القِيَم الصوتية وآفاقها الجمالية

دراسةٌ في ضوء النصّ القرآني

 

أ. كواكب صالح مهدي محمد(*)

أ. م. د. أزهار علي ياسين(**)

 

مدخل

إنّ اللغة ـ أي لغة ـ وسيلة خطابية مهمتها الأساس الاتصال والإفهام بين الأفراد، التي تعتمد في تكوينها على الأصوات الكلامية، حيث تكتسب الألفاظ دلالاتها من جرس هذه الأصوات. لذا كان للدراسة الصوتية جدوى كبير في بيان المعاني وجمالية الأداء. ولقد كان للبعد الصوتي في السياق القرآني أثرٌ فعّال في صياغة المعاني، بالاعتماد على الدقة في اختيار الأصوات، حتّى أخذت هذه الأصوات مساحات كلامية بارزة، اتّسمت بكثافة الحضور الفاعل في بناء المعنى وتصدير الخطاب.

ولذا انمازت هذه الأصوات في الخطاب القرآني بميزات، منها:

أولاً: ميزة احتوائية، احتواء المعنى الذي يقصده المتكلّم ويبغي إبرازه إلى المتلقي بمعيّة تضافر الأصوات مع بعضها. الغاية من ذلك الإيصال والإفهام من خلال منطوق النصّ.

ثانياً: ميزة إيحائية؛ إذ تسهم المنظومة الصوتية في الخطابات القرآنية بالتنويه إلى معانٍ أخرى تتوارى تحت ظلال المعاني الظاهرة؛ لسبر أغوارها ومكامنها، حيث «تكمن أهمية الصوت في قدرته الإيحائية التجريدية، وفي ما يكوِّنه في النفس المتلقية من صورٍ ورؤى يهتزّ لها السامع»([1]).

وبتضافر هاتين الميزتين، «بوصفهما منطقتين مكتظتين بالشعرية أكثر من سواهما»([2])، ستتولّد ميزةٌ أخرى، هي:

ثالثاً: ميزة جمالية. فللصوت في النصّ القرآني طاقات جمالية محتشدة، تعزز سمة التأثير على المتلقّي في ضوء إجراءات خطابية معينة مرهونة بالسياق أو المقام، مهمتها قناعة الآخر بمضمون هذا الخطاب. ولا يقف الأمر عند هذا الحدّ، بل أن يتحسَّس هذا المتلقّي النصّ بذائقته الذهنية، متطلّعاً إليه بتفاعله معه، فيتلذَّذ في تلقّيه، ويستشعر حلاوته وطلاوته، فيحدث عندئذٍ تجاذب بين الذائقة المتلقية للمخاطب والنصّ، بعيداً عن التنافر والانكماش، حتّى يضحى المتلقي موضوعاً آخر للخطاب. فليس غاية الخطاب هاهنا الإيصال والإفهام، بل الغاية الاستغراق في تأمّل الآيات، وتدبّر النصوص، واستذواق جماليّتها، في ضوء تمازج الأداء الصوتي والمعبر الدلالي. فيصبح الصوت في النصّ القرآني المقدس عامل جذب للمتلقّي؛ لمعرفته ـ أي النصّ ـ، واستحضار مداركه، وتدبُّر محتواه وفلسفته.

إنّ الأسس الجمالية التي تطرحها المنظومة الصوتية في النصّ القرآني الكريم، بمصاحبة المكونات الدلالية، تقود المتلقّي إلى الانفتاح على هذا النصّ، وتقصّي حقيقته أو حقائقه المتعدّدة مؤطّرة بشعوره بانسيابيّة الأفكار إلى ذهنه، بل واستفزاز هذا المتلقّي لغرض تحقيق الاستجابة المطلوبة؛ لأن هذه الصور الصوتية التي تخرج إلى الواقع المادي المنطوق المحسوس تقترن معها على الدوام أحداث نفسية تصاحب عملية استقبال الكلام، فهي بمثابة ردّ فعلٍ واقعي تجاه ما يستقبله السامع أو المتلقّي. فهذه الأصوات تشكل علامة فارقة وبارزة في استكناه المعاني.

 

المبحث الأول: التلوين الصوتي وظلال المعنى

للقرآن الكريم تقنية خاصة في استعمال اللغة على المستويات اللغوية جميعها، ومنها: المستوى الصوتي، فينوع في استعمال الأصوات على نحو بليغ، لا يخلو من جمالية وإيحائية على مستوى المفردة والتركيب في الآية والسورة. إلاّ أنّ ذلك مشروطٌ بالأداء السليم للكلام، من لفظ ونبر وتنغيم يترك أثراً نفسياً لدى السامع، ويستحوذ على أحاسيسه، ويستنطق عقله([3]).

و«أهل هذه اللغة قد يصلون إلى إبانة أغراضهم ممّا يصحبونه في الكلام في ما تقدم منه ويتأخّر بعده، وبما يدلّ عليه الحال، فإنّ لها في إفادة المعنى تأثيراً كبيراً»([4]).

ولا يخفى أن طرق أداء الكلام تتعدّد أغراضه في ضوء الأداء الصوتي، من تنغيم يصاحب الكلام. فالأداء الصوتي في الأمر يختلف عنه في الاستفهام والنهي والنداء. فالمفردة والأداة في اللغة لها قوالب خاصة وهوية مميزة، وباختلاف القالب اختلفت الهوية، ومن ثم اختلف المعنى؛ إذ إنّها تمنح التركيب المصدر بالأداة مثلاً تلويناً مختلفاً يجعل الأداة والجملة المركَّبة معها يعبِّران عن أكثر من حالة، وبذلك يخرج الأسلوب المعروف إلى أساليب شتى. وفي أحيان أخرى تكون قرينة التنغيم أعظم أثراً من القرينة اللفظية، أي الأداة، بحيث تجرّد الأداة والجملة المركَّبة معها من المعنى الذي تحمله([5]). فموسيقى الكلام تلوّن النطق وتمنحه معاني محدَّدة بحسب السياق والمقام، ولا يتأتّى النطق الصحيح إلاّ بمراعاة النغم، وبه يتضح المعنى، وبدءاً من أصغر جزء تكويني للغة، وهو الصوت، وما يحمله من صفات، وما يصاحبه من حركات، فهو المكوِّن الأساس للفظ، وترابط الألفاظ فيما بينها؛ لتؤدّي وظيفة الإيصال إلى المتلقّي من المرسل فحوى الرسالة ومضمونها. لذا سنبدأ بأبعاض حروف المدّ([6])، وهي الحركات، ثم نتدرج إلى الصوت واللفظ والتركيب في الآية، آخذين بنظر الاعتبار الإيقاع والتناسب والتلاؤم بين اللفظ والمعنى؛ لأنّ التلوين في أدوات اللغة من حركةٍ وصوتٍ ولفظٍ وتركيبٍ في الخطاب القرآني عموماً، وفي الخطاب الخاصّ بالمرأة خصوصاً، من ميزاته تلك التي لا تقبل الجدل.

 

 أدوات التلوين الصوتي

هذه الأدوات هي جزئيات التركيب أو النظم مكوّنة من وحدات، هي «الحركة، الحرف، الكلمة، ثمّ التركيب بما يحمل من علاقات صوتية متداخلة»([7]). وسوف يتمّ تناول هذه الجزئيات على وفق المزايا الأسلوبية التي اختصّت بها في ضوء العلائق الصوتية والدلالية معاً.

العدول في الحركة

للحركة في اللغة دورٌ فاعل في توجيه المعنى؛ لما تحمله من شفافية وانسيابية من الناحية الصوتية؛ حيث إنها تلقي بظلال المعنى في أذن السامع، فتحاكي مشاعره؛ إذ «تشكل الحركات أو الصوائت القصيرة عنصراً أساسياً في اللغة الإنسانية. وهذه الحركات بنوعيها: الصرفي؛ والأعرابي، ضرورةٌ لا بُدَّ منها لوصل الكلام. فهي بذلك تؤدي وظيفة صوتية إلى جانب وظيفتها الدلالية على المستوى الصرفي والأعرابي»([8]).

فالصوامت تؤدّي المعنى الأصلي للمفردة، وتقوم الصوائت بتعديل المعنى وتخصيص الدلالة. «فدلالات الألفاظ لا ينماز بعضها عن الآخر بتركيبه البنائي فقط، إنما يتغاير عن طريق تغاير الحركات، وإنْ تشابهت البنية واتّحدت»([9]). ولا شكَّ أنّ جمالية اللفظ أو التركيب «يرجع في ناحية من نواحيه إلى رشاقة الحركة والاقتصاد في الجهد العضلي»([10]). إنّ العدول من حركة إلى أخرى لا بُدَّ أن يضفي نوعاً من الجمالية الظاهرية المتمثِّلة في الصوت، والمعنوية المتمثِّلة في الدلالة. وهذه من الأساليب اللغوية البلاغية المستعملة في الذكر الحكيم بشكلٍ لافت للنظر.

وقد كان له حضور بارز ومكثَّف في الخطاب الخاصّ بالمرأة في القرآن الكريم.

ونبدأ بالخطاب الخاصّ بالعلاقة الاجتماعية التي نظمت تنظيماً دقيقاً في القرآن الكريم، وهي العلاقة الزوجية؛ إذ يطالعنا لفظ خاص بالمرأة، وهو ﴿صَدُقَاتِهِنَّ﴾، بضمّ الدال، إذ عدل باللفظ من الفتح إلى الضمّ، حيث يأمر الله عزَّ وجلَّ في ضوئه الرجال بإيتاء النساء مهورهنّ كاملة([11]) غير منقوصة؛ إذ قال تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً﴾ (النساء: 4). ومعنى «الصدق ضدّ الكذب»([12])، «والصداق صداق المرأة، سُمِّي بذلك لقوّته، وأنه حقّ يلزم»([13])، وهو مأخوذ من الصدق أو الصدقة([14])، فقد فرض الله سبحانه وتعالى الصداق للنساء على الرجال، وجعله من بنود عقد النكاح بين الطرفين؛ «لأن دخوله بينهما دليل صدقهما في موافقة الشرع»([15])، «فكان هبة منه سبحانه وتعالى لهنَّ، لا هبةً من أزواجهنَّ»([16]). فنلاحظ أن الضمّة لقوّتها، مقارنةً بمثيلاتها: الفتحة والكسرة([17])، أضافت للمفردة معنىً أقوى؛ إذ إن الصدقة تؤخذ عن طيب نفس، دون تحديد المقدار، وفيها تطهير للنفوس: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (التوبة: 103). وصداق المرأة هو أيضا تطهير للنفوس، وتعبيد لمسلك الحياة الزوجية، فقد «آثر الإسلام هذا المبدأ لكي لا تكون البيئة العائلية والحياة الزوجية ميداناً لسلسة من القوانين والمقررات الجامحة، بل يكون مسرحاً للتلاقي العاطفي والإنساني، وتسود هذه الحياة المحبة، جنباً إلى جنب مع المقرَّرات والأحكام الحقوقية»([18]). لذا جعله فرضاً([19])، على الزوج تأديته، ولا يجوز أخذه إلاّ برضاهنّ، فقال تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (النساء: 4)، فإنّ أكله لا يجوز مهما كان: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً﴾ (النساء: 20). لذا وافق هذا اللفظ الضمّة كونها أقوى الحركات، وترافق أقوى المعاني([20]). وجمع صدقة صدقات، كما ورد في القرآن الكريم في آياتٍ كثيرة، وجمع صدقة صُدُق للكثير، وفي أدنى العدد أصدقة، إلاّ أنها جاءت هنا على جمع الإناث (صدقات)، والبناءان السابقان هما الغالبان([21])، فيوجد للمفردة معنى أقوى؛ إذ إن الصدقة تؤخذ عن طيب نفسٍ، دون تحديد المقدار، وفيها تطهير للنفوس، قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾. كما أن جمع الصحّة يدلّ على السلامة([22]).

