غزوة أحُد

1 فبراير 2015
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
8٬778 زيارة

غزوة أحُد

تحليل مبتكر للمشهد الجغرافي ـ التاريخي

الشيخ رسول جعفريان (*)

تمهيد ـــــــ

غزوة أحُد واحدة من أهمّ غزوات صدر الإسلام، وتظهر أهميتها في الصراعات المتقابلة بين المسلمين والمشركين، والتي أدركها المسلمون على امتداد التاريخ، وقعت هذه الغزوة في اليوم السابع من شوال من السنة الثالثة للهجرة، أي بعد سنة وعشرين يوماً من وقوع غزوة بدر التي وقعت في اليوم السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة، فقد وصل العدوّ إلى أحُد في اليوم الرابع من شوال، بينما قضى المسلمون يوم الخميس وليلة الجمعة في التباحث، ليتحرّكوا يوم الجمعة إلى أحُد؛ للدفاع عن المدينة، فوصلوها صباح السبت، واستقرّوا في مواضعهم، وفي اليوم نفسه جرت الحرب وانتهت([1]).

في القرآن الكريم آياتٌ من سورة آل عمران تخصّ تلك الحرب من زوايا متعدّدة، وعلى الأخص فيما يتعلّق بهزيمة المسلمين؛ لذلك يجدر بنا أن ندرس تلك الغزوة من بعض الوجوه، وهي: أ ـ مقدّمات الحرب. ب ـ أسباب الحرب. ج ـ آثار الحرب وتبعاتها.

في موضوع مقدّمات الحرب، يمكن طرح عدّة أبحاث، منها: 1 ـ إجراءات المشركين للانتقام لحادثة بدر. 2 ـ استعداد المسلمين وتشاورهم في كيفية الحرب مع المشركين. 3 ـ سير حركة المشركين للاستقرار في أحُد. 4 ـ سير حركة رسول الله’ نحو أحُد. 5 ـ مواضع المشركين والمسلمين. 6 ـ ميدان استدارة رماة المشركين.

محور الدراسة ونطاقها: التحديد الجغرافي لمعركة أحُد  ـــــــ

ما نحن بصدده هنا هو صورة عن مواضع استقرار الجَمعَين، بالاستناد إلى التقارير التاريخية والتحقيقات الميدانية، وبديهيّ أن الكتابة دون رسم خارطة لا تنفع شيئاً؛ لذلك لابد من أن تكون التوضيحات وكيفية تعيين المواضع في المرحلة الأولى مصحوبةً بخارطة.

الكتابة الأولى لهذه المقالة جرت في المدينة المنوّرة في الأيام الأخيرة من شهر ذي القعدة من عام 1416هـ، وبعد العود من السفر اطّلعت على دراسة جديدة نشرها الأستاذ محمد باقر النجفي في المجلد الثاني من كتاب «مدينة شناسي» [معرفة المدينة]، وقد استفدت منه في كتابة هذا المقال، لكن من المؤسف أنه على رغم شرحه المسهب، لم يقل شيئاً دقيقاً عن مسير حركة المشركين ورسول الله’ نحو أحُد ولا عن مواضعهم، مع أنّه يوافق على أن ساحة الحرب كانت إلى الغرب من جبل الرماة، لا إلى الشرق، ثم يقول: إنّ استدارة الرماة المشركين كانت حول جبل أحُد، وهو خلاف ما نراه هنا.

جغرافية عامّة لمحيط المدينة المنوّرة وجبل أحُد ـــــــ

ومقدّمةً للبحث، لابدّ من القول: إنّ جبل أحُد يمتدّ من الغرب إلى الشرق، وطوله يقرب من 6000 متر، وهو متصل ببعضه في مجموعة من سلسلة جبال صغيرة وكبيرة، منفصلة عن الجبال الأخرى حول المدينة، واللون الغالب على الجبال هناك الأحمر الضارب إلى البُنّي، إلا أنّ أحجار الغرانيت في أعاليه مزينة بعروق مختلفة الألوان، كالأخضر والأسود والأصفر والرمادي([2]).

