القصاص في القرآن الكريم

img

قراءةٌ جديدة

الشيخ روح الله ملكيان(*)

«القصاص» لغةً «مُقَاصَّة وَلِيِّ المقْتُولِ الْقَاتِلَ وَالمَجْرُوحِ الْجَارِحَ، وَهِيَ مُسَاوَاتُهُ إيَّاهُ فِي قَتْلٍ أَوْ جَرْحٍ، ثُمَّ عَمَّ فِي كُلِّ مُسَاوَاةٍ»([1]). واصطلاحاً هو استيفاء أثر الجناية من قتل أو قطع أو جرح. وقد جاء القصاص وأحكامه في آياتٍ قليلة من القرآن، أهمّها: الآية 178 من سورة البقرة، والآية 45 من سورة المائدة، فينبغي الكلام حول القصاص ذيلاً للآيتين المتكفِّلتين لبيان أحكامه.

الآية الأولى

وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالمعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (البقرة: 178). ولها فقراتٌ خمس نبحث عن كلٍّ منها على حِدَة.

الفقرة الأولى

قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾. الكتابة هنا كتابة التشريع. ونظائره في القرآن كثيرةٌ، منها: هذه الآي: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ…﴾ (البقرة: 187)؛ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى المتَّقِينَ﴾ (البقرة: 180)؛ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183)؛ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ…﴾ (البقرة: 216)؛ ﴿…هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَنْ لاَ تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَنْ لاَ نُقَاتِلَ في سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: 246)؛ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ…﴾ (النساء: 77)؛ ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ…﴾ (النساء: 66)؛ ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ في الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً…﴾ (المائدة: 32)؛ ﴿…وَجَعَلْنَا في قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾ (الحديد: 27)؛ ﴿وَالمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللهِ عَلَيْكُمْ…﴾ (النساء: 24).

وإنْ استعملت في القرآن كثيراً في غير التشريع أيضاً، كما في هذه الآي: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ…﴾ (المائدة: 21)؛ ﴿قُلْ لِمَنْ مَا في السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ…﴾ (الأنعام: 12)؛ ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ…﴾ (الأنعام: 54)؛ ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا…﴾ (التوبة: 51)؛ ﴿كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (المجادلة: 21)؛ ﴿…أُولَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ…﴾ (المجادلة: 22)؛ ﴿وَلَوْلاَ أَنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ في الدُّنْيَا…﴾ (الحشر: 3). فالمراد بها في هذه الآي الكتابة التكوينيّة.

والكتابة التشريعيّة لا تختصّ بتشريع الحكم الإلزاميّ، بل هي أعمّ منه ومن تشريع الحكم الترخيصيّ. خلافاً للفخر الرازيّ، حيث قال: «إنّ قوله تعالى: «كتب» يفيد الوجوب في عرف الشرع، قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ﴾، وقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ﴾»([2])؛ فإنّه ـ كما سيأتي ـ مردودٌ بقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلى نِسَائِكُمْ… فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ (البقرة: 187).

ثمّ إن متعلَّق التشريع إمّا حكمٌ إلزاميّ لا يجوز إلاّ امتثالُه؛ وإمّا حكم ترخيصيّ يجوز امتثاله وتركه. وبما أنّ المترائيَ من الحكم الإلزاميّ هو المشقّة والكلفة على الذي كُلِّف به ـ ولذا قد يكرهه المكلّف، كما صَرَّحت به آيةُ القتال (البقرة: 216) ـ فإذا أُنشِئ الحكم بالفعل المتعدّي بـ «على» فالحكم إلزاميّ، كما في آيات القصاص والصوم والوصيّة والقتال. ولذا قال الرازيّ في تفسيره: «لفظة «عليكم» مشعرة بالوجوب»([3]). وفي عكسها إذا كان الحكم ترخيصيّاً يتراءى منه المنفعةُ والرخصةُ والسهولةُ ونحوُها فالحكم يُنشَأ بالفعل المتعدّي بـ «اللام»، مثل قوله: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ﴾ (البقرة: 187). كما أنّ الأمر في التحريم (وهو حكمٌ إلزاميّ) والإحلال (وهو حكمٌ ترخيصيّ) كذلك، قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَ… وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (النساء: 23 ـ 24)، وقال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الميْتَةُ وَالدَّمُ… أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ﴾ (المائدة: 3 ـ 4). ولهذا جمع بين «التحريم» و«كتب على» في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَ… كِتَابَ الله عَلَيْكُمْ﴾ (النساء: 23 ـ 24)، وبين «الإحلال» و«كتب لـ» في قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ… فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ (البقرة: 187). وعليه لا بُدَّ أن يكون القصاص المُنشأ بقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ﴾ حكماً إلزاميّاً أيضاً.

ثمّ إنّه إذا كان القصاص حكماً إلزاميّاً على المؤمنين فلا يجوز تركه، كما أنّ الأحكام المُنشأة بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ في الصيام والقتال وغيرهما لا يجوز لأحد تركُه ـ إلاّ لمَنْ استثنته نفس الآيات ـ، مع أنّا نرى أنّ العفوَ وتركَ القَوَد جائزٌ بتصريح الآية، وبإجماع الفريقين. هذا أوّلاً. وثانياً: إنّ قود القاتل من الأحكام الإلهيّة التي شرّعه الله تعالى في التوراة، كما صرّح به القرآن في الآية 45 من سورة المائدة، قد مضت عليه قرونٌ من السنين، وكان من سنن العرب في الجاهليّة أيضاً، وليس حكماً جديداً، كما يتراءى جِدَّتُه من قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾. وثالثاً: الظاهر من «عليكم» أنّ هذا الحكم ممّا اختصّ به المسلمون. ورابعاً: ليست في تشريع استيفاء القَوَد كلفةٌ على المؤمنين، بل هو حكمٌ مقبول مطبوع لهم بجعل هذا الحقّ لأولياء الدماء، كما صرّح به صاحب الميزان، حيث قال: «إنّ القصاص في القتلى أمرٌ يوافق حسّ الانتقام الثائر في نفوس أولياء المقتولين، ويلائم الشحّ الغريزيّ الذي في الطباع أن ترى القاتل حيّاً سالماً يعيش ولا يعبأ بما جنى من القتل… فهذان ـ أعني القصاص والوصيّة ـ حكمان مقبولان بالطبع عند الطباع»([4]).

وبناءً على هذا كلّه يكون المراد من «القصاص» ـ لا محالة ـ حكماً موصوفاً بكونه مستحدَثاً أوّلاً، ومختصّاً بالمسلمين ثانياً، وإلزاميّاً ثالثاً، وفيه كلفةٌ رابعاً. فلا يمكن أن يكون المراد منه أن يُفعَل بالجاني مثلُ ما جنى؛ إذ ليس في مجازاة الجاني شيءٌ من هذه الخصوصيّات الأربع المذكورة. بل المراد منه ليس إلاّ المساواة في القتلى في صفاتٍ ذكرَتْها الآية، وخصوصاً بقرينة ما حُكي أنّ الآية نزلت في أقوامٍ إذا كان لهم عدّةٌ ومنعة فقتل عبدُ قومٍ آخرين عبدَهم قالوا: لا نقتل به إلاّ حرّاً؛ تعزُّزاً لفضلهم على غيرهم. وهكذا إذا قُتلت لهم امرأةٌ. ومن المعلوم أنّ المساواة في القتلى حكمٌ مستحدَث في الشريعة الإسلامية، مختصٌّ بالمسلمين، غيرُ مسبوق بمثله في الشرائع الإلهيّة السابقة عليها. وأيضاً هو إلزاميّ لا يجوز لأحدٍ التخطّي عنه؛ إذ لوليّ الدم إمّا طلبُ قود القاتل، فيجب عليه رعاية المساواة المذكورة في الآية، وإمّا العفوُ فلا يقدح حينئذٍ في رعاية المساواة؛ إذ المساواة صارت سالبةً بانتفاء موضوعها. وأيضاً فيه كلفةٌ على المؤمنين؛ إذ عدم القود ـ لفقد المساواة في كثير من المواضع التي كانوا يقودون القاتلَ ـ كلفةٌ على طباعهم المألوفة على قتل القاتل مطلقاً في الجاهليّة أو على الشريعة التوراتيّة.

ولا يخفى أنّ فهم المراد من كلمة «القصاص» يؤثِّر أثراً كبيراً في فهمِ المراد من بقيّة الآية، وتعيينِ متعلّق الجارّ في قوله: ﴿في الْقَتْلَى﴾، وفهمِ ارتباط فقرة ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ في الْقَتْلَى﴾ مع فقرة ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى﴾، وتعيينِ المشار إليه في فقرة ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ وغيرها، ولذا أطلنا الكلام لدراسة معناه، فتأمَّلْ جيِّداً.

وكذلك قولُه تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (البقرة: 194) يدلّ بوجوه ثلاثة على أنّ هذا المعنى هو المعنيّ بالقصاص: أوّلها: إنّ الحرمات لا يتأتَّى فيها القودُ. ثانيها: إنّه لو كان المراد بالقصاص المجازاة بالمثل في الحرمات لقال: «والحرمات بالحرمات»، كما قال قبله: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾. ثالثها: إنّه لو كان المراد بالقصاص المجازاة بالمثل فيها لكان قوله المتفرِّع عليه: ﴿فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ…﴾ مستدركاً. وعلى هذا فيكون مراد الآية أنّ الحرمات متساويةٌ، فمَنْ اعتدى عليكم بهتك حرمةٍ من حرماتكم فاعتدوا عليه بمثل اعتدائه، واهتكوا عليه تلك الحرمة؛ إذ الحرمات متساوية. وفي قوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ… وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (المائدة: 45) أيضاً دلالةٌ أخرى على إرادة هذا المعنى، نذكرها عند الكلام حول الآية.

وبهذا المعنى للقصاص صرَّح كثيرٌ من المفسِّرين([5]).

ولا يخفى أنّ المماثلة والمساواة والمعادلة والمكافأة ونحوها، ممّا جاء في كلمات المفسِّرين والمترجمين في توضيح كلمة «القصاص»، ألفاظٌ قريبة المعاني، تدلّ على عدم زيادة أحد الشيئين على الآخر، وعدم نقصه منه، في القدر والمقدار والفضل والعلوّ ونحوها، بحيث يمكن سدّ أحدهما مسدّ الآخر.

وأيضاً ترجم كثير من المترجمين قولَه: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ هكذا: «حرمتها را برابري است» (روض الجنان)، «حرامها با هم برابرند» (الفارسي)، «حرمتها را مساوات وبرابري است» (فيض الإسلام، أطيب البيان)، «حرمتها برابر است» (المعزّى)، «حرمتها را مساوات است» (منهج الصادقين).

إنْ قال قائلٌ: إنّ أكثر هؤلاء المفسّرين فسّروا المساواة المذكورة في كلامهم بقولهم: «وهو أن يفعل بالقاتل مثل ما فعله بالمقتول»([6])، أو بقولهم: «بأن يعامل غيره بمثل ما يعامله به في هذا المجال»([7])، أو قولهم: «أن يسلك بالقاتل في طريق المقتول الذي سلكه به لما قتله»([8])، أو قولهم: «بحيث يفعل في القاتل العامد ما فعل في المقتول»([9])، أو قولهم: «بأن تقتلوا القاتل عقوبة له على جريمته، مع مراعاة المساواة»([10])، ونحوها، فكيف قلتم: إنّ هؤلاء صرَّحوا بأنّ معنى القصاص هو المساواة؟!

نجيبه بأنّ تفسيرهم للمساواة بهذه العبارات لا ينافي قولنا بتصريحهم بأنّ معنى القصاص هو المساواة؛ فإنّ تصريحهم ذاك منبعث عن اللغة العربيّة وأدبها، وهذه العبارات آراؤهم وأنظارهم التفسيريّة. وغرضنا من حكاية تصريحاتهم هو التأكيد على تنبُّههم على أنّ هذا هو معنى القصاص، وإنْ شذّوا عن الصواب في تفسيره. وعلى أيّ حالٍ فتصريحهم بهذا غير مُنْكَرٍ، ودلالة الآية على هذا المعنى قويّة، غير مفتقرة إلى أنظار المفسِّرين وآرائهم.

وبهذا ظهر اندفاع ما قيل: كيف قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ بمعنى «فُرِض» والأولياء مخيَّرون بين القصاص والعفو؟!

وكذلك ظهرت الخدشة في دفعه بما قاله القطب الراونديّ في فقه القرآن، حيث قال: «فلنا عنه جوابان: أحدهما: إنّه فرض عليكم ذلك إنْ اختار أولياءُ المقتول القصاصَ، والفرض قد يكون مضيَّقاً وقد يكون مخيَّراً فيه. والثاني: فُرِض عليكم تركُ مجاوزة ما حُدَّ لكم إلى التعدّي في ما لم يجعل لكم، والقصاص الأخذ من الجاني مثل ما جنى، وذلك لأنّه مثال لجنايته»([11]).

وأيضاً ظهرت الخدشة في نحوٍ ممّا قاله السمرقندي في تفسيره بحر العلوم: «فإن قيل: الفرض على مَنْ يكون، على الوليّ أو على غيره؟ قيل له: الفرض على القاضي إذا اختصموا إليه، بأن يقضي على القاتل بالقصاص إذا طلب الوليّ؛ لأنّ الله تعالى قد خاطب جميع المؤمنين بالقصاص، ثمّ لا يتهيّأ للمؤمنين جميعاً أن يجتمعوا على القصاص، فأقاموا السلطان مقام أنفسهم في إقامة القصاص، فخاطب الوليَّ بالقصاص، وخاطب غيرَه بأن يعين الوليَّ على ذلك»([12]).