كذلك نرى في التعبير القرآني عدولاً من حركة الفتح إلى الضمّ، الذي هو أثقل الحركات في الاعتبار الصرفي([23])، في كلمة ﴿كُرْهاً﴾؛ إذ يقول عزَّ من قائل: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً…﴾ (الأحزاب: 15)، فقد ناسبت ما تشعر به الأمّ في حملها من مشقّة، وما تكابده من آلام الوضع والرضاعة؛ ذلك لأن معنى الكُرْه بالضمّ المشقّة([24])، أو «هو ما أكرهت نفسك عليه»([25]). فالأم غير مكرهة على الحمل، بل راغبة فيه، على الرغم ممّا تعانيه من آلام وآهات كثيرة، فهي مَنْ أكرهت نفسها عليه. ولم ترِدْ هذه المفردة بهذه الصورة إلاّ في هذا المورد، ولكنَّها وردت مواضع أخرى، إلاّ أنها جاءت بالفتح. والكَرْه بالفتح يدلّ على خلاف الرضا والمحبّة([26])، فهو تكلّف الأمر مجبراً عليه، أي «ما أكرهك غيرك عليه»([27])، وهذا ناسب قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ…﴾ (النساء: 19)، فقد كان الرجل في الجاهلية إذا مات حميمُه وله امرأةٌ ألقى الرجل ثوبه عليها، فورث نكاحها بصداق حميمه الذي كان أصدقها، فكان يرث نكاحها كما يرث ماله، أي «فأخذوهنَّ على سبيل الإرث وهنَّ كارهات لذلك، أو مكرهات»([28]). ولا يجوز عضل المرأة بإمساكها حتّى تموت فيرثها([29])، والفعل فيها فعل المجبر؛ لأنّ فيه مشقة نفسية عليها([30]). وهذه دلالة الفتح، فهو «فعل المضطرّ»([31]). وكراهة النفس على شيء لا تميل إليه لا شكَّ أنه أمرّ وأقسى. فالصوت (الحركة) أسهم في معرفة الفرق بين اللفظين، وإنْ كان المعنى الأصل واحداً للكُرْه والكَرْه، وهو الكراهة والغلظة([32])، ولم تتغيَّر بنية المفردة، إلاّ أن الحركة أضفَتْ معنى دلالياً أكثر دقّة. ولا شكَّ أن هذا الفرق في الحركة يشكِّل نوعاً من الإثارة لدى المتلقّي باستفزاز مشاعره؛ لمعرفة المقصود من هذا التباين، ومن ثم يثير مشاعره وأحاسيسه. وفي الآية نفسها يلحظ العدول من حركة الكسر إلى الفتح بوصفه أخفّ الحركات([33]) في لفظ (حملته)، بفتح الحاء في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ…﴾ (الأعراف: 189)، والحَمْل بالفتح «ما كان في بطنٍ أو على رأس شجر»([34])، فهذا اللفظ يستخدم في الأشياء المحمولة في الباطن، كالولد في البطن، والماء في السحاب، والثمر في الشجر. يقال: حملت المرأة إذا حبلت، وكذا حملت الشجرة إذا أخرجت ثمرها، ولذا يتعدّى بالباء، فيقال: حملت به في ليلة كذا وموضع كذا([35]). وهكذا تأتي حركة الفتح للدلالة على الحمل في البطن يقول الله تعالى: ﴿…حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً…﴾ (الأحقاف: 15)، و﴿…وَأُوْلاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ…﴾ (الطلاق: 4).

أما (الحِمْل) بكسر الحاء فهو ما كان على الظهر، أو ما ظهر فوق الرأس. فهذا اللفظ بالكسر يستعمل في الأثقال المحمولة في الظاهر، كما في المحمول على الظهر([36])، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ…﴾ (العنكبوت: 13).

إنّ هذا التغاير في المبنى، بالعدول من حركة الكسر إلى الفتح، أحدث تغايراً في المعنى؛ إذ يفهم مما سبق أن حمل البطن أخفّ وطأة من حمل الظهر. وهذا هو واقع حال الأمّ عندما تحمل جنينها بين أحشائها أياماً وشهوراً، مع ازدياد وزنه، فهي لا تستثقل هذا الحمل، بل تكون فرحة سعيدة به، أما مَنْ يحمل ثقلاً على ظهره أو رأسه فلا يكاد يصمد يوماً أو ليلة. وبناءً على ذلك، وفي ضوء ما سرد من آيات، يلحظ أن لفظة (الحِمْل) بالكسر جيء بها في مقام الذمّ والتحقير والتوبيخ، أما (الحَمْل) بالفتح فجيء به للدلالة على المدح. فالفارق بين الحركتين واضحٌ وجميل، ومَنْ يتلقّى هذا الخطاب يجد نوعاً من الإثارة؛ إذ جعل هذا الخطاب حمل المرأة خفيفاً لا تحسّ به حتّى لا تنفر منه، وبهذا تكون ديمومة الحياة، ويجعل المتلقّي يقارن بين الحملين، ويرى قدرة الحقّ تبارك وتعالى، حتَّى ينتبه أنّ ما يحمله من خطايا سوف يتعبه يوم القيامة، بينما حمل الأم سوف ينجيها؛ لما جعل لها من الثواب يوم الحساب.

هذه التبدُّلات في الحركات؛ لإعادة إنتاج معانٍ جديدة، حقَّقت آفاقاً جمالية منحت المتلقّي استيعاباً مركزاً ومكثّفاً؛ لأنها تغذّي إحساسه بمعاني الكلمات ودلالاتها والتفاعل معها إيجابياً. وهذا التغاير في الحركات أصبح ظاهرة أسلوبية تلمح في الخطاب الخاصّ بالمرأة في أكثر من موضعٍ؛ لتشكِّل معادلاً صوتياً يحمل طاقات إيحائية ونفسية، حيث تفصح الحركة هنا عن علاقة (مبدع الخطاب) بـ (متلقّي الخطاب). فعندما نتبصَّر بعض الآيات بعين المتأمِّل ندرك أن الله تعالى لم يخلق الإنسان ذليلاً خاضعاً لغيره، بل نجد القرآن الكريم يكرِّمه ويشرِّفه باختيار اللفظ المناسب لذلك، كما في قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ (الإسراء: 24). فجيء بلفظ (الذُّلّ) بضمّ الذال من الذلة، أي أن يتذلَّل، وليس بذليل في الخلقة ([37]). فالذلّ هنا خلاف العزّ، والذلّ أيضاً ما كان على قهر، أو بمعنى اللين والانقياد والتذلُّل والتواضع([38]). إذاً ناسبت هذه الحركة الخطاب الخاصّ بالوالدين؛ لأن التذلُّل لهما والتواضع معهما ابتغاء مرضاة الله من أسمى مراحل العشق الإلهي، الذي ارتبطت وحدانيّته ببرّ الوالدين، فأوصى بهما، وحثّ على طاعتهما بلينٍ وانقياد. أمّا الذِّلّ بالكسر فهو خلاف الصعوبة، ويُقال للدابة: ذلول، ولما وطئ من الأرض ذلّ، وذلل القطف تدلّى. وهو أيضاً بمعنى الضعف والمهانة([39])، فناسبت حركة الكسر لكلّ ما يدلّ على الانكسار والمهانة والضعف، كما ورد في قوله تعالى: ﴿…وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاؤُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ…﴾ (البقرة: 61)، و﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ أَيْنَمَا ثُقِفُوا…﴾ (آل عمران: 112)، فالذُّلّ بالضم والذِّلّ بالكسر متطابقان في المعنى الأول، وهو التذلُّل والانقياد، إلاّ أن الأوّل يكون في الإنسان السويّ، وليس الذلّ في خلقته، والثاني في الإنسان غير السويّ وباقي الكائنات؛ لأنّ ذلك في أصل خلقها؛ إذ ذلَّلها الله لعباده.

وتستوقفنا أيضاً لفظة الهوان بضمّ الهاء وفتحها، فحصل تمايز في الدلالة، كما في الآية المباركة: ﴿يَتَوَارَى مِنْ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ…﴾ (النحل: 59). «والهُون بالضمّ هو الهوان، وهو نقيض العزّ»([40])، فكأن عزّته بالولد وذلّه بالأنثى، وكلٌّ من عند الله، وهو أعلم بما يقتضي الحال.

أما الهَوْن بالفتح فهو السكينة والوقار، أو الرفق والدعة، ورجل هين: وقور وساكن([41])، وبه وصف الله عباده المخلصين، فقال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَماً﴾ (الفرقان: 63). وهذا من سمات عباد الرحمن، ذكوراً وإناثاً، وقد شرَّفهم في نسبتهم إلى الرحمن. «إنهم يمشون مشية سهلة هينة، ليس فيها تكلُّف ولا تمييع، وليس فيها خيلاء ولا تبجُّح ولا تصعّر خدّ ولا تخلع أو ترهّل. فالمشية ـ ككلّ حركة ـ تعبير عن الشخصية، وعما يسكن فيها من مشاعر النفس السوية المطمئنة الجادّة القاصدة، [التي] تخلع صفاتها على مشية صاحبها»([42]).

فقد ناسبت الفتحة هذا الوصف الجميل للصالحين، وخفّة ظلالهم على الأرض، وبالمقابل ناسبت الضمّة حال مَنْ يكره نعمة الله عليه، ويعمد إلى دسِّها في التراب، وحرمانها من نعمة الحياة التي وهبها الله لها. وهكذا صورت حركة الضمّ حالة الاضطراب التي يمرّ بها المبشَّر بالأنثى. وأوحَتْ حركة الفتح إلى المدح والقبول من الله تعالى.

لقد شكَّل العدول من حركة إلى أخرى نسقاً بارزاً ومهيمناً أسلوبياً في الخطاب القرآني الخاصّ بالمرأة. وتجليات هذا النسق الأسلوبي عزَّز القيمة الجمالية في هذه النصوص؛ إذ أدَّتْ الحركات أدواراً دلالية وإيحائية حقَّقت التواصل المطلوب مع هذه النصوص. يتجلى ذلك في بيان الفرق بين (كَبِرَ)، بكسر الباء، و(كَبُرَ)، بضمّها. فالأولى يراد بها التقدُّم في السنّ ([43])، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا…﴾ (الإسراء: 23)، وكأنّ الكسرة ناسبت التقدُّم في السنّ؛ لما فيه من ضعف وانكسار، وهذا حال الوالدين عند بلوغهما الكبر؛ أما الثانية فالمراد منها «الأمر العظيم»([44])، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ…﴾ (الأنعام: 35).

ومن المواضع التي أثرت فيها الحركة في الخطاب القرآني الخاصّ بالمرأة تلك التي وافقت صوت امرأة الخليل صلوات الله عليهم أجمعين؛ إذ قال تعالى: ﴿فَأَقْبَلَتْ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا…﴾ (الذاريات: 29)، الصَّرّة بفتح الصاد الصياح والجلب، يقال: أقبل في صَرّة، في شدّة وصياح، وصرَّت الأذان يسمع لها طنيناً([45])، و«سمعت صَرّة القوم أي ضجَّتهم»([46]). ومعنى الآية: ضربت بكفَّيْها على وجهها مع إصدار صوتٍ مميَّز، «وهذا مستعمل في الناس حتَّى الآن»([47]). «والصِّرّة بالكسر هو شدّة البرودة»([48]). والمعنى الجامع لكلا اللفظين الشدّة، ولكنْ باختلاف ماهيتها. فالفتحة رافقت الشدّة في الصوت، والكسرة دلَّتْ على الشدة في البرد. وقد ناسبت الفتحة فعل المرأة لخفَّتها في اللفظ.