يقع جبل أحُد على بُعد خمسة كيلومترات إلى شمال المدينة المنورة، وبينهما فُسحة مفتوحة مبسوطة، حيث بنيت المساكن اليوم في معظم أرجائها، وقد كانت من قبل أرضاً مزروعة، وبموازاة جبل أحُد من الشرق إلى الغرب، توجد قناة تمرّ اليوم إلى الجنوب من مقبرة حمزة وأسفل جبل الرماة، ولذلك تسمّى هذه المنطقة باسم وادي القناة، وينتهي هذا الوادي بوادي العقيق.

وقعت حرب أحُد على السفوح الجنوبية للجبل، وإلى الغرب من جبل الرماة،وهناك  الغرب من جبل أحُد طريق يصل المدينةَ بالشام؛ ولذلك تعتبر تلك الجهة جهةَ الشام من المدينة، أي جهة شمالها، عكس جهة مكّة والقبلة.

لماذا دخل المشركون المدينةَ من الشمال مع أنّ مكّة في جنوبها؟ ـــــــ

تقع المدينة شمال مكّة، فإذا شاء أحدٌ السفر من مكّة إلى المدينة لابد له أن يدخلها من الجنوب، حيث تقع (قبا) في الناحية التي دخل منها رسول الله’ إلى المدينة عند هجرته من مكّة إليها؛ لذلك يطرح هذا السؤال نفسه: لماذا دخل المشركون المدينة في حرب أحُد من شمالها، لا من جنوبها؟ ولابد كذلك من التنويه بأنّ هناك، إلى جانب جبل «سلع»، الواقع في الحدّ الفاصل بين الغرب وشمال المدينة، تلّين أو جبلين؛ حيث كان أهل المدينة يستقبلون ويودّعون المسافرين، وكانت هذه هي ثنية الوداع للمسافرين إلى الشام.

إننا نعلم أن تبوك على الامتداد إلى الشام تقع إلى الشمال من المدينة، ومن الطبيعي أن يكون هذا المسير هو المدخل والمخرج لمسافري الشام، فلماذا قام جيش المشركين القادم من مكة، أي من جنوب المدينة، بالدوران حول المدينة ليأتيها، ليس من قبا، بل من شمال المدينة؛ فيستقرّ في أحُد؟

والجواب: تقع المدينة في حصار أشبه بحدوة الحصان، بشكل حرف (U)، من الجبل والأرض الحجرية (الحرّة)، والبيوت والقسم غير المحاصر إنما هو القسم الشمالي فقط، والذي يمثل فتحة الحرف (U)، وهو الحدّ الفاصل بين أحُد وسلع، وثمة استثناءات صغيرة أخرى تقع في القسم الجنوبي، وأهمّها في الجنوب الشرقي؛ حيث كان يسكن بنو قريظة وبنو النضير، وفي نواحي أخرى في الجنوب وعلى الرغم من وجود حرّة قبا، تلك الأرض الحجرية، كان هناك طريق صعب لعبور الأفراد، لا لعبور جيش، وهو الطريق نفسه الذي سلكه رسول الله’ والمهاجرون الآخرون الذين كانوا يهاجرون بالتدريج من مكّة إلى المدينة، ابتداءً بمحلّة قبا، فالمهم هنا أنّ هذه المداخل ـ من جهة قبا ـ لم تكن تتحمّل جيشاً للمشركين مجهزاً بثلاثة آلاف جندي، إذ كانوا ـ عند مدخل المدينة التي كانوا يعلمون أنها مستعدّة للحرب ـ بحاجة إلى منطقة واسعة مفتوحة، تتحمّل وقوع المعركة فيها، وهو ما لم تكن توفره منطقة حرّة قبا الحجرية، كذلك الحال من ناحية مساكن بني قريظة؛ حيث لم تكن تصلح مدخلاً للمشركين بسبب العقد الذي أبرمه رسول الله’ مع بني قريظة، وهو العقد الذي نُقض بعد ذلك في غزوة الأحزاب، وفي نواحي أخرى، كانت تقع منازل للأنصار؛ فكان دخول المشركين إلى المدينة من تلك النواحي يعني الاشتباك في حرب داخل المدينة، لا الحرب التي تقتضي فسحةً واسعة مفتوحة.

