكرنا العلاج؛ لإدخال مثل تملّك الأرض بالزراعة أو التعمير، لا لما ذكره السيد الأستاذ ـ مد ظله ـ من إدخال سريرية الخشب؛ حيث ذكر أنّ نفس الخشب يملك بالحيازة وحينما يصنع منه سريراً تملك سريريته بهذا الخشب([13])؛ فإنّ هذا الكلام غير صحيح؛ لأنّ سريرية السرير تملك تبعاً لتملّك مادته؛ ولذا لو حاز خشباً ثم صنع شخصٌ آخر منه بدون إذنه سريراً كان الأمر كما لو صنع هو منه سريراً، بل إن ملكية السريرية تندكّ في ملكية المادّة ولا يرى عرفاً ملكيةٌ خاصة للسريرية.

ظهور التوسّعات العقلائية في مجال الحيازة

بعد ذلك، حصلت عند العقلاء توسعات في باب الحيازة من جهات شتّى:

التوسّع الأوّل: حصل عند العقلاء التوسّع في ناحية الحائِز؛ وذلك في باب الإرث فيُرى ابن الميّت مثلاً أحقّ بمال أبيه من غيره؛ من باب أنه كأنه وجود امتداديّ لوالده، وهذا ما ذكره المحقق النائيني ـ ره ـ من أنه في باب الإرث يتبدل طرف الإضافة الذي هو الإنسان لا الطرف الآخر ولا الإضافة نفسها([14]). وهذا إنّما هو تحليل عقلائي للمطلب لا تحليل عقلي وفلسفي حتى يرد عليه أنّ الإضافة تتغيّر حتماً بتغيّر أحد طرفيها.

التوسّع الثاني: حصل عندهم التوسّع من ناحية المال الذي يُحاز؛ فيلحق به نتائجه وثماره كريع العقار وأثمار الأشجار.

التوسّع الثالث: حصل عندهم التوسّع من ناحية اليد الثانية التي تحوز المال بعد حيازته بيدٍ أولى، وهذا في الحقيقة ليس توسّعاً في الحيازة؛ لأن اليد الثانية أيضاً تحوز إلا أنه يحتاج هنا إلى شيء من العناية والحساب لكون اليد مسبوقة بيدٍ أخرى تمنعها من التأثير في إيجاد الملكية؛ فإذا ملك شخص مالاً بالحيازة ثم جاءت يد ثانية وحازت ذلك المال؛ فاليد الأولى تجعل اليد الثانية مقتضيةً للضمان، واليد الثانية بنفسها مقتضية لإيجاد الملكية؛ لأنها تحوز فيجتمع في هذه اليد اقتضاءان: اقتضاء التمليك واقتضاء الضمان، فإن لم يوجد مانع عن فعلية كلا الاقتضائين وحصول أثرهما خارجاً تتحقّق الملكية والضمان معاً، وإن وجد مانع عن أحدهما فقط يتحقق الآخر فقط. وإن وجد مانع عن كليهما لا يتحقق شيء منهما.

أما المانع عن اقتضاء الملكية فهو عبارة عن عدم رضى صاحب اليد الأولى بتملّك صاحب اليد الثانية للمال، وأما المانع عن اقتضاء الضمان فهو أمران:

الأوّل: فرض اليد الثانية كأنّها اليد الأولى، كما في الوكالة والنيابة.

والثاني: رضا صاحب اليد الأولى بحيازة اليد الثانية.

وهنا فرق بين المانعين، وهو أن المانع الأوّل مانعٌ بذاته، فيما المانع الثاني ـ وهو الرضا ـ ليس مانعاً بذاته، بل هو مانع بإطلاقه، أي أنه ليس مطلق الرضا مانعاً، بل المانع هو الرضا المطلق؛ فلو كان ذلك رضاً مقيداً بفرض الضمان لم يمنع عن الضمان.

حالات الحيازة في طول الحيازة

وأمر اليد الثانية في تأثيرها في التمليك أو الضمان أو عدم تأثيرها موكول إلى اليد الأولى، ويختلف حالها باختلاف ما يشاؤه صاحب اليد الأولى؛ وعليه فيكون لليد الثانية ـ طبقاً لذلك ـ حالات أربع:

الحالة الأولى: حالة عدم التأثير في التمليك ولا الضمان، وذلك كما في حالة الاستئمان والوديعة؛ فاليد هنا لا تؤثر في الملكية؛ لعدم رضا صاحب اليد الأولى بالتملّك، وعلّة مانعية ذلك عن التأثير في التمليك والضمان هي كون اليد الثانية بمنزلة اليد الأولى، وكأنّها وكيل عنها في الحفظ، وهذا هو المانع الأوّل عن الضمان، وأيضاً لا ملكية ولا ضمان في مثل العارية والعين المستأجرة التي بيد المستأجر ونحو ذلك، أما عدم الملكية فلما مضى من عدم رضى صاحب اليد الأولى بذلك، وأما عدم الضمان فلوجود المانع الثاني عن الضمان وهو رضا صاحب اليد الأولى بحيازة اليد الثانية.

وقد وقع فرق في كلمات الأصحاب بين العارية وشبهها والوديعة؛ ففي الوديعة اتفقوا على أنه لا يتحقق الضمان ولو بالشرط، وفي العارية وشبهها اختلفوا في أنه هل يتحقق الضمان بالشرط أم لا؟ وقد كان هذا من الألغاز في كلماتهم؛ حيث يقال: هل يمكن إثبات إمضاء مثل هذا الشرط بقوله: mالمؤمنون عند شروطهمn([15]) أم لا؟ فإن أمكن ذلك ثبت الضمان مطلقاً، وإلا لم يثبت مطلقاً؛ فما وجه التفكيك بين الوديعة ومثل العارية، والاتفاق في الأول على عدم الضمان والاختلاف في الثاني؟!

والتحقيق أن نكتة الفرق هي أن المانع عن الضمان في الوديعة هو المانع الأوّل وهو مانعٌ بذاته؛ فلا يمكن أن يثبت ضمان اليد ولو بالشرط، وأما المانع عنه في مثل العارية فهو المانع الثاني، وهو مانعٌ بإطلاقه فيقبل التقييد؛ فيثبت ضمان اليد بالشرط، وهذا غير الضمان الثابت بسبب نفس الشرط بنحو شرط النتيجة، فإنه إن تمّ يتم حتى في الوديعة وإنما كلامهم في ضمان اليد.

الحالة الثانية: حالة التأثير في الضمان دون التمليك، كما في حالة كون اليد الثانية عادية؛ فهنا تؤثر اليد في الضمان؛ لعدم وجود شيء من المانعين عنه، ولا تؤثر في الملكية لوجود المانع عن ذلك، وهو عدم رضا صاحب اليد الأولى بذلك.

الحالة الثالثة: حالة التأثير في التمليك دون الضمان، وذلك كما في الهبة، فهنا لا يثبت الضمان؛ لرضا صاحب اليد الأولى بحيازة اليد الثانية، وهذا هو المانع الثاني عن الضمان، فيما تثبت الملكية لتحقّق المقتضي لها وهو اليد، وعدم المانع عنها؛ لأن المانع عنها هو عدم رضا صاحب اليد الأولى بذلك، وهو هنا راضٍ بذلك.