ولا نذهب بعيداً عن البرد، فنبحث في الفرق الأسلوبي بين (قَرّ)، بفتح القاف، و(قُرّ)، بضمّها، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى…﴾ (الأحزاب: 33). وقَرّ بالفتح من الاستقرار، و«قرّ الرجل يقرّ من الوقار والسكينة والوداعة»([49])، وقَرْنَ في بيوتكنَّ يعني اجلسْنَ([50])، فقد ناسبت الفتحة المراد من اللفظ؛ إذ إن الجلوس في البيت غير عسير على المرأة. «والقُرّ بالضمّ البرد، والقُرّة ما يصيبه منه، وقر عليه الماء أي صبّ»([51])، ومنه أخذت قُرّة العين، أي برودتها، «أصلها من البرد، وهو يقتضي السكون»([52])، فالعين إذا سرّت سكنت، وذلك عندما ترى ما تحبّ، والضمّ ناسب البرد الذي يجبر على السكون، «والقرور هو الدمع البارد يخرج مع الفرح»([53])، لذا ناسب قوله تبارك وتعالى: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً﴾ (مريم: 21)، وكذلك قوله تعالى بحقّ أم موسى÷: ﴿…فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ…﴾ (طه: 40)، أي تفرح؛ لأنه نفى الحزن عنها في الآية، وقوله في زوجات النبيّ عند التخيير بين الطلاق والبقاء في عصمة رسول الله|: ﴿…ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ…﴾ (الأحزاب: 51). وقد ناسب هذا اللفظ حال المرأة؛ لما تملكه من عواطف وأحاسيس، فتتقلَّب بسرعة مع تقلُّب الأمور، فهي تحزن بسرعةٍ لفقد شيء ما، وتفرح بسرعة عندما تستردّه وتطمئنّ عليه. وهكذا نرى أن «الحركة… على صغرها وسذاجة شكلها تترك في الآذان أصواتاً مميزة، كأنما هي ترجيعات أصوات في نسق دقيق، تمثل أصوات الماء الجاري في جداول وسواق، لا يعوقه شيءٌ، وأعذب بصوت الماء الجاري في آذان مَنْ يصغي إليه»([54])، فضلاً عن دورها الوظيفي الفعّال في المعنى والدلالة.

وهكذا عمد السياق القرآني إلى كسر رتابة المتوقَّع اللفظي بالتنوُّع الحركي للفظ الواحد، تناسب مع كفاءة المبدع واستحقاقات الخطاب، فشكَّل ملمحاً جمالياً بصياغة فنّية خدمت المعنى والأداء بتوازٍ خلاّق، ممّا أفصح عن إثراء المعجم القرآني بوافر الدلالات والإيحاءات.

 

ظاهرة التنوين

هي ظاهرةٌ من ظواهر اللغة العربية الجميلة، التي تضفي نغمة موسيقية خاصة على النص؛ لما تحمله من صفات، كونها نوناً ساكنة في أواخر الكلمات. وأصل التنوين «نون ساكنة، زائدة، تلحق آخر الأسماء لفظاً، لاخطّاً ولا وقفاً»([55]). والتنوين لفظٌ مشتقّ من نوّن، ونوَّنته أدخلته نوناً بمعنى النون تنويناً إشعاراً بحدوثه؛ لأنه مصدر فيه معنى الحدوث([56]).

ولا تظهر جمالية التنوين إلاّ في الكلام الموصول؛ إذ «تعدّ نون التنوين خاضعة أيضا لنظام المقاطع في الكلام»([57]). والذي يبيِّن تلك الحركات انسجامها مع ما يجاورها من حروف، مع ما تحمله من صفات ومخارج تساعد في تشكيل نغمات متفاوتة، فهي تارةً تدغم فيطول صوت الغنّة فيها موحياً بنبرة شجية معبرة، وتارةً يخفى الصوت مع أصوات خاصّة فيعطي النصّ دلالة مختلفة، وتارةً يقلب إلى صوت آخر يعبر عن معنى آخر، وأخرى يظهر بصورة جليّة بملامحه الخاصة. وقد عدّ بعض الباحثين التنوين من العلامات الزائدة أو الشكلية، جيء به ليكون علامة فارقة بين المنفصل والمتصل، أو بين الأسماء والأفعال والمعارف والنكرات، لذلك يلحق المنفصل دون المتصل، والاسم دون الفعل، والنكرة دون المعرفة([58]). وبرَّر سيبويه هذا الصنيع بقوله: «فالتنوين علامة للأمكن عندهم، والأخفّ عليهم، وتركه علامة لما يستثقلون»([59]). غير أن الأمر يبدو على خلاف ذلك. فبعد مطالعة مواضع التنوين في القرآن الكريم، وخصوصاً في الخطاب الخاصّ بالمرأة، تبين أن التنوين بوصفه صوتاً ساكناً له تأثيران:

الأوّل: تأثير سمعي.

الثاني: تأثير دلالي.

فالتنوين صورة سمعية تحوي «ذلك الرنين المعبّر عنه بنون زاخمة ساكنة»([60]). فهو نسقٌ لساني قائم على «التصويت والترنيم»([61]). لذا فهو مثيرٌ سمعي له وقعه على النَّفْس؛ لما تحدثه غنّة النون الساكنة عند سماعها من فرق في التنغيم والشجن، كما أنه صدى إيقاعي يتزامن مع إيقاع الألفاظ السابقة له واللاحقة، حتّى وُصِف بأنه «علامة على الغنائية والرشاقة والانسياب السهل، كما تنساب الأنغام على تأدية العازف وترنّم المغني»([62]). كما أن التنوين مثير دلالي؛ لأن هذه النون الساكنة غير زائدة، «بل من بنية الكلمة المنونة؛ لأنها تدل على معنى زائد على الأصل، وتكسب اللفظ معنى أوسع وأخصّ، وكأنه حرف أضيف لتكمل العبارة التي هي صدىً يصور صوت النفس وانفعالها»([63]). لذا فهو من العلامات الوظيفية التي تؤثِّر في تماسك النصّ؛ لأنه يفصح عن نشاط داخلي في التعبير، يترجم بهذه النون ذات الغنّة الجميلة.

وقد فصل الأصوليون في دلالات التنوين، وتبعهم بعض المفسِّرين وأهل اللغة. فتراوحت عندهم بين التفخيم، والتعظيم، والتبهيم، والإيجاز، والتخصيص، والوحدة، والتنكير([64]).

لقد أفاد تنوين الضمّ التفخيم في لفظة (نسوة) في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ…﴾ (يوسف: 30)، فهنّ لسْنَ كالنساء الأخريات، بل كنَّ من حظوة المجتمع ونخبته آنذاك. لذا وردت هذه اللفظة بصيغة الجمع الدالّ على القلة([65])، فهنَّ يمثِّلنَ نساء الكبراء والأمراء([66]). من هنا تأثرت امرأة العزيز بقولهنَّ، فاعتدت لهنّ متكأً… فالتنوين أفصح عن تفخيم هذه النسوة، وربما أفصح الضمّ عن كونهنّ كنَّ منغلقات على أنفسهنَّ، لا يخالطنّ كثيراً؛ لتعاليهنّ على الأخريات ممَّنْ هنَّ دونهنَّ. هذا ما رآه السيد اليزدي، حيث قال بأن لفظ (نسوة) «اسم جنس أدخل عليه التنوين، وأفاد الوحدة»([67])، أي إنهنّ كنَّ في وحدة من الأمر والكيد([68]). ويبدو أنّ إخفاء النون في الصوت الذي يليها يدلّ على أنّ المكر كان خفياً في كلامهنّ. ورأى بعضهم خلاف ذلك، من أنّ التنوين استعمل هنا في «مورد تحقير وإهانة»([69])، دون مفردة (النساء)، فقد عزّزت الألف دلالة الرفعة والعزّة والكرامة فيهنّ، بخلاف الواو في (نسوة)، التي دلّت على النقيض من ذلك([70]). وقد تضافرت في هذه الآية تنوينات أخرى مع تنوين الضمّ، كما في تنوين الفتح في (حُبّاً)، وتنوين الكسر في (ضَلاَلٍ)، فأحدث ذلك تشكيلات إيقاعية جميلة، ترشَّحت عنها حركية النصّ وحضوره في الذات المتلقِّية؛ «لأنّ التنوين حركة حياة، وحضور في الطبيعة، وخضوع لمجريات الزمان الذي هو رمز الحركة»([71]).

وفي قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتْ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ﴾ (آل عمران: 45) جاء لفظ (وجيهاً) منوَّناً بالفتح، منصوباً على الحال. وقد عدّه العلامة المجلسي دالاًّ على التعظيم([72]). والوجيه هو الكريم، أو المنزلة الرفيعة، ومنه الوجاهة. والمعنى أنه وجيه في الدنيا بالنبوّة، وفي الآخرة بالشفاعة والدرجة العالية في الجنّة([73]). فالتنوين قد عمق من دلالة اللفظ على التعظيم، وبالأخصّ تنوين الفتح؛ لأنّ الألف فيه تدلّ على المدى في الزمان، فهو وجيهٌ في الدنيا بإطلاق الزمان فيها، لا في ذاك الزمان فقط؛ لأنّ «التنوين صوت، والصوت حادث زماني يخرج من مكانٍ هو داخل الشيء إلى مكانٍ آخر هو خارجه، بعامل هو الزمان»([74]).

ودلّ التنوين على التعظيم أيضاً في قوله تعالى: ﴿…حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً…﴾ (الأحقاف: 15)؛ لما تعانيه الأمّ من آلام الحمل والوضع.

وكذلك الحال في قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ…﴾ (لقمان: 14). فهي تعاني ما تعاني، فتضعف ضعفاً فوق ضعفٍ، أي يتزايد ضعفها ويتضاعف([75]). لذا كانت (وهناً) الأولى دليلاً على التعظيم؛ لما يحمله الألف من مدّ وتطويل، الذي رافقه الفتح الذي هو أقوى من الكسر. كما تدلّ (وهن) الثانية على تلاشي الأمر رويداً رويداً.

كذلك يأتي التنوين دالاًّ على التحقير والتقليل من الشأن، كما في قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ (المسد: 4 ـ 5). ولا شكَّ أنها صورة للتحقير. فجمال المرأة في جيدها، وجمال الجيد في تزيينه بالحليّ وما شابه، وهذه المرأة زَيَّن جيدها هذا الحبل المفتول من الليف([76]). وقد أعطى إدغام النون بما بعدها نغمة حزينة دلَّتْ على مدى إهانة وتحقير هذه المرأة.

وهكذا فإنّ للتنوين أوجهاً؛ لأنه بيان لمعاني ودلالات الألفاظ([77]).

وقد يفيد التنوين العموم والشمول وإطلاق الدلالة فيه([78])، كما في تنوين اسم الفعل (أُفٍّ) في قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا…﴾ (الإسراء: 23). فقد أفادت التنكير والعموم؛ لأن أفّ تامّة، «وإنما يدخلون التنوين في ما جاء من الأصوات ناقصاً، كالذي يأتي على حرفين، مثل: مه وصه وبخ، فيتمّم التنوين لنقصانه عن أبنية الأسماء»([79]). وهو صوت يدلّ على التضجُّر والتململ. والمعنى أنّ الله سبحانه وتعالى بالغ في التوصية بالوالدين، فلم يرخِّص للأبناء في أدنى كلمةٍ تصدر عن المتضجر مع موجبات الضجر ومقتضياته([80]). ورأى أحد الباحثين المحدثين أنّ (أفٍّ) بتنوين الكسر أبلغ في التضجُّر؛ لأنّ المتضجِّر عبَّر عن نفسه بإضافة صوت النون لتطويل اللفظ للتنويه على عمق المعنى والدلالة فيه([81]). وتحتمل هذه النصوص جميعاً أن تكون دلالة التنوين فيها على العموم([82])، فليس المراد تخصيص الدلالة بمدلولٍ معيَّن لحَدَثٍ معيَّن، «فالتنوين هو الرمز الدالّ على أنّك تريد شيئاً غير معين بذاته، وإنما هو مختلط بين نظرائه المماثلة له، ولا يتَّجه ذهنك إلى واحد منها دون غيره»([83]). فـ (وجيهاً) تعني مطلق الوجاهة للنبيّ عيسى×، لذا أردف بقوله تعالى: ﴿فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾، وكذلك الحال في (كُرْهاً)، فهو على إطلاقه في دلالته على الشدّة والمشقّة، و(وَهْناً) أيضاً لا يراد به التضييق في الدلالة.