 4545

بناءً على ذلك كلّه، كان طريق جيش المشركين إلى المدينة منحصراً بالعبور بجوار جبل أحُد، حيث كانت المنطقة الواسعة الزراعية، وهذا السبب هو نفسه الذي دعا مشركي مكّة، في غزوة الخندق، إلى عدم الذهاب من الجنوب، بل من هذه المناطق الشمالية، أي من شرق جبل أحُد؛ للدخول إلى مكة، ولكنهم إذ رأو الخندق يسدّ عليهم الطريق، فكّروا في اختراق مناطق بني قريظة في الجنوب، وقصّة ذلك معروفة.

ما نستنتجه من أقوال المؤرخين، أنّ المشركين عندما وصلوا إلى ذو الحليفة، أو محلّ مسجد الشجرة، عطفوا بمسيرهم نحو وادي العقيق، وساروا في نصف دائرة من الجنوب إلى الغرب حتى الشمال، ليستقرّوا في نقطة تبعد نحو 5/1 كم عن الجنوب الغربي من أحُد، فأطلقوا إبلهم ترعى في مزارع المسلمين. إنّ هذه المنطقة الزراعية فيها الآن بناية فرق الإطفاء، ومن خلفها بساتين النخيل، وإلى أحد جوانبها يقع أحُد، وفي الجانب الآخر جبل سلع ومزارع أطراف مسجد القبلتين، وفي القسم الثالث يقع طريق سيد الشهداء، وتسمّى «الجُرف» أو «العرض».

مسير النبي’ من المدينة إلى أحُد، متابعة جغرافية  ــــــــ

ثمّة ـ في الوقت الحاضر ـ طريقان من المدينة باتجاه جبل أحُد: طريق أبي ذر وطريق سيد الشهداء، والمتفق عليه أنّ رسول الله’  قد اختار طريقاً بين هذين الطريقين للوصول إلى أحُد، في هذا المسير على يمين جيش الإسلام كان مشرق المدينة، الحرّة الشرقية، وإلى الغرب كان جبل سلع، حيث تبدأ تلك الأرض الزراعية المذكورة، وتمتد حتى سفح أحُد في الشمال والغرب، حتى الحرّة الغربية في المدينة.

يقول السيد محمد باقر النجفي: إنّ حركة رسول الله  بدأت من ثنية الوداع، وهي في طريق الشام في الشمال الغربي من المدينة، في أول طريقٍ يسمّى اليوم (شارع سلطانة) أو (شارع عثمان)، وإلى الشرق منه ـ وبفاصلة قليلة ـ كان طريق سيّد الشهداء، وفي هذا المكان كان قبر ذي النفس الزكية، وكانت مقبرته موجودةً حتى ما قبل بضعة عقود من السنين، ولا نعلم عنها الآن شيئاً، ودليل السيد النجفي على أنّ رسول الله  قد مرّ بثنية الوداع هو أنّ ابن النجار ينقل عن أبي حميد الساعدي: «إنّ النبي’ خرج يوم أحُد حتى جاز ثنية الوداع»([3]).

لكنّ الظاهر أن رسول الله’ لم يمر بثنية الوداع، وأن هذا النقل إشارة إلى أنه قد مرّ مقابل ذلك المكان ذي الاسم المعروف، واختار طريقاً على مسافة منه للذهاب إلى أحُد، والدليل على ذلك أنّ العدوّ المشرك كان في الشمال الغربي، وأنّ امتداد طريق ثنية الوداع كان ينتهي إلى مواضعهم عند نهاية الجُرف، وقد يقال: إنّ رسول الله  قد تحرّك من ثنية الوداع، ثم بالاتجاه إلى الشمال غيّر طريقه إلى اليمين، وكان هناك بستان خلف جبل الذباب باتجاه طريق سيّد الشهداء، باسم «شوط»، وقد أشار إلى ذلك ابن إسحاق في قوله: «حتى كانوا بالشوط بين المدينة وأحُد»([4]).

بعد ذلك، توقّف رسول الله’ لفترة قصيرة في مبنى صغير معروف باسم «الشيخين» يعود لزوجين عجوزين، ومسجد الدرع، ذكرى من رسول الله، مايزال باقياً هناك، إذ يقال: إنه’ قد أدّى صلاتي: المغرب والعشاء هناك، وبات حتى صباح اليوم التالي، ومن أسماء هذا المسجد «مسجد الدرع» و«مسجد البدائع» و«مسجد الشيخين»([5]). وقد أطلق اسم الدرع على المسجد لأنّ النبي  ارتدى درعه هناك، وعلى الرغم من أنّ هذا مذكور في كتب التاريخ([6])، إلا أن بعضهم رفض ذلك قائلاً: إنّ الرسول  كان قد لبس درعه في المدينة([7]).

