الدولة الدينية عند الإمام الخميني – قراءة في المفهوم القرآني

ترجمة : السيد ربيع الحسيني

مقدّمة ــــــــــ

تمتاز شخصية الإمام الخميني P في المجتمع الذي انطلق منه بخصائص عديدة ومهمّة، منها: النظرة الدينية العميقة، الحضور السياسي القوي، هاجس الإصلاحات الإجتماعية، الصلابة، المعرفة والوعي، رسوخ الفكر الفلسفي والعرفاني و… رغم أن صورته السياسية غدت سمته المشهورة في الأوساط العالمية أكثر من الأبعاد الأخرى لشخصيّته، وقد أدّى نشاطه السياسي إلى إحداث تحوّلين عظيمين في عصره، أحدهما: تعديل القراءة الكلاسيكية للدين والنظر إليه بوصفه قادراً على إدارة المجتمع الإنساني، وثانيهما: القيام بتغييرات سياسية عميقة في إحدى البلاد الإسلامية الأكثر أهمية، وهي تغييرات أحدثت بدورها تحوّلاً في مسار الأحداث وبنية المعادلات السياسية في العلاقات الدولية العامّة.

وعقب ذلك، تصدّى فريقان من الباحثين في مراكز الدراسات العالمية لتحليل الأبعاد المختلفة لشخصية الخميني P، فكره، اعتقاداته، رؤاه الفكرية ومناهجه.

المجموعة الأولى: المصلحون الباحثون عن منطلق فكري قادر على القيام بإصلاحات اجتماعية، وسياسية، ودينية وأخلاقية، في عصرٍ كان ضجيج دعاة المدارس الإلحادية المادية المنبعث من القوّتين العالميتين الكبيرتين ــ الشيوعية والرأسمالية ــ مانعاً عن سماعهم صوت الدين الإسلامي المفعم بالمعاني الإنسانية بكلّ أبعادها الأخلاقية، لكي يُقدموا على أساس الفكر الديني على مشروع تحقيق العدالة الاجتماعية والنظام السياسي المنشود.

المجموعة الثانية: المستشرقون المهتمّون بالعلوم الدينية، فقد كانوا على اهتمام دائم بالموضوع الديني بغية الكشف عن الثغرات التي يمكن التسلّل عبرها إلى المعتقدات الدينية وتحريفها أو تشويهها.

وما زلنا حتى اليوم نشهد هذين النوعين من النتاجات الفكرية المدوّنة، وبلا شك سوف تستمر هذه الأبحاث على هذا المنوال، إذ لم ينجحوا بعدُ في تحقيق أغراضهم الكاملة من ورائها.

نحاول في هذه المقالة قراءة البناءات الفكرية السياسية للإمام الخميني P من منطلق النص القرآني وزاويته.

أفهوم السياسة عند الإمام الخميني ــــــــــ

قسّمت السياسة ــ بنشاطاتها المتنوّعة ــ عند الخميني إلى قسمين: إلهية، وغير إلهية، إذ كان يَعتقد أنّ السياسة الإلهية تتمثّل في جهود المدراء، والقادة، والمقنّنين الاجتماعيين، والإصلاحيين الراغبين في التغيير بما يصبّ في صلاح الروح وترسيخ البعد المعنوي والقيام بمصالح الناس، ومن ثمّ تكون هذه السياسة مصداقاً للمفهوم الذي كان استخدم في النصوص الدينية في حق أهل البيت G، حينما عبّر عنهم بأنّهم ((ساسة العباد))، كما كان يرى أن السياسة غير الإلهية تتمثّل في الجهود التي لا تصبّ في الإطار الفكري والعلمي المذكورين، ومن ثم تكون سياسةً شيطانيّة.

تعني السياسة الإلهية عند الإمام الخميني الهداية إلى النهج الذي أشير إليه في القرآن الكريم، وتبلور بشكل ناصع في حياة الأنبياء G وسيرتهم، يقول: ((السياسة هي التي تلحظ مصالح المجتمع كلّها.. وأبعاد الإنسان جميعها.. وهذا مختصّ بالأنبياء والأولياء، وبعلماء الإسلام اليقظين بتبعهم))([1])، من هنا كانت الديانة عنده عين السياسة([2])، وكان الحج وهو أبرز الأعمال العبادية ومحور المعارف الإلهية مظهراً من مظاهر الحركة السياسية العبادية التي تصبّ في صالح المجتمع الإسلامي([3])، ولم ير الحجّ فقط على هذه الشاكلة، بل عموم المناسك الدينية والعبادات كانت ممتزجةً عنده بالسياسة والصلاح الفردي والاجتماعي، لقد اعتقد أنَّ ((جميع أحكام الاسلام مختلطة بالسياسة،.. صلاته.. حجّه.. زكاته سياسة، إدارة البلاد سياسة))([4]).

ويخلص الإمام الخميني ــ وفق هذه الرؤية ــ إلى أنّ ((السياسيون الإسلاميون، والعلماءالسياسيون هم الأنبياء G، لا ينفكّ عملهم عن السياسة))([5]).

من هنا، هجر علماء الدين الذين لم يَخطُوا خطوات لائقة في طريق إصلاح مجتمعهم، هجروا عنده السياسة الصحيحة مما أفضى بهم إلى هجران كتابهم السماوي([6])، وهذا المزج بين السياسة والاجتماع في فهم مقولة هجر القرآن هو ما يمكننا أن اعتباره واحداً من خصائص الخميني الفكرية.

دراسة جذور فصل الدين عن السياسة ــــــــــ

من هنا يتضح أن الإمام الخميني كان يرى لزاماً عليه مواجهة عوامل هذا الهجران، سيما عندما رفع شعار فصل الدين عن السياسة وأرخى بظلاله على المجتمعات الإسلامية، مما ساقها إلى الانفكاك عن جذورها وتاريخها المشرق على حساب حريتها واستقلالها وعزتها، هنا رفع الصوت منادياً: ((إن شعار فصل الدين عن السياسة من الشعارات التي طرحها الاستعمار والتي يريد من خلالها أن يحول دون تدخل الشعوب المسلمة في تقرير مصائرها))([7]).

إنّ حصر دور الدين ورسالته في العلاقة الشخصية ما بين الإنسان وربه فقط أنموذج آخر من نماذج العقلية المحاربة للقرآن، والتي تبنّاها المعتقدون بفصل الدين عن السياسة، وقد انتقد السيد الخميني هذه المقولة محذّراً من أخطارها فقال: ((في الآونة الاخيرة وحينما فتحت طرق الشرق والغرب على الدولة الإسلامية بلغ هذا الأمر ذروته، وهو أنّ الإسلام موضوع شخصي بين الله وعبده، والسياسة في معزل عن الإسلام))([8])، ((هذه المدارس باتجاهاتها المختلفة اليسارية واليمينية التي تُعرَض على الأمة الإسلامية ليست سوى لإضلالها وانحرافها، ولا ترجو إلاّ أن ترى المسلمين خاضعين أذلاء ومتخلفين أسرى على الدوام، فتعمل على إبعادهم عن تعاليم الحرّية التي يدعو إليها القرآن))([9]).

القرآن والحكومة ــــــــــ

بالرغم من تصريح الإمام الخميني في بعض أحاديثه بأنّ الحكومة لم تكن الهدف الأساسي من بعثة الأنبياء، وأنّهم إنّما بعثوا لتزكية أخلاق الناس وتربية أرواحهم، إلا أنّه كان يرى مقولة الإدارة الإجتماعية والنظم السياسي للمجتمعات البشرية مقولة جدّية وضرورية، لدرجة اعتبر معها القرآن الكريم ــ الذي هو بدوره مجموعة معارف وبرامج معنوية وتربوية للإنسان ــ كتاب حكومة([10])، ويعتقد أن حجم المعارف الاجتماعية في القرآن الكريم مقارنةً بآياته التي تدعو إلى الجوانب العبادية كنسبة المائة إلى واحد، بل أكثر([11]).

يعتبر الإمام الخميني القرآن الكريم كتاب قانون، يحمل بين دفتيه أصول الحكم وقواعده، ويستبطن مكوّنات دولة في طبيعة تعاليمه([12])، يقول: ((إنَّ ماهية وكيفية القوانين الإسلامية وأحكام الشرع تدلّ على أنّها قد شرِّعت لإنشاء حكومة ولإدارة سياسية واقتصادية وثقافية للمجتمع))([13]).

هل يمكن العمل بهذه الآيات القرآنية التي تدعو لقتال الكفار، والمحاربة لأجل استقلال البلاد الإسلامية، وفتح البلاد بدون حكومة وأجهزة دولة؟! ((إنّ أساس الحكومة الإسلامية مبتنٍ على السلطة التشريعية والسلطة القضائية والسلطة التنفيذية وثروة بيت المال، وقيام الدولة مبتنٍ على الجهاد لأجل بسط السلطة والتوسّع، وهو مبتنٍ على الدفاع لحفظ استقلال البلاد والدفاع لصدّ هجوم الأجانب، هذا كلّه موجود في القرآن والسنّة))([14]).