هذا بناء على أن حقيقة الهبة عقلائياً هي إجازة صاحب اليد الأولى بتمليك اليد الثانية بالحيازة، لا التمليك من قبل الواهب للمتهب، ولعلّه لهذا كان قوام الهبة عقلائياً وشرعاً بالقبض، أما لو كانت الهبة تمليكاً من قبل الواهب فيكون شرط القبض شرطاً تعبدياً؛ فيشهد لكون حقيقة الهبة عقلائياً ما ذكرناه ـ وهو اشتراط القبض عقلائيّاً ـ عدم تعقّل الهبة عند العقلاء فيما لا يقبل الحيازة، فلا يصح هبة العمل ولا هبة شيء في الذمّة مع أنه يصحّ إيقاع المعاملة عليها بمثل البيع والإجارة، فلو كانت الهبة تمليكاً كسائر المعاملات لكان من المناسب صحّة ذلك عند العقلاء كصحّة سائر المعاملات.

الحالة الرابعة: حالة التأثير في الملكية والضمان معاً، وذلك يكون في فرضين:

1 ـ أن يرضى صاحب اليد الأولى بتملّك صاحب اليد الثانية رضاً مقيداً ببقاء اليد الثانية على ما تقتضيه من الضمان، وذلك كما في القرض بناء على أن حقيقته ذلك؛ ولذا يكون قوامه ـ عقلائياً وشرعاً ـ بالقبض ولا يصحّ القرض عقلائياً وشرعاً في ما لا يقبل الحيازة كالعمل وكشيء في الذمّة، لا أنّ حقيقته تمليك صاحب اليد الأولى المال من صاحب اليد الثانية مضموناً عليه.

وقد ذكر بعضٌ أن القبض تمليك للخصوصية مع استئمان على أصل المالية([16]).

وفيه أنه هل المقصود الاستئمان على المالية الموجودة في ضمن هذا المال أم على مالية مضافة إلى ذمّة المستقرض أو على مطلق المالية من دون إضافتها إلى ذمّة أو إلى عين شخصية؟

أما الأول، فيرد عليه أنه لو كانت المالية الموجودة في ضمن هذا المال أمانةً عنده فكيف يجوز له إتلافها؟!

وأما الثاني، وهو دعوى كون المالية الثابتة في ذمّته أمانةً عنده فنقول: كيف تحقّقت مالية في ذمّته؟! أليس هذا معناه ثبوت ضمان على صاحب اليد الثانية في المرتبة السابقة على فرضه أميناً على ما ضمنه في ذمته؟! وهذا الضمان هو الذي كان يحتاج إلى التحليل في مقام فهم حقيقة القرض وحلّلناه.

أما الثالث، فلا معنى له؛ فإن المالية من دون إضافة ليست شيئاً معتبراً عند العقلاء يعقل الاستئمان عليها.

2 ـ أن يرضى صاحب اليد الأولى بتملّك صاحب اليد الثانية رضاً مقيداً بالضمان أيضاً كما في الفرض الأول، إلا أنه يفرض الضمان هنا ضماناً بشيء معيّن، وذلك كما في المعاطاة عندما لا تكون بداعي الإنشاء الفعلي للمعاملة، فلا ترجع إلى البيع، وحينئذٍ يكون أحدهما مبرزاً لرضاه بتملّك الآخر ماله بالحيازة مضموناً عليه ذلك بشرط كون ضمانه بالثمن المعيّن، ويدخل في هذا مثل وضع السقاء قربة الماء في موضع ليأخذوا من مائه ويضعوا ثمنه في كوزه ونحو ذلك مما يشبه المعاطاة، ولا معاطاة خارجاً؛ فليس هذا بيعاً حتماً؛ لعدم معاملة عقدية ولا معاطاتية.

من هنا التجأ السيد الأستاذ [الخوئي] ـ مد ظله ـ إلى القول بكون ذلك تمليكاً [إباحة] مع الضمان لا بيعاً([17]). والصحيح أن ما ذكره ـ مد ظله ـ أيضاً غير تام؛ فإنه كيف يملّك السقاء الماء مع أنه قد يكون غافلاً محضاً أو نائماً حينما يجيء الشارب إليه؟! وفرض أنه أبدى رضاه بإيجاد الشارب هذا التمليك بالنيابة عنه فيصنع الشارب هكذا.. على خلاف ما هو المرتكز العقلائي؛ فإنه لا يتكلّف عندهم في ذلك مثل هذه التكلفات، ولو صار البناء على ذلك فلماذا لا يقال: إنه بيعٌ وإن المعاطاة والتمليك والتملك يحصل بفعل الشارب بالنيابة عن السقاء؟

فالصحيح ما ذكرناه، من أن السقاء إبدى رضاه بتملّك الشارب للماء بالحيازة مضموناً عليه بكذا مقدار من المال، فيضعه في كوزه، وعدم تعيين السقاء نوعية ذلك المال من حيث كونه عشرة واحدة مثلاً أو خمستين، ولا تعيينه لثمن شخصي معيّن، قرينة على رضاه بالضمان بالجامع بين هذه الأمور وجعل التعيين بيد الشارب..

والذهاب إلى الحمام ووضع الثمن في كوز الحمامي تشبه ما مضى من مسألة السقاء، ويمكن تفسيرها بأحد وجوه ثلاثة:

أ ـ كون الحمامي مبيحاً للاستفادة الخاصّة من الحمام والماء إباحةً مشروطة بإعطاء مال معيّن، وعليه فالشخص لا تشتغل ذمته بمالٍ لصاحب الحمام، إلا أنه لو لم يعطه المال كشف عن عدم إباحة تصرّفه في الحمام. ولعل هذا أبعد الوجوه بحسب الفهم العقلائي.

ب ـ تأجير الحمامي حمّامه للمنفعة الخاصّة. فإن قلت: إنه إن كان يؤجر نفس الحمّام والخزانة مثلاً لا الماء، فكيف يتصرّف الشخص في الماء؟ وإن كان يؤجر الماء فكيف يكون الانتفاع الذي يستأجر الماء لأجله مساوقاً في كثير من الأحيان لإتلافه؟.. قلت: يفرض أنه يستأجر منه الحمّام بشرط أن يكون له إتلاف الماء بالنحو المخصوص.

ج ـ إباحة الحمامي الاستفادة الخاصة مضموناً بالثمن المعيّن. ولعلّ هذا هو أقرب الوجوه.

تحليل حقيقة النقل المعاوضي

وفي البيع وما أشبهه من المعاملات يوجد أيضاً ملكية مع وجود العوض، وهذا ما يمكن تفسيره بأحد وجوه:

الأول: أن يفرض أنّ كل واحد من المتبايعين يعرض عن ماله ليتملّكه الآخر بالحيازة، في مقابل أن يعرض الآخر أيضاً عن ماله ليتملّكه الأول بالحيازة.

والصحيح أن هذا خلاف المرتكز العقلائي، وإلا لكان قوام البيع عند العقلاء بالقبض، ولم يكن ليصحّ عندهم بيع العمل أو بيع شيء في الذمّة.

الثاني: أن يفرض أنّ كل واحد منهم يحوز ما في يده بقاءً من قِبَل الآخر؛ ليصبح ملكاً للآخر في مقابل أن يصنع الآخر ذلك أيضاً. وهذا يلائم المرتكز من عدم اشتراط القبض؛ إذ يكفي الوجود البقائي لكلّ من المالين في يد المالك الأول كتملّك الآخر بالحيازة بالنيابة.

والصحيح أنّ هذا ـ أيضاً ـ خلاف المرتكز العقلائي، وإلاّ لما صحّ عندهم المعاملة على العمل أو على شيء في الذمّة، كما ذكرنا في الفرض الأول.