جاء في كتب التاريخ أنه عندما وصل النبي’ إلى الشيخين، كان المشركون يرون جُند الإسلام من بعيد، فأخذ الجيشان يستعدان للدفاع، فبناء على ذلك كان مبنى الشيخين لا يبعد أكثر من نحو كيلومترين عن أحُد، وكان جيش المشركين قد استقرّ في شمال جبل سلع وغرب جبل أحُد في الوادي الزراعي المذكور الذي يسمّى جزءٌ منه بــ«الجرف».

ويقع مسجد الدرع الآن في طريق سيّد الشهداء إلى يسار القادم من المدينة إلى أحُد، في زقاق عريض يبعد عن الشارع نحو عشرين متراً، كانت منازل قبيلة بني حارثة عليه، كما أنّ أراضي قبيلة بني عبد أشهل وبني حارثة تقع في الحدّ الفاصل بين الحرّتين والسفح الجنوبي لأحُد، ويُسمّى مسجد بني حارثة اليوم «مسجد المستراح»؛ لاستراحة النبي هناك، ومسجدُ الدرع لا يبعد كثيراً عن مسجد المستراح، وكلاهما يقعان على جهة يسار القادم على طريق سيد الشهداء إلى أحُد.

 بعد المسدد تقع مدرسة عمرو بن الجموح، فهل ما قيل عن استراحة رسول الله’ ليلةً في موضع مسجد الشيخين ينطبق على موضع مسجد المستراح؟

في رواية الواقدي أنّ المسير كان من المدينة إلى البدائع، ومنها إلى «زقاق الحسّي» ثم إلى «الشيخين» وإلى الثنية (رأس الثنية)، وهذا يدلّ على أن موضعي: البدائع والشيخين مختلفان، ومع ذلك، كانوا إلى ما قبل القرن العاشر يعتبرون مسجد البدائع ومسجد الشيخين واحداً([8])؛ فهناك نصّ يقول: «حتى سلك على البدائع، ثم زقاق الحِسّي، حتى أتى الشيخين، حتى انتهى إلى رأس الثنية([9]).. فبات رسول الله بالشيخين»([10]).

وبينما كانت صلاتا المغرب والعشاء تؤديان في موضع مسجد الدرع، تقدّم المشركون، الذين كانوا يراقبون جيش المسلمين، حتى حافة الحرّة، «وتدنوا طلائعهم حتى تلصق بالحرّة، فلا تصعد فيها حتى ترجع خيلهم ويهابون موضع الحرّة ومحمد بن مسلمة»([11])، فهذه الحرّة لابد أن تكون الحرّة الشرقية، أي إنّ المشركين سيطروا على هذه المنطقة حتى الجانب الآخر من الحرّة الشرقية، وبالطبع تقدّموا حتى ابتدائها، وعند حلول الليل عهد النبي إلى محمد بن مَسْلمة وفريق من الجند بالمراقبة، وعند الفجر نهض’ وأمر الأدلاء بإرشادهم إلى مكان مناسب، «.. يخرجنا على القوم على كثب»([12]). والكثب تعني التجمّع والقرب، أي الاقتراب إلى العدو في تجمّع في أرض تجمع الجميع لمواجهة العدو.

في هذا المسير، كانت تقع منازل بني حارثة وربما في نقاط متعدّدة: «فسلك به في بني حارثة ثم أخذ في الأموال». والأموال إشارة إلى البساتين المتعلّقة ببعض الأشخاص، حيث يمرّ ببستان حارثي اسمه «مربُع بن قيظي» أحد المنافقين، وأدى اعتراضه إلى اشتباك لفظي بين بني عبد أشهل وبني حارثة الذين كانت لهم أراض في تلك المنطقة. كان بنو عبد أشهل في جنوب المنطقة أقرب إلى المدينة، بينما كان بنو حارثة في شمالها، وعندما كان رسول الله’ يقطع الطريق باتجاه أحد، كان العدو يهيئ جنوده([13]).