ويخلص الإمام الخميني ــ وفقاً لذلك ــ إلى أنّ رفض الدولة الدينية وإنكار السياسة الدينية يعني نفي حقيقة الدين ودوره، يقول: ((الاعتقاد بهكذا مطالب أو إظهارها أسوأ من اعتقاد وإظهار نَسْخ الإسلام. ولا يمكن لأحدٍ أن يقول: ليس ضرورياً أن ندافع عن حدود وثغور أرض الوطن الإسلامي، أو لا ينبغي أن تؤخذ اليوم الأموال والجزية والخراج والخمس والزكاة، وينبغي أن يعطّل قانون الجزاء في الإسلام وكذلك الديات والقصاص، كل من يُظهر أنّه ليس من الضروري تشكيل الحكومة الإسلامية فقد أنكر إجراء الأحكام الإسلامية وأنكر جامعية الأحكام وخلود الدين الإسلامي المبين))([15])، ويقول: ((في الحقيقة، أهمّ وظيفة
للأنبياء G إقامة نظام اجتماعيّ عادل عن طريق إجراء قوانين وأحكام تتلازم قهراً مع بيان الأحكام ونشر التعاليم والعقائد الإلهية، كما يظهر هذا المعنى بوضوح من الآية الشريفة: >لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ<(الحديد: 21).

بعثة الأنبياء ــــــــــ

هدف بعثة الأنبياء عموماً إيجاد النظم لدى الناس على أساس العلاقات الاجتماعية العادلة التي تقوم عليها الإنسانية، وهذا إنما يمكن من خلال تشكيل الحكومة وإجراء أحكامها([16]).

يعتقد الإمام الخميني ــ على العكس من مؤسّسي المذاهب الفلسفية الغربية الذين اعتبروا فلسفة ضرورة الحكومة صراعاً بين القوى الطبيعية الشهوات والنفسيات ومحاربة السلطات ولزوم لجمها([17])، وعلى أساس التعاليم القرآنية ــ ضرورة تشكيل نظام سياسي واجتماعي يساهم في بناء الناس معنوياً، بتعبير آخر: إنّ الفلسفة السياسية في المدارس المادية تعتبر أنّ المصالح الماديّة وتحصيل الأمن والرفاهية الدنيويين هما غاية الأنظمة السياسية، أمّا في القراءة القرآنية الخمينية فالأمن الإجتماعي والاستقلال والغنى المادي إنّما هما مقدّمة للوصول إلى الأمن المعنوي والسعادة العظمى والحياة الخالدة.

يقول: ((القيم في العالم على قسمين: القسم الأول هو القيم المعنوية من قبيل قيمة التوحيد والجهاد.. ومن قبيل العدالة الاجتماعية، وحكومة العدل والسلوك العادل للحكومات مع الشعوب وبسط العدالة الاجتماعية بين الأمم كالتي كانت موجودةً في صدر الإسلام أو قبله في الأزمنة التي بعث فيها الأنبياء ولا تقبل التغيير، وليس معنى هذا أن العدالة متغيرة فحيناً صحيحة وحيناً آخر خاطئة، فالقيم المعنوية قيم دائمة.. والقسم الآخر القيم المادية التي تختلف بمقتضى الزمان.. إنّ ميزان الحكومة وما يتعلّق بالاجتماع والسياسة إنّما هو القيم المعنوية))([18]).

المنطلقات القرآنية لفكر الإمام الخميني السياسي ــــــــــ

إذا اعتبرنا الفلسفة السياسية مجموعة مباحث تحلّل وتقضي في موضوعات السياسة والحكومة، دون أن تنحصر بتجزئة مصداق خاص من مصاديق الحكومة والإدارة السياسية وتحليله، حينها يمكننا أن نرتّب موضوعات تلك المباحث بشكل منطقي دائماً، حيث تنقسم إلى قسمين: 1 ــ الأصول والمبادئ. 2 ــ الفروع والنتائج.

ومن البديهي أنّ الأصول والمبادئ تتمتعان على الدوام بأهمية شديدة لأنّها تُعتبر محور سائر النظريات وأساسها.

لقد قدّم الإمام الخميني لنظرياته وأفكاره السياسية أصولاً وأسس، تعتمد على النص القرآني بالتأكيد.

محورية الله في الفكر والسلوك السياسي ــــــــــ

تشير دراسة تكوّن المقولات السياسية للأفراد، والفئات، والمجتمعات إلى غلبة وقوعها تأثير أحد العوامل التالية:

1 ــ المصالح والميول الفردية.

2 ــ المصالح المادية المشتركة لفئة ما.

3 ــ المشاعر العنصرية والقومية.

4 ــ العواطف الإنسانية، والدفاع عن الحرية، والإستقلال، والعدالة.

يُعتبر العامل الرابع العاملَ الإنساني الوحيد من بين العوامل المذكورة، حيث تمتدّ جذوره في الطبيعة الإنسانية المتجاوزة للحيوانية، أمّا العوامل الثلاثة الباقية، فليست ضدّ الإنسانية، بل يمكن أن تكون سبباً في نتائج إيجابية تستحقّ التقدير، لكنّها في الأساس غير مختصّة بالإنسان، حيث يمكن مشاهدة عوامل شبيهة بها في الحيوانات عند دفاعها وهجومها.

وحينما تكون عناصر تكوين نظرية سياسية واحدةً من هذه العوامل الثلاثة فمن المترقّب حصول مظاهر سلطوية سلبية يفترض السعي لضمان عدم تخطّيها حدود المنطق والسلامة، ومن ثمّ يكون المطلوب إصلاحها.

إنّ التدبير الذي تبنّاه الفكر الديني ــ وفق الرؤية القرآنية ــ لحلّ هذه المشكلة تمثل في طرح مقولة قادرة على البتّ من الأعلى في سلبيات هذه العناصر الثلاثة، ألا وهي محورية الله.

إنّ التاريخ حافل بنماذج كثيرة لأفراد أو جماعات توجهوا نحو النشاطات السياسية بباعث مقارعة الاستعمار والاستبداد أو بباعث العواطف الإنسانية الصادقة، ولكن في النهاية استُبدلت تلك الحركات المناهضة للاستبداد والاستعمار إلى حركات استبدادية! يقول الإمام الخميني: ((حدثت في العالم نهضات كثيرة وثورات عديدة، لكن أكثرها كان نهضة ظالم على ظالم آخر.. كان يأتي نظام ظالم ويزيل النظام الآخر، ويستخلف نفسه مكانه ويستمرّ في الظلم.. إن الحكم الذي جاء به القرآن المجيد في عدّة كلمات ــ بخصوص ما ينبغي أن تكون عليه النهضات والثورات ــ يمكن الوقوف عليه من خلال الآية الشريفة التي تقول: >إنَّما أعظكم بواحدة< (سبأ: 46)، حيث يخاطب الله تعالى رسولَه ليقول لأمّته: لديّ موعظة واحدة فقط، وتلك هي أنّ تقوموا لله، لو كنتم شخصاً واحداً قوموا لله، لو كنتم مجتمعاً قوموا لله، القيام لله هو ضدّ القيام الطاغوتي، وإن لم يكن القيام لله فهو قيام شيطاني ــ هو طاغوت والله ــ فالقيام إمّا لله وإما لغير الله، ذلك القيام الطاغوتي هو قيام ظالم على ظالم آخر، هو غلبة ناهب ثروات على ناهب ثروات آخر، أمّا ذلك القيام الذي كان يأمر به الله تبارك وتعالى، فهو لله))([19]).

مواجهة الطاغوت والخروج من سلطته ــــــــــ

ثمّة مجال لجعل مقولة محورية الله لجميع الأعمال والأفكار والمجالات الفردية، الاجتماعية، الاقتصادية والثقافية للإنسان، لكن حينما نضعها أساساً للقضايا الاجتماعية والسياسية والإدارات الجماعية، تتولّد بشكل تلقائي ظاهرة محاربة الطاغوت، لأن الطاغوت يعني المتعدّي على للحقوق، إن القبول بهكذا سلطة سواء في شكلها الظاهري أو في جانبها الفكري والاقتصادي الخفي واللامحسوس هو أمر يتنافى ومحورية الله.

استند الإمام الخميني P في بيانه القرآني حول محاربة الطاغوت إلى آيات عديدة:

1 ــ >وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ< (القصص: 5)، قال: ((إنّ إرادة الله تعالى من خلال القيادة الحكيمة للأنبياء العظام وَوَرثتهم تتجلّى في تحرير المستضعفين من قيد حكومة الطاغوت، لتكون مصائرهم بيدهم وتحت تصرّفهم))([20]).

2 ــ >أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ< (النساء: 60)، يقول: ((إن لم نقل: إن المقصود من الطاغوت حكومات الجور والقوى الحكومية الجائرة بأجمعها، التي استفحلت وطغت على الحكومات الإلهية، واستأثرت بالحكومة والسلطنة، ينبغي أن نقول: إن الطاغوت أعمّ من القضاة والحكّام، لأن الرجوع إلى المحاكم وإحقاق الحقوق ومجازاة المعتدي غالباً ما تحصل بمراجعة المراجع القضائية، ومجدداً يطبق التنفيذيون ــ الذين عادة ما يُعتبرون حكّاماً ــ الأحكام القضائية، حكومات الجور سواء القضاة أو التنفيذيون أو القوى الأخرى هم طاغوت، لأنهم طغوا وجحدوا حكم الله، ووضعوا قوانيناً من عند أنفسهم وقاموا بتنفيذها والحكم طبقها، وقد أمرنا الله بالكفر بهم، أي عصيان أوامرهم وأحكامهم، وبديهي أن الذين يريدون الكفرَ بالطاغوت والتمرّد على الحاكم الجائر والثورة عليه، سوف تلقى على عواتقهم مهام ثقيلة، ينبغي أن يجهدوا قدر استطاعتهم ومكنتهم في أدائها))([21]).

