الموقف الإسلامي من ظواهر الخرافات رصد الجذور والممارسات

ترجمة: محمد عبد الرزاق

ما هي الخرافة؟ ــــــ

لاشك أن الإجابة عن هذا السؤال ستختلف وتتباين تبعاً لتعدد وتباين الأفراد في الديانة والثقافة ومستوى الوعي وبعض الجزئيات الأخرى. ولا يمكن التوصل إلى تعريف لهذا المفهوم يكون مقبولاً لدى الجميع ومتوافقاً مع سائر الأديان والأيديولوجيات المتنوعة. فالملحد يرى الدين خرافة، في حين يجزم المتدين بعجز الملحد عن إدراك العديد من حقائق العالم؛ نظراً لما يحمله من جمود فكري وتزمّت، بل ليس غريباً أن نجد داخل المجتمع الملحد والمجتمع المتدين صدور اتهامات لبعضهم البعض بالخرافة والانحراف الفكري. ويبقى الهدف من وراء استعمال مفردات الخرافة في حق الآخرين هو تسفيه آرائهم وتمكين آراء أخرى.

«من الصعب جداً وضع أطر محددة للخرافات، فالوافد الفرنسي إلى إيطاليا سيجد كل شيء ضرباً من الخرافة. وله الحق في ذلك. فالأسقف «كونتربري» كان يدعي بأن أفكار أسقف باريس خرافة في خرافة، في حين لصق رجال كنيسة «برسبيتر» التهمة ذاتها بالأسقف كونتربري، في حين تعد طائفة الكويكر في أنظارهم من أرباب الخرافة، كما ينظر الكويكر إلى المسيحيين بوصفهم أكثر من الناس خرافة وبدعاً»([1]).

نفهم من هذا الكلام أنه ليس من السهل تحديد وتعريف الخرافات. وفي هذه النقطة بالتحديد يكمن محور الاختلاف بين المذاهب والأديان.

«نقرأ تعريفاً آخر لمفردة «الخرافات» ورد في معاجم اللغة يقول: هي كل عقيدة أو عمل ديني غير معقول. وهنا يتبادر سؤال يقول: من الذي يعين أن هذه العقيدة معقولة أو غير معقولة؟ فالمعضلة هنا في أن هذا الدين خرافة عند هذا الشخص وحق عند ذاك…»([2]).

في الواقع لم يكن هذا التعريف اللغوي مجدياً كثيراً؛ لأننا لو أخذنا به سنخلص في النتيجة إلى أن هذا الدين أو المذهب يلغي ذلك الدين أو المذهب الآخر ويسفه بعض أو جميع تعاليمه ومعتقداته. وهنا نعود إلى المربع الأول، والكلام عن أحقية هذا الدين وبطلان ذاك. وعليه سنكون مضطرين إلى دراسة تفاصيل المذاهب والأديان، بدلاً من دراسة موضوع الخرافة الحاضر في جميع المجتمعات تقريباً. وليس هذا ما نصبو إليه. فنحن هنا في صدد التوصل إلى تعريف شامل لمفهوم الخرافة يقرّه الجميع، وتقبله سائر الأديان الطبقات المثقفة والعقلاء في مختلف المجتمعات، لكننا ندرك جيداً استحالة العثور على هكذا تعريف، وعلى أية حال فإن طريق الألف ميل يبدأ بخطوة.

 

أفضل الممكن ــــــ

يمكن أن نقدم هذا التعريف مثالاً توافقياً بين سائر الأديان: «الخرافة هي التخوف الاعتباطي من بعض العناصر، وافتعال علاقة بين ظواهر وأخرى لا تحظى بتأييد العلم والعقل، ولا حتى الدين».

هذا التعريف مقبول عند المسلم وعند المسيحي والزرادشتي»؛ لأن ما لا يحظى بتأييد العقل والدين فالدين نفسه سيقطع بكونه خرافةً وبدعةً. وعلى سبيل  المثال: وفقاً لهذه الرؤية سيكون بإمكان المسلم ـ شيعة وسنة ـ أن يقول بأن التشاؤم من الرقم (13) ليس إلا خرافة، لأن العقل لم يقل به، كما لم يؤيده الدين أيضاً.

وهناك تعريف آخر للخرافة يقول: «هي الرهبة غير المنطقية والاحتراس من أمر مجهول أو خيالي أو عقيدة أو عادة ما وما شابه ذلك، على أساس الخوف أو الجهل»([3]).

يعقب (غوستاف جاهودا) على هذا التعريف فيقول: «يبدو أننا هنا اقتربنا أكثر من صلب الموضوع؛ فإن أبرز ما قد أشير إليه هو عنصر الإثارة، وهي أهم الخصائص الأساسية في كل ما يمكن أن نسميه خرافة، وإلا لما تركت أثرها فينا، ولم تكن ـ بحد ذاتها ـ أمراً هاماً أبداً. فهناك العديد من الأفكار التي يتلقاها الناس عن طريق الصدفة دون أية علاقة وإثارة، من قبيل: أن يعتقد البعض بأن الجوز المرقش هي ثمرة شجرية ـ وهو صحيح بمحض الصدفة ـ، وقد يسمع البعض من الـ (bbc) بأن الإسباكتي هي ثمرة مشتلية ـ وهو خطأ بالصدفة أيضاً ـ. فجميع هذه النماذج قد لا تترك أثراً ملموساً في السلوك. ولا يعني هذا ضرورة أن يكون عنصر الإثارة فعالاً جداً، وإنما المهم أن يكون مشهوداً، ويمكن القول بأنه حاضر بنحو مطلوب»([4]). يعترف (جاهودا) ـ في معرض تقديم التعريف المقبول للخرافة ـ بأن المهمة في هذا الصدد تكاد تكون مستحيلة، لكن لابد في دراسة موضوع ما من امتلاك تصور عام عنه. لو تمكنا من العثور على تعريف يشرح مفهوم الخرافة، ويزيل ما يكتنفه من إبهام، سيسهل ذلك من مهمة الحكم على بعض المعتقدات والممارسات، وتمييز الخرافي فيها من الحقيقي.

يبدو أن تحديد الغاية من دراسة الخرافات سيسهم كثيراً في تيسير عملية فهم ومعرفة نوع الخرافات. فمثلاً: لو أننا كمسلمين نروم التحقيق في الخرافات من أجل تجريد معتقداتنا وأفكارنا من الخرافات هنا سيكون من السهل علينا تمييز الخرافة في عقيدة ما، من قبيل: تضحية السيد المسيح بنفسه، أو سنة وثقافة ما، وإصدار الحكم بحقها؛ وستسهل أيضاً مهمة تعريف الخرافة وفقاً لهذا المنطق. فعلى الرغم من أن هذه العقيدة ليست خرافة من منظار المسيحية، لكننا هنا نقصد من خرافيتها أن لا مجال لها في الفكر الشيعي، ولا العقل يؤيد أن يذهب البريء ضحيةً لجرائم الآخرين، فهو يعذب لكي يغفر لغيره: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى. وإذاً سيكون هدف هذه الدراسة الاستدلال على أن هذه الفكرة لا يمكن أن تتسلل إلى التشيع والمنطق القرآني. وعليه سيكون من السهل جداً معرفة الخرافي من غيره.