وكذلك نحو هذا السؤال والجواب في جملةٍ من التفاسير؛ فهم لو أصابوا في فهم المراد من القصاص اندفعت عندهم هذه السؤالات قبل أن يدفعوها بهذه الجوابات. فما ألجأهم إلى هذه المحامل إلاّ الشذوذ عن إدراك الصواب في فهم كلمةٍ من كلمات الكتاب.

وإذا كان هذا هو المراد بالقصاص فالكلام بمفاده يدلّنا على أن متعلَّق ﴿في القَتْلَى﴾ هو ﴿القِصَاص﴾، ويكون «القتلى» ظرفاً للقصاص، خلافاً لما في بيان السعادة([13]) والجدول في إعراب القرآن([14])؛ حيث جعلا ﴿كُتِبَ﴾ متعلَّق الجار. وخلافاً لإعراب القرآن وبيانه([15]) وإعراب القرآن الكريم([16])، حيث قالوا: إنّ الجار والمجرور يتعلَّقان بمحذوفٍ حالٍ من القصاص؛ إذ الأقرب ـ أي القصاص ـ يمنع الأبعد. هذا أوّلاً. وثانياً: إنّ المستفاد من الآية أنّ المكتوب على المسلمين هو المساواة في القتلى، لا أنّ المكتوب عليهم في القتلى هو المساواة. وثالثاً: إنّ التقدير خلاف الأصل، ولا دليل له في الآية. وهذه قرينةٌ أخرى على كون المراد من القصاص هو المساواة؛ إذ لو كان المراد منه القودَ لزم أحدُ المحذورين، أحدهما: التجوُّز في الظرفيّة، ولذا قال ابن عاشور في التحرير والتنوير: ««في» من قوله: ﴿في الْقَتْلَى﴾ للظرفيّة المجازيّة، والقصاص لا يكون في ذوات القتلى، فتعيّن تقدير مضاف»([17])، وأراد بالتقدير «في قتل القتلى». ثانيهما: التجوّز في معنى «في» بحمله على السببيّة([18])، واستُشهِد لها بقوله تعالى: ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ (يوسف: 32)، وقوله: ﴿لَوْلاَ كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (الأنفال: 68)، وبالنبويّات: «إنّ امرأةً دخلت النار في هرّةٍ»، و«في النفس المؤمنة مائة من الإبل»، و«في خمس من الإبل شاة».

ولكنّ كلا المجازين ـ إنْ قلنا بالمجاز في القرآن ـ لا قرينة لهما. ولذا قال الرازي: «لفظة «في» للظرفية محقَّقاً أو مقدَّراً… ومن الفقهاء مَنْ قال: إنّها للسببية كقوله عليه الصلاة والسلام: «في النفس المؤمنة مائة من الإبل». وهو ضعيفٌ؛ لأنّ أحداً من أهل اللغة ما ذكر ذلك، مع أنّ المرجع في هذه المباحث إليهم»([19]). ووافقه المحقّق الحلّي في معارج الأصول بقوله: «في للظرفية خاصّةً. وقيل: للسببيّة، كقوله|: «في خمس من الإبل شاة». ولايعرفه أهل اللغة»([20]). والحقّ أنّ «في» يفيد نوعاً من الظرفيّة خفيت على القائلين بكونه للسببيّة في هذه المواضع وفي غيرها، مثل: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا في اللهِ﴾، و﴿وَشَاوِرْهُمْ في الأَمْرِ﴾، و﴿يُوصِيكُمُ اللهُ في أَوْلاَدِكُمْ﴾، و﴿وَقُلْ لَهُمْ في أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً﴾، و﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ في النِّسَاءِ﴾، و﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالميْسِرِ﴾. وعليه فالمتعيِّن حمل الكلام على حقيقته بأن يكون «في» للظرفية، والمتعلَّقُ هو «القصاص».

﴿القَتْلَى﴾ جمع «القتيل»، بمعنى المقتول، ويجوز كونه أعمَّ من المقتول فعلاً ومن القابل للقتل قابليّةً قريبةً، بحيث يكون متوقّعاً للقتل. وليس إطلاق القتيل عليه مجازيّاً مجازَ الأَوْل أو المشارفة، بل هذا الإطلاق حقيقيّ. خلافاً للسيد عليخان المدنيّ، حيث عدَّه مَجازاً، وقال: «والصواب أنّهما [أي المَيْت والمَيِّت] بمعنى حقيقة في مَنْ مات، وخصّ المشدَّد باستعماله في الحيّ مجازاً على سبيل الاستعارة، أي كأنّه ميّتٌ، تنزيلاً لما يقع لا محالة، مأوّلة الواقع، لا بمعنى أنّه سيموت»([21]). وهذه الأعمِّية قد تستفاد بالسياق من الصفات المشبّهة، كما أنّ «الميّت» في قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (الزمر: 30) بمعنى أنّك قابل للموت، ولك شأنيّة الموت، وأنّهم كذلك، لا بمعنى أنّك ميّت فعلاً، وأنّهم أموات فعلاً. وذلك واضحٌ صرّح به أئمّةُ اللغة والأدب، كما في الفروق اللغويّة ولسان العرب والقاموس المحيط وغيرها. ويدلّ عليه أيضاً قوله: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا… ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ… ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ (المؤمنون: 14 ـ 15).

وعليه يكون المراد من «القتلى» في الآية قتيلين: أحدهما: المقتول فعلاً؛ والثاني: المقتول قريباً قَوَداً، وهو القاتل؛ فإنّ استعمال الفعيل بمعنى الفاعل كثيرٌ، حتّى سمّى الصرفيّون الصفةَ المشبَّهة اسمَ الفاعل، سواءٌ أفاد المبالغة أيضاً أم لا، كالعليم والقدير والسميع والشهيد والجليس والعقيد. فيجوز أن يكون القتيل هنا كذلك، وإنْ كان نادراً. ففي تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر: «إنّ حجر بن عدي كان عند زياد، وهو يومئذٍ على الكوفة، إذ جاءه قومٌ قد قتل منهم رجلٌ، فجاء أولياء القتيل [أي القاتل] وأولياء المقتول، فقالوا: هذا قتل صاحبنا، فقال أولياء القاتل: صدقوا، ولكن هذا نبطيّ وصاحبنا عربيّ، ولا يُقتَل عربيٌّ بنبطيّ، فقال زياد: صدقتم، ولكن أعطوهم الدية…»([22]). وكذا إرادة معنيين من اللفظ المشترك بينهما غيرُ مُنْكَر، ففي كتاب الضمان من الروضة البهية: «وكذا لا يُشترَط علمُه بالغريم، وهو المضمون عنه… ويمكن أن يريد به الأعمَّ منه ومن المضمون له». فالشارح جوَّز للمصنّف استعمالَ «الغريم» المشترك بين الدائن والمديون في كلَيْهما، وهو لفظٌ مفرد. ثمّ استعمل نفسُه أيضاً لفظ «الغريم» وأراد به كلَيْهما. مع أنّه لم يجوِّز استعمال اللفظ في أكثر من معنىً واحد، فقال في المحرّمات بالمصاهرة: «والمشترك لا يُستعمَل في معنَيَيْه معاً». وانظر أيضاً كلامه حول بطلان الصلاة بالتأمين. هذا مضافاً إلى أنّه تعالى لو أراد المقتولينَ بالفعل فقط لقال: «للقتلى». وأيضاً من المعلوم أنّ رعاية المساواة في «المقتولين بالفعل» غيرُ مقدورٍ، وما يقدر عليه المؤمنون هو رعاية المساواة بين القاتل والمقتول. فهذه قرينةٌ أخرى على أنّ المراد بالقصاص «المساواة»، فقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ معناه: «شرع عليكم المساواةُ بين المقتول والقاتل».

فإنْ قيل: إذا كان القصاص عبارة عن المساواة كان مفهوم الآية إيجابَ المساواة، وعلى هذا التقدير لا تكون الآية دالّةً على إيجاب القتل البتّة، بل أقصى ما في الباب أنّ الآية تدلّ على وجوب رعاية التسوية في القتل الذي يكون مشروعاً. وعلى هذا التقدير تسقط دلالة الآية على كون القتل مشروعاً بسبب القتل.

يُقال: إنّ آية ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ كافيةٌ في جوازه، ولا نحتاج في مشروعيّة القتل إلى إثبات وجوبه، بل يكفي في مشروعيّته صرفُ الجواز. وأيضاً إذا دلّت الآية على وجوب التسوية في القود كان جوازُ أصل القتل مفروغاً عنه. وبعبارةٍ أخرى ـ كما في مفاتيح الغيب([23]) ـ: التسوية في القتل صفة القتل، وإيجاب الصفة يقتضي إيجاب الذات، فكانت الآية مفيدةً لجواز القتل من هذا الوجه.

والمراد هنا بالقتيل هو القتيل عمداً؛ وذلك لأنّ قتيل الخطأ جاءت أحكامه في الآية 92 من سورة النساء، حيث قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ…﴾.

فتحقَّق ممّا ذكرنا إلى هنا أنّ الآية تفيد أنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ أوجب على المؤمنين رعايةَ المساواة بين القاتل والمقتول. ولكنّ هذه المساواة مجملةٌ، والمساواة بينهما في جميع الجهات بل في أكثرها متعذِّرة. ولذا جعل الفقهاء ـ تبعاً للعُرْف ـ الحيوانَ، وخصوصاً الإنسيَّ منه، من القيميّات، فلولا تعذّر المساواة فيه لجعلوه من المثليّات. والمساواة في بعضها ترجيحٌ بلا مرجِّح. فيعود الأمر إلى تعذُّر امتثال المساواة لو لم يُحِل الله تعالى تعيينَه إلى نبيّه أو لم يكن في كلامه ما يفسِّر هذه المساواة. ولهذا عقَّب تعالى إيجابَ المساواة بقوله: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى﴾. وعليه فلا يصغى إلى كلامٍ حُكي في التحرير والتنوير([24]) من الحنفيّة من أنّ قوله تعالى: ﴿في الْقَتْلَى﴾ هو نهاية الكلام، وقوله: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ…﴾ جاء بعد ذلك، وقد ثبت عموم المساواة بقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ في الْقَتْلَى﴾؛ لأنّ القتلى عامّ وخصوص آخر الآية لا يُبطِل عمومَ أوّلها؛ أو قولهم المحكيّ في البحر المحيط([25]) من أنّ قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ في الْقَتْلَى﴾ جملةٌ مستقلّة بنفسها، وقوله: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ…﴾ ذكرٌ لبعض جزئيّاتها، فلا يمنع ثبوت الحكم في سائر الجزئيّات؛ أو نحوه المحكيّ في أحكام القرآن، لابن العربيّ([26]). ولا يخفى أنّ هذا الكلام وأشباهَه ناشئٌ من سوء الفهم للمراد من القصاص؛ فإنّهم زعموا أنّ المراد منه القود، فأخطأوا ثمّ أخطأوا. وعلى ما ذهبنا إليه فالجواب واضحٌ. وعلى مذهبهم فالجواب ما أجاب عنه ابن عاشور في التحرير والتنوير بقوله: «يَرِدُ على هذا أنّه لا فائدة في التفصيل لو لم‌ يكن مقصوداً، وإنّ الكلام بأواخره، فالخاصّ يخصِّص العامّ لا محالة، وإنّه لا محيص من اعتبار كونه تفصيلاً، إلاّ أن يقولوا: إنّ ذلك كالتمثيل»([27]).

الفقرة الثانية

قوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى﴾ بجُمَلِه الثلاث ـ المتركِّب كلٌّ منها من مبتدأ وخبره ـ يفسِّر «القصاص» المعتبر في القتلى ويبيِّنه([28]). والباء للمقابلة، وهي الباء الداخلة على الأعواض، كما في قولك: «الكتاب بدينار»، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (المائدة: 45). وهذه الباء تتعلّق بما يقتضيه المقام. ففي البيع إذا قيل: «الكتاب بدينار» فمقتضى المقام أن تتعلّق بأحد مشتقّات البيع، مثل: بعتُ وأَبيع ويباع ونحوها. وفي الصلح إذا قيل: «الكتاب بدينار» فمقتضى المقام أن تتعلّق بأحد مشتقّات الصلح، مثل: صالحتُ وصالحنا وصولح ونحوها. وهكذا في الهبة المعوّضة وسائر المعاوَضات. وفي قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (المائدة: 45)، وهو في مقام القود، مقتضى المقام أن يتعلّق ﴿بِالنَّفْسِ﴾ بأحد مشتقّات القود أو القتل، نحو: «يقاد» أو «يقتل». وفي آيتنا المبحوث عنها ـ وهي في مقام القود أيضاً ـ مقتضى المقام أن يتعلّق الجارّ كذلك بأحد مشتقّات القود أو القتل.

هنا، وقبل التدبُّر لهذه الفقرة المباركة بجملاتها الثلاث، نذكر مثالاً افتراضيّاً؛ ليتّضح أنّ لبعض العناوين الثلاثة (أي الحرّ والعبد والأنثى) المذكورة تقدُّماً على بعضها، فضلاً عمّا له من التقدُّم الذكريّ.