يصرِّح الإمام الخميني في خطاباته بفلسفة تكرار حادثة موسى C وفرعون في القرآن المجيد، ويرى ذلك لوضع أسسٍ لمواجهة الاستكبار والطاغوت في الفكر الديني واعتقاد المسلمين([22])، يقول: ((يحكم المشرّع الحق أنه لا ينبغي أن ندع وضع الحكومات على هذه الشاكلة، فهي إمّا معادية للإسلام أو غير إسلامية، والدلائل على هذا العمل واضحة، لأنّ وجود نظام سياسي غير إسلامي يعني بقاء الأحكام السياسية للنظام الإسلامي بعيدةً عن التنفيذ، ولهذا السبب اعتبر المشرّع كلّ نظام سياسي غير إسلامي نظاماً مشوباً بالشرك؛ لأن حاكمه هو الطاغوت، ونحن مكلّفون أن نزيل آثار الشرك عن المجتمع الإسلامي، لهذا السبب نحن مكلفون أن نهيء الظروف الاجتماعية المساعدة على تربية الأفراد المؤمنين الفضلاء، وهذه الظروف الملائمة والمناسبة لصالح الإسلام والمسلمين مخالفة لظروف حاكمية الطاغوت، إن الظروف الاجتماعية الناشئة عن حاكمية الطاغوت والنظام المشوب بالشرك لازمها هذا الفساد الذي نراه، هذا هو ما يطلق عليه ((الفساد في الأرض)) الذي ينبغي أن يزول وأن يجازى مُسبِّبوه، هذا هو ذلك الفساد الذي أشاعه فرعون من خلال سياسته في ((مصر))، >وإنّه كان من المفسدين< (القصص: 4)، في هذه الظروف الاجتماعية والسياسية لا يمكن للإنسان المؤمن والمتّقي والعادل أن يعيش، وأن تَدوم سيرته الصالحة))([23]).

علماء الدين والإصلاح السياسي ــــــــــ

إنّ التصدّي لمواجهة الطاغوت هو أيضاً ــ عند الخميني ــ في عهدة العلماء([24])، ويستدلّ لإثبات دعواه هذه برواية في تحف العقول عن أمير
المؤمنين C أنه قال: ((اعتبروا أيها الناس بما وعظ الله به أولياءه من سوء ثنائه على الأحبار إذ يقول: >لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ< (المائدة: 66)، وقال: >لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ< ــ إلى قولـه ــ >لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ< (المائدة: 81)، وإنما عاب الله ذلك عليهم لأنهم كانوا يرون من الظَلَمة بين أظهرهم المنكر والفساد فلا ينهونهم عن ذلك، رغبةً فيما كانوا ينالون منهم، ورهبةً مما يحذرون، والله يقول: >فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ< (المائدة: 44))).

حينها يكتب الإمام الخميني يقول: ((قد وعظ الله أولياءه من خلال الاعتراض على الأحبار، أي علماء اليهود واستنكار عقيدتهم، والمقصود من الأولياء الذين يتوجّهون إلى الله بإخلاص، ولهم مسؤولية معينة في المجتمع، لا الأئمة G، لقد ذمّ الله في هذه الآية الربانيين والأحبار، لأنهم لم يتحمّلوا المسؤولية بصفتهم علماء دين، فلم ينهوا عن ارتكاب المحارم، ولم يمنعوا الظلمة عن قول الإثم ــ الذي هو أعمّ من دسّ الكذب والتهم وتحريف الحقائق وأمثال ذلك ــ ولم ينهوا عن أكل السحت أي أكل الحرام… ومن البديهي أن هذا الذمّ والتقبيح لا اختصاص له بعلماء اليهود ولا بعلماء النصارى، بل يشمل علماء الأمّة الإسلامية وبشكل عام علماء الدين، بناءً عليه، لو قعد علماء الدين في المجتمع الإسلامي خانعين أمام فكر الظَلَمة وسياستهم فسيكونون مورد ذمّ الله سبحانه.. وقد ذكر أميرالمؤمنين C ــ استناداً إلى القرآن ــ هذا الأمر، ليأخذ علماء المجتمع الإسلامي العبرة أيضاً))([25]).

ويقول الإمام الخميني مستنداً إلى الآية الكريمة: >قل إنّما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا<: ((ليس من الضروري أن يكون القيام بعد أول اجتماع من الاجتماعات، فإنّ هذا التكليف متحقّق في حق كلّ واحد واحد أيضاً. إنّ معظم رجال التاريخ قاموا بمفردهم أمام السلطان الظالم، إبراهيم قام وحيداً وحطّم الأصنام.. ولم يخف من الوحدة،
موسى C.. أُمِر وحيداً أن يذهب ويقوم في سبيل الله))([26]).

السياسة التعبوية والمشروع التوعوي ــــــــــ

تتمتّع رعاية الأولويات والتوجّه إلى الظروف وتأمين القوّة وتنمية الخبرات لتهيئة الأرضية المناسبة بأهمية خاصة عند الإمام الخميني، لذا يعتقد:

1 ــ ما لم يُطبّق النظام الأصلح وما لم تسنح الظروف المناسبة لتحقّقه لا ينبغي القيام بالنفي الكامل للنظام الفعلي غير الصالح، وإلغاء قوانينه، لأنه في تلك الحالة ــ وبدلاً من تحقق الأهداف السامية ــ سيؤول وضع المجتمع إلى الهرج والمرج، يقول في هذا الصدد: ((على الرغم من أنّ الحكومات جميعها ــ ما عدا الحكومة الإلهية ــ على خلاف مصلحة الناس، وتؤدّي الى الظلم، وعموم القوانين ما خلا القانون الإلهي باطلة ولغوية، إلاّ أنّ على علماء الدين والمجتهدين أن يحترموا النظام الفعلي، ولا يعتبرونه لغواً، ما داموا لم يفلحوا بعدُ في تأسيس نظام أفضل))([27]).

2 ــ لا يعني حفظ النظام الاجتماعي القائم السكوتَ عنه والقبول الدائم به، بل ينبغي التمهيد لإعداد القوى القادرة على التغيير وتهيئة الأرضية المناسبة، يقول: ((وظيفتنا أن نسعى من الآن لتأسيس دولة إسلامية حقّة، أن نبلّغ، أن نروّج لتعاليم الإسلام، أن نقدّم فكراً سليماً، أن ننتج حركة تبليغية وفكرية، حتى يحدث تيار اجتماعي، وتنهض شيئاً فشيئاً الجموع الواعية المتدينة والعارفة بتكليفها لتشارك في هذه الثورة القائمة وتشكّل الحكومة الإسلامية، إنّ وظيفة الفقهاء أن يبلّغوا عقائد الإسلام وأحكامه، ويعلّموا الناس، حتى تتهيأ الفرصة لإجراء الأحكام، وبالتالي تطبيق النظام الإسلامي في المجتمع))([28]).

لقد اعتبر الإمام الخميني قصة موسى C درساً يتعلّم منه المصلحون كيفية الوقوف بوجه الطاغوت والإعداد السياسي لهذا الأمر، فقال: ((إن فرعون الذي بلغ طغيانه أن قال ــ كما جاء في القرآن الكريم ــ : >أنا ربكم الأعلى< (النازعات: 24)، وبلغ من الاستعلاء والفساد مرتبة حيث قال تعالى في شأنه: >يذبّح أبناءهم ويستحي نساءهم< (القصص: 4)، إلاّ أنّ الله الرحمن نظر برحمته الرحيمية في جميع الأرض واختار منها إنساناً لم يكن عليها أشدّ تواضعاً منه، إنّه الإنسان الأكمل، نبي عظيم الشأن رفيع المنـزلة، مكرّم في قومه وهو موسى بن عمران C، وقد علّمه وربّاه وحباه بلطفه وعطفه، وكما يقول عز من قائل: >وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ واسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا< (القصص: 14)، وشدّ أزره بأخ كريم مثل هارون C، وهذان الكريمان هما من أجمل ورود بستان الإنسانية التي اختارها الله، كما يقول عزّ وجلّ: >وأنا اخترتك< (طه: 13)، ويقول أيضاً: >ولتصنع على
عيني
)) (طه: 39)، ويقول كذلك: واصطنعتك لنفسي * إذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري< (طه: 41 ــ 42).. في الجملة بالرغم من جميع ما حبا به الله نبيّه موسى C فإن الله المتعال هيأ السبيل أمام هذه المقدّمات كلّها وروَّض موسى الكليم بالرياضات الروحانية كما يقول: >فتنّاك فتوناً< (طه: 40)، وأرسله سنيناً في خدمة شعيب شيخ طريق الهداية ومرتاض عالم الإنسانية >فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى< (طه: 40) ))([29]).

ويخلص الإمام الخميني من هذا البيان أنه ينبغي ــ وقبل الإقدام على أي إجراء ــ القيام بالتمهيد والإعداد والتهيئة ورعاية الأولويات.

مفهوم النصر والهزيمة في العقل الديني والرؤية المادية ــــــــــ

ينبغي في كلّ نظرية سياسية تعيين حدود النصر والهزيمة، وتحديد مديات النجاح والتوفيق من التخبّط والفشل.

وقد حدّد الإمام الخميني أيضاً في نظريّته السياسية القرآنية هذه الحدود، حيث اعتقد بأنّه ما دام فكر الإنسان السياسي وعزمه مقرونين بالاعتقاد بالله تعالى ومستندين إلى المعتقدات الإلهية فهو منتصر لا يعرف الهزيمة، سواء وصل إلى نتائج وأهداف سياسية ملموسة أم لم يصل، أمّا حينما يكون بعيداً عن الاعتقاد بالله وغير مستند على الفكر الإلهي الأصيل ولا طالب الحقّ في حركته السياسية فقد كتب على نفسه الهزيمة من حينه، سواء حصل على نتائج ملموسة في حركته على المستوى السياسي أو الاجتماعي أم لا.