الثالث: أنه يُرى عقلائياً أن من تبعات مالكية الإنسان لماله أنّ له أن يملّكه غيرَه بعوض، والبيع من هذا القبيل. وهذا هو الصحيح.

لكن هل المرتكز عقلائياً تمليك كل منهما ماله للآخر بملكية أخرى غير الملكية التي كانت له أو إعطائه ما كان له من الملكية؟ الصحيح هو الأوّل؛ ولذا قد تختلف طبيعة الملكيّتين، كما في تمليك العمل؛ فإنه كان ملكاً للعامل بالملكية الحقيقية وصار ملكاً للطرف المقابل بالملكية الاعتبارية.

وكما أنّ لصاحب المال حقّ أن يملّكه بعوض، كذلك له حقّ أن يملّكه مجّاناً، كما في الهبة بناء على التفسير غير المرضيّ لها من التفسيرين اللذين مضى ذكرهما، وكما في شرط ملكية شيء بنحو شرط النتيجة، وكما في مهر الزواج.

 

ضمان الغرامة

التوسّع الرابع: حصل التوسّع عند العقلاء أيضاً من ناحية ضمان الغرامة؛ فيُرى صاحب المال المحاز مستحقاً لبدله عند إتلاف غيره له، وهذا كما يكون في الأموال الخارجية كذلك يكون في الأعمال.

1 ـ أما الأموال، فقد يكون المُتلِف ضامناً لبدله الأصلي بحسب القانون الأوّلي كما في من أتلف مال غيره من دون معاملة. وأُخرى يكون ضامناً لبدل معيّن له مسمّى، كما في المقبوض بالمعاملة الفاسدة إذا كان ثمن المسمّى أقلّ من ثمن المثل؛ فإنّ المتفاهم عرفاً أنّ صاحب المال قد قنع بالضمان بمقدار المسمّى وهدر كرامة ماله بالمقدار الأزيد، وأما إذا كان ثمن المسمّى أكثر فلا يضمن إلاّ بمقدار ثمن المثل؛ لأن ضمان الباقي كان من أثر المعاملة وكان فرع صحّتها وإمضائها، والمفروض عدم الصحة.

2 ـ وأما الأعمال، فحالها حال الأموال؛

أ ـ فتارة يفرض أن الشخص يعمل لشخص مجّاناً وتبرّعاً فلا ضمان في ذلك، نظير من يقدّم ماله إلى غيره ويهبه من دون ضمان.

ب ـ وأُخرى يفرض أنه يعطيه عمله مضموناً عليه بقيمته الواقعية، فيضمن القيمة الواقعية، نظير باب القرض في الأموال.

ج ـ وثالثة يفرض أنه يعطيه عمله مضموناً عليه بضمان مسمّى، فيثبت ضمان المسمّى كما في الأموال، ومن هذا القبيل المضاربة والمساقاة والمزارعة والجعالة؛ فروحها عبارة عن إعطاء العمل لا عن مجّان؛ فيضمن العمل، وقد اشترط فيها كون الضمان بشيء مسمّى فيتعيّن عليه.

2ـ تحليل عقلائي لحقيقة الذمة والعهدة

المقدمة الثانية: قد تمسّ الحاجة إلى إيقاع معاملة على مال لزيد مع أنه ليس له شيء من ذلك الجنس أو يوجد له ذلك لكنه يحبّ أن يبقى ما في يده ملكاً له ولا يخرج عن تحت سلطانه؛ لهذا وضعوا وعاء الذمّة وفرضوه لأموال اعتبارية تكون رمزاً للأموال الخارجية، فحين الإعطاء يعطى من المال الخارجي ويطبّق عليه تطبيقَ الرمز على ذي الرمز، والأموال التي تكون في وعاء الذمّة تضاف دائماً إلى شخص ولا تتقوّم من دون الإضافة إليه، ووعاء الذمّة ملصق بالشخص؛ لذا تفرض سلطنة الشخص عليه من باب سلطنته على نفسه وشؤونه.

ومما ذكرناه ظهر الفرق بين الذمّة والعهدة، والتفكيك بينهما من مختصّات الفقه الشيعي ومن لطائفه، ولا يوجد في الفقه السنّي ولا الفقه الغربي. لكن هذا الفرق وإن كان موجوداً في الفقه الشيعي لكنهم لم يحدّدوا التمييز بينهما تحديداً دقيقاً، ولعلّ أحسن ما أفيد في مقام التفرقة بينهما ما ذكره المحقق النائيني+ من أن الذمّة وعاء الكليات والعهدة وعاء الخارجيات([18]). ولعلّ هذا الكلام منه+ ناشئ مما يراه في الفقه من أنهم يقولون في حق الغاصب ما دامت عين المال موجودة: إنّ المال يكون في عهدته، وبعد تلفها يقولون: إنّ عوض المال يكون في ذمّته.

والواقع أن هذا التبديل في العبارة لم ينشأ من ناحية أن وعاء العهدة هو للخارجيات ووعاء الذمّة للكليات؛ وإنما نشأ من ناحية أنّ المال ما دام موجوداً فلا معنى لإشغال الذمّة؛ لما عرفت من أن ما في الذمّة إنّما يعتبر بوصفه رمزاً لما في الخارج؛ فمع وجود ذي الرمز لا معنى لاعتبار الرمز؛ فما دامت العين موجودةً لا تشتغل الذمّة بشيء، وتشتغل العهدة بأدائها، وبعد تلفها تصل النوبة إلى الرمز؛ فتشتغل الذمّة بالعوض، وتكون العهدة مشغولة بأداء العوض، لا أنه تصبح العهدة فارغة وتشتغل الذمّة فقط بالعوض.

والفرق الصحيح بين العهدة والذمّة هو ما ظهر من كلماتنا من أن العهدة وعاء ما يلزم على الإنسان من أعمال بقطع النظر عن تملّك شخص لها، والذمّة وعاء الأموال المملوكة لشخص آخر بنحو الرمز إلى ما في الخارج. والفرق بينهما ـ أي العهدة والذمّة ـ من قبيل الفرق بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي.

النسبة بين العهدة والذمّة

وبين موارد العهدة والذمّة عمومٌ من وجه:

أ ـ فمن موارد الاجتماع ما غصبه الغاصب وتلف عنده فيكون عوضه ثابتاً في ذمته وتكون عهدته مشغولة بأداء العوض.

ب ـ ومن موارد اشتغال العهدة دون الذمّة ما غصبه الغاصب وهو بعدُ موجودٌ لم يتلف؛ فعهدة الغاصب مشغولة بردّ ما غصبه وليس في ذمته شيء، ومن هذا القبيل الأرش عند تبيّن المبيع معيباً حيث يقال: يجب على البائع إعطاء الأرش إذا اختاره المشتري من دون أن يملك المشتري شيئاً في ذمّة البائع، ومنه نفقة الأقارب حيث يلتزم فيها بوجوب إعطائها من دون اشتغال الذمّة، ومنه أداء المبيع بعد أخذ الثمن من المشتري فإنه ثابت في عهدة البائع من دون اشتغال الذمّة بشيء، ومنه ضمان الدين، بناء على ما ذهب إليه بعض من كونه عبارة عن التعهد وضمّ عهدة أو قلب عهدة إلى عهدة([19])، لا عبارة عن نقل الدين من ذمّة إلى ذمّة [أو ضم ذمّة إلى ذمّة]، كما نسب إلى المشهور بين أهل السنّة([20])، ومنه ما إذا تواردت الأيدي على مال مغصوب ثم تلف في يد الأخير، على ما يقوله صاحب الجواهر+ من أنّ من عدا الأخير لا تشتغل ذمّته بعوض المال، لكن يجب عليه إفراغ ذمّة الأخير بردّ العوض، ولذا يرجع إلى الأخير([21]).