كانت لطلاّب صفٍّ ثلاثة أنواع من الكتاب، عناوينها «الألف» و«الباء» و«الجيم»، ولكلّ طالب مجلّد واحد من عنوان واحد. أولئك الطلاب ربما كانوا يُتلِفون كتبَ زملائهم، فوضع معلِّمُهم ـ جزاءً لإتلاف الكتب ـ قانوناً بهذا المضمون: «كلُّ طالب أتلف كتاب زميله يُؤخَذ كتابه». في هذا القانون لم يُلْحَظ عنوانُ الكتاب التالف، ولا عنوان الكتاب المأخوذ جزاءً، بل يؤخذ كتابُ المتْلِف مهما كان عنوانه، ومهما كان عنوان الكتاب الذي أتلفه. ثمّ مضت برهةٌ، فوضع المعلّم قانوناً آخر ناظراً إلى القانون الأوّل، وهو: «تجب رعاية التساوي في الكتب: يؤخذ كتاب الألف بكتاب الألف، وكتاب الباء بكتاب الباء، وكتاب الجيم بكتاب الجيم». هذا القانون أسهل من القانون الأوّل؛ إذ خلافاً للأوّل لا يؤخذ كتاب المتْلِف جزاءً لإتلاف أيّ كتابٍ، بل أوجب فيه مراعاة التساوي بين التالف والمأخوذ. وبما أنّ القوانين الجزائيّة وُضِعَتْ ردعاً عن الجرم، فضلاً عن كونه جزاءً عليه، فوضعُ القانون الثاني حاكٍ عن أنّ الطلاب حينئذٍ كانوا يتلفون الكتب أقلّ بالنسبة إلى زمانِ وَضْع القانون الأوّل عليهم، وارتفعت الحاجة إلى القانون الأوّل الذي كان أشدّ. فلندرس جملات هذا القانون كما هي.

1ـ «تجب رعاية التساوي في الكتب»: المراد بـ «الكتب» ما هو أعمّ من الكتاب التالف والكتاب المأخوذ.

2ـ «يؤخذ كتاب الألف بكتاب الألف»: هذه أوّل جملة تفسِّر التساويَ المذكورَ قبلها، تقول: إنّ أخذ كتاب الألف بإزاء إتلاف كتاب الألف تساوٍ. وبما أنّ هذه الجملة وما بعدها تحديد للتساوي ـ ولا تحديد إلاّ مع الجامعيّة والمانعيّة ـ فتمنع عن أن يكون غيرُه تساوياً، فتعني أنّ أخذ كتاب الألف بإزاء كتاب الباء أو كتاب الجيم ليس تساوياً (قضيّةً للتحديد)، ولا يمكن أن يكون كتابُ الألف مساوياً لغيره من الكتب ومع ذلك لا يعتبر المقنِّن أخذَه بإزاء إتلاف غيره تساوياً. وهذا يفيدنا ـ بداهةً ـ أنّ كتاب الألف لا يساوي غيره. فلا بُدَّ حينئذٍ أن نسأل: لماذا لم يعتبر المقنِّن في هذه الجملة كتابَ الألف مساوياً لغيره، بل اعتبر الألف مساوياً للألف فقط؟

والجواب: إنّ اعتبار وجعل عدم التساوي بين عدّة أفراد أو أشياء عبارةٌ أخرى عن اعتبار وجعل الفضل لبعضها على بعضٍ. فللمقنِّن في الحكم بعدم مساواة بعض هذه العناوين الثلاثة لبعضها الآخر حكمٌ بفضله عليه، ولو كان فضلاً اعتباريّاً مبتنياً على الفرض والجعل. وهذا يعني أنّ واضع القانون لا يَقْدِر قبل وضع ولحاظ الفضل (ولو فضلاً اعتباريّاً، لا الواقعيّ ونفس الأمريّ) أن يحكم بأنّ أيّ فرد من عنوان فلان مساوٍ لأيّ فردٍ من نفس العنوان فقط؛ إذ بدون لحاظ هذا الفضل يكون أيّ فرد من أيّ كتاب بأيّ عنوان مساوياً لأيّ فردٍ من أيّ كتاب بأيّ عنوان. وبعبارةٍ أوضح: ليس في وسع المقنِّن أن يحكم بتساوي أيّ فرد من كتاب الألف مع أيّ فرد من كتاب الألف خاصّةً، على الرغم من اعتقاده واعتباره بأنّ أيّ فردٍ من كتاب الباء أو الجيم متساوٍ مع أيّ فردٍ من كتاب الألف.

ومع العلم بأنّ الحكم بعدم التساوي بين كتاب الألف وغيره عبارةٌ أخرى عن الحكم بفضلٍ لبعض الكتب على بعضها الآخر حينئذٍ إمّا أن يكون كتاب الألف أفضل من كتاب الباء والجيم، أو هما أفضل منه، ومن البديهيّ أنّ الأفضل هو ما لا يؤخذ بإزاء غيره، وهو كتاب الألف. وأيضاً إنّ غرض المقنِّن من وضع قانون التساوي للكتب أن لا يجازَى المتلِفُ بأكثر ممّا أتلف، لا أن لا يجازى أصلاً ولو بأقلّ ممّا أتلف إذا لم يكن له ما يساوي التالف؛ إذ قانون التساوي ـ كما يظهر من اسمه ـ لإجراء التساوي بين ما أُتلِف وما يؤخذ، فيمنع عمّا زاد عن التالف، وأمّا أخذ ما هو أقلّ ممّا أُتلِف فلا ينافي التساوي ليمنع عنه قانون التساوي. وبعبارةٍ أوضح: لا يصحّ أن يقال: إنّ كتاب الباء أو الجيم أفضل من كتاب الألف، لكنْ لا يؤخذ كتاب الألف عوضاً عن إتلاف أحدهما، قضيةً لقانون التساوي. وبالعكس أيضاً لا يصحّ أن يُقال: إنّ كتاب الألف أدون من كتاب الباء أو الجيم، ولكن إنْ أتلف طالبٌ كتابَ زميله الباءَ أو الجيمَ لا يؤخذ كتابُه الألفُ؛ رعايةً للتساوي. وبهذا ظهر أنّ جملة «يؤخذ كتاب الألف بكتاب الألف» تفيد أنّ كتاب الألف لا يؤخذ عوضاً عن إتلاف سائر الكتب غير الألف، ولكنْ يؤخذ أيّ كتاب عوضاً عن إتلافه. وهذا المفاد لا يعارضه مفادُ الجملتين الآتيتين؛ إذ تقدُّمُها عليهما يمنعهما عن إفادة ما ينافيها، كما سيأتي.

3ـ «يؤخذ كتاب الباء بكتاب الباء». هذه ثاني الجملات المفسِّرة للتساوي المذكور، تقول: إنّ أخذ كتاب الباء بإزاء إتلاف كتاب الباء تساوٍ. وبما أنّ هذه الجملة أيضاً ـ كما قبلها وما بعدها ـ تحديد للتساوي فتعني (قضيّةً للتحديد) أنّ أخذ كتاب الباء بإزاء كتاب الألف أو كتاب الجيم ليس تساوياً. ولكنّ هذه الجملة التحديديّة تابعةٌ لسابقتها في الدلالة، وقد ثبت بالسابقة أنّ أخذ كتاب الباء عوضاً عن إتلاف كتاب الألف لا ينافي قانونَ التساوي، وعليه لا يثبت باللاحقة ما ينافي السابقة. مضافاً إلى أنّه إذا أُخِذ الباء بإتلاف الباء ـ والباء يوخذ بإتلاف مثله ـ فأن يؤخَذ بالألفِ الأفضلِ أَوْلى. وبعبارةٍ أخرى ـ كما قلنا في الجملة السابقة ـ: إنّ كتاب الألف لا يساوي كتاب الباء أو كتاب الجيم، ولكنّ عدم تساويه لهما ناشئٌ عن فضله عليهما، وأخذ الأدون عوضاً عن الأفضل لا ينافي قانون التساوي. وبناءً على ما تقدَّم ثبت أنّ جملة «يؤخذ كتاب الباء بكتاب الباء» تمنع عن أخذ كتاب الباء عوضاً عن إتلاف كتاب الجيم، ولكنْ بما أنّ كتاب الباء أفضل من كتاب الجيم فأخذ الجيم الأدون عوضاً عنه لا ينافي قانون التساوي أيضاً.

4ـ «يؤخذ كتاب الجيم بكتاب الجيم». هذه ثالث الجملات المفسِّرة للتساوي المذكور وأخيرتها، تقول: إنّ أخذ كتاب الجيم بإزاء إتلاف كتاب الجيم تساوٍ. وبما أنّ هذه الجملة أيضاً ـ كما قبلها ـ تحديدٌ للتساوي فتعني (قضيّةً للتحديد) أنّ أخذ كتاب الجيم بإزاء كتاب الألف أو كتاب الباء ليس تساوياً. ولكنْ ـ كما قلنا آنفاً ـ لا تفيد اللاحقة ما ينافي السابقة، فهذه الجملة التحديدية تابعةٌ لسابقتَيْها في الدلالة، وقد ثبت بالسابقتين أنّ أخذ كتاب الجيم عوضاً عن إتلاف كتاب الألف أو كتاب الباء لا ينافي قانون التساوي. مضافاً إلى أنّه إذا أخذ الجيم بإتلاف الجيم ـ والجيم يؤخذ بإتلاف مثله ـ فأن يؤخذ بالألف والباء الأفضلين أَوْلى. وبعبارةٍ أخرى ـ كما قلنا في الجملتين السابقتين ـ: إنّ كتاب الألف وكتاب الباء لا يساويان كتاب الجيم، ولكن عدم مساواتهما له ناشئٌ عن فضلهما عليه، وأخذ الأدون عوضاً عن الأفضل لا ينافي قانون التساوي.

وقد ظهر من دراسة جملات القانون المذكور أمران:

الأوّل: لو لم يذكر «رعاية التساوي» في القانون، وكان نصّ القانون هكذا: «يجب في الكتب أن يؤخذ كتاب الألف بكتاب الألف، وكتاب الباء بكتاب الباء، وكتاب الجيم بكتاب الجيم» لم يجُزْ أخذ كتابٍ لا يماثل عنوان الكتاب التالف، وانحصرت المجازاة في الكتب المتماثلة عناوينُها.

الثاني: ترتيب الجملات الثلاث المفسِّرة للتساوي بهذا الترتيب يفيد تقدُّم الجملة الأولى على الثانية، وتقدّم الثانية على الثالثة، وليس ترتيباً عشوائيّاً يجوز الإعراض عن تقدّم دلالة المتقدّمة على دلالة المتأخِّرة. وعليه فلو رتَّبها المقنِّن ترتيباً آخر لأفاد تقدُّمَ المتقدّمة وفضلَها على المتأخِّرة، وعدمَ جواز أخذ المتقدّم الأفضل بالمتأخِّر الأدون، وجوازَ أخذ المتأخِّر بالمتقدِّم.

والآن لو بدَّلنا كلمات «الكتب» و«كتاب الألف» و«كتاب الباء» و«كتاب الجيم» و«يؤخذ» في القانون المذكور بكلماتٍ هي: «القتلى» و«الحرّ» و«العبد» و«الأنثى» و«يقتل» بنفس الترتيب لحصلنا على هذه العبارة: «تجب رعاية التساوي في القتلى: يُقتَل الحرّ بالحرّ، والعبدُ بالعبد، والأنثى بالأنثى»، وهي نفس مفاد الآية المباركة، فنستفيد منها كلَّ ما استفدناه من دراسة الجملات الأربع من القانون المذكور. نعم، ذلك القانون في غنىً عن تفسير مفرداته، والآية بحاجةٍ إلى توضيحٍ مختصر لكلمات «الحرّ» و«العبد» و«الأنثى»، مضافاً إلى كلمتي «القصاص» و«القتلى»، اللتين تقدّم توضيحهما.

لفظ «الحرّ» خاصٌّ بالذَّكَر، ولا تشاركه فيه الأنثى؛ وذلك لوجهين: أحدهما: إنّ اللفظ المختصّ بالأنثى «الحرّة»، ولم تُستخدَم في القرآن واللغة في الأعمّ من الذَّكَر؛ ثانيهما: إنّ الحرّ والحرّة ضدّان في الذكورة والأنوثة، والحرّة تختصّ بالأنثى، فكذا ضدّها ـ أي الحرّ ـ يختصّ بالذكر. وعليه استعمالُ «الحرّ» في الآية في الأعمّ منهما تجوُّز، لا يُصار إليه إلاّ بقرينةٍ، وهي مفقودةٌ هنا. بل هنا قرينتان على أنّ المراد بالحرّ هو الذَّكَر خاصّة: أولاهما: إنّه تعالى قال في العبارة اللاحقة: ﴿العَبْدُ بِالعَبْدِ﴾، وصراحة لفظ «العبد» في كونه للذَّكَر أكثر من صراحة لفظ الحُرّ فيه؛ إذ اللفظ المخصوص للمملوك المؤنَّث هو «الأَمَة»، ولم يستخدم «الأمة» في القرآن واللغة في الأعمّ من الذكر قطّ، واتحاد السياق يقتضي أن يكون المراد بالحُرّ «الذَّكَرَ»، كما أنّ الذكر هو المراد بالعبد. ثانيتهما: إنه تعالى قال في العبارة اللاحقة: ﴿الأُنْثَى بِالأُنْثَى﴾، وإتيان هذه الفقرة بعد قوله: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾، من دون فصلٍ، يدلّ على أنّه أريد بالحُرّ والعبد الذَّكَرُ منهما خاصّةً، وإلاّ لكانت عبارة ﴿الأُنْثَى بِالأُنْثَى﴾ معارضةً لما سبقها. وعليه فالمقابلة بين الحرّ والعبد، ثمّ بينهما وبين الأنثى، تعيِّن أنّه أريد بـ «الحرّ» الحرُّ المذكَّرُ، وبـ «العبد» المملوكُ المذكَّرُ، وبـ «الأنثى» المؤنَّثُ منهما.