في الوقت الذي كان (جاهودا) بصدد تحليل الخرافة سايكولوجياً، ودراسة منشئها، وأسباب انتشارها، وكذلك السبل الكفيلة بالحدّ منها، كان بإمكانه أيضاً الاكتفاء بتعريف إجمالي للخرافة، ثم ينتقل إلى سرد تفاصيل ماهيتها العامة، ومن ثم يذهب إلى دراسة بعدها السايكولوجي والاجتماعي والتاريخي. ولهذا نجده بعد عناء البحث يقول: إلاّ أن تقّبل هذا الأمر من قبل أولئك الذي اعتادوا على الخرافات، وشغفوا بها، سيكون في غاية الصعوبة، ولا يستبعد منهم صدور ردات فعل قاسية وشديدة.

وتأسيساً عليه تطلق الخرافة على الشيء الذي لا يمتلك تفسيراً عقلانياً لنفسه، ويقيم علاقة العلة والمعلول بين أمرين لا صلة بينهما أساساً. فمثلاً: لا يكون بناء المنزل الجديد أمراً مكروهاً لو حدثت عرقلة في بداية المشروع، وكسر فأس البنّاء، بل صلابة الأرض أو اصطدامه بصخرة وضعف مقاومته هو علة الانكسار؛ إذ لا العقل والشرع ينص على أن هذه الحادثة هي بمثابة التنبّؤ بشؤم ذلك المنزل. أما إذا جاء أحدهم وقال لكم: «لقد كان هذا البيت طالعاً نحساً على حياتي، وقد سلبني كل ما أملك، فحين جئت هنا مات أبي، ومات أخي، وماتت زوجتي وعمي، خلال ثلاث سنوات فقط، ثم خسرت عملي، وأعلنت إفلاسي، ويبقي الذنب ذنبي أنا؛ لأنني لم أكترث بما حدث في اليوم الأول من بناء البيت، حين انكسر الفأس في عملية حفر الأساس، والآن صحوت على ما فات». فماذا ستكون ردة فعلكم على هذا الكلام؟ هل ستتضامنون معه، وتأسفون لتجاهله دليلاً واضحاً، فلم يرجع عن بناء المنزل، أم أنكم ستأسفون على أفكاره الخرافية، وكونه يعلل شيئاً بشيء آخر دون وجود ترابط بينهما؟ فمرض السرطان هو السبب في وفاة والده، ومات أخوه لتهوّره في قيادة دراجته النارية، في حين توفيت زوجته في حادث سيارة، أما عمه فكان في الثمانين من العمر، هزيل البنية، وفقد كليتيه أيضاً، كما أنه خسر عمله ومتجره بسبب استثمار خاطئ في سلعة متوفّرة وقلة في الطلب عليها، وكان الآخرون أكثر خبرة في هذا المجال. أما من الناحية الشرعية فالموقف سليم تماماً، فالمنزل لم يكن على مقبرة المسلمين، ولا على أرض مغصوبة، وليست هي من أموال اليتامى، ولا وقفاً، إذاً لماذا ينبغي منع بناء البيت هنا، وإنزال عقاب بهذا الحجم بصاحبه؟

وبناءً على ما تقدم لابدّ في اتخاذ الشيء علة لغيره أن يثبت ذلك لدى المسلم عن أحد طريقين: إما العقل، والعلم، والتجربة، والبرهان؛ وإما الشرع. فالعقل يقول ـ مثلاً ـ: لا تقفز من أعلى السطح فتموت، ويقول لنا الشارع: إن الإنفاق من أسباب سعة الرزق وطول العمر، وإن الكذب حرام وله عقاب وعواقب اجتماعية وخيمة. فهذه الأمور مقبولة عندنا؛ لأننا أقمنا علاقة العلة والمعلول في حالة ثبوت حكم العقل والشرع، وهما الملاك في إقامة الصلة بين المسبّب والسبب.

وبناء على هذا الملاك يمكن أن نعرف الخرافة بأنها: «كل أمر لا يحظى بتأييد العلم والعقل والدين، فيعمل به الناس ويخشون تركه، فهو خرافة» ويبدو أن هذا هو المفصل الرئيسي في تعريف هذه الظاهرة، هي عبارة عن إقامة علاقة من العلية بين أمور أجنبية في ما بينها، فيقضي بوجود ما لا وجود له ونفي ما هو موجود؛ بدافع الخوف وخشية الرفض.

 

الخرافة ومديات انتشارها ــــــ

يذهب  البعض إلى أن الخرافات لا تقتصر على مجموعة خاصة، أو قومية دون أخرى، فالكل مبتلى بها بنحو من الأنحاء.

«لا يمكن تقسيم مجتمعات العالم إلى قسمين: أحدهما يؤمن بالخرافات؛ والآخر لا تعتريه مطلقاً، فهو مثقف. بل يمكن القول بشكل عام: إن منهم من يعتقد بالخرافات كثيراً؛ ومنهم من يعتقد بها بشكل أقل نسبياً. وهذا ما يؤيده التاريخ في الماضي»([5]). كما أن مديات الخرافة لا تقتصر على منطقة معينة، لذا فإنها حاضرة في جميع البلدان والأمصار، سواء الدول المتقدمة في الصناعة أم الدول المكبوحة عن التقدم في الصناعة. والملفت أن معظم الخرافات على الرغم من اختلافها في البنية الظاهرية ـ متشابهة في واقعها مضموناً، وأحياناً في الشكل أيضاً.

ولم يُستثنَ المجتمع الأوروبي من نصيب آسيا وأفريقيا في الخرافات. فقد شهدت هذه الدول انتشاراً ملحوظاً للخرافة. ففي أوروبا اليوم ـ وهي حاضرة الحاسوب والفضاء ـ ازدهاراً كبيراً لمواضيع التنجيم والتنبؤات؛ إذ تشير الأرقام إلى أن بريطانيا وحدها تضم اليوم ألفي منجم محترف بإيرادات باهظة جداً. وبغض النظر عن طبقة «النجوم» الذين تبلغ إيراداتهم الملايين فإن عدد الزبائن يقدر بالمليون أيضاً، أما الأساليب فمتنوعة، منها بطاقات الأبراج، ابتداً بالطبقات الجاهزة ـ وهي لا تحظى بتأييد المنجمين النخبة ـ، وصولاً إلى حساب طالع وحظّ الأفراد. وقد بلغت شهرة المنجمين ومتنبّئي الغيب صفحات الجرائد وشاشات التلفاز.

كان في أمريكا مطلع العقد السادس أكثر من ألف صحيفة خصصت أعمدة ثابتة لمواضيع التنجيم، وقد قدّر قرّاؤها بالعشرين مليوناً. وهناك في بريطانيا مجلات عديدة تتجاوب مع تساؤلات حول التنبؤات وعلم الغيب، وكانت واحدة منها تطبع في (50000) نسخة، ناهيك عن أعداد المجلات الأخرى التي لا تزال قيد الكتمان. كما ينقل أن دور النشر اتفقت مع المنجمين المشهورين، وقيل: إن إحداها نشرت في طبعة أولى من كتاب في التنجيم (750000) نسخة.

