نبذة محمد محفوظ

الموضوع بواسطة محمد محفوظ :

شيعة الخليج وسؤال العلاقة مع الشريك الوطني

28 يونيو 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

تتعدد الصيغ والمقاربات التي تناقش مسألة وموقع ودور الشيعة في مجتمعاتهم  الخليجية .. ألا أن القاسم المشترك بين  جميع هذه الصيغ والمقاربات هو إنطلاقهم من قناعة مركزية مفادها : أنه على ضوء تطورات المنطقة المتلاحقة ، وإتساع دائرة الخلاف والتباين في الرؤى والمواقف السياسية من ملفات عديدة في المنطقة بين إيران والدول العربية ، يجعل الكثير من الأقلام تتجه إلى مناقشة هذه المسألة في ظل احتدام الصراع والتنافس بين إيران والكثير من الدول العربية في المنطقة .. وعلى كل حال ما أود أن أقوله في هذا السياق أن الشيعة في الخليج ليسوا استثناءا عن مجتمعاتهم ، وإنما هم جزء أصيل من مجتمعاتهم .. ولعلنا نرتكب خطيئة تاريخية بحق تاريخنا ومسيرة مجتمعاتنا العربية ، حينما نتعامل مع الشيعة في الخليج ، بوصفهم مجتمعا مغلقا وغير منسجم مع محيطه العربي .. فالانتماء المذهبي للشيعة أو لغيرهم ، ليس بديلا عن انتماءاتهم الوطنية والقومية .. وإن دفع الأمور باتجاه خلق مقايضة ثنائية بين الانتماء المذهبي والانتماء القومي ، هو يضر بطبيعة العلاقة بين المسلمين بكل مدارسهم الكلامية والفقهية ، كما يضر بالعلاقات الداخلية بين مكونات المجتمع العربي الواحد ..
فالشيعة في الخليج وإن امتلكوا خصوصيات ثقافية ومذهبية ، فإنهم ليسوا جالية تعيش في الخليج ، ولا يصح التعامل مع قضاياهم ومطالبهم ومشاكلهم وكأنهم جالية وافدة إلى الخليج .. هم جزء أصيل من منطقة الخليج ، ولهم مساهماتهم التاريخية في الدفاع عن وجودهم العربي وقضايا الأمة العربية ..
كما أنهم كأي مجتمع آخر ، ليسوا إطارا مغلقا وبتعبير أكثر وضوحا ليسوا حزبا سياسيا ، وإنما هم مثل أي مجتمع يحتضن آراء وقناعات وميولات وتوجهات مختلفة ومتعددة .. ولا يجوز التعامل معهم بوصفهم كتلة بشرية مغلقة ..
وانطلاقا من هذه المقدمات الاجتماعية والفكرية والتاريخية ، سنناقش طبيعة العلاقة المأمولة بين الشيعة في الخليج ومحيطهم الاجتماعي والسياسي الخليجي .. مع إدراكنا التام أن الشيعة الخليج ليسوا كتلة واحدة أو بمستوى واحد في علاقتهم مع محيطهم الاجتماعي والقومي.. فهناك وجودات شيعية قطعت خطوات كبرى ونوعية في اندماجهم في محيطهم الوطني والقومي .. وهناك وجودات أخرى تحاول وتكافح في هذا السبيل .. كما أن هناك وجودات قبلت بخيار الانعزال والانكفاء في ظل هجمة طائفية مقيتة يؤخذ الجميع بجريرة البعض ..
لعلنا لا نبالغ ولأسباب عديدة ذاتية وموضوعية ، فإن من أهم التحديات التي تواجه الشيعة المعاصرون في مجتمعاتهم هو طبيعة علاقتهم مع محيطهم .. إذ أن هذه المسألة بكل عناوينها وحمولتها السياسية والمعرفية والاجتماعية ، تشكل من أهم المسائل ، التي تتعدد فيها آراء واتجاهات الشيعة فيها ..
وبعيدا عن المضاربات الأيدلوجية ، أرى أن الشيعة في كل مجتمعاتهم ، معنيون بشكل مباشر على صياغة رؤية متكاملة لطبيعة علاقتهم مع محيطهم وشركاءهم في الوطن ..
وأرى أن محددات هذه العلاقة هي :
أولا: نقد الطائفية والخطاب الطائفي :     
ثمة سباق محموم ومريب في آن في الساحات العربية والإسلامية التي يتواجد فيها تعدديات دينية ومذهبية .. فجميع الأطراف المذهبية اليوم ، تتحدث عن مظلومية قد لحقت بها ، وتعمل في ظل هذه الظروف لإنهاء هذه المظلومية والقبض على حقائق الإنصاف التي افتقدتها منذ فترة زمنية طويلة ..
وهذا المنطق لا يقتصر على فئة دون أخرى ، بل هو يشمل جميع الفئات والمكونات ..
والذي يثير الهلع والخوف على حاضر ومستقبل هذه المجتمعات والأوطان ، هو شعور الجميع أن حقه المغتصب موجود لدى الطرف والمكون الآخر .. فالجميع يطالب الجميع ، والكل يشعر بالظلم من الكل .. ونحن هنا لا نود التدقيق في هذه الإدعاءات ومدى صوابيتها وأحقيتها ، وإنما ما نود التأكيد عليه وإبرازه أن هذا السباق المحموم نحو الصراعات الطائفية والفتن المذهبية ، لا يستثنى أحدا .. فالطرف الغالب والمسيطر يعمل على إدامة سيطرته ، دون الالتفات إلى حقوق الأطراف والمكونات الأخرى ..
والأطراف المغلوبة تشعر أن هذا الزمن بتحولاته المتسارعة هو الزمن النموذجي للمطالبة بالإنصاف والحقوق .. وكل طرف يعمل عبر وسائل عديدة لإبراز أحقيته ، وأن حقوقه المستلبة هي موجودة لدى الطرف والمكون الآخر .. مما يوفر للسجالات المذهبية والفتن الطائفية ، أبعادا أخرى ، تمس الاستقرار السياسي والاجتماعي في كل المجتمعات التي تحتضن تعدديات وتنوعات دينية ومذهبية .. ونحن نعتقد أن استمرار عمليات التحريض الطائفي ، ودفع الأمور نحو الصدام بين أهل الطوائف والمذاهب ، هو مضر للجميع ولا رابح من وراءه ..
لأن الحروب الطائفية لها دينامية خطيرة ، لا يمكن لأي طرف أن يتحكم فيها .. لهذا فإننا نرى أن اللعب بالنار الطائفية ، من المخاطر الجسيمة التي تلقي بشررها على الجميع ..
وفي سياق نقد الطائفية في مجتمعاتنا ، وضرورة العمل على إيقاف الفتن الطائفية المقيتة نود التأكيد على النقاط التالية :
1 – من الضروري التفريق بين حالة التمذهب الكلامي والفقهي وبين النزعة الطائفية .. فمن حق الجميع في الدائرة الإسلامية والإنسانية ، أن يلتزم بمدرسة عقدية أو فقهية ، لأن عملية التمذهب الفقهي هي من خواص كل إنسان ..  
ولا يحق لأي إنسان أن يعارض خيارات الإنسان الآخر ( الفردية ) .. وهذا الحق ينبغي أن يكفل للجميع ، بصرف النظر عن نظرتنا وموقفنا من الحالة المذهبية التي تمذهب بها هذا الإنسان أو ذاك .. لأن الإنسان بطبعه ميال ونزاع إلى تعميم قناعاته ومرتكزاته العقدية أو الفلسفية ، ولكن هذا الميل والنزوع لا يشرع لأي إنسان ، أن يمارس القسر والفرض لتعميم قناعاته وأفكاره ..
فالتمذهب حالة طبيعية في حياة الإنسان ، وهي من خواصه كفرد في الوجود الإنساني .. ولكن إذا تطورت عملية النزوع والميل لتعميم القناعات إلى استخدام وسائل العنف بكل مستوياتها ، حينذاك تتحول حالة التمذهب الطبيعية والسوية إلى نزعة طائفية مقيتة ومرفوضة  ..
فرفضنا للنزعات الطائفية ، لا يعني بأي حال من الأحوال ، رفضنا لحالات التمذهب والالتزام القيمي لكل إنسان .. فمن حق الإنسان ( أي إنسان ) أن يلتزم برؤية ومنظومة فكرية ومذهبية معينة ، ولكن ليس من حقه أن يقسر الناس على هذا الالتزام وهذه الرؤية .. لأن عملية القسر والعنف في تعميم قناعات وعقائد الذات ، هي ذاتها النزعة الطائفية ، التي تشحن النفوس والعقول بأغلال وأحقاد اتجاه الطرف المذهبي أو الطائفي الآخر ..
لهذا فإننا نعتقد وعلى ضوء هذه الرؤية التي تميز بين حالة التمذهب والحالة الطائفية .. أن التعددية الدينية والمذهبية في أي مجتمع ، ليس مشكلة بحد ذاتها ، بل هي معطى واقعي إذا تم التعامل معه بحكمة وبوعي حضاري ، يكون عامل إثراء لهذا الوطن أو ذاك المجتمع ..
وإن المشكلة الحقيقية تبدأ بالبروز ، حينما تفشل النخب السياسية والثقافية من التعامل الإيجابي مع حقائق التعدد الديني والتنوع المذهبي ..
2 – إن النزوع إلى تفسير الأحداث والتطورات السياسية والاجتماعية والثقافية في مجتمعاتنا وفق النسق الطائفي والمذهبي ، يساهم في خلق المزيد من التوترات والتشنجات..
إذ يعمل البعض ووفق رؤية أيدلوجية مغلقة ، إلى التعامل مع المجتمعات المذهبية ، وكأنها مجتمعات ذات لون واحد ورأي واحد ، وتسعى جميعها من أجل أجندة واحدة .. فيتم التعامل مع هذه المجتمعات ، وكأنها حزبا شموليا لا يمكن أن تتعدد فيه الآراء أو تتباين فيه المواقف .. ومهما حاولت لإعادة الأمور إلى ميزانها الموضوعي على هذا الصعيد فإنك تقابل بالاتهامات وسوء الظن الذي يسوغ لصاحب التحليل أو الموقف الأيدلوجي الذي لا يتزحزح حتى ولو كانت الحقائق مناقضة لهذا الموقف ..
فنحن كآحاد بصرف النظر عن عقائدنا ومذاهبنا ، ننتمي إلى جماعات وانتماءات متعددة
بدون شعور بأن هذه الانتماءات مناقضة لبعضها البعض .. فانتماءات الإنسان المتعددة تتكامل مع بعضها البعض .. وإذا كان أبناء الوطن الواحد متمايزون في دائرة من دوائر الانتماء المتعددة ، هذا لا يعني أن جميع مصالحهم متناقضة أو أنهم أعداء أبديون لبعضهم البعض .. وعلى ضوء تجارب العديد من المجتمعات المتعددة ، نصل إلى هذه الحقيقة وهي : أن استخدام العنف القولي أو الفعلي ضد المخالف أو المختلف ، لا ينهي ظاهرة التنوع المذهبي من الوجود الاجتماعي ، بل يزيدها تصلبا ورسوخا ..
3 – لعل من المفارقات العجيبة والتي يحتاج إلى المزيد من الفحص والتأمل ، هو أن الأفراد أو الجماعات المتشددة مذهبيا والمغالية طائفيا ، والتي تعلن صباح مساء أهمية الحفاظ على الأمة ووحدتها ورفض المؤامرات الأجنبية التي تستهدف راهن ومستقبل  الأمة .. فهي جماعات توغل في عمليات الخصومة والعداوة مع المختلف المذهبي ، دون أن تسأل نفسها أن إيغالها في هذه الخصومة هي الثغرة الكبرى الذي ينفذ منها أعداء الأمة ..
فالأطراف والإرادات الطائفية المتصادمة ، والتي تدفع الأمور بكل الوسائل لإدامة التوتر الطائفي هي المسئولة عن توفر المناخ لتأثيرات ونجاح الأجنبي في مؤامراته على الأمة الإسلامية ..
لأن الشرخ الطائفي هو من نقاط الضعف الكبرى في جسم الأمة ، والذي من خلالها ينفذ خصوم الأمة ، ويديموا ضعفها وتراجعها الحضاري والسياسي .. وإن كل من يساهم في تعميق الشرخ الطائفي في الأمة ، مهما كانت نيته ودوافعه ، هو يساهم بشكل موضوعي في توفير القابلية لكي يتمكن الأجنبي في إنجاح خططه ومؤامراته على راهن ومستقبل الأمة..
لهذا فإننا ينبغي أن لا نتساهل في أمر الفتن الطائفية أو نتعامل معها بعقلية منغلقة تساهم بدورها في عمليات التأجيج والتحريض ..
إننا ومن منطلق مبدئي نرفض عمليات التحريض الطائفي ، ونعتبر هذه العمليات مهما كان صانعها ، من الأمور التي تمهد الطريق للقوى الأجنبية للسيطرة على مقدرات وثروات المسلمين .. فالفجور في الخصومة واستسهال الطعن في عقائد الناس وسوء الظن بالآخرين كلها تقود إذا سادت العلاقة بين مكونات الأمة والمجتمع إلى الاهتراء والتآكل الداخلي مما يسهل عملية السيطرة الأجنبية إما بشكل مباشر أو غير مباشر ..
وفي خاتمة المطاف نقول : أن الأزمات الطائفية بكل مستوياتها لا تربح أحدا ، وإن جميع الأطراف هم متضررون من تداعيات هذه الأزمات ..
وإننا جميعا مسئولون ومطالبون للعمل من أجل وأد الفتن الطائفية ومعالجة موجباتها وآثارها .. وإن لا خيار أمامنا جميعا إلا أوطاننا ، ونسج علاقات إيجابية بين مختلف مكونات الوطن والمجتمع ..  
وجماع القول : إننا نخسر على المستوى الخاص والعام ، حينما ننجر إلى المربع الطائفي .. لهذا فإن بمقدار ما نتخلص من النزعة الطائفية ، بذات القدر ، نتمكن من بناء علاقة إيجابية مع محيطنا وفضائنا الوطني والإسلامي ..
وحتى لا يساء فهمنا في هذا السياق من الضروري التفريق بين مفهوم الطائفية الذي يساوي الانغلاق والانكفاء واستحضار مشاكل التاريخ بنفس صدامي – سجالي ، وبين المذهبية كحالة فكرية ومعرفية واجتماعية .. فنحن نعتز بإنتماءنا إلى مدرسة أهل البيت عليهم السلام ، ونعتقد أن هذه المدرسة بقيمها ومبادئها ومثلها العامة ، تشكل جسر عبور للخلاص من مآزق الراهن والتباساته العديدة .. ولكن اعتزازنا بهذا الانتماء وهذه المدرسة الرسالية ، لا يشرع لنا تبيئة النزعات الطائفية في واقعنا ومحيطنا . وإن الانزلاق في هذا الطريق ، يعني فيما يعني نجاح الخصوم ودفعنا إلى تبني مواقف والوقوف على أرضية لا تفيدنا على مستوى الراهن ولا على مستوى المستقبل ، كما أنها لا تنسجم وفهمنا لقيم وتوجيهات أئمة أهل البيت عليهم السلام ..
لهذا فإننا بحاجة إلى خطاب ديني – ثقافي – سياسي ، يخرج المجتمعات الشيعية من الصندوق الطائفي ، ويفتح المجال لهم للتفاعل الخلاق على قدم المساواة مع شركاءهم في الوطن والأمة ..
فأمن مجتمعاتنا ومصالحه الحيوية ، لا يمكن أن تصان في ظل بيئة اجتماعية معادية أو متشنجة ضد الشيعة .. لهذا فإننا معنيون قبل غيرنا بأهمية تنقية المحيط من أمراض التعصب ونزعات الكراهية ، وكلما تمكنا من تعميم ثقافة الاعتدال والتسامح ، استطعنا الوصول إلى بيئة اجتماعية متفهمة لقضايانا المختلفة ..
نحن بحاجة في كل مواقعنا إلى بلورة مبادرات ومشروعات ، تستهدف تجسير العلاقة وبناء الثقة مع مكونات وتعبيرات المحيط ، حتى نتمكن من محاصرة القوى الاستئصالية والتكفيرية ، وحتى نرفع عن كاهلنا الكثير من الاتهامات والهواجس التي تكلف أمننا واستقرارنا الشيء الكثير ..
ثانيا :    وحدة المسلمين ومخاطر الفتنة المذهبية :             
يدو ووفق المعطيات والمؤشرات القائمة ، أن العلاقة الداخلية بين المسلمين بمختلف مذاهبهم ومدارسهم الفقهية ، تمر بمرحلة خطيرة وحساسة ، حيث التوترات المتنقلة ، والحروب الكلامية والتي وصلت في بعض المناطق جد الاقتتال المذهبي ، إضافة إلى الإعلام الفضائي والأنترنتي ، الذي يؤجج الفتن ، ويشعل الحروب ، ويغذي الأحقاد والضغائن بين المسلمين ..
وكل المؤشرات توحي أن التطرف المذهبي بكل صوره وأشكاله ، هو المسئول إلى حد يعيد عن كثير من صور التوتر والاقتتال بين المسلمين ..
ولا ريب أن استمرار التوتر والحروب الصريحة والكامنة بمستوياتها المختلفة بين المسلمين ، يهدد استقرار المجال الإسلامي بكل دوله وشعوبه ، ويؤثر على أحوالها السياسية والأمنية وأوضاعها الاقتصادية والاجتماعية .. وإن لهذه التوترات كلف اجتماعية وسياسية وأمنية واقتصادية وإستراتيجية خطيرة على أوضاع المسلمين ، وعلى راهن الدول الإسلامية ومستقبلها ..
ومن الضروري أن يدرك الجميع ، أن هذه التوترات والحروب المذهبية المتنقلة ستصيب الجميع .. أي لا توجد دولة عربية وإسلامية بمنأى عن هذه التوترات ومتوالياتها الكارثية .  لذلك فإن تغذية هذه الأحقاد المذهبية ، يعد من الخطايا الكبرى ، لأنها ستنهي استقرار العديد من البلدان العربية والإسلامية كما أن التفرج على ما يجري ،وعدم القيام بخطوات ومبادرات ، تستهدف إصلاح العلاقة بين طوائف المسلمين ، أو الحد من استخدام اختلافاتهم الفقهية والسياسية في الشارع ، يعد بشكل أو بآخر مشاركة في الجريمة الكبرى التي تطال العالم الإسلامي اليوم .. فما يجري من احتقان طائفي وتوتر مذهبي ، ومقولة نابية وبذيئة هنا ، ومقولة مماثلة هناك ، وسب وشتيمة للمقدسات والرموز هنا ، وممارسات مماثلة هناك ، وإطلاق أحكام جائرة على بعضنا البعض ، كل هذه الصور ، إذا لم يتم تدارك الأمر من عقلاء الأمة وحكماءها ، سيزيد من أوار التطرف المذهبي ، وستدخل الأمة الإسلامية بأسرها في فتنة مذهبية عمياء ..
فالفرجة على ما يجري في الأمة من فتن مذهبية وطائفية متنقلة ، يعد تشجيعا لهذا النهج .. فالمطلوب ليس الفرجة أو الحياد ، وإنما القيام بمبادرات تحاصر الفتن المذهبية ، وترفع الغطاء الديني عنها ، والعمل من أجل تفكيك موجباتها وأسبابها ..
وأود في سياق العمل على وأد الفتن المذهبية التي بدأت بالبروز في جسم الأمة ، أن أوضح النقاط التالية :
-1المكتبة الإسلامية ومنذ أزمان سحيقة ، مليئة بالكتب والدراسات والأبحاث ، التي توضح الحدود بين المذاهب ونقاط التباين وموضوعات الاختلاف بين الطوائف .. فكل موضوعات الخلاف بين المسلمين العقدية والتاريخية ، هناك المئات من الكتب حولها .. لذلك فإن جميع الأطراف تعيش حالة تشبع وتخمة في الكتب الخلافية بين المسلمين .. لهذا فإن ما ينقص المسلمين اليوم ، هو تلك الكتب والدراسات والأبحاث ، التي توضح وتبلور فقه الوفاق والائتلاف الوحدة بين المسلمين .. فالمكتبة الإسلامية التاريخية والمعاصرة على هذا الصعيد فقيرة ، لهذا فإننا ندعو العلماء والدعاة والكتاب ، إلى الكتابة والتأليف والبحث العلمي حول فقه الوفاق بين المذاهب الإسلامية ، وكيفية تعزيز وحدة المسلمين بكل دولهم وشعوبهم ..
فالكتابة حول موضوعات الاختلاف والتباين ، أضحت مكرورة ، ولا تقدم جديدا على صعيد العلم والمعرفة الدينية .. أما كتابات الوفاق والائتلاف فهي شحيحة ، والأمة بكل أطرافها وأطيافها تحتاج إلى المزيد من الدراسات والأبحاث ، التي تدعو إلى فقه الوفاق بين المسلمين ، وتبلور خيار الائتلاف بين أهل المذاهب الإسلامية ، وتعطي الأولوية لوحدة الأمة الإسلامية ..
فالفتن المذهبية لا تواجه إلا بقيام كل المؤسسات والمعاهد والجامعات الدينية ، بإغراق الساحة بكتابات ومؤلفات ـ تؤكد على قيم الوحدة والائتلاف بين المسلمين ..
2  – عجيب أمر المسلمين بكل طوائفهم في العصر الراهن ، فبدل
أن ينشغلوا بأمر التنمية والبناء العلمي وتطوير أوضاعهم السياسية والاقتصادية والحياتية ، هم ينشغلون بحروب التاريخ وخلافاته ..
فالتحدي الكبير الذي يواجهنا ، ليس الموقف من أحداث التاريخ ورجاله [ مع أهمية وضرورة أن نحترم قناعات ومقدسات بعضنا البعض على هذا الصعيد ] وإنما تنمية أوضاعنا وتطوير أحوالنا ، وبناء حياتنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية على أسس الحرية والعدالة والمساواة ..
فجهود المسلمين وطاقاتهم ، ينبغي أن لا تصرف في حروب عبثية أو لا طائل من وراءها ، وإنما يجب أن تصرف في سبيل البناء والتنمية والعمران ..
ومن يبحث عن الدفاع عن قيم الإسلام ومقدساته ، فلينخرط في معركة البناء والتنمية ومحاربة الفقر والجهل والمرض .. فإن هذه المعركة بكل مقتضياتها ، هي التي توضح قيم الإسلام الأساسية ، وتعززها في نفوس المسلمين .. لأنه وببساطة شديدة ثمة علاقة سببية وطردية بين إيمان الإنسان وبين تلبية حاجاته ، فكلما كانت استجابة الدين لتلك الحاجات أعلى ، تضاعف إيمان الإنسان وازداد قوة وصلابة وثباتا ، فضلا عن ازدياد تعلقه وشغفه بهذا الدين الذي سيضحى قضية محببة للإنسان ..
والدين إذا نكص عن النهوض بمتطلبات المجتمع الحي المتجدد عبر القرون والأعصار ، وعجز عن توفير أسباب الازدهار والارتقاء للمجتمع ، فإنه لن يفلح في فرض المعتقدات عليه ..
وينقل أن أحد المستشرقين الألمان زار أحد العلماء ورأى غلاف مجلته التي كان يصدرها باسم [ العلم ] وكان غلافها مزينا في زواياه الأربعة بأربعة أحاديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم عن فضل العلم وأهميته ، فسأله عنها ، وبعد أن ترجمت له الأحاديث أظهر تعجبه وقال : عندكم هذه الأوامر عن نبيكم بالعلم وكونه فريضة مطلقا دون قيد من ناحية المكان أو الزمان أو القومية ، وأنتم تعيشون هذه الحالة من الجهل والأمية ..
فالانشغال بالتوافه والجزئيات وأحداث التاريخ ، لا تبني قوة لمجتمعاتنا ، ولا تعيد أمجاد حضارتنا ، وإنما تزيد من هامشيتنا وبعدنا عن قيم الإسلام العليا ..     
 – 3 ثمة إشكالية عميقة تسود العلاقة بين المسلمين في كل أطوارها ومراحلها ، أنها ليست علاقة اكتشاف ومعرفة ، وعقل وإدراك أي فكر ووعي ، يؤدي إلى علاقة شعور ووجدان وعاطفة ، بل هي علاقة مساجلة وتباعد نفسي واجتماعي ، وقراءة الآخر من خلال كتب الأنا ، فتتضخم في النفوس والعقول موضوعات التباين وقضايا النزاع التاريخي ، مع حضور دائم للأقوال الشاذة لدى كل الأطراف ، وهي أقوال تزيد الإحن ، وتسوغ التمترس المذهبي والتخندق الطائفي..
ومع ثورة الاتصالات والمعلومات وتوفر الكتب بشتى صنوفها ، إلا أنني أعتقد أن المسلمين جميعا يجهلون عن بعضهم البعض أكثر مما يعلمون .. وإن الجهل وسوء الظن بقناعات الخصوم دون التأكد من صحتها ، هي التي تساهم في ابتعاد المسلمين عن بعضهم البعض ..
لذلك وفي إطار محاربتنا للجهل ببعضنا البعض  ، أدعو الجامعات والمعاهد العلمية إلى إدخال مادة الفقه والعلوم الإسلامية المقارنة ، حتى يتسنى للجميع معرفة الجميع في الدائرة الإسلامية ، من خلال منهج علمي- موضوعي ، يساهم في معرفة القناعات العميقة والثابتة لدى جميع الأطراف سواء في الأصول أو الفروع ..
فالجهل يزيد الفرقة ويعمق الخلاف ، بينما العلم يساهم في توطيد أركان التضامن والوحدة بين المسلمين ..
فحينما نتربى جميعا على الفقه المقارن ، ستزول من طريقنا الكثير من النتوءات ، التي تشوه بعضنا البعض ، أو توفر إمكانية نفسية واجتماعية للتوتر المذهبي .. فلننفتح على بعضنا البعض ، انفتاحا علميا  –  منهجيا بعيدا عن ضغوطات الواقع وسجالات التاريخ ..   
ثالثا : التمسك بقضايا الأمة الكبرى والدفاع عنها :
من الضروري لاعتبارات قيمية وسياسية ومجتمعية ، أن يبقى المسلمون الشيعة في كل مناطقهم ومجتمعاتهم متمسكين لقضايا الأمة الكبرى ومدافعين عنها .. صحيح أن هذا التمسك سيكلف المجتمعات الشيعية الشيء الكثير ، ولكن التخلي عن هذه القضايا سيكلف أكثر .. ودعوتنا إلى التمسك بقضايا الأمة الكبرى والدفاع عنها يعود للاعتبارات القيمية حيث أن قيمنا ومبادئنا تدفعنا إلى  ضرورة نصرة المظلوم والدفاع عن العدل والحرية ، ولاعتبارات إستراتيجية إذ أن تخلي مجتمعاتنا عن هذه القضايا ، قد يفضي خسارة الأمة الإسلامية جمعاء الشيء الكثير .. لهذا فإن من أهم محددات علاقتنا بمحيطنا الاجتماعي والوطني ، هو التزامنا بقضايا الأمة الكبرى .. وكما كان فقهاؤنا وزعمائنا عبر التاريخ مع حقوق كل الشعوب المظلومة ، ومدافعين عن حقوق المحرومين وناصرين بكل ما يملكون لقضايا العدل والحرية ..  نحن اليوم ومن مختلف مواقعنا ينبغي أن نكون رواد العدل والحرية فلا نكف بكل إمكاناتنا عن محاربة الاستبداد وتفكيك حوامله ، ودعوة الأمة إلى قيم العدل والحرية والحوار ..
فنحن رواد الإصلاح  الديني والسياسي ، ومن الضروري أن نستمر في كل مجتمعاتنا من حمل مشعل الإصلاح بشقين الديني والسياسي .. فنحن الذين عانينا في كل حقب تاريخنا من الظلم والاضطهاد والافتئات على الحقوق والكرامات ، لا يمكننا إلا أن نكون مع كل طالب حرية ، ومع كل مجتمع يسعى لإنصافه ووقف الاستهتار بقيمه وبكرامته ، ومع كل أمة تكافح من أجل تحرير أرضها وإنسانها من يد الاستعمار وربقته ..
ومن الضروري أن ندرك أن إنهاء أزمات وجودنا ، مرهون بقدرة مجتمعاتنا العربية والإسلامية على التحرر من ربقة الاستبداد ، وتعزيز الحياة الدستورية والديمقراطية وقيام دولة المواطنين التي لا تفرق لاعتبارات دينية أو مذهبية أو عرقية بين مواطن أو آخر ..
فخلاصنا في كل مجتمعاتنا من مشكلاتنا السياسية والأمنية والاقتصادية ، يعتمد على قدرتنا مع شركائنا في الوطن ، على بناء دولة مدنية عادلة تستوعب جميع الأطياف وتكون تعبيرا أمينا عن مكونات شعبها ومصالحه الحيوية .. فالوقوف في وجه الدول الديكتاتورية والنضال الوطني من أجل الإصلاح والحرية والديمقراطية ، هو سبيلنا لإنهاء مشاكلنا الخاصة والعامة .. فلا خلاص لنا بمعزل عن إصلاح الأوضاع السياسية والاقتصادية العامة في مجتمعاتنا ودولنا ..
من هنا فإن النخب السياسية والدينية والثقافية الشيعية في كل المجتمعات ، معنية بتجسيد العلاقة مع بقية النخب الوطنية ، لبناء كتل وطنية تطالب بالإصلاح وتعمل من أجله .. بحيث تكون المشاكل الخاصة بالشيعة هي جزء من الأجندة الوطنية العامة .. فالشراكة هي خيارنا ، والتفاعل الإيجابي مع محيطنا ، هو سبيلنا من أجل كسر حاجز العزلة والانطواء والتمترسات الطائفية .. فنحن لن ننصف في كل مجتمعاتنا ودولنا إلا بتسويد قيم العدالة والحرية والكرامة ، ولن ننهي معاناتنا المركبة إلا بدولة المواطنين جميعا بدون تحيز أو افتئات على أحد ..
ولا يمكن أن نواجه المعادلات الطائفية القائمة في أغلب البلدان العربية والإسلامية ، بالانخراط فيها والخضوع إلى مقتضياتها ، لأن هذا الانخراط سيدعم المعادلات الطائفية بدماء ومبررات ومسوغات جديدة .. فمواجهة المعادلات الطائفية لا تتم إلا بالانخراط الفعال في بناء حقائق مضادة لهذه المعادلات في الفضاء الاجتماعي والثقافي والسياسي وهذا يتطلب منا العمل في الاتجاهات التالية :
1-رفع الغطاء الديني والاجتماعي عن كل الممارسات الطائفية ، التي تغذي نزعات الكراهية بين الناس لاعتبارات مذهبية ..
2-القيام بمبادرات حوارية ووحدوية تتجه لتجسيد العلاقة بين مختلف المكونات والتعبيرات ..
3-زيادة وتيرة التلاقي والتواصل بين النخب الدينية والثقافية والاجتماعية والسياسية ، لمحاصرة نزعات التطرف والمفاصلة الشعورية بين المسلمين ..
4-بناء المؤسسات الإعلامية والدينية التي تعطي أولوية لوحدة المسلمين ، وصياغة العلاقة بين المسلمين على أسس الحوار وتوسيع المساحات المشتركة وصيانة حقوق الإنسان ..
رابعا : تعزيز خطاب الاعتدال في الأمة :
ثمة ضرورات ومؤشرات عديدة ، تدفعنا إلى الاعتقاد أن المنطقة والظروف الحساسة التي تمر بها ، وطبيعة التحديات والمشاكل التي تواجهنا ، كل هذا يدفعنا إلى الاعتقاد أن هذه المنطقة بحاجة إلى مبادرات نوعية من أهلها ، تستهدف فضح الإرهابيين ورفع الغطاء الديني عنهم ، وبناء حقائق وخطاب إسلامي جديد قوامه الاعتدال والوسطية واحترام المكاسب الإنسانية والحضارية . وخطاب الاعتدال ، لا يمكن تعزيزه ، وتعميق موجباته في الفضاء الاجتماعي ، بدون الحرية . فطريق الاعتدال الحقيقي ، هو في توسيع دائرة الحرية والحريات . فهي الوسيلة الحضارية الكبرى لتجذير مفهوم الاعتدال في الوسط الاجتماعي والوطني.
وكل الممارسات الخاصة والعامة ، المناقضة لمفهوم الحرية ، هي ممارسات مناقضة لمفهوم تعزيز الاعتدال في الفضاء الاجتماعي . فالعلاقة عميقة بين مفهومي الاعتدال والحرية .
فالحريات بطبعها إذا توفرت في البيئة الاجتماعية ، فإنها تدفع الناس إلى المزيد من الوسطية والاعتدال . كما أن الاعتدال سيكرس الممارسة السليمة لقيم ومتطلبات الحرية .
والمجتمع الذي يبحث عن الحرية ، لا يمكن تحقيقها ، بتبني خطاب الغلو والتطرف والتعصب . لأن هذا الخطاب يباعد على المستوى النفسي والعملي بين المجتمع والحرية .
والمؤسسة السياسية التي تبحث عن الاعتدال ، بوسائل القهر والعنف ، فإنها لن تحقق إلا المزيد من الغلظة والشدة والعنف .
لهذا فإننا نستطيع القول : أن الطريق الحيوي لتعزيز خطاب الاعتدال في الوطن ، هو توسيع دائرة الحرية والحريات ، والمزيد من الإجراءات والمبادرات التي تصون حقوق الإنسان وتحول دون امتهان كرامته .
ومشكلات الحرية بكل مستوياتها ، لا تعالج بإفنائها أو تقليص مساحتها ، وإنما بحمايتها ، وتعزيز مقتضياتها بالقانون . وبهذا نصل إلى معادلة واضحة لعملية تفكيك جذور خطاب وحقائق التطرف والتعصب ، وبناء حقائق التسامح والاعتدال . وهي [ الحرية – الاعتدال – سيادة القانون ].
فهذه هي العناصر الجوهرية لصياغة الفضاء الاجتماعي ، بعيدا عن كل أشكال الغلو والتعصب ونزعات الفوضى والخروج على النظام .
فالحرية هي طريق الاعتدال ، ولا حماية لهما إلا بسيادة القانون الذي يمارس دور الحماية والردع في آن . 
ولعلنا لا نبالغ حين القول : إن المنطقة تعيش اليوم مرحلة النتائج والتداعيات الخطيرة لخطاب ديني متطرف ، وإلغائي ، ويعمل على طمس معالم الاعتدال والتعايش السلمي في المنطقة .
لذلك فإن الحاجة ماسة اليوم ، لبلورة استراتيجية وطنية وإسلامية جديدة ، تتبنى قيم الاعتدال والتسامح وحقوق الإنسان ، وتتكيف مع مقتضيات العصر ، بحيث تتحول القيم الدينية إلى قيم دافعة إلى البناء والتنمية والتعايش .
ويعاني المجال الإسلامي في هذه اللحظة التاريخية الحساسة الكثير من عناصر التوتر المذهبي والتطرف الديني . بحيث أصبحنا نعاني في الكثير من البلدان والمناطق من ظاهرة التوتر المذهبي أو القومي أو العرقي أو السياسي المفتوح على احتمالات خطيرة تهدد الجميع في حاضره ومستقبله . لهذا ومن أجل وقف الانحدار إلى الصراعات والتوترات المذهبية والداخلية ، نحن بحاجة إلى مبادرات وطنية وقومية وإسلامية تحول دون المزيد من الانحدار على هذا الصعيد وتعمل عبر وسائل ومنهجيات مختلفة من أجل إشاعة وتعميم ثقافة الاعتدال ومنهج العمل والفكر الوسطي بدون غلو أو تنطع . ونحن نعتقد أن المؤسسات الدينية والثقافية والإعلامية ، تتحمل مسؤولية عظيمة في هذا السياق ، وتمتلك القدرة الفعلية للمساهمة في توجيه الرأي العام باتجاه هذه القضايا والمتطلبات ، التي تضبط نزعات التطرف والتوتر الداخلي في العديد من البلدان العربية والإسلامية .
وفي هذا السياق نقدم مجموعة من التصورات والمقترحات التي تساهم في تقديرنا في تعزيز خطاب وواقع الاعتدال في الوطن والأمة في مختلف المجالات والحقول .
1-نشعر بأهمية أن تقود المؤسسات الثقافية والإعلامية حملة إعلامية لتعزيز خيار الاعتدال والوسطية في الوطن والأمة ، لتعريف أبناء الوطن بأسس وآفاق الاعتدال والوسطية . وكلنا ثقة أن تبني حملة ثقافية وإعلامية مدروسة وموضوعية من قبل المؤسسات الوطنية والإسلامية لتعزيز خيار الاعتدال ونبذ ثقافة الكراهية والتطرف سيؤتي ثماره وسينعكس بشكل إيجابي على حاضر ومستقبل الوطن والأمة في العديد من الميادين والحقول .
2-تأسيس منتدى وطني للاعتدال والوسطية ، ومهمة هذا المنتدى عقد الندوات والمحاضرات ، والتعريف بالكتب والإصدارات التي تنسجم وخطاب الاعتدال ، والعمل الثقافي الذي يتجه إلى معالجة الإشكاليات الفكرية والاجتماعية والسياسية التي تحول دون بروز خيار الاعتدال والوسطية بشكل مؤسسي في الوطن والأمة .
3-الدعوة إلى تأسيس ميثاق إعلامي ينبذ العنف ويمنع بث كل المواد الإعلامية التي تحض وتحث على الكراهية بكل أشكالها ، وتدعو إلى التسامح واحترام حقوق الإنسان والاعتدال والوسطية . وإننا اليوم نعتقد وبشكل عميق أهمية أن يسعى الإعلام الحر لإنتاج صيغ احتضان ورعاية لكل المناشط والمبادرات والتوجهات التي تعتبر معتدلة ، وتدعو إلى التعايش ونبذ الكراهية والعنف .
وإن حاجة أمتنا اليوم إلى خطاب الاعتدال ، ليس حاجة ترفية ، بل من الحاجات الضرورية التي تساهم في حفظ وصيانة المكتسبات الحضارية ، وتوفير البيئة الملائمة لمواجهة الكثير من التحديات والصعوبات التي تستهدف أمتنا في حاضرها ومستقبلها .
ويحدونا الأمل باتجاه أن تتبنى المؤسسات الثقافية والإعلامية الوطنية هذه المسألة ، وتقود الحملة الإعلامية والتثقيفية لتأكيد خيار الاعتدال والوسطية في الوطن والأمة .
والاعتدال الذي نقصده, لا يعنى بأي حال من الأحوال التخلي عن ثوابت الدين والوطن, وإنما يعني قراءة هذه الثوابت بعيدا عن الغلو والتطرف..
وبالتالي فالمطلوب على هذا الصعيد, هو تظهير قيم الاعتدال والوسطية ونسج العلاقات الايجابية بين مختلف الأمم والشعوب والثقافات والحضارات. وهذا التظهير ليس خاصا بحقل دون آخر, وإنما جميع حقول المجتمع ودوائره المتعددة, معنية بشكل أساسي بتظهير قيم الاعتدال والوسطية في المجتمع السعودي ..
ولا يكفي في هذا السياق, أن نلعن الخطاب المتطرف والمغالي والمتشدد, وإنما ينبغي أن يسند مشروع تفكيك وفضح الخطاب المتطرف, بصياغة خطاب معتدل, وسطي, متوازن, ويبني حقائقه ووقائعه في الساحتين  الثقافية   والاجتماعية..
فالمطلوب اليوم على الصعيد الوطني, وفي ظل هذه الظروف الحساسة والتحديات الصعبة, العمل على صياغة خطاب وطني وسطي يفكك نزعات التطرف والغلو, كما يبني حقائق الاعتدال والتسامح في الفضاء الاجتماعي ..  
وفي سياق الاهتمام والدعوة إلى ضرورة الانفتاح والتواصل بين المسلمين جميعا بمختلف مذاهبهم ومدارسهم الفقهية والكلامية نود التأكيد على النقاط التالية :
1-إننا ندعو المجتمعات الإسلامية – الشيعية إلى الانفتاح والتواصل والتلاقي والتفاهم مع المسلمين الشيعة من غير الإمامية وهم الشيعة الزيدية والشيعة الإسماعيلية .. فالجميع له مصلحة في عملية التفاهم والانفتاح والتواصل ، ومن الضروري أن نشجع وندعم كل خطوة ومبادرة ، تستهدف تجسيد العلاقة بين المسلمين بكل مذاهبهم ..
وفي هذا الإطار نقترح الخطوات التالية :
2-تبادل الزيارات واللقاءات بين النخب العلمية والاجتماعية والثقافية ، لزيادة الأواصر وكسر حاجز الجهل المتبادل ..
3-التعاون في المشروعات الوطنية المشتركة كصيانة حقوق الإنسان والدفاع عن الانتهاكات التي تتعرض إليها بعض المجتمعات لدواعي مذهبية ..
4-تظهير المساحات المشتركة وتنشئة الأجيال الطالعة على هذه الحقائق ومقتضياتها المتنوعة ..
5-بناء تفاهمات راهنة على قضايا حيوية  ، تهم جميع الأطراف ضمن الأطر الوطنية أو الإسلامية العامة ..
وهذه الرؤية في الانفتاح وضرورة التواصل مع بقية المسلمين الشيعة من غير الإمامية ، ليس تكتيكا سياسيا , وإنما خيار مبدئي واستراتيجي .
فهم جزء من أمتنا ومجتمعاتنا ولا ينبغي أن تستمر حالة الجفاء أو القطيعة أو اللا اهتمام .. وإن هذا التواصل  لا يستهدف أن ينتقل أحد الأطراف من موقع مذهبي إلى آخر ، وإنما يستهدف تعزيز حالة التعارف بين جميع التعبيرات وتعميق أواصر العلاقة والتعاون وإفشال كل المخططات التي تستهدف إدامة حالة الفرقة والتشظي المذهبي في الأمة ..
والمدرسة الإمامية كما أرسى دعائمها وركائزها أئمة أهل البيت (ع) تتحرك وتعمل على صعد الحياة المختلفة وقلبها وعقلها على الأمة جمعاء .. فهي مدرسة رائدة في الأمة الإسلامية ، ولا يمكن للمدرسة الرائدة مهما كانت الظروف والتحديات ، أن تقبل لنفسها الانكفاء والانطواء والانحباس في أطر مذهبية ضيقة .. فنحن نعتز بإنتماءنا لمدرسة أهل البيت (ع) ، ولكن هذا الاعتزاز لا يدفعنا إلى الانكفاء ، وإنما إلى الانفتاح على قضايا الأمة المختلفة والالتزام بمسائلها الكبرى .. فالتشيع مدرسة الحرية والكرامة والعزة ومن يحمل هذه القيم ، لا يمكن أن يقبل لنفسه أو مجتمعه الانزواء والانكفاء ، وإنما الانفتاح والتواصل .. وهذا لا يعني الميوعة في الالتزام بثوابت المدرسة ومقدساتها ، وإنما يعني العمل على التعريف بأسس هذه المدرسة في إطار من الفهم والتلاقي والتواصل .. فليس لنا مصلحة في أن نعيش في ظل بيئة اجتماعية متوترة تجاهنا ، وسعينا للعمل على تفكيك ظاهرة التوتر تجاهنا، لا يعني بأي حال من الأحوال التضحية بالثوابت ..
وجماع القول : إن مطالبة الشيعة في المنطقة بحقوقهم السياسية والمدنية والدينية ، ليس عملا طائفيا .. فالمطالبة بالعدالة والإنصاف ، ليس عملا مرذولا حتى يوصف بالطائفية .. الفعل الطائفي هو أن يطالب الناس بنزع حقوق غيرهم وإعطاءها إياهم ، أما المطالبة بالعدالة والإنصاف والمساواة والمواطنة الكاملة ، فهو من صميم الفعل والممارسة الوطنية.. وإننا ندعو في هذا السياق شركاء الوطن إلى الانفتاح على قضايا الشيعة في الخليج والإنصات إلى مطالبهم ، والسعي من أجل بناء كتلة وطنية عابرة للمذاهب والطوائف للمساهمة معا في تطوير أوطاننا وتعزيز بناءه الداخلي .. فمشاكل الشيعة في المنطقة ، لا يمكن أن تعالج بمعزل عن مشاكل الوطن كله .. فلا أحد يبحث عن حلول خاصة ، لأن جميع القضايا مترابطة ومتداخلة ولا حل لها جميعا إلا بحزمة إصلاح سياسي حقيقي تطال جميع الملفات والقضايا .. وندعو شركاء الوطن من كل المواقع المذهبية والفكرية والسياسية إلى نبذ كل أشكال التحريض المذهبي .. فالاختلاف والتباين في وجهات النظر على أي قضية من القضايا ، لا يبرر لأي أحد ممارسة سياسة التحريض وبث الكراهية بين المواطنين ..
فالقذف والسب والاتهام الرخيص لا تبنيي الأوطان وإنما تدمرها وتفك نسيجها الاجتماعي ..
فتعالوا جميعا نحارب التحريض وبث الكراهية الدينية والمذهبية ، ونبني أوطاننا على قاعدة احترام التعددية المذهبية وصيانة حقوق الإنسان وحماية العيش المشترك ..
وإن الوقوف ضد مطالب الناس المحقة في العدالة والديمقراطية والإنصاف ، بدعوى أن المطالبين بهذه  القضايا هم من الطائفيين ، يعد ظلما صريحا وافتئاتا مريعا لمكون أساسي من مكونات المجتمعات الخليجية ..
وإن لا مصلحة لأحد في المنطقة لتفجيرها طائفيا ، لأن التوترات والانفجارات الطائفية والمذهبية ستدمر الجميع وتدخل المنطقة بأسرها في أتون حروب كارثية لا تبقي ولا تذر ..    
ووجود مشكلة أمنية وسياسية بين إيران ودول المنطقة ، لا تعالج بالتحريض الطائفي وبث الكراهية بين المواطنين على أساس طائفي ومذهبي  ..
فإننا نرفض التحريض الطائفي بكل أشكاله ، لأنه يخرب الأوطان ويدمر الاستقرار الاجتماعي والسياسي .. كما أن أساليب التحريض ووسائله المختلفة لا تنسجم وتشريعات الإسلام وفضائل الأخلاق ..
والإساءات الطائفية لايمكن أن تواجه بإساءة مقابلة ,فالنار لاتطفىء بنار أخرى . فتعالوا جميعا من اجل وحدة أوطاننا ومجتمعاتنا , ومن اجل الالتزام بقيم الإسلام وتشريعاته في التعامل مع المختلف والمخالف نطرد من محيطنا وفضائنا الاجتماعي والوطني كل نزعات التمييز والإقصاء والنبذ لاعتبارات مذهبية وطائفية . فالعلاقة بين شركاء الوطن ينبغي أن تكون قائمة على الاحترام المتبادل وصيانة الحقوق وحماية أسس ومرتكزات العيش المشترك .