وعليه فليس المراد من «الحرّ» و«العبد» معنى يشمل الذكر والأنثى منهما، لتكون عبارة ﴿الأُنْثَى بِالأُنْثَى﴾ تأكيداً، كما نُسِب في بعض التفاسير إلى مالك أنّه قال: يُراد به الجنس ـ أي جنس الحرّ والعبد ـ، الذكر والأنثى سواءٌ فيه، وأعيد ذكر الأنثى توكيداً وتهمُّماً بإذهاب أمر الجاهليّة([29])؛ إذ جنس الحرّ يشمل الذكورَ منه خاصّةً، وجنس العبد يشمل الذكورَ منه خاصّةً، ولا يعمّان بجنسهما غيرَ ذكورهما. هذا أوّلاً. وثانياً: لو كان جنس الحرّ وجنس العبد شاملين لغير الذكور منهما لكانت عبارة ﴿الأُنْثَى بِالأُنْثَى﴾ معارضةً للسابق عليها، كما تقدَّم. وثالثاً: إنّ الكلام ظاهرٌ في كونه تأسيسيّاً، وأصالة الظهور تمنع من حمله على التأكيد المحتاج إلى قرينة تَصرِف الكلام عن ظاهره إليه. ورابعاً: إنّ ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى﴾ حكمٌ عامّ لجميع المسلمين، فلا بُدَّ أن يعمّ جميعَهم، من الحرّ والحرّة والعبد والأمة. فذُكِر أوّلاً فيه ضدّان ـ أي الحرّ والعبد ـ لا ثالث لهما لإفادة التعميم، ثمّ ذُكِر الأنثى ثانياً، ولم يُذكَر ضدُّها، فلا بُدَّ من أنه أريد ضدُّها ـ وهو الذَّكَر ـ من المذكور قبلها. وعليه فالمراد بقوله تعالى: ﴿الأُنْثَى بِالأُنْثَى﴾ أنّ الأنثى من كلّ فريق (أي الأحرار والمماليك) بالأنثى منه، كما قال مالك بهذا في الموطّأ، حيث قال: «أحسن ما سمعتُ في هذه الآية أنّ قوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ فهؤلاء الذكور، وقوله: ﴿الأُنْثَى بِالأُنْثَى﴾ أنّ القصاص يكون بين الإناث كما يكون بين الذكور، والمرأة الحرة تقتل بالمرأة الحرة، كما يقتل الحرّ بالحرّ، والأمة تقتل بالأمة، كما يقتل العبد بالعبد، والقصاص يكون بين النساء كما يكون بين الرجال. والقصاص أيضاً يكون بين الرجال والنساء»([30]). ولا ينقضي عجبي من ابن عاشور كيف فسَّر قول مالك هذا بقوله: «أي وخصّت الأنثى بالذكر، مع أنّها مشمولة لعموم ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ وَالعَبْدُ بِالعَبْدِ﴾؛ لئلاّ يُتوهَّم أنّ صيغة التذكير في قوله: ﴿الحُرُّ﴾ وقوله: ﴿الْعَبْدُ﴾ يُراد بها خصوص الذكور»([31]).

وعليه فمعنى قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى﴾ أنّه شرع عليكم المساواة في القتلى؛ جنس الحرّ بجنس الحرّ، وجنس العبد بجنس العبد، وجنس الأنثى من كلٍّ منهما بجنس الأنثى منه. فلا فضل لأيّ حرٍّ على أيّ حرّ، ولا لأيّ عبدٍ على أيّ عبد، وهكذا في الأنثى منهما، فيقاد الحرّ البالغ الشريف الكبير العزيز الغنيّ القويّ العالم بالحرّ الصبيّ الوضيع الذليل الحقير الفقير الضعيف الجاهل، وهكذا في العبد والأنثى.

قوله: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ يكون الجملة الأولى لتفسير القصاص، ويقول: قتل الحرّ ـ جزاءً لقتل الحرّ ـ قصاصٌ. وكما تقدَّم إنّ هذه الجملة وما بعدها تحديد للقصاص (أي التساوي)، ولا تحديد إلاّ مع الجامعيّة والمانعيّة، فتمنع عن أن يكون غيرُ هذا قصاصاً، فتعني أنّ قتل الحرّ جزاءً لقتل العبد أو الأنثى ليس قصاصاً؛ قضيّةً للتحديد. وبعبارة أخرى: لا يُعقَل أن يكون قتل الحرّ بغير الحرّ قصاصاً ومساواةً ومع ذلك خَصَّ الله تعالى بالذكر أنّ الحرّ بالحرّ قصاصٌ ومساواة. وعليه يكون مفاد الآية حصر القود في المساوي؛ والوجه فيه ـ مع أنّ التحقيق عدم حجّية المفهوم عموماً، وعدم حجّية مفهوم اللقب خصوصاً ـ أنّ النصوص الشرعيّة (القانونيّة) تحديديّة، أي تحدِّد الحكمَ والموضوعَ وتبيِّنهما، فكلّ حكم يختصّ بموضوعه المذكور ولايعمّ ما عداه، ومن المعلوم أنّ الآية في مقام تحديد المساواة المعتبرة بين القاتل والمقتول، فلا بُدَّ أن يكون كلُّ قيد ذُكِر للمساواة ـ أي الحرّ والعبد والأنثى ـ مانعاً عن فاقد ذلك القيد، ليتحقّق التحديد. وهذا ما ينتج «نتيجة المفهوم»، وإن لم يكن نفس المفهوم. وإنْ أبيتَ إلاّ أن يكون للكلام مفهوم فأقول: إنّ عدم المفهوم في اللقب مشروطٌ بأن يكون له فائدة أخرى في الكلام، ولا فائدة هنا لـ «الحرّ» وأمثالِه غيرَ تبيين المساواة المعتبرة في القتلى، فلو جاز قتلُ الحرّ بغيره لما خصَّه الله تعالى بالذكر، ولم يظهر لتخصيصه فائدة، وحاشا أن يكون شيءٌ من كلام الله بلا فائدة. وبعبارةٍ أخرى، كما قاله الشهيد في غاية المراد: «التخصيص بالذكر هنا تخصيصٌ للحكم ـ وهو قول كثيرٍ ممَّنْ نفى دليل الخطاب ـ، وإلاّ لزم التكرار»([32]).

إلى هنا علمنا من ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ﴾ أنّ الحرّ بغير الحرّ ليس قصاصاً ولا مساواةً، ومعنى ذلك أنّ غير الحرّ ـ أي الحرّة والعبد والأمة ـ لا يساويه عند الله تعالى، الذي قال بأنّ الحرّ بالحرّ قصاصٌ؛ إذ لو كان الحرّةُ والعبدُ والأمةُ يساوونه لكان مجازاةُ الحرّ بأيّ منهم قصاصاً ومساواةً، ولما حصر الله تعالى المساواةَ في ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ﴾. وهذا يفيدنا ـ بداهةً ـ أنّ الحرّ لا يساوي غيره. فلا بُدَّ حينئذٍ أن ننظر أنّه لماذا لم يعتبر الشارع تعالى في هذه الجملة الحرَّ مساوياً لغيره، بل اعتبر الحرَّ مساوياً للحرّ فقط؟

تقدَّم أنّ الحكم بعدم التساوي بين عدّة أفرادٍ عبارةٌ أخرى عن اعتبار وجعل الفضل لبعضهم على بعضٍ، ولو كان فضلاً فرضيّاً اعتباريّاً. وهذا يعني أنّه ليس في وسع الشارع قبل وضع ولحاظ الفضل أن يحكم بأنّ الحُرّ مساوٍ للحرّ فقط؛ إذ بدون لحاظ هذا الفضل يكون كلُّ فردٍ مساوياً لأيّ فردٍ آخر. وبعبارةٍ أوضح: لا يتمكّن الشارع من الحكم بمساواة الحرّ للحرّ خاصّةً على الرغم من اعتقاده واعتباره بأنّ غير الحرّ مساوٍ للحرّ. وحينئذٍ إمّا أن يكون الحرّ أفضل من غيره؛ وإمّا أن يكون غيرُه أفضل منه. ومن المعلوم أنّ الذي لا يقتل بغيره هو الأفضل، والحرّ لا يقتل بغيره، فهو أفضل من غيره.

ولمّا تعلّق الحكم بعنوان الحرّ، وهو واجدٌ للحرّية والذكورة، عُلم بداهةً أنّ فضل الحرّ على غيره بالحرّية والذكورة، أو بإحداهما، ففضله على الأمة بهما، وعلى الحرّة بالذكورة ـ إذ هما يشتركان في الحرّية ـ، وعلى العبد بالحرّية؛ إذ هما يشتركان في الذكورة. وبما أنّ الحرّ واجدٌ للحرّية والذكورة معاً صار أفضل من الجميع، وبما أنّ الأمة فاقدة لهما معاً صارت دون الجميع، والواجد لإحداهما يكون بينهما. وبما أنّ الحُرّ فاق العبد بالحرّية، مع أنّهما مشتركان في الذكورة، عُلم أنّ الحرّية فوق الذكورة، فالحرّة الواجدة للحرّية صارت فوق العبد الواجد للذكورة.

لا يُقال: كيف يمكن القول بالفضل والتفوّق لطوائف من المسلمين على طوائف أخرى منهم؛ بملاك الحرّية أو الذكورة، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾، فألغى كلَّ كرامة ليست بملاك التقوى.

لأنّه يُقال: هذا الفضل فضلٌ ينظّم رابطةً حقوقيّة في المجتمع الإسلاميّ، ولا يمسّ بالكرامة عند الله تعالى. والروابط الحقوقيّة ـ وكذلك الاجتماعيّة ـ لا تُناط بالتقوى والكرامة؛ إذ كما صرَّحت الآيةُ التالية ـ أعني ﴿وَلَكُمْ في الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 179) ـ إنّ إحدى غايات تشريع القصاص (المساواة) ـ بعد ردع الناس عن ارتكاب القتل، وهي غايته الأولى ـ حفظُ الحياة لأفرادٍ أكثر من المسلمين في مجازاة القتل متعمِّداً، فيلزم ـ نيلاً لهذه الغاية ـ أن يجعل ضابطةً واضحة ثابتة يجري على مجراها القصاصُ بلا إبهام واشتباه، فلا يبتني القانون ـ جزائيّاً كان أو غيره ـ على أمورٍ غير منضبطة، كالتقوى، وهي لا تنضبط كمّيةً، وكذلك لا ينضبط الذين تقواهم أكثر من غيرهم. وهذا الأمر يجري في كثير من الروابط الاجتماعيّة، ولذا نرى في كتب التاريخ والسيرة أنّ النبيّ| ربما كان يختار لقيادة سريّة أو إنفاذ حكومة أو إبلاغ رسالة رجالاً أخبر الله تعالى أنّهم غير عدول، فضلاً عن أن يكونوا أتقى المسلمين وأكرمهم عنده تعالى.

ثمّ إنّ الغرض من وضع قانون القصاص (المساواة) في القتلى أن لا يجازى أحدٌ بأكثر ممّا جنى، لا أن لا يجازى القاتل أصلاً ولو بأقلّ منه إذا لم يساوِ المقتول، كما تقدَّم في مثالنا الافتراضي في الكتب؛ إذ قانون القصاص ـ كما يظهر من اسمه ـ لإجراء التساوي بين مَنْ قُتِل بغير حقٍّ ومَنْ يُجازى به، فيمنع عن جزاء القاتل بما زاد عن جنايته، وأمّا جزاؤه بما هو أقلّ من جنايته فلا ينافي التساوي ليَمْنَع عنه قانونُ القصاص. وبعبارةٍ أوضح: لا يُعقَل القول بأنّ غير الحرّ أفضل منه، ولكنّه لا يُقْتَل الحرّ إنْ قَتَل غيرَ الحرّ؛ تشبُّثاً بالتساوي بين القاتل والمقتول. وبالعكس أيضاً لا يعقل أن يقال: إنّ الحرّ أدون من غيره، ولكنّه لا يقتل إنْ قَتَل غير الحرّ؛ تشبُّثاً بالتساوي بينهما. وعليه فعبارة ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ﴾ تدلّ على أنّ الحرّ القاتل لا يُقتل بقتل غير الحرّ، ولكن غيره ـ مهما كان ـ يُقتَل به.

قوله تعالى: ﴿العَبْدُ بِالعَبْدِ﴾ يكون الجملة الثانية لتفسير القصاص، ويقول: قتل العبد ـ جزاءً لقتل العبد ـ قصاصٌ. وبما أنّ هذه الجملة أيضاً ـ كما قبلها وما بعدها ـ تحديدٌ للقصاص فتعني ـ قضيّةً للتحديد ـ أنّ قتل العبد بقتل غير العبد ليس قصاصاً ولا مساواةً. ولكنّ هذه الجملة التفسيريّة التحديديّة تابعةٌ لسابقتها في الدلالة، وقد ثبت بالسابقة أنّ قتل غير الحرّ جزاءً لقتل الحرّ لا ينافي قانون القصاص، وعليه لا يثبت باللاحقة ما ينافي السابقة. مضافاً إلى أنّه إذا قُتل العبد بقتل العبد فالعبد يُقتَل بمثله، فأن يُقتل بالحرّ الأفضل أَوْلى. وسيجيء تصريح جماعة بهذه الأولوية. وبعبارةٍ أخرى: إنّ الحرّ لا يساوي غيرَ الحرّ، ولكنّ عدم مساواته لغيره ناشئٌ من فضله عليه، وقتل الأدون ـ جزاءً عن الأفضل ـ لا ينافي قانون التساوي. وبناءً على ما تقدَّم ثبت أنّ جملة ﴿العَبْدُ بِالعَبْدِ﴾ تمنع عن قتل العبد جزاءً لقتل الأمة، ولكن بما أنّ العبد أفضل من الأمة فقتلُ الأمة الأدون به لا ينافي قانون التساوي أيضاً.