ج ـ ومن موارد اشتغال الذمّة دون العهدة، ما إذا كان المديون عاجزاً عن الأداء، ومنه ما إذا كان الدائن كافراً يجوز أكل ماله؛ فهنا الذمّة مشغولة وإن لم تكن العهدة مشغولة، نعم يمكن إفراغ الذمّة بتملك ما في الذمّة كما يجوز تملّك أمواله الخارجية.

ووجود المال في الذمة إنما يكون بعد المعاملة؛ فبعد أن باع زيد منّاً من الحنطة مثلاً في ذمته من عمرو، أصبحت ذمّة زيد مشغولة بمنّ من حنطة ويكون عمرو مالكاً لمنّ من حنطة موجود في ذمة زيد، وقبل ذلك لم يكن يوجد في ذمّة زيد حنطة، نعم كان زيد قبل البيع مالكاً لتمليك عمرو في ذمّته شيئاً، وهذا كأنّه يعتبر نوع مالكيةٍ لزيد لما في ذمّته، ويكتفي العقلاء بذلك في تصحيح البيع المتوقّف على مملوكية العوضين؛ فيقال: إن زيداً كان مالكاً لما في ذمته، ولو بهذا النحو من المالكية التي ترجع روحها إلى مالكيته لإشغال ذمّته وتمليك شيء على نفسه لغيره، وهذه المالكية تكفي لصحّة البيع؛ فإن مالكية كل شيء بحسبه.

وبعد أن باع منّاً من الحنطة مثلاً في ذمته، ثم صار وقت الأداء يؤدي منّاً خارجياً من الحنطة، وفي الفقه الحنفي اعتبر ذلك نوع مبادلة بين المنّ الاعتباري الموجود في وعاء الذمّة والمنّ الخارجي؛ وهذا غفلةٌ عن أن المنّ الاعتباري إنّما كان يلحظ بما هو رمز وبنحو المعنى الحرفي لا بنحو المعنى الإسمي؛ فإنّ المنّ الاعتباري إذا لوحظ بما هو معنى إسمي لم يكن له أيّ قيمة واعتبار كما لا يخفى، والصحيح عقلائياً أنه حين الأداء يعطي المنّ الخارجي ويعتبر هذا تطبيقاً للرمز على ذي الرمز والكلي على المصداق، لا مبادلةً بين المنّ الاعتباري والمنّ الخارجي.

وقد ذهب بعض فقهاء أهل السنّة في تفسير الذمّة إلى أنها عبارة عن قابلية الشخص لأن يثبت حقاً له أو عليه وعدم كونه من قبيل الحيوان الذي لا يكون قابلاً لذلك؛ فيكون من حين كونه جنيناً في بطن أمّه قابلاً لأن يثبت حقّ له، وبعد أن يولد يصبح قابلاً لثبوت الحقّ عليه أيضاً، كما إذا أتلف مالاً لشخص فيكون ضامناً له.

أقول: إن هذا التفسير للذمّة إن لم يكن مسامحة في التعبير، فهو حتماً اصطلاح آخر في الذمّة، لا أنه اختلاف في الذمّة التي ذكرناها؛ فإنّ فقهاء أهل السنّة يتصوّرون الدَّين في فقههم بمعنى المال الكلّي المملوك لشخص على شخص، وهذا المال الكلّي الاعتباري حتماً يحتاج إلى وعاءٍ يلتصق بواسطته بالمديون، وهذا الوعاء هو الذي سمّيناه بالذمّة، وبمقتضى طبيعة فقههم يؤمنون بهذه الذمّة حتماً؛ فما ذكره الدكتور عبدالرزاق السنهوري في المقارنة بين الفقه الإسلامي والفقه الغربي من تفسير الفقه الإسلامي للذمّة بقابلية الشخص لثبوت حقّ له أو عليه، غير صحيح.

3ـ الذمّة في الفقهين: الغربي والإسلامي، رصد ومقارنة

المقدمة الثالثة: الفقه الغربي وارثٌ للفقه الروماني الذي كان موجوداً عند الغربيين في عصر تكوّن الفقه الإسلامي، ولا زال الفقه الإسلامي في سيره التكاملي وتطوّره العلمي فيما أصبح الفقه الروماني راكداً، ويعمل به الغربيون بوصفه قوانين مسلّمة خلال قرون عديدة شبه ما ينسب إلى فقه الشيخ الطوسي+ من بقائه وركوده خلال مائة سنة، وتقليد العلماء المتأخرين عنه لتلك الآراء، إلا أنّ هذا الركود في فقه الشيعة كان في مدّة قصيرة، فيما ركود الفقه الغربي استمرّ مئات السنين؛ ولذا اكتسب الفقه الروماني عندهم ـ بالتدريج ـ طابع القداسة والعظمة؛ حيث عاش بينهم مئات السنين لا يستطيعون تغيير أيّ جزئيّ من جزئياته، ثم بدأ عصر النهضة عندهم فيما بدأ عصر الركود في العلوم عند المسلمين؛ فتحقق الركود ـ مع كلّ أسف ـ عند المسلمين في غير الفقه، وتحقّق الركود حتى في الفقه عند أكثرية المسلمين، وبقي تكامله نسبياً عند طائفة معيّنة من المسلمين وهم الشيعة. وأما الغربيون فبحلول عصر النهضة أخذوا يدرسون كلّ تراثهم العلمي الموروث من السابقين، ويجدّدون النظر في كل معلوماتهم ومعارفهم. ومن جملة معارفهم التي جدّدوا النظر فيها الفقه الروماني نفسه.

وبطبيعة الحال وقع الاختلاف بينهم في اتخاذ موقف معيّن تجاه الفقه الروماني فوجد فيهم اتجاهان:

الاتجاه الأول: وهو الاتجاه اللاتيني الذي تتبنّاه فرنسا وإيطاليا وبريطانيا، وهو الاتجاه المحافظ على الفقه الروماني والمدافع عنه، وإن اضطرّ ـ أخيراً ـ بالتدريج وبحسب تطوّر الحاجات إلى الاعتراف بتعديلات نسبية في الفقه الروماني نفسه.

الاتجاه الثاني: وهو الاتجاه الجرماني الذي تبنّاه فقهاء ألمان، وهو الاتجاه المعدِّل للفقه الروماني والمطوّر له.

وبالجملة، القوانين الفقهية عند الغربيين موروثة من الفقه الروماني؛ فبعضهم يسلك في القوانين الاتجاه اللاتيني، وبعضهم يسلك الاتجاه الجرماني، وبعضهم يخلطون بين هذا وذاك. ودراسة بحث الذمّة عندهم ومقارنته ـ بالتفصيل ـ ببحث الذمّة عندنا يحتاج إلى اطلاع على بحوثهم الفقهية بشكل عام، وهو ما يخرج بحثه عن مسؤولية درس تعطيلي لمدّة شهر واحد كهذا الذي نحن فيه، ولكننا نستعرض ـ على سبيل الإجمال ـ المقارنة بين الذمّة والدَّين عندنا والذمّة والدين عندهم فنقول:

الدين عندنا هو المال الكلّي الاعتباري الرمزي الثابت على المدين، أما عندهم فهو عبارة عن مجرّد التزام شخص لشخص بإعطاء مال إيّاه، ويترتّب على هذا الفرق بين الدين عندنا وعندهم أمور:

1 ـ يحتاج الدين عندنا إلى وعاء وهو الذمّة، وبذلك الوعاء الملتصق بالإنسان يرتبط الدين به، أما عندهم فالدين عبارة عن مجرد الالتزام، وهو غير محتاج إلى وعاء.

