أحدث المقالات
 

تنشأ علاقة المعارف بالمصالح والحقائق بالمعايير، حسبهابرماس، عبر جدلية موضوعات ثلاثة، كسلوك نابع من الحداثة (المعدلة من لدنهابرماس). ويتسنى لنا من ذلك، تشخيص منهجيتها في العقلنة، ولاسيما في معرفةتموضع فلسفة التواصل فيها، بإعتبارها منفذ هابرماس لإعادة بناء الحداثة،وهذه الموضوعات تتشكل في إطار عوالم ثلاث هي: العالم الموضوعي – الطبيعيوالعالم الاجتماعي والعالم الذاتي.

وتتجسد العقلانيات هذه بتنظيم وترشيد الفاعليات المرتبطة بالعوالم الثلاث، ثلاثية السياق الهابرماسي:

-1 في مقابل العالم الطبيعي، يُنتج مفهوم الفعل الأداتي؛والذي معه أصبح هم العقل الوحيد هو إنتاج السيطرة على الموضوع دونما اكتراثبما ينتجه أو بقيمته النظرية، وفي محاول سيطرة الذات على موضوعها، ومسكه،من اجل الهيمنة عليه، وتحقيق النجاحات المبتغاة منه، وبالفعالية التيتحوِّل كل ما يحيط بها إلى شيء حتى العقل نفسه، وذلك يتم اليوم عبرالتقنية، عن هذا السلوك، وتكمن فائدة هذه الفاعلية في القدرة على توفيرأشياء بفضل التقنيات، مروراُ بتفسير الحوادث واختبارها، تجريبيا، وبذلكيمثل الفعل الأداتي، براكسيس السيطرة على العالم الطبيعي الخارجي، وهوبتوجهه نحو الطبيعة ينقسم إلى قسمين: الأول: التقني- الأداتي، والثاني: التجريبي، والأول يتوجه موضوعه نحو الواسطة في السيطرة، وذلك خيار الفاعل،والثاني موضوعه ما هو كائن ومتحقق في العالم الموضوعي وما يمكن أن ينبثقعنه، فالأداتي هو فعل لإمكانيات وشروط التحقق، وأقصد هو ما يبحث في كيفيةالتطبيق العلمية كسلوك سيطرة على الطبيعة، بينما الفعل التجريبي هو فعللاحق إذ انه يتعلق بما تنتجه الطبيعة، وذلك عكس الأداتي، بما تنتجه التقنيةعبر الذات التي تطمح إلى السيطرة على العالم الخارجي.

-2في مقابل العالم الاجتماعي، تتجلى فاعليتان عقلانيتان:

أ- الفاعلية الإستراتيجية، هي فاعلية تنافسية تهدف إلىقمع أفعال الآخرين، ومحاصرتها بغية التفوق عليها، وهي قد تتجلى على شكلنقاشات صريحة، يهدف المشارك فيها إلى التغلب على الآخر، أو مضمرة عبر أفعالتنطوي على الخداع أو التحريف الإيديولوجي، وذلك كله، يهدف بطبيعته، إلىالنجاح، والسيطرة، وتلك السيطرة ومنطق الربحية والنجاح، قد يحصل داخلالأنساق الاجتماعية (النظم الاجتماعية: الاقتصاد، السياسة،..) وخارجها،والخارج هو مجموعة العوالم المعاشة الذاتية الإنسانية التي هيمن عليهاالفعل الإستراتيجي بواسطة تلك النسقية.

ب- الفاعلية التواصلية: يرى هابرماس أن الفاعلية الأداتيةالإستراتيجية، تجاوزت مديات موضوعها وهو الطبيعة، والهدف نحو النجاحوالسيطرة، لتحاول أن تهيمن على موضوع الإرادة الحرة – الإنسان، بعوالمهالذاتية الخاصة وتجاربه التشاركية مع الآخرين، والتي ترتكن إلى التفاهم، لاإلى الربح والنجاح والسيطرة، على ذلك يوجب هابرماس الانعطاف بمسار العقلنةنحو درب من التواصلية بين الذوات الفاعلة الاجتماعية (الفاعليةالتواصلية)، أو المشاركة البينذاتية في نقاش- تداولي، يهدف نحو فهمالسلوكيات المتحصلة بين أفراد المجتمع، والذي إن حصل، مع هذه السيطرةللعقلانية الهادفة نحو النجاح، فإنه سيكون مشوهاً وغير صحيح، وما أن يحصلتكيف الأشكال الاجتماعية للإنتاج والتداول مع تقدم التقنيات العلمية، فإنذلك يجعل أمر شكل النشاط واحد مسيطراً، انه تحديداً الشكل الأداتي”.