قوله تعالى: ﴿الأُنْثَى بِالأُنْثَى﴾ يكون الجملة الثالثة والأخيرة لتفسير القصاص، تقول: إنّ قتل الأنثى ـ جزاء لقتل الأنثى ـ قصاصٌ. وبما أنّ هذه الجملة أيضاً ـ كما قبلها ـ تحديدٌ للقصاص فتعني ـ قضيّةً للتحديد ـ أنّ قتل الأنثى جزاءً لقتل غيرها ليس قصاصاً. ولكنْ ـ كما قلنا آنفاً ـ لا تفيد اللاحقة ما ينافي السابقة، فهذه الجملة التحديديّة تابعةٌ لسابقتَيْها في الدلالة، وقد ثبت بالسابقتين أنّ قتل الأنثى بقتل الحرّ أو العبد لا ينافي قانون التساوي. مضافاً إلى أنّه إذا قُتِلَت الأنثى بقتل الأنثى فالأنثى تقتل بمثلها، فأن تُقْتَل بغيرها الأفضل أَوْلى. وبعبارةٍ أخرى ـ كما قلنا في الجملتين السابقتين ـ: إنّ الحرّ والعبد لا يساويان الأنثى، ولكن عدم مساواتهما لها ناشئٌ من فضلهما عليها، وقتلُ الأدون جزاءً عن الأفضل لا ينافي قانون التساوي. وقد قلنا سابقاً: إنّ الأنثى من الأحرار فوق الأنثى من الأرقّاء، فالمراد بهذه الفقرة أنّ الأنثى من فريق الأحرار بالأنثى منه، والأنثى من فريق الأرقّاء بالأنثى منه. وقلنا أيضاً: إنّ الحرّة فوق العبد والأمة بملاك الحرّية، فلا تقاد بهما، ودون الحرّ فتُقاد به، ومساويةً للحرّة فتقاد بها. وإنّ الأمة دون العبد فلا يُقاد بها، وتقاد به، ومساويةً للأمة فتقاد بها. فهنا أربع مراتب: الحرّية مع الذكورة؛ والحرّية مع الأنوثة؛ والرقّية مع الذكورة؛ والرقّية مع الأنوثة، كلُّ مرتبةٍ أفضل ممّا بعدها وأدون ممّا قبلها.

وبهذا كلّه ظهرت أمورٌ:

الأوّل: إنّ كلّ جملة من الجملات الثلاث هنا تنتج نتيجة المفهوم. فمفاد ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ﴾ أنّ الحرّ يقاد بالحرّ فقط، ولا يقاد بالحرّة ولا بالعبد ولا بالأمة. ومفاد «الحُرّة بالحُرّة» أنّ الحرّة تقاد بالحرّة فقط، لا بالعبد ولا بالأمة. ومفاد ﴿العَبْدُ بِالعَبْدِ﴾ أنّ العبد يقاد بالعبد فقط، لا بالأمة. ومفاد «الأَمَة بالأَمَة» أنّ الأمة تُقاد بالأمة وبغيرها مهما كان.

الثاني: وجهُ العدول عن «الحرّ بالحرّ والحرّة بالحرّة والعبد بالعبد والأمة بالأمة» بما في الآية المباركة أنه مع لحاظ نتيجة المفهوم لكلّ جملةٍ من الجملات الثلاث الأولى لا يبقى لذكر جملة «الأمة بالأمة» وجهٌ؛ فإنّ الأمة تُقاد بكلّ مَنْ قبلها، فلو لم يذكر هذه الجملة لبقي القصاص بالنسبة إلى الأمة مسكوتاً، مع أنّ الآية أخصر عبارة منه.

الثالث: إنّه لو لم يذكر «القصاص» في الآية، وكانت الآية هكذا: «كتب عليكم في القتلى الحرّ بالحرّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى» لم يجز قودُ قاتلٍ لا يماثل عنوانُه عنوانَ المقتول، وانحصرت المجازاة في الأفراد المتماثلة عناوينهم.

الرابع: رُتِّبت الجملات الثلاث المفسِّرة للقصاص بهذا الترتيب ليفيد تقدُّمَ الجملة الأولى على الثانية، وتقدُّمَ الثانية على الثالثة، وليس ترتيباً عشوائيّاً يجوز الإعراض عن تقدّم دلالة المتقدّمة على دلالة المتأخّرة. وعليه فلو رتّبها الله تعالى ترتيباً آخر لأفاد تقدُّمَ المتقدّمة وفضلَها على المتأخِّرة، وعدمَ جواز قود المتقدِّم الأفضل بالمتأخِّر الأدون، وجوازَ قود المتأخِّر بالمتقدِّم.

الخامس: وجهُ العدول عن «الحرّ والعبد والأنثى بأمثالهم»، مع كونه أخصر ممّا في الآية، أنّ تفسير القصاص بهذا لا يفي بتحديد مراده تعالى بالقصاص.

السادس: إنّ الله تعالى فسّر «القصاص» بقوله: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى﴾؛ إذ لولا هذا التفسير لاقتضت المساواة بين الجاني والمجنيّ عليه أن لا يُقاد مثلاً البالغ الكبير بالطفل الرضيع، كما تقدَّم. فبهذا التفسير أُلغي هذا النحو من المساواة بين الجاني والمجنيّ عليه.

كما يظهر من جميع ما تقدَّم مفتاح من مفاتيح تدبّر القرآن، وهو أنّ المعنى الذي أراده تعالى لا يفيده إلاّ نفس ما قاله تعالى. والعبارات المشابهة لقول الله تعالى قاصرةٌ عن إفادة تمام مراده ومرامه. ولذا يجب على المتدبِّر لكلام الله تعالى ـ نَيْلاً لمعانيه ـ أن يقايس كلّ عبارة قرآنية مع ما يشابهها من كلامه وكلامنا، ليتنبَّه باختلاف المعاني على مراد الله تعالى. وهذا ممّا وُفِّقْتُ له في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمْ الله فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ (النساء: 11)، الذي بيَّن الصور السبعة في إرث الأولاد، بأحسن وجهٍ، وأوجز عبارة، وأحكم ترتيب، لا يتصوَّر فوقها حسن وإيجاز وإحكام. والتفصيل جاء في مقالتي «الوصية والإرث في القرآن الكريم».

واحتجّوا على استفادة الحصر من الآية بوجوهٍ أخرى، ذكرها الفخر الرازي في تفسيره([33])، وهي:

الأوّل: إنّ «اللام» في قوله: ﴿الحُرُّ﴾ تفيد العموم فقوله: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ﴾ يفيد أنّ يقتل كلّ حر بالحرّ، فلو كان قتل حرٍّ بعبدٍ مشروعاً لكان ذلك الحرّ مقتولاً لا بالحرّ، وذلك ينافي إيجاب أن يكون كلّ حرّ مقتولاً بالحرّ.

الثاني: إنّ «الباء» من حروف الجرّ، فيكون متعلِّقاً لا محالة بفعلٍ، فيكون التقدير: «الحرّ يقتل بالحرّ». والمبتدأ لايكون أعمّ من الخبر، بل إمّا أن يكون مساوياً له أو أخصّ منه، وعلى التقديرين هذا يقتضي أن يكون كلّ حرّ مقتولاً بالحرّ، وذلك ينافي كون حرٍّ مقتولاً بالعبد.

الثالث: إنّه تعالى أوجب في أوّل الآية رعاية المساواة، وهو قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ في الْقَتْلَى﴾، فلمّا ذكر عقيبه قولَه: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى﴾ دلّ ذلك على أنّ رعاية التسوية في الحرّية والعبديّة والأنوثة معتبرة؛ لأنّ قوله: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ…﴾ خرج مخرج التفسير لقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ في الْقَتْلَى﴾، وإيجاب القصاص على الحرّ بقتل العبد إهمالٌ لرعاية التسوية في هذا المعنى، فوجب أن لا يكون مشروعاً.

هذا، ولكنْ قال قومٌ بأنّ قوله تعالى: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ…﴾ لايفيد الحصر البتّة، بل يفيد شرع القود بين المذكورين، من غير أن يكون فيه دلالة على سائر الأقسام. واحتجّوا عليه بوجوه:

الأوّل: إنّ قوله: ﴿وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى﴾ يقتضي قصاص المرأة الحرّة بالمرأة الرقيقة، فلو كان قوله: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ مانعاً من ذلك لوقع التناقض.

وقد ظهر جوابه ممّا تقدّم، من أنّ المراد من «الأنثى» الحرّة والأمة، فكأنّه تعالى قال: «والأنثى من كلّ فريق بالأنثى منه»، وعليه لا يقتضي قولُه: ﴿وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى﴾ قودَ الحرّة بالأمة حتّى يناقضه «الحرّ بالحرّ».

الثاني: إنّ قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ جملةٌ تامّة مستقلّة بنفسها، وقوله: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ تخصيصٌ لبعض جزئيّات تلك الجملة بالذكر. وإذا تقدّم ذكر الجملة المستقلّة كان تخصيص بعض الجزئيّات بالذكر لا يمنع من ثبوت الحكم في سائر الجزئيّات؛ بل ذلك التخصيص يمكن أن يكون لفوائد، سوى نفي الحكم عن سائر الصور، وتلك الفائدة ـ وهو الذي عليه الأكثرون ـ بيان إبطال ما كان عليه أهل الجاهليّة من أنّهم كانوا يقتلون بالعبد منهم الحرّ من قبيلة القاتل، ففائدةُ التخصيص زجرهم عن ذلك.

وأجاب عنه الفخر الرازيّ في تفسيره، فقال: «قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ يمنع من جواز قتل الحرّ بالعبد؛ لأنّ القصاص عبارةٌ عن المساواة، وقتل الحرّ بالعبد لم يحصل فيه رعاية المساواة، فوجب أن لا يكون مشروعاً»([34]).

الثالث: إنّ الآية لا تدلّ على أن لا يُقتَل الحرّ بالعبد، والذكر بالأنثى؛ لأنّ مفهوم المخالفة مشروطٌ بأن لا يكون للتخصيص فائدةٌ أخرى، والحديث بيَّن الفائدة، وهو المنعُ من التعدّي، وإثباتُ المساواة بين حرّ وحرّ وعبد وعبد. كذا قال بعض، كالآلوسي([35]).

وفيه: إنّنا لا نحتاج إلى أكثر من أنّ فائدة ذكر هذه الأوصاف «إثبات المساواة بين الحرّ والحرّ و…»، كما قال؛ لأنه إذا كانت فائدته هذه المساواة فهل يمكن القول بالمساواة بين الحرّ والعبد مثلاً، أو بينه وبين الأمة؟ أليس هذا القول مخالفاً للآية؟! فكلامه هذا إقرارٌ بما نحن بصدد إثباته.

صور القاتل والمقتول الستّ عشرة

لكلٍّ من القاتل والمقتول أربعة أقسام: الحرّ والحرّة والعبد والأمة، فالصور المتصوَّرة هنا ستّ عشرة. وإليك تفصيلها وأحكامها:

1ـ القاتل حرّ والمقتول حرّ، فيُقاد القاتل به؛ لقوله: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾.

2ـ القاتل حرّ والمقتول حرّة، فلا يُقاد بها؛ لفقد المساواة بينهما في الذكورة المصرَّح باعتبارها بقوله: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾.

3ـ القاتل حرّ والمقتول عبد، فلا يقاد به؛ لفقد المساواة بينهما في الحرّية المصرّح باعتبارها بقوله: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾.

4ـ القاتل حرّ والمقتول أمة، فلا يقاد بها؛ لفقد المساواة بينهما في الحرّية والأنوثة المصرَّح باعتبارهما بقوله: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ… وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى﴾.

5ـ القاتل حرّة والمقتول حرّ، فالمساواة بينهما في الذكورة مفقودةٌ، ولكنّ الحرّ أفضل من الحرّة، كما تقدَّم، فقتلها بالحرّ لا ينافي المساواة (القصاص). مع أنّه إذا قُتِلَت الحرّة بالحرّة، مع أنّ الحرّ لا يُقْتَل بها، فأن تقتل بالحرّ أَوْلى. وقد صرّح بهذه الأولويّة هنا وفي الصورة التاسعة جماعةٌ([36]).

6ـ القاتل حرّة والمقتول حرّة، فتقاد بها؛ للمساواة بينهما في الحرّية والأنوثة.

7ـ القاتل حرّة والمقتول عبد، فلا تقاد به؛ لفقد المساواة بينهما في الحرّية، والحرّة فوق العبد؛ بالحرّية.

8ـ القاتل حرّة والمقتول أمة، فلا تقاد بها؛ لفقد المساواة بينهما في الحرّية، والحرّة فوق الأمة؛ بالحرّية.