وهناك نمط آخر للخرافة في أوروبا يتمثل في انتشار السحر والشعوذة، ولا نزال نشاهد نماذج ذلك في ألمانيا وفرنسا، وخصوصاً في جنوب إيطاليا ([6]).

قد يكون ضرباً من المبالغة أن يقال: ليس هناك طبقة منزهة عن الخرافات، وإنه لا توجد دولة في العالم تخلو منها، إلا أن (غوستاف جاهودا) برهن على هذه الحقيقة بعدّة أدلة، منها: إن الخرافة اكتسحت ـ فضلاً عن الطبقات والقوميات ـ جميع أنحاء العالم، ومؤيّد ذلك تعريفه لمفهوم الخرافة. لكننا إذا تمعنا في تعريف الخرافات جيداً لتمكنا من نفي الخرافة عن البعض ممّن حكّم المنطق والعقل والدين، فنظّم حياته، وأحكم تحصينها، بحيث لم يدع مجالاً لنفوذ الخرافة إليها. فليس حضور الخطأ في حياة الإنسان من قبيل حضور الخرافة؛ إلا أن يكون المراد دخول بعض القضايا إلى صميم جميع الأديان والثقافات في جميع الدول، وهي قضايا دخيلة تصنّف في عداد الخرافات.

منشأ الخرافة وجذورها ــــــ

تعددت الآراء والنظريات في منشأ الخرافة ومنطلقها، وهي نظريات يمكن أن تكون كل واحدة منها موضوعاً لكتاب مستقل. وكان علماء النفس من أكثر الباحثين في هذا المجال. فرأى بعضهم أن الأخطاء هي مصدر الخرافة؛ في حين عزا آخرون ذلك إلى الغفلة واللاوعي؛ ومنهم من قال بأن المنشأ هو الإجابة الشرطية. أما الدراسات الاجتماعية فكان لها موقفها الخاص بها أيضاً، فذهب البعض إلى أن الخرافات هي من الظواهر الاجتماعية، فإن التأخر في اتخاذ القرار المناسب عبر السبل الاعتيادية في الأوقات الحرجة، أو في القضايا الحساسة، سيقود إلى اللجوء إلى الخرافة في تحصيل «القطع» واليقين في الأمور، علماً أن طريقة التفكير هي الأخرى من المنطلقات الهامة في تبلور شكل الخرافات أيضاً، «فقد رأى عالم الإثنوغرافية (السير إدوارد تايلور)… بأن جذور الخرافة تنتمي إلى نوع من النقص والتخلف الفكري، وذكر في تحليله الاجتماعي لهذه الظاهرة أن (الغباوة والاحتراس الزائد) هي من صفات الإنسان بشكل عام، والإنسان المتوحش بشكل خاص»([7]).

ويرى الفيلسوف المعروف (هيجل) أن مبدأ ظهور الخرافات والأساطير في المجتمعات الأولى ينبع أيضاً من حاجة طبيعية تتبلور في إطار قانون العلة والمعلول، ولاسيما الخرافات المتعلقة بالحوادث الطبيعية، كالزلزال والكسوف والخسوف، المثيرة للرعب والفزع في قلوب الناس([8]).

إن من شواخص اللاوعي المؤدي إلى ظهور الخرافات هو الافتقار إلى فهم صحيح عن مسألة العلية. يقول ويلهام فونت: «لا تعني العلية في مفهومنا شيئاً بالنسبة للإنسان الابتدائي، أما إذا أردنا الحديث عن مؤدى العلية في حدود تجاربه فإن الشيء الوحيد الذي يمكن أن يقال عنه هو إنه قابع سلطة السحر، وهو أمر يعتمد بالدرجة الأولى على القوى العاطفية، وليس على القوانين السائدة في ترابط الأفكار. فيمكن فرض العلية الأسطورية السحرية والعاطفية بقدر من الثبات مغاير تماماً للتحول والتقلب في العلية المنطقية المبتنية على التسلسل المنظم في الإدراك والأفكار»([9]).

ويرى (ليمان) أيضاً أن الخرافات إنما هي ضرب من الخطأ: «إن جميع المعتقدات الخرافية التي حاولنا الكشف عن تركيبها الطبيعي في هذه السطور كانت في البداية عبارة عن تفسيرات واهمة عن بعض الظواهر التي لم تتم دراستها بشكل جيد»([10]).

وكان (لورد تشسترفيلد) قد ذكر في إحدى رسائله إلى نجله بأن منشأ الخرافات هو الجهل والسفه»([11]).

لاشك أن تحليل ودراسة كل واحدة من هذه النظريات بحاجة إلى مجال أوسع من المقالة، ولاسيما أن بعضها قابل للنقد من أصوله، والبعض الآخر جاء مؤسساً على فرضيات خاطئة، وهناك قسم منها أيضاً لا يخلو من الصحة في المبتنيات العامة، إلا أنه أخطأ في طرح النماذج والأمثلة. وعلى أية حال فإن لكلّ في الواقع رؤية ونافذة خاصة أطلّ منها محاولاً تقديم الحلول لهذه المسألة. وعليه لا يمكن القول بأن هناك نظرية أصح وأكمل، وما عداها فهو باطل، لكن قد يصح العكس، أي يمكن أن يقال: لا توجد نظرية كاملة، على غرار حكاية الفيل في الظلام التي ذكرها الشاعر جلال الدين الرومي في مثنوياته.

تترعرع الخرافات في صميم الأفراد، فتتبلور اجتماعياً وتنتشر على مساحات أوسع، فتؤثر على شاكلة السلوك الاجتماعي، بوصفها عناصر من الثقافة، فيمتزج بها فكر وروح الإنسان. إن العمل على تبسيط الأفكار، وتقديم التفسيرات السطحية للظواهر، وكذلك العمل على افتعال العلة، بدلاً من البحث عنها، في ما يخص الظواهر الطبيعية وما وراء الطبيعية، هو السبب الرئيسي في الانجرار إلى الإيمان بقضايا تظل مسيطرة على جميع أبعاد أفكار الإنسان وبرامجه في الحياة. وقد ورد في القرآن أن الجهل والتقليد الأعمى وعدم التفكر واتباع الهوى هي من العوامل المباشرة في خلق الخرافات.

لكن لابد من الإذعان بأن النبتة لا تتفتق إلا في التربة المساعدة، ولذا فإن الفطرة والطبيعة والأمور شبه الغريزية في الإنسان هي بمثابة التربة المساعدة لتنامي الخرافة لديه. وقد لا يروق ذكر الفطرة للقارئ الكريم فيقول: لماذا الفطرة؟! فالفطرة هي الأصفى والأنقى بين قنوات المعرفة والمعتقدات؛ فلا يمكن ولا ينبغي أن تكون موطناً لأدران الخرافات وآفاتها.