-3 ويمكن إضافة فاعلية التأمل أو التحرر، والتي لا يشيرلها على حد علمنا، أغلب الباحثين الذين ناقشوا الموضوع، والتي يعطيهاهابرماس صفة المعرفة التأملية، والتي لا تشير نصوصه إلى فاعلية منفصلة لها،إلا كنقد وتحرر، ينتهجه هابرماس لإعادة هيبة الفلسفة، وهذه الفاعلية بقدرما تتضح منفصلة فهي متصلة من الجانب الآخر بكونها تتماهى داخل الفاعليتينالأوليتين ضمناً وتتماهى الفاعليتين فيها إنعكاسياً، وهذا هو مشروع النظريةالنقدية الهابرماسية، وهنا ينقسم الفعل التأملي إلى قسمين هما: النظريوالذاتي، ويقصد بالنظري البحث في شروط تحقق المعارف، ونقدها، وكشف زيفها،والتأمل الذاتي ينعكس على الذات ليحولها إلى موضوع لذاتها، ليكشف فيهامواطن الادلجة والتشويه، واللاشعور المسيطر على الذات. ومهمة هذه الفاعلية،ومن خلال النقد، أن تكشف هيمنة العقل الأداتي عبر التقنية، أو هيمنةالأنساق عبر الإيديولوجيات الأخرى، في سبيل دعم مشروع التواصل وتحريره وعدمإبقائه مشوهاً، من اجل أن يحقق غايته الإنسانية الأساسية وهي الفهم،وتحويل هذا الفهم من غاية للتأمل الذاتي والنظري، إلى أداة ووسيلة، لتحقيقالإجماع، عبر النقاش والحوار بين الأفراد المتواصلين.

وبذلك تمثل فاعلية التأمل والتحرر وسيلة لكشف ظاهرةالادلجة والانفكاك منها. (ووفقاً لهابرماس، فإن ظاهرتي السيطرةوالايدولوجيا، كظاهرتي التحرر ونقد الايدولوجيا، يأخذان وضعهما تماما فيمجال الفعل التواصلي)، لكن فصلنا لهذا النوع من الفاعلية هو تحليلي لغرضتبيان مهمات الفعل الذاتي والاجتماعي، أكثر من كونه تمييزاً لمجال الفاعليةالعقلانية، فهو يمكن أن ينعكس في الممارسة الاجتماعية برفقة التحرر معالفعل التواصلي، وان كنا في غيرها، مثل الأداتية أو الإستراتيجية، نحتاجدائماً إلى تأكيد انفصال مجالاتها.

تتحقق هذه الفاعلية في نظر هابرماس، بتأسيسه لفكرةالمجتمع العقلاني، الذي يعد الضمانة لمشروعية النقد، وان كان هذا الضمانفيه نوع من المرجعية المتعالية لا المادية، إلا أنه يرى أن النقد مستحيل مالم يكن بالإمكان اختبار الموقع العيني الذي نمثله إزاء بعض المواقفالعقلانية، ولذلك يتحول هابرماس إلى نماذج مثل اللسانيات والتحليل النفسي ،وهي تمثل فاعلية هذا الضرب من العقلنة.

وعلى ما سبق فلا يمكن اختزال النشاط الاجتماعي إلى نشاطاستراتيجي، إذا كانت الحياة لا ترتكز سوى على الملاحظة المتبادلة والجرينحو السلطة والتحكم في الأشياء، فإنه سيكون من المستحيل معرفة لماذا، منمنظور المشاركين، لانستطيع التمييز بشكل دقيق إذا ما كان يسعى إلى إقناعنابحجج وأدلة، ويلزمنا بقرارات أو يتصرف بخدع.

 


Facebook
Twitter
Telegram
Print
Email

اترك تعليقاً