وهكذا يمكن القول بأن المسلمين كانوا في الشرق والمشركين في الغرب، وبينهما مسافة بين 500 إلى 700 متر، وقد واصل رسول الله مسيرته نحو أحُد وإلى الأمام. يقول الواقدي: «.. حتى انتهى إلى أرض ابن عامر اليوم.. فلما انتهى رسول الله إلى أحُد ـ إلى موضع قنطرة اليوم ـ جاء وقد حان وقت الصلاة». كانت تلك صلاة الصبح وكانت القنطرة إما على القناة التي كانت تجري من الشرق إلى الغرب عند السفح الجنوبي لأحد، وإما على الوادي من داخل شعب أحُد ـ مقابل قبر حمزة ـ من الشمال إلى الجنوب. وهاتان القناتان تتصلان اليوم، وعند منطقة اتصالهما توجد قنطرة. ربما كانت يومئذ أعلى من موضعها الحالي إلى جهة الشرق.

إن معلومات الواقدي فيما يتعلّق بهذا الأمر فريدة في بابها، كما أنّ ابن سعد يذكر خلاصة تقرير الواقدي باختصار شديد.

مواضع جيش الإسلام وجيش قريش ـــــــ

في صباح السبت، السابع من شوال من السنة الثالثة للهجرة، دخل جيش الإسلام إلى منطقة أحُد، كان مسيره من جانب الحرة الشرقية من الجنوب نحو الشمال، وهو ما يشير إليه ابن اسحاق بقوله: «ومضى رسول الله’ حتى نزل الشعب من أحد في عدوة الوادي إلى الجبل فجعل ظهره وعسكره إلى أحد.. »([14])، وشعب أحُد مكان معروف تماماً وواضح، واليوم يقع هذا الشعب غرب جبل أحد، مقابل مقبرة الشهداء، ويمتدّ هذا الشعب بعمق 700 إلى 900  متر داخل جبل أحُد، والوادي الموجود في هذا الشعب حيث تجرى منه مياه الأمطار المتجمعة فيه إلى الخارج نحو الفضاء المفتوح جنوب أحد، أي منطقة الجرف، إلا أن نهايته مسدودة داخل الجبل.

وبحسب رواية ابن إسحاق، جعل رسول الله’ مقرّه داخل هذا الشعب، وهو عدوة الوادي التي ورد ذكرها في رواية ابن إسحاق، وبديهي أن المقرّ كان في مدخل الشعب والجند كانوا إلى الأمام بحيث يكون جبل أحُد خلفهم وإلى يسارهم جبل الرماة أو عينين، ومقرّ جيش المشركين كان جنوب جبل أحُد وغرب جبل الرماة أو ربما أسفل من ذلك قليلاً.

وعن موضع استقرار جيش الإسلام يقول الواقدي: «فجعل أحُداً خلف ظهره واستقبل المدينة وجعل عينين عن يساره»([15]). وثمة قول آخر للواقدي يقول فيه: إن رسول الله قد تقدّم أكثر بحيث أصبح جبل الرماة خلفه، ثم استظهر الشمس فيما كان العدو يواجه المدينة أمامه. هكذا كان العدو في الوادي الواقع في الجنوب الغربي من أحُد، ظهره إلى المدينة ويواجه أحُد: «وأقبل المشركون فاستدبروا المدينة في الوادي واستقبلوا أحداً»([16])؛ وعليه كان المسلمون يستدبرون أحُداً، وإلى الشرق منهم جبل الرماة، والعدو إلى الجنوب، والجنوب الغربي منهم في الوادي الذي كان امتداداً للوادي الخارج من شعب أحد، حيث وقعت الحرب في هذه المنطقة الواسعة المفتوحة.

ماذا كان واجب الجنود على جبل الرماة؟ خطأ شائع جداً في تحديد المواضع ـــــــ

تتفق المصادر على أن رسول الله’ وضع خمسين نفراً على جبل الرماة؛ لئلا يهاجم المشركون المسلمين من الخلف، وما ينبغي أن يكون واضحاً تماماً هو «المسير»، أو باصطلاح المؤرخين: «المضيق» الذي كان على هؤلاء أن يدافعوا عنه.