إلا أن هذه العين الصافية قد يتعكَّر صفوها، فتقود النفس الإنسانية إلى الإيمان بقضايا مفعمة بالشرك والخرافة. ففطرة الإنسان ـ مثلاً ـ ترشده إلى عبادة أعظم قوة، وهي الوحيدة المدبِّرة لشؤون الكون، بحيث لا قوة فوقها، فلو لم تكن هذه القناة بحاجة إلى العبادة لما وجد عابدٌ واحد على مرّ التاريخ، إلا أن هذا الإحساس بالحاجة إلى العبادة هو نفسه أيضاً الذي قاد بعض البشر إلى عبادة الشمس والقمر والبحر، أو الإنسان الفاني وبعض ما صنعت الأيدي، كالطفل الذي تشده غريزته إلى الرضاعة من ثدي أمه، إلا أن حاجته المبرمة إلى الرضاعة تضطره إلى القبول والانخداع بغيره. فكذلك هي فطرة الإنسان الباحثة عن الإله، فهي تحفزه على العبادة من جهة، لكن الانحراف الاجتماعي والأرباب الجهلة أو المتجاهلين قد يستبدلون الثدي الحقيقي بآخر مفتعل؛ بغية إسكات ذلك الإنسان.

تنتقل هذه المعتقدات الباطلة من جيل إلى جيل، تماماً كما يتوارث الناس المعتقدات الحقة. وقد ذم القرآن توارث المعتقدات الخرافية. وكان من أبرز أشكال الخرافة تلك التي حرّم فيها الأكل أو الاستعمال دون وجود دليل شرعي وعقلي يؤيدها. وهنا يحذر الباري ـ عزوجل ـ من مغبة أن يحرم الإنسان على نفسه ما أحلّ له. كذلك فإن الفاحشة من المنهيات التي يصر الشيطان على ارتكابها، فترى الإنسان يعمل بغير أوامر ربه، فيستقبلها على أساس أنها أوامره ونصوص دينه، في حين لا توجد أدلة عقلية تؤيد شرعيتها.

عندما كان الرسل والعلماء يتصدون لمثل هذه الخرافات، ويدعون الناس إلى نبذها، كانوا يواجهون أيضاً ردوداً قمّة في الجهل والانحطاط حين يقال لهم: هكذا كان آباؤنا، ونحن أيضاً على خطاهم. فهل هذا تعليل منطقي، إذا كان آباؤهم في منأى عن ميزان العقل ولم يصيبوا الصراط الصحيح؟: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالفَحْشَاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا ألفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ * وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلا دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ (البقرة: 168 ـ 171)؛ ﴿وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ * قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ (الأعراف: 28 ـ 29).

يلاحظ هنا أن القرآن لم يعترض على هذه المعتقدات لمجرد كونها موروثاً عن الآباء، فهو في صدد نقد ما توصل إليه الآباء بعيداً عن ملاكات العقل والتعقل. وبعبارة أخرى: إن بإمكان جيل اليوم الإفادة من تنويرات الجيل الماضي، فيصلح الإخفاقات، ويكمل النقص إن وجد. فإذا كان الموروث عن الأسلاف راجحاً ومعقولاً ومتناسباً مع الفطرة فلا غبار عليه أبداً: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (البقرة: 133).

إذاً يمكن أن تصل عقيدة التوحيد إلى الأبناء عبر الآباء، مع فارق في ضرورة اعتماد هذه العقيدة على مبدأ الفطرة والعقل، وأن يكون تلقين الآباء للأبناء مؤسّساً أيضاً على أساس الفطرة والعقل، وهذا ما قام به جميع الأنبياء فعلاً، أي إنهم يدعون إلى اتباع عقيدتهم إذا كان الاتّباع نابعاً عن دراية وبصيرة؛ لأن المعيار في صحة المعتقدات والتعاليم أن تكون مبنية على أساس المعرفة والوعي، وإلا لما حصّنت من الشرك: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ المُشْرِكِينَ (يوسف: 18).

 

الخرافة وظاهرة التنجيم ــــــ

تشهد أسواق التنجيم هذه الأيام رواجاً واسعاً؛ إذ تكشف لنا طباعة عشرات الكتب ـ قديمة وحديثة ـ بعناوين التنجيم الصيني والهندي والياباني، بالإضافة إلى كتب التعويذات الجمة، عن مدى رغبة الناس ومتابعتهم لهذه الموضوع. وعلى الرغم من أن هذه الأمور لا يمكنها إقناع الإنسان المثقّف والدارس، إلا أن أعداد المثقّفين ـ ولاسيما من النساء ـ المهتمين بهذه الظاهرة مؤسفة جداً. وقد نهت الثقافة الإسلامية عن الكهانة والسحر والطير بشدة. فلا شك في تحريم السحر، وقد وصف الساحر والكاهن بالكفر أيضاً.

هناك من الناس من يفضل معالجة الأمراض أو العثور على مفقود أو إلقاء المحبة في قلوب الآخرين و… عن طريق الذهاب إلى المنجّم وكاتب التعويذات، بدلاً من مراجعة الطبيب، والتوجه إلى الله بالدعاء، والحال أنه ليس هناك أي منطق أو تعقل يبرر هذا الترجيح، ولا تزال مراجعة قرّاء الفأل وكتاب التعويذات أو السحرة متداولة، وإن كانت أقلّ من السابق نسبياً.

لقد خلصت الدراسات السايكولوجية في موضوعة قراءة الفأل إلى القطع بأمرين في أقل تقدير:

1ـ ثمة إحساس بالحاجة إلى استطلاع الغيب ـ زماناً ومكاناً ـ، ولاسيما لدى أولئك الذين لا يتمتعون باستقرار نفسي، ولم تكن تجاربهم السابقة على ما يرام. ولذا فهم يحاولون أن يعرفوا ما سيحصل غداً، وكيف سيكون مستقبل عمل الزوج والابن، أو المكانة الاجتماعية؟ فهذه الحاجة إلى الطمأنينة لا تتأتّى إلا في ظل استكشاف المستقبل.

2ـ أن من يراجع قارئ الفأل اعترف ضمناً بإمكانية استكشاف ما وراء الحجب ـ زماناً ومكاناً ـ من قبل البعض، بل ليس ذلك ممكناً فحسب، بل هو واقع حاصل وملموس لديه. أما أنواع الفأل وأساليبه فهي أحياناً وسائل ملموسة محسوسة، من قبيل: فنجان القهوة، وديوان حافظ، وقراءة الكف، وتارة تكون غير محسوسة، لكن يمكن إدراكها بالاعتبار، من قبيل: الأيام والشهور. فيسألك: أنت من مواليد أيّ يوم؟ أي عام؟ هل هو عام الأفعى؟ أم الحوت؟ أم الكلب؟ أم الفأرة؟ فما عليك إلا أن تعطيني معلوماتك الشخصية، وسأكشف لك من تكون؟ وماذا ستكون؟ وأيّ العوامل ستزيد من تقدمك؟ وأي السنوات ستكون خطراً عليك؟ وفي أيّ شيء يحدث ذلك؟