والملاحظ أنّ بعض هذه النصوص حملت ازدواجية في التنوين، بل وتنوّعه، (نسوة، حبّاً، ضلال) ـ (كُرْهاً، كَرْهاً) ـ (وَهْناً، وهنٌ) مما حقق إشباعاً تنوينياً منح هذه النصوص تناغماً جميلاً، حتّى ليشعر المتلقِّي وكأنَّه يتعايش مع ثقافة وصدى هذه النصوص، فينشط خياله؛ ليرسم صورة متكاملة الأبعاد لهذه الأحداث.

 الإيثار الصوتي الدلالي

لكلّ صوتٍ من أصوات اللغة العربية هويّته الخاصة التي تميِّزه عن باقي الأصوات، وبذلك يكون له أثر في النفس يحدثه أثناء النطق به. لذا كان التلوين في الأصوات ميزة أسلوبية جمالية، تتوخى الإثارة والتأثير. وكونه جزءاً من تركيب اللفظ كان أجدر بالدراسة والتدقيق؛ لكشف أسراره الجمالية جرساً ومعنى، فتبرز في بعض النصوص «القيمة التعبيرية للأصوات، ومدى اتّفاق دقّة المعنى مع جرس الحرف المختار»([84]). غير أن الصوت مجرّداً لا تبرز فيه القيمة التعبيرية الدلالية، بل الأمر منوط بالمستوى السياقي للنصوص([85]). إن التغاير في البناء الصوتي الصرفي بين لفظين يستتبعه ـ لا شكَّ ـ تغاير في المعنى والدلالة، فلا يكاد ينحصر الأمر بالبناء الشكلي. فلو قارنّا بين لفظ (وصّى) و(أوصى) المستعملين في القرآن العظيم بدقّة متناهية يلحظ أنه جعل الأولى «للأمور المعنوية»([86])، كما في توصية الحقّ تبارك وتعالى الإنسان بوالدَيْه، فقال: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً…﴾ (العنكبوت: 8؛ لقمان: 14). «والوصية العهد إليهم. ووصّى مشدَّدة تدلّ على المبالغة والتكثير»([87])، وذلك من الإحسان إليهما والتودّد لهما؛ لاستحقاقهما ذلك منه.

في حين استعمل (أوصى) في قضايا المال والدنيا، كما في الميراث، إذ يقول عزَّ من قائل: ﴿يُوصِيكُمْ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ…﴾ (النساء: 11)، ولم ترِدْ أوصى في القرآن للأمور المعنوية، إلاّ في موطنٍ واحد اقترنت بأمرٍ مادّي، وهو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً…﴾ (مريم: 31)، فإنه قال: أوصاني لما اقترنت الصلاة بالزكاة، وهي أمر مادي يتعلَّق بالأموال، كما هو معلومٌ([88]). فقد أضاف صوت الهمزة نوعاً من القوّة للفظ، إلاّ أن التشديد كان أقوى منه، خصوصاً مع الصاد ذي الرنين القويّ. وهكذا يمكن أن نتبيَّن أن ثمّة علاقة وطيدة الوشائج بين المؤثّرات الصوتية والدلالات، فالأصل في كلا الفعلين (وصّى) ومعناه وصل شيء بآخر، ووصّيت الشيء وصلته، وأرض واصية إذا كان نبتها متّصلاً، مملوءةً([89])، ومنه الوصية، وهي كلامٌ يوصى به، أي يوصل به مقترناً بالوعظ والاستعطاف بالموصى به، وفيه معنى الأمر والوجوب([90]). لذا جاء الفعل (وصّى) مشدَّداً ليدلّ على التكثير والمبالغة في الوصل. لذا اختصّ بالوالدين. أما (أوصى) فهو وإن كان يقتضي الأمر والوجوب، إلاّ أنّه لا يدلّ على المبالغة. لذا اختصّ بالماديات، كما في قوله تعالى: ﴿فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (النساء: 11). واستعمل الخطاب الخاصّ بمريم الفعل (فَأَجَاءَهَا) بدلاً عن (جاءها)؛ لتباين الدلالة بينهما، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ…﴾ (مريم: 23)، فجاء من المجيء وهو بمعنى أتى، أما إضافة الهمزة فلمعنى الالتجاء الذي يعقب المجيء، والعرب تقول أجاءه إلى مكان كذا أي ألجأه إليه([91]). فالسيدة مريم لم تأتِ إلى هذا المكان فقط، بل التجأت إليه؛ لغايتين: الابتعاد عن قومها وتحاشيهم بعد أن حاصرها المخاض؛ والاستعانة بجذع النخلة على الآلام، ولتوفير الطعام لتستوي به على ضعفها. ورأى أحد الباحثين أن هذه الصيغة بمقاطعها الأربعة (أ + جا + أ + ها) قد صورت حال السيدة العذراء تصويراً دقيقاً، فالمقطع الأول (الهمزة بحركتها القصيرة) حكى حالها وهي تشعر بألم المخاض؛ بسبب الجهد في نطق هذه الهمزة وانقطاع النَّفَس معها، أما المقطع الثاني (الجيم مع الحركة الطويلة) فدلّ على انقطاع الألم عنها، ثم عاودها في المقطع الثالث (الهمزة والحركة القصيرة)، أما المقطع الرابع (الهاء مع الحركة الطويلة) فأشعرنا بانتهاء الألم بعد ولادة الوليد. وهكذا ناسبت الهمزة شدّة الموقف وناسبت الهاء سهولته([92]).

إن الفارق الصوتي بين بناءٍ وآخر قد يفضي أحياناً إلى معانٍ خاصّة في خطاب المرأة، منها: الإيعاز بأن فعل تلك المرأة جاء مع سبق الإصرار والترصُّد منها، كما توحي لنا بذلك الآية الكريمة في لفظة (أَعْتَدَتْ): ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً…﴾ (يوسف: 31). والمعنى من الإعداد أي تعده وتتناوله بحسب الحاجة إليه([93])؛ وهناك مَنْ قال هي من العتيد، إذ يقال: «اعتدت الشيء فهو معتد وعتيد»([94])، «والمعنى أعتدت لهنَّ ما يشتدّ عليه الاتّكاء أو بالقطع بالسكين»([95]). لقد أضاف صوت التاء قوّة أخرى للمعنى، فالإعداد كان محكماً مقصوداً، ذلك لأنها أرادت الانتقام منهنَّ لما بدر منهنَّ من الطعن بها، لا استضافتهنَّ. ونلاحظ أن النطق بلفظ (أعتدت) أصعب من (أعدَّت)، وفيه دليل القوة مع القصد. لذا نجد استعمال القرآن لمفردة أعتد في العذاب ([96])، وأعد في النعيم([97])؛ لما لصوت التاء من صفات جعلت المفردة أكثر ثقلاً، فهو من «الحروف الشديدة»([98])، ومخرجه قريب من مخرج صوت الدال([99]). وهذا الانتخاب لهذه المفردة يثير الفضول لدى السامع، فيبحث عن سبب استعمالها في هذا الموضع الخاصّ بالمرأة.

وفي السورة نفسها تطالعنا مفردة قد أضيف لها صوتي السين والتاء في قوله تعالى: ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ…﴾ (يوسف: 32). و«استعصم فلان بفلان إذا لجأ إليه واعتصم به»([100]). إن استعمال هذه المفردة على هذا النحو لم يكن اعتباطياً، بل إن للفظ مزايا قد أضافت معنى إلى معناه؛ إذ إن السين والتاء فيه للمبالغة يدلّ على الاقتناع البليغ والتحفُّظ الشديد([101]). وفي هذا دليل بأن المراودة لم تحصل مرّة واحدة، فإنّ الاعتصام أيضاً كان متكرِّراً بتكرار الفعل. فهذا اللفظ قد عكس الصورة بدقّة متناهية، بتواليها مرّة بعد أخرى، وكأنّ هذا اللفظ يعبِّر عن «ملامح المعركة التي تتكرَّر ولا تتغيَّر»([102]). فهي لم تستطع إمالة قلبه بجمالها وجاذبيتها، وتهيئة الأمور؛ لأن قلبه قد عرف الحقّ وتمسك به، فما كان يرضخ إلى الباطل بشتّى أساليبه، لذا هدَّدته بالبطش والسجن. وهذا ما عكس ظلال المعنى لهذه المفردة التي عكست صورة الواقع آنذاك. وقد ذكر بعض المفسِّرين «أن السين والتاء لمجرَّد التأكيد»([103]). ولا ضَيْرَ فالتأكيد على هذا الأمر إنَّما لُمس بتكرار الفعل.

وفي سورة التحريم نجد أن الله سبحانه وتعالى يحمي رسوله الكريم صلوات الله وسلامه عليه، ويطلعه عما يدور حوله من أحداث، ومن أقرب الناس إليه في بيته، ويهدِّد ويتوعَّد مَنْ يؤذيه، إذ يقول العزيز الحكيم: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ…﴾ (التحريم: 3). فتجذبنا مفردة (تظاهرا)، والأصل «تتظاهرا»([104])، حذفت التاء الأولى للدلالة على أن الحدث كان زمنه قصيراً، «فهو يقتطع من الفعل للدلالة على الاقتطاع من الحدث»([105])؛ ذلك لأن الزوجين في محيط أسرة واحدة. وإنّ حذف التاء أظهر «قوة الظاء المستعلية»([106])، وخاصّة أنها أردفت بألف ممدودة؛ دلالة على شناعة الفعل؛ لأنها خيانة؛ إذ أفشت إحدى أزواجه ما أسرَّه لها نبيّ الله|. وأوحى صوت «الراء المكرَّرة»([107]) في الفعل على إمكانية تكرار هذا الفعل، لذا كان الرادع قويّاً من الحقّ تبارك وتعالى في هذه الآية الكريمة.

وقد تدلّ زيادة بعض الأصوات في كلمةٍ ما على إيثارها لمعنى خاصّ لذاته لمخاطب خاصّ بنفسه، كما في قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ…﴾ (الأحزاب: 50). فلفظة (يستنكحها) حملت في طياتها الكثير من المعاني الدلالية، وذلك بإضافة السين والتاء، هذه الزيادة في بنية (فعل النكاح)، وبتضافر مفردات أخرى، حملت النصّ وفرة في الدلالات، منها:

1ـ خروج الفعل (يستنكحها) من معنى النكاح أو حقل التزويج المتعارف عليه إلى نكاحٍ خاصّ بدون مهر أو شهود أو وليّ. ومعنى الآية: إنْ أراد أن ينكحها فحلالٌ له أن ينكحها بدون مهرٍ([108]).

2ـ إن هذا النكاح قائم على الهبة، والهبة أن تجعل ما تملكه لغيرك بغير عوضٍ أو مقابل([109]).

3ـ إنه خاص بالنبيّ محمد (خالصة). ولذا تصدر بالنداء (يا أيُّها النبيّ)، ومن ثم تخصيصه باللام وضمير المخاطبة (لكَ) حتّى «يرفع التوهُّم»([110]).

4ـ إنه تكرمة من الله تعالى لحبيبه (محمد)؛ لأجل النبوة، بمعنى «يصيرها منكوحة، ويمتلك بعضها، فتلك الهبة، أي هذا الإحلال الخالص هو خاصٌّ بك دون غيرك»([111]).

5ـ يتمّ هذا النكاح بناءً على طلب امرأة بهبة نفسها للنبيّ، وأن تكون الرغبة متوفرة عنده: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا…الآية﴾.

6ـ إنه ليس حكماً خاصاً بمرأة معينة، لذا جاءت اللفظتان (امرأة) و(مؤمنة) نكرتين([112]). وللسين جرس خاصّ، فهي من أصوات الصفير([113])، ولها حلاوة في اللفظ؛ لليونتها ورخاوتها، ممّا أضفى تناغماً على هذا النصّ.