وهناك خطأ عام ارتكبه عددٌ من الأدلاء الذين يصحبون الزائرين وحتى بعض الكتّاب، وهو أنهم اعتبروا محل عبور جنود خالد، الذي هاجم المسلمين من الخلف، هو الشعب الموجود في قلب جبل أحد، أي الذي يقابل مقبرة الشهداء في قلب جبل أحد؛ ومن أولئك مثلاً، الميرزا محمد المهندس في رسالته الموجزة «الوجيزة في تعريف المدينة»، فهو بعد أن يشير إلى الشعب يقول: «وهو الوادي الذي عهد رسول الله’ يوم أحُد إلى الرماة بحفظه، ولكنهم تركوه طمعاً في الغنيمة، فاستولى الأعداء على هذا الوادي وهزموا المسلمين»([17]).

وهذا باطل برمته بحسب الأدلة التي مرّت والأدلة التي سوف تأتي.

إن الموضع الذي اختاره المسلمون كان محصّناً من ناحية الشمال؛ لأن قلب جبل أحُد، وحتى الشعب الذي نحن بصدده، لم يكن له منفذ يوصله إلى الخارج. أما القسم الشرقي ـ الحدّ الفاصل بين جبل الرماة وجبل أحد ـ فلم يكن مأموناً، فلكي يضمن رسول الله’ أمنه من الخلف، وضع عدداً من الجنود على جبل الرماة؛ لكي يحولوا دون هجوم الأعداء من الخلف، والثاني هو الحيلولة دون وصولهم إلى مقر المسلمين عند مدخل الشعب حيث كانوا يحتفظون بمؤنهم؛ وبناء على ذلك؛ قرّر رسول الله’ أن يجعل خمسين من الرماة على جبل الرماة؛ لكي يسيطروا على الحدّ الفاصل بين أحد والرماة المنتهي إلى مقر المسلمين.

والسؤال الآن هو: أيّ منطقة كان على هذه القوّة أن تحافظ عليها وتمنع بسهامها الأعداء من النفوذ؟ الظاهر هو أن من يقف على جبل الرماة يجب أن يحرس جنوبه؛ لأن الشمال كان مسدوداً بجبل أحُد، أي أنّ العدو كان يمكن أن يتحرّك من الجنوب الغربي للرماة (مواقع العدو) إلى الشرق، والاستدارة حول جبل الرماة من الشرق إلى الغرب، ويجتاز الحدّ الفاصل بين أحد والرماة ليهاجم من الخلف مقرّ المسلمين ومواضعهم. هذا كان مدى نظر حملة السهام من فوق جبل الرماة؛ لذلك لا يمكن أن نتصوّر أنّ تلك القوّة فوق جبل الرماة تنتظر هجوماً من غير تلك الجهة، كما لابد أن نأخذ بنظر الاعتبار المدى الذي يستطيع أن يقطعه سهم أحد الرماة، ومن أيّ بُعدٍ يجب أن يُطلق ليصيب جنديّ العدو أو فرسه، فهذا البعد في أقصاه لا يمكن أن يتعدّى المائتي متر أو ثلاثمائة.

ثم لابد أن نلاحظ، أين تقع ساحة الحرب بالنسبة للجنديّ الواقف فوق جبل الرماة بصورة دقيقة؟ وفي أيّ جهة من جهاته؟ وبما أن ساحة القتال كانت تقع إلى جهة الغرب من جبل الرماة، كان بديهياً أن يولي هذا الجندي اهتمامه إلى المسير الذي يمكن أن يتخذه الأعداء، وهو من الغرب إلى الشرق، ومن ثم من الشمال للمرور من المضيق بين الرماة وأحُد لمهاجمة مقرّ المسلمين في هذه الحال، كانت مسيرة حملة خالد وجنوده من جنوب الرماة والاستدارة حوله ومهاجمة مقرّ المسلمين ومواضعهم من المضيق، أي الحدّ الفاصل بين أحُد والرماة إذا صحّ هذا الرأي، فإنّ ما ظنّه بعضهم أن فرسان الأعداء قد التفوا حول أحُد لا يمكن أن يكون صحيحاً.

إنّ السيد النجفي الذي لم يتابع تفاصيل ميدان المعركة في المصادر، خلافاً لما فعل في الأقسام الأخرى، يقول: «… وعلى حين غرّة، يغتنم خالد بن الوليد وعدد من الفرسان الفرصة، ويقوم ـ في نظري المتواضع ـ بالدوران حول جبل أحد من جهة السفح الشرقي له، ويهاجم الرماة ويستولى على التلّ الخالي من حُماته، ومن هناك هاجم حَمَلةُ الرماح من قريش المسلمين في الميدان وقتلوهم»([18]). هذا كل ما كتبه فيما يتعلّق بشرح مسير حركة فرسان قريش.