بديهي أن هذا الكلام يمكن تصوّره في مناخ ديني فقط، ولا يمكن توقّع فهمه على حقيقته من قبل الجاهلين بالمعتقدات الدينية، وعليه فإنّ دور هذه العقيدة في ميدان السلوك السياسي بمنـزلة الطاقة التي لا تقبل النفاد، والمحرّك الذي يدفع بالعناصر السياسية نحو الأمام ونحو اتخاذ الإجراءات اللازمة والقرارات السديدة.

يقول الإمام الخميني P مستنداً إلى الآية 139 من سورة آل عمران: >وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ<: إنّ من له علاقة مع الله لا يُهزم، فالهزيمة لمن تكون آماله وعلائقه دنيوية، فالهزيمة للذين ملأت ذخائر الدنيا قلوبهم([30]).

ويضيف: ((إن كان القيام لله تكون هناك رعاية إلهية تُحدِث في النفس طمأنينة ليس معها هزيمة وتوجد لدى الإنسان حالة نفسية خاصة، لأنه قد اتصل بالقدرة الأبدية، فمن يتحرّك عن تبعية للذات المقدّسة للحق تعالى فهو كقطرة يقف وراءها ويمدّها بحر لا متناهي.. فإن اتصلنا بالبحر اللامتناهي سنجد حكم ذلك البحر، >وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى< (الأنفال: 17)، يعني يدك يد الله… لأن نفسك قد اتصلت به، فأنت لست بشيء في نفسك، فكلّ ما هو كائن هو))([31]).

الإمام الخميني ونظرية الحكومة ــــــــــ

ويبدو من الضروري هنا القيام بدراسة لواحدة من أهمّ أقسام الفكر السياسي عند الإمام الخميني P أي الحكومة؛ إذ بدون ذلك لا يتيسّر فهم فكره السياسي بشكل عام، لذا نقوم بذلك بشكل بالغ الإيجاز.

1 ــ السلطة، الحاجة والضرورة ــــــــــ

المحور الأول شرعية الحكومة ومطلوبية الحاكمية، في نظر الإمام الخميني تتمتّع الحاكمية ــ على المجتمع ــ بالشرعية حينما تقوم على أساس حكم الله، وقد جاء في النصوص الدينية أنّ الحاكمية في كلّ بُعدٍ من أبعادها وعلى كل جزء من أجزاء عالم الوجود ومن جملته الإنسان منحصرةٌ بالله تعالى، ليس لأحد سواه حقّ السلطنة، وقد جعل الله هذا الحق في دائرة الإنسان متعلّقاً بالنبي الأكرم 2 وأئمة أهل البيت G بحكم آيات قرآنية من قبيل: >أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ)) و ((مَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ<.

وطبق هذه الحقيقة، لا يعتبر الإمام الخميني أيّاً من الحكومات التي ليس لها أساس في الشرع الإلهي ولم تتشكّل على غرار حكومة النبي والأئمة، حكومة شرعية لائقةً بالطاعة.

وفي هذا الصدد يطرح الخميني دولة علماء الدين أو ولاية الفقيه بالذات، حيث يعتقد ــ بناءً على الأدلّة المتعددة العقلية والنقلية ــ أن حقّ الحاكمية ذاك الذي كان للنبي وأئمة أهل البيت G من من الله، قد أوكل بواسطتهم من بعدهم إلى علماء الدين. بناءً عليه ليس لغيرهم الحقّ في الحكم، ((ثم انتقلت مسؤولية القيادة السياسية للمجتمع بعد النبي 2 إلى الأئمة المعصومين))([32])، ((وهم المصداق الحقيقي لأولي الأمر))([33])، ((وفي عصر الغيبة عرَّف الإمام المعصوم (عج) الفقهاء العدول بوصفهم قادةً سياسيين للمجتمع والمسؤولين عن تشكيل الحكومة))([34]).

وقد أتى السيد الخميني في سياق إثبات هذه النظرية على الإشارة إلى عدة أدلّة معتبرة استفادها، لا مجال لذكرها الآن، إنما نتعرَّض هنا لذكر ما ذكره في ذيل الآيات القرآنية.

يقول في ذيل الآية الكريمة: >النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم< (الأحزاب: 6): ((المراد من كلمة >أولى< في الآية هو الولاية والإمارة السياسية، كما رُوي في مجمع البحرين عن الإمام الباقر C أنه قال: ((أنزلت هذه الآية في الحكومة)). ومن جانب النبوة قد عُرِف موضوع الولاية، بناءً عليه فإن رواية أبي البختري: ((العلماء ورثة الأنبياء)) والتي تنصّ على أنّ العلماء كالأنبياء تقتضي أن يكون للعلماء إمارة وولاية على المؤمنين))([35]).

ويقول في استدلاله بمقبولة عمر بن حنظلة: ((قد استند الإمام C في هذه الرواية إلى آيتين من القرآن الكريم، الآية الأولى: >إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ< (النساء: 58)، ولا شك في أن أمر الله في هذه الآية متوجّه لكلٍ من القاضي والوالي، والآية الثانية: >أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ< (النساء: 90)، حيث يدلّ التحاكم المنهي عنه هنا أنه متعلّق بكلٍ من القاضي والوالي الظالم، لذا فإن قول الإمام في المقبولة: فإني قد جعلته عليكم حاكماً، يدلّ على أنّ المراد هو كلّ من القضاة والحكّام، وللفقيه أيضاً الولاية السياسية، وإلاّ فإنّ السؤال عن حكم مراجعة السلطان الجائر المصرَّح به في ذيل المقبولة، والذي قد أشير في الآية الثانية إلى حرمة هذا التحاكم يبقى بدون جواب))([36]).

ويقول في موضع آخر بصدد الآية الكريمة: >لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ< (الحديد: 25): ((إن هدف البعثة على نحو كلّي تنظيم وترتيب الناس على أساس العلاقة الاجتماعية العادلة، وأن تسير الإنسانية نحو الاستقامة والكمال، وهذا إنما يتحقّق من خلال تشكيل الحكومة وإجراء الأحكام… ولم يكلّف الرسول
الأكرم 2 ببيان هذه الأحكام للناس فقط، بل بإجرائها.. ومن ضمن الأحكام ما يتعلّق بالحقوق المالية، نظير الخمس والزكاة والخراج، ليصرفها في مصالح المسلمين، وينشر العدالة بين أفراد المجتمع الإسلامي، ويُجري الحدود ويحفظ الثغور ويدافع عن استقلال البلاد، ولا يدع أحداً يحيف بأموال الدولة الإسلامية.. بناءً عليه فإنّ: ((الفقهاء أمناء الرسل)) يعني أنّ الأمور الكليّة التي بعهدة الأنبياء تتحوّل إلى الفقهاء العدول، فهم موظّفون ومأمورون بأدائها))([37]).

وبهذا يعتبر الإمام الخميني القيادة في عصر الغيبة لأولئك الفقهاء، ويرى ولاية الفقيه أمراً مجعولاً من قبل الله تعالى، امتداداً لولاية رسول
الله 2، وقد ظلّ الخميني على هذا الاعتقاد بعد تشكيله للجمهورية الإسلامية، ولم يُذكر أبداً أنه نفى نصب الولي الفقيه من عند الله تعالى([38]).

2 ــ سلطة القانون والدور المركزي ــــــــــ

المحور الثاني في نظرية الحكم عند الإمام الخميني هو محورية القانون، إذ يعتقد أن محور عمل الحكومة هو القانون، لكن له تعبيراً عن القانون لا يلائم كثيراً ما فهمه الآخرون عنه، ولأجل المقارنة بين نظريته والنظريات الأخرى، نطالع نصوص ثلاثة في هذا الشأن:

أ ــ ((القانون مجموعة قواعد تصدر من الدولة ويصبح لها شأنية التنفيذ من خلال الجهاز القضائي))([39]).

ب ــ ((ليس القانون شيئاً غير الفهم والفراسة الإنسانية؛ إذ أن وظيفته الطبيعية الأمر بالأعمال الصالحة والنهي عن ارتكاب الأعمال المنكرة))([40]).

ج ــ ((المراد هو القضايا التي تعيّن طريقة سلوك الإنسان في الحياة الاجتماعية، فهي قضية مفادها الصريح أو الالتزامي أو التلويحي هي أن الناس في حياتهم الفردية والاجتماعية ينبغي أن يفعلوا هذا وأن لا يفعلوا ذاك، ونطلق على هذه القضية قانوناً، حيث يُطرَح في المباحث الحقوقية السياسية))([41]).

يعتبر الإمام الخميني القانون الإسلامي عدل الأحكام الإلهية([42]) الناشئة من العدالة الإلهية والمُستقاة من القرآن والسنّة([43])، ومجالاتها تطال علاقة الأفراد بالله سبحانه وتعالى، وعلاقات كلّ فرد بنبي الإسلام 2، وعلاقات الأفراد مع الحكومة، وعلاقاتهم بعضهم ببعض، وعلاقات كلّ فرد بأمّته وسائر البشر([44]). وفهم القانون بهذا الشكل له فوارق أساسية مع التعاريف المذكورة آنفاً.