2 ـ إن الدين عندهم رباط يشدّ أحد الشخصين بالآخر، لا بالمال؛ لعدم كونه ملكاً لمال؛ ولذا سمّوه بالحق الشخصي في مقابل ملكية المال الخارجي الذي يسمّونه بالحق العيني.

3 ـ لقد تعذّر على الفقه الروماني تصوير الحوالة، بمعنى تبديل المديون، ويسمّونه حوالة الدين أو تبديل الدائن ويسمّونه حوالة الحق، ولم يتعذّر ذلك بحسب تصويرات الفقه الإسلامي؛ فإنّ الدين عبارة عن مال، فحاله حال المال الخارجي في إمكان النقل، وأما الالتزام فبتبديل أحد طرفيه يتبدل الالتزام ويصبح التزاماً آخر عقلائياً، كما يكون كذلك عقلاً مثلاً، ثم جاء الفقه الجرماني وناقش الفقه الروماني في عدم تصوير الحوالة بكلا شقّيها؛ وكأن الاختلاف بين الفقه الروماني والفقه الجرماني نشأ من أرباب هذا الفقه وأرباب ذاك الفقه؛ حيث إن شدّة الحاجة ـ خارجاً ـ إلى الحوالة بكلا شقّيها دعت من ناحية الفقه الجرماني إلى أن يتصوّر الحوالة، ومن ناحية أُخرى كان المركوز في عصر الفقه الروماني كون المقهورية والمغلوبية التي تستشعر عقلائياً للمديون، كما تستشعر الغالبية والقاهرية للدائن، واقعةً على نفس المديون؛ لكون الدين خيطاً يشدّ الشخص بالشخص؛ فكأن أحد طرفي الخيط واقع في رقبة المديون والطرف الآخر بيد الدائن يقوده حيث شاء؛ من هنا كانوا يرون للدائن سلطنة بنحو عجيب على المديون حتى أنه يجوز له عند عدم أداء المديون الدين في الوقت المقرّر استرقاقُه، بل قد يجوز ما هو أعظم من ذلك. وهذا النحو من العلاقة بين الدائن والمديون يشُقُّ على الإنسان التصديق بصحة وقوع التبادل في طرفيه: الدائن أو المديون، وأما الفقه الجرماني فبعد انفتاحه على نوع من العدالة المنافية مع مثل هذا الظلم رفض مثل هذه السلطنة، التزم بتفكيك عجيب بين المديونية والمقهورية؛ فقال: إنّ المديونية واقعة على هذا الشخص والمقهورية واقعة على ماله لا على نفسه؛ وكأنّهم فرضوا مثالاً خيالياً وشبحاً فرضياً للأموال الخارجية مطّاطاً يقبل دخول أشباح أخرى فيه وخروجها حسب ازدياد أمواله ونقصانه، وسمّوا ذلك بالذمّة، وجعلوه محطّ المقهورية للدائن؛ فافتراق الذمّة عندهم عن الذمّة عندنا تبعاً لافتراق الدين عندهم عنه عندنا، والفقه الجرماني أخذ يتصوّر الحوالة بدعوى أنه تارة ننظر إلى الدين نظرة ذاتية فلا يمكن تبديل أحد طرفيه وأخرى ننظر إليه نظرة مادّية ـ يعني بذلك نظرةً مالية ـ فيعقل تبديل أحد طرفيه، واعترف بإمكان حوالة الحقّ قبل اعترافه بإمكان حوالة الدين، وكأنّه من باب أن التصاق الدين بالمديون أشدّ من التصاقه بالدائن، فتصوير تبديل الدائن كان أسهل عليهم.

وقد ذكر بعض من قارن بين الفقه الإسلامي والفقه الغربي ـ كالشيخ مصطفى الزرقا ـ أن الفقه الإسلامي سبق الفقه الغربي بقرون في توصّله إلى حلّ مشكلة الحوالة بكلا شقّيها([22]).

وهذا الكلام غير صحيح؛ فإن سنخ تصوّر الفقه الإسلامي للدَّين لم يكن سنخ تصوّر يقع فيه الإشكال في الحوالة حتى يتوصّل إلى حلّه قبل توصل الغربيين إليه، بل كان سنخ تصوّر لا موضوع فيه رأساً لصعوبة تصوّر الحوالة كما مضى، نعم الفقه الإسلامي اعترف بحوالة الدين بعنوانه كما في الحوالة على البرئ، وهو ما يسمى في الفقه الحنفي بالحوالة المطلقة والحوالة على المديون كما إذا كان زيد يطلب عمرواً وكان بكر يطلب زيداً فأحاله زيد على عمرو، وهو ما يسمّى في الفقه الحنفي بالحوالة المقيّدة([23])، وسائر المذاهب الثلاثة من الفقه السنّي ـ غير الفقه الحنفي ـ لم يعترف بالحوالة المطلقة، كما أنكر بعض فقهاء الشيعة أيضاً الحوالة على البرئ، لا لصعوبة تصوّر الحوالة، بل لنكتة أخرى ستأتي إن شاء الله تعالى.

وبالجملة فقد اعترف الفقه الإسلامي بحوالة الدين بعنوانه ولم يعترف بحوالة الحق بعنوانه؛ فلا يصح في الفقه الإسلامي تبديل الدائن بنفس هذا العنوان ـ أعني عنوان تبديل الدائن ـ نعم يصح تبديل الدائن عن طريق بيع الدين عند فقهاء الشيعة لا عند فقهاء السنّة. فالفقه الإسلامي لم يصطدم من أول الأمر بصعوبة في تصوير الحوالة، نعم وقع في الفقه الإسلامي ما يشبه صعوبة تصوير الحوالة عند الفقه الروماني في موردين:

المورد الأول: نقل عهدة إلى عهدة عندما يكون المال المغصوب موجوداً في الخارج ويتعهّد شخص آخر بردّ المال؛ فهنا لا تكون الذمّة مشغولة بمال، وإنّما يكون الشخص مُلزَماً بإعطاء مال؛ فيشبه الدين عند الغربيين؛ فكيف يعقل نقل هذه العهدة إلى شخص آخر؟!

وقد حُلَّت هذه المشكلة عن طريق الالتفات إلى وجود المال في المقام، وأنه كان المال في عهدة زيد؛ فكأنّ العهدة ظرف لهذا المال، وينتقل المال من هذه العهدة إلى عهدة أخرى كانتقال المال خارجاً من مكان إلى مكان.

المورد الثاني: إرث الخيار؛ حيث يقال: إن الخيار عبارة عن حقِّ أن يَفسِخَ، وهذا قائم بنفس المورِّث، ولا يمكن ثبوته في الوارث؛ وفسخ الوارث غير فسخ المورث؛ فلو ثبت له حقّ أن يَفسِخَ كان هذا حقاً آخر، ولم يكن إرثاً للحقّ السابق.

ويجاب عن ذلك بإرجاع حقّ الخيار إلى حقّ انفساخ العقد بمعنى اسم المصدر، لا حقّ أن يَفسِخ بالمعنى المصدري؛ فيكون قابلاً للانتقال.