وجاءت لفظة الضّر بصيغتين مختلفتين بحق المرأة في مسألة الطلاق عندما يمسكها الرجل للإضرار بها في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ (البقرة: 231). ومعنى الضرار «السعي في إيصال الضرر»([114]). وقد أوحى تكرار صوت الراء المكرّر بتكرار الضرر، حتّى يصل إلى الاعتداء. وفي مواضع أخر جاءت صيغة (تضارّ) في قوله تعالى: ﴿…لاَ تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا…﴾ (البقرة: 233)، وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ…﴾ (الطلاق: 6). وهنا معناه الإضرار. فنهى الأم عن الإضرار بالولد، ونهى الوالد عن الإضرار بالوالدة([115]). وأوحت الراء المشدَّدة المسبوقة بألف الاستطالة بأن آثار الحدث باقية لزمن طويل؛ لأنها متعلقة بالرضاعة والاحتضان وما يعكسه ذلك في نفسية الوليد والأمّ معاً، وفي الآية الأخرى نهى تبارك وتعالى الرجال كذلك في حال الطلاق عن إلحاق الضرر بهنَّ بالتضييق عليهنَّ.

 

التلاؤم الصوتي في المفردة القرآنية

لما كانت المفردة عبارة عن نسيج من الأصوات والحركات المتتالية والمتناسقة في تآلفها، وكونها اللبنة الأساس في تكوين النصّ، كان لزاماً دراستها من جوانب عدّة، فضلاً عن المعنى المعجمي الذي تمتاز به. فدراسة أصواتها تلاؤماً وتنافراً، وجرسها الموسيقي، ومحاكاتها للواقع، وتكرارها، وتأثّرها بالسياق وأثرها فيه، هو ما سنتناوله في دراسة المفردة القرآنية في الخطاب الخاصّ بالمرأة في القرآن الكريم.

راعى القرآن الكريم التوازن والانسجام بين الأصوات عند توزيعها في المفردات التي اختارها وشكَّل نظمه منها، نظمه على طريقة العرب في ترك الاستثقال، وتجنب جمع الأصوات متقاربة المخارج([116])، إلا أنه يخرج أحياناً على هذا النمط؛ لما يستوجبه السياق من ذلك؛ لمقتضيات يتطلَّبها المعنى، ولإلفات نظر السامع إلى التبحُّر في المعنى المراد، أو عكس صورة معينة عن الموقف المطروح، فيأتي بألفاظ قليلة الاستعمال؛ لثقلها، أو مفردات قد نسيت وندر استعمالها؛ كونها أنسب للمعنى المقصود.

فالجمال الصوتي في المفردة القرآنية يتأتّى من التناسب بين الحروف في التأليف؛ إذ إنها تتفاوت في الصفات، وتتلون بالمخارج؛ لأن «السبب في التلاؤم تعديل الحروف في التأليف، فكلما كان أعدل كان أشد تلاؤماً»([117]). إن التلاؤم الصوتي هو الذي يبعث الارتياح في النفس، لذلك وصف المتلائم صوتياً بالحلاوة والعذوبة([118]).إذن الأمر المعوَّل عليه هنا هو عذوبة الصوت ذاته. وهذه جمالية محسوسة؛ بسبب وقعها على الأسماع التي فيها تدرك الأبعاد. وللمجاورة أثرٌ كبير على المفردة القرآنية من حركات وإدغام وقلب وإخفاء وإظهار؛ لما له جمالية خاصّة، تثير الأذهان وتشرح الصدور.

ونظراً للطبيعة التركيبية للمفردة في اللغة العربية فإنها قد تمرّست على فنية تعادل الأصوات والألفاظ، وما ذاك إلاّ دلالة قطعية على امتياز اللغة العربية في مجموع أصواتها ومدرجها الصوتي([119]). فالدلالة القرآنية متولِّدة في ما تتضمّنه المفردة من أصوات، فتعكس دلالة خاصة بكلّ لفظٍ؛ نظراً لموقعه من النصّ وما يحيط به من ألفاظ لها أثرها في الدلالة.

وبالوقوف على بعض الألفاظ التي وردت في الخطاب الخاصّ بالمرأة في القرآن الكريم نلاحظ أنها ثقيلة على اللسان، لكنها غير متنافرة الأصوات. وهذا الثقل إنما له دلالات خاصّة([120])، يعكسها تسلسل الأصوات وتوافقها.

فمفردة (العضل) الواردة في توصية من الله عزَّ وجلَّ في المرأة، إذ قال العزيز الكريم مخاطباً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ…﴾ (النساء: 19)، جعلها السيوطي «من غريب اللفظ»([121]). والعضل هو أسوأ المنع([122])، «من حبس وتضييق»([123]). وأصل العضل «موضع اللحم في الساقين»([124])، واستعيرت لهذا؛ لأنها تشد الموضعين فيما بينهما. وإذا ازداد الشد ازداد الألم، لذا فإنّ العرب تسمي الشدائد معضلات([125]). ومنه أيضاً: «الداء العضال»([126]). ويسمّى الداهية من الرجال عضلة؛ «لأنه امتنع بدهائه»([127]). وهذه المعاني كلها تؤيِّد القوة والمنع. وقد حكت الأصوات المؤلفة للفظ هذا الأمر كون صوت الضادّ من أصعب الحروف على اللسان، التي لا يستطيع التلفّظ به إلاّ العربي، ومنه سمِّيت لغة العرب بلغة الضادّ. فضلاً عن صفات هذا الصوت من تضخيم وإطباق، وصفة الاستطالة التي تميِّزه، وهو تطويل الصوت عند النطق به([128]). بَيْدَ أن صوت اللام أعطى اللفظ نوعاً من المرونة؛ لأن الضاد استطالت لرخاوتها حتّى اتصلت بمخرج اللام([129]). أما صوت العين فإن صعوبة نطقه؛ لعمق مخرجه وسكون حركته، وكأننا نقف عليه حال اللفظ به، أوحى بقوّة هذه المفردة التي جيء بها في هذا الموضع. وإنما ذلك دلالة على عظمة الأمر عند الله تعالى، إذ لا يرضى لعباده الذلّ، ولا يقبل بسلب حقّ الضعيف، وهي المرأة في هذا المقام خاصّة، وهي فاقدة لزوجها، فيأتي وريثه ليأخذها عنوةً. وقد حرَّم الله هذا عليهم([130])، وإنْ كانت الآية تدلّ على التوصية بها في كلّ حينٍ، إذ أردف القول بـ ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (النساء: 19)، ثم أعطى أملاً لمَنْ يكرههنَّ: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ (النساء: 19).

ومن الألفاظ التي تحسّ حال النطق بها بشيء من الصعوبة هي مفردة (نشوزاً). وقد وردت في القرآن بصيغ مختلفة، منها: ما ورد في حقّ المرأة في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ…﴾ (النساء: 148)، وقال: ﴿…وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ…﴾ (النساء: 34). وأصل «النشوز هو ما ارتفع من الأرض»([131]). فمعنى المفردة في الآيات المباركة هو الارتفاع؛ إذ إن المرأة «ترتفع فتستعصي على زوجها»([132])، والرجل «يرتفع فيتجافى عنها ويؤذيها»([133]). وأصوات المفردة متوازية ومنسجمة مع المعنى، إذ اجتمع صوت الغنّة في النون، والتفشي في الشين([134])، والصفير في الزاي؛ ليبرهن على اختلاف معنى الارتفاع بالقول أو بالفعل. «فقد شكل التلاؤم الصوتي بين أصوات المفردة ضرباً من التناغم، الذي جعل المفردة توحي بدلائلها من خلال الأصوات المكونة لها»([135]). فهذا الجرس القوي للمفردة، والصعوبة الحاصلة في التلفُّظ، يوحي بصعوبة المواقف الواردة في سياق الآيات. فاستعلاء المرأة على الرجل واستعلاء الرجل على المرأة هو من دواعي هدم الكيان الأسري، الذي يدعو الإسلام إلى إقامته، والحفاظ على ديمومته؛ لأن «الإسلام منهج حياة يعالج كلّ جزيئة فيها، ويعرض لكلّ ما يعرض لها»([136]). وقد طرح العلاج لكلا الطرفين حسب منهاج دقيق يضمن الحقوق للجميع.

وقد يوحي نظم الأصوات في لفظةٍ ما قوة المعنى، أو استطالة زمنه، أو تكرار حدثه، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ…﴾ (الأحزاب: 59)، باستعمال لفظة (جلباب). وقد «اختلف الناس في الجلباب على ألفاظ متقاربة، عمادها أنه الثوب الذي يستر به البدن، ولكنهم نوَّعوه هاهنا؛ فقيل: إنه الرداء؛ وقيل: إنه القناع»([137])؛ وقيل: هو الثوب، أوسع من الخمار ودون الرداء. والجمع: جلاليب. وأصل معناه شيء يغشّي أو يخفي شيئاً([138]). وقد تألفت المفردة من صوتين شديدين، هما: الجيم؛ والباء([139]). وقد تكرَّرت الباء لتزيد من قوة المعنى، وهو الاعتناء بالحشمة في اللباس. وقد أضفى صوت اللام نوعاً من السهولة في اللفظ؛ لليونة اللام وجمال النغم فيها([140]). والياء المدّية الداخلة على هذا اللفظ في هذا الموضع؛ بسبب الجمع، أعطَتْ نوعاً من الاستطالة في الزمن، ممّا يدلّ على أنّ هذا الفعل باقٍ ما طال الزمن؛ لأنه فرض. «وتكرير الباء دليلٌ على دوام الجلب واستمراره إلى أن يلازم مَنْ يجلبه. وهذا معنى الجلباب»([141]).

أما مفردة التربُّص بأصواتها القويّة فقد استعملت في حقّ المرأة المطلَّقة أو المتوفَّى عنها زوجها، بدلاً عن مفردة الانتظار؛ لما فيه من معنى الانتظار بترقُّب أو توقُّع لزوال أمر أو حصوله([142]). وصوت الصاد بما فيه من استعلاء([143])، و«بجرسه القويّ إذ أدى مهمة الإعلان الصريح عن المراد في تأكيد الحقيقة، وهو يدلك على العناية بالأمر»([144])، فأوجب على المرأة الانتظار بترقُّب. وصوت التاء المهموس أعطى أبعاداً بعدم معرفة النتيجة، فيجب عليها الترقُّب بحَذَر ودقّة، حتى تعلم ما في رحمها، إذ قال العزيز الحكيم: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ…﴾ (البقرة: 228). فلم يوصِ الله سبحانه وتعالى أحداً بمتابعتها، بل أوكل الأمر لها، فهي أعرف بجسدها من غيرها، وحذَّرها من مغبة إخفاء ما في رحمها إنْ كانت مؤمنةً، فجعل البوح بما في بطنها من علامات الإيمان، أمّا التي توفّى عنها زوجها فقد قال: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً…﴾ (البقرة: 234). فلماذا عدّة المطلقة ثلاثة قروء والمتوفّى عنها زوجها أربعة أشهر وعشراً؟ «إن وجه الأعجاز في هذه الآية الكريمة ظاهر بلا شكٍّ، وهي تقرير ما يسمّى بعدّة المرأة التي توفي زوجها، حيث حدَّدت بالضبط المدّة التي يصبح عندها أو بعدها الحمل يقيناً»([145]). وهذا يحفظ المرأة من الطعن في صحّة حملها، أو ينسب الولد إلى غير والده، ولم يحدِّد القرآن الكريم ما إذا كانت كبيرةً قد يئست من المحيض أو مضطربة أو صغيرة في السنّ؛ لأن هذه المدّة كافية لمعرفة وجود الجنين من عدمه.