ويخالف السيد الخميني الفكرَ السياسي المادّي الإنساني الذي يعتبر القانون نتاجاً للحكومة([45]) أو نتاجاً للعقل البشري في أعلى مراحل تكامله([46])، ويستدلّ على ذلك بقوله: ((ينبغي للمشرّع أن يكون شخصاً مجتنباً للنفعية والانسياق للشهوة والأهواء النفسانية والظلم، وأن لا نحتمل فيه هكذا أمور، وليس ذلك سوى الله العادل.. من هنا يقول العلماء المتدينون: الدين هو قانون إلهي عظيم جاء لإدارة البشرية ومن أجل دوران عجلة الحياة))، ويقول: ((الحاكم واحد، وهو الله، والآخرون مجرون للقانون الإلهي، ليس لهم أن يأتوا بشيء من عند أنفسهم، النبي الأكرم 2 رأس تمام عالم الوجود يخاطبه الله عزوجل: لو قلتَ خلاف ما كنت قد قلتُه لقطعتُ منك الوتين، لأنه ينبغي أن تبلّغ القانون الإسلامي المتمثل بالإسلام لا غير، وحينها تكون أنت مبلّغ الرسالة، طبعاً معلوم أن المبلّغ الأمين للرسالة هو 2 وأنه لا يتخلّف عن ذلك أبداً، لكن الهدف من وراء هذا التهديد لهذا الإنسان الكامل، رسول الإنسانية، حتى نفهم أنا وإياكم ما هو المطلوب منا))([47]).

وبهذا لا يكون لأحد ــ حتى النبي 2 والإمام C ــ في النظام الديني حقّ الحكومة، إنما إجراء القانون فحسب، أمّا من له الحاكمية فهو الله والقوانين الإلهية فقط([48]).

وبتعبير الإمام الخميني هذا ــ بالإضافة إلى ما ذُكِر في المحور الأول المذكور ــ يمكن الاستدلال على الأهمية الفائقة لمحورية القانون؛ إذ ينظر إلى الشرعية الإلهية للحكومة على أنّها تدور في إطار محورية القانون الإلهي. وهذا ما يكشف عن زاوية أخرى في نظرية الحكومة عند الخميني، وهي مواصفات الحاكم.

3 ــ من هو الحاكم في التصوّر الإسلامي ــــــــــ

إحدى المسائل المطروحة في الفلسفة السياسية مواصفات القائد، حيث يقوم كلّ فيلسوف ــ تبعاً للمنظومة العامّة لفكره السياسي ــ بالبحث حولها، فأفلاطون الذي يتحدّث عن تشكيل المدينة الفاضلة يعتبر الحكمة والمعرفة من الشروط الأساسية للقائد، ومن عوامل حفظه عن الخطأ([49])، أمّا ميكافيلي الذي يعتبر الحكم هدفاً عاماً ويسمّي مجموعة العادات التي تبعث على تحصيل هذا الهدف فضيلة([50]) فيقول: ((أولئك الحكام قد عملوا أعمالاً كبيرة ولم يهتمّوا بالأعمال الصالحة، وبحنكتهم وحيلهم أوقعوا أذهان الناس الساذجة في الاشتباه، وفي النهاية تسلّطوا على الذين جعلوا الإيمان أساساً لأعمالهم، فلا يلزم أن يتّصف الحاكم بجميع الخصال الحميدة، ويمكن القول بجرأة: إنّ امتلاك هذه الخصال والاهتمام بها أمر خطير لكن التظاهر بامتلاكها أمر نافع))([51]).

يعتقد الإمام الخميني أن استقامة الإنسانية تحصل في ظلّ إجراء الشريعة الإلهية ويقول حول شرائط القائد: ((الشرائط اللازمة للقائد ناشئة ــ بشكل تلقائي ــ عن طبيعة شكل الحكومة الإسلامية، فهناك شرطان أساسيان غير العقل والتدبير..

أ ــ حيث إن الحكومة الإسلامية حكومة القانون، فيلزم للقائد أن يكون عالماً بالقوانين الإسلامية، وينبغي للحاكم أن يكون له الأفضلية العلمية.

ب ــ ينبغي أن يكون الحاكم متّصفاً بالكمال العقائدي، والفضائل الأخلاقية وعادلاً وأن لا يكون مرتكباً للمعاصي. فمن يريد أن يُجري الحدود، أي أن يجعل القانون الجزائي الإسلامي موضع التنفيذ، وأن يتصدى لبيت المال ونفقات الدولة، وأن يهبه الله القدرة والتوفيق في إدارة أمور عباده لا ينبغي أن يكون عاصياً، قال تعالى: >لا ينال عهدي الظالمين< (البقرة 124)، أي لا يهب الله تعالى للجائر هكذا صلاحية))([52]).

قال تعالى: >إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْل… < (النساء: 59)، ((فالخطاب متوجّه إلى الذين أمسكوا بزمام الأمور، أولئك الحكّام، لا القضاة، فالقاضي يحكم لكن ليس حكومة بتمام معنى الكلمة… فينبغي القول: إن آية >وإذا حكمتم… < لها ظهور في مسائل الحكومة وتشمل القاضي والحكّام جميعهم، ولو فُرِض أن الأمور الدينية كلّها كانت عبارة عن الأمانة الإلهية، وهذه الأمانة ينبغي أن تُرد إلى أهلها، فالحكومة إحدى هذه الأمانات، وبموجب الآية الشريفة ينبغي أن يكون كلّ أمر من أمور الحكومة قائماً على موازين العدالة…))([53])، ((الآن حيث نعيش في غيبة الإمام (عج) وإن لم يعيّن الله شخصاً معيناً للحكومة في عصر الغيبة، لكن الشروط اللازمة للحكومة التي كانت موجودةً منذ صدر الإسلام إلى زمان صاحب الأمر C، ولما بعد الغيبة أيضاً، هذه الشروط عبارة عن العلم بالشريعة، والعدالة، فإذا نهض فرد لائق يتمتع بهاتين الخصلتين وشكَّل الحكومة فله تلك الولاية التي للرسول الأكرم 2 في إدارة المجتمع، وينبغي على الناس بأجمعهم إطاعته))([54]).

ويقوم الإمام الخميني ــ إضافة إلى بيان الشرائط الخاصّة بالحاكم الإسلامي ــ ببيان خصائص العاملين في الحكومة ممّن يشكّل في الواقع كيان الدولة، حيث ما لم تكن الأجزاء التي يتشكّل منها النظام الحكومي متناغمةً ومنسجمةً وذات صفات وخصائص تصبّ في هدف واحد، وما لم تتمتع بروح التعاون فإن الحكومة لن تصل إلى الأهداف المرسومة لها، وإلى غاياتها المنشودة.

4 ــ رجال الدولة، السّمات والمواصفات ــــــــــ

أ ــ الالتزام بالمبادئ الغيبية: يقول الإمام الخميني حول هذا الموضوع: ((هل يمكن لأحد أن يكون غير معتقد بالمبادئ الغيبية وفي الوقت عينه يفكّر في الناس والإصلاحات؟!))([55])، ولعلّه أوضح مراده في نصّ آخر يقول فيه: ((لا تظنّوا أنّ من لا إيمان لهم يمكنهم تقديم خدمةٍ للبلاد أيضاً، ولا تظنوا أن لا فرق فيما بيننا وبين أولئك الذين لا إيمان لديهم: >وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ< (محمّد: 12)، من لا إيمان لديه نظير الحيوانات التي ترعى في حضيرة الحمير، لا فرق لديها من أين تحصل على غذائها من النبي الأكرم أو يعلفها أبو جهل، فهي تريد أن تشبع غريزتها فقط. الحيوان يريد شخصاً يرعاه، هذا الراعي سواء كان علي بن أبي طالب أو ابن ملجم لا فرق هناك! فهو رفيق من يعلفه ويرعاه أكثر، هذه الآية الشريفة التي تذكر هذا المعنى تعطي حكماً كلياً لتمييز المنحرف عن غيره))([56]).

ويعتبر الإمام الخميني الإيمان بالغيب مؤثراً وموجباً للسعادة بالاعتماد على مبدأين هما: ((الامتحان الإلهي)) و((السير إلى الله)) فيقول: ((كل شخص في أيّ مقام كان وفي أيّ مسؤولية، مقامه ذاك ومسؤوليته تلك ما هي إلا امتحان إلهي.. فماذا يفعل في مقامه هذا الذي نصب فيه؟ وما هي أفكاره؟ وما هي أخلاقه في هذا المجال؟ وما هي أعماله؟ وحتى ما هي خطرات قلبه؟))([57]).

ويقول: ((بني البشر في معرض الامتحان قال تعالى: >أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ< (العنكبوت: 2)… أيظنّ الناس أنهم بمجرد ادعائهم أنهم مؤمنون سوف يتركوا وشأنهم؟ فلا يُمتحنون ولا يتعرّضوا للبلاء.. بمجرّد أنكم ادعيتم أنّني خادم لهذه الأمة ولهذا البلد تتركون وشأنكم؟ سوف تمتحنون.. فإن كان حال أحدنا في ذلك المقام الذي بلغه مشابهاً لما كان عليه قبل بلوغ ذلك المقام بقيت سيرته وسلوكه على وتيرةٍ واحدة ولم تثقله المسؤولية.. فقد خرج من الامتحان أبيضَ الوجه))([58]).

وفي موضع آخر يقول: ((حينما تصبح جمهوريّتنا إسلاميةً وتصل إلى كمالها المنشود حيث يكون الله تبارك وتعالى حاكماً في هذه الأمة وهذا البلد، أي تكون تلك الحكومة من نقطة بدايتها إلى آخرها حكومة إلهية، الرؤساء جميعهم إلهيون.. لا يرون أنفسهم.. لأنهم ليس لديهم ذوات، ولا شخصية، كلّ ما هو موجود هو من الله.. إن تيقظنا وفهمنا أننا من الله وإليه نرجع >إنا لله وإنا إليه راجعون< (البقرة: 156)، إن فهمنا هاتين الكلمتين.. أنّ كل ما لدينا هو منه، ونحن نرجع إليه وأنه يحاسبنا، ويضعنا موضع الحساب.. ستكون أعمالنا مع عباد الله بما يكون رضاً لله فيه وبما أمر الله به، في أجهزة الدولة كلّها، وفي الأسواق الإسلامية جميعها، وفي أزقة البلاد الإسلامية وشوراعها عمومها))([59]).