المقدس والحرية

9 مارس 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
2 زيارة

بين الفينة والأخرى تثار في فضائنا العربي والإسلامي ، مجموعة من القضايا والممارسات ، التي تستفز الناس وتقسمهم إلى قسمين : الأول مع هذه القضايا باسم الحرية ، والقسم الآخر ضد هذه القضية باسم الدفاع والذود عن المقدس والثوابت .. ولعل آخر هذه القضايا المثارة ، والتي أخذت أبعادا اجتماعية وسياسية وحقوقية عديدة هي تغريدات الشاب السعودي حمزة كشغري المتعلقة بالذات الإلهية وشخصية الرسول الكريم , والقضية الأخرى إقدام القوات الأمريكية في أفغانستان على إحراق القران الكريم  , مما أجج النفوس ، وأنزل الآلاف إلى الشوارع منددين بالأمريكيين الذين مارسوا هذا العمل  المهين إلى المقدسات والثوابت الإسلامية .. وفي مقابل هذه القضايا والممارسات المتفاوتة في حجمها ومعايير النظر إليها , تعددت المواقف والتعليقات , وتباينت ردود الفعل, حولهما , فبين قائل إن الشاب كشغري   مارس حريته وان ماكتبه لايسيء إلى المقدسات

 , وطرف آخر يرى في تغريدات كشغري خروج عن الضوابط الشرعية ويستدعي ذلك محاكمته . .. ولكون قضية إحراق القوات الأمريكية للمصحف الشريف في أفغانستان قضية لم تتباين فيها وجهات النظر سأخصص حديثي عن قضية الشاب حمزة كشغري .

ويبدو من هذه القضية وغيرها من القضايا المشابهة ، أن هذه المسألة تعود إلى طبيعة العلاقة المتصورة بين المقدس والحرية .. فهناك أطرافا تتصور أن الحرية بكل آفاقها وأشكال ممارساتها الخاصة والعامة ، هي القيمة الكبرى التي ينبغي الدفاع عنها ، ورفض أي شكل من أشكال تقييدها أو تحييدها ..

لهذا فإن هذه الأطراف تقف موقفا إيجابيا ومؤيدا لكل فرد أو جهة مارست حريتها وعبرت عن قناعتها بحرية تامة .. وفي مقابل هذه الأطراف ، هناك أطرافا أخرى ترى أن الحرية هي قيمة من مجموعة قيم ومثل عليا ، ولا يمكن على الصعيد العملي من التعامل مع هذه القيمة بمعزل عن المنظومة القيمية الكاملة ، التي تحدد بعض الحدود والضوابط على مستوى الممارسة ..

وإن هذه الحدود والضوابط ليست تقييدا لقيمة الحرية ، وإنما في هذا الموضوع أو القضية الأولوية لقيمة أخرى مختلفة عن قيمة الحرية .. وهكذا تتباين وجهات النظر ، وستبقى العلاقة بين المقدس والحرية علاقة شائكة وقلقة ، وتتطلب المزيد من أعمال العقل والفكر لبناء تصور متكامل لطبيعة العلاقة بين المقدس والحرية ..

وفي سياق بلورة الرأي أو خلق مقاربة نظرية جديدة للعلاقة بينهما نود إبراز النقاط التالية:

1-مع الحرية وضد الإساءة :

الحرية الحقيقية للإنسان تبدأ حينما يثق الإنسان بذاته وعقله وقدراتهما ، وذلك لأن التطلع إلى الحرية بدون الثقة بالذات والعقل ، تحول هذا التطلع إلى سراب واستلاب وتقليد الآخرين بدون هدى وبصيرة .. لذلك فما لم يكتشف الإنسان ذاته ويفجر طاقاته المكنونة ، لن يستطيع من اجتراح تجربته في الحرية وبناء واقعه العام على قاعدة الديمقراطية والشراكة بكل مستوياتها .. وكما يقول الدكتور ( علي حرب ) أن الحرية ليست هواما ليبراليا كما يتخيلها السذج من الحداثيين الحالمين بفراديس أرضية أو بديمقراطيات مثالية .. هذه أكبر عملية خداع مارسها وما يزال المثقفون العرب والغربيون فيما يخص تحديث المجتمعات العربي وتطورها .. ذلك إن الذي يمارس حريته هو الذي يجترح قدرته ويمارس سلطته وفاعليته ، بما ينتجه من الحقائق أو يخلقه من الوقائع في حقل عمله أو في بيئته وعالمه ..

ومن لا سلطة له لا حرية له .. ولذا فالحرية عمل نقدي متواصل على الذات ، يتغير به المرء عما هو عليه ، بالكد والجهد ، أو المراس والخبرة ، أو السبق والتجاوز أو الصرف والتحول ، مما يجعل إرادة الحرية مشروعا هو دوما قيد التحقق بقدر ما يشكل صيرورة متواصلة من البناء وإعادة البناء ..

من هنا ووفق هذا المنظور مع الحرية كقيمة مركزية في منظومتنا القيمية والفكرية ، وضد الإساءة التي قد تمارس باسم الحرية وهي ليست من الحرية في شيء من الحرية أن تمارس قناعتك في أي موضوع ، ولكن ليس من الحرية أن تسيء إلى الآخرين ومقدساتهم ..

وعليه فإن فك الارتباط بين ممارسة الحرية والتصرف بإساءة إلى ثوابت الآخرين ومقدساتهم تتجلى العلاقة على نحو إيجابي بين المقدس والحرية .. بمعنى أن المقدس لا يقيد حرية الإنسان ، لأن هذه الحرية من لوازم إنسانية الإنسان ، ولكنه ( أي المقدس ) يرفض الإساءة المعنوية والمادية لأي إنسان آخر أو منظومة عقدية أخرى ..

لهذا فإن فك الارتباط بين الالتزام بقيمة الحرية وأشكال الإساءات التي تمارس يساهم في تعميق مفهوم الحرية في الواقع الاجتماعي ، ويزيل العديد من الهواجس والالتباسات التي يعيشها بعض الناس تجاه قيمة الحرية ..

فالحرية ليست تفلتا من الأخلاق ، وليس تشريعا للإساءة ، وليست وسيلة لهدم الثوابت والمقدسات ، وإنما هي ممارسة عقلية ونقدية ، تستهدف تظهير الحقائق باستمرار ومنع قمع السؤال مهما كان موضوعه وإبراز مستديم لإنسانية الإنسان التي لا يمكن أن تتجلى بدون الحرية قولا وفعلا ..

2-المقدس لا يشرع للتطرف وهتك الحرمات :

وفي مقابل الحرية التي ترفض الإساءة المعنوية والمادية لأي طرف من الأطراف ، المقدس لا يشرع في سياق الدفاع والذود عنه ممارسة التطرف والتشدد والغلو أو هتك الحرمات والأملاك العامة والخاصة .. لأن كل هذه الأشكال ليست دفاعا عن المقدس وثوابته ، وإنما هي افتئات بحق المقدس ..

لهذا فإننا في الوقت الذي نمارس النقد تجاه أولئك النفر الذي يمارس الإساءة المعنوية والمادية بحق الآخرين باسم الحرية ، في ذات الوقت نرفض ممارسة التطرف وقتل الأبرياء وهتك الحرمات والأضرار بالأملاك الخاصة والعامة باسم الدفاع عن المقدس وثوابت الأمة .. فإذا كان الشاب كشغري ، ارتكب خطئا بتغريداته المسيئة للذات الإلهية وشخصية رسول الإسلام ، فإن الرافضين والمنددين بهذه التغريدات ، ارتكبوا بدورهم خطئا شنيعا تجسد في ممارسة التطرف وقذف الناس بدون وجه حق وإطلاق أحكام جائرة بحق شريحة من شرائح المجتمع والوطن.

فالمقدس لا يتم الدفاع عنه ، بوسائل وآليات يرفضها ولا تنسجم ونظام قيمه التشريعي والأخلاقي .. فالمقدس لا يتم الدفاع عنه بهدم قيم الحرية وهتك الكرامة الإنسانية ، وإنما يتم الدفاع عنه ، بالالتزام بهذه القيم ومقتضياتها المتنوعة .. كما أن الحرية كقيمة وممارسة ، لا يتم الدفاع عنها ، عبر ارتكاب الموبقات والمحرمات ، ومصادمة الناس في مقدساتهم ، وإنما من حقك الأصيل أن تعبر عن قناعاتك وأفكارك ، دون أن تتعدى على حقوق الآخرين المعنوية والمادية .. فكما أن من حقك أن تؤمن بفكرة وتعبر عنها ، من حق الآخرين أيضا الإيمان بفكرة والتعبير عنها .. وإيمانك بفكرة ، لا يجعلك أنت الوحيد القابض على الحق والحقيقة ، كما أن إيمان الآخرين بذلك ، لا يحولهم وحدهم هم القابضون على الحقيقة ..

فنحن مع الحرية وهي حق مصان للجميع ، وهذا الحق لا يعني بأي حال من الأحوال ، أنه يشرع لأحد حق الافتئات على مقدسات الناس وكراماتهم ..

فالحرية هي بوابة الدفاع عن المقدس وثوابت الأمة .. والمقدس ليس نقيضا للحرية ، بل هو أحد المدافعين عنها ، والمانحين لها مضامين إنسانية وحضارية ..

فالتعصب لا يحمي المقدسات ، بل يشوهها ، ويخيف الناس منها .. كما أن العنف لا يوقف الإساءات التي قد تمارس تجاه مقدسات الأمة وثوابتها ..

لهذا فإننا نعتقد أن الإساءات المعنوية والمادية تبعد العلاقة على المستوى الإنساني بين الحرية والمقدس ، كما أن التعصب والتطرف وانتهاك الكرامات والحرمات ، يعمق الفجوة بين المقدس والحرية ..

والصورة المثلى التي تنشدها المجتمعات العربية والإسلامية ، هي أن تعيش حريتها كاملة على قاعدة احترام مقدساتها ..

  


كيف نطور البيئة الحقوقية في منطقة الخليج العربي

5 مارس 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
0 زيارة

 

خلاصة الدراسة :

إن تطوير البيئة الحاضنة والضامنة لحقوق الإنسان في مجتمعات الخليج العربي ، مرهونة بقدرة هذه المجتمعات على تطوير أنظمتها السياسية وتوسيع دائرة المشاركة الشعبية في الشأن السياسي والوطني .. وإنه لا يمكن أن تتطور البيئة والحقائق والوقائع المحترمة لحقوق الإنسان على المستويين القيمي والمؤسسي ، في ظل أنظمة سياسية تحتكر حقل السياسة والدولة ، ولا تفسح المجال لشعبها وقواه السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمدنية  من المشاركة في السياسة والحكم .. فالدول التي تفتقد إلى تقاليد وأعراف وتدابير مؤسسية لمشاركة شعبها في الشأن العام ، هي دول في بنيتها الأساسية وخياراتها الكبرى طاردة لقيم حقوق الإنسان ، ومخربة لكل بيئة مجتمعية يمكن أن تتطور فيها مقتضيات صيانة واحترام حقوق الإنسان ..

لهذا فإننا نعتقد في منطقة الخليج العربي أن الإصلاح السياسي هو بوابة صيانة حقوق الإنسان على شكل مؤسسي وقيمي ..

ومن الناحية الواقعية والسياسية ، فإن تفاوت الحكومات الخليجية في مستوى رعايتها واحترامها لحقوق الإنسان ، يعود إلى التفاوت في طبيعة الأنظمة السياسية ومستوى فعالية حياتها السياسية والوطنية .. فالدول التي تمارس الانتخابات وتمتلك برلمانا شعبيا ، فهي دول متقدمة على غيرها في حقل احترامها وصيانتها لحقوق الإنسان .. أما الدول التي لا انتخابات فيها ولا مجتمعات مدنية حيوية ومستقلة تنشط في فضائها ، فهي دول متراجعة إلى حدود دنيا في صيانتها لحقوق الإنسان وفي مدى احترام أنظمتها ومؤسساتها لمقتضيات حقوق الإنسان وفق الشرعة الدولية والإسلامية ..

فالبيئة الضامنة لحقوق الإنسان في كل التجارب الإنسانية ، لا يمكن أن تنجز في كل أبعادها وآفاقها بدون الإصلاح السياسي في منطقة الخليج ، الذي يوسع من دائرة المشاركة الشعبية في القرار السياسي اليومي والاستراتيجي ، ويؤسس العلاقة بين الجميع على أسس المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات بعيدا عن الانتماءات التقليدية التي تزخر بها منطقة الخليج العربي وإن مشروعات التنمية لا يمكن أن تؤتي أكلها بالكامل ، بدون مركزية الإنسان فيها وصيانة حقوقه وكرامته ..

والدول التي تفتقد فيها المؤسسات والأطر التي تحفظ حقوق الإنسان ، وتحول دون انتهاكها ، فإن مشروعات التنمية فيها تتحول إلى مشروعات نمو كمية ، تبرز في سلع الحضارة والحداثة المعاصرة ، دون أن تسند بإنسان قادر على استيعاب تقنيتها وأسرارها ، والعمل على إدارتها بما يناسب اللحظة الزمنية وخطط التنمية في الوطن ..

ولعلنا لا نبالغ حين القول : أن تغييب المواطن ( الإنسان ) وتنمية كفاءاته وطاقاته وقدراته في مشروعات التنمية ، هو أحد الثغرات الأساسية في المشروعات الاقتصادية والتنموية التي تعيشها منطقة الخليج العربي ..

وإن الاهتمام بمشروعات التنمية السياسية ، يساهم في خلق البيئة الاجتماعية الحاضنة والمدافعة عن حقوق الإنسان ..

وعليه فإن الدراسة ترى أن تطوير البيئة الحقوقية في منطقة الخليج العربي تتطلب الآتي :

1-     تنمية حس المواطنة في مجتمعات الخليج واستيعاب كل التنوعات الموجودة في الفضاء الخليجي .. وأن تكون المواطنة بكل حمولتها القانونية والدستورية هي قاعدة التعامل مع المواطنين بصرف النظر عن انتماءاتهم التاريخية والتقليدية ..

2-             تظهير العلاقة العميقة التي تربط مفهوم التنمية في كل أبعاده مع حقائق حقوق الإنسان ..

3-     تفكيك الرؤية الدينية التي تفرق بين المواطنين لاعتبارات مذهبية ، وتبني خطاب الإصلاح الديني الذي يعطي أولوية لقيم الحرية والتسامح وصيانة حقوق الإنسان ..

4-     بناء كتلة وطنية تطالب بالإصلاح وتلح عليه بكل الوسائل السلمية ، وتتجاوز في حركتها كل عناوين التشظي الموجودة في المجتمعات الخليجية ، وتعطي أولوية لمشروع الإصلاح السياسي وكل مقتضياته ومتطلباته ..

الإصلاح السياسي وقضايا المواطنة:

إن الوصول إلى مبدأ المواطنة، وتجسيد مقتضياتها ومتطلباتها في الحياة الاجتماعية والسياسية، يتطلب على المستوى العملي، الكثير من العمل والكفاح للانعتاق من كل الدوائر والممارسات التي تحول دون الوصول إلى هذا المبدأ الجامع، الذي يؤكد على الحرية والمساواة بصرف النظر عن المنابت والأصول. ويبدو من العديد من المعطيات والتداعيات، أن تراخي الإرادة السياسية في البلدان العربية والإسلامية تجاه هذه القيم، هو المسئول إلى حد بعيد عن تدهور الأوضاع وتقهقرها في مختلف المجالات والميادين.. وذلك لأنه إذا لم يشعر الإنسان بإنسانيته، وتحمى حقوقه من الضياع والتلاعب، لا تتوفر لدى هذا الإنسان العلاقة المطلوبة مع واقعه السياسي والاجتماعي.

وحينذاك تبدأ الفجوة بالاتساع بين النخب السياسية السائدة وعموم المجتمع بمكوناته المتعددة، وتتبلور مستويات التناقض وحالات عدم الثقة.. فتتباين من جراء ذلك الأجندة والمصالح والعلاقات والأولويات. فتعاظمت من جراء ذلك المحن والأزمات، وتصاعدت التوترات والاحتقانات وبرزت في المشهد السياسي والاجتماعي، العديد من العناوين واليافطات، التي تسهم في المزيد من التشظي والتفتيت وخلق الحواجز بين أبناء المجتمع والوطن الواحد.. وتحوّل المجالين العربي والإسلامي من جراء هذه الوقائع وتأثيراتها المتعددة، إلى ساحة للصراعات المفتوحة على كل الآفاق والوسائل، واشتد أوار الخصام السياسي والتناقض الأيدلوجي.

وبتنا جميعا حكاما ومحكومين نعيش الأزمة بكل ضغوطاتها واحباطاتها وتأثيراتها.. ولا خيار أمام الجميع إلا الانخراط في مشروع الإصلاح السياسي والثقافي والاجتماعي، الذي يعيد للعرب والمسلمين دورهم الحضاري، ويخرجهم من ظلمات التخلف والتعصب والاستبداد بكل صنوفه وأشكاله.. وينقلهم من واقع الاحتراب الداخلي بعناوينه المختلفة إلى رحاب الوحدة والمواطنة الكاملة. وحجر الأساس في هذا المشروع الإصلاحي، هو إعادة الاعتبار للفرد والتعامل معه على أساس المواطنية بصرف النظر عن انتماءاته التاريخية والراهنة ، وأن تتعامل معه مؤسسة الدولة على أساس انتماءه الوطني.

وفي هذا الإطار من الأهمية التأكيد على النقاط التالية:

1-إن العدالة في مجالات الحياة المختلفة، هي سبيل إنجاز مفهوم المواطنية في الواقع الاجتماعي.. وذلك لأن المواطنة لا تعني التجاور المادي والجغرافي، وإنما هي بناء نفسي وروحي وثقافي، يتجاوز كل عوامل التباغض والتناحر والشكوك المتبادلة. وهذا الطموح والتطلع، لا يمكن أن يتحقق إلا بالعدالة السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية. حيث لا مواطنة بدون عدالة ومساواة وتكافؤ للفرص. والأمم والمجتمعات التي استطاعت أن تكرس مفهوم المواطنة في تجربتها السياسية والحضارية، هي تلك المجتمعات التي قطعت شوطا طويلا في بناء الديمقراطية والمشاركة العامة والعدالة المجتمعية. إذ بدون هذه القيم، لا يمكن أن يتطور حس المواطنة، وتتبلور قيم الانتماء الوطني الصحيح. وعليه فإن العنصرية والطائفية والديكتاتورية وتكميم الأفواه وانعدام الحريات العامة، كلها حقائق وعوامل مضادة ومناقضة لمبدأ المواطنة. ولا يمكن أن يتطور هذا المفهوم في مجتمع يعاني من الأمراض والآفات المذكورة أعلاه. وذلك لأنها كلها تناقض مفهوم العدالة، وتشرع للتمييز وممارسة الظلم بكل صنوفه وأشكاله. وهذا بطبيعة الحال، يقتضي التزام برنامج وطني شامل، لإصلاح وتطوير الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بحيث تتأمن كل ضرورات المواطن، ويشعر بالأمن والثقة بوطنه راهنا ومستقبلا.

والعدالة في أحد وجوهها، تعني التحرر من الفقر والجهل والمرض، وتحقيق مستوى معيشي ، مطرد التقدم ولا يميّز بين المواطنين. والعمل على صياغة ثقافة وطنية جديدة، تصقل روحية المواطن، وترسم اتجاهاته المقبلة، وتعلي من شأن التعايش السلمي والمصير المشترك والمسؤولية العامة، وتهدم جدران العنصرية والطائفية والاستبداد.

وغياب العدالة في الواقع الوطني، هو الذي يهدم مستلزمات الوحدة الوطنية ويدق إسفينا في مشروع العيش المشترك والوفاق الوطني. فالحقوق والواجبات لا تتم على قاعدة فئوية أو قومية أو طائفية، وإنما على أساس المواطنة. فهي المعيار والضابطة الوحيدة لترتيب نظام الحقوق والواجبات.

2-الاختلافات السياسية والعقدية والقومية والمذهبية في الدائرة الوطنية، ينبغي أن لا تشرع وتسوغ للعداء والافتراق والانكفاء بل للتحاور والتبادل المعرفي وإثراء الثقافة الوطنية بالمضامين الحية والقادرة على اجتراح تعايش حيوي وفعال بين مجموع مكونات الحالة الوطنية.

إن المجتمعات الإنسانية ولاعتبارات عديدة، هي بحاجة بشكل دائم إلى تشريع قانون ودستور، ينظم حياتهم في شؤونها المختلفة، ويحدد المسؤوليات، ويجعل كل مؤسسات الدولة خاضعة لهذه القوانين الدستورية. ولعلنا لا نبالغ حين القول: أن تضخم مستوى الاستبداد السياسي والاستفراد بالرأي في العديد من الدول العربية والإسلامية، يرجع في أحد وجوهه إلى غياب المؤسسات الدستورية،التي تأخذ على عاتقها ضبط نزعات الاستفراد والغطرسة وأشكال الحكم المطلق. وإن الإصلاح السياسي لا يمكن أن يكون بمجرد التصريحات المناسبة أو الخطوات التكتيكية المقبولة شعبيا. وإنما هو بحاجة إلى دستور يترجم إرادة الإصلاح ويجعل مؤسسة الدولة في إرادتها منسجمة والإرادة العامة للأمة. فالإصلاح السياسي بحاجة دائما إلى قاعدة قانونية، وهذه القاعدة هي الدستور الوطني الذي ينظم العلاقات ويحدد المسؤوليات. وإن القانون هو المرجعية الوحيدة لمعالجة كل المشاكل والأزمات .   وإن كل أجهزة الدولة ومؤسساتها، ينبغي أن تكون خاضعة لمقتضيات القانون ومواد الدستور الوطني..

وبالتالي فإن مشروع الإصلاح السياسي، يقتضي توفر مرجعية دستورية، وشفافية في الأداء والسياسات، وخضوع كل قوى المجتمع ومراكز القوى في مؤسسة الدولة إلى القانون والدستور.. ولا يمكن أن نتصور إصلاحا سياسيا حقيقيا بدون الدستور ونظام قانوني يكفل الحريات ويصون الحقوق، ويحافظ على المكتسبات، وينظم عملية التنافس والصرع. فالدستور حصانة ضد تكرار أخطاء ومآسي الماضي، كما هو مطلب وطني عميق، ينسجم ومقتضيات العصر الحديث،وأصالة المجتمع.

 3-لا ريب أن الوحدة الوطنية في ظل الظروف والتحديات الكبرى التي تواجه واقعنا السياسي من الضرورات التاريخية التي ينبغي أن نوليها الأهمية القصوى. ولكن من الخطأ التعامل مع هذا المفهوم بعيدا عن ضرورة الإصلاح وإعادة صياغة هذه الوحدة بما ينسجم وقيم العدالة والحرية والتسامح. فالوحدة التي تبنى بوسائل قسرية لا تدوم، كما أن الوحدة الوطنية التي لا تحترم حقوق الإنسان وخصوصيات التنوع الثقافي في المتوفر في المجتمع، لا تستند على قاعدة صلبة ومتينة.لذلك من الضروري التأكيد على ضرورة تجديد أسس الوحدة الوطنية، والعمل على صياغة الذات الوطنية وفق أسس أكثر عدالة وإنسانية.   فالتحديات التي تواجهنا، ينبغي أن لا تصرفنا عن هذه الضرورة، وذلك لأن البناء السليم، هو القادر على مجابهة التحديات والاستجابة الفعالة لمقتضيات الراهن. فالوحدة الوطنية ضرورة قصوى، كما أن الإصلاح السياسي وتجديد أسس الوحدة الوطنية ضرورة قصوى أيضا ، وتحولات الراهن تدفعنا إلى الإيمان العميق بضرورة التجديد والإصلاح وصياغة الذات الوطنية على قاعدة الوحدة والتعايش السلمي بين مكونات الوطن والمجتمع.

فضاء المواطنة :

ثمة علاقة عميقة وجوهرية، بين مفهوم المواطنة والأوضاع السياسية والاقتصادية والثقافية السائدة. وذلك لأن الكثير من مضامين المواطنة على الصعيدين الذاتي والموضوعي، هي بحاجة إلى فضاء سياسي جديد، يأخذ على عاتقة تحريك الساحة بقواها ومكوناتها المتعددة باتجاه القبض على المفردات والعناصر الضرورية لهذا المفهوم.

فالمواطنة كمبدأ ومرجعية دستورية وسياسية، لا تلغي عملية التدافع والتنافس في الفضاء الاجتماعي، بل تضبطها بضوابط الوطن ووحدته القائمة على احترام التنوع وليس على نفيه، والساعية بوسائل قانونية وسلمية للإفادة من هذا التنوع في تمتين قاعدة الوحدة الوطنية. بحيث يشعر الجميع بأن مستقبلهم مرهون بها، وأنها لا تشكل نفيا لخصوصياتهم، وإنما مجالا للتعبير عنها بوسائل منسجمة وناموس الاختلاف وآفاق العصر ومكتسبات الحضارة. ولا يكتمل مفهوم المواطنة على الصعيد الواقعي، إلا بنشوء دولة الإنسان.. تلك الدولة المدنية التي تمارس الحياد الايجابي تجاه قنا عات ومعتقدات وأيدلوجيات مواطنيها.. بمعنى أن لا تمارس الإقصاء والتهميش والتمييز تجاه مواطن بسبب معتقداته أو أصوله القومية أو العرقية. كما أنها لا تمنح الحظوة لمواطن بفضل معتقداته أو أصوله القومية أو العرقية. فهي مؤسسة جامعة لكل المواطنين، وهي تمثل في المحصلة الأخيرة مجموع إرادات المواطنين.

لذلك فإن مفهوم المواطنة لا ينجز في ظل أنظمة شمولية- استبدادية، لأن هذه الأنظمة ببنيتها الضيقة والخاصة، تحول مؤسسة الدولة إلى مزرعة خاصة، تمارس الإقصاء والتهميش، كما تمنح الامتيازات بمبررات دون مفهوم الوطن والمواطنية.

فالدولة المدنية التي تحترم الإنسان وتصون كرامته، وتمنحه حرياته الأساسية، هي الحقيقة الموضوعية الوحيدة، التي تبلور مفهوم المواطنة، وتخرجه من إطاره النظري المجرد إلى حقيقة سياسية ومجتمعية راسخة وثابتة. فدولة الإكراه والاستبداد وممارسة القمع والتعسف، تجهض مفهوم المواطنة وتخرجه من مضامينه السياسية المتجهة صوب الموازنة الفذة بين ضرورات النظام والسلطة ومتطلبات الكرامة والديمقراطية. وكل الشعارات والمشروعات ذات الطابع التقدمي التي تحملها بعض السلط والدول، تبقي مجردة وفي دائرة الاستهلاك الإعلامي والسياسي بدون المواطنة التي تمارس حقوقها غير منقوصة وتلتزم بواجباتها دون مواربة. وعليه فإن مراعاة مصالح المواطنين والعمل على ضمان حقوقهم واحترام حرياتهم وصيانة كراماتهم، هو الذي يضمن الاستقرار السياسي، ويطور مستوى التفاهم والانسجام بين السلطة والمجتمع وتتبلور الإرادة الوطنية صوب القضايا الكبرى للوطن و الأمة .

لذلك فإن المواطنة وفق هذا المنظور، هي قوام الحياة السياسية الفاعلة والسليمة.. وحينما تجرد الحياة السياسية من مقتضيات ومتطلبات المواطنة، تتحول إلى حياة مليئة بالنزاعات والانقسامات وتكريس مضامين التخلف والانحطاط المجتمعي .

وذلك لأن المنابر الإعلامية ووسائط الثقافة في المجتمع، تشترك في عملية تفتيت مضمون المواطنة، عن طريق نشر ثقافة الكراهية والدعوة إلى المفاصلة والقطيعة مع بعض شرائح المجتمع. فينتشر التمزيق، وتتعاظم مظاهر التهميش وأشكال التمييز، وتهدد الوحدة الوطنية في أهم مقوماتها ومرتكزاتها ألا وهي المواطن. حيث أن تسميم المناخ الوطني العام، بثقافة التمييز والكراهية، ودعوات المفاصلة والتحريض الطائفي والقومي، تقلص إمكانية الاستقرار، وتحول دون توفر متطلبات الوحدة الوطنية. فالدولة التسلطية بصرف النظر عن أيدلوجيتها والشعارات التي ترفعها، هي التي تجوّف مفهوم المواطنة وتفرغه من مضامينه السياسية والمجتمعية .   لذلك هناك علاقة وطيدة بين مفهومي الدولة المدنية والمواطنة. إذ لا دولة مدنية بدون مواطنة كاملة تمارس كل حقوقها وتقدم بكل واجباتها الوطنية. كما أنه لا مواطنة مستديمة بدون دولة مدنية تسن القوانين التي تحمي قانون المواطنة ومتطلباته، وترفده بالمزيد من الآفاق وأدوات الفعالية المجتمعية. فلا يمكن أن تتحقق مواطنة في ظل دولة تسلطية ـ استبدادية ، لأن هذه الدولة ببنيتها القمعية، تلغي دور المواطن في عملية البناء وتسيير أمور الوطن. كما أنه لا يمكن أن ينجز مفهوم الدولة المدنية في مجالنا الإسلامي ، بدون احترام مفهوم المواطنة وتوفير كل مستلزماته الذاتية والموضوعية..