ولا يعترف الفقه السنّي ـ كما مضى ـ ببيع الدَّين؛ فلا يوجد عنده حوالة الحقّ، وقد ذكر الشيخ مصطفى الزرقا أنّ حوالة الحق توجد في الفقه الإسلامي في الحوالة المقيّدة، وهي الحوالة على من هو مديون للمُحيل؛ فإنّ هذه الحوالة تستبطن حوالة الحق وحوالة الدَّين معاً؛ فإنه إذا كان عمرو مديوناً لزيد وكان زيد مديوناً لبكر؛ فأحال زيد بكراً على عمرو، فالمديون لبكر قد تبدّل؛ حيث كان مديونه عبارة عن زيد ثم أصبح عبارة عن عمرو، وهذه هي حوالة الدين، والدائن لعمرو قد تبدل فإن دائنه كان عبارة عن زيد ثم أصبح عبارة عن بكر، وهذه هي حوالة الحق([24]).

وهذا الكلام غير صحيح؛ فإنّ الصحيح أن أحد الدينين قد انتفى ولم يعد موجوداً حتى يقال: إنّ أحد طرفيه تبدّل. والحاصل أنه لو بنى على الجمع بين حوالة الحق وحوالة الدين فهذا مساوق لفرض بقاء كلا الدينين حتى يقال: إنه في أحدهما تبدل الدائن وفي الآخر تبدل المديون؛ فلبكر أن يأخذ من عمرو دينارين لو فرض كل من الدينين ديناراً: الدينار الأول ما كان يطلبه من زيد وقد تبدل مديونه إلى عمرو فيأخذه من عمرو. والدينار الثاني ما كان يطلبه زيد من عمرو وقد تبدّل الدائن إلى بكر؛ فله أن يأخذه من عمرو، مع أنه لا إشكال في بطلان ذلك.

وهناك من سبق الشيخ مصطفى الزرقا من فقهاء السنّة تفاسير أُخرى لمسألة الحوالة على المديون؛ فمنهم من قال: إنّ هذا عبارة عن مبادلة واقعة بين الدينين([25])، وهذا ما يقوله بعض فقهاء الشيعة، كما يذكر فقهاء الشيعة أنّ الحوالة على المديون لا تعدّ بحسب المتفاهم العرفي مبادلة([26])، ونعم ما قالوا، ومنهم من قال: إنّ هذا عبارة عن تطبيق المحيل ما يطلبه منه المحال على الدين الموجود في ذمّة المحال عليه؛ فقد يُطبَّق في مقام الأداء على مال خارجي وقد يطبَّق على دين في الذمّة، وهذا ما ذهب إليه بعض فقهاء الشيعة أيضاً([27])، والمتبصّرون من فقهاء الشيعة قالوا: إنّ الحوالة على المديون ليست عبارة عمّا ذكر، ونعم ما قالوا، لكن لم يشرحوا بل اكتفوا بأنّها معاملة مستقلّة([28]).

وتفصيل الكلام في هذا المقام موكول إلى مبحث الحوالة، إلا أننا نشير هنا إلى ما هو الصحيح المختار هناك من أنّ المحيل دائماً يأخذ ما في ذمّته ويدخل في ذمّة المحال عليه؛ فإذا كان المحال عليه بريئاً فهو مالك لذمّته وواقف كالشرطي على باب ذمّته، فلا يمكن أن يجعل شيئاً في ذمته إلا بإذنه، فإذا أذن صحّ ذلك، وإن كان مديوناً فهو بهذا المقدار غير مالك لذمّته بل مالكها بهذا المقدار هو المحيل؛ فيُدخل ما كان في ذمته إلى ذمّة المحال عليه ويضعه في موضع ما يطلبه من الدين من دون إذن؛ لأنّه مالك لهذا المقدار من ذمّته. وهذا في الحقيقة إفناءٌ للدين الموجود في ذمّة المحال عليه ووضعٌ لما كان عليه من دين في موضع ذلك من باب مالكيته لهذا المقدار من ذمته، ولذا اشترطوا توافق دين المحال عليه مع دين المحيل في الجنس والأوصاف وجميع الخصوصيات واشتماله على ذلك المقدار.

نظرية السنهوري، نقد وتعليق

ذكر الدكتور عبدالرزاق السنهوري أنّ الفقه الإسلامي لم يتوصّل إلى حوالة الحق ولا إلى حوالة الدين، فهو يتفق مع الشيخ مصطفى الزرقا في أنه لا يمكن توصّل الفقه إلى حوالة الدين قبل توصّله إلى حوالة الحق؛ لما مضى من أنّ الالتفات إلى إمكان نقل رابطة الدين من دائن إلى دائن آخر أسهل من الالتفات إلى إمكان نقلها من مديون إلى مديون آخر؛ لأن ارتباطها بالمديون أشدّ وأقوى من ارتباطها بالدائن، إلاّ أنه في الفقه الإسلامي توجد حوالة الدين، وأما حوالة الحق فلا توجد بعنوانها، نعم يمكن تحقيق حوالة الحق بعنوان بيع الدَّين أو هبته، وهذا ما يصحّ عند الشيعة، دون مدارس الفقه السنّي غير الفقه المالكي.

من هنا يواجه الشيخ مصطفى الزرقا والسنهوري مشكلة تصوّر اعتراف الفقه الإسلامي بحوالة الدين دون حوالة الحقّ!! فالشيخ مصطفى الزرقا ادّعى أن الفقه الإسلامي عرف كلتا الحوالتين، وهما موجودتان في الحوالة على المدين، وقد مضى بيانه وبيان ما فيه، فيما قال السنهوري: إنّ الفقه الإسلامي لم يعرف شيئاً من الحوالتين؛ إذ لم يعرف حوالة الحق فكيف يعرف حوالة الدين؟! واستشهد على عدم معرفة الفقه الإسلامي بحوالة الدين بأمرين:

الأول: لو كان الفقه الإسلامي عرف حوالة الدين، فلماذا يفرّق بين الحوالة على البرئ والحوالة على المدين؛ فيقول بالثاني فقط، مع أنه لا يوجد نكتة مفرّقة بينهما فيجب اعترافه بالحوالة على البرئ أيضاً، مع أنه لم يعترف أيّ من المذاهب الأربعة بذلك عدا الفقه الحنفي على تلعثم وتلكأ في ذلك، يرجع بحسب الحقيقة إلى عدم الاعتراف بذلك؛ فيظهر من هذا أن مقصودهم الواقعي من حوالة الدين على المدين ليست حوالة الدين وإنّما واقع المطلب هو إفناء الدين الأول وإيجاد دين جديد.

الثاني: لو كان ما يسمّى بالحوالة في الفقه الإسلامي حوالةً في الحقيقة لا إفناءً لدين وإيجاداً لدين جديد، فلماذا لا تثبت بعد الحوالة توابع الدَّين الأول كما تثبت عند الفقه الغربي؛ فإذا كان عند الدائن رهنٌ على ذلك الدين لا يعترف الفقه الإسلامي ببقاء الرهن بعد الحوالة، وإذا كان الدين عبارة عن ثمن كتاب اشتراه مثلاً فللمشتري أن يمتنع من أداء الثمن إلى أن يأخذ الكتاب، لكن بعد الحوالة يكون للبائع أخذ الثمن من المحال عليه ولو قبل أداء الكتاب ولا يجوز هناك هذا الامتناع، وأيضاً كان للبائع أن يمتنع من إعطاء الكتاب إلى أن يأخذ دينه ـ وهو الثمن ـ ولا يجوز له هذا الامتناع بعد الحوالة.