ب ــ العدالة والحصانة الداخلية: يعتبر الإمام الخميني روحية الطغيان والظلم واقعاً معنوياً إن وُجِدَ في أحد يظهر في دائرة سلوكه ونفوذه، وتتسع وتضيق دائرة قدرته بما يتناسب مع دائرة أعماله، بحيث إن من يلحق ظلماً بعائلته فإن ظلمه هذا يتناسب طردياً مع عدد أفراد العائلة، فكلّما ازداد عدد أفرادها ازداد الظلم.

يقول: ((وبما أن الإنسان ظالم، والظالم إن كان تحت سيطرته عشرة أشخاص فظلم سيكون بحجم هؤلاء العشرة، وإن كان تحت سيطرته مجتمع مؤلّف من خمس وثلاثين مليوناً فظلمه بحجم خمس وثلاثين مليون شخص، الإنسان هو ذلك الإنسان، لأنه لم يصبح إنساناً بعد، فهو موجود طاغوتي وشيطاني… إن لم يخضع لسلطنة الأنبياء ولم يأخذ التعليم والتربية عنهم، فلا فرق بين هذا الفرد وذاك الذي يقوم بنهب العالم من الناحية الروحية وإن كان في البين فرق عملي))([60]).

طبق هذا الاعتقاد يعتبر الإمام الخميني العدالة ضروريةً في الحكّام والولاة فيقول: ((من يريد إجراء الحدود، وجعل القانون الجزائي الإسلامي موضع التنفيذ، وأن يتصدى لبيت المال ونفقات الدولة، وأن يهبه الله صلاحية إدارة عباده، لا ينبغي أن يكون عاصياً: >لا ينال عهدي الظالمين< (البقرة: 124) …))([61])، ((قال تعالى في محكم كتابه العزيز: >وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل< (النساء: 8)، فالخطاب موجّه لمن يمسك بزمام الأمور ويحكم))([62]).

ج ــ الوعي القانوني: الشرط الثالث الذي يطرحه الإمام الخميني، معرفة عمّال الدولة الإسلامية بالقوانين والأحكام الإلهية التي تنسجم مع إطار الحكومة الإسلامية: ((بما أنّ الحكومة الإسلامية هي حكومة القانون، فيلزم للحاكم العلم بالقوانين الإسلامية.. ليس فقط للحاكم بل للأفراد جميعهم، ولكل من امتلك شغلاً ووظيفة ومقاماً، فهذه المعرفة بالقانون ضرورية لهم جميعاً))([63]).

د ــ التزكية الروحية وتهذيب النفس: بالإضافة إلى الشرائط الثلاثة المذكورة آنفاً، يعتبر الإمام تزكية النفس عاملاً على تحرير رجال الدولة من الطبيعة والسلوك الطاغوتي، إذ بالتحلّي بالتزكية ليس فقط لا يكتفي العاملون لرعاية العدالة في أنفسهم فحسب، بل تتهيأ الأرضية لإصلاح المجتمع وتُضمَن في هذا السبيل إسلاميّته.

يقول: ((فالذين يريدون حكم البلاد، إن أرادوا الابتعاد عن الطغيان واجتناب الأعمال الشيطانية ينبغي عليهم أن يُزكّوا أنفسهم… وأن ضرورة هذه التـزكية لرجال الدولة، للملوك، لرؤساء الجمهوريات، للحكومات وللزعماء أكثر منها لعوام الناس، فإن لم يُزكِّ عوامّ الناس أنفسهم بل طغوا فإن طغيانهم محدود جداً، أمّا إذا طغى من له تأثير بين الناس على شتى المستويات.. فغالباً ما يجرّ طغيانه هذا إلى الفساد، وأحياناً يجرّ الدول إلى الهاوية والخراب، وقد قال الله في سبب بعثة الأنبياء: >لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ< (آل عمران: 64)…))([64]).

5 ــ الحاكم الإسلامي، السلطات والصلاحيات ــــــــــ

من جملة الذين اهتموا بشكل واضح بدراسة سلطة الحاكم ودائرتها جان بدن (1530 ــ 1596م)، فقد اعتقد بسلطته المطلقة التي تُفوَّض إليه من قِبَل الناس أو الشرفاء، وبموجب هذا التفويض يسلمون له ــ بالاعتماد على شجاعته ومروّته ــ ما يملكون من الروح والمال وأمور البلاد جميعها، فله الحرية أن يفعل ما يريد بشكل كامل ومطلق، وسلطته غير مشروطة بشرط إلا الشروط التي تقرّها القوانين الإلهية والطبيعية، إذ لو فوّضت إليه مقرونةً بمحظورات كثيرة فلن تعود مطلقة، بل لن تكون سلطة حكومية أساساً، فحقوق السلطان عبارة عن وضع القانون، وحقّ إعلان الحرب وعقد الصلح، وكذلك حق إصدار الأحكام النهائية لما يصدر من جانب القضاة، وكذا نصب المسؤولين والوزراء وأصحاب المناصب الحكومية وعزلهم([65]).

إنّ أكثر ما بحثه العلماء المسلمون هنا كان صلاحيات الحاكم الإسلامي، لكنّنا نركّز على نظرية الإمام الخميني، نظراً لغناها وثرائها الداخلي.

لا يعتقد الإمام الخميني أنّ هناك فرقاً بين سلطة النبي 2 السياسية وسلطة الفقيه، ولا يعتبر الفضائل الإستثنائية للنبي 2 وأميرالمؤمنين C موجبةً لزيادة سلطاتهم الحكومية على سلطات الفقيه المماثلة([66]).

يقول في هذا الصدد: ((إن كانت السلطة الحكومية مبتنيةً على الأحكام الفردية الإلهية فقط فإن عرض الحكومة الإلهية والولاية المطلقة المفوّضة إلى نبي الإسلام 2 كظاهرة، ستكون فارغة من المعنى والمحتوى.. ينبغي القول: إن الحكومة التي هي شعبة من الولاية المطلقة لرسول الله 2 هي إحدى الأحكام الأولية الإسلامية ومقدّمة على جميع الأحكام الفرعية حتى الصلاة والصوم والحج.. يمكن للحكومة الإسلامية أن تُلغي جانباً من العقود الشرعية المرتبطة بالناس، حينما تكون تلك العقود مخالفةً لمصالح الدولة والإسلام، ويمكن أن تحظر أيّ أمر ــ سواء كان عبادياً أو غير عبادي ــ يكون وجوده مخالفاً لمصالح الإسلام ما دام على هذه الشاكلة))([67]).

وقد أثارت هذه النظرية سلسلةً من الاستفهامات والإشكاليّات من زاوية إفضائها إلى نوع من استبداد الفقيه ودكتاتوريته وعدم محدودية سلطاته، وقد قام الإمام الخميني ــ بغية الإجابة عن ذلك ــ بوضع حدود لسلطات الولي الفقيه أو القائد في جهاز الحكومة، وتحديد صلاحيات الفقيه بصورة مقبولة، يقول: ((لا تخشوا ولاية الفقيه، لا يريد الفقيه أن يكذب على الناس. فإن أراد فقيه أن يكذب فإنّ ولايته ستكون غير نافذة بعد ذلك))([68])، وإن ((ارتكب فسقاً فسينعزل بنفسه تلقائياً))([69]).

يعتبر الإمام الخميني أنّ ملاك الأحكام الحكومية ــ التي تشير إلى السلطات الاستثنائية للفقيه ــ عبارةً عن مصالح الإسلام والدولة([70])، وليست خاضعةً للأذواق الشخصية أو التصميم الفردي حتى تعدّ دكتاتوريةً أو فردية.

6 ــ وظائف الحكومة الدينية ــــــــــ

المحور السادس في النظرية السياسية للخميني تحديد أهداف الدولة الدينية ومسؤوليّاتها، وهذا ما يعدّ واحداً من الموضوعات الهامّة في الفكر السياسي ([71]).

ويمكن أن تنضوي تحت هذا العنوان موضوعات أساسية عدّة، مثل توسعة الأراضي، وحماية الحريات المشروعة، والسلام والأمن، ورفاه الناس، والسلامة الصحية والقوة البدنية، وتربية الناس وإجراء العدالة.. مما عرف أهدافاً للدول والحكومات.

يلخّص الإمام الخميني وظائف الحكومة في المجالات التالية:

أولاً: تربية المجتمع: ينقسم الفلاسفة السياسيون إلى فئتين ــ موالية ومخالفة ــ لتربية الفضائل الإنسانية من قبل النظام الحاكم، ومن بينهم، يدّعي أفلاطون أن الحكومة تعني بمعناها الصحيح التربية، والتربية ليست سوى تربية الفضائل التي أودعتها الطبيعة في الإنسان. ومعنى كلام أفلاطون أنه ينبغي أن تكون التربية عامّة وحكومية([72])، وهكذا اعتقد أرسطو أيضاً بالأمر ذاته، معتبراً وظيفة الدولة الأولى إصلاحَ العيوب الأخلاقية وتلقين الناس الفضائل الإنسانية([73]).

أمّا دعاة الحرية بعد أفلاطون ــ ومن جملتهم الإنجليزي جان لوك ــ فيعتقدون أن القوانين الرسمية ــ الحكومية ــ ينبغي أن تكتفي بتنظيم الأمور المتعلّقة بمالكية أتباع الدولة فقط، ليس لأجل أن المالكية أهمّ من الفضائل المعنوية، بل لأن الفضائل المعنوية لا يمكن اكتسابها عبر القانون([74]).