فالعلاقة جد وطيدة بين مفهومي المواطنة والدولة المدنية، إذ كل مفهوم يستند على الآخر لاستمراره وتجذره في المحيط الاجتماعي. وهذا بطبيعة الحال يتطلب " تسريع الاتجاه نحو الديمقراطية الحقيقية والتعددية الفعلية والتنمية الشاملة في الدولة وبالدولة إن أمكن، جنبا إلى جنب، محو الأميات المتكثرة، وتحرير الأبنية الثقافية السائدة من عقد الأتباع والتقليد، وتثو ير الوعي الاجتماعي. بما يؤكد معاني الحراك والمغايرة وحق الاختلاف، وتدعيم أسس المجتمع المدني بما يؤكد مفهوم المواطنة بكل لوازمه الحديثة وشروطه الإنسانية التي لا تفـــارق حـــرية الـــرأي والاجتهاد وحــق الخطأ في الوقت نفسه " (1). وبالتالي هناك منظومة متكاملة من القيم والمبادئ ، التي تكرس مفهوم المواطنة في الواقع الاجتماعي. ومن هذه المنظومة الديمقراطية والحوار والتسامح وحقوق الإنسان وحرية التعبير والانتماء. فكلها قيم ضرورية لإرساء مضامين المواطنة.. أي أن توفر هذه القيم، هو الذي يؤدي إلى إنجاز مفهوم المواطنة. وبمقدار غياب هــذه القيم أو بعضها، بذات المقدار يتم انتهاك مفهوم المواطنة..

وهذا يدفعنا إلى القول : أن المواطنة لا تنجز إلا في ظل نظام سياسي ديمقراطي- تعددي، يحترم حقوق الإنسان ويصون كرامته ويوفر ضرورات العيش الكريم.

وعليه فإن الاستقرار السياسي والمجتمعي في منطقة الخليج العربي  بحاجة إلى توفر العناصر التالية:

 1-المواطنة التي تمارس دورها في الشأن العام بدون خوف أو تردد.

 2-مؤسسات المجتمع المدني، التي تأخذ على عاتقها استيعاب طاقات المجتمع وتبلور كفاءاته وقدراته، وتساهم في معالجة المشكلات التي يمر بها المجتمع.

 3-الدولة المدنية التي تجسد إرادة المواطنين جميعا، ولا تميز بين المواطنين لدواعي ومبررات ليست قانونية وإنسانية. فهي دولة جامعة وحاضنة لكل المواطنين وتدافع عنهم، وتعمل على توفير ضرورات معيشتهم وحياتهم.

فالأوضاع الخليجية ، بدون هذه العناصر، تعيش القهقرى والمزيد من التراجع والانهيار على الصعد كافة.

لذلك فإن الجهود في منطقة الخليج  اليوم، ينبغي أن تتجه إلى توفير كل مستلزمات تجسيد هذه القيم والوقائع في الفضاء السياسي والاجتماعي والثقافي ..

ولعلنا لا نبالغ حين القول: أن غياب مبدأ المواطنة ومؤسسات المجتمع المدني والدولة المدنية عن واقعنا في الخليج، ينذر بتطورات كارثية على المستويات كافة. ولا خيار أمام النخب السياسية السائدة، إذا أرادت الاستقرار لأوطانها، إلا الانخراط في مشروع الإصلاحات السياسية والوطنية، المتجهة صوب إرساء دعائم المواطنة ومؤسسات المجتمع المدني والدولة المدنية الملتحمة في خياراتها الاستراتيجية مع خيارات مجتمعها، والساعية نحو إزالة كل رواسب الدولة التسلطية من واقعها ومؤسساتها وهياكلها المختلفة. وحده الإصلاح السياسي الحقيقي، هو الذي يوقف الكوارث القادمة وعلى الصعد كافة..

ويبدو من مختلف الوقائع والمعطيات والتطورات التي تشهدها منطقة الخليج العربي هذه الأيام ، أنها جميعا وبدون استثناء ، بحاجة إلى الانخراط الجاد في مشروع الإصلاح السياسي .. وإن تلكأ الحكومات الخليجية عن مشروعات الإصلاح السياسي أو تراجع البعض عنها ، سيدفع المنطقة بأسرها إلى المزيد من التوتر والاحتقان ..

فالمجتمعات الخليجية تستحق أوضاعا سياسية أكثر تقدما وحرية وعدالة مما هو قائم ..

وإن ممانعة هذه الدول من الانخراط في مشروع الإصلاح السياسي مهما كانت مبرراته ومسوغاته ، سيفضي إلى المزيد من الأزمات على كل الصعد والمستويات ..

ولعل الذي يؤكد ضرورة الإصلاح السياسي بوصفه الخيار الأمثل والأقل كلفة للجميع ، هو هذه المفارقة الصارخة التي تعيشها المنطقة حيث حكومات مترهلة وتصل إلى حد العجز في مواجهة التحديات الكبرى التي تواجه المنطقة ، ومجتمعات خليجية حيوية وحية وتعيش حراكا متصاعدا على أكثر من مستوى ..

وإن معالجة هذه المفارقة لا يمكن أن يتم إلا بإصلاح سياسي حقيقي تشهده بلدان الخليج العربي.. وحتى لا نقع في الأحكام المجردة ، فإننا نعترف أن دول الخليج العربي ، أقدمت على بعض الخطوات الإصلاحية ، التي لا يمكن نكرانها ، إلا أنها لاعتبارات عديدة ، ليست بمستوى النخب السياسية والاجتماعية الخليجية وذلك للأسباب التالية :

1-     تراجع بعض هذه الدول عن بعض إصلاحاتها ودخولها في نفق استخدام العنف والعودة إلى الخيار الأمني ، وما يستتبعه  هذا الخيار من متواليات تضر بالاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي ..

2-إن الخطوات التي أطلقتها هذه الحكومات وعدت خطوات إصلاحية ، لم تصل إلى مستوى أن تشكل بنية مؤسسية ومشروع وطني متكامل للإصلاح السياسي والدستوري وتوسيع دائرة المشاركة الشعبية ..

3-وجود مراكز قوى عديدة في دول الخليج العربي ، لا زالت رافضة لخيار الإصلاح وتعمل على إجهاضه وتخريب أسسه وتجويف بعض الخطوات الإصلاحية من الداخل..

 4-غياب أية محاولة حقيقية في كل الخطوات الإصلاحية المعلن عنها عن مأسسة وتطوير النظم السياسية الخليجية .. فلا زالت بنية الحكومات على حالها وكأن كل خطوات الإصلاح هي للتجميل وتحسين الصورة ، وليس لإحداث تحول سياسي ومؤسسي حقيقي في شؤون وكيفية إدارة الدولة والمجتمع في الخليج ..

5-     إن أغلب الدول الخليجية ولاعتبارات متعلقة بطبيعة الخيارات والعلاقة بين قوى المجتمع المختلفة ، لا زالت تغذي تنمية الفوارق والتناقضات الأفقية والعمودية في المجتمعات الخليجية .. فبنية هذه الدول وخياراتها السياسية ، لا زالت تراهن لاستمرار قوتها ، على استمرار حالة التشظي الداخلي بعناوين طائفية وقبلية ومناطقية ، دون أن تخطو خطوات جديدة في صياغة مشروع وطني جامع ومستوعب لكل التنوعات والتعدديات الموجودة في المجتمعات الخليجية ..

حقوق الإنسان والتنمية:

حيث وجد الإنسان ، وجدت التنمية,وحيث غاب الإنسان تغيب بالضرورة التنمية.وذلك لأن التنمية بوصفها مشروعات وآليات وتوجيهات هي من خصائص الإنسان وحدة.. أي أن الأنساق التي تتجه إلى تعظيم الإمكانيات أو تنمية القدرات, لا يقوم بها إلا الإنسان..

وعلية فإن المشروعات السياسية التي تمتهن الإنسان و كرامته, أو تنتقص عبر إجراء اتها المتعددة من إنسانيته, لا تستطيع من الناحية الواقعية,مهما رفعت من يافطات وشعارات من تحقيق التنمية. وتكثير الكلام والخطب حول التنمية ومشروعاتها وآفاقها, لا يخلق تنمية.

كما أن المشروع السياسي الذي يسقط من حساباته إنسانية الإنسان, أو لا يعمل على تعزيز حقوق الإنسان, فإن هذا المشروع مهما أوتي من إمكانات وقدرات, فإنه
 لن يستطيع من بناء تنمية مستديمة ومتوازنة… فالتنمية لا يحققها إلا الإنسان, وحينما يغيب هذا الإنسان, فإن الشعارات بوحدها لا تنجز تنمية, والادعاءات لاتبني واقعا جديدا.. فالشرط الشارط لإنجاز مفهوم التنمية في المجتمعات الإنسانية, هو وجود الإنسان, الذي يشعر بعمق بحريته وحقوقه ويمارس إنسانيته, هو الإنسان القادر على تنمية القدرات وتعظيم الطاقات والإمكانيات..

وحينما يغيب هذا الإنسان, تغيب الإمكانية الفعلية للتنمية المستدامة.

ولعل هذا ما يفسر لنا إخفاق الكثير من مشروعات التنمية في بلداننا العربية والإسلامية.. فهذه البلدان تمتلك كل المواد الخام والثروات الطبيعية التي تمكنها من تحقيق تنمية عظيمة على الصعد المختلفة ولكن وبفعل غياب الإنسان وحقوقه وحريته, فإن هذه المواد والثروات, تضيع في أغلبها سدى,ولا يمكن الاستفادة القصوى من هذه الخيرات والبركات .وحين التأمل العميق في هذه المفارقة ، حيث الإمكانات الهائلة ويقابلها غياب التنمية المستدامة, نجد إن غياب الإنسان بحريته وحقوقه، هو المسئول الأول عن غياب التنمية الحقيقية في هذه البلدان. فالإمكانيات الطبيعية و المادية بوحدها لا تخلق تنمية, وعمليات استيراد كل سلع الحضارة والاستهلاك, لا تنتج تنمية بل كلها مظاهر تؤكد غياب التنمية المستدامة في هذا البلد أو ذاك..فحجر الزاوية في مشروعات التنمية هو الإنسان بحقوقه وحرياته، فهو القادر على تحويل المواد الخام إلى مشروعات تنموية عملاقة, كما إنه هو القادر على تذليل كل الصعاب التي تحول دون انطلاق مشروعات التنمية الشاملة.

وعليه فإن تغييب حريات الإنسان وحقوقه من الفضائين السياسي والاجتماعي , لا يخلق تنمية مستدامة, حتى لو توفرت كل المواد الخام والإمكانيات المادية . وذلك وببساطة شديدة, لكون الإنسان هو الذي يدير هذه المواد والإمكانيات, ويحولها إلى مشروعات وحقائق تنموية. وحينما يكون هذا الإنسان مكبل وتزداد عليه القيود من كل حدب وصوب, فإن إمكانياته الإبداعية وقدراته الإدارية ستتراجع. فالإنسان في منطقة الخليج العربي  , ليس أقل عقلا من الإنسان في المجتمعات المتقدمة ،ولكن ما يميز الإنسان في المجتمعات المتقدمة عن الإنسان في المجتمعات الخليجية,هو أن الإنسان في تلك المجتمعات يشعر بعمق بحريته وله كامل الحق بممارسه كل حقوقه الخاصة والعامة,لذلك هو ينطلق ويبدع في مجالات البناء والتنمية. أما الإنسان في المجتمعات الخليجية, فإنه يشعر بالقيود المتعددة, ولا يمارس إنسانيته وحريته على أكمل وجه, لذلك هو مشغول بمحنه الذاتية, ومن ينشغل بأوضاعه الخاصة, وتضغط عليه سلبا لن يتمكن من الإبداع والتميز في عمله العام..

لذلك فإن الخطوة الأولى للإنطاق في مشروعات تنموية حقيقية في بلدان الخليج العربي  , هي إعادة الاعتبار للإنسان وجودا وفكرا وحقوقا, وتعزيز كل هذه العناصر في إطار مؤسسي, يشعر فيه كل إنسان بالاعتزاز والقدرة على التعبير عن آراءه وأفكاره وإبداعاته.

هذه هي الخطوة الأولى التي تعيد صياغة العلاقة بين الإنسان ومشروعات التنمية…فالتنمية لا تستورد ولا تستنسخ, وإنما هي بحاجة إلى الإنسان الذي يحمل همها وعبئها في آن. بحاجة إلى الإنسان الذي يحول الخطط إلى حقائق.

بحاجة إلى الإنسان الذي يخلق واقعا اجتماعيا, دافعا نحو البناء والعمران,ومحاربا لكل أشكال الكسل والترهل والجمود..

فإذا أحسنا صياغة العلاقة بين إنسان هذه المنطقة والتنمية وحاجاتها ومتطلباتها المتعددة, حين ذاك ننطلق في رحاب البناء المفتوح على كل المبادرات والطاقات, والقادر على دمج كل القدرات في سياق مشروع تنموي متكامل..

وعليه فإن إدراك تحولات العالم وتطوراته, لا يكفي للانخراط الفعال في شؤون العصر وقضاياه الملحة.. وإنما من الضروري أن يرافق هذا الإدراك والاستيعاب, تجديد رؤيتنا وفهمنا لذواتنا وإنسان هذه المنطقة.

لأن تجديد رؤيتنا لهذه العناصر, والالتزام بمقتضيات هذا التجديد, هو سبيلنا لتجاوز حالة الشعور بالعجز وانعدام القدرة أمام التحولات الهائلة التي تجري في العالم على مختلف الصعد والمستويات…

لذلك فنحن مع كل خطوة ومبادرة, تعزز موقع الإنسان في مشروعات البناء والتنمية، وندرك بعمق أنه لا تنمية مستدامة, بدون إنسان مكتمل الإنسانية والحقوق….

فالتنمية بوصفها مشروعات اقتصادية عملاقة ، وبنية خدمية متكاملة ، وخطط اجتماعية متواصلة ، لا يمكن أن تنجز على الصعيد الواقعي ، بعيدا عن العامل البشري ـ الإنساني . لأن هذا العامل هو الذي سيترجم وينفذ كل هذه المشروعات والخطط ، وغياب حقوق الإنسان الأساسية ، سيحوله إلى منفذ سيء لهذه المشروعات والخطط ، أو في أحسن الفروض سيحوله إلى عنصر فساد وإفساد ، يعمل لمصلحة الشخصية ، وسيوظف موقعه في هذه المشروعات للإثراء اللامشروع .. لهذا فإننا نجد وفي الكثير من دول الخليج العربي  ، أن الكلفة الحقيقية للمشروع لا تتجاوز (10) ملايين إلا أن الميزانية المصروفة على هذا المشروع هي أكثر بكثير من رقم (10) ملايين .. فهذه الزيادة هي عمولات ورشوات ومحسوبيات وسرقات .. والأنكى من ذلك أن المشروع لا ينفذ وفق المواصفات المطلوبة .. فالذي يسرق المال العام ، لن يجتهد في توفير أسباب النجاح الحقيقية للمشروع الذي يقوم به . وعليه فإن إصلاح وضع الإنسان ، وتوفير ضرورات عيشه الكريم وصيانة حقوقه الأساسية ، كلها من الضرورات القصوى لعملية النجاح والتميز في مشروعات البناء والتنمية . فالتنمية قبل أن تكون تنمية للجدران والشوارع والخدمات ، هي تنمية إلى الإنسان في وعيه وحريته وحقوقه .. وأي تراجع على هذا الصعيد ، سينعكس سلبا على الجانب المادي للتنمية .. والمجتمعات التي بحثت عن الجوانب المادية للتنمية دون الالتزام بحقوق الإنسان وكرامته ، لم تجن إلا المزيد من العذابات والكوارث الاجتماعية والإنسانية .. فالمباني شاهقة والشوارع واسعة والخدمات في جلها متوفرة ، إلا أن الإنسان بإنسانيته ووعيه وحقوقه غائب أو مغيب .. ولعل أحد أسباب ذلك هو التعامل مع مفهوم التنمية تعاملا ايدولوجيا مغلقا ، لا عمل لنا إلا استنساخ هذه التجربة ، متغافلين عن تمايز الأوضاع والظروف والخصوصيات .. " ويعتبر الاقتصاد مميز مركزي في التجربة الحضارية الغربية ، فهو عصب حياة الإنسان التي تحددت في شبكة علائقية ثلاثية الأضلاع : علاقة الإنسان بذاته وعلاقته بـ "الآخر " وعلاقته بالطبيعة . أما علاقة الإنسان بذاته ، فالاقتصاد الغربي ينظر إليها من زاوية كون الإنسان كائن غرائزي ، وأن بقاءه متوقف على إشباع حاجاته الغريزية . وبما أن تلبية هذه الحاجات غير مضمونة لشراهته من جهة ، وشح الطبيعة من جهة ثانية ، وجب عليه أن يستنفر كل قواه ويطور قدراته حتى يشبع حاجاته بشكل مستمر ، وهذا ما جعل الإنسان يتحول إلى قوة عمل استثنائية ، يستمد منها هوية ذاته ، حيث تحدد بوصفه " كائنا عاملا ". إنه            بعمله يطوع الطبيعة لينخرط في مسلسل الإنتاج ، كما أن قوة العمل هذه جعلت منه كائنا " اقتصادا نيا " ، ومن ثم فهو أحد إثنين : إما منتج أو مستهلك ، لا تحركه إلا نوازعه النفعية ، وبهذا المعنى يصبح الإنسان وسيلة للتنمية وليس غاية لها . أما علاقة الإنسان بالإنسان "الآخر" فمحكومة بالعلاقة الأولى ، أي علاقة الإنسان بذاته . فكل ذات بحاجاتها اللامحدودة ، تجد نفسها مقيدة في طموحها من أجل الإشباع ، ومحصورة بطموحات الذات الأخرى . وبما أن الإشباع غير محدود ، وتلبية الحاجات غير مضمونة ،فإن التصارع والتنافس والنفعية بين هذه الذوات هو اللغة السائدة والناظمة لتلك العلاقة . ألم يكن توماس هو بز سباقا إلى التنظير لهذه اللغة عندما نعتها بـ " حرب الجميع ضد الجميع " ، واعتبر " الإنسان ذئبا للإنسان الآخر " . أما بخصوص علاقة الإنسان بالطبيعة ، فهي تنحدر بدورها من التصور الأول لعلاقة الإنسان بذاته . فالطبيعة التي ينظر إليها كمقابل للإنسان تمتلك مصادر إشباع حاجاته ، ولكنها ممتنعة ومستعصية . ومن ثم ، فالحصول على ما يلبي رغباته لن يكون تكرما من الطبيعة ، بل انتزاعا بالقوة ، كيف لا ومصدر بقائه رهين بيد الطبيعة ؟ لذلك يكد الإنسان من أجل أن ينتصر على الطبيعة ، وذلك بإخضاعها والتحكم فيها . وتلك هي طبيعة العلاقة في منظورها الليبرالي ، ألم يشترط ديكارت ضرورة أن يصبح الإنسان " سيدا ومالكا للطبيعة " لتحقيق إنسانيته"(2) فالتنمية ليست لهاثا متواصلا للمنفعة بكل أشكالها ، بعيدا عن القيم والضوابط .. كما أنها ليست دحرا لخصوصيات المجتمع أو تجاوزا لحقوق الإنسان الأساسية ..فالتنمية في المجتمعات الإنسانية ، بحاجة إلى توافر جملة من العوامل والشروط . وعلى رأس هذه العوامل والشروط ، هي الشروط الثقافية والسياسية .. فالتنمية كمنجز إنساني ، لا تتحقق على أنقاض ثقافة المجتمع أو على امتهان كرامة الإنسان فيه .. ومن يبحث عن التنمية على هذا الأساس ، فإنه سيزيد من محن المجتمع وسيفاقم من امتهان حقوق الإنسان وكرامته ، دون أن يصل إلى مطامحه في التقدم والتنمية . فالتنمية بتجلياتها المتعددة ، هي حصيلة عقل ووعي وإرادة الإنسان .. وأي خلل في هذه العناصر ( العقل ـ الوعي ـ الإرادة ) .. سينعكس سلبا على مجمل العملية التنموية ..فكلما تقدم الإنسان في وعيه وإرادته وحقوقه ، توفرت أسباب النجاح لمشروعات التنمية . أما إذا قمع الإنسان ، وقيدت حريته ، وامتهنت كرامته ، وانتهكت حقوقه ، فإنه لن يكون قادرا على إنجاز مشروعات البناء والتنمية .. فالتنمية الحقيقية هي التي تبدأ من تنمية الإنسان عقلا ووعيا وحقوقا وإرادة ، وكل جهد يبذل في هذا السياق ، هو من صميم الجهود والأنشطة التنموية . ونحن هنا نفرق بين عمليات النمو وعملية التنمية . فالمجتمعات المتأخرة أو المتخلفة سياسيا وعلى صعيد حقوق الإنسان ، لا تعيش تنمية حقيقية بل نموا كميا ، لا يصمد كثيرا أمام تداعيات ومتواليات غياب الحرية وحقوق الإنسان .. فالمجتمع الذي لا حرية سياسية لديه ، وتنتهك حقوق الإنسان فيه ، لا يخرج عن نطاق الحياة الطبيعية . لذلك تتوفر فيه الكثير من مظاهر النمو وسلع الحضارة الحديثة ، ولكن هذه المظاهر والسلع ، لا تستند إلى عمق مجتمعي وسياسي . فهي أقرب إلى القشور التي لا مضمون لها .. أما المجتمعات التي تصون حقوق إنسانها ، وتوفر له سبل ممارسة حريته السياسية والعامة ، فإنه حتى ولو كانت مظاهر النمو متواضعة أو محدودة لديه ، فإنه إذا أحسن التخطيط واستخدام موارده وإمكاناته بصورة إيجابية ، فإنه قادر على إنجاز تنميته المستقلة . لأن المجتمع يعيش الحياة الحقيقية ، ويشعر بذاته ويثق بقدراتها وإمكاناتها ، ويمتلك القدرة الفعلية للدفاع عن ذاته وخياراتها السياسية والثقافية والاقتصادية . فقوة الأمم والمجتمعات الحقيقية بمواردها الإنسانية قبل مواردها الطبيعية والاقتصادية ، لذلك من الضروري أن تتوجه الجهود والإمكانات لتطوير هذه الموارد وتوفير المناخ الملائم لمشاركتها في شؤون المجتمع والأمة . فالثروة المادية بوحدها ، لا تخلق تنمية ، وإذا لم تسند بتنمية بشرية مستديمة ، قد تتحول هذه الثروة من نعمة إلى نقمة ، ومن رافعة لعمليات البناء والتقدم ، إلى سبب لتكالب الأعداء وتصارع الفرقاء ..إن تنمية الإنسان على المستويات السياسية والثقافية والاجتماعية ، هو أحد الشروط الأساسية للاستفادة من خيرات الأرض وثرواتها . وبدونها لن نستفيد إلا من فتاتها ، وستأتي الأمم المتقدمة تحت عناوين ويافطات متنوعة ،لأخذ هذه الثروات و نهبها. " و إن الأنيما المعاصرة التي يعاني منها النمو يجب أن لا تحجب عنا الفوضى المتزايدة في المجتمع الذي لغمه الرأسمال الليبرالي ، فهذا الأخير عاجز عن أن يعطي للحياة في المجتمع معنى غير معنى النزوع نحو الإسراف والتبذير واحتكار الموارد الطبيعية، والعائدات الناتجة عن النشاط الاقتصادي ، وفي نهاية الأمر التفاوت وعدم المساواة . إن مخدر النمو هو الأفيون الجديد للشعوب التي تحطمت معاييرها الثقافية وتضامنها الجماعي بهدف إغراقها في هاوية التسليع السحيقة "(3) . فبدون التحام التنموي بالإنساني ، ستبقى الكثير من الخطوات والمشروعات فوقية ، وبعيدة عن النسيج الاجتماعي والثقافي ، مما يجعل تأثيرها محدودا وضيقا .. " وتشكل أزمة هذه النظم جزءا لا يتجزأ من أزمنة النظم المجتمعية العربية التي تكونت بعد الاستقلال ، والتي لا تزال مفتوحة منذ عقود نتيجة إخفاقها عموما في مشاريع تحديثها المختلفة ، الاشتراكية منها والليبرالية ، التي طبقت في العقود الخمسة الماضية . وتتجلى هذه الأزمنة في توقف عملية التنمية أو تراجع معدلاتها بشكل ملحوظ خلال العقدين الماضيين وإفلاس السياسات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والتقنية جميعا والتهميش المتزايد للعالم العربي في الساحة العالمية . بل ليس هناك أي شك في أن أزمة النظم السياسية الأتوقراطية الفردية التي رعت هذا التحديث ، في شقيها الأبوي العشائري والبيروقراطي الحزبي معا ، هي الوجه الأبرز لهذه الأزمة . وهذا ما يؤكده تدهور شريعة النظم وانهيار الثقة العامة بقدرتها على مواجهة التحديات والمشاكل المطروحة على المجتمعات ، وتفاقم الشعور عند السكان بالفراغ السياسي وبالافتقار للقيادة السياسية الحكيمة والقلق على المستقبل وتصاعد التوترات وتفجر النزاعات والحروب الداخلية والإقليمية ونمو تيارات العنف المنفلت في داخل البلاد العربية وخارجها معا . وفي موازاة ذلك تثير مضاعفات هذه الأزمة المتفجرة وإسقاطاتها المحتملة على المصالح الدولية مخاوف الدول الصناعية وتدفعها إلى مضاعفة الضغوط على النظم والتدخل المتزايد في شؤون المنطقة بهدف دفعها نحو التغيير الذي يتفق مع مصالحها أو يحفظها وإحداث تبديل جذري في سلوك الأنظمة المحلية وخياراتها الاستراتيجية "(4). من هنا نستطيع القول ، أن هناك علاقة عميقة بين ظاهرة الاستئثار والاستبداد السياسي وتصحير الحياة السياسية والمدنية وظاهرة الفساد بكل مستوياتها وأشكالها .. فالمجتمع الذي تضمحل فيه الحياة العامة ، وتحتكر فيه القرارات المصيرية السياسية والاقتصادية من فبل فئة محدودة ، تنتشر فيه حالات الفساد السياسي والمالي . وذلك لأن الاستئثار و الاحتكار ، يخلق فئات اجتماعية وسياسية واقتصادية طفيلية ، لا تعيش إلا على الالتواء والفساد . وتتخذ من تداعيات الاستئثار والاستبداد غطاءا لتمرير انحرافها وفسادها وسرقتها للمال العام وخيرات الأمة والمجتمع. "فالسياسات التي تتبعها سلطات الاستبداد هي دائما سياسيات فئوية تقود حتما ، كما تدل على ذلك الوقائع ، إلى التخلف في المجالات كلها ، لاسيما في مجال تطوير الاقتصاد ، وفي المجال الاجتماعي ،وفي مجال الخدمات العامة ، وفي مجال التعليم ، وفي كل ما يتصل برفع مستوى المعارف وتحويلها في ميادينها كافة إلى قوة مادية لصنع التقدم والعدالة في توزيع الثروة وفي أبواب إنفاقها . وفي ظل هكذا سياسة تتسع رقعة الفقر ويزداد عدد الفقراء ، وتتلاشى الفئات الوسطى ، إذ تنحدر أقسام واسعة منها إلى مواقع الفقراء ، وينحسر عدد المالكين للثروة ، وهم بمعظمهم من حاشية السلطان ، وذلك بالفساد والاستغلال وبالجريمة المنظمة وبكل أنواع الموبقات ، وما أكثرها "(5) . فحقوق الإنسان كقيم وإجراءات ، هي من ضرورات التنمية الشاملة . ومن يبحث عن التنمية فعليه أن يوفر شروطها الثقافية والسياسية . وعلى رأس هذه الشروط هو صيانة حقوق الإنسان . ولا بد من إدراك "طبيعة الترابط العضوي بين حرية الوطن وحرية المواطن ؛ فالأوطان القادرة على مواجهة تحديات الخارج ، مهما عظمت ، هي الأوطان التي تستند إلى مواطن حر يتمتع بحقوقه وكرامته "(6) .

وخلاصة القول : أن التنمية الشاملة في مجتمعاتنا ، بحاجة إلى تنمية وصيانة حقوق الإنسان فيها . فهي أحد المداخل الأساسية لإنجاز تنمية مستديمة وشاملة ، دون التضحية بحريات الناس وحقوقهم الأساسية .

حقوق الإنسان ومفارقات الواقع:

ثمة


ربيع العرب .. قراءة في التحولات العربية وتأثيرها على حالة التسامح

25 يناير 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
0 زيارة

 
فرضية الدراسة :   
تنطلق هذه الدراسة من فرضية أساسية مفادها : أن المسئول الأول عن ظاهرة العنف والغلو وغياب التسامح في مجتمعاتنا العربية ، هو الاستبداد السياسي والأنظمة الشمولية والدولة التسلطية ، التي تزيد من الاحتقانات والتناقضات ، ولا توفر مجالا ومناخا للتنافس السلمي أو ممارسة السياسة بعيدا عن المشاحنات واستخدام العنف.
لهذا فهي أنظمة قمعية وتمارس الإقصاء بكل صنوفه. ولا ريب أن من متواليات هذه الحالة هو زيادة وتيرة العنف وحالات اللاتسامح بين أبناء ومكونات المجتمع العربي.
لهذا فإننا نعتقد أن إزالة هذه العقبة الكأداء ( أي الأنظمة التسلطية ) سيكون له تأثيره العميق على حالة التسامح في العالم العربي. فرياح التغيير التي هبت على أكثر من منطقة عربية ، هي رياح داعمة لخيار الاعتدال والتسامح ، لأنها وببساطة شديدة تعمل على توسيع القاعدة الاجتماعية للسلطة وتطوير مفهوم المشاركة السياسية ، وتزيد من تمثيل قوى المجتمع المختلفة في مؤسسات الدولة والسلطة. وسنناقش هذه الفرضية من خلال المحاور التالية :
1-             البيئة السياسية لمفهوم التسامح.
2-             الإصلاح السياسي، جسر العبور إلى التسامح.
3-             نحو حركة مدنية عربية.
 
مفتتح :
لا ريب أن الذي جرى ويجري في بعض البلدان العربية خلال هذه الأيام ، مذهل وحيوي ومؤثر على عموم المنطقة خلال الفترة القادمة. ف( قد تمر عقود لا يقع فيها شيء يذكر ، وقد تأتي أسابيع تقع فيها عقود ) ..
إذ ساد في الفكر السياسي العربي خلال العقود الثلاثة الماضية ، قناعة مفادها : أنه لا يمكن الاعتماد على الثورات الشعبية كوسيلة للإصلاح والتغيير السياسي في المنطقة. حتى اعتبر الكاتب المعروف محمد حسنين هيكل أن الثورة الإسلامية في إيران هي آخر الثورات الشعبية.
فجاءت أحداث وتطورات تونس ومصر وليبيا والبحرين واليمن لتعيد الاعتبار والدور للشعب والجمهور في عملية التغيير السياسي. ولا ريب أن هذه الحقيقة ستعيد النظر في الكثير من البديهيات السياسية التي سادت خلال السنين الماضية. وهذه الحقيقة بطبيعة الحال ، بحاجة إلى تفاكر عميق وتداول للرأي متواصل لفهم ما جرى ، وأخذ العبر والدروس منه.   
فعلى المستوى الواقعي لا توجد آلية وطريقة واحدة ، لإحداث التحول والتغيير في المجتمع. لهذا فإن نزعة النمذجة والاستنساخ ، لا تساعد على إنضاج شروط التغيير والإصلاح في الواقع السياسي والاجتماعي.
ولعل من أهم تأثيرات كل هذه التحولات والتطورات المذهلة ، هو تعزيز ثقة الناس بذاتها ، وقدرتها على اجتراح عملية التغيير والإصلاح ، مهما كانت الظروف والصعاب. وتحريك عجلة الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي في كل بلدان المنطقة. وبمقدار ما تكون هناك قوى مجتمعية محلية فاعلة وقادرة على الضغط والفعل والتأثير ، ستكون هناك تأثيرات فعلية في كل الساحات والمناطق العربية. فما جرى في تونس ومصر وبقية البلاد العربية ، بمثابة الزلزال العميق والذي ستعيش المنطقة بأسرها تحت تأثير ارتداداته في الحقبة القادمة. ولكن مقدار هذا التأثير وفعاليته ، مرهون على قدرة القوى المحلية في كل بلد من توظيف هذه الأحداث لصالح عملية الإصلاح السياسي. ودائما نحن بحاجة أن ندرك أن الحكومات لا تمارس التغيير ولا تقوم بإصلاح الأوضاع من تلقاء نفسها ، وإنما يتحقق الإصلاح والتغيير حينما تتشكل كتلة وطنية واسعة تطالب بالإصلاح وتعمل وتكافح من أجله. وإن سرعة انهيار أنظمة الدولة التسلطية يعلمنا أن حكم الشعب بالإكراه والقمع والاستبداد وبغير رضا ومشاركة قد يطول ، لكنه ، لا يمكنه أن يستمر ويدوم. ووجود جماعات فاعلة تطالب بالإصلاح وتعمل من أجله ، يقلل من سنوات الظلم والاستبداد ، وينهي ظاهرة العنف السياسي ، ويفكك الحوامل التي تنتج هذه الآفة الخطيرة.
من هنا ينبغي أن ندرك أنه مهما كانت الصعوبات والمشاكل ، فإن حركة التاريخ تثبت أن حكم الناس والشعب بالقهر وتكميم الأفواه لا يدوم ، والمستقبل يصنعه فعل الإصلاح والمطالبة بالحقوق والحريات العامة.  وما نود أن نتحدث عنه في هذه الدراسة ، وعلى ضوء تطورات وتحولات العالم العربي الحالية ، هو قراءة في التحولات العربية  ، التي فاجأتنا جميعا ، وأدخلتنا في مرحلة جديدة على مختلف الصعد والمستويات.
وأعتقد إن ما يجري في العالم العربي من ثورات ومطالبة بالحقوق والإصلاح السياسي ، هي أهم ظاهرة سياسية عرفرها العرب منذ الاستقلال الأول للعديد من الدول والشعوب العربية .. فالاستقلال الأول للعرب كان عنوانه العريض هو التخلص من الاستعمار الذي جثم على صدر الشعوب العربية ونهب خيراتها وتحكم بمصائرها حقبا طويلة ..
أما الاستقلال الثاني الذي دشنته الثورة التونسية فعنوانها العريض هو التخلص من الاستبداد السياسي ودمقرطة الحياة العربية ..

المحور الأول: البيئة السياسية لمفهوم التسامح:

ثمة علاقة عميقة ، وعلى أكثر من مستوى ، تربط قيمة الاستقرار السياسي والاجتماعي في أي تجربة إنسانية ،وقيمة العدالة . بمعنى أن كل المجتمعات الإنسانية ، تنشد الاستقرار ،وتعمل إليه ، وتطمح إلى حقائقه في واقعها ، إلا أن هذه المجتمعات الإنسانية ، تتباين وتختلف في الطرق التي تسلكها ، والسبل التي تنتهجها للوصول إلى حقيقة الاستقرار السياسي والاجتماعي.