9ـ القاتل عبد والمقتول حرّ، فالمساواة بينهما في الحرّية مفقودةٌ، ولكنّ الحرّ أفضل منه بالحرّية ـ كما تقدّم ـ، فقتله بالحرّ لا ينافي المساواة. مع أنّه إذا قُتِل العبد بالعبد، مع أنّ الحرّ لا يُقْتَل به، فأن يُقْتَل بالحرّ أَوْلى.

10ـ القاتل عبد والمقتول حرّة، فالمساواة بينهما في الحرّية والأنوثة مفقودة. والعبد أفضل منها بالذكورة، ولكنّها أفضل منه بالحرّية، وقد تقدَّم أنّ الحرّية أفضل من الذكورة، فقتل العبد بها لا ينافي المساواة. مع أنّه إذا قُتِل العبد بالعبد، مع أنّ الحرّة لا تُقْتَل به، فأن يُقْتَل بالحرّة أَوْلى.

11ـ القاتل عبد والمقتول عبد، فيقاد به؛ لقوله: ﴿الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾.

12ـ القاتل عبد والمقتول أمة، فلا يقاد بها؛ لفقد المساواة بينهما في الذكورة، والعبد أفضل منها بالذكورة، فلا يقتل بها.

13ـ القاتل أمة والمقتول حرّ، فالمساواة بينهما في الحرّية والأنوثة مفقودة، ولكنّ الحرّ أفضل منها؛ بالحرّية والذكورة، فقتلها بالحرّ لا ينافي المساواة. مع أنّه إذا قُتِلَت الأمة بالأمة، مع أنّ الحرّ لا يُقْتَل بها، فأن تُقْتَل بالحرّ أَوْلى.

14ـ القاتل أمة والمقتول حرّة، فالمساواة بينهما في الحرّية مفقودة، ولكنّ الحرّة أفضل منها؛ بالحرّية، فقتلها بالحرّة لا ينافي المساواة. مع أنّه إذا قُتِلَت الأمة بالأمة، مع أنّ الحرّة لا تُقْتَل بها، فأن تُقْتل بالحرّة أَوْلى.

15ـ القاتل أمة والمقتول عبد، فالمساواة بينهما في الذكورة مفقودةٌ، ولكنّ العبد أفضل منها؛ بالذكورة، فقتلها بالعبد لا ينافي المساواة. مع أنّه إذا قُتِلَت الأمة بالأمة، مع أنّ العبد لا يُقْتَل بها، فأن تُقْتَل بالعبد أَوْلى.

16ـ القاتل أمة والمقتول أمة، فتقتل بها؛ للمساواة بينهما في الرقّية والأنوثة.

فتحصّل أنّه يُقاد القاتل في عشر صور، ولا يقاد في ستٍّ منها، هي أكثر ابتلاءً من تلك العشر التي يُقاد القاتل فيها. ومن هذه الستّ ثلاثٌ أكثر وقوعاً. وهذه الثلاث هي التي يكون القاتل فيها حرّاً والقتيل حرّةً أو عبداً أو أمةً. وهنا وجهٌ آخر لإثبات نفس هذه الأحكام في هذه الصور الستّ عشرة، نذكره في ذيل الآية الثانية.

تتمّة إيضاح للصورة الثانية والصورة الثالثة

بقي كلامٌ حول الصورة الثانية والصورة الثالثة. وأمّا في الثالثة فقد تقدَّم أنّ الآية تدلّ على أنّه لا يقاد الحرّ بالعبد. وهو المشهور بين أهل السنّة، وعليه إجماع الاماميّة. ولكن خالفهم في ذلك أبو حنيفة والثوريّ وابن أبي ليلى وداوود، فقالوا: إنّ الحرّ يقتل بعبدِ غيره([37])، حتّى ذهب شواذٌّ منهم إلى أنّ الحرّ يقتل بالعبد، وإنْ كان عبدَ نفسه([38]). ومستندهم في ذلك إطلاقُ ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ في آية المائدة؛ بدعوى أنّها ناسخةٌ لآية ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ في البقرة، والنبويُّ: «المسلمون تتكافأ دماؤهم»، وغيرُهما.

وقال السيّد الخوئيّ، ردّاً عليهم، ما هذا ملخّصه: إنّ المطلق لا يكون ناسخاً للمقيّد، وإنْ كان متأخّراً عنه، بل يكون المقيّد قرينةً على التصرُّف في ظهور المطلق، على ما هو الحال في المقيّد المتأخّر. وأمّا النبويّ فهو ـ على تقدير تسليمه ـ مخصَّص بالآية؛ فإنّ دلالة الرواية على جواز قتل الحرّ بالعبد إنّما هي بالعموم، ومن البيِّن أنّ حجِّية العامّ موقوفةٌ على عدم ورود المخصِّص عليه، المتقدِّم منه والمتأخّر. قال أبو بكر ابن العربيّ في أحكام القرآن([39]): ولقد بلغت الجهالة بأقوام أن قالوا: يُقتَل الحرّ بعبد نفسه، وروَوْا في ذلك حديثاً، عن الحسن، عن سمرة: قال النبيّ|: «مَنْ قتل عبده قتلناه». وهذا حديثٌ ضعيف. أقول: هذا مضافاً إلى أنّها معارَضة برواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، أنّ رجلاً قتل عبده متعمِّداً، فجلده النبيّ|، ونفاه سنةً، ومحا سهمه من المسلمين، ولم يَقُده به. وبما رواه ابن عبّاس، عن النبيّ|؛ وبما رواه جابر، عن عامر، عن عليٍّ×: «لا يُقْتَل حرٌّ بعبدٍ»؛ وبما رواه عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، أنّ أبا بكر وعمر كانا لا يقتلان الحرّ بقتل العبد([40]). وقد عرفت أنّ روايات أهل البيت^ مجمعةٌ على أنّ الحرّ لا يقتل بالعبد، وأهل البيت هم المرجع في الدين بعد جدّهم الأعظم|. وبعد هذا لا يبقى مجالٌ لدعوى نسخ الآية الكريمة من جهة قتل الحرّ بالعبد([41]).

أقول: سيجيء أنّ نسخ آية القصاص بآية ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ غير جائز؛ إذ آية القصاص نزلت في تشريع حكمٍ على الأمة الإسلاميّة، وآية ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ بيّنت تشريع حكمٍ على بني إسرائيل. وكيف يجوز أن ينسخ هذه الآية آيةً شَرَّعتْ حكماً على الأمة الإسلاميّة؟

وأمّا الصورة الثانية، وهي ما إذا كان القاتل حرّاً والقتيل حرّة، فقد ذهب الإماميّة إلى أنّ لوليّ دم المرأة مطالبة الرجل القاتل بالقود، بشرط أداء نصف دية الرجل. وذهب جمهور أهل السنّة إلى أنّ الرجل يقتل بالمرأة، من غير أن يردّ إلى ورثته شيء من الدية([42])؛ بدعوى نسخ آية ﴿الأُنثَى بِالأُنثَى﴾ بآية ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾. وخالف في ذلك الحسن وعطاء، فذهبا إلى أنّ الرجل لا يقتل بالمرأة، وحُكي ذلك عن إبراهيم والشعبيّ في المصنَّف، لابن أبي شيبة الكوفي([43]). وقال الليث: إذا قتل الرجل امرأته لا يقتل بها خاصّة([44]).

وقال السيد الخوئيّ، تأييداً لمذهب الإماميّة، وردّاً على قول جمهور أهل السنّة بقتل الرجل بالمرأة من غير ردّ نصف الدية، ما هذا ملخّصه: إنّ ظاهر قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ﴾ أنّ القصاص فرضٌ واجب، وأنّ القاتل يجب عليه أن يخضع لحكم القصاص إذا طالبه وليّ الدم بذلك. ومن الواضح أنّ هذا الحكم إنّما يكون في قتل الرجل رجلاً، أو قتل المرأة رجلاً أو امرأةً؛ فإنّ الرجل إذا قتل امرأةً لا يجب عليه الانقيادُ للقصاص بمجرّد المطالبة، وله الامتناع حتّى يأخذ نصف ديته، ولا يأخذه الحاكمُ بالقصاص قبل ذلك. وبتعبيرٍ آخر: تدلّ الآية المباركة على أنّ بدل الأنثى هي الأنثى، فلا يكون الرجل بدلاً عنها. وعليه فلا نسخ في مدلول الآية. نعم، ثبت من دليلٍ خارجيّ أنّ الرجل القاتل يجب عليه أن ينقاد للقصاص حين يدفع وليّ المرأة المقتولة نصفَ ديته، فيكون الرجل بدلاً عن مجموع الأنثى ونصف الدية، وهو حكمٌ آخر لا يمسّ بالحكم الأول المستفاد من الآية الكريمة. وأين هذا من النسخ الذي يدَّعيه القائلون به؟ وجملة القول: إنّ ثبوت النسخ في الآية يتوقَّف على إثبات وجوب الانقياد على القاتل بمجرد مطالبة وليّ المرأة بالقصاص، كما عليه الجمهور. وأنىّ لهم إثباته؟ فإنّهم قد يتمسَّكون لإثباته بإطلاق الآية الثانية ـ على ما صرَّحوا به في كلماتهم ـ، وبعموم قول النبيّ|: «المسلمون تتكافأ دماؤهم». وقد عرفْتَ ما فيه. وقد يتمسَّكون لإثبات ذلك بما روَوْه عن قتادة، عن سعيد بن المسيّب، أنّ عمر قتل نفراً من أهل صنعاء بامرأةٍ، وقادهم بها. وعن ليث، عن الحكم، عن عليّ وعبد الله قالا: «إذا قتل الرجل المرأة متعمّداً فهو بها قود». وعن الزُّهْري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جدّه، أنّ رسول الله| قال: «إنّ الرجل يقتل بالمرأة»([45]). وهو باطلٌ من وجوه: 1ـ إنّ هذه الروايات ـ لو فُرِضت صحّتُها ـ مخالفةٌ للكتاب، وما كان كذلك لا يكون حجّةً. وقد قام الإجماع على أنّ النسخ لا يثبت بخبر الواحد. 2ـ إنّها معارضة بالروايات المرويّة عن أهل البيت^، وبما رواه عطاء والشعبيّ والحسن البصريّ، عن عليٍّ×، أنّه قال في قتل الرجل امرأة: «إنّ أولياء المرأة إنْ شاؤوا قتلوا الرجل، وأدّوا نصف الدية، وإنْ شاؤوا أخذوا نصف دية الرجل»([46]). 3ـ إنّ الرواية الأولى منها من المراسيل؛ فإنّ سعيد بن المسيّب ولد بعد مضيّ سنتين من خلافة عمر([47])، فتبعد روايته عن عمر بلا واسطةٍ. وإذا سلّمنا صحّتها فهي تشتمل على نقل فعل عمر، ولا حجّية لفعله في نفسه. والرواية الثانية ضعيفةٌ مرسلة. وأمّا الرواية الثالثة فهي ـ على فرض صحّتها ـ مطلقةٌ وقابلة لأن تُقيَّد بأداء نصف الدية. والنتيجة أنّ الآية الكريمة لم يثبت نسخها بشيءٍ، وأنّ دعوى النسخ إنّما هي بملاحظة فتوى جماعةٍ من فقهاء العامّة. وكيف يمكن رفع اليد عن قول الله تعالى بملاحظة قول زيد أو عمرو؟! وممّا يبعث على العجب أنّ جماعة يفتون بخلاف القرآن مع إجماعهم على أنّ القرآن لا ينسخ بخبر الواحد([48]).

أقول: لقد أجاد في ما أفاد. إلاّ أنّ في كلامه& ما لا أكاد أن أفهمه؛ حيث إنّه صرّح بأنّ «الآية المباركة تدلّ على أنّ بَدَل الأنثى هي الأنثى، فلا يكون الرجل بَدَلاً عنها»، وعدَّ الروايات القائلة بقتل الرجل القاتل بالمرأة بلا أداء نصف ديته مخالفةً للقرآن. ولكنْ لماذا لا يقول ـ لله درُّه ـ بهذا بعينه بالنسبة إلى الروايات القائلة بقتله بشرط أداء نصف الدية؟! فإنّه لو كان بَدَلُ الأنثى هي الأنثى خاصّةً ـ كما صرَّح به نفسُه ـ فبانضمام نصف الدية إليها لا يصير الرجلُ بَدَلاً عنها. وقوله: «وهو [أي كون الرجل بَدَلاً عن مجموع الأنثى ونصف الدية] حكمٌ آخر لا يَمَسّ بالحكم الأوّل المستفاد من الآية» لا يرفع المخالفة بينه وبين الآية.

فإنْ قيل: يُحتمَل أنّه& أراد أنّ «الأنثى» في الآية مطلقة، فتفترق عن «الأنثى المنضمّة إلى نصف الدية» في الروايات، فلا دلالة في «الأنثى بالأنثى» على نفي «الرجل بالأنثى المنضمّة إلى نصف الدية»؛ فإنّ الثاني حكمٌ آخر أثبتَتْه الروايات، ولا مخالفة بينه وبين القرآن.

يُقال: قد تقدَّم أنّ مفاد ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ حصر قود الحرّ في الحرّ، أي إنّ الحرّ يقاد بالحرّ فقط، ولايقاد بالحرّة ولا بالعبد ولا بالأمة. ومع هذا الحصر كيف يمكن القول بقود الحرّ بالحرّة؟! وهل يمكن رفع اليد عن هذا المفاد، ولو سلّمنا تقييد مطلقات الكتاب بالأخبار. ومع ذلك لا أقلّ من الشكّ في جواز قود الرجل القاتل بالمرأة المنضمّة إلى نصف الدية، ومتى شُكَّ في شرط القود انتفى. فالاحتياط المأمور به في الدماء، وكذا الشبهة الدارئة للقود، مانعان عن قود الرجل؛ لأنّ فارط الدماء لا يستدرك، فتجب رعاية الاحتياط فيها، كما صرَّح به في جامع المقاصد([49]) وفي غيره.