وقد ذكر في مقام بيان عدم معرفة الفقه الإسلامي لحوالة الحق أنّ الفقه الإسلامي لم يذكر ذلك تحت عنوان حوالة الحق، نعم تبقى مسألة بيع الدَّين وهبته، وهذا ما لا يقرّه أيّ من المذاهب الأربعة عدا الفقه المالكي، وهو وإن كان يذكر عنوان بيع الدين لكن واقع المقصود ليس ذلك، وإنّما بيع الدين عبارة عن الوفاء مع الحلول، فليس بيعاً حقيقةً وإلاّ لما كان هناك وجه للتفصيل بين بيع الدَّين بالدين وبيعه بالعين؛ حيث يصحّحون الثاني دون الأول، وإنّما الوجه في هذا التفصيل هو أن بيع الدين عبارة عن الوفاء مع الحلول، أي أنّ المشتري يفي دين المديون ويحلّ هو محلّ الدائن، وحيث إنه في بيع الدين بالدين لا يوجد وفاء في المقام لذا لم يصحّ عندهم بيع الدين بالدين.

وذكر السنهوري هنا أيضاً أن الفقه الإسلامي عرف حوالة الحق في خصوص باب الإرث؛ فاعترف بأنّ الوارث يقوم مقام المورّث في الدين الذي يطلبه المورّث من الآخرين، وإنّما عرف حوالة الحق هنا مع أنه لم يعرفها في غير باب الإرث من ناحية أن الوارث كأنه وجود امتدادي للمورّث؛ فكأن الأمر فيه أسهل، والفقه الإسلامي الذي اعترف بحوالة الحق في باب الإرث لم يعترف بحوالة الدين فيه، فلا يقيم الوارث مقام المورث إذا كان مديوناً كما يصنعه الفقه الغربي، وهذا هو السير المترقّب لكل فقهٍ، وهو أن يعرف حوالة الحقّ قبل حوالة الدين؛ لأن التصاق خيط الدين بالدائن أحقّ من التصاقه بالمديون؛ فتبديل الدائن أهون([29]).

أقول: إن ما ذكره السنهوري هنا لا يخلو عن مناقشات:

1 ـ أما ما ذكره من أن الفقه الإسلامي الذي لم يعرف حوالة الحق لا يمكنه أن يعرف حوالة الدين لكون السير الطبيعي للفقه هو العكس، أي أن يعرف حوالة الحق قبل حوالة الدين، فيردّ عليه أن هذا خلط بين تصوّرات الفقه الإسلامي عن الدين وتصورات الفقه الغربي؛ فإن الفقه الغربي يرى الدين مجرّد خيط بين الدائن والمدين لا مالاً موجوداً في ذمّة المدين، وحينئذ يصعب عليه تصوّر تبديل أحد طرفي الالتزام؛ لأن ذلك الالتزام متقوّم بطرفيه، ثم يتصوّر تبديل الدائن قبل تصوّره لتبديل المدين؛ لكون التصاق الخيط بالدائن أخفّ من التصاقه بالمدين. أما الفقه الإسلامي فلا يواجه ـ كما مضى ـ هذه المشكلة رأساً؛ لأنه يرى الدين عبارة عن مال موجود في الذمة، وحوالة الدين عبارةٌ عن نقل هذا المال من مكان إلى مكان، أي من ذمة إلى ذمّة، من قبيل نقل المال الخارجي من غرفة إلى غرفة، وحوالة الحق عبارة عن تبديل مالك هذا المال الموجود في الذمّة. وهذان أمران لا يرتبط أحدهما بالآخر، فيجوز للفقه أن يتصوّر أحدهما دون الآخر سواء كان ما تصوّره عبارة عن حوالة الحق دون حوالة الدين أو العكس.

2 ـ وأما ما ذكره من الدليل الأول على عدم معرفة الفقه الإسلامي لحوالة الدين من أنه لماذا يفرّق بين الحوالة على البرئ والحوالة على المدين؛ فتنكر المذاهب الأربعة الحوالة على البرئ عدا الفقه الحنفي مع تلعثم وتلكأ يرجع إلى عدم الاعتراف؟ فإنّ الملاحظة عليه أنّ السنهوري اقتصر على فقه السنّة، أما فقهاء الشيعة فجملة منهم يلتزمون بالحوالة على البرئ، نعم جملة منهم ينكرونها، وليس إنكارهم لصعوبةٍ في تصوير أصل الحوالة، بل لدعوى أنّ الحوالة على البرئ ترجع إلى الضمان؛ فلا يبقى عندنا حوالة على البرئ؛ وذلك أنه يوجد عندنا في الفقه بابان: باب الضمان؛ بأن يضمن شخص دين شخص، وباب الحوالة؛ والفرق بين الضمان والحوالة أنّ الحوالة تصدر من المديون إلى من يقع عليه الدين بعد الحوالة، والضمان بالعكس، فهو شيء يصدر من نفس من يقع عليه الدين، ويقال: إن الحوالة على البرئ يرجع روحها إلى الضمان؛ فإنه في الحقيقة يصدر من الذي يقع عليه الدين بهذه المعاملة تقبّلٌ للدين وهذا عبارة عن الضمان فلا يتصور الحوالة على البرئ بنحو يفترق عن الضمان. هذا ما يذكر في المقام، وهو كما ترى غير مربوط بصعوبة أصل تصوير الحوالة.

والحق إن الحوالة على البرئ أيضاً صحيحة، ولا ترجع إلى باب الضمان، وبيان ذلك خارج عن عهدة هذا البحث التعطيلي في هذا الشهر وموكول إلى بحث الحوالة.

3 ـ وأما ما ذكره من الدليل الثاني على عدم معرفة الفقه الإسلامي لحوالة الدين من عدم اعترافه ببقاء تبعات الدين الأول بعد الحوالة، فيرد عليه أن عدم بقاء تلك التبعات يرجع لسبب آخر غير تبدّل الدين بدين آخر، وعدم تصوير نقل نفس الدين الأول إلى ذمّة أخرى؛ وذلك أنّ المال المرهون ـ بحسب مرتكزات العرف ـ وثيقة يقصد بها التأكد من إفراغ المديون ذمّته وأداء وظيفته، لا التأكد من وصول المال الموجود في ذمته إلى الدائن. وبتعبير آخر: إنّه وثيقة بلحاظ الذمّة لا بلحاظ المال الموجود في الذمّة، وحيث أفرغ الشخص ـ بعد الحوالة ـ ذمته وعمل بوظيفته، فلم يبقَ موضوع للرهن. وبتعبير ثالث: إنّ الرهن كان بلحاظ الذمّة الأولى وقد تبدّلت الذمّة، فهذا هو الوجه في عدم بقاء الرهن على حاله، لا تغيّر الدين ولا عدم كون المال المرهون ملكاً للمحال عليه، فإنه لا يشترط في الرهن كون المال المرهون مملوكاً للراهن. ولا أرى مانعاً من أن يجعل الرهن ـ بالتصريح ـ رهناً على نفس المال بحيث يبقى حتى بعد نقله من ذمّة إلى ذمّة أخرى.