ولابد في التعرُّف على مدى صدق كل طريقة وقربها من الواقع أن ندرسها واحدة تلو الأخرى. جاء في مقدمة كتاب خزائن الأسرار (العلوم الغريبة): «أما بعد فبما أن الجميع من العوام والخواص بحاجة ماسة إلى نيل الجاه والسعادة وقضاء الاحتياجات وتسديد الدين وشفاء الأمراض وتسلية الخاطر وما إلى ذلك من المطالب المشروعة لكل إنسان لذا فالجميع أيضاً بحاجة إلى العلم ببعض مجربات الآيات القرآنية وأسماء الجلالة، بالإضافة إلى قسم من الأوراد والأذكار والدعوات المستجابة، وكذلك الاطلاع على «الرمل» [علم التنبؤات]، والإسطرلاب [الكشف عما يتعلق بقضايا الفلك والنجوم]…، والاسم الأعظم، علاوة على بعض الأقوال وتطبيقاتها، ومعرفة علم الجفر الجامع المتعلق بعلم الحروف والأعداد، وتسخير الأرواح والملائكة والجن، بالإضافة إلى تحصيل بعض العلوم الغريبة والمفيدة. لذا رأيت من واجبي تأليف هذا الكتاب بعنوان خزائن الأسرار، استناداً إلى الكتب المعتبرة والنادرة، متوخياً كل الدقة وضبط الأسانيد، والحق أنها مصادر رائعة، وقد تحققت من تجارب بعضها شخصياً»([12]).

أن يراعي هذا الكتاب مواضيع الناس واحتياجاتهم من تحقيق السعادة ونيل العزة وقضاء الحاجات وتأدية الديون وشفاء المرضى… فهذا أمر رائع جداً، وفي غاية الأهمية. ولا شك أن هكذا كتاب سيكون قيّماً جداً.

لقد قدم الكتاب حلولاً لكلّ مرض ومعضلة فردية واجتماعية. فعلى سبيل المثال: نجده يقترح حلاًّ لتحقيق النجاحات الأسرية، وهو في الحصول على قطعة مدوّن عليها، ولا حاجة إلى وجود عناصر الحبّ بين الزوج والزوجة…، كما لا حاجة في تحسين الوضع الاقتصادي إلى بذل مجهود مضنٍ، أو التوجه بالدعاء والتوسل إلى خالق الكون، وإنما يكفي في ذلك الاعتماد على (طلسم) يقدّمه لنا الكتاب، وهو غاية المراد. وأحياناً تستغل سذاجة القارئ فيقال له: إن هذا الطلسم دعاء يؤيده الشرع.

 

القرآن والتعاويذ والشفاء من الأمراض ــــــ

الأمراض على نوعين: جسدية؛ وروحية. وكلاهما بحاجة إلى علاج. وقد استعمل القرآن الكريم مفردة الشفاء في المعنيين؛ فجاء في موضوع شفاء الجسم على لسان النبي إبراهيم×: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} (الشعراء: 80).

وقال تعالى: {يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ ألوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ} (النحل: 69). أما في الشفاء المعنوي الروحي فنقرأ قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ} (يونس: 57). وقال تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَّقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} (فصلت: 44). ففي هذه الآية قد يكون «الشفاء» مطلقاً بالفعل، ويشمل أيضاً الشفاء البدني، إلا أن قرينة الهداية تؤكد لنا مؤدى الشفاء الروحي، ولاسيما أن هناك قلوباً مريضة بسبب تخلّيها عن عنصر الإيمان، فعلّة الكفار ترتكز في ضمائرهم وأرواحهم المتذبذبة، وإلا فقد يكون الكافر صحيحاً جسدياً، ولا يعاني من أيّ مرض يذكر، لكنه يبقى كافراً في جميع أحواله.

قال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَاراً} (الإسراء: 82). هنا أيضاً توجد قرينة الإيمان، وهي تؤكد أن معنى الشفاء في الآية هو الشفاء الروحي، وإن كان من الممكن أن يشمل الشفاء البدني، لكن ذلك يحتاج إلى دليل يمكننا من حمل الكلام عليه. إذاً فالشفاء الروحي هو عبارة عن رسالة قرآنية، ومن أجلها نزل الكتاب العزيز. لكن هل نزل القرآن أيضاً من أجل أن يؤدي مفعول الدواء، فيعالج ما يصيبنا من زكام؟!

لاشك أن كتاب الله مقدّس ومبارك، ولاشك أيضاً أن الدين يؤيد فكرة الدعاء والتوسل بالمقدسات في قضاء الحاجة ورفع البلاء، لكن هل الغاية من إنزال القرآن الكريم أن يصنع من آياته تعويذات؟! إن معاملة القرآن بوصفه علاجاً للأبدان هو ضرب من تحجيم هدفه الرسالي. ثم حتى لو كان المراد هو الشفاء البدني فلا بد أن يصل دليل على آلية الاستشفاء وبيانها من داخل النص القرآني أو عن طريق النبي‘ والأئمة المعصومين^، أما ما يتداول من كتابة الأدعية والأحراز فلا دليل معتبراً عليه.

قراءة الفأل ومعالجة المرضى ــــــ

يثير المرض قلقاً في نفوس الناس، ولاسيما إذا ابتلي به شخص عزيز عليهم.

ونرى البعض يلجأ إلى العرّافين، الذين يوظّفون بدورهم «بعض الأساليب العلاجية وتجارب الحكماء»، فبدل أن يسأل عن جنس المريض، رجلاً أم امرأة، وكم عمره؟ أو ما هي أعراض المريض؟ يسارع إلى السؤال عن اسم والدة المريض؟ وفي أي يوم من أيام الأسبوع أصيب بالمرض؟ ثم يحسب اسم أم المريض حساب الجمل، فيطرح ثلاثاً ثلاثاً، حتى يبقى عدد أخير؛ فإذا كان المريض قد مرض يوم السبت فإن بقي عدد واحد فمصيره الموت؛ وإن بقي عددان سيطول أمده؛ وإن بقي ثلاثة شفي من المرض تماماً؛ أما إذا كان قد مرض يوم الأحد فإن بقي عدد واحد فسيشفى سريعاً؛ وإذا بقي عددان سيطول الأمد؛ وإذا بقي ثلاثة سيموت، وهكذا دواليك….

كما أنه لا يهم نوع المرض وفاعليته، بل الأهم في أيّ يوم أصيب بالمرض؟ وما هو اسم أمه؟ فلو أصيب شخصان بمرض يوم الثلاثاء معاً، وصادف اسم أم الاثنين هند، فسيشفيان معاً أيضاً في مدة واحدة، أو سيموتان معاً في مدة واحدة، ولا فرق في ذلك بين أن يكون مرض أحدهما السرطان، والآخر مجرد الزكام، بل أساس كلّ شيء هو اسم الأم، ويوم الابتلاء بالمرض!!

هذه هي طريقة الحكماء، لكن أيّ نوع من الحكماء؟ فالطبيب في السابق يختبر نبض المريض ولسانه وعينه، بدلاً من اسم أمه. إذاً ما هي هذه الطريقة؟! ومن أين أتت؟!