فالمجتمعات الإنسانية المتقدمة حضاريا ، تعتمد في بناء استقرارها الداخلي، السياسي والاجتماعي، على وسائل الرضا والمشاركة والديمقراطية والعلاقة الايجابية والمفتوحة بين مؤسسات الدولة والسلطة والمجتمع بكل مؤسساته المدنية والأهلية وشرائحه الاجتماعية وفئاته الشعبية. لذلك يكون الاستقرار ، هو بمثابة النتاج الطبيعي لعملية الانسجام والتناغم بين خيارات الدولة وخيارات المجتمع.
بحيث يصبح الجميع في مركب واحد ، ويعمل وفق أجندة مشتركة لصالح أهداف وغايات واحدة ومشتركة.
لذلك غالبا ما تغيب القلاقل السياسية والاضطرابات الاجتماعية في هذه الدول والتجارب الإنسانية. وإن وجدت اضطرابات اجتماعية أو مشاكل سياسية وأمنية ، فإن حيوية نظامها السياسي ومرونة إجراءاتها الأمنية وفعالية مؤسساتها وأطرها المدنية ، هي العناصر القادرة على إيجاد معالجات حقيقية وواعية للأسباب الموجبة لتلك الاضطرابات أو المشاكل.
وإذا تحقق الاستقرار العميق والمبني على أسس صلبة في أي تجربة إنسانية ، فإنه يوفر الأرضية المناسبة ،لانطلاق هذا المجتمع أو تلك التجربة في مشروع البناء والعمران والتقدم.
فالتقدم لا يحصل في مجتمعات ، تعيش الفوضى والاضطرابات المتنقلة ، وإنما يحصل في المجتمعات المستقرة ، والتي لا تعاني من مشكلات بنيوية في طبيعة خياراتها ، أو شكل العلاقة التي تربط الدولة بالمجتمع والعكس .
فالمقدمة الضرورية لعمليات التقدم الاقتصادي والعلمي والصناعي ، هي الاستقرار السياسي والاجتماعي. وكل التجارب الإنسانية ، تثبت هذه الحقيقة. ومن يبحث عن التقدم بعيدا عن مقدمته الحقيقية والضرورية ، فإنه لن يحصل إلا على المزيد من المشاكل والمآزق ، التي تعقد العلاقة بين الدولة والمجتمع وتربكها وتدخلها في دهاليز اللاتفاهم واللاثقة.
وفي مقابل هذه المجتمعات الحضارية – المتقدمة ، التي تحصل على استقرارها السياسي والاجتماعي ، من خلال وسائل المشاركة والديمقراطية والتوسيع الدائم للقاعدة الاجتماعية للسلطة ، هناك مجتمعات إنسانية ، تتبنى وسائل قسرية وتنتهج سبل قهرية للحصول على استقرارها السياسي والاجتماعي .
فالقوة المادية الغاشمة ، هي وسيلة العديد من الأمم والشعوب ، لنيل استقرارها ،ومنع أي اضطراب أو فوضى اجتماعية وسياسية . وهي وسيلة على المستوى الحضاري والتاريخي ، تثبت عدم جدوائيتها وعدم قدرتها على إنجاز مفهوم الاستقرار السياسي والاجتماعي بمتطلباته الحقيقية وعناصره الجوهرية.
لأن استخدام وسائل القهر والعنف ، يفضي اجتماعيا وسياسيا ، إلى تأسيس عميق لكل الأسباب المفضية إلى التباعد بين الدولة والمجتمع وإلى بناء الاستقرار السياسي على أسس هشة وضعيفة ، سرعان ما تزول عند أية محنة اجتماعية أو سياسية.
وتجارب الاتحاد السوفيتي ويوغسلافيا والعراق ، كلها تثبت بشكل لا مجال فيه للشك، أن العنف لا يبني استقرارا ، وإن القوة الغاشمة لا توفر الأرضية المناسبة لبناء منجزات حضارية وتقدمية لدى أي شعب أو أمة.
فلا استقرار بلا عدالة ، ومن يبحث عن الاستقرار بعيدا عن قيمة العدالة ومتطلباتها الأخلاقية والمؤسسية ، فإنه لن يحصد إلا المزيد من الضعف والهوان.
فتجارب الأمم والشعوب جميعها ، تثبت أن العلاقة بين الاستقرار والعدالة ، هي علاقة عميقة وحيوية . بحيث أن الاستقرار العميق هو الوليد الشرعي للعدالة بكل مستوياتها. وحين يتأسس الاستقرار السياسي والاجتماعي ، على أسس صلبة وعميقة ، تتوفر الإمكانية اللازمة لمواجهة أي تحد داخلي أو خطر خارجي.
فالتحديات الداخلية لا يمكن مواجهتها على نحو فعال ، بدون انسجام عميق بين الدولة والمجتمع. كما أن المخاطر الخارجية ، لا يمكن إفشالها بدون التناغم العميق بين خيارات الدولة والمجتمع. وكل هذا لن يتأتى بدون بناء الاستقرار السياسي والاجتماعي على أسس العدالة الأخلاقية والمؤسسية.
وإن الإنسان أو المجتمع ، حينما يشعر بالرضا عن أحواله وأوضاعه ، فإنه يدافع عنها بكل ما يملك ، ويضحي في سبيل ذلك حتى بنفسه. وأي مجتمع يصل إلى هذه الحالة ، فإن أكبر قوة مادية ، لن تتمكن من النيل منه أو هزيمته.
فالاستقرار السياسي والاجتماعي المبني على العدالة ، هو الذي يصنع القوة الحقيقية لدى أي شعب أو مجتمع.
لهذا فإن المجتمعات التي تعيش الاستقرار وفق هذه الرؤية والنمط ، هي مجتمعات قوية وقادرة على مواجهة كل التحديات الداخلية والخارجية.
ونحن كمجتمعات عربية وإسلامية اليوم ، وفي ظل التحديات الكثيرة ، التي تواجهنا على أكثر من صعيد ومستوى ، بحاجة إلى هذه النوعية من الاستقرار ، حتى نتمكن من مجابهة تحدياتنا ، والتغلب على مشاكلنا والتخلص من كل الثغرات الداخلية التي لا تنسجم ومقتضيات الاستقرار العميق.
وخلاصة القول : أن البيئة السياسية لمفهوم التسامح وحقائقه المجتمعية ، هي الاستقرار السياسي والاجتماعي المستند على قاعدة العدالة بكل تجلياتها ومجالاتها. والمجتمع الذي تغيب عن فضائه السياسي والاجتماعي والثقافي ، حقائق العدالة ، تبرز فيه مظاهر ونزعات الغلظة والعنف والتشدد وكل حقائق اللاتسامح.
فالطريق إلى التسامح هو انجاز مفهوم العدالة والذي يؤسس لاستقرار عميق بين الدولة والمجتمع ، وبين المجتمع بمختلف مكوناته وتعبيراته.
وللاستقرار السياسي المبني على قاعدة العدالة الكثير من الثمار والآثار الإيجابية من أبرزها سيادة قيم وحقائق التسامح في الفضاء الاجتماعي.  
المحور الثاني : الإصلاح السياسي جسر العبور إلى التسامح:
 
لعل من أهم الآثار التي وضحتها رياح التغيير التي اجتاحت بعض دول العالم العربي ، أن المنطقة العربية بأسرها ، تحتاج إلى إصلاحات سياسية واقتصادية حقيقية. وإن الأمن الحقيقي لهذه الدول والمجتمعات ، لا يتأتى بالمزيد من الكبت والقمع ، بل بالانخراط الحقيقي في عملية الإصلاح السياسي.
وإن عملية الإصلاح السياسي بكل مجالاته وآفاقه ، هو الخيار الأمثل لإنجاز مفهوم وحقائق التسامح في العالم العربي. وتتضح هذه الحقيقة من خلال بيان العناوين التالية :
1-             الإصلاح السياسي حاجة عربية.
2-             العالم العربي ودولة المواطنة.
3-             العالم العربي والحكم الرشيد.
 
الإصلاح السياسي .. حاجة عربـية:
  إن إصلاح الأوضاع العربية وتطوير أحوالها، هو حاجة عربيةأصيلة، قبل أن تكون رغبة أمريكية وأوروبية، تبلورت وفق أجندة وأهداف خاصةواستراتيجية.
وهي شوق عربي تاريخي ومتراكم وعميق، إذ لا تخلو حقبة من حقب التاريخ العربيالحديث والمعاصر من هذا الشوق والصوت والفعل الذي يطالب بالإصلاح وسد الثغراتوتطوير الأوضاع.
لذلك فإن المطالبة بالإصلاح في الحياة العامة العربية، هو شوق أصيل، قبل أن يكونمشروعاً أميركياً يحتضن في أحشائه الكثير من المصالح الاستراتيجية والاستهدافاتالتي لا تنسجم ومصالحنا ورؤيتنا لموقعنا الخاص والعام. لذلك من الظلم لعالمناالعربي حينما نتعامل مع مقولة ومشروع الإصلاح، بوصفها مقولة أميركية – غربية. وذلكلأن العديد من الشخصيات والنخب العربية كانت تطالب بالإصلاح وتدفع ثمنه. في الوقتالذي كانت الإرادة الأميركية مغايرة ومناقضة لهذا المشروع.
بل كانت آليات وأدوات السياسة الأميركية في المنطقة معرقلة ومجهضة لكل خطواتومبادرات الإصلاح.
من هنا فإننا من الأهمية بمكان أن لا نقبل أو لا تنطلي علينا لعبة الإصلاحالأميركي في العالم العربي والشرق الأوسط الكبير.
فالإصلاح بكل بنوده وآفاقه، هو حاجة عربية أصيلة، ودفعنا كشعوب ومجتمعات تضحياتودماء غزيرة لتثبيت هذا الخيار في الفضاء العربي.
ومن المغالطات التاريخية الكبرى أن نتعامل مع هذه المقولة بوصفها طارئة علىعالمنا العربي، أو هي خاصة بالمشروع الأميركي للإصلاح، مما يحول على المستوى الفعليمن تنفيذ خطوات إصلاحية في العالم العربي.
وعليه فإن الإصلاح السياسي والثقافي والاقتصادي في العالم العربي، هو حاجة عربيةأصيلة وملحة وبعيداً عن كل الإسقاطات الخارجية التي لا تستهدف سوى مصالحها وأجندتهاالاستراتيجية.
وإن هذه الحاجة العربية الملحة والمتعاظمة باستمرار، لا تلغيها شعارات ومشروعاتالولايات المتحدة الأميركية للإصلاح.
ولعلنا نجد وبوضوح في الأفق السياسي للمشهد العربي مقولات التأجيل ومشروعاتالتسويف ويافطات التعليق بدعوى المشروعات والضغوطات الأميركية والأوروبية.
وإننا نعتقد أن هذه المقولات والمشروعات العربية التي تبرر الجمود والتوقف عنمشروعات الإصلاح وفق الأجندة والإرادة العربية، هي ليست مؤمنة بشكل عميق وحقيقيبضرورات الإصلاح في العالم العربي، وتبحث باستمرار عن حجج لترحيل الإصلاح أو تأجيلهأو تعليقه وربطه بقضايا ومسائل، نحن نعتقد بشكل جازم أن الإصلاح هو طريقنا لنيلحقوقنا في تلك القضايا والمسائل.
وما نود أن نؤكد عليه في هذا السياق، هو أن إصلاح الأوضاع في العالم العربي وفيحقول الحياة المختلفة، هو حاجة عربية أصيلة وشوق تاريخي لكل نخب الأمة. لذلك لايجوز إغفال هذه الحقيقة أو تشويهها، لأنها تستند إلى عمق تاريخي وشواهد معاصرة،بدعوى أن الولايات المتحدة الأميركية هي صاحبة مشروع الإصلاح في المنطقة.
إن المجتمعات العربية بكل فئاتها وشرائحها، طالبت وتطالب بإصلاح أوضاعها وتطويرأحوالها، وفي الوقت الذي كانت السياسة الأميركية في المنطقة تحارب كل دعواتالإصلاح، وتجهض كل خطواته ومبادراته.
لذلك لا يصح بأي شكل من الأشكال، أن نزور حقائق التاريخ، وندعي ادعاءات تكذبهاوقائع الراهن وأشواق الأمة العميقة للإصلاح والتطوير والتقدم. كما أننا نعتقد وبشكلعميق، أننا لا نتمكن على الصعيد العملي من مجابهة مخططات الولايات المتحدةالأميركية تجاه منطقتنا إلا بالانخراط في مشروع الإصلاح وفق الأجندة والإرادةالعربية.
ووجود مشروعات أميركية وغربية للإصلاح في منطقتنا هو مدعاة للتفكير في مشروععربي للإصلاح نبدأ بتنفيذ خطواته وبرنامجه.
فمن الخطأ أن نواجه مخططات أميركا في المنطقة، بالنكوص من حاجاتنا ومتطلباتناالحقيقية.
إننا بحاجة أن ننصت إلى حاجاتنا ومتطلباتنا، بعيداً عن مخططات الآخرين وشعاراتهمومشروعاتهم.
ونرتكب جريمة كبرى بحق أنفسنا وتاريخنا، حينما نتوقف عن مشروعات تلبي حاجاتناوتفي بمتطلباتنا بدعوى أن الآخرين قد حملوا ذات الشعار أو المشروع.
كما أننا نعتقد وبشكل جازم أن الإصلاح الحقيقي لأوضاعنا وأحوالنا، لا يمكن أنيستورد أو نجلبه من الخارج، وإنما هو نابع من داخلنا وحاجاتنا الذاتية. ونحن الذينينبغي أن نبلور لأنفسنا خطة للإصلاح ومشروعاً للتغيير والتطوير.
وبطبيعة الحال لا يمكن أن نمنع الآخرين عن التفكير في أوضاعنا وأحوالنا، ولكنتفكيرهم ليس مشروعنا، وإرادتهم ليست إرادتنا. والمطلوب دائماً هو بلورة إرادة عربيةذاتية، تتجه صوب الإصلاح والتطوير، بعيداً عن مخططات الآخرين وأجندتهم الخاصةوالاستراتيجية.
ونحن هنا لا ندعو إلى عدم إدراك تطورات اللحظة الراهنة وتحولاتها، ولكننا نريدأن نقول أن حجر الأساس في مشروعات الإصلاح في العالم العربي ليس مشروعات الآخرينواستهدافاتهم، وإنما هو إرادتنا وحاجتنا الفعلية إلى الإصلاح.
لذلك فإن المطلوب ليس التحايل على مشروعات الآخرين أو تزويرها، وإنما الإنصاتالدقيق لحاجاتنا ومتطلباتنا الذاتية والداخلية بعيداً عن كل ضغوطات الخارجوإملاءاته. فقوتنا الحقيقية ليست في الانصياع لمشروعات الخارج أو تمرير أجندته،وإنما في المزيد من التلاحم الداخلي وتطوير مستوى الرضا بين السلطة والمجتمع فيالمجال العربي.
فقوة دولنا في استنادها على مجتمعاتها وشعوبها، وهذا يتطلب باستمرار تطوير مستوىالانسجام والمشاركة بين الطرفين.
فصم الآذان تجاه إيقاع المجتمع ومتطلباته وحاجاته، هو الذي يخلق الظروف والمناخالمناسب للخضوع لإملاءات الخارج وأجندته. ولابد أن ندرك أن إصلاح الأوضاع وتطويرالأحوال على الصعد كافة، هو من السنن الاجتماعية الرئيسية، لأن التوقف عن التطويروالجمود على الحال، سيكلفنا خسائر أكبر بكثير من الخسائر المتوقعة لمشروع التطويروالإصلاح.
حيث إننا نعيش في ظل ظروف وتطورات تطال العالم بأسره، وتؤكد وتلح في التأكيد،على أن إصلاح الأوضاع هو أسهل الخيارات وأقلها كلفة.
وإن تلكؤ أي مجتمع عن هذا، سيفقده استقلاله وسيدخله في أتون الضغوطات والإكراهاتالتي ستكلف هذا المجتمع الكثير من الخسائر والأثمان.
إننا مع الإصلاح الذي ينطلق من ذاتنا ويلبي حاجاتنا ومتطلباتنا، ولكننا نعيش فيظل أوضاع إقليمية ودولية تدفعنا إلى الاعتقاد أن تراخينا أو تراجعنا عن مشروعالإصلاح وفق رغبتنا وحاجاتنا ومتطلباتنا، سيدفع المتربصين بنا إلى الضغط عليناوتحميلنا أجندتهم ومشروعاتهم.
لذلك فإن التأخير أو التوقف عن مشروعات الإصلاح في العالم العربي، ليس في مصلحةاستقرار واستقلال عالمنا العربي.
وأود في إطار التأكيد على أن الإصلاح حاجة عربية، قبل أن يكون أي شيء آخر، أنأركز على النقاط التالية:
1- إن إصلاح الأوضاع في العالم العربي، ليس تطلعاً اجتماعياً وشعبياً فحسب، بلهو ضرورة قصوى للاستقرار السياسي في العديد من البلدان العربية.
إذ أن هذه الدول تعيش أوضاعاً وأحوالاً، تستلزم الانخراط الحقيقي في مشروعاتالإصلاح حتى يتسنى لها الخروج من مأزق الفتن والتحولات العشوائية غير المدروسة.
فالإصلاح حاجة اجتماعية وشعبية، كما هو ضرورة للاستقرار السياسي. لذلك من الخطأأن يتم التعامل مع مقولة ومشروع الإصلاح بوصفه مهدداً للمكاسب أو محرضاً علىالحكومات.
إن الإصلاح السياسي في العالم العربي، حاجة ماسة للجميع وبدون استثناء، والفوائدوالأرباح المتوقعة منه أيضاً شاملة للجميع. فإن الظروف السياسية والاجتماعية فيالعالم العربي، وصلت إلى مستوى صعوبة بقاء الأمور والأوضاع على حالها، وإن الإصلاحوتطوير الأوضاع هو أقل الطرق خسائر سياسية واجتماعية وإنسانية.
وإن الإصرار على إبقاء الأمور على حالها، ينذر بكوارث خطيرة على الصعد السياسيةوالاقتصادية والاجتماعية.
لهذا فإن الإصلاح هو ضرورة للحكومات والمؤسسات الرسمية، كما هو يلبي طموحاتوتطلعات المجتمعات العربية.
2- بدون إغفال دور العوامل الخارجية وتأثيراتها السلبية على مستقبل القضيةالفلسطينية، فإننا نستطيع القول: إن إصلاح الأوضاع السياسية والاقتصاديةوالاجتماعية في العالم العربي، هو من العوامل والحقائق المساندة لنضال وجهاد الشعبالفلسطيني.
ونخطئ حينما نتصور أن إبقاء الأمور على حالها، سيوفر لنا إمكانية الدعم والإسنادللقضية الفلسطينية. إن إصلاح أوضاعنا وتطوير أحوالنا الاقتصادية والاجتماعية والقبضعلى أسباب الاستقرار السياسي العميق وتمتين أواصر العلاقة بين السلطة والمجتمع فيالفضاء العربي، كل هذا يصب في المحصلة النهائية لصالح القضية الفلسطينية. وذلك لأنهيمنة المشروع الصهيوني في المنطقة، هو وعبر التسلسل المنطقي هو من جراء اهتراءحياتنا السياسية وتراجع أدائنا الاقتصادي. وإن جمود الأوضاع سيشجع العدو الصهيونيعلى المزيد من الغطرسة والهيمنة.
وفي تقديري أن الرد الاستراتيجي على المشروع الصهيوني وهيمنته وغطرسته وذبحهاليومي لأبناء الشعب الفلسطيني، هو في إصلاح أوضاع العالم العربي وإنهاء نقاطالتوتر ومجالات الضعف، وذلك حتى يتسنى لعالمنا العربي ومن موقع القدرة والتميز دعمالشعب الفلسطيني وصولاً لتأسيس دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
وجماع القول: إن الإصلاح في العالم العربي غير قابل للتأجيل والترحيل، لأنهخيارنا الحيوي الوحيد، الذي نتمكن من خلاله تطوير مستوى الاستقرار وتعزيز البناءالداخلي الوطني والقومي ومجابهة مخاطر الخارج وتحدياته المتعددةوالمتشعبة.
    وثمة حقيقة أساسية في هذا السياق ينبغي البوح بها وهي : أن العالم العربي بكل دوله وشعوبه وبعيداً عن المشاريعالإصلاحية المطروحة من قبل جهات دولية عديدة، التي وصل عددها إلى (21 مبادرة) هو بحاجةإلى عملية إصلاح تنبثق من إرادته الذاتية، وتجيب بشكل حضاري على تحدياته ومآزقه.ولم يعد مجدياً التحجج بوجود مشروعات دولية للإصلاح في العالم العربي ومنطقة الشرقالأوسط، لأن بعض النخب العربية تنظر إلى وجود مبادرات دولية على الصعيد، يلزمنابتأجيل هذا المشروع، والانخراط في مشروع مقاومة التدخلات الأجنبية في مناطقناودولنا. بينما القراءة السليمة والواعية لهذه المبادرات، ينبغي أن تدفعنا إلىالإسراع في مشروع الإصلاحات السياسية والثقافية والاقتصادية في العالم العربي ووفقأجندتنا الذاتية، وحتى نتمكن من إفشال كل المخططات التي تستهدف فرض أنماط معينةللإصلاح، أو تسعى إلى التدخل في شؤوننا.
لا يمكننا اليوم ووفق التطورات الكبرى التي تجري في المشهد الإقليمي والدوليوالمحلي، وكذلك حجم التحديات التي تواجهنا، من الوقوف سلبيين أمام حاجتنا الملحةإلى الإصلاح على الصعد السياسية والثقافية والاقتصادية.
فحاجتنا إلى الإصلاح، نابعة من أوضاعنا وأحوالنا التي تتراجع وتعيش القهقرى،وإصرارنا على أن خيار الإصلاح هو جسر الجميع للخروج من مآزق الراهن، هو بسببإدراكنا العميق أن التأخر عن الاستجابة الحقيقية لتحديات اللحظة الراهنةومتطلباتها، سيكلفنا الكثير، وسيدخلنا في ظروف وأوضاع لا تنسجم وتطلعاتنا لواقعناالعربي.
كما أننا كدول وشعوب عربية، لا يمكن أن نواجه تحديات الخارج ومخططاته ومشاريعهومبادراته، إلا بسحب البساط منها، وسد ثغرات واقعنا الداخلي. وكل هذا لا يتم إلابالانخراط في مشروع الإصلاح، الذي يزيل الاحتقانات، وينهي التوترات، ويجيب إجابةفعلية على تحديات المرحلة.
ولمعطيات ومؤشرات وحقائق سياسية ومجتمعية قائمة في الفضاء العربي، نستطيعالقول: إن تأخير مشروع الإصلاح، سيكلف العالم العربي الكثير من الخسائر البشريةوالمادية، وسيفاقم من التوترات والتهديدات على المستويين الداخلي والخارجي.
فاللحظة الزمنية الحالية، هي لحظة الانخراط في مشروع الاصطلاحات ووفق أجندةوأولويات عربية، وأي تأخير لأي سبب من الأسباب، يعني ضياع الفرصة والمزيد منالأزمات والتوترات والمخاطر.
لذلك فإننا نعتقد أن خيار الإصلاح السياسي في اللحظة الراهنة، هو الخيار القادرعلى إخراج مؤسسة الدولة في العالم العربي من الكثير من نقاط ضعفها وقصورها البنيويوالوظيفي.
كما أن هذا الخيار، هو القادر على ضبط المجتمع، وإنهاء توتراته بعيداً عن خياراتالعنف والعنف المضاد. لذلك فإن الإصلاح السياسي حاجة عربية أكيدة، وضرورة مشتركةللدولة والمجتمع.
وإن العلاقة جد قريبة بين مفهوم الأمن، ومفهوم الإصلاح إذ في ظل الأوضاعالإقليمية المتوترة، لا يمكن صيانة الأمن الوطني لكل دولة عربية، إلا بمشروعالإصلاح، الذي ينهي الكثير من العوامل والأسباب التي تفضي أو تؤدي في محصلتهاالنهائية إلى الإخلال بالأمن والاستقرار.
فالأمن الشامل اليوم، أضحى ضرورة لكل شيء. فلا تنمية بلا أمن، ولا استقرار بلاأمن ولا علاقات طبيعية بلا أمن. ولكن السؤال الذي يطرح دائماً: هل يمكن أن نحققالأمن الشامل بدون الإصلاح السياسي؟
إننا نرى ومن خلال تجارب العديد من الأمم والشعوب، أن الإصلاح وما يخلق من ظروفوأوضاع جديدة، من المداخل الأساسية والضرورية لإنجاز مفهوم الأمن.
فالإصلاح السياسي حاجة عربية، لأنه سبيلنا لتحقيق أمننا الشامل ولا يمكننا بأيةحال من الأحوال، أن ننهي عوامل الإخلال بالأمن في الفضاء العربي، إلا بالانخراطالحقيقي في مشروع الإصلاحات السياسية والثقافية والاقتصادية.
وجماع القول: إن العالم العربي بكل دوله وشعوبه، بحاجة أن يخطو خطوات عمليةوحقيقية في مشروع الإصلاح. وذلك من أجل إنهاء الاحتقانات والتوترات الداخلية، وحتىيتمكن هذا الفضاء السياسي من امتلاك القدرة الحقيقية على مجابهة تحديات الخارجومشروعاته ومبادراته.
 
                   
العالم العربي ودولة المواطنة:
 لعلنا لا نأت بجديد حين القول : أن أغلب المجال العربي بكل دوله وشعوبه ، يعاني من تحديات خطية وأزمات بنيوية ، ترهق كاهل الجميع ، وتدخلهم في أتون مآزق كارثية .
فبعض دول هذا المجال العربي ، دخلت في نطاق الدول الفاشلة ، التي لا تتمكن من تسيير شؤون مجتمعها ، مما أفضى إلى استفحال أزماتها ومآزقها على كل الصعد سواء الاقتصادية أو الأمنية أو السياسية . والبعض الآخر من الدول والمجتمعات ، مهدد في وحدته الاجتماعية والسياسية ، حيث قاب قوسين أو أدنى من اندلاع بعض أشكال وصور الحرب الأهلية .
ودول أخرى تعاني من غياب النظام السياسي المستقر ، ولا زالت أطرافه ومكوناته السياسية والمذهبية ، تتصارع على شكل النظام السياسي ، وطبيعة التمثيل لمكونات وتعبيرات مجتمعها .
إضافة إلى هذه الصور ، هناك انفجار للهويات الفرعية في المجال العربي بشكل عمودي وأفقي ، مما يجعل النسيج الاجتماعي مهددا بحروب وصراعات مذهبية وطائفية وقومية وجهوية . ونحن نعتقد أن اللحظة العربية الراهنة ، مليئة بتحديات خطيرة ، تهدد استقرار الكثير من الدول والمجتمعات العربية ، وتدخل الجميع في أتون نزاعات عبثية ، تستنزف الجميع وتضعفهم ، وتعمق الفجوة بين جميع الأطراف والمكونات .
وفي تقديرنا أن المشكلة الجوهرية ، التي ساهمت بشكل أو بآخر في بروز هذه المآزق والتوترات في المجال العربي ، هي غياب علاقة المواطنة بين مكونات وتعبيرات المجتمع العربي الواحد .
فالمجتمعات العربية تعيش التنوع الديني والمذهبي والقومي ، وغياب نظام المواطنة كنظام متجاوز للتعبيرات التقليدية ، جعل بعض هذه المكونات تعيش التوتر في علاقتها ، وبرزت في الأفق توترات طائفية ومذهبية وقومية . فالعلاقات الإسلامية – المسيحية في المجال العربي ، شابها بعض التوتر ، وحدثت بعض الصدامات والتوترات في بعض البلدان العربية التي يتواجد فيها مسيحيون عرب .
وفي دول عربية أخرى ، ساءت العلاقة بين مكوناتها القومية ، بحيث برزت توترات وأزمات قومية في المجال العربي . وليس بعيدا عنا المشكلة الأمازيغية والكردية والأفريقية .
وإضافة إلى هذه التوترات الدينية والقومية ، هناك توترات مذهبية بين السنة والشيعة ، وعاشت بعض الدول والمجتمعات العربية توترات مذهبية خطيرة تهدد استقرارها السياسي والاجتماعي .
فحينما تتراجع قيم المواطنة في العلاقات بين مكونات المجتمعات العربية ، تزداد فرص التوترات الداخلية في هذه المجتمعات . لهذا فإننا نعتقد أن العالم العربي يعيش مآزق خطيرة على أكثر من صعيد ، وهي بالدرجة الأولى تعود إلى خياراته السياسية والثقافية . فحينما يغيب المشروع الوطني والعربي ، والذي يستهدف استيعاب أطياف المجتمع العربي ، وإخراجه من دائرة انحباسه في الأطر والتعبيرات التقليدية إلى رحاب المواطنة .
فإن هذا الغياب سيدخل المجتمعات العربية في تناقضات أفقية وعمودية ، تهدد استقرارها السياسي والاجتماعي .
وإن نزعات الاستئصال أو تعميم النماذج ، لا تفضي إلى معالجة هذه الفتنة والمحنة ، بل توفر لها المزيد من المبررات والمسوغات .
فدول المجال العربي معنية اليوم وبالدرجة الأولى بإنهاء مشاكلها الداخلية الخطيرة ، التي أدخلت بعض هذه الدول في خانة الدول الفاشلة والبعض الآخر على حافة الحرب الداخلية التي تنذر بالمزيد من التشظي والانقسام .
فما تعانيه بعض دول المجال العربي على هذا الصعيد خطير ، وإذا استمرت الأحوال على حالها فإن المجال العربي سيخرج من حركة التاريخ ، وسيخضع لظروف وتحديات قاسية على كل الصعد والمستويات .
وإن حالة التداعي والتآكل في الأوضاع الداخلية العربية ، لا يمكن إيقافها أو الحد من تأثيراتها الكارثية ، إلا بصياغة العلاقة بين أطياف المجتمع على قاعدة المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات .
وإن غياب مقتضيات وحقائق المواطنة في الاجتماع السياسي العربي ، سيقوي من اندفاع المواطنين العرب نحو انتماءاتهم التقليدية ، وعودة الصراعات المذهبية والقومية والدينية بينهم ، وسيوفر لخصوم المجال العربي الخارجين إمكانية التدخل والتأثير في راهن هذا المجال ومستقبله .
فالمجتمعات العربية كغيرها من المجتمعات الإنسانية ، التي تحتضن تعدديات وتنوعات مختلفة ، لا يمكن إدارة هذه التعدديات على نحو إيجابي إلا بالقاعدة الدستورية الحديثة [ المواطنة ] كما فعلت تلك المجتمعات الإنسانية التي حافظت على أمنها واستقرارها .
فالاستقرار الاجتماعي والسياسي العميق في المجتمعات العربية ، هو وليد المواطنة بكل حمولتها القانونية والحقوقية والسياسية .
وأي مجتمع عربي لا يفي بمقتضيات هذه المواطنة ، فإن تباينات واقعه ستنفجر وسيعمل كل طرف للاحتماء بانتماءه التقليدي والتاريخي . مما يصنع الحواجز النفسية والاجتماعية والثقافية والسياسية بين مكونات المجتمع الواحد .
وفي غالب الأحيان فإن هذه الحواجز ، لا تصنع إلا بمبررات ومسوغات صراعية وعنفية بين جميع الأطراف . فتنتهي موجبات الاستقرار ، ويدخل الجميع في نفق التوترات والمآزق المفتوحة على كل الاحتمالات .
لهذا فإن دولة المواطنة هي الحل الناجح لخروج العالم العربي من مآزقه وتوتراته الراهنة .
فدولة المواطنة هي التي تصنع الاستقرار وتحافظ عليه ، وهي التي تستوعب جميع التعدديات وتجعلها شريكة فعلية في الشأن العام ، وهي التي تجعل خيارات المجتمع العليا منسجمة مع خيارات الدولة العليا والعكس ، وهي التي تشعر الجميع بأهمية العمل على بناء تجربة جديدة على كل المستويات ،وهي التي تصنع الأمن الحقيقي لكل المواطنين في ظل الظروف والتحديات الخطيرة التي تمر بها المنطقة .
والمجتمعات لا تحيا حق الحياة ، إلا بشعور الجميع بالأمن والاستقرار. لهذا فإن الأمن والاستقرار لا يبنى بإبعاد طرف أو تهميشه ، وإنما بإشراكه والعمل على دمجه وفق رؤية ومشروع متكامل في الحياة العامة .
وهذا لا تقوم به إلا دولة المواطنة ، التي تعلي من شأن هذه القيمة ،ولا تفرق بين مواطنيها لاعتبارات دينية أو مذهبية أو قومية .
فهي دولة الجميع ،وهي التمثيل الأمين لكل تعبيرات وحراك المجتمع .
فالمجال العربي اليوم من أقصاه إلى أقصاه ، أمام مفترق طرق. فإما المزيد من التداعي والتآكل ، أو وقف الانحدار عبر إصلاح أوضاعه وتطوير أحواله ، والانخراط في مشروع استيعاب جميع أطرافه ومكوناته في الحياة السياسية العامة . فالخطوة الأولى المطلوبة للخروج من كل مآزق الراهن وتوتراته ، في المجال العربي ، هي أن تتحول الدولة في المجال العربي إلى دولة استيعابية للجميع ، بحيث لا يشعر أحد بالبعد والاستبعاد. دولة المواطن بصرف النظر عن دينه أو مذهبه أو قومه ، بحيث تكون المواطنة هي العقد الذي ينظم العلاقة بين جميع الأطراف. فالمواطنة هي الجامع المشترك ، وهي حصن الجميع الذي يحول دون افتئات أحد على أحد.
وخلاصة القول : أن دولة المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات ، هي خشبة الخلاص من الكثير من المآزق والأزمات.
                                                  
العالم العربي والحكم الرشيد:
 يعيش العالم العربي بكل دوله وشعوبه اليوم ، الكثير من التحولات والتطورات المتسارعة. حيث دشنت لحظة سقوط نظام بن علي في تونس عملية التغييرات والتحولات التي لا زال تأثيرها ممتدا ومتواصلا في كل أرجاء العالم العربي بمستويات وأشكال متفاوتة ومختلفة. ولا ريب أن ما يجري من أحداث وتطورات في بعض البلدان العربية ، هو مذهل وغير متوقع وكل المعطيات السابقة ، لا تؤشر أن ما حدث سيكون قريبا.
لهذا فإن كل هذه التطورات والتحولات هي بمستوى من المستويات مفاجئة للجميع.
لذلك فإن النخب السياسية في العالم العربي بكل أيدلوجياتها وخلفياتها الفكرية ، كانت تعيش حالة من اليأس تجاه قدرة الشعب أو الشعوب العربية من إحداث تحولات دراماتيكية في واقعها السياسي وواقع المنطقة بشكل عام. ولكن جاءت أحداث وتطورات وتحولات تونس ومن بعدها مصر ، لكي تثبت عكس ما كانت تروجه بعض الأيدلوجيات والنخب تجاه الجماهير وقدرتها على إحداث تغيير سياسي في واقعها العام. والملفت للنظر والذي يحتاج إلى الكثير من التأمل العميق هو أن جيل الشباب ، أي جيل الإعلام الجديد من الفيسبوك وتويتر ويوتيوب، هو الذي قاد عملية التغيير ، وهو الذي تمكن من تحريك الشارع العام في تونس ومصر. فالجيل الجديد الذي كانت تصفه بعض النخب والجماعات ، بأنه جيل ترعرع بدون قضية عامة يسعى من أجلها ويناضل في الدفاع عنها عكس أجيال الخمسينيات والستينيات ، هو الذي قاد عملية التغيير ، وبوسائله السلمية استطاع أن يحرك كل النخب وكل شرائح وفئات المجتمع الأخرى.
لهذا فإن ما حدث ويحدث في العالم العربي اليوم هو مذهل ، وقد أنهى حقبة وتداعيات أحداث الحادي عشر من سبتمبر حيث كان الغرب ينظر إلى شرائح المجتمعات العربية المختلفة بوصفها مشروع قائم أو محتمل للإنسان الإرهابي الذي يفجر نفسه ويقوم بأعمال عنفية لا تنسجم وقيم الدين وأعراف العالم العربي وتقاليده الراسخة.
فما جرى في تونس ومصر ، حيث حضر الشباب ، ومارسوا حقهم بالتعبير عن الرأي ، أنهى على المستوى الاستراتيجي حقبة بقاء الشباب العربي تحت تهمة وتداعيات أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
فالنموذج الجديد الذي قدمه الشباب العربي في تونس ومصر وغيرها من الدول العربية التي تشهد حراكا اجتماعيا وسياسيا ومطلبيا هو أنه جيل يستحق أن يعيش حياة كريمة وأن تعاطيه الشأن العام عبر عنه خارج الأطر والأحزاب الأيدلوجية ، وإنما مارسه بطريقته الخاصة ، والمذهل في الأمر أن هذه الطريقة غير المتوقعة هي التي أتت أكلها ، ونجحت في إحداث تغييرات وتحولات سياسية واجتماعية كبرى في أكثر من بلد عربي. لهذا فإننا نعتقد أن المنطقة العربية بأسرها ، تعيش مرحلة جديدة على أكثر من صعيد . وما نود أن نؤكد عليه في هذا السياق هي النقاط التالية :
1 – إن المجتمعات والشعوب العربية تستحق حكومات وأنظمة سياسية متطورة ومدنية ، وتفسح المجال للكفاءات الوطنية المختلفة للمشاركة في تنمية الأوطان العربية وتطويرها على مختل


الدولة والطائفية في الخليج العربي

19 ديسمبر 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

مفتتح :