وقد سجّلت ملاحظة على هذا الكلام، تتلخّص في أنّه حينما تتعهّد الدولة بالتربية ينتج عن ذلك أن الخصوصيات الأخلاقية لأتباع تلك الدولة تصبح متساوية تدريجياً ويترتب على هذه الظاهرة أفضلية المجتمع على الفرد، وتفاني الفرد في سبيل مصلحة المجتمع([75]).

يرى الإمام الخميني أنّ الحكومة الإسلامية استمرار لحكومة الأنبياء([76])، كما يراها مسؤولةً عن تربية المجتمع، يقول في هذا الشأن: ((إن كان لكل دولة برنامج، فيصحّ القول: إنّ برنامج الرسول الأكرم 2 يمكن تلخيصه بتلك السورة التي جاءت في بداية البعثة المباركة، برنامج رسول الله هو: >إقـرأ باسم ربّك الذي خلق.. علم الإنسان ما لم يعلم<.. جميع الأنبياء موضوع بحثهم، موضوع تربيتهم، موضوع علمهم، الإنسان، لقد بعثوا لتربيته، لينقلوا هذا الموجود الطبيعي من مرتبة الطبيعة إلى مرتبة عالية، ما فوق الطبيعة، ما فوق الجبروت، ليصل إلى الكمال))، ((من الواضح إلى أيّ حدّ اهتم الإسلام بالحكومة والعلاقات السياسية والاقتصادية للمجتمع، حتى أصبحت كلّ شيء في خدمة تربية الإنسان المهذّب الفاضل))([77]).

ثانياً: تنفيذ القانون: يرى الإمام الخميني حزم الدولة في إجراء القانون الإسلامي أمراً حيوياً، ويرى التسامح والمصلحيّة خطراً جدّياً على النهضة الدينية، وفي هذا المجال يطلب المغفرة من الله([78]) للتساهل والتسامح إزاء الحوادث المخالفة للدين والتي حدثت في السنين الأولى من عمر الثورة الإسلامية الإيرانية، ذلك التساهل الذي جاء نتيجة توصية دُعاة ((المصلحة بذلك))([79]).

تنشأ ضرورة الحزم هذه من أنّ الإمام الخميني لا ينظر إلى إجراء القانون بوصفه أحد العناصر الهامّة في إيجاد الوحدة في النظام الحاكم الذي قد يصاب بالتمزّق والضعف([80])فحسب ــ كما نظر إليه البعض ــ بل يعتبره ــ أي إجراء القانون ــ وسيلةً لحاكمية العدالة وسلّماً لتعالي الإنسان، والهدف الأساسي للدولة.. للإسلام نظرة آلية إلى القانون، أي يعدّه آلةً ووسيلة لتحقّق العدالة في المجتمع، ويعتبره أيضاً وسيلةً للإصلاح العقائدي والأخلاقي ولتهذيب الإنسان([81]).

يقول الإمام الخميني P: ((ينبغي العمل على تربية المجتمع، فتطبيق الحدود الإلهية إنما هو لتربية المجتمع لا للانتقام، إن لم يقتل القاتل فستزداد جرائم القتل >في القصاص حياة<، لذا فجميع الحدود الإلهية تقع لصالح المجتمع الإنساني))([82]).

ثالثاً: مقارعة الظلم والاستكبار: ينبغي ــ طبق رؤية الإمام الخميني ــ أن تكون علاقة الحكومة الدينية بسائر الحكومات قائمةً على أساس حفظ استقلال البلاد ورفض سلطة الاستكبار بأشكالها كافّة، فينبغي على الحكومة الإسلامية أن تسعى للوقوف بوجه القوى المستكبرة، لتأمين استقلال المجتمع الإسلامي وحرّيته: ((يقول الله تعالى في محكم كتابه العزيز: >لَن يَجْعَلَ الله لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً< (النساء: 141)، أساساً لا ينبغي للمشركين والقوى الفاسدة أن يستولوا على بلاد المسلمين، أو أن يتسلّطوا عليهم([83])،>.. بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا< (النساء: 138 ــ 139)، >يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ< (المائدة: 50)، >وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ الله يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ الله يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ< (الأنفال: 59)، .. هذه هي التعليمات الغيبية للقرآن التي أنزلها الله لحفظ استقلال الدولة الإسلامية وبناء عظمتكم وشموخكم يا أمة القرآن وأتباعه، اقرؤوها.. واعملوا بها حتى يعود لكم استقلالكم وعظمتكم، وتنالوا الانتصار والعظمة مجدداً، وإلا فسوف لا يكون لكم شأن، وستعيشون حياةً مليئة بالذلّة والهوان، وستصبحون لقمةً سائغة للمستكبرين))([84]).

((]مسلمو صدر الإسلام[ جاهدوا بأموالهم وأنفسهم من أجل الإسلام، وقطعوا هذا الطريق بنجاح، لقطع دابر الظَلَمَة وإزالة شرّهم وظُلمهم عن المظلومين وليحققوا الوعد الإلهي: > وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً<))([85]).

حينما تمّ للإمام الخميني P تشكيل الدولة الإسلامية بتوفيق من الله ــ ولأجل الحصول على الهدف المذكور ــ وضع مبدأ ((لا شرقية ولا غربية))، حتى يؤمّن استقلال البلاد والحكومة الإسلامية من خلال رعاية هذا المبدأ.

يقول في هذا الصدد: ((لقد كان شعارنا ((لا شرقية ولا غربية)) شعاراً مبدئياً للثورة الإسلامية، في عالم مليء بالجياع والمستضعفين، وهذا المبدأ يبيّن السياسة الإسلامية الواقعية بعدم انحياز البلاد الإسلامية والبلاد التي ستنضمّ في المستقبل القريب وبعون الله للإسلام بعنوانه الدين الوحيد المنجي للبشرية.. ولا يظنَّن أحد أن هذا الشعار شعار مرحلي، إذ إنّ هذه السياسة هي معيار عمل شعبنا الدائم وجمهوريتنا الإسلامية وجميع مسلمي العالم من أوّلهم إلى آخرهم؛ لأنّ شرط الورود إلى صراط نعمة الحق >صـراط الذين أنعمت عليهم< هو البراءة والبعد عن صراط الضالّين >ولا الضالين<))([86]).

إن الإمام الخميني ــ إلى جانب تربيته للمجتمع من خلال الحكومة التي هي أهم حصيلة للسير باتجاه الله تعالى وللسعي وراء الأهداف السامية ــ يشير إلى الاستقلال الاقتصادي والقدرة العسكرية والتعبئة العامّة، يقول: ((لقد أمرنا الله أن نسعى كي لا نكون تحت إشراف بلد أو تحت لواء الكفر، هذه هي إحدى المسائل المهمة، فينبغي أن نجهد ونسعى وأن ندير اقتصادنا بأنفسنا))([87]).

ومقصوده من أمر الله في الحديث المذكور هذه الآية: >ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً< (النساء: 141).

7 ــ المشاركة السياسية ــــــــــ

المحور السابع في رؤية الإمام الخميني للحكومة الإسلامية دورُ الأمّة في أمر الحكومة؛ وبتعبير آخر المشاركة السياسية.

المشاركة السياسية ــ في نظر الإمام الخميني ــ لا تشبه في تعريفها أيّاً من تعريفاتها في الدراسات السياسية المعاصرة، فأهمّ خصيصة في رؤيته حول الشرعية هو الإيمان السياسي، الأمر غير المستساغ لدى النظريات السياسية المعاصرة.

لذا نراه يركّز على مسائل مهمة وهي: أن القرآن كتاب سياسة وحكومة([88])، وأنّ الولي الفقيه هو الذي يمنح النظام الحاكم شرعيّته، وأنّ منصب القيادة من الله تعالى([89])، وأنّ الوظيفة الأساسية للحكومة الإسلامية تطبيق القوانين والأحكام الإسلامية([90]) الهادفة لبناء الإنسان وتأمين احتياجاته المادية([91])، تلك القوانين والأحكام الناجمة عن منظومة العدل الإلهي([92])؛ لذا ــ وبناءً على النقاط الآنفة الذكر ــ تبدو ضرورة المشاركة السياسية للمجتمع الاسلامي طبيعيةً ومنطقية جداً، وتستمدّ شرعيّتها من الإيمان بالإسلام.

يشير الإمام في توجيهاته لفئات المجتمع من الرجال والنساء حول المشاركة السياسية وإبداء النظر والاهتمام بالسياسة([93]) إلى الماهية الإلهية لهذه الشرعية والمشاركة أيضاً، فيقول: ((إذا تمّت رعاية المقرّرات الإسلامية بحدّها الأعلى فسيتحقّق هدفان مهمّان، هما مقصد جميع الأنبياء، الهدف الأوّل بناء الجانب الروحي والمعنوي للناس، والهدف الثاني إقامة العدل في المجتمع، لذا ينبغي على من يمثل رأس النظام، بل على أولئك الذين يديرون السلطات الثلاثة، وحتى أولئك الموظّفين في الدائرة الأوسع لكنهم مكلّفون ببعض المسؤوليات في النظام، ينبغي عليهم جميعاً تحمّل هذا العبء))([94]).