 

 المحاكاة الصوتية

تساهم المحاكاة الصوتية في تعزيز أسلوبية النصوص وأدبيتها، فضلاً عن مساهمتها في تأطير القيم المعنوية والدلالية؛ لتشكل نقلة نفسية ودلالية، فيرى المتلقي النصوص بمنظارٍ آخر، فيتفاعل معها. «إن لشكل الكلمة وتأليفها قيمة أسلوبية يعطيها تناغمها مع معانيها»([146]). فتواشج الأصوات مع معانيها يساعد على إيصال الفكرة إلى المتلقّي بشكل مباشر وتلقائي؛ لأنها من «الخصائص التي تتمايز بواسطتها الأصوات، ويتعلَّق بها نوع من المعان يسمّى المعاني الطبيعية»([147]). وهنا وجب «انتقاء اللفظ بقصد استعماله عن تعمُّد وحسن اختيار»([148]). ويمكن أن تكون المحاكاة أولية، وتتمثل في صياغة المفردة من أصوات تحاكي المدلول، إذ يبرز الجرس الصوتي المعبر؛ وربما تكون المحاكاة على «مستوى العبارة في السياق، أي الأصوات الموزعة في السياق، تصوّر في مجموعها الحدث تصويراً»([149]).

فللصوت في اللغة العربية برنينه الخاصّ إيحاءٌ يميِّزه عن غيره من الأصوات؛ بسبب الصفات المختلفة التي يمتاز بها كلّ صوت عن غيره. وبذلك يمكن الاستدلال منه على المعنى المراد إيضاحه أو إيصاله. فالدلالة الصوتية تقود إلى الدلالة المعنوية بما تعكسه من أثرٍ في التفريق بين دلالات المفردات عن بعضها، كما في الفعل (مشى) الذي ورد في موضعين في خطاب المرأة:

الأول: في وصف أخت موسى× بعد أمر والدتها لها بالتقصّي عن أخيها، إذ قال العزيز الحكيم: ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ…﴾ (طه: 40)

والثاني: بحقّ ابنة الصالح في قصّة النبي موسى×، إذ قال الحق تبارك وتعالى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ (القصص: 25). والمشي هو التوجُّه بانسياب وأناة بإيحاء الأصوات المؤلِّفة لهذا اللفظ. فالميم شفوية ذلقية، والشين رخوة متفشية([150])، وبتفشيه صور الحدث تصويراً أقرب إلى حقيقته. ومجيء الشين مردفة بالياء دلّ على «الإيحاء بطول المشي ودوامه واتّساع مداه»([151]). لذا آثر القرآن الكريم هذا اللفظ المعبّر عن حال الأنثى في المشي، خصوصاً في مثل هذين الظرفين، مع الخوف المسيطر على أخت موسى، والحياء الذي سيطر على ابنة الصالح، مما استدعى الأناة والتمهُّل بوصفهما امرأتين رزينتين. ولو استعمل السعي لما أوحَتْ هذه المفردة بالمقصود؛ لأن السعي «هو غاية سرعة الحركة»([152])، لذا جاء استعمالها في مواطن أخرى من الذكر الحكيم([153]). هذا العدول من كلمةٍ إلى أخرى لا بُدَّ أن له أثراً معيناً في النفس، وله إيحاءٌ خاصٌّ لا تحمله غيرها، ولا بُدَّ أن تكون من العلو والرفعة بحيث تطابق المعنى المراد مطابقة تامة، وهذا يمنحها بُعْداً دلالياً وجمالياً. فعندما تتجمع الكلمات في الجمل فإنها «تكتسب حسّاً موسيقياً آخر، زيادة على ما كان لها من موسيقى فردية»([154]).

ولو دقَّقنا النظر في استعمال مفردة (الهز)، دون (الأز)، في قصّة العذراء÷، على الرغم من أن المفردتين وردتا في السورة نفسها، للاحظنا محاكاة اللفظ لما انتخب إليه من معنى؛ لأن الهزّ هو «تحريك الشيء، كما تهتز القناة وتضطرب»([155]). فالهز للأشياء الملموسة، أما (الأزّ) فهو «شدّة الحركة»([156])، وجاءت للأشياء المعنوية، إذ قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً﴾ (مريم: 83)، أي «تزعجهم وتقلقهم»([157])، أو «تغريهم على المعاصي»([158])، وهذا الأمر معنوي. وصوت الأزيز هو صوت غليان الماء إذا اشتدّ([159])، أما الهزّ فهو أوفق في التعبير عن امرأةٍ مجهدة؛ بسبب الآلام الجسدية والنفسية التي تتعرَّض لها، فتنهار قواها، فلا تكون قادرة على التحريك بشدّة، لذا قال سبحانه وتعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً﴾ (مريم: 45). وقد قارب بعض اللغويين بين الهاء والهمزة؛ لتقارب المخارج والصفات. فـ «الهمزة أخت الهاء، فتقارب اللفظان لتقارب المعنيين، وكأنهم خصّوا هذا المعنى ـ الأز ـ بالهمزة؛ لأنها أقوى من الهاء. وهذا المعنى أعظم في النفوس من الهزّ؛ لأنك قد تهزّ ما لا بال له، كالجذع وساق الشجرة»([160]). ولا شكَّ أن «تلك الزاي المشدّدة؛ لما فيها من جهر وصفير وقوة، أعطت تطابقية وتماثلاً ما بين صوت الحرف والمعنى المراد»([161]). لذا ناسب ورود الأزّ للنفوس، والهزّ للأشياء، كما في جذع النخلة في قصة العذراء.

كذلك اختار الخطاب القرآني الخاصّ بالمرأة لفظة (شغف) دون (شعف)، مع تقاربهما في الدلالة على عموم الحبّ. وأكد «بعض المفسِّرين أن شغف وشعف بمعنى واحد»([162]). بَيْدَ أنّ هناك فارقاً بينهما في مراتب الحبّ، فالشعف هو إحراق القلب بالحبّ مع وجود لذّةٍ، أما الشغف فهو بلوغ الحبّ شغاف القلب([163]). «والمشغوف هو المجنون»([164]) بمَنْ يحبّ. واختلف في شغاف القلب فقيل: هو «حجابه وغلافه الذي هو فيه»([165])؛ وقيل هو الجلدة اللاصقة في الكبد([166]). قال تعالى على لسان نسوة المدينة: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ (يوسف: 30)، أي خرق حبّه شغاف قلبها([167]).

فالشغف أقرب محاكاة للتعبير عن المرحلة المتقدّمة من الحبّ الذي يسيطر على حنايا القلب، فيجد العاشق لوعة تدعوه إلى الجنون والتمرّد، وبالأخصّ إذا كان يكتم هذا الحبّ؛ لاعتبارات ظرفية، ولا يستطيع إظهاره؛ لسببٍ ما. «يؤيد ذلك كله صفتا الجهر والاحتكاك اللذان يتّصف بهما صوت الغين، الذي يوحي بالغموض والخفاء، نحو: غرق ـ غام ـ غمض ـ غدر، مما يمكن الاعتماد عليه في بيان هذا الأمر»([168]). فعكس هذا اللفظ حال هذه المرأة الشغوف بفتاها، «فقد أضاف صامت الغين دلالة واضحة على الاختفاء، وكأنّ ذلك الحبّ كان متخفياً بين جنبات قلب تلك المرأة. فالدلالة منبثقة بشكلٍ واضح من حسن الصوت»([169]). ولا يخفى لما لصوت الشين من أثرٍ، فهو المتفشي([170])، أي المنتشر. وما يحمله صوت الفاء المميَّز من همس ورخاوة([171]). فهذه الأصوات مجتمعة حكَتْ وصورت حال امرأة العزيز من تشتُّت واضطراب؛ لأن صوت «الشين في أوّل الكلم يدلّ على التشتيت»([172])، من الظرف الذي تمرّ به من حبّ وصل إلى أقصاه، ومن موقع تميَّزت به، لم يدع لها قدرةً على التركيز. لذا آثر القرآن الكريم الغين على العين في التعبير عن ذلك، عكس من خلاله ما يجول في قلب وجسد تلك المرأة. وقد قصد السياق إلى التعبير بصيغة الفعل الماضي المقترن بضمير الغيبة للمؤنث؛ لتدل على ثبوت الحدث وملازمته إياها، وأنها غير عازمة على التراجع. وعزَّز المؤشِّر التوكيدي (قد) وظيفة توكيد الحدث وتحقُّقه.

هذه اللفظة بمعالمها الصوتية والدلالية حقَّقت انسجاماً مع سمات شخصية هذه المرأة، وشكَّل هذا حافزاً يساعد المتلقّي للولوج إلى عمق الحدث وترسيم الصورة.

وتطالعنا مفردةٌ أخرى استعملت بعناية في الكتاب العزيز، وهي مفردة (فارغاً)، في قوله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً…﴾ (القصص: 10)، فنسب الفراغ إلى الفؤاد، وليس إلى القلب؛ لأن الفؤاد موضع الإحساس. وقد دلَّت عليه الآيات القرآنية، إذ اقترن في أكثر من موضعٍ مع السمع والبصر، فجاء الفؤاد ثالثهما، ولو لم يكن دليل حسّ لما اقترن بهما([173]). «فالفؤاد يطلق على القلب إذا بلغ حدَّ الخلوص والنقاء والطيب بواسطة التركيبة والتصفية بحرارة الإيمان والحبّ والتوجُّه، فكأنه قوي بحرارة الجذبة وشدّة المحبة»([174]). «فالقلب بعد تقلُّبه بالحوادث والتجريبات والابتلاءات والشدائد يحصل التفكر النافع والتخيل المفيد والتشخيص الصالح لدنياه أو عقباه، وبهذا النظر وفي هذه المرتبة يطلق عليه الفؤاد»([175]). لذا قال عزَّ من قائل: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلاَ أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ…﴾ (القصص: 10)؛ لأن فؤادها فرغ «من كلّ شيء من أمور الدنيا إلاّ من موسى»([176])، أي خالياً من الصبر «مفرغ الدلو»([177])، أو فرغ من التعقُّل؛ لما داهمها من الجزع والدهش([178]). ورأى ابن جنّي أنّ الفاء إذا جاءت في كلمة فيها راء فقد دلّت على الضعف والوهن ونحوهما([179])، فكأن المعنى أصبح فؤادها ضعيفاً واهناً؛ بدليل (رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا) أي ثبت وصبر([180]). وقد أوحت بذلك مجموع أصوات المفردة، «فالفاء بصوته وهمسه، والغين بخفائها»([181])، قد أدَّتا المعنى بأن الأمّ تعاني في جنبات قلبها أحاسيس الأمومة من الخوف على وليدها. وعكس صوت الراء؛ بتكراره، تكرُّر هاجس الخوف بين الحين والآخر في فؤادها، فهو يهوي من الخوف عليه. وما أداه امتداد الألف بطول المدّة وإنْ قصرت فهي في قياسات الأمّ طويلة. فقد حاكى اللفظ المعنى تماماً.

وأشار صوت الطاء المردف لصوت الصاد في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَاراً سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ (النمل: 7) بجرسهما القويّ إلى أمرٍ آخر غير الدفء؛ لأن «الكلمة التي في ثانيها سين أو صاد تكون في معنى القطع»([182]). وكأنه أراد أن يقطع عنهم ما يشعرون به من برد واضطراب؛ كونهم أضاعوا الطريق؛ لأنه× قال: آتيكم منها بخبرٍ أي يستخبر عن الطريق، «أو يجد دلالة على الطريق»([183]). فصوت الصاد المطبق المفخم المهموس، وصوت الطاء بهويته القطعية وشدّة إطباقه([184])، أوحيا بشدّة البرد مع الخوف والاضطراب؛ «لأن أصل الطاء تاء، فأبدل منها هنا طاء؛ لأن الطاء مطبقة والصاد مطبقة، فكان الجمع بينهما حسناً»([185])، ودلّ على إطباق أمرين في آنٍ واحد، ذلك هو الخوف والبرد. فإذاً هذا التآزر الحاصل بين صوتي الصاد والطاء أفضى إلى اكتناز أكثر من معنى. وصياغة هذه المفردة بهذه الكيفية ألقَتْ بظلالها على المعنى المراد، وأظهرت الشعور الذي انتابهم حينها. ولا مناص من القول: «إن القوة التعبيرية والدلالية للكلمة المنفردة لا تظهر من معناها فقط، بل من طبيعة تشكُّلها الصوتي؛ إذ إن شكلها الصوتي يأخذ صوراً إيقاعية متعدّدة تنسجم مع انعكاساتها الدلالية»([186]).