أما الحكيم بمعنى الفيلسوف فعمله الأساسي ينصّب في مجالات الوجود والماهية والجوهر والعرض وأمثال ذلك. إذاً فليس هذا من أساليب الحكماء إطلاقاً؛ بل قد استعمل اسم وعنوان الحكيم بغية إضفاء الشرعية على هذه الممارسات.

 

«الطيرة» ودلالاتها ــــــ

الطيرة مصدر طير، على وزن خيرة. ويقول السيد الشريف الجرجاني ـ وهو من كبار علماء الصرف ـ: لا يوجد في العربية على هذا الوزن إلا هذا المصدران، أي الطيرة والخيرة([13]). أما العلامة التهاوني فقد كتب عن الطيرة يقول: الطيرة هي الفأل الرديء، قال السيد الشريف في شرح المشكاة: قيل: الفأل عام في ما يسرّ ويسوء، والطيرة في ما يسوء فقط. والطيرة في الأصل بالسوانح والبوارح من الطيور والظباء وغيرها، فكأنهم كانوا يعتقدون لذلك تأثيراً في جلب منفعة أو دفع مضرة، فنهاهم النبي‘ عن ذلك. قال القاضي: العيافة الزجر، وهو التفاؤل بأسماء الطيور وأصواتها وألوانها، كما يتفاءل بالعقاب على العقوبة، والغراب على الغربة، وبالهدهد على الهدي، والفرق بينها وبين الطيرة أنها قد تكون تشاؤماً، وقد تكون تسعداً، والطيرة هي التشاؤم بها، وقد تستعمل بالتشاؤم بغيرها([14]).

وتشير الشواهد إلى أن الطيرة في الفارسية القديمة كانت بمعنى الإغاظة والحياء، أو المغتاظ والحيي([15]). وهذه المعاني ليست محل البحث هنا.

وعلّل ابن منظور إطلاق التطير على التشاؤم بأن العرب كان من شأنها عيافة الطير وزجرها والتطيّر ببارحها ونعيق غرابها…، ثم أعلم الله ـ جل ثناؤه ـ على لسان رسوله‘ أن طيرتهم بها [أي بالطيور] باطلة، ولذا قال الرسول‘: «لا عدوى، ولا طيرة، ولاهامة».

والتطير هو التشاؤم والفأل الرديء، لأن العرب كانت تطلق الطيور أو بعض الحيوانات الأخرى؛ فإن اتجهت نحو اليمين استبشروا خيراً، وانطلقوا في سفرهم أو سائر الأعمال؛ أما إذا اتجه الطير أو الحيوان شمالاً تركوا سفرهم للتشاؤم… وكان ذلك يصدهم عن مقاصدهم، فنفاه الشرع وأبطله ونهى عنه، وأخبر أنه ليس له تأثير في جلب نفع ولا دفع ضرر. وهذا معنى قوله‘: «لا طيرة»، أي التشاؤم الباطل. وجاء في حديث آخر له‘: «الطير شرك»؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن التطير يجلب لهم نفعاً أو يدفع عنهم ضرّاً إذا عملوا بموجبه، فكأنهم أشركوه مع الله في ذلك([16]).

 

الطيرة في القرآن الكريم ــــــ

علينا أن نعلم قبل كل شيء أن للطيرة تاريخاً موغلاً في القدم، وذلك عندما كان نظام العلية غير واضح للإنسان، أو عندما كان ينسب الظواهر الكونية والاجتماعية إلى عوامل وهمية؛ بسبب مفاهيمه الخاطئة.

أما في يومنا هذا، وقد اتضحت معالم الأنظمة الطبيعية وانسجامها مع بعضها البعض، وفهم مديات التأثر والتأثير في كل الأشياء، بالإضافة إلى تعاليم الإسلام المرشدة إلى كنه هذا الكون وعلاقات الإنسان بكل ما يحيط به، فقد بات من غير المبرّر الكلام عن الخرافة وتبنيها.

إن مسألة الاعتقاد بمقول: «خابت وأصابت» بشأن بعض الأحداث، ممّا هو رائج في أوساط بعض الأسر، لهي من أغرب الموروثات الخرافية المنتشرة بين مختلف الأمم والشعوب، كالاعتقاد بشؤم بعض الأشياء والأعداد والأيام.

على رغم أن الطيرة أو الفأل الرديء هو واحد من أشكال الخرافات فإن البعض عرّف الخرافة بما يفيد أن أبرز مصاديقها هو الطيرة تحديداً. فمثلاً: أولئك الذين رأوا أن قوام الخرافة هو الخوف من العوامل المجهولة لابدّ أن يعدوا الفأل الرديء من أبرز مصاديق تعريفهم.

تعد هذه الظاهرة ذات تاريخ وسابقة قديمة جداً، وممتزجة بطابع الشرك أيضاً؛ لأن القرآن الكريم نسبها إلى أقوام سالفة كانوا على صدام دائم مع الأنبياء^، فكانوا يتشاءمون منهم، وينسبون ما يحلّ بهم من ويلات إلى حضور الأنبياء في أوساطهم، أو أن ذلك ـ في أقل التقادير ـ كان ديدن من خاف على مكاسبه ومكانته: {قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِن ذُكِّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} (يس: 18 ـ 19).

وكان من نتائج سجالات الكفار مع نبي الله صالح× أن {قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ اللهِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ} (النمل: 47).

وقال تعالى في قصة موسى×: {فَإِذَا جَاءتْهُمُ الحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} (الأعراف: 131).

لقد كان أعداء الأنبياء ينسبون مصائبهم إليهم، إما عن جهل؛ أو عن علم، من أجل قلب الرأي العام عليهم. أما من وجهة نظر القرآن فإن «الطائر» هو صحيفة أعمال المرء: {وَكُلَّ إِنسَانٍ ألزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً * اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً} (الإسراء: 13 ـ 14). أي إن الإنسان هو المسؤول عن شقائه وشؤمه، فأعمال المرء هي التي تحدّد سعادته من شقائه.

تكشف لنا هذه النصوص القرآنية من جهة سابقة الطيرة التاريخية بوصفها أبرز أنماط الخرافات آنذاك، كما تؤكد من جهة أخرى محاربة الأنبياء للخرافة وعبادتها.

 

الطيرة في السنّة الشريفة ــــــ

ورد في مشهور روايات الرسول‘ ذمّ الطيرة واستحسان الفأل؛ لأن الإسلام لا يؤيد للناس ترك واجباتهم والتهاون فيها بذرائع واهية، فيتركون أسفارهم ومنافعهم وراءهم، وإنما يدعو إلى كل ما يشجعهم على المثابرة والتقدم. ولذ نجده يرفض ويحرم  فكرة الفأل الردي، والعمل له، فهو يصدّ عن السعي والعمل، لكنه يؤيد الفأل الحسن، الذي يثير في النفوس حسّ الاندفاع والأمل. وقد وردت هذه الرواية في المصادر الروائية والفقهية ـ عند السنة والشيعة ـ، فهي حجة على جميع المسلمين، ولابد من العمل بها: روى أبو هريرة عن الرسول‘ أنه قال: >لا طيرة، وخيرها الفأل، قالوا: يا رسول الله، وما الفأل؟ قال: الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم<([17]).