لا تتوقّف المشاركة السياسية ــ عند الخميني ــ على مواجهة أعداء الحكومة الإسلامية وبناء الجوانب المعنوية والعدالة في المجتمع، بل يدخل فيها ــ أي في المشاركة السياسية ــ مراقبة الحكّام وانتقادهم، والذي هو في واقعه نوع من الدفاع عن النظام الإسلامي أيضاً. يقول: ((الأمّة بأجمعها مكلّفة بمراقبة الأمور؛ إذا أنا تنحيّت جانباً أو زلّت إحدى قدماي وانحرفت ــ لا سمح الله ــ عن الطريق الصحيح، فالأمّة مكلفة أن تقول: لقد انحرفت، قف عند حدّك… ينبغي أن يكون المسلمون على هذا المنوال، بحيث لا يتجرأ كلّ من يريد أن يكون خليفة المسلمين فيسير باتجاه تحقيق أهدافه بأي ثمن حتى بمخالفة الأصول الإسلامية، فعلى المسلم أن يشهر سيفه ليقوّم انحراف الحاكم ــ أيّاً كان ــ حتى يستقيم))([95]).

وتتمتع المشاركة السياسية السليمة في نظر الإمام الخميني بخاصيتين: أ ــ وحدة الكلمة. ب ــ محورية الحق، ويعتبر وحدة الكلمة والعقيدة وسيلة ارتقاء الأهداف والمقاصد الكبرى، ولها دور خطير في بناء المدينة الفاضلة، فيقول حول ذلك الدور وبيان خصائصه: ((نحن من تلك الزاوية نرى أن الإسلام قد اعتمد على الأخوة، قال تعالى: >إنما المؤمنون إخوة<، يُستفاد منه أن المؤمنين ليس لهم من شأن سوى الأخوّة، وخلاصة العلاقات الانسانية بينهم تتلخّص بالأخوّة لا غير([96]).

ويضيف: إذا نحن لم نهتم بأي جانب من جوانب حياتنا سوى بأخوّتنا، فسنكون حتماً منسجمين. فليست الأخوة أن أعمل عملاً خلاف القانون، أو خلاف النظام، وأنتم كذلك تعملون خلاف القانون… فهذا خلاف الأخوّة، لأن الأخوّة التي يريدها الإسلام شيء آخر، إنّه يريد أن نخطوا إلى الأمام معاً وننجز أعمالنا بنجاح وتفوّق، فالاسلام حثّ على الأخوة ليحصل الانسجام، وبالتالي التقدّم والرقي للمسلمين))([97]).

إن جميع ما يطلبه الناسُ العاديون، وتحثّ عليه حتى الأنظمة غير الإلهية أن يكون الناس متحدين بعضهم مع بعضهم الآخر، وهذا أمر بالوحدة والأخوّة.

الدستور الإلهي في هذا المجال واضح أيضاً، يقول عز من قائل: >واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا… <وليس المعنى المأخوذ من الآية أن تجتمعوا وتتوحّدوا على أمر واحد ولا تتفرّقوا فيه، بل الاعتصام بحبل الله، فالاعتصام يكون بسبيل الحق، وهو سبيل يبدأ من عالم الطبيعة ويمتدّ إلى ما ورائها، إلى ذلك العالم الذي لا نستطيع أن نصل إلى فهمه الآن، فالاعتصام بحبل الله يؤدّي إلى سعادة الدنيا والآخرة([98])


[1]) صحيفة النور 13: 218.

[2]) المصدر نفسه.

[3]) المصدر نفسه 18: 47.

[4]) المصدر نفسه 9: 137 ـ 138.

[5]) المصدر نفسه 13: 218.

[6]) المصدر نفسه 16: 36.

[7]) المصدر نفسه 4: 33.

[8]) در جستجو از كلام إمام 15: 15، طهران، مطبعة أمير كبير، دار النشر أمير كبير.

[9]) المصدر نفسه.

[10]) صحيفة النور 7: 252.

[11]) الإمام الخميني، ولاية الفقيه: 28.

[12]) صحيفة النور 17: 252.

[13]) الإمام الخميني، ولاية الفقيه: 28.

[14]) الإمام الخميني، كشف الأسرار: 300.

[15]) الإمام الخميني، ولاية الفقيه: 27.

[16]) الإمام الخميني، ولاية الفقيه: 77.

[17]) و. ت. جونز، خداوندان انديشه سياسي 1: 56، الفصل الثاني، ترجمة علي رامتين، طهران، أمير كبير.

[18]) صحيفة النور 10: 168.

[19]) صحيفة النور 13: 32.

[20]) صحيفة النور 2: 86.

[21]) الإمام الخميني، ولاية الفقيه: 99 ـ 100.

[22]) صحيفة النور 2: 330.

[23]) الإمام الخميني، ولاية الفقيه: 18.

[24]) المصدر نفسه.

[25]) الإمام الخميني، ولاية الفقيه: 125 و133 ـ 134.

[26]) صحيفة النور 3: 202.

[27]) الإمام الخميني، كشف الأسرار: 235.

[28]) الإمام الخميني، ولاية الفقيه: 152.

[29]) الإمام الخميني، آداب الصلاة: 237 ـ 239.

[30]) صحيفة النور 1: 20.

[31]) صحيفة النور 4: 18.

[32]) الإمام الخميني، ولاية الفقيه: 51.

[33]) الإمام الخميني، كشف الأسرار: 221 ـ 223.

[34]) المصدر نفسه: 223.

[35]) الإمام الخميني، ولاية الفقيه: 116 ـ 119.

[36]) الإمام الخميني، ولاية الفقيه: 104 ـ 105.

[37]) ولاية الفقيه: 77 ـ 79.

[38]) صحيفة النور 10: 27.

[39]) آستين رني، حكومت، ترجمة: ليلا سازكار، مركز نشر دانشكاهي: 12.

[40]) و. ت. جونز، خداوند انديشه سياسي، القسم الثاني 1: 315.

[41]) مصباح يزدي، محمد تقي، حكومت اسلامي وولاية الفقيه: 25.

[42]) الإمام الخميني، ولاية الفقيه: 46.

[43]) صحيفة النور 9: 42، و4: 45.

[44]) المصدر نفسه 22: 142.

[45]) آنطوني غوئينتن، فلسفة سياسي: 22، ترجمة مرتضى أسعدي، طهران، به آور.

[46]) مايكل فاستر، و. ت. جونز، خداوند أنديشه سياسي، الفصل الثاني، 1: 315.

[47]) صحيفة النور 11: 171.

[48]) المصدر نفسه 11: 170، و9: 42.

[49]) عنايت، حميد، بنياد فلسفه سياسي در غرب: 65، طهران، مطبعة زمستان.

[50]) لئوشتراوس. فلسفه سياسي جيست؟: 50 ترجمة الدكتور فرهنك رجائي، طهران، مطبعة علمي فرهنكي.

[51]) ميكافيلي، الأمير: 92، نقلاً عن بنياد فلسفه سياسي در غرب: 165.

[52]) الإمام الخميني، ولاية الفقيه: 51.

[53]) ولاية الفقيه: 93.

[54]) المصدر نفسه: 51.

[55]) صحيفة النور 2: 6.

[56]) صحيفة النور 6: 49.

[57]) المصدر نفسه 18: 212.

[58]) صحيفة النور 13: 237.

[59]) صحيفة النور 13: 268.

[60]) المصدر نفسه 8: 83.

[61]) الإمام الخميني، ولاية الفقيه: 53.

[62]) ولاية الفقيه: 53.

[63]) المصدر نفسه: 51.

[64]) صحيفة النور 14: 264.

[65]) و. ت. جونز، خداوندان انديشه سياسي، الفصلان الأول والثاني: 65.

[66]) الإمام الخميني، ولاية الفقيه: 55.

[67]) صحيفة النور 20: 170.

[68]) المصدر نفسه 10: 29.

[69]) الإمام الخميني، ولاية الفقيه: 78.

[70]) صحيفة النور 20: 170.

[71]) آنطوني غوئينتن، فلسفه سياسي: 45.

[72]) مايكل فاستر، و. ت جونز، خداوندان انديشه سياسي، ج1، ق2: 288، وج2، ق1: 201 و74.

[73]) عنايت، حميد، بنياد فلسفه سياسي در غرب: 54.

[74]) المصدر نفسه: 223.

[75]) عنايت، حميد، بنياد فلسفه سياسي در غرب: 54.

[76]) الإمام الخميني، ولاية الفقيه: 51.

[77]) صحيفة النور 7: 223، وولاية الفقيه: 21.

[78]) صحيفة النور 12: 253، و18: 178.

[79]) المصدر نفسه 12: 254.

[80]) بخشايش، أحمد، اصول علم سياست: 71، طهران، آواي نور.

[81]) الإمام الخميني، ولاية الفقيه: 82.

[82]) صحيفة النور 6: 176.

[83]) صحيفة النور 3: 4، و16: 36.

[84]) الإمام الخميني، كشف الأسرار: 423 ـ 424.

[85]) صحيفة النور 17: 142.

[86]) المصدر نفسه 20: 114.

[87]) المصدر نفسه 11: 117.

[88]) صحيفة النور 17: 252.

[89]) المصدر نفسه 10: 27.

[90]) المصدر نفسه 11: 171.

[91]) المصدر نفسه 22: 270.

[92]) المصدر نفسه 9: 42.

[93]) المصدر نفسه 9: 136، و 18: 262.

[94]) المصدر نفسه 18: 33.

[95]) المصدر نفسه 7: 33 ـ 34.

[96]) در جستجوي راه از كلام امام 15: 75.

[97]) صحيفة النور 11: 148.

[98]) المصدر نفسه 8: 155.

الكاتب إبراهيم سجادي

إبراهيم سجادي

مواضيع متعلقة

اترك رداً

downloadfilmterbaru.xyz bigoporn.club bok3p.site sablonpontianak.com