§           الحذف الصوتي جمالية أسلوبية

من أجمل التلوينات الصوتية في القرآن الكريم التي تؤتي ثمارها المعنوية هو حذف أحد أصوات المفردة، وإضافة حركة بدلاً عنه، بإظهار حركة الصوت المحذوف إلى ما قبله للدلالة عليه. فكما أن لإثبات الصوت جماليته الصوتية والمعنوية، كذلك لحذفه جمالية صوتية وغاية معنوية أيضاً. وقد شكل هذا الحذف نقلة نفسية في وظيفة السمع والإصغاء؛ لأن المتوقع (أكُنْ) لا (أكُ)، وغير المتوقَّع هذا أحدث فرقاً في التلقّي، ممّا منح هذه النصوص الأدبية جمالية وحضوراً. وهذا الحذف تأثيره محصورٌ في النغم فحَسْب، دون المساس بالتركيب النحوي للجملة. وقد سمي بالاقتطاع([187])، كما في حذف النون من الفعل المضارع (أكُنْ)، في قوله تعالى على لسان مريم÷: ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً﴾ (مريم: 20). فهذا الحذف له دلالته الخاصة في هذا الموضع، وهو الإيجاز والاختصار. فالمقام «مقام إيجاز. أوجز في ذكر الفعل فاقتطع منه»([188]). وقد تتبع الدكتور السامرائي حذف النون من الفعل (كان) في القرآن الكريم فوجده في ثمانية عشر موضعاً، كلها تدل على التخفيف والإيجاز([189]). فقد ناسب الاختصار في الصوت الاختصار في الموقف الذي كان ـ لا شكَّ ـ غاية في الصعوبة على السيدة العذراء، والبشارة غريبة، لذا اختصرت الفعل لتحصل على جوابٍ أسرع. هذا ما عكسه الفعل بنغمته الخاصة التي استوعبت به النون الغنوية الطويلة، واكتفى بحركة صوت الكاف، وهي الضمّة التي أدَّتْ معنى صعوبة الموقف وغرابته؛ لأنها «أثقل الحركات وأقواها»([190]). فإيقاع المفردة الجديد قد رسم الموقف، ونبَّه السامع إلى هذه النغمة المبتورة التي فقدت إحدى نوتاتها، وما توحيه من انسيابيةٍ في الكلام، وجمالية في الأداء.

وقد يحذف الحرف في وسط المفردة؛ «لغرضٍ بلاغي تلحظ منه غاية والجمال»([191]). من ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ…﴾ (الأحزاب: 33)، فقد حذفت إحدى التاءين. ففي الأصل (تتبرَّجن)، وهي مأخوذةٌ من البرج، وهو «سعة حياض العين مع حسن الحَدَقة. وإذا أبدت المرأة محاسن جيدها أو وجهها قيل تبرجن»([192])، ومنه التبرُّج، وهو «التبختر والتغنُّج والتكسُّر»([193]). وقيل: هو «الظهور أمام الناس»([194])، إذ قال عزَّ من قائل: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾ (الحجر: 16)، فلو لم تكن ظاهرةً لم تكن زينة.

وحذفت التاء هنا لأنّ الموضع غير تفصيلي، فقد أمرهنَّ بعدم تبرُّج الجاهلية الأولى. فبأيِّ شكلٍ كان فهو منهيٌّ عنه جميعاً. والأمر الآخر أن هذا الحكم فريضة يجب أن يطبَّق عاجلاً، وخاصّة من نساء بيت النبوّة؛ ليكنَّ قدوة لنساء الأمّة جميعاً.

وليس بعيداً عن أجواء هذه الآية المباركة تطالعنا مفردةٌ أخرى قد حذف منها أحد أصواتها، وهي (قَرْنَ) التي وردت في قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ…﴾ (الأحزاب: 33). وهذا اللفظ «لا يخلو أن يكون من القرار أو من الوقار»([195]). فـ «قرن بفتح القاف بمعنى أقررن في بيوتكن، من قررن في المكان أمر قرار، إلاّ أنه نقل حركة العين إلى القاف، فانفتحت وسقطت الراء الأولى»([196]). لقد حذفت الراء لأن الأمر لا يستدعي التكرار؛ لأنه من دواعي التحصين والسكينة، وليس للقرار وجوه مختلفة؛ إذ المعنى الاستقرار في البيوت؛ لكي يوقرن في سيرتهنَّ. فقد أظهر السكون على الراء الواحدة معنى الاستقرار، وأضفى نكهةً خاصة للتعبير. وفي سورة مريم يقول العزيز الحكيم مخاطباً العذراء: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً﴾ (مريم: 25). فقد حذفت إحدى التاءين من المفردة (تساقط)؛ لنكتة بلاغية. فهي بالأصل (تتساقط)، وفيها نكتة جميلة أن «النخلة تساقط إليك»([197])، وكأنّ فعل السيدة العذراء هو تنبيه ذلك الجذع بهزّه، فتنبَّهت النخلة للأمر الموكل إليها، فامتثلت، فتساقط الرطب جنيّاً دفعة واحدة، وليس بتدرُّج. فهذا الفعل لا يستوجب التأخير؛ إذ إنها بحاجة إلى هذا الثمر الآن وفي الحال. لذا كان أنسب للدلالة حذف التاء، والاكتفاء بتاءٍ واحدة. ومما يلقي بظلاله على المعنى بشكل دقيق الضمّ على التاء، ففي الأصل هو فتحٌ، ولكنّه استبدل بالضمّ؛ لما له من ثقل عبَّر في ضوئه عن عسر الموقف المثقل بالآلام. وقد أضاف الحذف جمالية للمعنى، وانسيابية في السمع، وتناغماً مع الحدث. كما ورد الحذف الصوتي في أسلوب النداء الذي يستلهم منه الدعاء المتمثِّل بحذف ياء المتكلِّم من لفظة (ربّ)، و«يوحي حذف الياء واختصار الصوت إلى زمن الحركة في أمكنةٍ أخرى أسراراً رائعة من جماليات الأداء والتعبير، لا يقل عن جماليّات ذكرها»([198]). فحذف حرف النداء في المناجاة قبل مفردة (ربّ) اقتضى حذف ياء المتكلِّم، والاكتفاء بالكسرة التي مدَّتْ التعبير بلمسةٍ جمالية توحي بالقرب من المنادى معنوياً، وشدّة الأُنْس به([199])، وتحقير النَّفْس أمام خالقها، فلم تذكر الضمير العائد لها. كذلك ورد هذا الحذف على لسان أمّ مريم: ﴿إِذْ قَالَتْ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً…﴾ (آل عمران: 35)، وعلى لسان ملكة سبأ: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (النمل: 44)، وتكرَّر أيضاً على لسان امرأة فرعون: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ…﴾ (التحريم: 11)، فهذه النسوة كنَّ في حال مناجاة، وأقرب ما يكون الإنسان من ربه ساعة الدعاء. فالمقام في هذه الأحوال كلها استوجب الاختصار؛ طلباً لسرعة الإجابة، والتماساً لتحقيق الطلب بسرعة. فقد نذرت امرأة عمران ما في بطنها طامعةً في قبوله. واعترفت ملكة سبأ بظلمها لنفسها طالبةً المغفرة والقبول السريع من الحقّ تبارك وتعالى. وما كانت تعانيه امرأةُ فرعون من آلام التعذيب النفسي والجسدي، الذي كان ينالها من فرعون وملئه، فطلبت من خالقها سرعة تخليصها، وإكرامها بالقرب الإلهي في منزلٍ عنده. كل هذا عكسه حذف الياء والاجتزاء بالكسر. والنغمة السريعة الهادئة التي أعطت السياق انسيابية وجمالية لها وقعها في النفس المتلقية لمثل هذه الخطابات.

 

الهوامش

______________

(*) طالبة ماجستير. من العراق.

(**) أستاذةٌ وباحثةٌ في الدراسات القرآنية. من العراق.

([1]) نوفل أبو رغيف، المستويات الجمالية في نهج البلاغة: 62.

([2]) المصدر نفسه.

([3]) ينظر: د. منال عبد الفتاح، القرآن محاولة لفهم عصري: 9، جمع وتحقيق: د. عبد الله الجيوسي.

[4])) ابن جني، المنصف في شرح التصريف 1: 154.

[5])) ينظر: د. طارق الجنابي، قضايا في النحو العربي (بحث)، مجلة المجتمع العلمي العراقي، العدد 2: 48، السنة 1967م.

([6]) ينظر: رضي الدين الإسترباذي، شرح شافية ابن الحاجب 3: 260؛ ابن جني، سرّ صناعة الإعراب 1: 34؛ التفتازاني، شرح المقاصد 1: 220.

[7])) د0 محمد ديب، النسق القرآني: 64.

([8]) صاحب أبو جناح، الظاهرة اللغوية في قراءة الحسن البصري: 48.

([9]) أ. م. د. سعاد كريدي، أثر الحركة في توجيه الدلالة، جامعة القادسية، مجلة أوروك للأبحاث الإسلامية، المقالة 3، العدد 2: 22، السنة 2010م.

([10]) د. محمد زغلول، أثر القرآن في نظرية النقد الأدبي: 241 ـ 242.

([11]) ينظر: الأصبهاني، المفردات في غريب القرآن: 282.

([12]) ابن السكيت، ترتيب إصلاح المنطق: 222.

([13]) مقاييس اللغة 3: 340.

([14]) ينظر: المفردات في غريب القرآن: 282.

([15]) حاشية الدسوقي: 2: 294.

[16])) الشريف الرضي، حقائق التأويل: 313.

[17])) ينظر: ابن جني، المحتسب 2: 18.

([18]) الشيخ ناصر مكارم الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنـزل 3: 101.

([19]) ينظر: الشوكاني، فتح القدير 1: 71.

([20]) ينظر: شرح الرضي على الكافية 1: 62.

([21]) ينظر لسان العرب 10: 197.

[22])) ينظر: التحقيق في كلمات القرآن 1: 189.

([23]) ينظر: السامرائي، بلاغة الكلمة في التعبير القرآني: 14.

([24]) ينظر: مقاييس اللغة: 890.

([25]) القاموس المحيط 4:  919.

([26]) مقاييس اللغة: 890.

([27]) القاموس المحيط 4: 291.

([28]) الطبرسي، تفسير جوامع الجامع 1: 383.

([29]) ينظر: الزمخشري، الكشاف 1: 224؛ الطبرسي، تفسير جوامع الجامع 1: 445.

([30]) ينظر: السيوطي، الدرّ المنثور 6: 40.

([31]) الزبيدي، تاج العروس 19: 86.

([32]) ينظر: لسان العرب 13: 535.

([33]) ينظر: هادي نهر، علم الأصوات النطقي (دراسة تطبيقية وصفية): 214.

([34]) معجم مقاييس اللغة 2: 106؛ الطريحي، مجمع البحرين 1: 576.

([35]) ينظر: الزبيدي، تاج العروس 14: 169؛ لسان العرب 11: 176.

([36]) ينظر: المفردات في غريب القرآن: 139؛ قلعجي، معجم لغة الفقهاء: 187.

([37]) الفرّاء، معاني القرآن 2: 122؛ وينظر: العين 8: 76؛ المحيط في اللغة: 3: 374.

([38]) ينظر: مقاييس اللغة: 2: 319؛ العكبري، إملاء ما منَّ به الرحمن 2: 90؛ الطريحي، تفسير غريب القرآن: 110.

([39]) ينظر: أبو هلال العسكري، الفروق اللغوية: 313؛ التسهيل في علوم التنـزيل: 4: 138.