وروي أنس عنه‘ أيضاً: >لا عدوى، ولا طيرة، ويعجبني الفأل، الكلمة الطيبة والكلمة الصالحة<([18]).

وجاء في رواية أخرى، رداً على رجل ذكر موضوع الطيرة عند الرسول‘ فقال له: >أحسنها الفأل، ولا ترد مسلماً، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك<([19]).

وهناك روايات عديدة في هذا المجال، وبذات المضمون والدلالة أيضاً([20]).

 

الطيرة >شرك<ــــــ

لعل هذا التعبير هو الأشد وقعاً والأبلغ في حثّنا على الابتعاد عن الطيرة؛ لأن الابتعاد عنها يعني التوحيد، في حين هي من مصاديق الشرك.

فقد روي عن الرسول‘ أنه قال: >الطيرة شرك<([21])، و>من ردَّته الطيرة عن حاجته فقد أشرك<([22])، وقال أيضاً: >من خرج يريد سفراً فرجع من طير فقد كفر بما أنزل الله على محمد<([23]).

كما ورد التأكيد في روايات أهل البيت^ على ذم الطيرة ومخالفتها، حتى كان هذا العنوان باباً من الأبواب: >باب استحباب ترك الطيور والخروج يوم الأربعاء ونحوه، حلافاً على أهل الطيرة، وتوكلاً على الله<([24]).

جاء في تحف العقول أن الرسول‘ قال: إذا تطيَّرت فامضِ، وإذا ظننت فلا تحقق.

وروي عن الإمام موسى بن جعفر× أنه قال: الشؤم للمسافر في طريقه في خمسة: الغراب الناعق عن يمينه؛ والكلب الناشر لذنبه؛ والذنب العاوي الذي يعوي في وجه الرجل وهو مقعٍ على ذنبه، ثم يعوي، ثم يرتفع، ثم ينخفض، ثلاثاً، والظبي السانح من يمين إلى شمال؛ والبومة الصارخة…، فمن أوجس في نفسه منهنّ شيئاً فليقل: >اعتصمت بك يارب من شرّ ما أجد في نفسي، فاعصمني من ذلك<([25]).

 

التوكل هو الحل ــــــ

لقد حكم العقل والشرع ببطلان أي أثر للطيرة، لكن هناك من الناس من يعمل بتشاؤمه، فيحرم على نفسه ما كان حلالاً وطاهراً، وهو ما نهى عنه الشارع جملة وتفصيلاً. ومع ذلك ليس الإنسان في منأى عن تداعيات الطيرة في نفسه، فمن الأمور ما يختلج في الصدر عنوة؛ ولذا يقول الرسول‘: >ثلاثة لا يسلم منهنّ أحد: الطيرة، والظن، والحسد، فإذا تطيرت فلا ترجع، وإذا حسدت فلا تبغ، وإذا ظننت فلا تحقق<([26]). إذاً فهو‘ هنا يدعو إلى عدم الاعتناء بالطيرة والتشاؤم؛ عملاً بحكم الشرع، أما الحل في الجمع بين هذه الحالة النفسانية وحكم الشرع فهو التوكل على الله القدير المقتدر. يقول الرسول‘ أيضاً: >كفارة الطيرة التوكل<([27]).

وورد في حديث آخر أن الله يبطل أثر الطيرة بالتوكل([28]).

تعد الطيرة والتشاؤم أو سائر الخرافات نوعاً من الحالات النفسانية، بغضّ النظر عن الإفرازات الثقافية؛ أي كلما اهتم الإنسان بالطيرة والتشاؤم، وآمن بآثارٍ لهما، كان أكثر عرضة لها، أو تجده ـ في أقل التقادير ـ يتجنّب كثيراً من الفرص، فيحرم نفسه من بعض الفوائد. وبناءً عليه فالإنسان هو من يصعّب أمر حياته إذا حمل موضوع الطيرة على محمل الجدّ، أو بالعكس من ذلك إذا أهمل هذا الموضوع حصل على حياة بسيطة يسيرة مرضية عند الله ورسوله. ولعل هذا هو معنى رواية الإمام الصادق× عن الرسول‘: >كفارة الطيرة التوكل». وقال× في رواية أخرى: >الطيرة على ما تجعلها؛ إن هونتها تهونت؛ وإن شددتها تشددت؛ وإن لم تجعلها شيئاً لم تكن شيئاً<([29]).

ولعل من ذلك قول الرسول‘ أيضاً: >لا طيرة، والطيرة على من تطيَّر<([30]).

 

>الحظ<، حقيقة أم وهم؟ ــــــ

تمر في حياتنا اليومية الكثير من الحوادث الغريبة، فنصطلح على أسبابها مفردات (سوء الحظ) أو (حسن الحظ). ومثال ذلك حكاية تقول: هناك مائدة طعام جاهزة حضر عليها جميع أفراد العائلة، وبعد لحظات يقوم الابن الأصغر فيترك الأكل، ويذهب خارجاً، هنا يذهب خلفه الابن الأكبر يستطلع الأمر، ثم يستغرب الأب للحالة فيخرج خلفهما أيضاً، هنا يعتري القلق الأم؛ خشية أن يغضب الأب فيوبّخ الأولاد، فتجري خلفهم هي الأخرى، الأمر نفسه يقلق البنت فتلحق الجميع. وبمجرد خروج الجميع يتهاوى سطح غرفتهم، فيسقط وينهار على الأرض.

وهذه حادثة واقعية، لكن كيف يمكن تفسيرها؟ فلم يُصَبْ أيّ أحد بأذى، والأغرب في ذلك أنه لا يوجد أيّ سبب لخروج الابن الأصغر إطلاقاً….

لاشك أن أول ما سيتبادر إلى أذهان عامة الناس في تفسير الحالة هو عنصر الحظ وحسن الطالع؛ إذ كان من الطبيعي أن يصاب أو يقتل الجميع، لكن كأن يداً غيبية جاءت ونجّت الجميع.

كما ورد في قصص التاريخ عكس هذه الحادثة أيضاً، فهناك قصص عجيبة جداً تذهل القارئ وتضحكه في الوقت ذاته، منها: كان أحدهم ماضياً في طريقه، فإذا برجل سقط من أعلى البناية تماماً على رأس الرجل العابر، فتكسر رقبته، أما الساقط من الأعلى فيصاب برضوض بسيطة فقط. لهذه القصة وجهان: فما حصل للرجل الساقط من الأعلى هو بفعل حظه الجيد وطالعه الحسن؛ أما ما حصل مع الرجل العابر فهو من سوء حظه وطالعه الرديء.

أحياناً تكون حادثة أو اصطدام ما سبباً في تحول حياة الفرد، فإما أن تتحسن حياته؛ أو تسوء، من قبيل: أن يلتقي المرء في سفره شخصاً، فيتحول هذا اللقاء إلى نقطة تحول في حياته ونجاحاته، فيكوّن أسرة ومكانة له في المجتمع.