وأما عدم جواز تأجيل إعطاء الثمن إلى أن يؤخذ المثمن بعد الحوالة، مع أنه كان يجوز ذلك قبلها، فالصحيح أنّ جواز تأجيل الثمن إلى أن يؤخذ المثمن حقّ ثابت بحسب الشرط الضمني العقلائي، وبقاء هذا الحق بعد الحوالة وعدمه مربوط بسعة هذا الشرط وضيقه؛ فإن كان شرطاً لاستحقاق تأجيل الخروج عن عهدة المال ما لم يؤخذ المثمن فقد انتهى أمد هذا الشرط؛ فإن المشتري قد خرج عن عهدة المال بالحوالة وبقي المال ديناً للبائع على المحال عليه لا يجوز التراخي في أدائه، وإن كان شرطاً لجواز تأجيل إعطاء ذات الثمن إطلاقاً إلى أن يؤخذ المثمن، صحّ التأجيل حتى بعد الحوالة، والمرتكز عقلائياً هو الأول؛ ولذا يبطل جواز التأجيل بعد الحوالة. ولا أرى مانعاً من جعل الشرط ـ بالتصريح ـ بالنحو الثاني فيبقى جواز التأجيل بعد الحوالة. وإذا قلنا: إنّ جواز تأجيل الثمن إلى أن يؤخذ المثمن حكمٌ تعبدي لا من باب الشرط الضمني فلابد في مقام فهم بقائه إلى ما بعد الحوالة وعدمه من الرجوع إلى مفاد دليل ذلك الحكم سعة وضيقاً.

وقد ظهر مما ذكرناه الكلام في الأثر الثالث، وهو جواز تأخير إعطاء المثمن إلى أن يؤخذ الثمن، وعدم بقاء هذا الأثر بعد حوالة الثمن على شخص آخر أو بقائه.

4 ـ وأما ما ذكره من أن الفقه الإسلامي عرف حوالة الحقّ في باب الإرث ولم يعرف حوالة الدين فيه جرياً على ما هو المقتضي الطبيعي للسير الفقهي، ففيه ما مضى من أنّ المقتضى الطبيعي للسير الفقهي هنا إنّما يكون في الفقه الغربي دون الفقه الإسلامي، وإنّما لم يعرف الفقه الإسلامي حوالة الدين في باب الإرث لعلّة أخرى وعرفه الفقه الغربي في باب الإرث لاختلاف بين طبيعة الفقهين؛ وذلك أنّ الفقه الغربي يرى الدين عبارة عن مجرّد الالتزام، وإذا مات المديون فالفقه الغربي لا يجعل الوارث قائماً مقامه في كل ديونه وإتلافاته زائداً على التركة؛ فهذا ظلم واضح، وإنّما يجعله قائماً مقامه بمقدار التركة، أما الفقه الإسلامي فيرى الدين عبارة عن مال موجود في الذمة، وذمّة الشخص لا تموت بموت ذات الشخص؛ فإنّها وعاء اعتباري قابل للبقاء حتى بعد الموت؛ لذا لا حاجة إلى قيام المورّث مقام الوارث في الدين، فإن المورث إنّما يقوم مقام الوارث في ما يكون الوارث ميتاً بلحاظ ما كان، وهذا هو الحال بلحاظ أمواله الخارجية وبلحاظ ما كان يطلبه من غيره؛ ولذا عرف الفقه الإسلامي حوالة الحقّ في باب الإرث، وأما بلحاظ الديون الثابتة على الميت فذمّة الميت باقية على حياتها ما لم يوفّ دينه، ولا مجال لقيام الوارث مقامه ويوفّى دينه من تركته ثم يورّث المال، كما قال تعالى:    (النساء: 11).

والحق أن التركة تبقى ملكاً للميت ويوفّى دينه بها، لا أن الديون تتعلّق بالتركة. هذا وإن لم تف تركته بمقدار دينه بقيت ذمته مشغولة إلى أن يتبرّع متبرّع عنه.

الهوامش


(*) مفكر إسلامي شهيد، أشهر من أن يعرّف، فالسكوت عن تعريفه أجدى.

([1]) وسائل الشيعة28: 38، كتاب الحدود والتعزيرات، باب 17، ح1.

([2]) الخوئي، مصباح الفقاهة2: 45 ـ 48.

([3]) المصدر نفسه: 24.

([4]) هذا حديث الغدير المعروف، ومصادره كثيرة؛ للمثال فقط، انظر: المفيد، الإرشاد 1: 175 ـ 176.

([5]) ابن سينا، الشفاء(المنطق) 1: 235، المؤسسة الجامعية للدراسات الإسلامية.

([6]) الخوئي، مصباح الفقاهة 2: 24 ـ 26.

([7]) الإصفهاني، حاشية المكاسب 5: 330 ـ 331؛ والخوئي، مصباح الفقاهة 2: 25ـ 26.

([8]) الإصفهاني، حاشية المكاسب 1: 26.

([9]) الخوئي، مصباح الفقاهة 2: 25.

([10]) الإصفهاني، حاشية المكاسب 1: 25ـ 26.

([11]) المصدر نفسه: 27.

([12]) المصدر نفسه: 27 ـ 28.

([13]) الخوئي، مصباح الفقاهة 1: 26؛ و2: 8ـ 9.

([14]) النائيني، منية الطالب (حاشية المكاسب) 1: 16.

([15]) وسائل الشيعة 21: 276، كتاب النكاح، أبواب المهور، باب 20، ح4.

([16]) الميرزا علي الإيرواني، حاشية كتاب المكاسب 2: 15.

([17]) الخوئي، مصباح الفقاهة 2: 200ـ 201.

([18]) لم أعثر عليه صريحاً في كلمات الميرزا النائيني، لكنه صريح كلام المحقق الإصفهاني في حاشية المكاسب 2: 313، 325، و3: 110.

([19]) انظر: مصطفى أحمد الزرقا، المدخل الفقهي العام 3: 63.

([20]) انظر: الطوسي، الخلاف 3: 314، 315؛ والنائيني، كتاب المكاسب والبيع 2: 297؛ والخوئي، مصباح الفقاهة 2: 229، و3: 201، 673، و4: 325؛ والنووي، المجموع 13: 434 ـ 435؛ والكاشاني، بدائع الصنائع 6: 10؛ وابن نجيم المصري، البحر الرائق 6: 341؛ والحصفكي، الدر المختار 5: 414؛ وابن قدامة، المغني 5: 58، 70، 73؛ والشرح الكبير 5: 55؛ والبهوتي، كشاف القناع 3: 328؛ وغيرها…

([21]) النجفي، جواهر الكلام 26: 113.

([22]) انظر: مصطفى أحمد الزرقا، المدخل الفقهي العام 3: 64ـ 65.

([23]) انظر: السرخسي، المبسوط 2: 86 ـ 87؛ والسمرقندي، تحفة الفقهاء3: 248؛ والكاشاني، بدائع الصنائع 6: 16 ـ 17؛ وابن عابدين، حاشية رد المحتار 5: 481.

([24]) الزرقا، المدخل الفقهي العام 3: 64 ـ 65.

([25]) النووي، المجموع 13: 431؛ والأنصاري، فتح الوهاب 1: 363؛ والحجاوي، الإقناع 1: 286؛ والشربيني، مغني المحتاج 2: 43؛ 195، وحواشي الشرواني 5: 253؛ والكاشاني، بدائع الصنائع 6: 18؛ وابن قدامة، المغني 5: 75.

([26]) العلامة الحلي، تذكرة الفقهاء (ط.ق) 2: 105؛ والكركي، جامع المقاصد 4: 399، و5: 361؛ والشهيد الثاني، مسالك الأفهام4: 219؛ ومحمد الروحاني، المرتقى إلى الفقه الأرقى 2: 367؛ ومحمد صادق الروحاني، منهاج الفقاهة 6: 548.

([27]) النووي، روضة الطالبين 3: 462؛ وحواشي الشرواني 5: 253؛ والبهوتي، كشاف القناع 3: 445.

([28]) النجفي، جواهر الكلام 26: 165.

([29]) انظر: السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني الجديد 3: 420 ـ 441.