الفقرة الثالثة

قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالمعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾. «مَنْ» مبتدأٌ، وإليه يرجع الضمير في «له» و«أخيه». وجاء فعل «عُفِيَ» مجهولاً ليعمّ ما إذا كان وليُّ الدم أكثرُ من شخصٍ واحد، والعافي كلَّهم أو أكثرَ من واحدٍ منهم. وفي مجمع البيان: «ولم يذكر سبحانه العافي، لكنّه معلوم أنّ المراد به مَنْ له القصاص والمطالبة، وهو وليّ الدم»([50]). وفي البحر المحيط([51]) وروح المعاني([52]): «عفا» يتعدّى بـ »عن» إلى الجاني وإلى الجناية، تقول: «عفوت عن زيد»، و«عفوت عن ذنب زيد»، فإذا عُدِّيت إليهما معاً تعدّت إلى الجاني بـ «اللام»، وإلى الذنب بـ «عن»، تقول: «عفوت لزيد عن ذنبه»؛ لأنّ التجاوز عن الجناية والنفع للجاني. وقوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ﴾ من هذا الباب، ومعناه «فمَنْ عفا له وليُّ الدم عن جنايته»، وحُذِف «عن جنايته» لفهم المعنى، وصار «عفا» مجهولاً، وأُقيم «شيء» مقام فاعله. «ولا يُفسَّر «عفي» بمعنى ترك؛ لأنّه لم يثبت ذلك معدّىً إلاّ بالهمزة، ومنه: «اعفوا اللحى»، ولا يجوز أن تضمّن «عفي» معنى ترك وإنْ كان العافي عن الذنب تاركاً له لا يؤاخذ به؛ لأنّ التضمين لا ينقاس»([53]). والمراد من «أخ» وليّ دم المقتول، فعَدَّ وليَّ الدم أخاه ـ على الرغم من كونه جانياً متعمّداً ـ ليُفهِم بقاءَ الأخوّة الإيمانيّة بين القاتل ووليّ الدم، «وليعطّف أحدهما على صاحبه بذكر ما هو ثابتٌ بينهما من أخوّة الإسلام»([54]). وجملة ﴿عُفِيَ لَهُ… شَيْءٌ﴾ صلة «مَنْ»، وخبره «فاتّباع»، وفاؤه ـ أي حرف الفاء ـ ما تقع على المبتدأ. و«اتّباع» مصدر مثل «إمساكٌ» في قوله تعالى: ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (البقرة: 229)، والذي معناه: «فأمسكوهُنَّ بمعروفٍ». كما أنّ «أداءٌ» مثل «تسريح» فيه. وضمير «إليه» يرجع إلى العافي. و«اتّباع» و«أداء» كلاهما من طرف القاتل. وعليه فمعنى هذه الفقرة أنّ على القاتل الذي عُفي شيءٌ له من أخيه (وليّ الدم) أن يتَّبعَ بالمعروف، ويؤدِّيَ إليه الديةَ بالإحسان. وفي فقه القرآن، للراونديّ: «قال أبو مسلم: أي على قاتل العمد الذي يرضى منه وليّ المقتول بالدية، ويعفو له عن القود، أن يتَّبع ما أمره الله في إعطاء الوليّ ما يصالحه عليه، ويرضى به منه»([55]).

الفقرة الرابعة

قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾. أشار بـ «ذلك» إلى ما شرَّعه تعالى من المساواة في القتلى؛ إذ أهل التوراة كان قانونهم قود القاتل مطلقاً، ولكنّ هذه الأمّة مأمورةٌ بالمساواة. وكانت المساواة تخفيفاً من الله؛ إذ فيه انتفاع الوليّ بالدية، وحصولُ الأجر بالعفو، واستبقاءُ مهجة القاتل، وبذلُ ما سوى النفس هيِّنٌ في استبقائها.

الفقرة الخامسة

قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ يعني بعد مجازاة القاتل أو بعد العفو، كما في الجاهليّة، فيكون مصيره إلى النار.

الآية الثانية

قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (المائدة: 45). وهذه الآية حاكيةٌ عن تشريع أحكام القود نفساً وطرفاً وجرحاً في التوراة على بني إسرائيل. والمقابلة بين هذه الآية، حيث جاء فيها: ﴿كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾، وبين الآية الأولى، وفيها: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾، تُوهِم إمّا اختصاصَ جميع أحكام الآية الثانية باليهود؛ إذ لو لم‌ تختصّ بهم لقال تعالى هنا مثلَ ما قاله في الصيام، حيث قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (البقرة: 183)؛ وإمّا نسخَ إحداهما بالأخرى، كما تقدَّم حكايته عن بعض أهل السنّة، وحُكي ذلك عن بعضٍ في فقه القرآن، للراوندي([56])، وفي غيره. فحينئذٍ ينبغي الكلام أوّلاً: في أنّ أحكام الشرائع السابقة ـ وخصوصاً المذكورة منها في القرآن ـ منسوخةٌ أو باقيةٌ على شرعيّتها بعد ظهور الإسلام. وثانياً: لو سلَّمنا بقاء أحكامها على الشرعية فهل إحدى الآيتين ناسخة للأخرى أم لا؟ فهنا أمران:

أمّا الأمر الأوّل فاستدلّ المشهور على بقاء أحكام الشرائع السابقة على شرعيتها؛ بالاستصحاب. ولقد أجاد في ما أفاده المحقِّق الخراساني، في كتاب الكفاية، في سادس تنبيهات الاستصحاب، فراجِعْه.

ولكنّنا في غنىً عن الاستصحاب هنا؛ إذ التحقيق أنّ الدليل اللفظيّ من الكتاب والسنّة يدلّ على بقاء أحكام الشرائع السابقة على شرعيّتها عموماً، وعلى بقاء الأحكام المحكيّة في هذه الآية خصوصاً. والدليلُ الخاصّ بالمقام هو نفس الآيتين؛ فإن فقرة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى﴾ في الآية الأولى ناظرةٌ ـ لمكان ﴿في الْقَتْلَى﴾ ـ إلى خصوص فقرة ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ في الآية الثانية، فلو كان بين الآيتين تقابلٌ من حيث الذين شُرِّعت لهم أحكام الآيتين إنّما يكون بين هاتين الفقرتين، لا في سائر الفقرات، فسائر فقرات الآية الثانية باقيةٌ على حالها. هذا أوّلاً. وثانياً: إنّ من المعلوم أنّ شريعة الإسلام أكملُ الشرائع وأتمُّها، فلو كانت المقابلة بين الآيتين في جميع فقراتهما لما كانت شريعة الإسلام أكمل من شريعة اليهود؛ إذ الآية الثانية ـ وهي لليهود ـ شاملةٌ لأحكام قصاص الطرف والجروح أيضاً، والآية الأولى ـ وهي للمسلمين ـ فاقدة لها. وثالثاً: روى الشيخ في تهذيب الأحكام([57])، بسندٍ موثَّق كالصحيح([58])، عن زرارة، عن أحدهما’، في قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ…﴾ قال: هي محكمةٌ».

وأمّا الأمر الثاني فنقول: إنّ الآيتين محكمتان، ولا تكون إحداهما ناسخةً للأخرى. والوجهُ في ذلك ـ كما قال السيد الخوئيّ ـ أنّ الآية الثانية مطلقةٌ من حيث العبد والحرّ والذكر والأنثى، فلا صراحة لها في حكم العبد وحكم الأنثى. وعلى أيّ حالٍ إنْ لم تكن الآية في مقام البيان من حيث خصوصيّة القاتل والمقتول، بل كانت في مقام بيان المساواة في مقدار الاعتداء فقط، كانت مهملةً ولا ظهور لها في العموم لتكون ناسخةً للآية الأولى. وإنْ كانت في مقام البيان من هذه الناحية، وكانت ظاهرةً في الإطلاق، وظاهرةً في ثبوت الحكم في هذه الأمّة أيضاً، ولم تكن للإخبار عن ثبوت ذلك في التوراة فقط، كانت الآية الأولى مقيِّدةً لإطلاقها، وقرينةً على بيان المراد منها؛ فإنّ المطلق لا يكون ناسخاً للمقيِّد وإنْ كان متأخِّراً عنه، بل يكون المقيِّد قرينة على التصرُّف في ظهور المطلق، على ما هو الحال في المقيِّد المتأخّر([59]).

وعلى هذا فإطلاق ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ يفيد أنّ القاتل يُقتَل قَوَداً في جميع الصور الستّ عشرة المذكورة في ذيل الآية الأولى؛ وذلك لأنّ «النفس» في الطرفين مطلقةٌ تشمل الحرَّ والحرّةَ والعبدَ والأمةَ. ولكن إذا قيّد هذا الإطلاق بقوله: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى﴾ خرجت صورٌ من إطلاق ﴿الْنَّفْسَ بِالْنَّفْسِ﴾، وهي ما إذا كانت النفسُ الأولى (أي القاتل) حرّاً والنفسُ الثانية (أي المقتول) غيرَ حرٍّ، بأن كان حرّةً أو عبداً أو أمة، كما في الصور الثانية إلى الرابعة؛ وأيضاً إذا كانت النفسُ الأولى حرّةً والثانيةُ عبداً أو أمةً، كما في الصورتين السابعة والثامنة؛ وأيضاً إذا كانت الأولى عبداً والثانية أمةً، كما في الصورة الثانية عشرة. وبقيت سائر الصور ـ وهي عشر ـ تحت إطلاق ﴿الْنَّفْسَ بِالْنَّفْسِ﴾، ففيها يُقتَل القاتل ولو لم يكن القاتل مساوياً للمقتول في الحرّية والرقّية والذكورة والأنوثة، كما في ستّ صور (الخامسة والتاسعة والعاشرة والثالثة عشرة إلى السادسة عشرة)، التي أثبتنا قتل القاتل فيها بالأولويّة، فلو لم تُسلَّم الأولويّةُ فيها يثبت الحكم فيها بـ ﴿الْنَّفْسَ بِالْنَّفْسِ﴾ السليم إطلاقه في عشر صور من التقيُّد بـ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ…﴾.

وبهذا يظهر المرام من قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 179)؛ فإنّ ما كتبه الله على بني إسرائيل يوجب قتل القاتل في جميع الصور الستّ عشرة المذكورة، ولكنْ ما كتبه الله على المسلمين لا ينجرّ إلى قتله في كثيرٍ من مصاديقه الخارجية، وهو قتل الحرّ غيرَ حرٍّ، ففي القصاص حياةٌ للمسلمين. وعلى هذا لا نحتاج إلى تأويلاتٍ ذكرها أربابُ التفاسير وغيرُهم في وجه أنّ القصاص ـ وهو قتل وإعدام الحياة ـ كيف يكون حياةً؟! حيث قالوا: «وإنّما كان فيه حياة من وجهين: أنّه إذا همّ الإنسان بالقتل، فذكر القصاص، ارتدع، فكان ذلك سبباً للحياة: حياة للذي همَّ هو بقتله؛ وحياة له؛ لأنّه من أجل القصاص أمسك عن القتل، فيسلم من أن يقتل([60]). ورُوي في الاحتجاج، مرسلاً عن الإمام عليّ بن الحسين’: «ولكم يا أمّة محمد في القصاص حياة؛ لأنّ مَنْ همّ بالقتل، فعرف أنّه يُقتَصّ منه، فكفّ لذلك عن القتل، كان حياةً للذي همَّ بقتله وحياةً لهذا الجاني الذي أراد أن يقتل، وحياةً لغيرهما من الناس، إذا علموا أنّ القصاص واجبٌ لا يجسرون على القتل؛ مخافةَ القصاص»([61]).

مع أنّ هذه الأقوال والرواية المرسلة يَرِدُ عليها إشكالان:

الأوّل: إنّ هذه الآية تصرِّح بأنّ قَوَد القاتل كان من الأحكام الإلهيّة في التوراة، وكان جارياً طيلة قرون، وليس حكماً جديداً خاصّاً بالمسلمين، فلا يصحّ أن يقال: «ولكم يا أمّة محمّد في القصاص حياة».

الثاني: إنّ أرباب التفاسير والتواريخ ذكروا أنّ أهل الجاهليّة فيهم بغيٌ وطاعةٌ للشيطان، فكان الحيّ إذا كان فيهم عدّة ومنعة فقتل عبدُ قومٍ آخرين عبداً لهم قالوا: لا نقتل به إلاّ حرّاً؛ تعزُّزاً لفضلهم على غيرهم في أنفسهم. وإذا قُتِلت لهم امرأةٌ قتلتها امرأةُ قومٍ آخرين قالوا: لا نقتل بها إلاّ رجلاً، فأنزل الله هذه الآية يخبرهم أنّ العبد بالعبد والأنثى بالأنثى، فنهاهم عن البغي([62]). فقَوَدُ القاتل كانت سنّةً رائجةً بين الأعراب في الجاهليّة قبل الإسلام بنحوٍ آكد وأشدّ ممّا شرَّعه الله في القرآن للمسلمين، وهي أشدّ ردعاً للناس عن القتل، فلا يصحّ أن يقال: إنّ الحكم الإلهيّ بالقصاص موجبٌ لارتداع القاتل عن القتل، فيسلم هو من أن يُقتَل، ويسلم مَن همَّ هو بقتله. نعم ما حكي في التبيان([63]) وفقه القرآن([64]) وغيرهما، عن السدّي أنّه قال: «من جهة أنّه لا يقتل إلاّ القاتل، دون غيره، خلاف فعل الجاهليّة الذين كانوا يتفانون بالطوائل» سليمٌ من هذا الإشكال.