أو مثلاً: هناك شخص يعمل على إنتاج سلعة ما يبيع منها كميات هائلة، وتردّ عليه بسبب بعض الملابسات في الاتفاقية، فينتاب صاحبها القلق من الإفلاس والانهيار، وبعد مدة قليلة يصادف أن تفقد السلعة في السوق، فيتضاعف سعر المخزون لدى هذا الرجل، وإذا به يحقّق أرباحاً مذهلة.

إذاً هل يصح أن تحمل هذه المجريات والحوادث على حساب الطالع الجيد والرديء أم يتعين علينا أن نتخذ موقف الفلاسفة، فننكر الطالع من أساسه؟([31]).

في الواقع قد لا تقودنا بعض الأحداث إلى ما نرغب فيه، بل تقودنا إلى ما نكره الوصول إليه، لكننا في نهاية المطاف نتنبه إلى وصولنا إلى أفضل ممّا كنا نتمنى، وأحياناً يقع العكس، فتسير الرياح بما نهوى، فنقتنع تماماً بما يجري، و فجأة نتنبه أننا نسير في الطريق الخطأ، وقد ابتعدنا كل البعد عن مصلحتنا.

أما سبب هذه الملابسات فواضح جداً؛ لأن التنبؤ بما سيقع في المستقبل صعب أو مستحيل في الأغلب. ثم إننا حين نخطط لأعمالنا غالباً ما ننسى بعض العناصر الهامة جداً. ولهذا قد يكون ما نراه مستحسناً وبالاً علينا. يقول الله تعالى في محكم كتابه العزيز: {عَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} (البقرة: 216)، {فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً} (النساء: 19).

فضلاً عن النتائج الطبيعية التي يمكن أن تفرزها الإرادة والسعي في تحقيق مرادنا المنشود هناك أيضاً مؤثِّرات أخرى، كعناصر الزمان والمكان وطبيعة الأجواء، من شأنها أن تؤثّر على مسار أنشطتنا ومعطياتها، وأهم من هذا كله المشيئة العليا: {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلا أَن يَشَاء اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ} (التكوير: 29).

يسير الكون وفق حدود وإرادة معينة. فقد وضع سبحانه وتعالى علة لكل معلول ولكل علة معلولاً. فكلما تعزّزت عقيدتنا ومعرفتنا تجاه هذه العناصر كلما تقدمنا في إحراز متطلباتنا وتدبير أمورنا ومسايرة الصعاب أيضاً، إلا أن نظرتنا اليومية المعتادة لقضايا الحياة الأساسية تحول دون تحقق النظرة العلوية للأشياء. فنحن أحياناً قد نتجاهل أوضع الأشياء، من قبيل: آثار الفسق والفجور ودورهما في سلب البركة من المال. وليس علمنا ومجهودنا هما كل شيء في جميع ما يحصل من أمور الحياة، فهناك العديد من المجريات التي ما انفك زمامها بيد الإرادة والمشيئة الربانية. لكن لا ريب ولا شك أننا في مقدمة أسبابها أيضاً. فالسعي الدؤوب الهادف، وإعداد الأرضية اللازمة، والإرادة الصحيحة، واعتماد المصادر المالية والقوى الإنسانية، واكتساب المهارات العلمية والتجريبية، كل هذه عوامل دخيلة في إحراز النجاح والتقدّم للإنسان، ولا ينبغي ربط الموضوع بالحظ والمحظوظ أبداً. وفي المقابل ـ كما ذكرنا ـ هناك أمور تقدّر بعيداً عن مجريات العالم المادي، ولا يمكن التأثير عليها إلا من خلال صالح الأعمال، وحسن النوايا، وطبيعة الشخصية والذات البشرية الحاضرة في الموقف، أما المقرر الأول والأخير فهو الله عزّ وجلّ: {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلا أَن يَشَاء اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ} (التكوير: 29).

إن من شأن الجهل بالواقع والانزلاق في فخ «كل ما أعاني فمن سوء حظي» أن يلقي بصاحبه في ظلمات يستحيل إنقاذه منها. فالإيمان بهذه الفكرة وما يصاحبها من إساءة ظنّ وتشاؤم ستتسبب في ضياع الفرص، وتعتيم مسارات الحياة، وكما يقول أحد علماء النفس: «حين نخشى ضياع الأشياء سنكون ملكاً لممتلكاتنا…»([32]).

 

الهوامش

([1]) ولتر، فرهنـﮓ فلسفي، نقلاً عن: روان شناسي خرافات: 1.

([2]) المصدر السابق: 4.

([3]) المصدر السابق: 5.

([4]) المصدر السابق.

([5]) المصدر السابق: 60.

([6]) المصدر السابق: 37. وقد وردت في الفصل الثاني من الكتاب أرقام وإحصائيات أخرى حول انتشار الخرافات في أوروبا.

([7]) المصدر السابق: 63.

([8]) صادق هدايت فرهنگ عاميانه مردم إيران: 22، طهران، منشورات چشمه، 1378.

([9]) روان شناسي خرافات: 67.

([10]) المصدر السابق: 72.

([11]) المصدر السابق: 4.

([12]) ميرزا أيوب صادقي نجاد، خزائن الأسرار، منشورات التراث الخالد، قم، 1381.

([13]) مير سيد شريف الجرحاني، التعريفات: 61، مصر، المطبعة الخيرية، 1306هـ.

([14]) محمد علي التهانوي، كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم 2: 1143، لبنان، مكتبة ناشرون، 1996.

([15]) ابن منظور، لسان العرب 4: 152.

([16]) النووي، شرح صحيح مسلم 14: 218 ـ 219.

([17]) مسند أحمد بن حنبل 2: 406.

([18]) المصدر السابق 2: 420.

([19]) المصدر السابق 3: 251؛ صحيح البخاري 7: 16، 27؛ سنن ابن ماجة 1: 34.

([20]) انظر على سبيل المثال: ابن حجر العقلاني، فتح الباري 10: 180.

([21]) المتقي الهندي، كنز العمال، الحديث رقم 28556.

([22]) المصدر السابق.

([23]) المصدر السابق، الحديث رقم 28570.

([24]) الحر المعاملي، وسائل الشيعة 8: 262 ـ 263.

([25]) المصدر نفسه.

([26]) ابن حجر العسقلاني، فتح الباري 10: 180.

([27]) الحر العاملي، وسائل الشيعة 15: 584، الباب 35.

([28]) أبو داوو، سنن أبي داوود 2: 231.

([29]) محمد حسين الطباطبائي، الميزان 19: 79؛ الحر العاملي، وسائل الشيعة 8: 262 ـ 263.

([30]) ابن حجر، فتح الباري 10: 180.

([31]) محمد حسين الطباطبائي، بداية الحكمة: 120؛ نهاية الحكمة: 240.

([32]) راشل نائومي ريمن، سخت خوب، ترجمة: مهدي مجرد زاده كرماني، مجلة روان شناسي جامعه العددان: 4 و5.

الكاتب السيد حيدر علوي نجاد

السيد حيدر علوي نجاد

مواضيع متعلقة

اترك رداً

downloadfilmterbaru.xyz bigoporn.club bok3p.site sablonpontianak.com