تتكون منطقة الخليج العربي من (6 ) دول وكلها أعضاء في المؤسسات الإقليمية والقومية والدولية ، ومنذ بداية عقد الثمانيات من القرن الماضي ، شكلت هذه الدول مجلسا يضمها لتطوير علاقاتها البينية وصياغة سياسات دفاعية وخارجية مشتركة ، وأضحت هذه المؤسسة ( مجلس التعاون الخليجي ) من المؤسسات الشاخصة على المستويين الإقليمي والدولي ..
وتتشابه إلى حد كبير أنظمة الحكم في هذه الدول ، فهي أنظمة ملكية وأميرية وسلطانية ،   إذ في كل دولة هناك عائلة تحكم وتدير الدولة ولم يقتصر التشابه على هذه المسألة ، وإنما هناك تشابه يصل في بعض الملفات حد التطابق في خياراتها السياسية الخارجية ، وفي اعتمادها على ثروات طبيعية هائلة ، إذ حولها من دول ذات اقتصاديات محدودة ، تعتمد على التجارة والزراعة والثروة البحرية ، إلى دول ذات اقتصاديات متطورة ، إذ تعتمد على ( النفط ) وتستخدم ريعه الهائل في تسيير شؤون الدولة والمجتمع المختلفة ..
فهي دول ذات اقتصاد ريعي ، وتعاني من ذات المشكلات التي يعاني منها أي اقتصاد ريعي ، وأية دولة تعتمد على اقتصاد ريعي ..وعرفت دول الخليج العربي تغيرات وتحولات اقتصادية واجتماعية كبرى ، مع اكتشاف النفط وانطلاق عملية التصدير والبيع ..
إذ تحولت هذه الدول من دول محدودة الدخل إلى دول غنية وثرية ، وتبدلت من جراء هذه قيم نظام العمل ، وانفتحت هذه الدول لاستيعاب عمالة ماهرة وغير ماهرة ، ودخلت أسواقها مئات الآلاف من الأيادي العاملة التي تنتمي إلى بيئات اجتماعية وقومية مختلفة ، وتوسعت حركة التجارة ، وازداد حجم رجال الأعمال في منطقة الخليج ، وازداد دورهم الاقتصادي والتجاري ..
وبدأت منذ تلك اللحظة ما يشبه التحالف بين العوائل المالكة في الخليج وطبقة رجال الأعمال ..
ودخل من جراء هذه التحولات المتسارعة ، اقتصاد المنطقة إلى طور جديد تضاءلت فيه حركة الإنتاج لصالح نزعة الاستهلاك وأضحى اقتصاد بلدان المنطقة أقرب ما يكون إلى الاقتصاد الريعي الذي يعتمد بطريقة شبه مطلقة على مداخيل النفط .. ولا ريب أن هذا التحول الاقتصادي الكبير ، ترك أثره العميق على نمط الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية في بلدان المنطقة ..
كما أن مجتمعات هذه الدول الخليجية تتشابه وتتطابق على مستوى اللغة والدين والأعراف والتقاليد الاجتماعية إضافة إلى التداخل الاجتماعي والقرابات العائلية الممتدة في كل أو أغلب دول الخليج العربي ..
وعلى المستوى الفقهي – المذهبي ، تنتشر في مجتمعات الخليج المذاهب الإسلامية الثمانية ويتفاوت هذا الانتشار من منطقة إلى أخرى ومن مجتمع إلى آخر ، إلا أن القدر المتيقن في هذا السياق أن مجتمعات الخليج العربي تتمذهب وتلتزم بمدارس فقهية ومذهبية ثمانية وهم المذاهب الإسلامية السنية الأربعة ( الحنفية – المالكية – الحنبلية – الشافعية ) إضافة إلى المذاهب الإسلامية – الشيعية ( الإمامية – الزيدية – الإسماعيلية ) إضافة إلى المذهب الأباضي الذي يتواجد فقط في سلطنة عمان ..
فمجتمعات الخليج على المستوى المذهبي ، هي مجتمعات متعددة ومتنوعة ، وتحتضن كل التعبيرات المذهبية – الإسلامية .. والعلاقة بين أهل هذه المذاهب في الخليج متفاوتة ، تبعا لتنوع الخيارات السياسية في التعامل مع الحقائق المذهبية ..
فإذا كان الخيار هو المرونة والاستيعاب ، فإن العلاقة تكون أقرب إلى الطبيعية وبدون توترات مقلقة للأمن والاستقرار .. أما إذا كان الخيار متشددا ويستخدم العصا الغليظة في إدارة التنوع المذهبي ، فإن هذا التشدد ينعكس توترا وعلاقة مشوبة بالحذر والمخاوف المتبادلة .. فالسياسي وطبيعة تعامله مع هذه الحقائق ، هو الذي يحدد إلى حد بعيد طبيعة العلاقة وتجاهها العام ..
لهذا فإننا نعتقد إن إصلاح العلاقة المذهبية في الخليج ، مرهون إلى حد بعيد إلى الإصلاح السياسي وبناء دولة وأنظمة سياسية محكومة بقانون ودستور ويكون ( أي النظام السياسي ) معبرا حقيقيا عن كل الأطراف والشرائح الاجتماعية.. بحيث تكون الدولة ، دولة للجميع بدون انغلاق ، أو نبذ لبعض المكونات والتعبيرات .. 
دول الخليج و الاستقرار السياسي
 
كثيرة هي الحقائق والمعطيات الموجودة في المشهد السياسي الإقليمي والدولي التيتؤكد أن الاستقرار السياسي في الدول الحديثة اليوم، لا يمكن تحقيقه بالقمع والغطرسةوتجاهل حاجات الناس وتطلعاتهم المشروعة. فالترسانة العسكرية ليست هي وسيلة جلبالاستقرار وحفظه. كما أن زهو القوة وخيلاءها وأوهامها، ليس هو الذي ينجز مفهومالاستقرار.. فالعديد من الدول تمتلك ترسانة عسكرية ضخمة وأجهزة أمنية متطورة، وكلمظاهر القوة المادية إلا أن استقرارها السياسي هش وضعيف، ومع أي ضغط أو تحول، نجدالتداعي والاهتراء والضعف.
وفي المقابل نجد دولا لا تمتلك أسلحة عسكرية ضخمة، ولا مؤسسة أمنية متطورة، إلاأن استقرارها صلب ومتين، وقادرة بإمكاناتها الذاتية من مواجهة الأزمات ومقاومةالمؤامرات، وحفظ استقرارها وأمنها العام.
فالاستقرار السياسي في جوهره ومضمونه، ليس وليد القوة العسكرية والأمنية، معضرورة ذلك في عملية الأمن والاستقرار، وإنما هو وليد تدابير سياسية واجتماعيةواقتصادية وثقافية، تجعل من كل قوى المجتمع وفئاته عينا ساهرة على الأمن ورافداأساسيا من روافد الاستقرار. وتخطئ الدول وترتكب حماقة تاريخية بحق نفسها وشعبها،حينما تتعامل مع مفهوم الاستقرار السياسي بوصفه المزيد من تكديس الأسلحة أو بناءالأجهزة الأمنية، فالاستقرار الحقيقي يتطلب خطوات سياسية حقيقية تعمق من خيار الثقةالمتبادلة بين السلطة والمجتمع، وتشرك جميع الشرائح والفئات في عملية البناءوالتسيير..
ولذلك نجد أن الدول المتقدمة عسكريا وأمنيا والمتخلفة سياسيا، هي التي يهتز فيهاالاستقرار السياسي لأبسط الأسباب والعوامل، أما الدول التي تعيش حياة سياسية فعالة،وتشترك قوى المجتمع في الحقل العام وفق أسس ومبادئ واضحة، هي الدول المستقرةوالمتماسكة والتي تتمكن من مواجهة كل مؤامرات الأعداء ومخططاتهم..
فقوة الدول واستقرارها اليوم، لا يمكن أن تقاس بحجم الأسلحة وقوة الترسانةالعسكرية أو عدد الأجهزة الأمنية، وإنما تقاس بمستوى الرضا الشعبي وبمستوى الثقةوبمستوى الحياة السياسية الداخلية، التي تفسح المجال لكل الطاقات والكفاءاتللمشاركة في الحياة العامة..
فالاستقرار السياسي اليوم، لا يتأتى بالمزيد من الإجراءات الاحترازية أو تكثيرلائحة الممنوعات والاستثناءات، وإنما ببناء حياة سياسية حقيقية تتنافس فيه الأفكاروالتصورات والمشروعات بوسائل سلمية – ديمقراطية..
فالعراق هذا البلد القوي على الصعيدين الأمني والعسكري، لم يستطع أن يحافظ علىنظامه السياسي الشمولي، لكون المجتمع هو الضحية الأولى لهذا النظام القمعيوالشمولي..
فالاستقرار السياسي ومن وحي التجربة العراقية والتجارب السياسية الأخرى، لا يأتيمن خلال نظام شمولي، يقمع الناس ويئد تطلعاتهم ويحارب مصالحهم الحقيقية. لذلك نجدأن الدول التي تحكم بأنظمة قمعية وشمولية، هي المهددة أكثر في أمنها واستقرارها..
فالأمن المجرد لا يفضي إلى الاستقرار، والقوة العسكرية بوحدها لا تتمكن منمواجهة تحديات المرحلة.. لهذا كله فإننا ندعو كل الدول العربية والإسلامية، إلىإعادة صياغة وعيها وفهمها لمقولة الاستقرار السياسي.. لأن الرؤية التي ترى أن سبيلالاستقرار، هو المزيد من الإجراءات والاحترازات والتضييق على حريات الناس، رؤيةأثبتت التجربة قصورها وخطأها. فالقمع لا يصنع أمنا واستقرارا، بل يضاعف من عواملوأسباب الانفجار السياسي والاجتماعي..
لهذا فإن دول الخليج العربي  اليوم، بحاجة إلى صياغة رؤية ووعي جديد،تجاه مسألة الاستقرار السياسي.. لأن الرؤية السائدة في الكثير من الدول والبلدان لمتحقق الاستقرار، بل على العكس من ذلك تماما.. إذ أي خطر داخلي أو خارجي حقيقي كشفوهم الاستقرار الذي كانت تعيشه العديد من الدول والبلدان..
وفي تقديرنا ورؤيتنا أن مكونات الاستقرار السياسي في منطقة الخليج العربي  هي :
1 وجود مصالحة حقيقية بين مشروع السلطة ومشروع المجتمع، بحيث إن كل طرف يقومبدوره الطبيعي في عملية البناء والعمران. فالاستقرار السياسي لا يمكن أن يتحقق علىالصعيد الواقعي بعيدا عن انسجام الخيارات السياسية والثقافية بين السلطة والمجتمع.. والدول التي تعيش حالة حقيقية من الوئام والانسجام على صعيد الرؤية والخيارات بينالسلطة والمجتمع، هي الدول المستقرة والقادرة على مواجهة كل التحديات والمخاطر.. لذلك فإننا نرى أهمية أن تخطو الدول العربية والإسلامية والمهددة في أمنهاواستقرارها، إلى بلورة مشروع وطني متكامل للمصالحة بين السلطة والمجتمع.. فالاستقرار السياسي الحقيقي يكمن في مستوى الانسجام السياسي والاستراتيجي بينالسلطة والمجتمع..
2 وجود الثقة المتبادلة والرضا المتبادل بين السلطة والمجتمع. فالأنظمة التي لاتثق بشعبها أو الشعب الذي لا يثق بحكومته، فإنه مهدد بشكل حقيقي في أمنهواستقراره.. لأن الأمن الحقيقي والاستقرار العميق هو الذي يستند إلى حقيقة راسخةوهي توفر الثقة العميقة والمتبادلة بين السلطة والمجتمع. هذه الثقة هي التي تمنحالقوة لكلا الطرفين. فقوة المجتمع في انسجامه السياسي مع نظامه السياسي، وقوةالنظام السياسي في ثقة المجتمع به وبخياراته السياسية والاستراتيجية.. لذلك فإنالاستقرار السياسي يتطلب وبشكل دائم العمل على غرس بذور الثقة بين السلطة والمجتمع ..
ولا ريب أن خلق الثقة المتبادلة بين الطرفين، يحتاج إلى مبادرات حقيقية وانفتاحمتواصل ومستديم بين مختلف القوى، حتى يتوفر المناخ المؤاتي للثقة والرضا المتبادلبين السلطة والمجتمع.
3 توفر الحريات السياسية والثقافية.. فلو تأملنا في العديد من التجارب السياسيةعلى هذا الصعيد، لاكتشفنا وبشكل لا لبس فيه أن الدول التي تتوفر فيها حريات وتمنحشعبها بعض الحقوق، هي الدول المستقرة والتي تتمكن من مواجهة التحديات والمخاطر.. أما الدول التي تمارس السياسة بعقلية الاستئصال والتوحش وتمنع شعبها من بعض حقوقهومكتسباته السياسية فإنها دول مهددة في استقرارها وأمنها.. لأنه لا يمكن لأي شعب أنيدافع عن دولة هو أول ضحاياها.. لهذا فإن الاستقرار السياسي هو وليد طبيعي لتوفرالحريات في بلدان الخليج العربي  ..
ومن يبحث عن الاستقرار السياسي بعيدا عن ذلك، فإنه لن يحصل إلا على أوهام القوةوالاستقرار.. واللحظة التاريخية التي نعيشها اليوم على أكثر من صعيد، تتطلب تجديدفهمنا ووعينا لمعنى الاستقرار السياسي، والانخراط الفعلي في بناء المكونات الأساسيةلخيار الأمن والاستقرار..
فكل التحديات والمخاطر لا يمكن مواجهتها، إلا باستقرار سياسي عميق، ولا استقرارحقيقي إلا بديمقراطية وتنمية مستدامة.. لذلك فإن الخطوة الأولى والاستراتيجية فيمشروع مواجهة تحديات المرحلة ومخاطرها المتعددة هو بناء أمننا واستقرارنا على أسسومبادئ حقيقية تزيدنا منعة وصلابة وقدرة على المواجهة.
وإن استمرار عملية التشظي والفرز الاجتماعي, لا يفضي إلى أمن واستقرار عميقين, بل إنه يولد كل أشكال الاحتقان التي قد تقود إلى انفجارات سياسية واجتماعية. وأحداث البحرين الأخيرة ليست بعيدة عن هذا السياق.
فمهما تحدثنا عن العوامل الإقليمية والخارجية, التي ساهمت في نظر البعض في تأجيج الأحداث المؤلمة في البحرين, إلا أن الفحص العميق في المشهد البحريني, يجعلنا نعتقد وبشكل جازم أن هناك عوامل وموجبات داخلية كثيرة تفضي إلى الانفجار السياسي والاجتماعي. لهذا فإننا نقول: إن من ينشد الأمن لا يساهم في عملية الفرز الاجتماعي _ المذهبي, ومن يتطلع إلى الاستقرار لا يسمح ببث سموم  الكراهية الدينية والمذهبية في وسائل إعلامه أو مناهجه التعليمية أو في وسائل التنشئة والتثقيف الأخرى.
فالاستقرار السياسي والاجتماعي في منطقة الخليج, لا يتحقق بالترسانات العسكرية أو الإجراءات الأمنية المتعاظمة, وإنما بإنهاء سياسي وثقافي بكل موجبات الاحتقان والتوتر.
فتعزيز أواصر العلاقة الايجابية بين الدولة والمجتمع, وتعميق أسباب الرضا العميق بين الطرفين, هو الذي يحقق الاستقرار ويحافظ على الأمن, ويمكن الجميع من مواجهة صعوبات الداخل وتحديات الخارج.
الدولة والطائفية في الخليج.. أية علاقة
يبدو حين التمعن في مسألة الدولة الحديثة وتجربتها في منطقة الخليج العربي, يجعلنا نعتقد  أنها تشكل الحاضن الأكبر لكل آليات التفكيك الأفقية والعمودية في المجتمع, وذلك لأننا على الصعيد الواقعي لا نملك دولة ( بالمعنى العلمي) مكتملة الأركان وتجبر هذا النقص البنيوي والمؤسسي بالاتكاء على فئة وعصبية اجتماعية محددة, وتمارس الإلغاء والتهميش مع بقية الفئات الاجتماعية الأخرى. فمنطقة الخليج اليوم مع تفاوت محدود بين دولها ومناطقها لديها سلطة مكتملة ودولة ليست ناجزة. فالدولة الخليجية المعاصرة, هي دولة عصبوية , مغلقة, وهي حاضنة للبعض ورافضة ونابذة لبقية التعبيرات والمكونات. وفي ظل هذا المناخ, تتولد أزمة إدارة التنوع في منطقة الخليج العربي.
ولعلنا لا نجانب الصواب حين القول: أن مجتمعات الخليج العربي هي مجتمعات قديمة ولها ذاكرة تاريخية موغلة  في القدم, ولكن دولها بالمعنى الحديث  ليست قديمة ولا تمتلك جذور تاريخية ومعرفية في النسيج الاجتماعي الخليجي . وبفعل ضيق القاعدة الاجتماعية للسلطة, أضحت على المستوى الواقعي, وكأنها جهاز تنفيذي, يسير الأمور انطلاقا من الثروات الطبيعية التي حباها الله لهذه الأرض. فالنسيج الاجتماعي بقي على انقساماته العمودية والأفقية, ولم يتبلور في الفضاء الوطني لكل دولة خليجية مشروعا وطنيا فعليا يتجاوز حدود المذهبيات والقبليات والأثنيات.
ولهذا تعايشت في التجربة السياسية الخليجية مظاهر متناقضة, فهي تمتلك أحدث السلع الحضارية والاستهلاكية وفي ذات الوقت , تعيش في انتماءاتها الأهلية والمجتمعية مرحلة ماقبل الدولة والانتماء إلى مواطنة جامعة ومشتركة . وبقيت التوترات القبلية والمذهبية والمناطقية قابعة تحت الرماد, ومع أي أزمة أو إشكالية سياسية أو مجتمعية, تبرز هذه التوترات على السطح, وترتدي ألبسه مختلفة تعود إلى طبيعة التوتر أو الظروف السياسية القائمة. والانقسامات الأفقية والعمودية في المجتمعات و الأوطان, لا تعالج بالخطب الأيدلوجية المجردة, أو المواعظ الأخلاقية التي تستجلب القلوب والعواطف, دون أن تتمكن من تغيير موازيين القوى أو المعطيات السياسية القائمة. وإنما الذي يعالج هذه الانقسامات, هو وجود مشروع وطني جاد ومتعدد الأبعاد, يأخذ على عاتقة استيعاب كل الانقسامات في بوتقة وطنية واحدة دون افتئات على خصوصية هذه الانقسامات, وفي ذات الوقت دون السماح لها أيضا بالانحباس والتقوقع الفئوي والطائفي والقبلي.
فالدولة في الخليج لم تتعامل مع مواطنيها بوصفهم مواطنين, وإنما بوصفهم أعضاء إما في قبيلة أو مذهب, فأصبح الانتماء التقليدي للمواطن, هو العنوان الواقعي والحقيقي الذي يتم التعامل به معه. فالدولة في بلدان الخليج العربي, ولكونها, لا تمتلك مشروعا وطنيا ولاعقدا اجتماعيا ( بالمعنى الحديث) يربطها بمواطنيها, لهذا فهي عملت كبديل عن ذلك, على إبقاء الانتماءات التقليدية حية, وكانت تعالج الآثار السلبية المترتبة على بقاء انتماءات تقليدية متجاورة, ومتوترة في آن بطريقين أساسيين وهما:
1_ العطاء المالي الذي يضمن ولاء شيوخ القبائل وزعماء الطوائف, مع جهد لتسيد طبقة معنية ذات ولاء ومصالح مشتركة مع الحكومات في الفضائين القبلي والطائفي.
2_ السياسات والإجراءات الأمنية التي تستهدف إخماد أي صوت يطالب بإصلاح الأوضاع و بناء علاقة بين جميع المكونات على أساس المواطنين المتساوية في الحقوق والواجبات. وأعتقد أن المأزق الحقيقي الذي تعانيه العلاقة بين الدولة والطائفة في منطقة الخليج العربي, أن الدولة وعبر أجهزتها المختلفة, لا زالت تتعامل مع أشواق هذه المجتمعات إلى الحرية والكرامة والإصلاح, بوصفها مشكلة أمنية. وبطبيعة الحال فإن العقل الأمني هوامشه في الحركة ضيقة, ولا يمتلك إمكانية فعلية للتسوية السياسية الحقيقية بين الطرفين. وقد عانت العلاقة في أغلب البلدان الخليجية من هذه المسألة بطرية وأخرى, وفي تقديرنا أن الخطوة الأولى لمعالجة الإشكالية بين الدولة والطائفة, هي إخراج العلاقة من الدائرة والمربع الأمني, والتعامل معها بوصفها مشكلة سياسية تتطلب مبادرات وآليات سياسية لمعالجة الوضع و المشكلة .والدول الخليجية التي خطت خطوات بهذا الاتجاه كالكويت وعمان, تمكنت من إنهاء الكثير من عناصر المشكلة والأزمة, وتحظى بعلاقة إيجابية بين الدولة بمؤسساتها المختلفة ومكونات شعبها المذهبية. فالطوائف المذهبية في الخليج حقائق تاريخية واجتماعية ثابتة ومستقرة, ولا يمكن التعامل مع حقائق التاريخ والاجتماع بوسائل أمنية _ قهرية, لأن هذه الوسائل لا تعالج المشاكل, بل تزيد هذه الحقائق رسوخا وعنادا في فضائها الاجتماعي والوطني. فا لاعتقال والضغط الأمني على الخصوصيات المذهبية وغيرها من الوسائل الأمنية, لم تنهي هذه الحقائق ولم تعالج أزماتها العالقة بينها وبين الدولة في الخليج. وتوضح الكاتبة ( تيدا سكوكبول) معنى الحقيقية التاريخية وتأثيرها على الدول والمجتمعات بقولها:
[ ما إن نضع الدولة في مكانها المركزي الصحيح عند تفسير التغير الاجتماعي وتفسير السياسة حتى نضطر إلى احترام الحقيقة التاريخية الكامنة للهياكل الاجتماعية_ السياسية, فتتجه بالضرورة إلى الاهتمام بالتشابك الذي لا مفر منه لمستويات التطور القومي وترابطها بالأطر التاريخية العالمية المتغيرة ](1)..
من هنا فإننا نعتقد أن معالجة الأزمة الطائفية في الخليج, لا يمكن أن يتم ويتحقق إلا بإصلاح الدولة في الخليج ,و استيعابها لجميع التعبيرات والمكونات. فمادامت الدولة في الخليج, هي دولة البعض القبلي والمذهبي, فهي بالضرورة طاردة لبقية المكونات. وتتفاوت دول الخليج العربي في عملية الطرد والنبذ لبقية مكوناتها وتعبيراتها, تبعا للظرف السياسي والاجتماعي الذي تعيشه هذه الدولة أو تلك , وتبعا لطبيعة علاقة كل دولة في الخليج مع مؤسستها الدينية .
فإذا كانت العلاقة بين الدولة والمؤسسة الدينية محكومة بمعادلة تاريخية مرتبطة بطبيعة الشرعية السياسة والدينية للدولة كما هو حال المملكة العربية السعودية, فهي تمارس النبذ و الإقصاء والتمييز لبعض مكونات شعبها بطريقة متعددة الوجوه والأشكال. وإذا كانت الدولة علاقتها بمؤسستها الدينية ومؤسساتها المدنية الأخرى متوازنة ويربطها بشعبها تعاقد دستوري كدولة الكويت فإن علاقة هذه الدولة بمكوناتها المذهبية علاقة إيجابية واستيعابية لها, لأنها تفسح للجميع ضمن إدارة واعية ومرنة لممارسة خصوصياتها ضمن ضوابط وطنية تشمل جميع المكونات والتعبيرات.
فالولاءات المذهبية والقبلية, لن تعود في مجتمعات الخليج العربي, إلى وضعها وحدودها الطبيعية إلا بإصلاح سياسي للدولة وتوسيع قاعدتها الاجتماعية وفتح المجال المؤسسي للشعب للمشاركة في شؤون الحياة العامة. إما إذا استمرت الدولة بعصبياتها التقليدية وانغلاقها السياسي, فإن الو لاءات الفرعية لدى المجتمعات ستزدهر وتتضخم لأنها وسائل الدفاع والحماية لدى أهل هذه الو لاءات والانتماءات.
فقوة الدولة الحقيقية ليس في ترسانتها العسكرية, أو إمكاناتها المالية الضخمة, وإنما في مدى تمثيلها وتعبيرها عن مجتمعها.. فالدولة التي تنسجم مع خيارات شعبها, ويشعر شعبها بعمق إنها دولته التي تعبر عن إرادته, فهذه الدولة قوية حتى لو لم تمتلك ترسانة عسكرية أو إمكانات مالية ضخمة. وفي المقابل فإن الدولة التي لا تعبر عن إرادة شعبها, فإنها ضعيفة وغير مستقرة, حتى لو امتلكت كل الإمكانات العسكرية والمالية..
فالدولة القوية وفق علم الاجتماع السياسي المعاصر, هي التي تعبر عن إرادة شعبها, وفعاليات المجتمع عبر الوسائل الديمقراطية تشترك في مؤسسات الدولة وتسيير شؤونها المختلفة. لأنها مؤسسات مفتوحة لكل المواطنين بصرف النظر عن قوميتهم أو مذهبهم أو دينهم. فهي دولة الجميع وتحتضنهم جميعا بدون تفريق أو تمييز.
الإصلاح السياسي بوابة العبور:
من هنا فإننا نعتقد وبشكل جازم, أنه لا يمكن إصلاح وتطوير العلاقة بين المكونات المذهبية لمجتمعات الخليج العربي. بدون إصلاح سياسي, يعيد الأمور إلى نصابها الطبيعي..
لإيماننا العميق أن المشكلة الطائفية في الخليج, ليست مشكلة دينية أو ثقافية بالدرجة الأولى, وإنما هي مشكلة سياسية.حيث أن الخيارات السياسية المتبعة, هي التي تولد نزاعات وتوترات مذهبية. فالمشكلة ليست وليدة التمايز الفقهي والمذهبي, بل هي  وليدة ممارسة التميز بكل صوره وأشكاله. من هنا فإن المعالجة المتوخاه لهذه المشكلة معالجة سياسية.
ولكون المعالجة السياسية لا يمكن أن تتم وتتحقق بمعزل عن الإصلاح السياسي في الإطار الوطني. لهذا نحن نعتقد أن الإصلاح السياسي على المستوى الوطني, هو السبيل لمعالجة المشكلة  الطائفية في منطقة الخليج العربي.. وهذا يتطلب من الدولة ومؤسساتها المختلفة القيام بمبادرات وسيرورات اقتصادية وثقافية واجتماعية وسياسية, تستهدف التغلب التدريجي على الفروقات المذهبية وتحقيق أعلى درجات الاندماج بين المواطنين.
وإننا هنا ندعو كل دول الخليج, إلى مراجعة سياساتها وخياراتها, تجاه واقع التعددية المذهبية الذي تعيشه المنطقة. فلم يعد ممكنا لاعتبارات ذاتية وموضوعية, الاستمرار في سياسات الإقصاء والنبذ والتمييز, وإن المطلوب هو بناء إستراتيجيات وطنية متكاملة لتحقيق الاندماج الوطني في كل مجتمعات الخليج. وفي تقديرنا إن الخطوة الأولى في هذه الاستراتيجية هي تأسيس هيئات وطنية في كل دولة خليجية لمكافحة التمييز بكل صوره وأشكاله, وصياغة أنظمة وقوانين تجرم أي طرف يمارس التمييز أو يدعو إليه أو يبث الكراهية القبلية والمذهبية بين المواطنين.
الاعتراف بالآخر :
حين الحديث عن التنوع والتعددية في الحياة الاجتماعية والإنسانية ، دائما ما يتم تداول مصطلح ومفهوم ضرورة الاعتراف بالآخر .. ويتم تكرار هذه المقولة في كل لقاء اجتماعي أو فكري ، يتم فيه تداول طبيعة العلاقة بين المختلفين والمغايرين دينيا أو قبليا أو عرقيا أو مناطقيا أو ما أشبه ذلك ..
فماذا نقصد بمقولة الاعتراف بالآخر ، وما هي محددات هذه المقولة ، هذا ما نحاول أن نتعرف عليه خلال الأسطر التالية.
لكل ذات إنسانية آخر ،ومن خلال تحديد معنى الذات ، يتحدد بطبيعة الحال نوعية الآخر .. فإذا كان الحديث بعنوان ديني فإن الآخر هو كل من ينتمي إلى دين آخر ، وإذا كان الحديث بعنوان مذهبي في الدائرة الإسلامية ، فإن الآخر هو كل من ينتمي إلى مذهب إسلامي آخر .. وهذا ينطبق على مقولات القومية والعرقية والمناطقية والجنوسة وما أشبه ذلك .. فالآخر يتحدد من خلال تحديد معنى الذات .. والاعتراف به في صورته الأولية يعني الاعتراف بوجوده وكينونته الإنسانية وبحقوقه الآدمية بصرف النظر عن مدى قبولنا أو اقتناعنا بأفكاره أو قناعاته العميقة والشكلية ..
فلا يمكن لأي إنسان أن يدعي الاعتراف بالآخر على المستوى الديني أو المذهبي أو القومي ، وهو يهدده في وجوده وكينونته الإنسانية .. فالذي يعترف بالآخر ، يحترم وجوده ، وكل متطلبات حياته الإنسانية ..
لهذا فإن مفهوم الاعتراف بالآخر ، يناقض بشكل تام ، استخدام وسائل القسر والقهر لإقناع الآخر أو دفعه إلى تغيير قناعاته .. فأنت ينبغي أن تعترف به كما هو ، بعيدا عن المسبقات الأيدلوجية أو القومية أو ما شاكل ذلك .. وحينما نندفع إلى التوسل بوسائل قهرية للتغيير أو تبديل قناعات الآخر المختلف ، فهذا ينم عن عدم التزام عميق بمفهوم الاعتراف بالآخر .. فلا يمكن أن ينسجم هذا المفهوم مع نزعات القهر والفرض والدفع بوسائل مادية لتغيير المواقع الأيدلوجية والفكرية وتبديلها .. فالاعتراف بالآخر في صورته الأولوية ، يعني احترام حياته الإنسانية وكينونته الذاتية ومتطلباتهما ، بعيدا عن أفكاري الخاصة تجاهه ..
ويحاول البعض في سياق الحديث عن مقولة الاعتراف بالآخر ، أن يحدد بعض الشروط لكي يقبل الآخر .. وحين التدقيق فيها نجدها تقتضي أن يتخلى الآخر عن ما هو عليه كشرط لقبوله ..
وهذه من المفارقات العميقة ، والتي تكشف رفض الكثير من الناس لهذا المفهوم ..
فليس مطلوبا من أحد أن يتخلى عن قناعاته ، من أجل أن يقبله الطرف الآخر .. للجميع حق رفض قناعات الآخر ، والتعبير بوسائل سلمية عن هذا الرفض ، ولكن ليس من حق أحد توهين أو تشويه قناعات وأفكار الآخر .. كما أنه ليس من حق أحد أن يطلب من الآخر تغيير قناعاته كشرط لقبوله .. فالاعتراف بالآخر ، لا يلغي حق أحد في امتلاك وجهة نظر نقدية عن أفكار وقناعات الطرف الآخر .. ولكن في ذات الوقت فإن مقتضى مفهوم الاعتراف بالآخر القبول به كما هو يريد وليس كما أنت تريد ..
فحينما نخلق مسافة عقلية بين قناعات الإنسان ، وضرورات التعايش مع الآخرين بصرف النظر عن قناعاتهم وأفكارهم ..
حينذاك يمكننا جميعا إنجاز مفهوم الاعتراف بالآخر في فضائنا الاجتماعي والثقافي .. ودون ذلك سنبقى نلوك هذه المفاهيم في ألسنتنا، ولكن واقعنا ومسيرتنا الاجتماعية والثقافية مناقضة لمضمون هذه المفاهيم .. والذي يفاقم من الأزمات والتوترات بين المختلفين على هذا الصعيد ، حينما يقوم أحد الأطراف باستخدام وسائل التفجير والقتل بحق الآخرين بسبب اختلافهم الديني أو المذهبي لا غير .. فما جرى من تفجير إرهابي آثم أمام كنيسة القديسين للأقباط في مدينة الإسكندرية بمصر بعد دقائق من دخول العام الجديد يؤكد هذه الحقيقة ، وما يجري في العراق يوميا بحق الأبرياء من قتل وتفجير يؤكد هذه الحقيقة أيضا .. حيث تقوم فئة إرهابية خالية من الأخلاق والضمير بقتل الأبرياء وزرع العبوات الناسفة التي تستهدف الجموع البشرية المحتشدة لقتل أكثر عدد ممكن ، لا يخرج عن هذا السياق .. فالاختلاف العقدي والديني بين المسلمين والمسيحيين ،لا يشرع لأحد قتل الآمنين من المسيحيين ، وإبقاء سيف القتل على رقاب شركائنا في العروبة للاختلاف في شأن هنا أو هناك ، يعد جريمة كبرى نكراء ، ينبغي أن تدان من الجميع ، ورفع الغطاء عن كل الحوامل الثقافية والدينية ، التي تبرر عمليات القتل والتفجير ..
كما أن عمليات القتل والتفجير المتبادلة ، والتي تتم بعناوين مذهبية ، ينبغي أن تدان ويرفع الغطاء الديني والسياسي عن مرتكبيها ..
فالتعددية الدينية والمذهبية في العالم العربي ، هي الضحية الكبرى لعملية القتل التي تجري اليوم لاعتبارات دينية أو مذهبية .. لأن هناك جماعات تكفيرية وإرهابية ، تريد وتعمل من أجل إفراغ وإنهاء ظاهرة التنوع الديني والمذهبي من الواقع العربي ، وتستخدم في سبيل ذلك كل الوسائل والممارسات الإرهابية التي لا تنسجم مع أي دين سماوي أو أخلاق إنسانية ..
فالاعتراف بالآخر الديني والمذهبي ، ينبغي أن يقود إلى التعايش ، الذي يضمن حقوق الجميع بدون تعد وافتئات من قبل أي طرف على الأطراف الأخرى .. وحينما نفشل نحن العرب في حماية تنوعنا الديني والمذهبي ، فإن عدونا الصهيوني هو المستفيد الأول من عملية الفشل .. وهو المناخ المؤاتي على المستويين الاجتماعي والسياسي للمزيد من تفسخ واهتراء الواقع العربي .. لهذا فإن وجود مبادرات مؤسسية وطنية وقومية ، لحماية حقيقة التنوع الديني والمذهبي والقومي في الخليج العربي ، هو أحد المداخل الأساسية لصيانة الأمن القومي العربي ، وتعزيز قوته ،وسد الثغرات التي قد ينفذ منها خصوم الأمة لأغراضهم ومصالحهم الخاصة ..
فالوحدات الوطنية في كل دول الخليج العربي ، لا تحمى بالخطابات الرنانة والمواعظ الأخلاقية المجردة ، وإنما بالوقائع الميدانية والمبادرات المؤسسية ، التي تستوعب جميع أطياف الوطن وتحمي تنوعه بقانون وإجراءات دستورية ، تحول دون بقاء الفجوات والهواجس المتبادلة بين مكونات التعدد والتنوع سواء على المستوى الوطني أو المستوى القومي .. فالقوى التي تتربص بمنطقة الخليج عديدة ومتنوعة ، و لا سبيل لنا جميعا لإفشال مؤامراتها وتربصها ، إلا بالمزيد من الخطوات العملية التي تستهدف استيعاب حقيقة التنوع الموجودة في الخليج العربي ، وحمايتها قانونيا وسياسيا .. 
فالسنة والشيعة وغيرهم ، هم حقائق ثقافية تاريخية واجتماعية ، لا يمكن استئصالهم .. وإن ممارسة الإرهاب والقتل بحق بعضهم لأي سبب من الأسباب ، لن ينهي هذه الحقائق ، وإنما سيزيدها صلابة ومتانة وقوة ..
ولا خيار أمام الجميع إلا الاعتراف بهذا الوجود المتعدد والمتنوع في الخليج العربي .. التعدد الذي إذا أحسنا إدارته والتعامل معه ، سيزيدنا قوة وثراءا على مختلف الصعد والمستويات .. وإن وجود توترات وأزمات في طبيعة العلاقة بين هذه المكونات ، لا يعني أن المشكلة هي في طبيعة التعدد والتنوع ، وإنما في طبيعة الخيارات السياسية والاجتماعية والثقافية ، التي أوجدت تصنيفات حادة بين أهل الوطن الواحد تحت عناوين ويافطات دينية أو مذهبية أو قومية أو عرقية ..
إن السبب الجوهري الذي أدى إلى بروز توترات بين تعبيرات الوطن والمجتمع الواحد هو في الخيارات المستخدمة مع هذه الحقائق والعناوين العميقة في الجسم العربي ..
فخيارات القتل والإرهاب والاستئصال ، تفضي إلى توترات أفقية وعمودية بين مجموع المكونات .. أما خيارات الحوار والحرية والتسامح والمساواة وصيانة حقوق الإنسان واحترام خصوصيات جميع الأطراف ، فإنها تفضي إلى نسج علاقات إيجابية بين جميع الأطراف والمكونات وبناء استقرار سياسي واجتماعي عميق ، لا تهدمه عواصف السياسة ومتغيرات الراهن ، بل تزيده صلابة ووقوفا بوجه كل المؤامرات التي تستهدف تفتيت العالم العربي وضرب وحداته الوطنية ..
والاعتراف بحقيقة التعدد والتنوع في الفضاء الاجتماعي والثقافي ، وتوفير مقتضيات ومتطلبات حمايتها ، هو الخطوة الأولى في مشروع إنهاء التوترات الاجتماعية وصيانة الأوضاع الخليجية من الداخل ، لكي نتمكن جميعا من إفشال مؤامرات ومخططات من يتربص بنا الشر في السر والعلن ..    
ومطلب التجانس الوطني بين جميع الأطراف ، لا يتحقق بالعنف وعمليات الاستئصال ، وإنما من خلال ثقافة تحترم التعدد وتدافع عن مقتضياته ، وخيارات سياسية تقوم بعملية الاستيعاب والدمج .. انطلاقا من مفهوم المواطنة بعيدا عن النزعات الضيقة التي تحول دون بناء فضاء وطني مشترك وجامع .. 
 