عندما هاجم خالد وجيشه المسلمين لم يكن هؤلاء مستعدّين للدفاع؛ فقد كان نظامهم قد اختلّ، وكثير منهم قد وضعوا أسلحتهم وانهمكوا في جمع الغنائم، فعند مهاجمة العدو أخذ هؤلاء يركضون هنا وهناك مرتبكين شاهرين سيوفهم بوجه بعضهم بعضاً، كان واضحاً أنّ المسلمين قد هزموا، وهرب كثير منهم باتجاه جبل أحد، وفرّ آخرون إلى مختلف الجهات، واستطاع رسول الله’ مع عدد من أصحابه أن يصلوا ـ بعد اشتباكات صعبة ـ إلى مدخل الشعب حيث كان مقرّ قيادة المسلمين. دخلوا الشعب بعض الوقت ثم اتجهوا إلى قمّة أحُد في الجهة اليمنى من الشعب، وجلسوا في ظلّ غار صغير.

ولإثبات صحّة ما سبق من قول، هناك شواهد عديدة في كتب التاريخ، وهي تبين أنّ ميدان القتال كان إلى الغرب من جبل الرماة، وبعد وقوع الفاجعة انجرّت الحرب نحو الشعب، وأن النبي’ بدخوله الشعب وارتقائه الجبل أمن من شرّ المشركين.

الشواهد التاريخية على دوران خالد بن الوليد حول جبل الرماة لا جبل أحُد ـــــــ

أقام رسول الله’ رماة السهام على جبل الرماة حيث كان يخشى نفوذ الأعداء من الخلف والطريق الوسطي بين أحد والرماة، ولم يكن لخشيته أيّ مبرّر سوى الطريق الذي هاجم منه ـ فعلاً ـ خالد بن الوليد، لقد خاطب الرسول’ أصحاب السهام قائلاً: «احمونا من الخلف؛ إننا نخشي أن يهاجمنا الأعداء من الخلف»([19]). ويقول الواقدي: «والرماة يحمون ظهورهم يرشقون خيل المشركين بالنبل فتولي هوارب»، بعد ذلك قال أحد هؤلاء الرماة ـ ولعلّه من الذين كانوا نزلوا ـ: «كلّ نبل أطلقناه ذلك اليوم أصاب فرساً أو إنساناً»([20]).

هاتان الروايتان تدلان على أنّ الرماة كانوا يضعون مسيرة هجوم جيش خالد تحت نظرهم، وذلك لأن المرات العديدة التي حاول فيها خالد وعكرمة وجنودهما العبور من ذلك المضيق، أي من الحدّ الفاصل بين جبل أحُد وجبل الرماة، كانوا يواجهون موجةً من نبال جنود المسلمين فيضطرّون إلى النكوص بعد تحمّل خسائر كبيرة، وعندما خلا الجبل من الرماة، استطاعوا العبور من المضيق بكل سهولة؛ وعلى هذا كانت المنطقة التي عبر منها جيش خالد تحت نظر الجنود المسلمين وضمن مدى نبالهم. أمّا لو داروا حول جبل أحُد لما كانوا إطلاقاً تحت نظر جند الإسلام ولا ضمن مدى نبالهم.

في تلك اللحظة، كان نسطاس ـ مولى صفوان بن أمية الذي جمع المشركين الذين ساهموا في حرب أحُد ـ باقياً في مقرّ المشركين للمحافظة على أموال صفوان، ولم يساهم في الحرب؛ لأنه كان عبداً، يقول نسطاس: أصيب جيشنا بالهزيمة ورحل جيش محمد’ وكنت ضمن الأسرى، كنت في قيود الأسر عندما وقع نظري على جبل الرماة، ورأيت الجنود متوجّهين إليه ويدخلون مقر المسلمين دون أن يجدوا أيّ مانع في طريقهم، لأن الربيئة التي كانت تحافظ عليه لم تكن هناك، إذ إن أفرادها كانوا قد انحدروا إلينا لجمع الغنائم.. عندما هجم جيشنا كان هجومه على قوم منشغلين بجمع الغنائم باطمئنان، فكانت ا