([40]) القاموس المحيط 3: 374.

([41]) ينظر: أساس البلاغة: 805.

([42]) سيد قطب، في ظلال القرآن 5: 330.

([43]) الجوهري، الصحاح 4: 13.

([44]) الشيخ الطوسي، التبيان 1: 149.

([45]) ينظر: العين 7: 82.

([46]) جمهرة اللغة 1: 38.

([47]) تفسير الثعالبي 3: 493.

([48]) تهذيب اللغة 4: 181.

([49]) المحيط في اللغة 1: 497.

([50]) ينظر: المخصّص 2: 4817.

([51]) المحيط في اللغة 1: 4318.

([52]) المفردات في غريب القرآن: 398.

([53]) تاج العروس 1: 3383.

([54]) محيي الدين رمضان، وجوه في الإعجاز الموسيقي في القرآن: 39.

([55]) عباس حسن، النحو الوافي 1: 25؛ وينظر: الشريف الجرجاني، التعريفات: 54؛ الغلاييني، جامع الدروس العربية: 90.

([56]) ينظر: عبد الله الفاكهي، شرح الحدود النحوية: 135.

([57]) إبراهيم أنيس، من أسرار اللغة: 259.

([58]) ينظر: النحو الوافي 1: 25؛ جامع الدروس العربية: 90 وما بعدها؛ العلامات النحوية في ضوء علم اللغة الحديث: 75 وما بعدها.

([59]) سيبويه، الكتاب 1: 46.

([60]) علي شلق، الزمان في اللغة العربية والفكر: 146 ـ 147.

([61]) النحو الوافي 1: 25.

([62]) الزمان في اللغة العربية والفكر: 147.

([63]) المصدر نفسه.

([64]) التبريزي الأنصاري، اللمعة البيضاء 1: 536.

([65]) ينظر: الكشّاف 1: 536.

([66]) ينظر: ابن كثير، تفسير القرآن العظيم 1: 1047.

([67]) عناية الأصول في شرح كفاية الأصول: 243.

([68]) ينظر: المصدر نفسه.

([69]) التحقيق في كلمات القرآن 12: 123.

([70]) الزمان في اللغة العربية والفكر: 149.

([71]) ينظر: المصدر نفسه.

([72]) ينظر: بحار الأنوار 11: 32.

([73]) ينظر: التبيان في تفسير القرآن 3: 461 ـ 462.

([74]) الزمان في اللغة والفكر: 149.

([75]) ينظر: الكشّاف 2: 924.

([76]) التحقيق في كلمات القرآن 11: 113.

([77]) الشوكاني، نيل الأوطار 1: 408.

([78]) ينظر: مجمع البيان 6: 238؛ النحو الوافي 1: 32؛ معاني النحو 4: 422.

([79]) ابن جرير الطبري، جامع البيان 15: 82.

([80]) ينظر: الكشّاف 1: 631.

([81]) ينظر: د. سليم النعيمي، اسم الفعل، دراسة وطريقة تيسير (بحث)، مجلة المجمع العلمي العراقي، العدد 16: 68.

([82]) ينظر: بحار الأنوار 22: 477.

([83]) النحو الوافي 1: 33.

([84]) هادي نهر، علم الأصوات النطقي، دراسة وصفية تطبيقية: 48.

([85]) ينظر: محمد السيد سليمان، من صور الإعجاز الصوتي في القرآن الكريم (بحث)، مجلة العربية للعلوم الإنسانية، العدد 36: 78، السنة 1989م.

([86]) د. السامرائي، التعبير القرآني: 15.

([87]) البحر المحيط 2: 20.

([88]) ينظر: التعبير القرآني: 16؛ بلاغة الكلمة: 63.

([89]) ينظر: مقاييس اللغة: 105؛ أساس البلاغة: 825.

([90]) ينظر: المفردات في غريب القرآن: 504؛ المصباح المنير: 825.

([91]) ينظر: أساس البلاغة: 122؛ المفردات في غريب القرآن: 92؛ الإتقان 1: 244.

([92]) صدام حمو حمزة، أفعال القدوم في القرآن الكريم، دراسة دلالية: 246.

([93]) ينظر: المفردات في غريب القرآن 327.

([94]) تهذيب اللغة 1: 17.

([95]) الآلوسي، تفسير روح المعاني 8: 499.

([96]) كما في سور النساء: 18، والإسراء: 10، والكهف: 19، والإنسان: 4.

([97]) كما في سورتَيْ: التوبة: 89، والأحزاب: 29، 35.

([98]) الباقلاني، إعجاز القرآن: 45؛ ابن المنير الإسكندري، الإنصاف في ما تضمَّنه الكشّاف 1: 100.

([99]) ينظر: شرح شافية ابن الحاجب 3: 228.

([100]) جمهرة اللغة 1: 497.

([101]) ينظر: الكشّاف 1: 537 ـ 538.

([102]) في ظلال القرآن 1: 255.

([103]) التحرير والتنوير 1: 279.

([104]) تفسير الثعالبي 4: 110.

([105]) بلاغة الكلمة في التعبير القرآني: 11.

([106]) ينظر: علم الأصوات: 396.

([107]) ينظر: إملاء ما مَنَّ به الرحمن 38: 1.

([108]) ينظر: تفسير القرآن العظيم 6: 442.

([109]) ينظر: المفردات في غريب القرآن: 549.

([110]) ابن الجوزي، زاد المسير: 43.

([111]) فتح القدير 6: 60.

([112]) ينظر: الكشّاف 1: 953؛ تفسير القرآن العظيم 3: 1665.

([113]) ينظر: الأصوات اللغوية: 74.

([114]) ينظر: السيد محسن الحكيم، حقائق الأصول 2: 376؛ التحقيق في كلمات القرآن 7: 27.

([115]) ينظر: الإمام الخميني، بدائع الدرر في قاعدة نفي الضرر: 62؛ محمد صادق الروحاني، زبدة الأصول 3: 445.

([116]) ينظر: وجوه الإعجاز الموسيقي في القرآن: 38.

([117]) الرماني، النكت في الإعجاز القرآني: 88.

([118]) ينظر: الموازاة الصوتية في الرواية البلاغية: 44.

([119]) ينظر: أحمد مطلوب، بحوث بلاغية: 38.

([120]) ينظر: شرح شافية ابن الحاجب 2: 25.

([121]) ينظر: الإتقان 1: 249.

([122]) ينظر: البقاعي، نظم الدرر 1: 356.

([123]) روح المعاني 2: 254.

([124]) العين 1: 46.

([125]) زاد المسير 1: 232.

([126]) النحاس، معاني القرآن 1: 214.

([127]) الطوسي، التبيان 2: 253.

([128]) ينظر: أساس البلاغة: 506.

([129]) ينظر: الكتاب 4: 343.

([130]) ينظر: البحر المحيط 4: 78.

([131]) تاج العروس 8: 159.

([132]) النكت والعيون 1: 330.

([133]) تفسير البيضاوي 2: 10.

([134]) ينظر الخصائص 2: 165.

([135]) د. عبد الواحد زيارة، الإيقاع، أنماطه ودلالاته في القرآن الكريم: 18، رسالة ماجستير، جامعة البصرة.

([136]) في ظلال القرآن 2: 251.

([137]) ابن عربي، أحكام القرآن 6: 444.

([138]) ينظر: مقاييس اللغة: 203؛ المصباح المنير: 118.

([139]) ينظر: البرهان: 116.

([140]) ينظر: الموسيقى الكبير: 1072.

([141]) التحقيق في كلمات القرآن 3: 112.

([142]) ينظر: المفردات في غريب القرآن: 192؛ المحيط في اللغة 2: 222.

([143]) ينظر: الخصائص 2: 162.

([144]) علم الأصوات: 209.

([145]) عبد الحميد ذياب وأحمد قرقو، مع الطبّ في القرآن الكريم: 85.

([146]) الأسلوب والأسلوبية: 41؛ وينظر: من صور الإعجاز الصوتي في القرآن الكريم (بحث): 78.

([147]) البيان في روائع القرآن 1: 175.

([148]) المصدر السابق 1: 202.

([149]) الإيقاع، أنماطه ودلالاته (بحث): 109.

([150]) ينظر: النسق القرآني: 55.

([151]) من صور الإعجاز الصوتي في القرآن الكريم (بحث): 79.

([152]) المزهر 1: 59.

([153]) ورد استعمالها مع الثعبان، كما في سورة النجم: 36، وفي طلب الرزق، كما في سورة الملك: 15، وفي النداء للعبادة، كما في سورة الجمعة: 1.

([154]) العقاد، اللغة الشاعرة: 16.

([155]) لسان العرب 5: 433.

([156]) تاج العروس 1: 3666.

([157]) الخصائص 1: 148.

([158]) الصحاح 1: 12.

([159]) ينظر: جمهرة اللغة 1: 3.

([160]) الخصائص 1: 148.

([161]) ساجدة عبد الكريم، أثر الصوت في توجيه الدلالة (بحث): 13.

([162]) ينظر: تفسير البغوي 2: 422؛ الأمير أمين آل ناصر، اللغة العربية: 43.

([163]) الثعالبي، فقه اللغة وسرّ العربية: 129.

([164]) الطبري، جامع البيان في تفسير القرآن 6: 68.

([165]) ابن سيده، المخصّص 1: 293.

([166]) جامع البيان في تفسير القرآن 16: 63.

([167]) ينظر: فتح القدير 3: 211.

([168]) محمد الغزالي، نحو تفسير موضوعي للقرآن الكريم 1: 179.

([169]) د. خميس نزاع عمر، أثر الاستبدال الصوتي في التعبير القرآني، مجلة جامعة تكريت،  العدد 5: 277، السنة 2012م؛ حقائق العربية: 43.

([170]) ينظر: الخصائص 2: 65؛ وينظر: الأصوات اللغوية: 77؛ علم اللغة العامّ (الأصوات): 99.

([171]) ينظر: لسان العرب 9: 178.

([172]) دقائق اللغة العربية: 34.

([173]) ينظر ـ على سبيل التمثيل ـ: سور الإسراء: 36، الملك: 23، السجدة: 9، المؤمنون: 78.

([174]) التحقيق في كلمات القرآن 9: 8.

([175]) المصدر السابق 9: 9.

([176]) ابن كثير، قصص الأنبياء 2: 9.

([177]) تفسير التبيان 2: 298.

([178]) الكشّاف 2: 874.

([179]) ينظر: الخصائص 2: 198.

([180]) ينظر: تفسير القرآن العظيم 2: 1548.

([181]) نحو تفسير موضوعي للقرآن 1: 179.

([182]) دقائق العربية: 17.

([183]) تفسير جامع البيان 8: 276؛ وينظر: الكشاف 2: 850.

([184]) ينظر: الكتاب 4: 345، 427 وما بعدها؛ علم الأصوات العامّ (الأصوات): 102 أو 120.

([185]) القرطبي، تفسير الجامع لأحكام القرآن 13: 157.

([186]) مستويات الوصف السردي القرآني (دراسة أسلوبية): 117.

([187]) ينظر: البرهان 3: 117.

([188]) ينظر: الإتقان 1: 118.

([189]) بلاغة الكلمة: 110.

([190]) ينظر: الإتقان 1: 378.

([191]) التعبير القرآني: 75.

([192]) تهذيب اللغة 4: 2.

([193]) البحر المحيط 9: 15.

([194]) تفسير الأمثل 13: 223.

([195]) تفسير جامع البيان 7: 153.

([196]) تفسير التبيان 8: 336.

([197]) النسق القرآني: 67.

([198]) المصدر نفسه.

([199]) ينظر: التعبير القرآني: 69 ـ 70.

الكاتب أ. كواكب صالح مهدي محمد و أ. م. د. أزهار علي ياسين

أ. كواكب صالح مهدي محمد و أ. م. د. أزهار علي ياسين

مواضيع متعلقة

اترك رداً

downloadfilmterbaru.xyz bigoporn.club bok3p.site sablonpontianak.com