التحريض الطائفي والوحدة الوطنية:
يبدو من المعطيات القائمة اليوم ، أن ثمة عودة للخطابات التحريضية الطائفية التي توزع الأحكام المطلقة الكاسحة ، وتبث الكراهية بين المواطنين ، وتسعى نحو خلق حواجز عميقة بين مواطن خليجي وآخر باعتبارات مذهبية .. فأصبحنا صبح مساء نسمع الرديح الطائفي الذي يوغل الصدور ، ويشحن النفوس بغضا وكراهية وعداوة ضد الآخر المذهبي .. والذي يثير الأسى أن هناك شخصيات أكثر حكمة ووعيا وإدراكا لمآلات هذه الخطابات والنزعات ، إلا أنها ولأسباب نجهلها وقعت في الفخ الطائفي ، وبدأت تمارس عملية التحريض الطائفي .. والمادة المستخدمة في عملية التحريض وبث الكراهية المذهبية ، هي مزيج بين أحداث التاريخ وأحداث الراهن ، ومعادلة صفرية يعمل أصحاب هذا الخطاب على تعميقه في المشهد الإعلامي والثقافي والسياسي الخليجي ..
فالأحكام والأوصاف الشنيعة ، لا تتجه نحو فرد ارتكب خطأ أو خطيئة ، وإنما نحو مجتمعات بكاملها ، يوصف بصفات أقل ما يقال عنها أنها ضد ومخالفة للتوجيهات القرآنية التي تقول [ ولا يجر منكم شنئان قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ] ( المائدة 8) .. فغابت ثقافة التمحيص والتبين ، وشاعت الأحكام الجاهزة والسهلة ، التي تعادي مجتمعات ، وتطلق أوصافا مقززة للنفس لم يطلقها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وصحبه على أعدائهم وخصومهم من الكفار والمشركين والمنافقين ..
وفي زمن التحريض الطائفي ، الجميع يدعي أن واجبه الديني والأخلاقي والوطني ، يقتضي فضح هذه الفئة أو تلك ، دون أن يتبصر أحد بمآلات ما يقولون أو يطلقون أحكاما ظالمة تجاه بعضهم البعض .. فليس سرا أن المسلمين اختلفوا أو توزعوا في مذاهب فقهية عديدة منذ مئات السنين ، وأن لكل مذهب منظومته الفقهية والعقدية ، وإن لكل مذهب مبرراته النقلية والعقلية لما يذهب إليه أو ما يؤمن به .. وهذا الأمر حقيقة تاريخية لا يمكن نكرانها وتجاوزها .. وإن الخلاف بين المسلمين لم يبدأ اليوم ، وإنما من مئات السنين .. لهذا فإن التحريض المذهبي والطائفي اليوم ، ليس بريئا ، وإنما هو جزء من أجندة سياسية ، تستهدف زيادة الشرخ الطائفي في منطقة الخليج ، وزيادة وتيرة السجالات المذهبية لتمرير خطط ومؤامرات تضر بالسنة والشيعة في الخليج معا .. وإن صمتنا تجاه عمليات التحريض والتوتير الطائفي أو مشاركتنا فيها ، هي جزء من الخطايا التي نرتكبها بحق أنفسنا وبحق المجتمعات التي نعيش فيها ..
فالتحريض الطائفي لن ينهي السنة أو الشيعة من الخليج ، وإنما سيوفر لهما أسباب الاحتراب والكراهية .. وإن أسباب الاحتراب والكراهية حينما تتعمق في نفوس الناس ، فإننا جميعا نصبح أمام خطر حقيقي على أمن واستقرار المنطقة بأسرها .. فالنار الطائفية حينما تشتعل فإنها لن تحرق فقط خصمك المذهبي وإنما ستحرق أيضا شاعلها ..
لهذا فإننا نحذر الجميع من الصمت تجاه عمليات التحريض والتوتير الطائفي التي تشهدها منطقة الخليج هذه الأيام .. وأرى إن أي جهد تحريضي بين السنة والشيعة في الخليج ، فإنه ينذر بمخاطر جسيمة علينا جميعا .. لهذا فإن المصلحة الخليجية العامة ، تقتضي الإسراع في إخماد نار الفتنة والتحريض الطائفي ، وعدم السماح القانوني لخطابات الفتنة والتحريض من الاستمرار في خلق الفتنة أو التحريض الطائفي بين مجتمعات الخليج ..
ولعل من أهل المغالطات التي تلوكها الألسن هذه الأيام ، أن من أجل الوحدة الوطنية في بلدان الخليج العربي ، نحن نمارس عملية فضح هذه الجهة المذهبية أو تلك .. لأن التحريض الطائفي بكل أشكاله ومستوياته ، هو مناقض للوحدة الوطنية في الخليج .. فالوحدة الوطنية في الخليج ، لا تبنى بمحاربة السنة أو الشيعة ، بل تنهدم كل أركانها حينما نسمح للحروب الطائفية بالاستمرار .. فالوحدة الوطنية كمفهوم وكحقائق اجتماعية وسياسية وثقافية ،هي على النقيض من خطابات التحريض الطائفي .. وإن من يبحث عن تعزيز قيم الوحدة الوطنية في مجتمعات الخليج ، فعليه أن يكف عن ممارسة التحريض الطائفي ..لأن مآلات خطاب التحريض المذهبي لا ينسجم ومقتضيات الوحدة الوطنية ..
وإن السماح لأي طرف في أي دولة خليجية للاستمرار في خطاب التحريض وبث الكراهية المذهبية بين المواطنين ، يعني على المستوى الواقعي السماح له بهدم مرتكزات الوحدة الوطنية في المجتمعات الخليجية .. وإن الوقائع الطائفية التي تجري اليوم في أكثر من بلد عربي ، ليست مدعاة للاصطفافات الطائفية والتمترسات المذهبية ، وإنما هي مدعاة للوحدة وبناء حقائق الائتلاف والتلاقي بين مختلف التكوينات المذهبية ، وخلق الإرادة العامة والجماعية لمعالجة تلك الوقائع الطائفية المقيتة .. ليس مطلوبا من النخب الثقافية والعلمية والسياسية ، في ظل هذه الظروف الحساسة ، التمترس المذهبي والتخندق الطائفي ، وإنما المطلوب هو العمل على معالجة كل الوقائع الطائفية ، التي تضر الجميع ولا يربح فيها أحد ..
فالمسألة الطائفية في منطقة الخليج العربي ، لا تعالج بالانكفاء والعزلة ، ولا تعالج بتوتير الأجواء وخلق الخطابات التحريضية التي تزيد المشكلة اشتعالا .. وإنما تعالج بالوعي والحكمة والإرادة السياسة والعامة التي تفكك المشكلة من موقع التعالي عن الاصطفافات الطائفية .. فالدعاة والعلماء والخطباء والمثقفين والأدباء ، ينبغي أن يكونوا جزءا من الحل ، وليس جزءا من المشكلة .. وإننا مهما كان الوضع على صعيد العلاقات المذهبية صعبا ومتوترا ، ينبغي أن نستمر في حمل مشعل الوحدة والتفاهم والتلاقي والاحترام المتبادل .. ولا بد من الإدراك أن الخطابات الأخلاقية والوعظية بوحدها ، لا تعالج المشاكل الطائفية .. وثمة ضرورة فائقة لإسناد هذه الخطابات والتوجيهات الأخلاقية ، بسن منظومة قانونية متكاملة ، تجرم وتعاقب كل من يسيء إلى مقدسات الآخرين .. وندعو هنا كل دول الخليج وهي جميعا تحتضن في مجتمعاتها تعددية مذهبية ، إلى الإسراع في سن القوانين التي تجرم أية ممارسة تمييزية بين المواطنين على أسس مذهبية ، وتحث من موقع القانون والإجراءات الدستورية والإدارية إلى الدمج بين المواطنين ، وجعل قاعدة العلاقة على كل المستويات هي قاعدة المواطنة بصرف النظر عن الانتماء المذهبي للمواطنين ..
وفي تقديرنا أن التوترات الطائفية بين الشيعة والسنة اليوم في كل البلدان العربية والإسلامية ، هو ليس بفعل الخلافات العقدية أو الفقهية أو التاريخية ، وإنما بفعل عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية .. لذلك نجد أن موضوعات التوتر الطائفي اليوم ، كلها أو أغلبها ليس له صلة بالخلافات التاريخية ( مع إدراكنا أن بعض الأطراف تعمل على تفسير هذه التوترات بفعل هذه الخلافات ) وإنما صلته الحقيقية بدائرة المصالح السياسية والاجتماعية والاقتصادية .. وعليه كلما كانت مشروعات التنمية متوازنة ، وفرص العمل متكافئة ، تتضاءل فرص التوتر الطائفي ..
وأود في هذا السياق أن أثير المفارقة التالية وهي :
أن الإسلام في تجربته الأولى كان طاقة توحيدية ووحدوية واستيعابية خلاقة ، فاستوعب جميع الأفرقاء والأقوام والقبائل تحت مظلة الإسلام .. أما ما يقدمه بعض دعاة وخطباء اليوم باسم الإسلام ، فهو مفارق في المظهر والمضمون لتلك الميزة الاستيعابية الهائلة للإسلام في تجربته الأولى .. فبعض دعاة اليوم يتحدثون عن فهم وسياق فكري وثقافي وتاريخي واحد ، والرافض لهذا الفهم والسياق ، هو خارج عن الملة ومتورط في عملية هدم الإسلام من الداخل .. كما أن بعض خطباء اليوم يقدمون الإسلام وكأنه طاقة للتصنيف والتجزئة وكل القيم المضادة للتوحيد والوحدة ..
لهذا فإذا أردنا أن نساهم في ضبط النزعات الطائفية في مجتمعاتنا ، علينا التعامل مع الدين الإسلامي بوصفه طاقة توحيدية – استيعابية للجميع ، وإن قسر الناس على فهم بشري واحد ، هو مناقض لسعة الإسلام وتيسيره ، كما أنه مضاد لتجربته الأولى التي جمعت أمزجة وأقوام شتى ، جميعهم وجدوا في الإسلام ضالتهم الذي أشبع روحهم وعقولهم .. فتعالوا أيها الأحبة يا دعاة الإسلام من كل المذاهب والمدارس الفقهية ، لا تضيقوا الإسلام ، ولا تحولوه إلى عنوان للتمزق والاحتراب والكراهية بين الناس .. فالإسلام هو دين الرحمة ، فلا نحوله بعصبياتنا الطائفية إلى دين القتل والاقتتال .. إنها مهمة وجودية ومعرفية قادرة على إخراج المسلمين اليوم من مآزق ومشكلات عديدة ..
وحراسة قيم الدين وثوابته ، لا تتأتى بطرد المختلفين معنا في الفهم والإدراك لقيم الدين ، ولا باستعداء السلطات عليهم ، بل بمساواتهم مع الذات في الفهم والالتزام والحقوق ..
                    
مخاطر الفتنة الطائفية :

سؤال التعددية المذهبية عند الإسلاميين في الخليج

19 نوفمبر 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

مفتتح:

تعيش منطقة الخليج العربي اليوم ، الكثير من التحديات والصعوبات ، والتي تؤثر في راهن الخليج ومستقبله . ولا ريب أن البحث عن الصيغ المناسبة للتعامل مع هذه التحديات والصعوبات ، سيمكن المجال الخليجي من الخروج من هذه المحن بأقل خسائر ممكنة .
ولعل من أبرز هذه التحديات [ التحدي الطائفي ] حيث برزت في الآونة الأخيرة ولعوامل عديدة مقولة الانتماءات الطائفية في منطقة الخليج  ، وبدأت عملية الاصطفافات الطائفية ، التي تهدد الوحدة الوطنية لأكثر من بلد خليجي ، وتعيد المجال الخليجي بأسره إلى المربع الأول الذي يحافظ فيه على أمنه واستقراره ووحدته .
من هنا فإن مدارسة  سؤال التعددية المذهبية في دول المنطقة اليوم ، يعد من الضرورات القصوى ، حتى تتمكن النخب السياسية والاجتماعية والثقافية من اجتراح رؤية عميقة وموضوعية للتعامل مع هذا السؤال بعيدا عن التهويل أو التهوين . وطرح هذا السؤال والتفاكر المشترك حوله ، ليس من أجل الانحباس فيه أو التعلق بعناوينه التاريخية ، وإنما من أجل صياغة رؤية خليجية متكاملة تجيب على الأبعاد المختلفة لسؤال التعددية المذهبية في المجال  الخليجي..
والذي يفاقم من خطر هذا التحدي ومتوالياته السيئة على واقع المنطقة على الصعد السياسية والأمنية والاجتماعية هو الأسباب التالية :
1-    غياب رؤية واضحة ومتكاملة لدى مؤسسة الدولة ، في التعامل مع حقيقة التعددية المذهبية الموجودة في مجتمعات الخليج .. ولا ريب أن غياب استراتيجية رسمية ووطنية في التعامل الشامل مع هذه الحقيقة ، جعل هذه المسألة بعناوينها المختلفة ، عرضة لتأثيرات اللحظة وطبيعة الظروف السياسية السائدة ..
لهذا فإننا نعتقد أن بناء رؤية وطنية شاملة ، في التعامل والتعاطي مع حقيقة التعددية المذهبية ، ستساهم في معالجة الكثير من الظواهر السيئة التي ترتبت على غياب ما نستطيع تسميته ب ( الإدارة الحضارية لواقع التعددية المذهبية في منطقة الخليج ) ..
2-    عدم قدرة الإسلاميين بكل تلاوينهم وتياراتهم من بناء رؤية متكاملة في طريقة التعامل مع واقع التعددية المذهبية في منطقة الخليج .. فخلال الثلاثين سنة الماضية ، أضحى سؤال الطائفية مطروحا بقوة في الساحة الاجتماعية والسياسية والأمنية الخليجية ، وجرت أحداث خطيرة ومتعددة ، لا تخرج عن نطاق التحدي الطائفي والذي يبرز في بلدان الخليج بتفاوت ملحوظ في طبيعته وطرق التعامل معه وأسبابه الذاتية والموضوعية وما هي تأثيرات الخارج عليه .
إلا أن القاسم المشترك لكل هذا هو عدم قدرة الإسلاميين وشخصياتهم العلمية والفكرية من بناء رؤية متكاملة في التعامل مع حقيقة التعددية المذهبية .

 
العطاء الإسلامي التقليدي :

وعطاء الإسلاميين الدعوي والفكري في غالبه الأعم ، لا يتعدى الحديث عن طبيعة العلاقة بين السنة والشيعة بوصفهما فرقا إسلامية ، كل طرف يمتلك على الآخر المذهبي ملاحظات عقدية أو فكرية أو ما أشبه ذلك ..
والمحاضرات والفتاوى العديدة ، التي صدرت من بعض علماء الخليج في تكفير الشيعة لا تخرج عن هذا السياق.
والنقص البنيوي الذي لم يلتفت إليه غالب الإسلاميين في الخليج على هذا الصعيد ، هو عدم التفريق بين الشيعة أو الأباضية أو الزيدية كجماعات مذهبية وبين هذه الحقائق بوصفها جماعات بشرية تعيش في الخليج  ولها مصالح وتطلعات سياسية واجتماعية وثقافية .. فاستغراق أغلب الإسلاميين في التعامل مع هذه العناوين بوصفها عناوين عقدية وتاريخية ، استدعى بشكل أو بآخر التراث التاريخي لدى جميع الأطراف وهو تراث ملئ بالكثير من الحمولات السلبية تجاه الآخر المذهبي وفتح المجال للفتوى الدينية التي تطلق أحكام التكفير والتضليل دون مراعاة طبيعة الظروف أو دون التعريف على هذه الجماعة كما هم الآن وليس كما تقرر الكتب التاريخية ذات الطابع السجالي .  
وصور هذا النهج المتشدد كثيرة ومتعددة تبدأ بالفتوى الدينية مرورا باستحضار التاريخ وأحداثه والاتهامات المتبادلة المترتبة على ذلك وانتهاء بخطابات التعبئة والتحريض وخلق الحواجز بكل أصنافها بين المواطنين لاعتبارات مذهبية وطائفية .
لهذا فإننا نستطيع القول : أن عطاءات الإسلاميين خلال هذه الفترة ، كان في مجمله عطاء سلبيا فيما يتعلق وحقيقة التعددية المذهبية في منطقة الخليج .
فالاستغراق التاريخي والتقليدي ، أدى إلى إبراز الحمولات العقدية والفتوائية فيما يتعلق والعلاقة بين المختلفين مذهبيا وأعاد صنع واستحضار التوترات التاريخية ، وعملت التوترات السياسية في الخليج وبالذات في حقبة الثمانينات فعلها السلبي والخطير على صعيد تأزيم العلاقة وتوتيرها بين المكونات المذهبية في الخليج . فساد من جراء هذا وعوامل أخرى ذاتية وموضوعية الخطاب الإسلامي المغلق والمتشدد في منطقة الخليج .
فالخطاب الإسلامي للجماعات السنية ، اندفع نحو تحديد الحدود العقدية بين الإسلام الصحيح ووفق رؤيتهم وبين الإسلام غير الصحيح ، فازدادت الحواجز والهواجس بين الإسلاميين  السنة والإسلاميين الشيعة وكانت العوامل السياسية الداخلية والإقليمية تغذي بشكل أو بآخر هذه المفاصلة الشعورية والعملية بين الجماعات الإسلامية المذهبية.
فالأكثرية الإسلامية اندفعت نحو المزيد من التشدد تجاه الآخر المذهبي لاعتبارات عقدية ومذهبية وسياسية . والاقليةالإسلامية اتجهت بفعل هذه الضغوط القادمة من الآخر الإسلامي ومن طبيعة تركيبتها الثقافية وخياراتها السياسية للمزيد من الانكفاء والعزلة والانطواء  .
ولذلك أصبح لدينا في كل مجتمع خليجي ، أكثر من مجتمع ، وكل مجتمع تحدد معالمه وطبيعته بفعل انتماءه المذهبي .. وتراكمت بفعل كل هذا الحواجز النفسية والاجتماعية والثقافية بين الجماعات والمجتمعات ، وسادت عمليات الريبة والخوف المتبادل ، وأصبح المناخ النفسي والاجتماعي مهيئا لتصديق أية مقولة تقال ضد الآخر المذهبي ، ولانفجار أي توتر سواء بعنوان سياسي أو اجتماعي ، داخلي أو خارجي .
وعليه أستطيع القول : أن الإسلام الأصولي في دائرتيه السنية والشيعية ، ساهم في تجذير الحواجز الطائفية ، وفاقم من التمايزات المذهبية ، وشحن النفوس والعقول بمقولات طائفية تزيد من الانفصال النفسي وتشعل الواقع الاجتماعي لأتفه الأسباب .
فالجماعات المذهبية في الخليج قديمة قدم المجتمعات الخليجية نفسها .. ولكن في زمن ما يمكن تسميته بـ ( الإسلام الشعبي ) ، كان مستوى التداخل والتعاون والتواصل بين هذه الجماعات معقولا ، ولم تكن هناك عوامل سلبية ضاغطة باتجاه التباعد و  التحاجز بين  أهل هذه الجماعات المذهبية . وفي مناطق التداخل المباشر بين هذه الجماعات كالبحرين ومنطقتي الأحساء و القطيف  في المملكة العربية السعودية ، كانت العلاقة في مجملها طبيعية وودية ، وذكريات الآباء والأجداد على هذا الصعيد مليئة بصور الألفة والمحبة والتداخل الطبيعي والتواصل الحر بين أهل الجماعات المذهبية التي تعيش في رقعة جغرافية واحدة .
أما في مرحلة ( الإسلام الأصولي ) فقد سادت نزعات الغلو والتشدد والانكفاء عن الذات والبحث عن المجتمع والهوية الخالصة . وتوفرت من جراء هذه الثقافة كل موجبات التحاجز والتباعد والتباغض بين مختلف المكونات والتعبيرات المذهبية في الاجتماع الخليجي .
ونحن في هذه المرحلة نعيش فترة النتائج المترتبة على هذا الخطاب .. لهذا فإن العلاقة بين المكونات المذهبية في الخليج علاقة هشة وبعيدة عن الاستقرار وأصبح الاجتماع الخليجي على هذا الصعيد ساحة مكشوفة للصراعات والتوترات المذهبية التي تجري في المجالين العربي والإسلامي .
فما جرى في العراق من اقتتال طائفي ، انعكس سلبا على مجتمعات الخليج . وبحث كل طرف في الخليج عن مبررات ومسوغات ما يقوم به امتداده المذهبي في العراق . وحينما تفاقمت الأزمة السياسية في لبنان ، انعكست مذهبيا على منطقة الخليج .
فبدل أن يكون جهدنا تحصين ساحاتنا الداخلية ، أصبح كل طرف منا يتمترس حول عناوينه المذهبية ، وبدل أن نقوم بمبادرات مشتركة لوأد الفتنة الطائفية في العراق أو لبنان أو باكستان أضحى الجميع أسارى ما يجري من أحداث وتوترات طائفية في هذه المناطق .
وهذا يكشف بشكل لا لبس فيه : أن العلاقة بين أهل المذاهب الإسلامية في الخليج ، لا زالت علاقة هشة وضعيفة ، وتتحكم فيها عناصر سلبية كثيرة .
ولا ريب أن غياب الرؤية الواضحة لدى إسلاميي الخليج حول هذه المسألة ، يفاقم من الأخطار والتوترات .كما أن غياب مشروع وطني متكامل تقوده الدولة حول هذه المسألة أيضا ، يعزز من فرص التوتر ، ويجذر عناصر التباين والاختلاف .

العطاء الإسلامي الجديد :

إلا أنه في الفترة الأخيرة برزت بعض الطروحات والمشاريع التي تستهدف بناء رؤية جديدة في التعامل مع هذه الحقيقة / المشكلة .  
وسأعمل بشكل سريع على التعريف بثلاثة جهود رئيسية في هذا السبيل :
1-    العطاء الثقافي الجديد للشيخ سلمان العودة ، وهو أحد أعلام ورموز المدرسة السلفية في المملكة والخليج ، فهو مع قناعته بوجود اختلافات وتباينات في الأصول بين السنة والشيعة ، إلا أنه على صعيد ضمان حقوق المواطنين . فهو يرى أهمية صيانة واحترام حقوق الشيعة  كمواطنين . فالاختلاف العقدي والمذهبي ، لا يشرع لأحد حق الافتئات على حقوق المواطنين . فهذه الحقوق ينبغي أن تكون مصانة ومحترمة ، بصرف النظر عن موقفنا العقدي أو المذهبي من الآخر .
ولقد ألقى الشيخ سلمان العودة في سبيل بيان رؤيته حول المسألة العديد من المحاضرات والحوارات الإعلامية التلفزيونية ، وألف بعض الكتب من أبرزها كتاب ( الأمة الواحدة ) وكتاب ( ولا يزالون مختلفين ) .
إذ يقول في كتابه ( الأمة الواحدة ) [ وقد كان في الصحابة المهاجرون والأنصار ، والإسلام لم يلغ هذه الأسماء ، بل قررها وجعل فيها مجالا للمنافسة في الخير والمسابقة في الطاعة ، وحسن البلاء في الجهاد ، وغير ذلك .
كما أن الوحدة المفتعلة بين المسلمين لا جدوى منها الآن ، فبعضهم قد يتحمس إلى توحيد الأمة ، أو توحيد الجماعات العاملة للإسلام ، أو توحيد العلماء مثلا دون أن يكون عندهم تصور واضح عما يمكن التوحيد عليه ، وعن البرنامج الذي يمكن أن يجمعهم والمنهج الذي يمكن أن يوحدهم .
ولكن نقول : يكفي أن ننتهي عن الخصام والشقاق والتشاحن والبغضاء ، ولتحل محل ذلك أخوة الإسلام ، وأن تبدأ أنماط معقولة من التعاون على البر والتقوى ، وفي المشاريع المشتركة علمية كانت ، أو اقتصادية ، أو دعوية ، أو إعلامية ، أو غير ذلك ، وأن نعمق وحدة العقيدة في الأمة ، ونجتهد في تصحيح مفاهيم الناس حول القضايا الضرورية ومجملات الدين التي لا بد من تعليمها لهم عن عقيدتهم ، عن ربهم ، عن نبيهم ، عن قرآنهم ، عن تاريخهم ، ولو لم يتحقق وحدة الكيان الإسلامي بشكل عام في هذه المرحلة .
يكفي أن نربي الشباب في محاضنهم على أصل الانتماء لهذه الأمة ، وألا تكون انتماءاتهم الثانوية بديلا عن هذا الانتساب العام ] (1).
ويشير أيضا إلى أهمية الحوار والتواصل بين المختلفين ، في كتابه ( ولا يزالون مختلفين ) بقوله [ إن المناظرة الهادئة العلمية من أساليب الوصول إلى الحق ، والتقريب بين المختلفين والمتنازعين ، وأما هذه المناظرات التي تعقد في القنوات الفضائية ، سواء دارت حول قضايا سياسية ، أو قضايا عقدية ، أو قضايا فكرية أو غيرها ؛ فإن منها ما يتصف بالهدوء وطول النفس ، والواقعية والاعتدال ، وهذه مناظرات جيدة تربي الجمهور على الاستماع ، وعلى النظر وتقبل الرأي الآخر .
لكن ثمة ألوانا من المناظرات يقصد بها حشد الأتباع ، وهي تتميز بكثير من المغالطات والقفز فوق النتائج ، وعدم الوصول إلى نقاط محددة ، فتأخذ من أوقات الناس ونستنزف من جهودهم الشيء الكثير ، إضافة إلى أنها تزيد الناس لجاجة وتعصبا وبغضا فيما بينهم ، فلا تقرب بين المختلفين ، ولا تكشف باطلا ، ولا تنصر حقا ، وربما يكون قصاراها – في الغالب – أن تكون لونا من الإثارة الإعلامية التي ينبغي أن ترشد وتضبط ، وتحول إلى قدر من  الهدوء والاعتدال ]  (2).
وإننا في هذا السياق ندعو فضيلة الشيخ سلمان العودة وأقرانه من مشايخ الصحوة الإسلامية في المملكة ، إلى العناية والاهتمام بالمسألة الطائفية ، لأنها تؤثر على حاضر الوطن والأمة ومستقبلها .
وإن الاقتراب المعرفي والثقافي من هذه المسألة ، سيساهم في بناء رؤية متكاملة عن هذه المسألة وطرق معالجتها وسبل إجهاض كل المحاولات الداخلية والخارجية ، التي تستهدف إذكاء الفتن الطائفية في مجتمعاتنا ومنطقتنا .
2-    الجهد الفكري والإعلامي والاجتماعي الذي يبذله فضيلة الشيخ حسن الصفار وهو أحد الرموز الدينية الشيعية في المملكة العربية السعودية حيث بلور رؤيته حول هذه المسألة في مجموعة من المؤلفات  منها (التعددية والحرية في الإسلام بحث في حرية المعتقد وتعدد المذاهب ) و ( الشيعة والسلفيون نحو علاقة أفضل ) و ( رؤية في السجال المذهبي ) و ( المشكل الطائفي والمسؤولية الوطنية ) و ( التنوع والتعايش )  و( الانفتاح بين المصالح والهواجس ) و ( السلم الاجتماعي مقوماته وحمايته ) و ( الحوار المذهبي والمسار الصحيح  ) و ( الطائفية بين السياسة والدين ) .
والشيخ الصفار يرى أن الخطوة الأولى في مشروع إنهاء المشكلة الطائفية في المنطقة هو وجود إرادة سياسية لمعالجة هذه المشكلة وتداعياتها المختلفة . إذ يقول [ الدولة بوسائل إعلامها وبمناهج التدريس ، عليها أن تسعى لنشر ثقافة التسامح وأعتقد أننا نحتاج إلى حالة طوارئ على هذا الصعيد .
لماذا ؟
لأننا عانينا كثيرا من ثقافة الإقصاء والحض على الكراهية ووضع الحواجز بين المواطنين لاختلاف آرائهم ،مذاهبهم ، توجهاتهم .
الانتقال من هذه الحالة إلى أخرى يستلزم مضاعفة الجهود ، وإطلاق برنامج ثقافي تنويري واسع ، تربويا وإعلاميا ، من أجل تدشين مرحلة جديدة ليتجاوز الوطن آثار تلك الثقافة الإقصائية ] (3).
ويضيف [ ليس مقبولا أبدا أن يكون هناك تحريض على الكراهية ، والإساءة إلى شرائح من المواطنين في وسائل الإعلام ، وفي فتاوى تنشر ، والدولة لا تحرك ساكنا . والغريب أنه في الوقت الذي يكثر فيه الكلام وتصدر بيانات من هيئة كبار العلماء ضد التكفير وتخطئة المكفرين . في الوقت نفسه يصدر من بعض العلماء ما مضمونه التكفير ضد شرائح من المواطنين  . وكأن التكفير المحظور والممنوع هو تكفير الدولة فقط . وجماعة  الدولة . أما إذا كفرت الآخرين ، فخذ حريتك ، ليس ممنوعا ! ]  (4).
وأعتقد ومن خلال قراءة متأنية في كتب الشيخ الصفار ، أن عطاءات الشيخ الصفار على هذا الصعيد من أبرز العطاءات وأميزها ، والتي قاربت المشكلة الطائفية في المنطقة من زوايا متعددة .
3-    الدراسة الهامة التي كتبها الدكتور محمد حامد الأحمري في مجلة العصر بعنوان ( رؤية للمعضلة الشيعية ) والدكتور الأحمري من مفكري الصحوة الإسلامية ،وله عطاءات فكرية وثقافية متميزة . كما أن مقولاته الفكرية وتحليلاته السياسية ، تحضى بعناية متميزة لدى مختلف التيارات الدينية في المملكة .
وفيما يرتبط بالمسألة الطائفية والعلاقة بين السنة والشيعة ، فإن الدراسة الآنفة الذكر التي كتبها الدكتور الأحمري ،تشكل نقلة نوعية في رؤية التيار السلفي في المملكة حول المسألة الطائفية . حيث إنه اقترب من هذه المشكلة ، وناقشها من زوايا ثقافية واجتماعية وسياسية ، ووصل إلى قناعة مركزية مفادها أهمية أن يسعى الجميع على الصعيد الوطني ، لمعالجة هذه المشكلة ، وأن استمرار هذه المشكلة بدون علاج حكيم ، سيترك تداعيات خطيرة على راهن الوطن ومستقبله .
إذ يقول الدكتور الأحمري في دراسته [ البقاء على كراسي التحريض والراحة والمعرفة التاريخية الورقية بالآخرين ، ولوم التشيع وشتم الفرس ليس عملا في الأزمة ، بل قد يكون حلبا في آنية الخصوم ، بل العمل ، تبين الموقف أولا ثم الذهاب للناس ، ولقاء الفرس والعرب ، البدو والحضر ، والمثقفين والعامة ، فهذا عمل هداية ويسخفف من الحنق ، ويجلو الحق ، ويفتح باب المعرفة ، ولو لم يتغير مذهب أحد ، فإنه يوقف الناس على الكثير من الحقائق ، ويزيل عن رؤوس الطرفين الأوهام والخرافات المتبادلة التي يصنعها النكران والبعد والوحشة من المخالف الغريب ] (5).
وإضافة إلى هذه الجهود ، هناك شخصيات وجهود عديدة ، ساهمت ولا زالت في مشروع التفاهم والتلاقي ووأد الفتنة الطائفية في المنطقة . ومن هذه الأسماء والشخصيات : الشيخ عبد اللطيف المحمود والشيخ عبد الله بن منيع والشيخ فوزي آل سيف والشيخ عبد المحسن العبيكان والشيخ حسين الراضي والدكتور عبد الحميد الأنصاري وساجد العبدلي و عبد الله فراج الشريف وحسن فرحان المالكي وحاكم المطيري وضياء الموسوي  وعبد الله فدعق وعبد الرحمن الزنيدي ومحمد علي الهرفي والشيخ محمد صالح العلي والدكتور توفيق السيف وسعيد حارب ومحمد بن علي المحمود وزكي الميلاد ويوسف أبا الخيل وأحمد شهاب وعبد الرحمن المحرج وغيرهم من الشخصيات التي تدرك أهمية العمل لتنقية أجواء مجتمعاتنا من أسباب التوتر المذهبي والطائفي ، وتعمل عبر كتاباتها أو مبادراتها في صياغة مواثيق ومبادرات تضمن حق الجميع في إطار مواطنة متساوية في الحقوق والواجبات .
ولا بد أن يدرك جميع الإسلاميين في الخليج ، أن استمرار التوتر المذهبي ، وتفاقم الأزمات الطائفية ، يضر بالدرجة الأولى بمشروعهم وبحركة الدعوة الإسلامية وباستقرار المنطقة على الصعد كافة ، لذلك من المهم بناء رؤية إسلامية متكاملة في التعامل مع ظاهرة الطائفية في المجتمعات الخليجية  . وذلك لأن [ سياسات التمييز الطائفي ، هي من أهم منافذ المحاولات الخارجية لإثارة الفتن المذهبية في أوطان المسلمين ، فلا بد من إغلاق هذا المنفذ الخطير ، بتحقيق مفهوم المواطنة ، وتساوي المواطنين في الحقوق والواجبات .
ويجب أن يبادر الإسلاميون من السنة والشيعة لإعلان رفضهم ، وكفاحهم ضد سياسات التمييز الطائفي ، والتبشير بمبدأ المساواة بين المواطنين ، ومواجهة أي تمييز طائفي تتعرض له فئة من السنة في وسط شيعي ، أو فئة من الشيعة في وسط سني  ] (6).
وهذا بطبيعة الحال يتطلب من جميع الأطراف تأسيس ثقافة دينية جديدة ، تقبل الآخر وتعترف بحقوقه الخاصة والعامة ، والقيام بمبادرات اجتماعية وثقافية ، تنهي حالة القطيعة والجفاء وتطبع العلاقة بين  أهل المذاهب الإسلامية في مختلف المجالات .
وتحصن الأوضاع الوطنية من كل المخاطر الداخلية والخارجية ، التي تهدد أمن واستقرار أوطاننا ومجتمعاتنا في الخليج .

المسألة المذهبية وتجديد المشروع الوطني :