وما اضطرّهم إلى هذه التأويلات إلاّ أنّهم فسَّروا «القصاص» بالقَوَد. وقد عرفت أنّه بمعنى المساواة. ولم يلتفتوا أيضاً إلى أنّ قوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ يدلّ على اختصاص القصاص بالأمّة الإسلاميّة في مقابل سائر الأمم الماضية، أعني بني إسرائيل في عصر موسى ومَنْ بعدهم؛ حيث كتب الله عليهم ﴿أَنَّ الْنَّفْسَ بِالْنَّفْسِ﴾. فما كتبه الله على الأُمّة الإسلاميّة بالنسبة إلى ما كتبه على غيرهم موجبٌ لإبقاء حياة القاتل المسلم في كثيرٍ من الموارد، فهو حياةٌ للمؤمنين في شريعة الإسلام.

وممّا ذكر ظهر أيضاً أنّ الأحكام المذكورة في الآية، في غير فقرة ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾، باقيةٌ على إطلاقها بالنسبة إلى المسلمين. وعليه فإطلاق العين والأنف والأذن والسنّ فيها يدلّ على أنه في هذه الأطراف لا تُعتبَر المساواة بين الجاني والمجنيّ عليه في الحرّية والرقّية والذكورة والأنوثة، بل لو كان الجاني حرّاً كبيراً والمجنيُّ عليه أَمَةً صغيرة يُقتَصّ منه بمثل ما جنى عليها؛ عملاً بإطلاق قوله تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾.

قوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ معناه كتبنا عليهم أنّ الجروح قصاصٌ، يعني أنّ الجروح متساوية. فلم يتعرَّض التشريع الإلهيّ هنا لجزئيّات القود في الجروح، بل شرّع أنّها بعمومها متساويةٌ، فالجرح في اليد مساوٍ للجرح في أيّ عضوٍ آخر. وبما أنّه تعالى في الآية 194 من سورة البقرة فرّع على القصاص في الحرمات قولَه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾، فبيَّن أنه في الأمور المتساوية جزاءُ كلِّ اعتداء اعتداءٌ بمثله، علمنا هنا أنّ كلَّ اعتداء في الجروح يعتدى بمثله أيضاً، فيقاد الجرح في اليد مثلاً بالجرح فيها بقدره، لا بأزيد منه، لو كان للجاني يدٌ، وإلاّ ففي غير يده بقدره، لا بأزيد منه. وهكذا الجروح في سائر البدن. وليس المراد من «القصاص» هنا الجرح بالمثل، كما في الأمور المذكورة قبل الجروح، أعني في ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾؛ لأنّه لو كان هذا مراده لكان السابق عليه أيضاً قصاصاً، ولا خصوصيّة للجروح ليعبّر عن المجازاة فيها بالقصاص، بل وحدة السياق اقتضَتْ أن يقال: «كتبنا عليهم أنّ النفس والعين والأنف والأذن والجروح قصاص» أو يقال: «كتبنا عليهم أنّ النفس بالنفس والعين… والجروح بالجروح». فالوجه في أنّه لم يقُلْ: «والجروح بالجروح» أنّه لو قال هكذا لأوهم عمومُ «الجروح» في الطرفين جوازَ قود أيّ ناحيةٍ من بدن الجاني بما جرحه الجاني، ولو كان في بدنه عضوٌ مماثل للعضو المجنيّ عليه.

وبهذا يُعلَم وجه عدم التعبير بالقصاص في ما تقدَّم ذكره على الجروح في الآية، أي العين والأنف والأذن والسنّ؛ لأنّ القصاص هو المساواة بين عضوِ الجاني ونظيرِ العضو من المجنيّ عليه في ما يعتبره العرفُ خصوصيّةً، ومع اعتبار المساواة في خصوصيّات الأعضاء لا يمكن مثلاً أن تقاد العينُ القويّة بالعين الضعيفة ونحوها، وهكذا في الأنف والأذن والسنّ. نعم، ولو انجرّ الجرح إلى قتل المجنيّ عليه فيعتبر في استيفاء هذا الجرح مساواتان بين الجاني والمجنيّ عليه: إحداهما: في نفس الجرح؛ والثانية: في الحرّية والعبودية والذكورة والأنوثة.

النتيجة

والحاصل من جميع ما ذكرناه أمور، أهمّها:

1ـ المراد بالقصاص في آية القصاص حكمٌ إلزاميّ مستحدَثٌ مختصٌّ بالمسلمين.

2ـ لم يُرَدْ بكلمة القصاص في القرآن، باستعمالاتها الأربعة، المجازاةُ والقودُ، بل المراد منه المماثلة والتساوي.

3ـ المراد بالقصاص في آية القصاص هو التساوي بين القاتل والمقتول في الذكورة والأنوثة والحرّية والرقّية.

4ـ آية القصاص قيَّدت ﴿الْنَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ لصالح المسلمين بالتساوي بين القاتل والمقتول في الصفات المذكورة، وبقي إطلاق سائر فقراتها بحاله بالنسبة إليهم.

الهوامش

(*) أستاذٌ وباحثٌ في حوزة قم العلميّة.

([1]) المُغرِب 2: 182، قصص.

([2]) مفاتيح الغيب 5: 41.

([3]) مفاتيح الغيب 5: 40.

([4]) الميزان 2: 6.

([5]) كالطَّبْرِسي في مجمع البيان 1: 479؛ وجوامع الجامع 1: 100، حيث قال في تفسير ﴿الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾: «المساواة في القتلى». ونحوه في تفاسير: الصافي 1: 215؛ والأصفى: 82؛ والتفسير المنسوب إلى الإمام العسكري×: 595؛ والمعين 1: 89 (لنور الدين الكاشاني)؛ وتفسير شبّر: 65؛ وزبدة التفاسير 1: 291 (لفتح الله الكاشاني)؛ والوجيز: 39 (لدخيّل)؛ والمبين: 34 (لمغنيّة). وكذا في التفاسير الفارسيّة، ففي تفسير گازر: «وقصاص مساوات است يعني بر شما مساوات واجب كرده اند در كشتگان». ونحوه في المواهب العليّة: 54 (للكاشفي)؛ ومنهج الصادقين 1: 378 (للكاشاني)؛ والاثني عشري 1: 327 (للشاه عبد العظيمي)؛ وحجّة التفاسير 1: 124 (للبلاغي)؛ وغيرها. وبه صرّح بعض مترجمي القرآن إلى الفارسيّة، ففي ترجمة فيض الإسلام: «در باره‌ إي كشتگان قصاص (مساوات وبرابري در لوح محفوظ يعني كتاب خداوند…) بر شما نوشته (واجب) شده».

وكذلك في تفاسير أهل السنّة، ففي تفسير الفخر الرازي 5: 45: «القصاص عبارة عن المساواة»؛ وفي تفسير القرطبي 2: 355؛ وفتح القدير 1: 192: «القصاص المساواة»؛ وفي تفسير النسفي 1: 87: «كتب أي فرض عليكم القصاص، وهو عبارة عن المساواة… والمعنى فرض عليكم اعتبار المماثلة والمساواة بين القتلى». وفي أحكام القرآن 1: 64 (لابن العربي)، حكايةً عن ابن أبي ليلى: «إنّ الله سبحانه وتعالى شرط المساواة في القتلى». ومثله حكايةً عن أحمد بن حنبل 1: 65. وفي تفسير سورآبادي 1: 155: «آنها كه گرويدگانند نبشتند وفريضه كردند بر شما برابرى در كشتگان». وفي غرائب القرآن 1: 481: «القصاص عبارة عن التسوية». ونحوه في مقتنيات الدرر 10: 32؛ وتفسير الجلالين: 30؛ وتفسير المراغي 2: 61؛ وتفسير المظهري 1: 177، 215؛ وتيسير الكريم الرحمان: 90؛ ومحاسن التأويل 2: 5. وجاء في كتب ورسائل وفتاوى ابن تيميّة في التفسير 14: 76: «والجروح قصاص، يعني كتاب الله أن يؤخذ العضو بنظيره، فهذا قصاصٌ؛ لأنّه مساواة». وكذلك في الكشف والبيان 2: 90 (للثعالبي)؛ والخازن 1: 123 (للبغدادي)؛ وإيجاز البيان عن معاني القرآن 1: 139؛ وبيان المعاني 5: 147؛ والتفسير الوسيط 1: 414؛ وتفسير سورآبادي 1: 168؛ ومحاسن التأويل 2: 60؛ ومعالم التنـزيل 1: 239؛ وأحكام القرآن 1: 86 (للكياهراسي)؛ ونيل المرام: 43 (للقنوجي)؛ والمنير 2: 181 (للزحيلي).

([6]) جوامع الجامع: 1: 100.

([7]) الكياهراسي، أحكام القرآن 1: 86.

([8]) تفسير الإمام العسكري: 595؛ والصافي 1: 215.

([9]) المبين: 34.

([10]) الوسيط 1: 368.

([11]) الراوندي، فقه القرآن 2: 396.

([12]) السمرقندي، بحر العلوم 1: 118؛ وكذلك نحو هذا السؤال والجواب في التبيان 2: 100؛ وجامع البيان 2: 60؛ والجديد 1: 205؛ وزاد المسير 1: 137؛ ولباب التأويل 1: 107؛ وبيان السعادة 1: 167؛ وغيرها.

([13]) بيان السعادة 1: 167.

([14]) إعراب القرآن 2: 357.

([15]) درويش، إعراب القرآن وبيانه 1: 254.

([16]) إعراب القرآن الكريم 1: 74.

([17]) ابن عاشور، التحرير والتنوير 2: 136.

([18]) كما في الجدول 2: 357؛ وآيات الأحكام 2: 684 (للجرجاني)؛ والبحر المحيط 2: 144؛ والتفسير الواضح 1: 103؛ والتفسير الوسيط 1: 369؛ وغرائب القرآن 1: 481؛ وغيرها.

([19]) الرازي، المحصول 1: 376 ـ 377.

([20]) المحقّق الحلّي، معارج الأصول: 58.

([21]) الطراز الأوّل والكناز لما عليه من لغة العرب المعوّل 3: 306.

([22]) تاريخ مدينة دمشق 12: 220.

([23]) مفاتيح الغيب 5: 222.

([24]) التحرير والتنوير 2: 137.

([25]) البحر المحيط 2: 145.

([26]) ابن العربي، أحكام القرآن 1: 61.

([27]) التحرير والتنوير 2: 137.

([28]) كما في روح المعاني 1: 446؛ والأمثل 1: 502؛ وإعراب القرآن وبيانه 1: 254؛ والتحرير والتنوير 2: 136؛ وغيرها.

([29]) راجع: البحر المحيط 2: 145؛ البحر المديد 1: 148؛ المحرر الوجيز 1: 245.

([30]) موطّأ مالك 2: 873.

([31]) التحرير والتنوير 2: 136.

([32]) غاية المراد 4: 357.

([33]) مفاتيح الغيب 5:  43 ـ 44.

([34]) مفاتيح الغيب 5: 44.

([35]) روح المعاني 2: 49.

([36]) كالأردبيلي في زبدة البيان 672؛ وابن قدامة في المغني 9: 350؛ والآلوسي في روح المعاني 2: 49؛ وصاحب تكملة حاشية ردّ المختار 98.

([37]) تفسير ابن كثير 1: 209.

([38]) الجصّاص، أحكام القرآن 1: 137.

([39]) أبو بكر بن العربي في أحكام القرآن 1: 27.

([40]) سنن البيهقي 8: 34 ـ 36.

([41]) البيان: 293 ـ 295.

([42]) تفسير القرطبي 2: 229.

([43]) ابن أبي شيبة الكوفي، المصنَّف 6: 365.

([44]) تفسير ابن كثير 1: 229.

([45]) الجصّاص، أحكام القرآن 1: 139.

([46]) المصدر السابق 1: 120.

([47]) تهذيب التهذيب 4: 86.

([48]) البيان: 295 ـ 297.

([49]) جامع المقاصد 6: 127.

([50]) مجمع البيان 1: 490.

([51]) البحر المحيط 2: 15.

([52]) روح المعاني 2: 50.

([53]) البحر المحيط 2: 15.

([54]) جوامع الجامع 1: 101.

([55]) فقه القرآن 2: 400.

([56]) الراوندي، فقه القرآن 2: 396.

([57]) تهذيب الأحكام 10: 15 ـ 16.

([58]) كما في رياض المسائل 14: 59.

([59]) البيان: 293 ـ 294.

([60]) الراوندي، فقه القرآن 2: 401؛ ونحوه في التبيان 2: 105؛ ومجمع البيان 1: 495.

([61]) الاحتجاج 2: 319.

([62]) انظر: جامع البيان 2: 141؛ وزاد المسير 1: 163.

([63]) التبيان 2: 105.

([64]) فقه القرآن 2: 401.

الكاتب الشيخ روح الله ملكيان

الشيخ روح الله ملكيان

مواضيع متعلقة

اترك رداً

downloadfilmterbaru.xyz bigoporn.club bok3p.site sablonpontianak.com