في ظل التطورات الكبرى والمتسارعة التي تمر بها المنطقة ، تتأكد أهمية تمتين الجبهة الداخلية ورص الصفوف وتقوية أسباب الوحدة الوطنية . إذ أن من الخيارات الحيوية التي نستطيع من خلالها مجابهة التحديات والاستجابة الواعية لها ، هو خيار تأكيد وتعميق الوحدة الوطنية .
وإن الخطوة الأولى الضرورية في هذا السياق ، هي أن نتجاوز الخطابات الإطلاقية أو الكلانية ، التي ترى الوحدة بمنظور شوفيني ، ينزع إلى إلغاء التنوعات وإقصاء كل حالات التنوع والاختلاف ، ويعتبرهما جميعا من عوائق الوحدة ومضادات التوافق الداخلي . لهذا فإن مفهوم الوحدة بحاجة أن ينفتح ويتواصل مع كل التجارب الوحدوية والتوافقية ، التي استطاعت أن تؤسس لذات وطنية قوية ، قوامها المزيد من الاحترام الوجودي والمؤسسي لكل التعبيرات الثقافية والمجتمعية ومكونات المجتمع .
وهذا يتطلب بناء المواطنة وصياغة العلاقات الداخلية للمجتمع الواحد على أسس المساواة والعدالة . وذلك لأن المواطنة ليست هوية جامدة ، وإنما هي حيوية ومفتوحة على جميع الروافد ، وتستفيد من كل الاجتهادات والآراء وذلك لإثراء مضمونها وتوسيع قاعدتها الاجتماعية والإنسانية .
لذلك فإن الوحدة الوطنية الصلبة ، هي التي تبني مواطنة قوية تتواصل مع كل التعبيرات وتنفتح على كل المكونات .
وهذا يتطلب الاعتراف بالآخر وجودا وفكرا ، لا للانحباس المتبادل ، وإنما لانطلاق فعل تواصلي – حواري ، ينمي المشتركات ، ويسعى نحو مراكمة مستوى الفهم والاعتراف .
فالمطلوب من أجل بناء مواطنة متساوية في الحقوق والواجبات ، هو أن ننفتح على مساحات الاختلاف ونتواصل مع المختلفين ، من أجل استنبات مفاهيم وقيم جديدة ،تزيد من فرص تقدمنا ، وتحررنا من آليات العجز ، وتجعلنا نقتحم آفاق جديدة ، تحملنا على نسج علاقة جديدة مع مفهوم الوحدة والتوافق الداخلي .
فالوحدة الحقيقية لا يمكن أن تعيش إلا في ظل المواطنة الكاملة . ومن الأهمية أن ندرك أن وحدة مصادر العقيدة والأحكام ، لم يلغ الاختلافات بين المسلمين ، وذلك لاختلافهم في مناهج النظر والاستنباط . وفي هذا التعدد والتنوع في مناهج النظر إثراء للمسلمين في مختلف الجوانب ، ولا ضرر نوعي لهذا التنوع على المستوى النظري أو العملي . ولكن الضير كل الضير ، حينما يفضي الاختلاف خلافا وقطيعة وخروجا عن كل مقتضيات الأخوة الدينية والوطنية ، وسيادة هوس التعصب الأعمى .
والإنسان الذي يعيش الوحدة ، هو الذي يحترم خصوصية صاحبه كما يريد من صاحبه أن يحترم خصوصيته . عندما تكون وحدويا ، فإن عليك أن تفتح المجال لتحمي حرية صاحبك بأن يقول ما يشاء ، تحميه  من كل عواطفك وانفعالاتك ، تحميه من كل ذلك وتقاتل في سبيل حريته .
وإننا في هذه اللحظة التاريخية ، نهيب بجميع مكونات المجتمع الوطني ، إلى ضرورة الانفتاح والتواصل مع بعضهم ، وذلك من أجل تمتين الجبهة الداخلية وتعميق خيار التوافق وتجذير أسباب الوئام والالتحام الوطني . فلتتحول كل الجهود والطاقات صوب فريضة الوحدة ، وذلك من أجل حمايتها وتطويرها .
وإن السماح بتصدع هذا المشروع أو ضرب بنيته الأصلية، يعد جرماً خطيراً بحق الوطن والمجتمع حاضراً ومستقبلاً.  لهذا فإن الوحدة الاجتماعية والوطنية وضروراتهما ومتطلباتهما ينبغي أن تتصدر الأولويات والهموم . وبوصف الوحدة مشروعاً ينبغي تعزيزه وحمايته، هو بحاجة إلى آليات متقنة وأدوات فاعلة وإجراءات تفصيلية متواصلة. كما أنه بحاجة إلى مراجعات فكرية وأيدلوجية، تزيل من الأنظمة المعرفية ما يحول دون تعزيز هذا المشروع.
فاليوم كل بلدان المنطقة مهددة في وحدتها الداخلية والوطنية، حيث تواجه تحديات ومخاطر تستهدف كيانها ووحدتها . ولا يمكننا أمام هذا الزحف التقسيمي الذي يتغذى من عوامل وروافد عديدة، أن نبقى مكتوفي الأيدي، وإنما نحن بحاجة إلى منظومة مواجهة تمكننا من إحباط هذه المخططات وصيانة وحدتنا الداخلية بالمزيد من التلاحم والانسجام .
فالإرادات السياسية التي تستهدف بشكل أو بآخر التفتيت والتشظي، لا يمكن مواجهتها بالخطب البلاغية والرغبات المفتوحة التي لا تستند إلى إرادة وفعل متواصلين .
إن هذه الإرادات بكل أدواتها وآليات عملها، بحاجة إلى إرادة سياسية داخلية تعقد العزم على الصمود والحماية وتعمل على سد الثغرات وبناء الحياة السياسية والثقافية في هذه المنطقة على أسس جديدة، تنهي عقود الفجوة والانفصال بين السلطة والمجتمع، وتعمل على توفير البيئة المناسبة والحاضنة لمشاركة جميع قوى وتعبيرات المجتمع في الحياة العامة.
وحدها الحياة السياسية الجديدة، التي تتجاوز حالات الاستئثار والاستفراد، هي القادرة على إحباط مخططات التفتيت والتشظي ومواجهة المخاطر والتحديات التي تستهدف وحدتنا واستقرارنا الداخلي . لهذا كله فإننا نشعر اليوم بأهمية تجديد مشروع الوحدة الداخلية والوطنية في كل بلدان المنطقة، التجديد الذي يحمي المكاسب ويواجه الثغرات . التجديد الذي يقبض على حقيقة الوحدة دون أن يضحي بالخصوصيات الثقافية والاجتماعية. التجديد الذي يعيد صياغة واقعه الداخلي كوسيلة حضارية لمواجهة كل التحديات والمخاطر .
من هنا فإن تجديد المشروع الوطني يقتضي إعادة صياغة العلاقة بين مكونات المجتمع والوطن الواحد على أسس العدالة والمساواة واحترام الخصوصيات الثقافية لكل مكون وتعبير اجتماعي. فالوحدة ليست فرضاً وقهراً بل هي تعبير عميق عن مشاركة الجميع في صنع الحقائق والمنجز الوطني . وكل الوحدات التي بنيت بالقهر وتغييب إرادة المجتمع بكل تنوعاته، كان مآلها الفشل والتشظي .
لذلك فإن تجديد المشروع الوطني يبدأ بإعادة صياغة الوعي الوطني تجاه ذاته ووحدته . فالوعي الذي ينبذ التعددية ويحارب التنوع ويتوجس خيفة من الاختلاف، لا يخلق وحدة صلبة في المجتمع الواحد . لأنه وعي يشرع للقهر والتغييب والعمل بعيداً عن إرادة المجتمع وطموحاته وحقائقه.
أما الوعي الذي يتشكل من خلال الحوار والتبادل المعرفي والاحترام المتبادل بين كل المكونات، فإنه قادر على نحت ونسج علاقة جديدة بين مكونات المجتمع والوطن . هذه العلاقة التي تدفع بجميع التعبيرات للمساهمة الفعالة في بناء الوحدة وصيانة المنجز والمكاسب.
فالوحدة الصلبة والحقيقية هي ناتج مجموع إرادة الجميع وكفاحهم وسعيهم المتواصل لبناء واقعهم ومستقبلهم. فالوحدة ليست مقولة مفرغة من مضمونها الإنساني والحضاري، بل هي عنوان لتآخي وتكاتف وتفاعل كل التعدديات والتنوعات الموجودة في المجتمع والوطن . فالوحدة في المجتمع والوطن، لا تبنى بسياسات التغييب والإقصاء والتهميش ، بل بإفساح المجال لكل المكونات للمساهمة في الشأن العام .
وعليه فإن تجديد المشروع الوطني في هذه اللحظة التاريخية الهامة، يقتضي الالتزام بالعناصر التالية:
1- تجديد الوعي الوطني بحيث لا يكون المختلف موضوعاً للنبذ والكراهية والعداء، بل هو فضاء للحوار والتفاهم والاحترام . كما أن العلاقات الداخلية بين مكونات المجتمع، بحاجة أن تقوم على أسس المعرفة المتبادلة التي تقود إلى توسيع المشتركات وضبط الاختلافات في حدود لا تضر بمفهوم الاستقرار والسلم الاجتماعي . لذلك كله فإن الخطوة الأولى في مشروع التجديد الوطني، هي في تجديد رؤيتنا جميعاً لذواتنا ولمكونات الوطن الثقافية والاجتماعية. بحيث تقودنا هذه الرؤية إلى المزيد من التعارف والتواصل ونسج العلاقات والتعاون على قاعدة التفاهم والاحترام المتبادل .
2- إن الوحدات الداخلية والوطنية في كل دول المنطقة، لا تبنى بسياسات القمع والإقصاء ونهج التغييب وإفناء أو محاصرة الحقائق الثقافية والاجتماعية. بل على العكس من ذلك تماماً . إذ إن الوحدة لا تبنى إلا بصيانة حقائق التعددية في المجتمع . ومن يبحث عن الوحدة بعيداً عن مقتضيات احترام التعددية والتنوع الموجود في المجتمع، فإنه لن يحصد إلا المزيد من التفتت والتشظي الكامن والصريح . لذلك فإن تجديد المشروع الوطني، يقتضي العمل على تعزيز وبناء الوحدة الداخلية لكل مجتمعاتنا على قاعدة احترام التعددية وإفساح المجال القانوني لكل المكونات للتعبير عن ذاتها وثقافتها ومساهمتها في الحياة العامة.
فطريق الوحدة هو تعزيز خيار الحرية والديمقراطية في المجتمع . ولا يمكن بناء حقائق وحدوية صلبة ومتينة بعيداً عن الحرية وصيانة حقوق الإنسان . فالتنكيل بحقائق المجتمع العميقة، لا يفضي إلى استقرار ووحدة، بل إلى انهيار في أسس الاستقرار وعوامل الائتلاف والوحدة . من هنا وفي ظل هذه الظروف والتطورات الخطيرة ، نتطلع إلى الوحدة والاستقرار، ولا سبيل أمامنا لذلك إلا بإصلاح أوضاعنا وأحوالنا، وإطلاق الحرية لكل مكونات المجتمع لكي تعبر عن ذاتها بحرية وشفافية وتبدأ على هذه القاعدة بإنجاز دورها ووظيفتها في الوحدة والاستقرار .
3- من الطبيعي القول: أن تجديد المشروع الوطني لا يتحقق في الواقع الخارجي دفعة واحدة، وإنما هو بحاجة إلى مدى زمني، حتى يتحول هذا المشروع من القوة إلى الفعل ، ومن النظرية إلى التطبيق . إلا أن الشيء المهم والذي نشعر بأهميته وضرورته على هذا الصعيد، هو وجود جدول زمني يحدد نقطة الانطلاق والبداية في مشروع التجديد والتطوير .
فلا يكفي اليوم أن يتم الحديث المجرد عن التجديد والتطوير، وإنما هناك حاجة ماسة إلى تحديد مدى زمني لعملية التجديد والتطوير . وبدون هذا الجدول الزمني وتحديد نقطة الانطلاق، سيتم التعامل مع شعارات التجديد والتطوير كمحاولة لكسب الوقت وتمييع القضية.
ولا ريب أن تأجيل قضية تجديد المشروع الوطني سيفاقم من المشكلات والتحديات، وسيدخل المجتمع في أتون مرحلة وظروف صعبة وشائكة على مختلف المستويات .
وإن تجديد المشروع الوطني هو قبل كل شيء موقف جديد من المواطن . موقف يحول دون الاستمرار في تهميشه، فهو قادر على المشاركة في صياغة حاضره وبناء مستقبله، وهو الأنسب للتعبير عن حاجاته وطموحاته، لهذا فإن إعادة الاعتبار للمواطن على مختلف المستويات، هو حجر الزاوية في مشروع تجديد المشروع الوطني .   
 وعليه وعلى ضوء تطورات المنطقة المتسارعة وأحداثها الخطيرة، نحن بحاجة اليوم في كل دول المنطقة إلى تجديد مشروعنا الوطني وتعزيز وحدتنا الداخلية، من أجل استيعاب تطورات الساحة ومجابهة الأحداث التي تعصف بالمنطقة وتقودها إلى مناطق ومجالات مجهولة .
ولعلنا لا نجانب الصواب حين القول : أن قوة الدول وعزتها ، تقاس بمدى تمثيلها لمواطنيها. فإذا كانت دولة المواطنين جميعا ، فإنها ستمتلك كل أسباب القوة والمنعة والعزة. أما إذا مارست الإقصاء والنبذ لبعض مواطنيها ، فإنها بذات القدر ستخسر من قوتها ومنعتها . لذلك فإننا نتطلع أن تكون الدولة في الخليج دولة للجميع ، في الحقوق والواجبات ، والمسؤوليات والخدمات .
وحده الوطن المنفتح والمتفاعل مع خصوصيات مواطنيه ، القادر على تأسيس وحدة وطنية صلبة ومتينة . فالوحدة لا تبنى عبر دحر الخصوصيات وخنق التنوعات ، وإنما عبر خلق المناخ السياسي والقانوني لكل الخصوصيات والتنوعات الموجودة في المجتمع الخليجي ، لكي تمارس دورها ووظيفتها في بناء وحدة الوطن وتعزيز لحمته الداخلية. فالعلاقة جد عميقة وصميمية بين مفهوم الوحدة وبين احترام الخصوصيات والتنوعات وتهيئة المناخ السياسي والاجتماعي لمشاركتها في البناء والعمران .

قضايا ملحة :
1)    حين الحديث عن طبيعة العلاقة بين مختلف المكونات المذهبية في الخليج ، لا يمكن نكران الدور الذي تمارسه مؤسسة الدولة . إذ أن بعض الظواهر السيئة التي تكتنف العلاقة بين هذه التعبيرات ، تعود إلى طبيعة الدولة وخياراتها السياسية والثقافية والاجتماعية .  يعود إلى  طبيعة وبنية الدولة الخليجية المعاصرة . ويبدو لي أن إدارة التنوع على نحو ايجابي وحضاري ، يتطلب في الدرجة الأولى العمل على تأسيس الدولة في المجال الخليجي على أسس المواطنة وأنها مؤسسة الجميع وليست مؤسسة مذهبية أو عرقية أو قبلية .
فالتهميش أو سوء العلاقة بين مكونات المجتمع الخليجي  لا يعكس بالدرجة الأولى  أزمة دينية في المجال الخليجي ، بل يعكس بالدرجة الأولى أزمة سياسية تتجسد في المقام الأول في بنية الدولة الخليجية المنغلقة وذات البناء العصبوي الضيق . فالسلطة بكل أجهزتها الردعية ، هي التي تتعامل مع حقائق التنوع في المجال الخليجي . ولا خروج من هذا النسق السيء في التعامل مع حالات التعدد والتنوع إلا ببناء الدولة الجامعة والحاضنة لكل التنوعات والمستوعبة بنظامها السياسي المرن إلى كل التعدديات .
2)    في دور البيئة الخارجية في إثارة النزاعات  الطائفية :
 أود هنا أن أوضح حقيقة أساسية مفادها :  إننا نفرق بين مفهوم الانتماء بكل دوائره ومستوياته ، فانتماءات الإنسان الفرد والجماعة في غالب الأحيان ، لا كسب للإنسان فيها . بمعنى أن ولادة الإنسان في أي بيئة ، هي التي تحدد انتماءه  الديني أو المذهبي .
فهي انتماءات تاريخية توارثها الناس ، دون إعمال  العقل أو ممارسة النقد تجاه مسلمات ذلك الانتماء . وفي المقابل هناك مفهوم الولاء وهو مفهوم ديني – سياسي ، في غالب الأحيان  الإنسان الفرد والجماعة بوعي وقصد وإدراك يختارون من يوالون ومن يبغضون.
فالانتماءات المذهبية أو الدينية ، لا تتحول إلى بيئة إلى الامتداد المتجاوز لحدود  الأوطان ، إلا إذا كانت البيئة السياسية والاجتماعية طاردة ونابذة لتلك الانتماءات . فالشيعة في الخليج ليسوا امتدادا سياسيا لإيران ، وإنما هم في غالبيتهم ومن خلال نخبهم الدينية والسياسية جزء أساسي من أوطانهم .
وعلاقتهم بإيران ، لا تتعدى العلاقة الدينية –  الثقافية . ووجود محاولات لنقل هذه العلاقة إلى موقع التبعية السياسية ،  يحمل الجميع في الخليج ، الدول والمجتمعات ، مسؤولية العمل لبلورة مشروع وطني متكامل يعمق خيار الاندماج الوطني ، ويسد الثغرات ، ويجسر العلاقة بين مختلف المكونات والتعبيرات .
3)    في سياق الآليات المطروحة لاحتواء النزاعات الطائفية، أود التأكيد على الخيار التالي: بناء الدولة المدنية ، التي تجسد إرادة المواطنين جميعا ، ولا تميز بين المواطنين لدواع ومبررات ليست قانونية وإنسانية.
فهي دولة جامعة وحاضنة لكل المواطنين ، ومحايدة  تجاه عقائدهم وانتماءاتهم التاريخية.
والعلاقة جد وطيدة بين مفهومي المواطنة والدولة المدنية ، إذ كل مفهوم يستند إلى الآخر لاستمراره وتجذره في الفضاء الاجتماعي .
وعليه فإننا نرى أن أحد الخيارات الحيوية المطروحة اليوم في الواقع الخليجي لاحتواء نزاعاته الطائفية والمذهبية ، هو العمل على توفير العناصر التالية :
1- المواطنة التي تمارس دورها في الشأن العام بدون خوف أو تردد. وتحصل على حقوقها بصرف النظر عن دينها أو مذهبها أو عرقيتها .
2- مؤسسات المجتمع المدني ، التي تأخذ على عاتقها استيعاب طاقات المجتمع وتبلور كفاءاته ، وتساهم في علاج مشكلاته و أزماته .
3- الدولة المدنية الملتحمة في خياراتها الاستراتيجية مع خيارات مجتمعها ، والساعية نحو إزالة كل رواسب الدولة التسلطية من واقعها ومؤسساتها وهياكلها المختلفة .
ووحده الإصلاح السياسي الحقيقي ، هو بوابة تحقيق هذه العناصر ، واحتواء موجبات وأسباب التوتر الطائفي في المجال الخليجي.
4- التنوع الطائفي والعلاقة مع الخارج :
لعل السؤال الجوهري في هذا السياق ،  الذي يبحث عن إجابات عميقة هو : كيف ينبغي أن تكون علاقة الأطر الأثنية والقبلية والمذهبية والدينية مع امتداداتها في الخارج؟
السلطات السياسية ، ومنذ الصراع العثماني – الصفوي ، نظرت إلى هذا الامتداد بريبة وشك متواصلين ، واعتبرت الوجودات المذهبية والأثنية ، ماهي إلا طابور خامس لذلك الوجود المذهبي أو الإثني الكبير. وأصبح هذا الوجود يدفع ضريبة هذا الفهم عبر التاريخ.
وإننا نرى أنه ينبغي أن ينظر إلى هذه المسألة ، ليس من زاوية دينية أو مذهبية محضة ، وإنما من زاوية  سياسية – اجتماعية .
بمعنى أن الإنسان الفرد والجماعة ، حينما تلبى مطالبه النوعية ، ويندمج وطنيا واجتماعيا ، وتزال كل عوامل التفتيت والتشظي الاجتماعية والسياسية والثقافية ، فإنه سيبذل كل غال ونفيس في سبيل الدفاع عن هذا الوجود والواقع.
فالمزيد من الانفتاح الوطني والاستيعاب الاجتماعي والسياسي، هو الذي يحول على الصعيد العملي دون علاقة غير سوية بين الوجودات المذهبية وامتداداتها الخارجية.
والأمن والسلم الذي يعيشه الإنسان الفرد أو الجماعة ، هو الذي يحدد طبيعة علاقة هذا الإنسان بالخارج وامتداده الإثني أو المذهبي . أي أن الإنسان حينما يفقد أمنه وسلمه المجتمعي في وطنه، فإنه سيبحث عن علاقة مفتوحة مع الخارج، توفر له الأمن والسلم المفقودين. أما إذا تحقق أمن الإنسان وسلمه، فإن علاقته مع الخارج المذهبي أو الإثني، ستكون علاقة انفتاح وتفاعل، لا علاقة تبعية وخضوع.
وإن خطاب هذه الوجودات يتصاعد في الالتزام بالقضايا الوطنية، كلما تحسنت علاقة السلطة السياسية بهذه الوجودات .
5-إننا اليوم كخليجيين بحاجة إلى مقاربة جديدة للتعامل مع المشكلة الطائفية. وأود هنا أن أطرح هذه المقاربة  للتعامل مع المسألة المذهبية في المجال الخليجي ، من خلال النقاط التالية:
1- إن المشكلة الطائفية، ليست خاصة بأهل الطائفة، وإنما هي مشكلة وطنية، ينبغي التعامل معها على هذا الأساس، كأي مشكلة وطنية أخرى، تحتاج إلى تظافر جهود الجميع من أجل معالجتها ومنع تأثيراتها السلبية على النسيج الاجتماعي والسياسي.
2- إن ثقافة الاستئصال والفصل بين مكونات المجتمع الواحد، على أسس طائفية ومذهبية، لا يبني استقرارا, ولا يحرر المجتمعات من عقدها وتوتراتها التاريخية والمعاصرة، وإنما يزيد من أوار التوتر ويفاقم من مشكلات المجتمع. وأحداث التاريخ تعلمنا أن المجتمع الذي يحتضن تعدديات وتنوعات، لم يبن استقراره بنهج الاستئصال والتهميش وبناء الكانتونات المنعزلة، وإنما تم بناء الاستقرار، بثقافة الاستيعاب والمرونة السياسية وتنمية الجوامع المشتركة، وبناء العلاقة على أسس المواطنة المتساوية، واحترام ثقافي وقانوني لكل الخصوصيات والحيثيات.
والمنطقة اليوم حيث تكثر العناوين المذهبية، وتتزايد التوترات السنية- الشيعية في أكثر من موقع، أحوج ما تكون إلى ثقافة الوصل والاستيعاب، وتفكيك نزعات الغلو والتطرف ومحاولات المفاصلة الشعورية والعملية بين أبناء الوطن الواحد على أسس طائفية ومذهبية.
3- إن الوقائع الطائفية التي تجري اليوم في أكثر من بلد عربي  , ليست مدعاة للاصطفافات الطائفية والتمترسات المذهبية، وإنما هي مدعاة للوحدة وبناء حقائق الائتلاف والتلاقي بين مختلف التكوينات المذهبية، وخلق الإرادة العامة والجماعية لمعالجة تلك الوقائع الطائفية المقيتة.  
فليس مطلوبا من النخب الثقافية والعلمية والسياسية، في ظل هذه الظروف الحساسة، التمترس المذهبي والتخندق  الطائفي، وإنما المطلوب هو العمل على معالجة كل الوقائع الطائفية، التي تضر الجميع ولا يربح فيها أحدا.
فالمسألة الطائفية في المنطقة الخليجية ، لا تعالج بالانكفاء والعزلة، ولا تعالج بتوتير الأجواء وخلق الخطابات المتشنجة التي تزيد المشكلة اشتعالا. وإنما تعالج بالوعي والحكمة والإرادة العامة التي تفكك المشكلة، من موقع التعالي عن الاصطفافات الضيقة . فالنخب العلمية  والثقافية في المجال الخليجي ، ينبغي أن تكون جزءا من الحل، وليس جزءا من المشكلة. وإننا مهما كان الوضع على الصعيد المذهبي صعبا ومتوترا، ينبغي أن نستمر في حمل مشعل الوحدة والتفاهم والتلاقي والتسامح والاعتراف بالآخر والاحترام المتبادل.
4- إن الخطابات الأخلاقية والوحدوية بوحدها، لا تعالج المشاكل المذهبية والطائفية. وثمة ضرورة فائقة لإسناد هذه الخطابات والتوجيهات الأخلاقية، بسن منظومة قانونية متكاملة، تجرم وتعاقب كل من يسئ إلى مقدسات الآخرين.
وندعو هنا  كل الدول الخليجية ، والتي تحتضن في مجتمعها تعددية طائفية أو مذهبية، إلى الإسراع في سن القوانين، التي تجرم أية ممارسة تمييزية بين المواطنين على أسس مذهبية، وتحث من موقع القانون والإجراءات الدستورية والإدارية إلى الدمج بين المواطنين، وجعل قاعدة العلاقة على كل المستويات هي قاعدة المواطنة بصرف النظر عن الانتماء الطائفي أو المذهبي للمواطنين.
إننا نعتقد أن هذه المبادئ، تساهم إذا توفرت الإرادة السياسية والاجتماعية، في خلق بيئة سياسية وثقافية واجتماعية مناسبة،  لإدارة حقيقة التعددية المذهبية في مجالنا الخليجي على أسس جديدة، تخرجنا جميعا من أتون التوترات والهواجس الدائمة. وإننا بذات القدر الذي ندعو إلى الإنصات إلى حقيقة التعددية المذهبية، وتلبية متطلباتها الثقافية والاجتماعية، بذات القدر نرفض تأسيس العلاقات بين أبناء الوطن والمجتمع الواحد على أسس طائفية- مذهبية.
فنحن مع الانفتاح القانوني والسياسي والثقافي على واقع التعددية المذهبية ، وحماية هذا الواقع قانونيا وسياسيا وثقافيا ، وضد نزعات الانكفاء الطائفي بكل مبرراتها وأشكالها .
6- لا ننكر إن لبعض هذه التوترات والمآزق الطائفية في المنطقة العربية بواعثه الاقتصادية والتنموية. فحينما تغيب مشروعات التنمية المتوازنة، وتتضاءل المشروعات الخدمية الضرورية، تلجأ المجتمعات إلى انتماءاتها التقليدية. ويكون هذا الإطار التقليدي هو العنوان الخارجي الذي تعبر فيه هذه المجموعة البشرية أو تلك عن ظلامتها الاقتصادية أو التنموية أو الخدمية. فعدم التوازن في التنمية وتوزيع الموارد وفرص العمل، كلها عوامل وحواضن تثير الكثير من التوترات.
ولاعتبارات ثقافية واجتماعية، يتم التعبير عن هذا الخلل في التنمية وتوزيع الموارد وفرص العمل، بعناوين دينية أو مذهبية أو ثقافية.
وعليه فإن المعالجات الحقيقية للمشكلة الطائفية، لا تتجسد في العوامل الثقافية ( مع أهمية هذه العوامل في استقرار المجتمعات المتعددة ) ، وإنما في الإصلاحات السياسية والدستورية والاقتصادية، التي تقر بتوزيع عادل لمشروعات التنمية والموارد العامة.
فالتوترات الطائ


السيد محمد حسين فضل الله – فقيه المفكرين ومفكر الفقهاء

9 أغسطس 2011
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

مفتتح :

لم يستطع أحد أن يحول موضوعات العالم الخارجي – الطبيعي والإنساني – إلى موضوع للتأمل ولإنتاج المعارف والأفكار والتصورات والأنساق النظرية كما استطاع العالم ذلك ، محولا عملية التفكير (وهي نشاط ذاتي ) إلى ممارسة اجتماعية تنشأ عنها بنيات ذهنية تصير ( بفعل التمثل الجماعي لها ) إلى حقائق مادية موضوعية .. نظرتنا المنظمة إلى الكون وإلى المجتمع والمؤسسات وظواهر الوجود المختلفة تدين إلى الفعالية العلمية التي مارسها هذا الكائن المتميز عبر التاريخ .. إنها مساهمته الكبرى في المجتمع والحضارة والتاريخ ، في تحقيق الإدراك الإنساني للعالم ..

فالعالم شاهد عصره ، ورسول ربه من دون وحي أو نبوة ، ونذير الناس في كل ما يواجههم من قضايا ومشاكل في الحاضر والمستقبل إنهم ورثة الأنبياء في العلم والدعوة ، فلا بد أن تقوم بهم الحجة على الناس من خلال ما يريد الله لهم أن يكونوا في مستوى إقامة الحجة عليهم من قبله ، تماما كما هو النبي الذي تقوم به الحجة على الناس من قبل الله .. وهم أمناء الرسل ، فلا بد لهم من الارتفاع إلى المستوى الرفيع من وعي الحياة بالإضافة إلى وعي الإسلام ، لأنه لا معنى لقيادة لا تعرف كيف تخطط لحركتها ، أو تواجه جمهورها بالتوعية الشاملة ..  

وسماحة السيد المرجع الديني محمد حسين فضل الله ( رضوان الله عليه ) ، هو أحد أعلام الأمة وعلمائها ، الذي جسد مفهوم العالم في حركته المعرفية والفكرية والسياسية والاجتماعية ، وكان لعطاءاته الفكرية وجهوده الإصلاحية الدور الأساسي في مسيرة العديد من الوجودات والمجتمعات العربية والإسلامية ..

وشكل العلامة فضل الله خلال الخمسة عقود الماضية ، نموذجا ومدرسة متكاملة في الفكر والعطاء والممارسة السياسية ، وهي تجربة ثرية تستحق البحث والتفاكر المشترك حولها والدراسة المتأنية حول حركة تطورها التاريخي ومآلاتها المستقبلية ، وأهم الدروس والعبر التي يمكن أن نخرج بها من خلال دراسة تجربة هذه الشخصية الرسالية الفذة ..

وهذه الدراسة هي محاولة في هذا السبيل .. وهي تتكون من ثلاث محاور :

المحور الأول : الإطار النظري الذي يوضح بعض المقدمات النظرية والفكرية التي تساهم في فهم واستيعاب حركة السيد فضل الله .. وتجربته متعددة الجوانب ..

المحور الثاني : بيان أهم خصائص هذه التجربة ، التي تركت تأثيرات عميقة في مسار العمل الإسلامي في العصر الحديث ..

والمحور الثالث : دروس مستفادة من هذه التجربة ، نعمل على تظهيرها ، حتى تكون جزء من وعينا وحركتنا الراهنة ..

المحور الأول مقدمات نظرية :

    1-في معنى التجربة الإنسانية

ثمة ضرورات اجتماعية ومعرفية، لدراسة التجارب الدينية والفكرية والسياسية.. لأن هذه التجارب، تمثل إضافة نوعية في مسيرة الأمة.. والعمل على دراستها التأمل في أحوالها وإدراك طبيعة التطور الذي حدث فيها، كلها تساعد في استيعاب هذه التجارب وأخذ العبر والدروس منها ..

فالمجتمع حين دراسته لتجارب علماءه ومصلحيه ورواده ، لا يبدأ من الصفر ، وإنما يبدأ من حيث وصلت إليه هذه التجارب .. بمعنى إنه سيتجاوز العديد من القضايا والأمور ، التي تم بحثها في العطاء الفكري لهذه الشخصية ، أو الجهد الإصلاحي الذي بذله هذا العالم أو ذاك الفقيه ..

ولعل من أهم مؤشرات الحيوية والفعالية في أي مجتمع ، حينما يسارع إلى إخضاع تجاربه المختلفة إلى الفحص والدراسة والمراجعة .. لأن هذا أحد المعطيات الأساسية التي تجعلنا ندرك أن هذا المجتمع بنخبته الدينية والثقافية والاجتماعية ، ينشد التطور والتقدم ، ويعمل على مراكمة عناصر القوة في مسيرته وتجربته .. ودراسة تجارب العلماء والمفكرين والإصلاحيين ، هي أحد روافده لتحقيق ذلك ..

، ولاريب أن تسجيل التجارب وفحصها يساهم في أن تتعرف الأجيال الطالعة باستمرار على تجارب الأمة في مسيرة الإصلاح الديني أو التغيير الثقافي والاجتماعي ..

.. ونحن هنا لا نود الترويج لهذه الأطروحة أو تلك ، وإنما ما نود بيانه أن التجارب الإنسانية وبالذات في الحقول الدينية والفكرية والسياسية ، بحاجة دائما إلى التفاكر المشترك حولها والدراسة المتأنية حول حركة تطورها التاريخي ومآلاتها المستقبلية ..

وفي سياق التأكيد على ضرورة الاهتمام ، بتوثيق التجارب وقراءتها قراءة فاحصة وموضوعية للاستفادة القصوى منها على صعيد الراهن والمستقبل أود التأكيد على النقاط التالية :

1-إن القراءة العلمية والموضوعية تقتضي قراءة هذه التجارب بمختلف مراحلها وأطوارها في إطار سياقها التاريخي وشروط الزمان والمكان الذي تبلورت فيه هذه التجربة أو تلك الممارسة .

لأنه لا يمكن أن نفهم التجارب على حقيقتها ، إذا ألغينا سياقها التاريخي أو شروطها الاجتماعية والثقافية والسياسية التي نتجت في ظلها أو تحت تأثيرها .. فمفارقة السياق التاريخي للتجارب الإنسانية ، يساهم في تشويه قراءة التجربة ، أو تحميلها شروط زمان غير زمانها ، أو مكان مختلف في خصوصياته وشروطه عن مكانها .. لهذا من الضروري أن تقرأ هذه التجارب في ظل سياقها التاريخي وشروطها الاجتماعية وظروفها السياسية والثقافية ، حتى يتسنى للقارئ أو الباحث قراءة التجربة قراءة صحيحة ودقيقة وبعيدا عن عملية المسبقات الأيدلوجية أو الإسقاطات التاريخية والاجتماعية .. فالمطلوب دائما قراءة تجاربنا وتجارب غيرنا من خلال معرفة سياقها التاريخي وظروف نشأتها المختلفة .. لأن هذه القراءة السياقية هي التي تفتح عقولنا ونفوسنا ، لاكتشاف عناصر القوة في التجربة ، وكيف تمكن أصحابها من اجتراح فرادتهم في ظل ظروف وسياقات مجتمعية ليست مواتية .. فالمطلوب ليس الانبهار بالنتائج ، وإنما معرفة كل الأسباب والعوامل التي أسهمت في صناعة التجربة وتذليل كل الموانع والعقبات ..

2-لأن التجارب الإنسانية متعددة الوجوه والصور . فهي ( أي التجارب ) توفر إمكانية حقيقية للنظر إليها من أكثر من بعد وزاوية .. لهذا فإن من الخطأ الذي يصل إلى حد الخطيئة ، حينما يتم النظر إلى التجارب الإنسانية من زاوية واحدة فقط .. وإنما من الضروري أن تتعدد زوايا النظر والقراءة للتجارب الإنسانية ، وذلك حتى تتمكن جميع القراءات أن تنجز رؤية متكاملة أو قريبة من التكامل لهذه التجربة أو تلك .. فالقراءة المتكاملة والشاملة للتجارب ، هي التي تخرجنا من محنة الانبهار الأعمى بالمنجز دون الاستفادة الحقيقية منها .

وأود هنا أن أؤكد وبالذات على المنبهرين بالتجربة ، والذين هم وبدوافع نفسية معروفة ، يصرون على أن تكون قراءتهم للتجربة هي القراءة الصحيحة وهي التي تحضا بالقبول والرضا ..

فالتجارب مهما كان قرب الإنسان من صانعها ، ليست ملك أحد ، بل هي ملك الإنسان والمجتمع ، وبإمكان كل باحث إذا تسلح بسلاح العلم والمعرفة والموضوعية أن يقرأ هذه التجربة ، من الزاوية التي يراها مناسبة ، وبالطريقة التي تمكنه من فحص كل جوانب وزوايا التجربة ..

وفرص الاستفادة من التجارب ، تتضاءل حينما تقرأ هذه التجارب بنمط واحد وبزاوية واحدة فقط .. فالتجارب الإنسانية لن نتمكن من اكتشاف ثراءها وحيويتها ، إلا بقراءات متعددة لها في كل مراحلها وأطوارها ..

3- إن المجتمعات المتقدمة والتي تسعى دوما للقبض على أسباب التقدم والتطور ، تعمل عبر وسائل عديدة لقراءة تجاربها والإفادة منها .. لأنها جزء من ثروتها الإنسانية والمعرفية ، والتي تحتاج بشكل دائم إلى الفحص والاكتشاف واستيعاب دروسها وميكانزمات حركتها وتطورها الأفقي والعمودي .. لذلك فهي تعمل على تشجيع المؤسسات والمعاهد البحثية إلى العناية بالتجارب وضرورة قراءتها قراءة واعية ونقدية وبعيدا عن نزعات الإطراء والتهريج الإعلامي ..

لهذا فإن هذه المجتمعات وعبر ما توفره من دراسات وأبحاث معمقة وجادة لتجاربها ، تمتلك القدرة على تجاوز أخطائها وعثراتها .. لأنها درست أخطاءها بعمق وبعيدا عن نزعات التبرير والتسويغ .. لهذا فإن علاقة المجتمعات المتقدمة بماضيها وتجاربها السابقة ، ليست علاقة مرضية ، لا تستطيع الانعتاق منها .. وإنما هي كأي تجربة إنسانية ، ينبغي أن تخضع للدراسة والفحص الموضوعي ، ويتم من خلال هذه الدراسات الوصول إلى نتائج جديدة ، يتم الاستفادة منها في الأيام القادمة ، دون الانحباس المرضي في شرنقة التجربة أو التعامل معها بوصفها تجربة إنسانية نهائية لا يمكن تجاوزها معرفيا واجتماعيا ..

فالتجارب الإنسانية تقرأ بوعي وموضوعية دون التوقف عن العمل والبحث عن الفرادة .. وهذه العناصر هي المطلوبة لإنجاز مفهوم التجاوز المعرفي والفلسفي للتجارب التي يمر بها الإنسان سواء كان فردا أو جماعة .. فالتجارب الإنسانية لن تبلغ رشدها ، إلا بفحصها وقراءتها بعمق وتمعن وفي سياقها التاريخي وضمن شروطها الاجتماعية وظروفها السياسية وآفاقها الثقافية .. 

   لهذا فإننا نشعر بأهمية تدوين تجاربنا الوطنية والفكرية والسياسية والاجتماعية ، والعمل على فحصها ودراستها من قبل مختصين ومهتمين ، وذلك من أجل تحديد عناصر القوة لتعزيزها في فضائنا الاجتماعي والوطني .. ومعرفة عناصر الضعف التي ينبغي أن تتراكم كل الجهود من أجل إنهاء وجودها وتفكيك حواملها الأساسية التي تضر بواقعنا الوطني ومستقبله ..

فلننفتح جميعا على تجارب بعضنا البعض ، ليس من أجل توفير مادة للسجال وإنما من أجل اكتشاف الطريق المناسب والحيوي لنهضتنا الوطنية في مختلف المجالات ..

 

2- جذور التحول الثقافي 00مقاربة نظرية

يتضمن النص القرآني العديد من الآيات والشواهد التاريخية ، التي تؤكد على ضرورة أن يراجع الإنسان أفعاله ، وينقد ممارساته من أجل تقويمها بما ينسجم والقيم الإسلامية العليا . فالباري عز وجل يقسم بالنفس اللوامة ويعلي من مقامها ، لأنها تمارس عملية اللوم والمراجعة والمحاسبة والنقد كي تصل إلى المستوى المثالي في التعامل مع الأمور والأشياء . فقد قال تعالى [ ولا أقسم بالنفس اللوّامة ].

والقسم الرباني بالنفس اللوامة يوضح قيمتها في حركة الوجود الإنسانية في ارتفاعه إلى الأعلى ، بوصفها بأنها تعمل على تخفيف الأثقال الروحية والأخلاقية والاجتماعية التي تشد الإنسان إلى الأسفل ، لينطلق من موقع إنسانيته في حالات الصفاء الروحي الذي ينفتح به على الله عز وجل .

وبذلك كانت تمثل قمة النموذج الإنساني في أصالة التجربة الحية الواعية في حركة الحياة في داخله . فمقتضى عمق اللوم على الغفلة ، وعلى التقصير ، لا يترك النفس سادرة في هواها وفي غفلتها ولا يقف بها في أجواء اللامبالاة فيما يثار حولها من قضايا ، لا سيما إذا كانت القضية تتصل بالمصير الأبدي ، مما يجعلها في مستوى الأهمية الكبرى في مواقع الفكر والإيمان . 

والقرآن الحكيم يثير فينا حس النقد الذاتي ، عن طريق تذكيرنا بحقيقة وجدانية ، ألا وهي بصيرة الإنسان على نفسه ، فإنه قبل الآخرين شاهد عليها وعالم بواقعها ، مهما توسل بالأعذار والتبريرات الواهية .   يقول تبارك وتعالى [ بل الإنسان على نفسه بصيرة ، ولو ألقى معاذيره ] .

ويؤكد القرآن الحكيم في الكثير من الآيات أيضا على مراجعة تجربة دعوات الأنبياء وتشخيص سلوك المجتمعات الغابرة ومواقفها ، حتى نتمكن من الاستفادة منها وأخذ العبر والدروس من محطاتها وانعطافاتها . كما ينتقد القرآن الكريم تقليد الآباء والأجداد . قال تعالى [ بل قالوا إنا وجدانا آبائنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون ، وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجـــدنا آبائنا على أمة وإنا عـــلى آثارهم مقتدون ] .

وبهذا أسس الإسلام عقلا برهانيا ونقديا لدى الإنسان المسلم ، وهذه هي البذور الأولى لمشروع النقد والمساءلة لظواهر الحياة الطبيعية والإنسانية . ولا ريب أن هناك جملة من العلوم قد تطورت وتأسست في الفضاء الحضاري الإسلامي من جراء هذه العقلية البرهانية ـ النقدية . فعلم الجرح والتعديل وعلم الحديث ونقد الرواية كلها علوم تبلورت ونضجت من جراء العقلية النقدية الإسلامية .

والنقد كعملية ثقافية ـ معرفية ، هو عبارة عن فحص لكل ما هو سائد في سبيل واقع آخر مضاد له وفقا لنموذج أو تصور مستقبلي .   " فالنقد يعني : الفحص والاختبار ووضع كل شيء في ميزان العقل والاحتكام إلى معاييره " .

ولكن ومع هذا التأكيد القرآني والإسلامي ، على ضرورة المراجعة والنقد ، إلا أن واقع المسلمين يخلو من هذه القيمة ، بل هناك بعض المساحات الاجتماعية التي ترذلها . ولا ريب أن لهذا الغياب أسبابه وعوامله الثقافية والاجتماعية والنفسية . فالقناعات النفسية والثقافية التي لا تراجع ، ويتم التعامل معها كحقائق ثابتة ، تدفع باتجاه التمتع بحق الطاعة والانقياد والإتباع ، دون أن يكلف نفسه ( صاحب القناعة الثابتة ) عناء مراجعة أفكاره وقناعاته ومساءلتها .

وبهذا تتراكم عوامل الغفلة والاستعلاء ، بحيث يتجاوز هذا الإنسان كل ممارسة نقدية ، ويحجم عن ممارسة كل محاسبة إلى سلوكه وأفعاله .   وهنا لا بد من بيان أن مجال النقد هو وسائل التطبيق الاجتماعي والسياسي والثقافي والتعليمي ، وذلك لأن الجمود عليها يعطل التقدم . وليس ثوابت الشرع وقيمه العليا . فالثوابت العقدية والتشريعية ليست موضوعا للنقد ، إنها موضوع للبحث والفهم .   وبطبيعة الحال فإن المحيط الثقافي التي تنمو فيه حالات ضمور الحس النقدي ، هو ذلك المحيط الذي يردع عن السؤال المساءلة ، ويقف موقفا سلبيا من الاختلاف الثقافي والفكري ، ويحارب الإبداع خوف الابتداع . وهذا يعمق نفسية عامة تحول بين الإنسان الفرد والجماعة وممارسة النقد والمراجعة والمحاسبة لكل ما هو سائد .   فالاختلاف المرذول والمذموم ، هو الناتج عن الهوى ، أما الاختلاف الناتج عن البحث الحر والموضوعي طلبا للحقيقة لا إتباعا للهوى فهو اختلاف مشروع ، وذلك لأنه طريق الوصول إلى الحقائق وهو الذي يثري الواقع والفكر والثقافة .   والنقد وفق هذا المنظور ، هو الذي يثري الساحة الثقافية بالمضامين الجادة ، كما أنه يفعل الساحة الاجتماعية باتجاه الأمور والقضايا الأكثر أهمية وجدية . فالنقد هو الممارسة الضرورية في الاختلافات الثقافية والمعرفية ، كما أن الحوار هو الوسيلة الفعالة الذي يمنع إصدار أحكام قيمة على الظواهر الثقافية ذات الشروط العامة والتاريخية .   ولا ريب أن غياب تقاليد النقد والمساءلة ، هو الذي يدفع الشعوب والأمم حين الهزائم إلى التشكيك الصارخ في كل ما هو سائد .

وهذا يقودنا إلى القول إننا بحاجة دائما أن نتعامل مع هزائمنا وانتصاراتنا بموضوعية بحيث إننا لو انتصرنا لا نصاب بداء الغرور والتعالي ، فنلغي الآخرين من خريطة الوجود التاريخي .. ولو انهزمنا ندرس أسباب هزيمتنا بشكل موضوعي وهادئ ، ودون أن يؤثر هذا على جوهر وجودنا وثوابت كياننا .   ولا شك أن للإنجازات أسبابها وعناصرها كما أن للإخفاقات عواملها . والرؤية الموضوعية تحتم علينا دراسة المسألة من جميع أبعادها ،  لإزالة عوامل الإخفاق وتأكيد عناصر النجاح والإنجاز .

ولا يوجد على المستوى التاريخي أن مجتمع مكتوب عليه أو قدره الهزيمة دائما أو الانتصار دائما .. وإنما هم ( الهزيمة والانتصار ) ظاهرتان إنسانيتان تتحكم فيهما جملة من العوامل الذاتية والموضوعية . فالمجتمع الذي تتوفر فيه عوامل المنعة والتفوق يحقق ذلك على الصعيد العملي ، والمجتمع الذي يتخلى عن تلك العوامل يصاب بالإحباط والتراجع والتقهقر . فالرؤية الموضوعية تعني ، الابتعاد عن التهويل والتهوين ، والبعد عن الشطط والمغالاة وعن اليأس والتيئيس الدافع إلى الاستقالة المعنوية الفردية والجماعية .

وإن فقدان الثقة بالذات من جراء نكسة أو هزيمة ، يؤدي حتما إلى الاستسلام إلى المنظومات الفكرية والثقافية للغالب .. وقد أشار إلى هذه المسألة ابن خلدون بقوله : أن المغلوب مولع دائما بمحاكاة الغالب والإقتداء به لأنه يعتقد أن انتصاره راجع إلى صحة مذهبه وعوائده .

كما أن تجريح الذات وجلدها على مختلف الصعد والمستويات ، ما هو في حقيقة الأمر إلا إخفاء لابتعاد المثقف أو المفكر أو الأديب والنخبة بشكل عام عن مواطن الإبداع الفكري والثقافي والأدبي وتحولهم في الكثير من الأحيان إلى إحالة للماضي وحجابا لعدم رؤية الحاضر .. فالقراءة الموضوعية إلى الظواهر الاجتماعية والإنسانية المفرحة منها والمحزنة تحتم علينا النظر إلى الأمور انطلاقا من أسبابها الحقيقية وعواملها المباشرة .

من هنا وتأسيسا على حقيقة التطورات السريعة التي تجري في العالم في كل تجاه ، تتأكد ضرورة التقيد بقوانين الموضوعية في دراسة التطورات والظواهر الاجتماعية والإنسانية الأخرى .. لأن توفر هذه القوانين هو الذي يمكننا من قراءة هذه التطورات والتحولات بشكل سليم ودقيق .

والفكر النقدي يقتضي :

 1- توفير أسس الفحص والمقدمات العقلية والنظرية لعملية المراجعة، إذ لا يعقل أن تتم المراجعة انطلاقا من ردود أفعال أو مماحكات سياسية أو سجالات اجتماعية . بل من الضروري أن تتوفر كل الأدوات النظرية والمفهومية والعدة التقنية التاريخية والمعاصرة لفحص الظاهرة فحصا موضوعيا متزنا .

 2-  التقيد بالمنهج الموضوعي دون جلد الذات أو تحميل الأخر المجهول أسباب الإخفاق وعوامل الهزيمة

وبهذا نتشبث بما يسمى بـ ( القوانين الموضوعية ) للظواهر الاجتماعية والإنسانية .. ومن هنا فإن الفكر النقدي يقتضي أيضا دراسة الظاهرة والكشف عن قوانين عملها وحركتها وعن طبيعة العلاقة التي تربط بين عناصرها المختلفة ..وعن طريق هذه الدراسة نصل إلى النتائج الأخيرة بعيدا عن المسبقات الفكرية أو الاجتماعية ، ونتعرف على الأسباب الموضوعية لنمو الظاهرة أو ضمورها .. إننا مع ضرورة المراجعة لمناهجنا العلمية والعملية ، لكنها تلك المراجعة التي تنطلق من حس المسؤولية الذاتية وتحمل الذات مسؤولية الإصلاح .

فالمراجعة والنقد جزء من مشروع الإسلام التربوي ، فلا فلاح بدون محاسبة الذات ومراجعة أفعالها وتقويم سلوكها والعدول عن الأخطاء والزلات . وبالتالي فإن النقد وفق هذا التصور مطلوبا ، لأنه سبيلنا إلى التطور والتجدد والتزكية .

3- النقد والوعي الاجتماعي

يعتقد الكثير من الناس أن الوعي الاجتماعي ، هو مجرد نصوص لفظية أو شعارات يلوكها لسان الإنسان ، وامتلاك القدرة على توصيف الواقع الاجتماعي بجملة من الكلمات والألفاظ البراقة ، يعتبر واعياً اجتماعيا ويضرب به المثال في هذا المجال ،ولقد أضاع هذه الفهم ومتوالياته النفسية والاجتماعية والثقافية ، الكثير من الفرص السانحة ، التي كان بإمكان المجتمع العربي ، لو كان يسوده وعي اجتماعي حقيقي ، أن يغتنمها ويترجمها ، إلى حــقائق اجتماعية وثقافيـــة تطور من واقعه ، وتنهي الكثير من مشاكلــه و أزماته .

ومن جراء هذا الفهم المغلــوط للــــوعي الاجتماعي ، تحولت فرص النمو والانطلاق ، في المجتمع العربي ، إلى مهاوي تزيد من تعقيد المشكلة وتضيف لها أبعاداً أخرى .

وتظهر أعراض هذا الفهم المغلوط لمقولة الوعي الاجتماعي ، في الكثير من الأعراض والمؤشرات والمسارات التي تسير على هداها المجتمع العربي . فهي أساليب التربية والتنشئة الاجتماعية ، تسود قيم التلقين والتلقي والفردية القائمة على نفي حاجة الإنسان إلى التعاون والتآلف مع الآخرين ، لذلك ينشأ الواحد منا وهو لا يفكر إلا في ذاته وفي حدودها الضيقة والآنية أيضاً .

وفي التنشئة الثقافية ، تسود قيم الفرادة الموهومة ووهم امتلاك ناصية الحقيقة المطلقة وضرورة الاكتفاء بما عندنا من علم وثقافة ، وكأن العلم والثقافة وصلا إلى حدودهما القصوى ، وهي مخزنة في صندوق ، وما علينا إذا أردنا العلم والثقافة إلا فتح الصندوق ، ودورنا ينحصر في استهلاك ذلك العلم المكتشف من ذلك الصندوق .

لذلك ومن جراء هذا التركيب المجتمعي القائم ، على فهم مغلوط أو ناقص لمفهوم الوعي الاجتماعي ، نخسر فرص النمو والتطور وتنقلب علينا بشكل سلبي وتتراكم في محيطنا عناوين ويافطات تبرر لنا هذا الواقع المعاش ، وبدون الاستطراد في بيان الأعراض والآثار السيئة للفهم المغلوط لمقولة الوعي الاجتماعي ، نحاول أن نوضح مقصودنا من هذه المقولة .

الوعي الاجتماعي هو عبارة عن جملة المفاهيم والأفكار والثقافات التي توجه حركة أفراد هذه المسألة و متوالياتها المتعددة . لــهذا يختلف الوعي الاجتماعي من مجتمع إلى آخر ، باختلاف المفاهيم المهيمنة على المسار الاجتماعي ، وطبيعة الفهم الإنساني إلى تلك المفاهيم والحوافز القصوى التي تخلقها المفاهيم في حياة الناس ، لذلك فإن الوعي الاجتماعي ، هو وليد فهم الناس إلى تاريخهم وحاضرهم وقيمهم العليا ، ونتاج التفاعل البشري مع الأطر النظرية المتاحة أو المتداولة .

وبهذا نستطيع أن نحدد مفهوم الوعي الاجتماعي بالعناصر التالية :

1)   مجموع المفاهيم والقيم المتداولة في حياة الناس ونظام التفاضل الموجود بينها.

2)   تفسير الناس وفق ظروفهم ومستوياتهم المختلفة ، إلى تلك المفاهيم والقيم.

 3) تجربة الناس اليومية في الالتزام بهذه المفاهيم ، ونظام علائقهــم الســـائد في أوساطهم ، وبينهم وبين الآخرين .

ووفق هذا المنظور ، فإن الوعي الاجتماعي ليس مفهوما ناجزاً ومكتملاً ، وإنما هو دائم التحول والتطور من جراء تحولات المجتمع المختلفة ، لذلك فإن بقاء الوعي الاجتماعي ثابتاً والواقع الاجتماعي متحركاً ومتغيراً هو الذي يؤسس لفهم مغلوط ومشوه لمعنى الوعي الاجتماعي ، من هنا فإن شرط الوعي الاجتماعي الفعال هو وجود فكر نقدي ، يدعم هذا الوعي ،ويرفده بالآفاق الجديدة ، ويؤسس لحالات تحول اجتماعي متواصل بهدف الرقي والتقدم الاجتماعي ، لهذا ينبغي أن لا نتشاءم أو ننظر بريبة وشك إلى كل الأفكار النقدية للعوائد والمسارات الاجتماعية وإنما من الأهمية بمكان أن نستوعب هذه الأفكار النقدية ونوفر لها الأطر الاجتماعية الطبيعية ، لكي تأخذ هذه الأفكار مسارها الطبيعي في التفاعل مع الواقع الاجتماعي وبهذا التفاعل تنضج الأفكار وتتبلور المسارات وتعم الحيوية الجسم الاجتماعي كله .

وتجارب المجتمعات ذات الوعي المتميز ، تؤكد لنا أهمية حركة النقد وضرورتها القصوى في خلق الوعي الاجتماعي الجديد فلولا الأفكار النقدية ، التي بثها فلاسفة التنوير في أوروبا وما أحدثته من وعي اجتماعي جديد لبقي الظلام والجمود سائدا في أوروبا فشيوع مفاهيم النقد البناء في المحيط الاجتماعي يبدد الجمود وينهي الرتابة ويبث الحيوية والحياة في أرجاء المجتمع ويزيد من مستوى المسؤولية العامة ويساهم في بلورة وإنضاج قوى اجتماعية جديدة ، تأخذ على عاتقها دور التجديد والتطوير في المحيط الاجتماعي .

وإن شيوع حالات الاضطراب والفوضى في بعض المجتمعات ، ليس من جراء حركة النقد السائد وإنما هو في حقيقة الأمر من جراء غياب أطر الاستيعاب لأفكار النقد الجديدة أو من ردود الفعل السلبية وذات الطابع الارتجالي تجاه الأفكار الجديدة . أما المجتمع الذي يوجد لنفسه القنوات الطبيعية لاستيعاب أفكار أبنائه الجدية ، فإنه سيتمكن من إضافة قوة جديدة إلى قوته وسيدخل دماء جديدة تنهي السكون وتحول دون تبلد وتكلس الحياة الاجتماعية .

لهذا فإننا نؤكد على ضرورة ، توفر الأطر المناسبة لاستيعاب وامتصاص الأفكار الجديدة ، والرؤى النقدية الهادفة إلى التطوير وإعادة صياغة وتشكيل الوعي الاجتماعي بما ينسجم ومتطلبات العصر وضرورات التقدم الاجتماعي .

ولا بد أن لا نستعجل في إطلاق الأحكام واتخاذ المواقف ، تجاه من أجتهد في سبيل تطوير وتجديد الوعي الاجتماعي . وأن التحليل العلمي النقدي للسائد اجتماعيا وثقافياً هو الذي يوفر الأرضية العقلية والنفسية لتجاوز البائد من ذلك السائد ،وإنهاء ما فيه من أنماط بالية ولقد حاول الدكتور ( هشام شرابي ) في كتابه " البنية البطركية .. بحث في المجتمع العربي المعاصر " . أن يوضح الصلة الضرورية بين الوعي الاجتماعي والفكر النقدي .

لهذا من الضروري أن نتعامل مع التحليلات النقدية لمسار المجتمعات العربية برؤية منفتحة – مستوعبة بعيدة كل البعد عن لغة النفي والتخوين – وإن النقد الهــادف في أحــد وجوهـــــــه الرئيسة ، يشكل شرطاً ضرورياً لتحقيق التطور الاجتماعي المأمول .

فلا وعي اجتماعي متجدد ، إلا بفكر نقدي ، ولا فكر نقدي بنــــاء ، إلا بــوجود أطر مجتمعية ، تستوعب تلك الأفكار وتموجاتها . وهكذا يصبح الفكر النقدي شرطا من شروط الوعي الاجتماعي الجديد ، بمعنى أن وعي المجتمع بذاته وبالآخرين وبدوره التاريخي ، لا ينجز إلا على قاعدة نقدية مستديمة ، تسائل السائد ، وتجعله على طاولة التشريح والتقويم . وضرورة الحفاظ على الوئام الاجتماعي ، لا تعني بأي شكل من الأشكال قسر الجميع وإرغامهم على نمط اجتماعي محدد . وإنما تعني حيوية التنوعات وفاعليتها في أثراء مفهوم الوئام الاجتماعي ، بأفكار ورؤى وآفاق جديدة .

وبالتالي فإن الإصرار على إيجاد مسافة تفصل الوعي الاجتماعي السائد ، عن الفكـــــر الـــنقدي ، يؤدي فيـــــما يؤدي إليه ، إلى شيوع حالة العجز التي تنتاب المجتمع تجاه مشاكله وتحدياته المصيرية .

وعليه فإنه لا مبرر للخوف من النقد وفحص المسلمات الاجتماعية ، لأن هذا النقد والفحص ، هو الذي يطرد العناصر السلبية والميتة من الفضاء الاجتماعي . والخوف الحقيقي ينبغي أن يكون ، حينما تغيب عمليات النقد ، وحينما تتضاءل فرص الفحص على وقائع المسيرة الاجتماعية . فالنقد ضرورة قصوى لسلامة المجتمع ، لأنه يتجه صوب نقاط الضعف ويعمل على تعريتها وفضحها ، ويشحذ الهمم لتوفير الإرادة المجتمعية القادرة على سد تلك النقاط . فلا قوة حقيقية لأي مجتمع تغيب فيه عمليات النقد والتقويم . فالقوة مرهونة بقدرة أبناء المجتمع على مساءلة سائدهم ، وفحص قناعاتهم العامة ، وذلك ليس من أجل إشاعة الفوضى والهدم ، وإنما من أجل طرد كل الأمراض التي قد تبرز في الفضاء الاجتماعي .

لهذا كله فإننا ندعو إلى عدم الخوف من النقد الاجتماعي والعلمي ، بل من الضروري أن نوفر الأطر البحثية التي تقدم لنا دراسات وأبحاث جادة عن واقعنا الاجتماعي . لمعرفة عناصر قوتنا وضعفنا ، ومن ثم العمل على تأكيد عناصر القوة وطرد عناصر الضعف . فلا حيوية في المجتمع بلا نقد ، ولا قدرة للمجتمع للتخلص من عيوبه بدون تشجيع الباحثين والمختصين على قراءة الواقع الاجتماعي ونقده .

والنقد الاجتماعي لا يؤسس للفوضى والانفلات أو تضخيم السلبيات ، وإنما هو ضرورة من ضرورات تحقيق الأمن الاجتماعي .

وجماع القول : إننا بحاجة دائمة إلى ممارسة النقد والفحص ، حتى يزداد وعينا الاجتماعي وتنضج قدراتنا المجتمعية ، وتتمكن من طرد كل عناصر الضعف والاهتراء من فضائنا الاجتماعي . وعليه فإن الخوف من النقد يضر بالواقع الاجتماعي حقيقة . ولا سبيل أمامنا إذا أردنا الحيوية والفعالية الدائمة ، إلا مواصلة الفحص الدائم والنقد المستمر لكل وقائعنا وحقائقنا الاجتماعية . النقد الذي لا يستهدف التقويض ، بل التقويم وتصحيح الاعوجاج .

4- تحرير الوعي الإسلامي :

ثمة ضرورة تبلورت في مجالنا العربي والإسلامي من جراء أحداث وتداعيات الحادي عشر من سبتمبر وحرب أفغانستان . ألا وهي ضرورة الانطلاق الجاد في بناء ثقافتنا من جديد على ضوء معطيات الراهن وثوابت الثقافة التي صاغت مسارات واقعنا المجيد .

ولكن هذه الانطلاقة لا تستهدف تبرير ما جرى ، أو تأكيد حقيقة أن هناك ظروف موضوعية وسياسية قادت الأمور إلى ما جرى   من أحداث وفظائع . وإنما هي انطلاقة   تجتهد في تجسير الفجوة بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون ، بين حركة الواقع بتعقيداته وتشابكاته وحقائق ثقافتنا التي لا تقبل التأويل والتحوير .

 وتنبع أهمية العمل على إعادة بناء ثقافتنا من النقاط التالية :

 إننا كأمة ومجتمعات وأوطان ، نتعرض لزخم متدفق من الإنتاج الثقافي والإعلامي الغريب الذي يتجه إلى تشويه صورتنا وتحميلنا كأمة وعقيدة مسؤولية ما جرى من أحداث .

 فالكثير من عناصر الثقافة ومواد الإعلام التي أنتجت بعد الحادي عشر من سبتمبر ، تدفع الأمور باتجاه تحميلنا مسؤولية تلك الأحداث . وإن الخيار المطروح إمامنا لقبولنا في حركة العصر والنادي الحضاري العالمي ، هو التخلي عن الكثير من القيم التي فهمها بعضنا بشكل خاطئ ومغلوط أو تم قراءتها من قبل دوائر الغرب الثقافية والإعلامية بشكل ملتبس وغامض . مما أدخل واقعنا في دوامة العمل على تبرئة عقيدتنا مما جرى .    وإن ما جرى هو وليد تطورات سياسية إقليمية ودولية ، هيأت الأرضية السياسية للانطلاق في مشروعات عنيفة ضد الولايات المتحدة الأمريكية .

وعلى كل حال فإننا نود القول في هذا الصدد : أن ما جرى أدخلنا في واقع جديد وتحديات حضارية بعناوين ويافطات حديثة ، وإن كل هذا يدفعنا إلى أن نستخرج من معادن ثقافتنا الغنية عناصر حيويتها ونطورها حسب حاجات واقعنا وشعوبنا ، ثم نعيد صياغتها وننتجها بشتى ألوان الإنتاج مقروءا ومسموعا ومرئيا .

كل يوم نعيش تحديا حضاريا جديدا, ونواجه أحداثا ووقائع لا نعرف أحكامها ومنهج مواجهتها, حتى جعل الكثيرين منا يعيشون التردد والغبش في الرؤية تجاه كل ما جرى من أحداث وتطورات.

ومن هنا ومن أجل مواجهة الثقافة الغريبة التي تريد وتسعى أن تحملنا كأمة ومستقبل مسؤولية ما جرى, ومن أجل مواجهة المشاكل اليومية العالقة التي زادتنا ترددا وضياعا والتباسا, فإن علينا إعادة بناء ثقافتنا وتحرير وعينا من القوالب الفكرية والثقافة التي تريد مؤسسات الإعلام والثقافة الغربية إدخالنا فيها, وجعل أولوياتها هي أولوياتنا, وأجندتها هي أجندتنا. ومن المشاكل اليومية التي إذا فقدنا البوصلة تزيدنا ضياعا وغبشا وبعدا عن أولوياتنا الصحيحة.

ومن الطبيعي القول : أنه من دون الثقافة الواحدة ذات القيم الإنسانية والحضارية السامية والثابتة التي يؤمن بها الجميع إيمانا راسخا يبعثهم على العطاء من أجلها والتضحية لها بكل شيء يسقط الجدار المعنوي لبناء الأمة.

ومن دون الهدف, ذو التجربة التاريخية, الذي يكون نقطة ارتكاز لنشاطات وحركة الأمة, ينهار الجدار المادي لبناء الأمة,

وإن بوابة كل ذلك أو بالأحرى إن شرط القبض على كل ذلك }الثقافة الواحدة والهدف الواضح{  , هو تحرير وعينا الإسلامي المعاصر من كل الأوهام والأغلال التي تكبل تفكيرنا وتحرف أولوياتنا وتجعلنا نعيش الغبش في كل شيء.

إننا كأمة نتعرض اليوم لتهديد حقيقي بضياع شخصيتنا ولا سبيل أمامنا إلا تحرير وعينا من كل الرواسب التي تحول دون انطلاقتنا الحضارية والإنسانية.

إن ما جرى من أحداث ومآسي ليس نهاية التاريخ, وإنما هو لحظة تاريخية تحملنا مسؤولية العمل على بناء ثقافتنا حتى يتسنى لنا جميعا المشاركة الفعالة في حضارة العصر. وحتى نتمكن من خلال وعينا وتقدمنا الحضاري, أن نجابه كل التصورات التي تحاول أن تلصق صفة التخلف والتأخر بالإسلام.

إن مسؤوليتنا تتجسد في الهروب إلى الأمام, عبر تحرير وعينا وبناء واقعنا السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي على أسس أكثر إنسانية وحضارية . وينبغي أن ندرك جميعا أن الزيادة في الدين حرام, لأنها نوع من الغلو الممنوع. وإن هذا الأخير كان هو المسئول المباشر عن تمرد طائفة كبيرة من الناس على الدين.ولا يخفى علينا جميعا أنه في العالم المسيحي كان الغلو في الدين هو السبب المباشر لانتهاء سيطرة الكنيسة وتحول الناس إلى اللائكية والإلحاد.

وحين تراجعت الكنيسة تحت ضغط الظروف عن إضافاتها اللامعقولة إلى الدين عاد العالم الغربي إلى الكنيسة. من هنا غضب الباري عز وجل على طائفة من الناس لأنهم حرموا ما أحل الله لهم وقال } قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون* قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون{ . (الأعراف الآية 32-33 )..

من هنا فإننا نقول : إن فتح أبواب التطور أمام الأمة, يتطلب تحرير وعينا وبناء ثقافتنا على ضوء معطيات الإنسان والحضارة. وهذا يقودنا إلى التأكيد على النقاط التالية:

1- أصالة القيم: غني عن القول, أنه كلما ابتعدنا عن القيم والمبادئ والمثل الإنسانية والحضارية, اضطرب واقعنا وبدأنا نعيش في دائرة الفوضى والعدوان واللاأبالية. لهذا فإننا لا يمكن أن نبني ثقافتنا ونحرر وعينا من الأوهام والأغلال الداخلية والخارجية. بدون الاستناد إلى أصالة قيمنا ومبادئنا. وما أحوجنا اليوم كأفراد وأمة إلى تلك القيم التي تعلي من شأن الإنسان وكرامته وتحفزنا على التعاون والتسامح والتآخي على قاعدة المشترك الديني والإنساني. فالناس صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق. وإن جهدنا اليومي المطلوب, ينبغي أن يتجه صوب تعميق هذه القيم ومتطلباتها في فضائنا الاجتماعي. فكلما نقترب من الالتزام بمقتضيات هذه القيم, تتوطد أسس الأمن والاستقرار في محيطنا ومجالنا الاجتماعي. ولا تحرير لوعينا إلا برافعة هذه القيم, التي تطرد من عقولنا وواقعنا كل حالات الأثرة والأنانية والتصنيف والتهميش والانخراط الأبله في مشروعات التفتيت والحروب المجانية.

والفقهاء والعلماء والمثقفين في مجالنا العربي والإسلامي, يتحملون مسؤولية كبرى في هذا الإطار, إذ أن عطاءهم الفكري وجهدهم الإصلاحي من الأهمية بمكان أن يتوجه صوب تعميق حقائق حقوق الإنسان وخيار الحرية والديمقراطية في الأمة.

2- ضرورة الاستناد على حقائق القوة والتقدم, وترك ونبذ الشعارات التي نتعامل معها وكأنها البديل الجوهري عن العمل والبناء. فالتقدم ليس وليد الشعار المجرد, بل هو نتيجة العمل المستمر الذي يتجه نحو صناعة الحقائق الثقافية والاقتصادية والسياسية, التي تساهم في حل العديد من المشكلات,وتستوعب جملة من الطاقات والكفاءات, وتؤكد لنا جميعا أن لا خيار أمامنا إلا خيار البناء والعمل من أجل ترجمة طموحاتنا وتطلعاتنا إلى حقائق ووقائع على الأرض.

3- التفاعل مع التجارب الإنسانية الحديثة, ورفض حالات الانكفاء والانعزال والتهميش. فالعلم الحديث, خلاصة تجارب, وعلينا أن ننفتح عليها, ولكن قبل ذلك علينا أن نميز بين قشور التجارب ولبابها, بين المغزى الحقيقي للتجربة, وبين الإطار الذي وضع فيه هذا المغزى.

 والأمة التي تنعزل عن تجارب غيرها, تتأخر, ولا تمتلك القدرة على استيعاب تطورات ومكاسب الآخرين.

وجماع القول: إن التطورات السياسية التي تجري اليوم في المنطقة, تتطلب منا العمل على تحرير وعينا من أوهام الاستنساخ الحرفي وأسباب العطالة والاستقالة عن الفعل التاريخي, ونعمل جميعا على تأسيس وعي معاصر, يأخذ في اعتباره أن القبض على المستقبل, لا يأتي إلا ببناء القوة الحضارية, وصنع حقائق التقدم والتطور في فضائنا العربي والإسلامي. و البداية السليمة لأي مشروع سياسي أو اقتصادي أو تجاري أو حضاري, هو التعرف التام على الراهن واللحظة التاريخية و جوانبها المختلفة, لأنه باختلاف الواقع, يختلف الأسلوب, و تتغير الوسيلة, فواقع الثمانينات الاقتصادي مثلا, يتطلب مشاريع وأفكار اقتصادية, تختلف بشكل أو آخر عن مشاريع ومتطلبات عقد التسعينات, كما أن العقد الأول من الألفية الجديدة تتطلب مشروعات وأفكار اقتصادية متميزة. والمشروع الاقتصادي أو التجاري أو الحضاري, الذي يجهل الواقع ومتطلباته, لن يتمكن من تحديد سلم الأولويات في مشروعه. وكثيرة هي الأعمال والأنشطة في المشهد العربي, التي ضيعت سلم الأولويات لا لسبب ذاتي, وإنما لجهلها التام أو النسبي للواقع الذي تعيشه و متطلباته المختلفة.                                                                             ولكن ثمة خلل عميق قد يصيب المجتمع في هذه المسألة, إذ كثير من المجتمعات, تختلط لديها الأماني و التطلعات بالإمكانات والقدرات المتوفرة, لأن العمل والسعي الحثيث, هو القنطرة الوحيدة لنقل التطلع من عالم التجريد إلى عالم التشخيص, من المثال إلى الممكن. ويجانب الصواب من يرى أن أحقية تطلعه, وأهمية أمنيته وعدالة قضيته, كل هذه الأمور كافية لاجتياز طريق تحقيقها وإنجازها في الواقع ا


التجربة الإنسانية

1 يوليو 2011
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
0 زيارة



    ثمة ضرورات اجتماعية ومعرفية ، لدراسة التجارب الدينية والفكرية والسياسية .. لأن هذه التجارب ، تمثل إضافة نوعية في مسيرة الأمة .. والعمل على دراستها والتأمل في أحوالها وإدراك طبيعة التطور الذي حدث فيها ، كلها تساعد في استيعاب هذه التجارب وأخذ العبر والدروس منها.. 
فالمجتمع حين دراسته لتجارب علمائه ومصلحيه ورواده ، لا يبدأ من الصفر ، وإنما يبدأ من حيث وصلت إليه هذه التجارب.. بمعنى أنه سيتجاوز العديد من القضايا والأمور ، التي تم بحثها في العطاء الفكري لهذه الشخصية ، أو الجهد الإصلاحي الذي بذله هذا العالم أو ذاك الفقيه .. 
ولعل من أهم مؤشرات الحيوية والفعالية في أي مجتمع ، حينما يسارع إلى إخضاع تجاربه المختلفة إلى الفحص والدراسة والمراجعة .. لأن هذا أحد المعطيات الأساسية التي تجعلنا ندرك أن هذا المجتمع بنخبته الدينية والثقافية والاجتماعية ، ينشد التطور والتقدم ، ويعمل على مراكمة عناصر القوة في مسيرته وتجربته .. ودراسة تجارب العلماء والمفكرين والإصلاحيين ، هي أحد روافده لتحقيق ذلك.. 
، ولاريب أن تسجيل التجارب وفحصها يساهمان في أن تتعرف الأجيال الطالعة باستمرار على تجارب الأمة في مسيرة الإصلاح الديني أو التغيير الثقافي والاجتماعي .. 

 التجارب الإنسانية تُقرأ بوعي وموضوعية دون التوقف عن العمل والبحث عن الفرادة .. وهذه العناصر هي المطلوبة لإنجاز مفهوم التجاوز المعرفي والفلسفي للتجارب التي يمر بها الإنسان سواء أكان فردا أم جماعة .. فالتجارب الإنسانية لن تبلغ رشدها ، إلا بفحصها وقراءتها بعمق وتمعن

 

 .. ونحن هنا لا نود الترويج لهذه الأطروحة أو تلك ، وإنما ما نود بيانه أن التجارب الإنسانية وبالذات في الحقول الدينية والفكرية والسياسية ، بحاجة دائما إلى التفاكر المشترك حولها، والدراسة المتأنية حول حركة تطورها التاريخي ومآلاتها المستقبلية.. 
وفي سياق التأكيد على ضرورة الاهتمام ، بتوثيق التجارب وقراءتها قراءة فاحصة وموضوعية للاستفادة القصوى منها على صعيد الراهن والمستقبل أود تأكيد النقاط التالية : 
1- إن القراءة العلمية والموضوعية تقتضي قراءة هذه التجارب بمختلف مراحلها وأطوارها في إطار سياقها التاريخي، وشروط الزمان والمكان الذي تبلورت فيه هذه التجربة أو تلك الممارسة .. 
لأنه لايمكن أن نفهم التجارب على حقيقتها ، إذا ألغينا سياقها التاريخي أو شروطها الاجتماعية والثقافية والسياسية التي نتجت في ظلها أو تحت تأثيرها .. فمفارقة السياق التاريخي للتجارب الإنسانية ، يساهم في تشويه قراءة التجربة ، أو تحميلها شروط زمان غير زمانها ، أو مكان مختلف في خصوصياته وشروطه عن مكانها .. لهذا من الضروري أن تُقرأ هذه التجارب في ظل سياقها التاريخي وشروطها الاجتماعية وظروفها السياسية والثقافية ، حتى يتسنى للقارئ أو الباحث قراءة التجربة قراءة صحيحة ودقيقة وبعيداً عن عملية المسبقات الأيدلوجية أو الإسقاطات التاريخية والاجتماعية .. فالمطلوب دائما قراءة تجاربنا وتجارب غيرنا من خلال معرفة سياقها التاريخي وظروف نشأتها المختلفة .. لأن هذه القراءة السياقية هي التي تفتح عقولنا ونفوسنا ، لاكتشاف عناصر القوة في التجربة ، وكيف تمكّن أصحابها من اجتراح فرادتهم في ظل ظروف وسياقات مجتمعية ليست مواتية .. فالمطلوب ليس الانبهار بالنتائج ، وإنما معرفة كل الأسباب والعوامل التي أسهمت في صناعة التجربة وتذليل كل الموانع والعقبات.. 
2- لأن التجارب الإنسانية متعددة الوجوه والصور .. فهي (أي التجارب) توفر إمكانية حقيقية للنظر إليها من أكثر من بعد وزاوية .. لهذا فإن من الخطأ الذي يصل إلى حد الخطيئة ، حينما يتم النظر إلى التجارب الإنسانية من زاوية واحدة فقط .. وإنما من الضروري أن تتعدد زوايا النظر والقراءة للتجارب الإنسانية ، وذلك حتى تتمكن جميع القراءات من أن تنجز رؤية متكاملة أو قريبة من التكامل لهذه التجربة أو تلك .. فالقراءة المتكاملة والشاملة للتجارب ، هي التي تخرجنا من محنة الانبهار الأعمى بالمنجز دون الاستفادة الحقيقية منها . 
وأود هنا أن أؤكد وبالذات على المنبهرين بالتجربة ، والذين هم وبدوافع نفسية معروفة ، يصرون على أن تكون قراءتهم للتجربة هي القراءة الصحيحة وهي التي تحظى بالقبول والرضا .. 
فالتجارب مهما كان قرب الإنسان من صانعها ، ليست ملك أحد ، بل هي ملك الإنسان والمجتمع ، وبإمكان كل باحث، إذا تسلح بسلاح العلم والمعرفة والموضوعية، أن يقرأ هذه التجربة ، من الزاوية التي يراها مناسبة ، وبالطريقة التي تمكنه من فحص كل جوانب وزوايا التجربة.. 
وفرص الاستفادة من التجارب ، تتضاءل حينما تُقرأ هذه التجارب بنمط واحد وبزاوية واحدة فقط .. فالتجارب الإنسانية لن نتمكن من اكتشاف ثرائها وحيويتها ، إلا بقراءات متعددة لها في كل مراحلها وأطوارها.. 
3- إن المجتمعات المتقدمة والتي تسعى دوما للقبض على أسباب التقدم والتطور ، تعمل عبر وسائل عديدة لقراءة تجاربها والإفادة منها .. لأنها جزء من ثروتها الإنسانية والمعرفية ، والتي تحتاج بشكل دائم إلى الفحص والاكتشاف واستيعاب دروسها وميكانزمات حركتها وتطورها الأفقي والعمودي .. لذلك فهي تعمل على تشجيع المؤسسات والمعاهد البحثية للعناية بالتجارب، وضرورة قراءتها قراءة واعية ونقدية وبعيداً عن نزعات الإطراء والتهريج الإعلامي .. 
لهذا فإن هذه المجتمعات وعبر ما توفره من دراسات وأبحاث معمقة وجادة لتجاربها ، تمتلك القدرة على تجاوز أخطائها وعثراتها .. لأنها درست أخطاءها بعمق وبعيدا عن نزعات التبرير والتسويغ .. لهذا فإن علاقة المجتمعات المتقدمة بماضيها وتجاربها السابقة ، ليست علاقة مرضية ، لا تستطيع الانعتاق منها .. وإنما هي كأي تجربة إنسانية ، ينبغي أن تخضع للدراسة والفحص الموضوعي ، ويتم من خلال هذه الدراسات الوصول إلى نتائج جديدة ، يتم الاستفادة منها في الأيام القادمة ، دون الانحباس المرضي في شرنقة التجربة أو التعامل معها بوصفها تجربة إنسانية نهائية لايمكن تجاوزها معرفياً واجتماعياً .. 
فالتجارب الإنسانية تُقرأ بوعي وموضوعية دون التوقف عن العمل والبحث عن الفرادة .. وهذه العناصر هي المطلوبة لإنجاز مفهوم التجاوز المعرفي والفلسفي للتجارب التي يمر بها الإنسان سواء أكان فردا أم جماعة .. فالتجارب الإنسانية لن تبلغ رشدها ، إلا بفحصها وقراءتها بعمق وتمعن، وفي سياقها التاريخي وضمن شروطها الاجتماعية وظروفها السياسية وآفاقها الثقافية .. 
لهذا فإننا نشعر بأهمية تدوين تجاربنا الوطنية في مختلف المجالات ، والعمل على فحصها ودراستها من قبل مختصين ومهتمين ، وذلك من أجل تحديد عناصر القوة لتعزيزها في فضائنا الاجتماعي والوطني .. ومعرفة عناصر الضعف التي ينبغي أن تتراكم كل الجهود من أجل إنهاء وجودها وتفكيك حواملها الأساسية التي تضر بواقعنا الوطني ومستقبله .. 
فلننفتح جميعاً على تجارب بعضنا البعض ، ليس من أجل توفير مادة للسجال وإنما من أجل اكتشاف الطريق المناسب والحيوي لنهضتنا الوطنية في مختلف المجالات..